الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي مصدر الكتاب : موقع الوراق http://www.alwarraq.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] |
وقالوا: لما كان يومَ الجَمل ما كان، وظَفِر عليُّ بن أبي طالب دنا من هَودج عائشة، فكلّمها بكلام. فأجابته: ملكتَ فأسْجع. فجهَّزَها عليّ بأحسن الجِهَاز وبَعث معها أربعين امرأة - وقال بعضُهم: سبعين امرأة - حتى قَدِمَت المدينة. عكرمةُ عن ابن عباس قال: لما انقضى أمرُ الجمل دعا علي بن أبي طالب بآجرتين فعلاهما، فَحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أنصارَ المرأة، وأصحابَ البَهيمة، رَغا فجئتُم، وعُقر فهُزمتم، نَزلتم شرَّ بلاد، أبعدها من السماء، بها مَغيض كل ماء، ولها شرُّ أسماء، هي البَصرة والبُصيرة والمُؤتفكة وتَدْمر، أين ابن عباس؟ قال: فدُعيت له من كل ناحية، فأقبلت إليه، فقال: ائت هذه المرأة، فَلْترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تَقَر فيه. قال: فجئتُ فاستأذنتُ عليها، فلم تَأذن لي، فدخلتُ بلا إذن ومَددت يدي إلى وِسادة في البيت فجلستُ عليها. فقالت: تاللّه يا بن عباس ما رأيتُ مثلك! تَدخل بيتَنا بلا إذننا، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا. فقلت: واللّه ما هو بيتُكِ، ولا بيتُكِ إلا الذي أمرك اللّه أن تَقرِّي فيه فلم تَفعلي، إن أمير المؤمنين يأمرك أن تَرجعي إلى بلدك الذي خرجتِ منه. قالت: رحم اللّه أميرَ المؤمنين، ذاك عمرُ بن الخطّاب. قلتُ: نعم، وهذا أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب. قالت: أبيتُ أبيت. قلت: ما كان إباوك إلا فُوَاقَ ناقة بكيئة، ثم صرتِ ما تُحْلِينَ ولا تُمرِّين، ولا تَأمرين ولا تَنْهين. قال: فبكت حتى علا نشيجًها. ثم قالت: نعم، أرجعُ؛ فإن أبغض البلدان إلي بلدٌ أنتم فيه. قلت: أما واللّه ما كان ذلك جزاؤُنا منك إذ جَعلناك للمُؤمنين أمًّا، وجعلنا أباك لهم صِدِّيقاً. قال: أتمُنُّ فيَ برسول الله يا بن عباس؟ قلتُ: نعم، نمنّ عليك بمن لو كان منكِ بمنزلته منَا لمننتِ به علينا. قال ابن عبّاس: فأتيتُ عليًّا فأخبرتُه، فقبّل بين عينيَّ، وقال: بأبي ذريَّة بعضا من بعض واللّه سميع عليم. ومن حديث ابن أبي شَيبة عن ابن فًضيل عن عَطاء بن السائب: أن قاضيا من قُضاة أهل الشام أتى عمرَ بن الخطاب، فقال: يا أميرَ المؤمنين، رأيتُ رؤيا أفْظعتني. قال: وما رأيتَ؟ قال: رأيتُ الشمس والقمر يَقتتلان والنجومَ معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنتَ؟ قال: مِع القمر على الشمس. قال عمرُ بن الخطاب: " وجَعَلنا اللَيْلَ والنهارَ آيتَيْن فَمَحَوْنا آية الفَيْل وجَعلنا آيةَ النَّهار مُبْصِرَة " فانطلِقْ، فوالله لا تَعمل لي عملاً أبداً. قال: فبلغني أنه قُتل مع مُعاوية بصفين. أبو بكر بن أبي شَيبة قال: أقبل سُليمان بن صرُد، وكانت له صُحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى علي بن أبي طالب بعد وقعة الجمل، فقال له: تنأنأت وتَزحزحت وتربّصت، فكيف رأيت الله صنَع؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الشوط بَطِين، وقد بقي من الأمور ما تَعرف به عدوك من صَديقك. وكتب عليُّ بن أبي طالب إلى الأشعث بن قيس بعد الجَمل، وكان والياً لعثمان على أذْرَبيجان: سلامٌ عليك، أما بعد. فلولا هَنات كنّ منك لكنت أنت المُقدم في هذا الأمر قبل الناس، ولعل أمركَ يحمل بعضُه بعضاً إن اتقيتَ اللّه، وقد كان من بَيعة الناس إِيَّاي ما قد بَلغك، وقد كان طلحةُ والزبير أولَ من بايعني ثم نَكثا بيعتي من غير حَدَث ولا سَبب، وأخرجا أمَّ المؤمنين، فساروا إلى البَصرة، وسرتُ إليهِم فيمن بايعني من المُهاجرين والأنصار، فالتقينا، فدعوتهم إلى أن يَرجعوا إلى ما خَرجوا منه، فأبوْا، فأبلغتُ في الدُعاء وأحسنتُ في البُقيا، وأمرتُ ألا يُذفّ على جريح ولا يُتبع مُنهزم ولا يُسلب قَتيل، ومَن ألقى سلاحَه وأغلق بابه فهو آمن. واعلم أن عملك ليس لك بطُعْمة، إنما هو أمانة في عُنقك، وهو مال من مال اللّه، وأنت من خُزَاني عليه حتى تُؤديه إليّ إن شاء الله، ولا قُوةَ إلا بالله. فلما بلغ الأشعث كتابُ عليّ قام فقال: أيها الناس، إن عثمان بن عفان ولّاني أذربيجان فهلك، وقد بقيتْ في يدي، وقد بايع الناسُ عليًّا وطاعتُنا له واجبة، وقد كان من أمره وأمر عدوّه ما كان، وهو المأمون على مَن غاب من ذلك المَجْلس، ثم جلس. (2/108)
قولهم في أصحاب الجمل