الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : الكامل في اللغة والأدب
    المؤلف : المبرد
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وحدثت أ، مدنياً كان يصلي منذ طلعتِ الشمسُ إلى أن قارب النهار أن ينتصف، ومن ورائه رجلٌ يتغنى، وهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا رجلٌ من الشرط قد قبض على المغني، فقال: أترفعُ عقيرتك بالغناء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخذه، فانفتل المدني من صلاتهِ، فلم يزل يطلبُ إليه فيه حتى استنقذه، ثم أقبل عليه فقال: أتدري لم شفعت فيك؟ فقال: لا والله، ولكن إخالك رحمتني؛ قال: إذاً فلا رحمني الله! قال: فأحسبك عرفتَ قرابةٌ بيننا؟ قال: إذاً فقطعها الله! قال: فليدٍ تقدمت مني إليك؟ قال: لا والله، ولا عرفتك قبلها، قال: فخبرني، قال: لأني سمعتك غنيت آنفاً، فأقمت واوات معبدٍ، أما والله لو أسأت التأدية لكنتُ أحدَ الأعوان عليك! والصوت الذي ينسب إلى واوات معبدٍ شعرُ الأعشى الذي يعاتب فيه يزيد بن مسهرٍ الشيباني، وهو قوله:
هريرةَ ودعها وإن لام لائمُ ... غداة غدٍ أم أنت للبينِ واجمُ
لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويتهُ ... تقضى لباناتٌ ويسأم سائمُ
قوله: " هريرةَ ودعها وإن لامَ لائمُ " منصوب بفعل مضمر، تفسيره ودعها كانه قال: ودع هريرة، فلما اختزل الفعل أظهر ما يدل عليه، وكان ذلك أجود من ألا يضمرَ، لأن الأمر لا يكون إلا بفعل، فأضمر الفعل إذ كان الأمر أحق به،وكذلك زيداً اضربه وزيداً فأكرمه وإن لمتضمر ورفعت جاز، وليس في حسن الأولِ، ترفعه على الابتداءِ وتصيرُ الأمر في موضع خبره. فأما قول الله جل وعزَّ: " والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما " المائدة: 38 وكذلك: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدةٍ " النور: 2 فليس على هذا، والرفعُ الوجه، لأنمعناهُ الجزاءُ، كقوله: الزانيةُ أي التي تزني، فإما وجب القطع للسرق والجلد للزنا، فهذا مجازاة، ومن ثم جاز: الذي يأتيني فله درهمٌ، فدخلت الفاءُ لأنه استحق الدرهم بالإتيان، فإن لم ترد هذا المنى قلت الذي يأتيني له درهمٌ، ولا يجوزُ: زيدٌ فله درهمٌ، أو هذا زيدٌ، فحسن جميلٌ، جازَ، على أن زيداً خبرٌ. وليس بابتداءٍ، للإشارة دخلت الفاءُ، وفي القرآن: " الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سراً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم " البقرة: 274، ودخلتِ الفاءُ لأن الثواب دخل للإنفاق. وقد قرأت القراءُ: " الزانية والزاني فاجلدوا " النور: 2 " السارق والسارقة فاقطعوا " المائدة: 38 بالنصبِ، على وجه الأمر، والوجه الرفعُ، والنصبُ حسنٌ في هاتين الآيتين، وما لم يكن فيه معنى جزاءِ فالنصبُ الوجهُ.
؟فخر معبد بخمسة أصوات من غنائه ويروى أن معبداً بلغه أن قتيبة بن مسلم فتح خمس مدائن، فقال: لقد غنيت خمسةَ أصواتٍ، هن أشد من فتح المدائن التي فتحها قتيبة. والأصواتُ:
ودع هريرةَ إن الركبَ مرتحِلُ ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجلُ
وقوله:
هريرةَ ودعها وإن لام لائمُ ... غداة غدٍ أم أنت للبين واجمُ
وقوله:
رأيتُ عرابةً الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرينِ
وقوله:
ودع لبابةَ قبل أن تترحلا ... واسأل فإن قليله أن تسألا
وقوله:
لعمري لئن شطت بعثمة دارها ... لقد كنت من خوف الفراق أليحُ
أما قوله:
ودع هريرة إن الركب مرتحلُ
فللأعشى، يعاتب فيهما يزيد بن مسهر الشيباني، يقول:
أبلغ يزيد بني مألكةً ... أنا ثبيب أما ينفك تأتكلُ
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها من أطت الإبلُ
كناطح صخرةً يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ
ويقولُ في الأخرى يعاتبه أيضاً:
يزيد يغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيهِ علي المحاجمُ
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفكَ راغمُ
فأقسم إن جد التقاطع بيننا ... لتصطفقن يوماً عليكَ الخوادمُ
وتلقى حصانٌ تنصف ابنة عمها ... كما كان يلقى الناصعاتُ الخوادمُ
إذا اتصلت قالت: أبكرَ بن وائلٍ؟ ... وبكرٌ سبتها والأنوف رواغمُ
فأما الشعر الثالث فللشماخ بن ضرار بن مرة بن عطفان، يقوله لعرابة بن أوس بن قيظي الأنصاري:

(1/179)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية