الموسوعة الشاملة
www.islamport.com


    الكتاب : العقد الفريد
    المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    http://www.alwarraq.com
    [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

العتبي قال: لما أتي بابن هبيرة إلى خالد بن عبد الله القسري وهو والي العراق، أتي به مغلولاً مقيداً في مدرعة، فلما صار بين يدي خالد ألقته الرجال إلى الأرض؛ فقال: أيها الأمير، إن القوم الذين أنعموا عليك بهذه النعمة قد أنعموا بها علي من قبلك، فأنشدك الله أن تستن في بسنة يستن بها فيك من بعدك. فأمر به إلى الحبس؛ فأمر ابن هبيرة غلمانه فحفروا له تحت الأرض سرداباً حتى خرج الحفر تحت سريره، ثم خرج منه ليلاً وقد أعدت له أفراس يداولها، حتى أتى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به فأجاره، واستوهبه مسلمة من هشام ابن عبد الملك فوهبه إياه. فلما قدم خالد بن عبد الله القسري على هشام وجد عنده ابن هبيرة، فقال له: إباق العبد أبقت؛ قال له: حين نمت نومة الأمة.
فقال الفرزدق في ذلك:
لما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... فلم يبق إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا
خرجت ولم تمنن عليك شفاعة ... سوى حثك التقريب من آل أعوجا
ودخل الناس على ابن هبيرة بعدما أمنه هشام بن عبد الملك يهنئونه ويحمدون له رأيه، فقال متمثلاً:
من يلق خيراً يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
ثم قال لهم: ما كان وقلكم لو عرض لي أو أدركت في طريقي؟ ومثل هذا قول القطامي:
والناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
عبد الله بن سوار قال: قال لي ربيع الحاجب: أتحب أن تسمع حديث ابن هبيرة مع مسلمة؟ قلت: نعم؛ قال: فأرسل لخصي كان لمسلمة يقوم على وضوئه، فجاءه، فقال: حدثنا حديث ابن هبيرة مع مسلمة؛ قال: كان مسلمة بن عبد الملك يقوم من الليل فيتوضأ ويتنفل حتى يصبح فيدخل على أمير المؤمنين، فإني لأصب الماء على يديه م آخر الليل وهو يتوضأ إذ صاح صائح من وراء الرواق: أنا بالله وبالأمير؛ فقال مسلمة: صوت ابن هبيرة، اخرج إليه. فخرجت إليه ورجعت فأخبرته؛ فقال: أدخله، فدخل؛ فإذا رجل يميد نعاساً، فقال: أنا بالله وبالأمير؛ قال: أنا بالله وأنت بالله؛ ثم قال: أنا بالله وبالأمير؛ قال: أنا بالله وأنت بالله، حتى قالها ثلاثاً؛ ثم قال: أنا بالله، فسكت عنه، ثم قال لي: انطلق به فوضئه ولصصل، ثم اعرض عليه أحب الطعام إليه فأته به وافرش له في تلك الصفة - بصفة بين يدي بيوت النساء - ولا توقظه حتى يقوم متى قام. فانطلقت به فتوضأ وصلى وعرضت عليه الطعام، فقال: شربة سويق، فشرب، وفرشت له فنام؛ وجئت إلى مسلمة فأعلمته، فغدا إلى هشام، فجلس عنده حتى إذا حان قيامه، قال: يا أمير المؤمنين، لي حاجة؛ قال: قضيت إلا أن تكون في ابن هبيرة؛ قال: رضيت يا أمير المؤمنين، ثم قام منصرفاً، حتى إذا كان أن يخرج من الإيوان رجع، فقال: يا أمير المؤمنين، عودتني أن تستثني في حاجة من حوائجي، وإني أكره أن يتحدث الناس أنك أحدثت على الاستثناء؛ قال: لا أستثني عليك؛ قال: فهو ابن هبيرة. فعفا عنه.
بلغ هشام بن عبد الملك عن رجل كلام غليظ، فأحضره. فلما وقف بين يديه جعل يتكلم؛ فقال له هشام: وتتكلم أيضاً؟ فقال الرجل: يقول الله عز وجل: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " فنجادل الله تعالى جدالاً ولا نكلمك كلاماً؟ فقال هشام بن عبد الملك: ويحك! تكلم بحاجتك.
فضيلة العفو والترغيب فيه
كان للمأمون خادم، وهو صاحب وضوئه، فبينما هو يصب الماء على يديه، إذ سقط الإناء من يده، فاغتاظ المأمون عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: " والكاظمين الغيظ " . قال: قد كظمت غيظي عنك. قال: " والعافين عن الناس " . قال: قد عفوت عنك. قال: " والله يحب المحسنين " . قال: اذهب فأنت حر.
أمر عمر عبد العزيز بعقوبة رجل، فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين، إن الله قد فعل ما تحب من الظفر، فافعل ما يحبه من العفو.
الأصمعي قال: عزم عبد الله بن علي على قتل بني أمية بالحجاز، فقال له عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: إذا أسرعت بالقتل في أكفائك، فمن تباهي بسلطانك، فاعف يعف الله عنك.

(1/150)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية