صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

وكان مبتدئا فى الايمان والأمان وكانوا هم قد اعرضوا عن كثير من احكام الايمان
فكان من حكمه الله ورحمته بالمؤمنين ان ابتلاهم بما ابتلاهم به ليمحص الله الذين آمنوا وينيبوا الى ربهم وليظهر من عدوهم ما ظهر منه من البغي والمكر والنكث والخروج عن شرائع الاسلام فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر وبعدوهم ما يستوجب به الانتقام
فقد كان فى نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيتهم من الشر الكبير ما لو يقترن به ظفر بعدوهم الذي هوعلى الحال المذكورة لأوجب لهم ذلك من فساد الدين والدنيا ما لا يوصف كما ان نصر الله للمسلمين يوم بدر كان رحمة ونعمة وهزيمتهم يوم احد كان نعمة ورحمة علىالمؤمنين فان النبى قال لا يقضى الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك لأحد الا للمؤمن ان اصابته سراء فشكر الله كان خيرا له وان اصابته ضراء فصبر كان خيرا له
فلما كانت حادثة المسلمين عام اول شبيهة بأحد وكان بعد احد بأكثر من سنة وقيل بسنتين قد ابتلى المسلمون عام الخندق كذلك فى هذا العام ابتلى المؤمنون بعدوهم كنحو ماابتلى المسلمون

(28/432)


مع النبى صلى الله عليه و سلم عاما الخندق وهي غزوة الأحزاب التى انزل الله فيها سورة الأحزاب وهى سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة التى نصر الله فيها عبده واعز فيها جنده المؤمنين وهزم الأحزاب الذين تحربوا عليه وحده بغير قتال بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم ذكر فيها خصائص رسول الله وحقوقه وحرمته وحرمة اهل بيته لما كان هو القلب الذي نصره الله فيها بغير قتال كما كان ذلك فى غزوتنا هذه سواء وظهر فيها سر تأييد الدين كما ظهر فى غزوة الخندق وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق
وذلك ان الله تعالى منذ بعث محمدا وأعزه بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة اقسام قسما مؤمنين وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا وقسما كفارا وهم الذين اظهروا الكفر به وقسما منافقين وهم الذين آمنوا ظاهرا لا باطنا
ولهذا افتتح سورة البقرة بأربع آيات فى صفة المؤمنين وآيتين فى صفة الكافرين وثلاث عشرة آية فى صفة المنافقين
وكل واحد من الايمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب كما

(28/433)


دلت عليه دلائل الكتاب والسنة وكما فسره امير المؤمنين علي بن ابى طالب رضي الله عنه فى الحديث المأثور عنه فى الإيمان ودعائمه وشعبه
فمن النفاق ما هو اكبر يكون صاحبه فىالدرك الأسفل من النار كنفاق عبد الله بن ابي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول او جحود بعض ما جاء به او بغضه او عدم اعتقاد وجوب اتباعه او المسرة بانخفاض دينه او المساءة بظهور دينه ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه الا عدوا لله ورسوله وهذا القدر كان موجودا في زمن رسول الله وما زال بعده بل هو بعده اكثر منه على عهده لكون موجبات الايمان على عهده أقوى فاذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودا فوجوده فيما دون ذلك اولى
وكما انه صلى الله عليه و سلم كان يعلم بعض المنافقين ولا يعلم بعضهم كما بينه قوله وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن اهل المدينة مردوا علىالنفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم كذلك خلفاؤه بعد وروثته قد يعلمون بعض المنافقين ولايعلمون بعضهم وفى المنتسبين الى الاسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون فى الخاصة والعامة ويسمون الزنادقة
وقد اختلف العلماء فى قبول توبتهم فى الظاهر لكون ذلك لا

(28/434)


يعلم اذهم دائما يظهرون الأسلام وهؤلاء يكثرون فى المتفلسفة من المنجمين ونحوهم ثم فىالأطباء ثم فى الكتاب اقل من ذلك ويوجدون فى المتصوفة والمتفقهة وفى المقاتلة والأمراء وفىالعامة ايضا ولكن يوجدون كثيرا فى نحل أهل البدع لا سيما الرافضة ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس فىاحد من اهل النحل ولهذا كانت الخرمية والباطنية والقرامطة والاسماعيلية والنصيرية ونحوهم من المنافقين والزنادقة منتسبة الى الرافضة
وهؤلاء المنافقون فى هذه الاوقات لكثير منهم ميل الى دولة هؤلاء التتار لكونهم لا يلزمونهم شريعة الأسلام بل يتركونهم وما هم عليه وبعضهم انما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم فى الدنيا واستيلائهم على الاموال واجترائهم على الدماء والسبى لا لأجل الدين
فهذا ضرب النفاق الأكبر
واما النفاق الاصغر فهو النفاق في الأعمال ونحوها مثل ان يكذب اذا حدث ويخلف اذا وعد ويخون اذا ائتمن او يفجر اذا خاصم ففى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم قال آيةالمنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ائتمن خان وفى رواية صحيحه وان صلى وصام وزعم انه مسلم وفى الصحيحين

(28/435)


عن عبد الله بن عمرو عن النبى قال اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا عاهد غدر واذا خاصم فجر
ومن هذا الباب الاعراض عن الجهاد فانه من خصال المنافقين قال النبى صلى الله عليه و سلم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق رواه مسلم وقد أنزل الله سورة براءة التى تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين اخرجاه فى الصحيحين عن ابن عباس قال هى الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا ان لا يبقى احد الا ذكر فيها وعن المقداد بن الأسود قال هي سورة البحوث لأنها بحثت عن سرائرالمنافقين وعن قتادة قال هي المثيرة لانها اثارت مخازى المنافقين
وعن ابن عباس قال هي المبعثرة والبعثرة والاثارة متقاربان
وعن ابن عمر انها المقشقشة لانها تبرىء من مرض النفاق يقال تقشقش المريض اذا برأ وقال الأصمعى وكان يقال لسورتى الاخلاص المقشقشتان لانهما يبرئان من النفاق

(28/436)


وهذه السورة نزلت فى آخر مغازى النبى صلى الله عليه و سلم غزوة تبوك عام تسع من الهجرة وقد عز الاسلام وظهر فكشف الله فيها احوال المنافقين ووصفهم فيها بالجبن وترك الجهاد ووصفهم بالبخل عن النفقة فى سبيل الله والشح على المال وهذان داءان عظيمان الجبن والبخل قال النبى شر ما فى المرء شح هالع وجبن خالع حديث صحيح ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار كما دل عليه قوله ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هوشر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوما القيامة وقال تعالى ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير واما وصفهم بالجبن والفزع فقال تعالى ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هو منكم ولكنهم قوم يفرقون لويجدون ملجأ او مغارات او مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون فأخبر سبحانه انهم وان حلفوا انهم من المؤمنين فما هم منهم ولكن يفزعون من العدو ف لو يجدون ملجأ يلجأون اليه من المعاقل والحصون التى يفر اليها من يترك الجهاد او مغارات وهي جمع مغارة ومعارات سميت بذلك لأن الداخل يغور فيها اى يستتر كما يغور الماء او مدخلا

(28/437)


وهو الذى يتكلف الدخول اليه اما لضيق بابه او لغيرذلك أى مكانا يدخلون اليه ولو كان الدخول بكلفة 2 ومشقة لولوا عن الجهاد اليه وهم يجمحون اى يسرعون اسراعا لا يردهم شىء كالفرس الجموح الذى اذا حمل لا يرده اللجام وهذا وصف منطبق على اقوام كثيرين فى حادثتنا وفيما قبلها من الحوادث وبعدها
وكذلك قال فى سورة محمد فاذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم اى فبعدا لهم طاعة وقول معروف فاذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم وقال تعالى انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وانفسهم فى سبيل الله اولئك هم الصادقون فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد
وقال تعالى لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ان يجاهدو بأموالهم وانفسهم والله عليم بالمتقين انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون فهذا اخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول فى ترك الجهاد وانما يستأذنه الذى لا يؤمن فكيف بالتارك من غير استئذان
ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متظافرة على هذا المعنى

(28/438)


وقال فى وصفهم بالشح وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولاينفقون الا وهم كارهون فهذه حال من انفق كارها فكيف بمن ترك النفقة رأسا وقال ومنهم من يلمزك فى الصدقات فان اعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون وقال ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون
وقال فى السورة يا ايها الذين آمنوا ان كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون فانتظمت هذه الآية حال من اخذ المال بغير حقه او منعه من مستحقه من جميع الناس فان الأحبار هم العلماء والرهبان هم العباد وقد اخبر ان كثيرا منهم يأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون اى يعرضون ويمنعون يقال صد عن الحق صدودا وصد غيره صدا
وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل من وقف او عطية على

(28/439)


الدين كالصلاة والنذور التى تنذر لأهل الدين ومن الأموال المشتركة كأموال بيت المال ونحو ذلك فهذا فيمن يأكل المال بالباطل بشبهة دين
ثم قال والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فهذا يندرج فيه من كنز المال عن النفقة الواجبة فى سبيل الله والجهاد احق الاعمال باسم سبيل الله سواء كان ملكا اومقدما او غنيا او غير ذلك واذا دخل فى هذا ما كنز من المال الموروث والمكسوب فما كنز من الأموال المشتركة التى يستحقها عموم الأمة ومستحقها مصالحهم اولى واحرى
فصل
فإذا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب وعرف من المنقولات فى الحديث والتفسير والفقه والمغازى كيف كانت صفة الواقعة التى نزل بها القرآن ثم إعتبر هذه الحادثة بتلك وجد مصداق ما ذكرنا وأن الناس إنقسموا فى هذه هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة كما إنقسموا فى تلك وتبين له كثير من المتشابهات

(28/440)


إفتتح الله السورة بقوله يا أيها النبى إتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين وذكر فى أثنائها قوله وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين ثم قال وإتبع ما يوحى إليك من ربك أن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا فأمره بإتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة التى هى سنته وبأن يتوكل على الله فبالأولى يحقق قوله إياك نعبد وبالثانية يحقق قوله وإياك نستعين ومثل ذلك قوله فأعبده وتوكل عليه وقوله عليه توكلت وإليه أنيب
وهذا وإن كان مأمورا به فى جميع الدين فإنه ذلك فىالجهاد أوكد لأنه يحتاج إلى أن يجاهد الكفار والمنافقين وذلك لا يتم إلا بتأييد قوى من الله ولهذا كان الجهاد سنام العمل وإنتظم سنام جميع الأحوال الشريفة ففيه سنام المحبة كما فى قوله فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وفيه سنام التوكل وسنام الصبر فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل ولهذا قال تعالى والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم فى الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى

(28/441)


ربهم يتوكلون وقال موسى لقومه إستعينوا بالله وأصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين
ولهذا كان الصبر واليقين اللذين هما أصل التوكل يوجبان الإمامة فى الدين كما دل عليه قوله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التى هى محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما إذا إختلف الناس فى شىء فإنظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
وفى الجهاد أيضا حقيقة الزهد فى الحياة الدنيا وفى الدار الدنيا
وفيه أيضا حقيقة الإخلاص فإن الكلام فيمن جاهد فى سبيل الله لا فى سبيل الرياسة ولا فى سبيل المال ولا فى سبيل الحمية وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هى العليا
وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود كما قال

(28/442)


تعالى إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون و الجنة إسم للدار التى حوت كل نعيم أعلاه النظر إلى الله إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله أعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
فقد تبين بعض أسباب إفتتاح هذه السورة بهذا ثم أنه تعالى قال يا أيها الذين آمنوا إذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا
وكان مختصر القصة أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين فإجتمعت قريش وحلفاؤها من بنى أسد وأشجع وفزارة وغيرهم من قبائل نجد وإجتمعت أيضا اليهود من قريظة والنضير فإن بنى النضير كان النبى قد أجلاهم قبل ذلك كما ذكره الله تعالى فى سورة الحشر فجاءوا فى الأحزاب إلى قريطة وهم معاهدون للنبى ومجاورون له قريبا من

(28/443)


المدينة فلم يزالوا بهم حتى نقضت قريظة العهد ودخلوا فى الأحزاب فإجتمعت هذه الأحزاب العظيمة وهم بقدر المسلمين مرات متعددة فرفع النبى صلى الله عليه و سلم الذرية من النساء والصبيان فى آطام المدينة وهى مثل الجواسق ولم ينقلهم إلى مواضع أخر وجعل ظهرهم إلى سلع وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشأم وجعل بينه وبين العدو خندقا والعدو قد أحاطبهم من العالية والسافلة وكان عدوا شديد العدواة لو تمكن من المؤمنين لكانت نكايته فيهم أعظم النكايات
وفى هذه الحادثة تحزب هذا العدو من مغل وغيرهم من أنواع الترك ومن فرس ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة ومن نصارى الأرمن وغيرهم ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين وهو بين الأقدام والأحجام مع قلة من بإزائهم من المسلمين ومقصودهم الإستيلاء على الدار وإصطلام أهلها كما نزل أولئك بنواحى المدينة بإزاء المسلمين
ودام الحصار علىالمسلمين عام الخندق على ما قيل بضعا وعشرين ليلة وقيل عشرين ليلة
وهذا العدو عبر الفرات سابع عشر ربيع الآخر وكان أول

(28/444)


إنصرافه راجعا عن حلب لما رجع مقدمهم الكبير قازان بمن معه يوم الأثنين حادى أو ثانى عشر جمادى الأولى يوم دخل العسكر عسكر المسلمين إلى مصر المحروسة وإجتمع بهم الداعى وخاطبهم فى هذه القضية وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى فى قلوب المؤمنين ما ألقى من الإهتمام والعزم ألقى الله فى قلوب عدوهم الروع والإنصراف
وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة بها صرف الله الأحزاب عن المدينة كما قال تعالى فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات حتى كره أكثر الناس ذلك وكنا نقول لهم لا تكرهوا ذلك فإن لله فيه حكمة ورحمة وكان ذلك من أعظم الأسباب التى صرف الله به العدو فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد حتى هلك من خيلهم ما شاء الله وهلك أيضا منهم من شاء الله وظهر فيهم وفى بقية خيلهم من الضعف العجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال حتى بلغنى عن بعض كبار المقدمين فىأرض الشأم أنه قال لا بيض الله وجوهنا أعدونا فى الثلج إلى شعره ونحن قعود لا نأخذهم وحتى علموا أنهم كانوا صيدا للمسلمين لو يصطادونهم لكن فى تأخيرالله إصطيادهم حكمة عظيمة

(28/445)


وقال الله فى شأن الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك إبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا
وهكذا هذا العام جاء العدو من ناحيتى علو الشأم وهو شمال الفرات وهو قبلىالفرات فزاغت الأبصار زيغا عظيما بلغت القلوب الحناجر لعظم البلاء لا سيما لما إستفاض الخبر بإنصراف العسكر إلى مصر وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق وظن الناس بالله الظنونا هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم احاطة الهالة بالقمر وهذا يظن ان أرض الشأم ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام وهذا يظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحد فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها وهذا إذا أحسن ظنه قال إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام وهذا ظن خيارهم وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أمانى كاذبة وخرافات لاغية وهذا قد إستولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل

(28/446)


يتفهم ولا لسان يتكلم
وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب ولا يميز فى التحديث بين المخطىء والصائب ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية ولا يهتدى لدفع ما يتخيل أنه معارض لها فى بادىء الروية
فلذلك إستولت الحيرة على من كان متسما بالإهتداء وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء هنالك إبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا إبتلاهم الله بهذا الإبتلاء الذى يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ما إستوجبوا به أعلى الدرجات قال الله تعالى وإذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وهكذا قالوا فى هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية وحزب الله المحدثون عنه حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله كما قال الله تعالى لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة
فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم

(28/447)


وأما الذين فى قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرهم فى هذه السورة فذكروا هنا وفى قوله لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة وفى قوله فيطمع الذى فى قلبه مرض
وذكر الله مرض القلب فى مواضع فقال تعالى إذا يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم
والمرض فى القلب كالمرض فى الجسد فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والإعتدال من غير موت فكذلك قد يكون فى القلب مرض يحيله عن الصحة والإعتدال من غير أن يموت القلب سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه أو أفسد عمله وحركته
وذلك كما فسروه هو من ضعف الإيمان إما بضعف علم القلب وإعتقاده وإما بضعف عمله وحركته فيدخل فيه من ضعف تصديقه ومن غلب عليه الجبن والفزع فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير
ذلك كلها أمراض وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التى فيه
وعلى هذا فقوله فيطمع لذى فى قلبه مرض هو إردة الفجور وشهوة الزنا كما فسروه به ومنه قول النبى

(28/448)


وأى داء أدوأ من البخل وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما فى الصدور وقال النبى صلى الله عليه و سلم إنما شفاء العى السؤال وكان يقول فى دعائه اللهم إنى اعوذ بك من منكرات الاخلاق والأهواء والأدواء
ولن يخاف الرجل غير الله الا لمرض فى قلبه كما ذكروا ان رجلا شكا الى احمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال لو صححت لم تخف احدا اى خوفك من اجل زوال الصحة من قلبك ولهذا اوجب الله على عباده ان لا يخافوا حزب الشيطان بل لا يخافون غيره تعالى فقال انما ذلكم الشيطان يخوف اولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين اى يخوفكم اولياءه وقال لعموم بنى اسرائيل تنبيها لنا وإياي فأرهبون
وقال فلا تخشوا الناس واخشون وقال لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى وقال تعالى اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون وقال انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله وقال الذين يبلغون رسالات

(28/449)


الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الل ه وقال الا تقاتلون قوما نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدأوكم اول مرة أتخشونهم فالله أحق ان تخشوه فدلت هذه الآية وهى قوله تعالى اذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض على ان المرض والنفاق فى القلب يوجب الريب فى الأنباء الصادقة التى توجب امن الانسان من الخوف حتى يظنوا انها كانت غرورا لهم كما وقع فى حادثمتنا هذه سواء ثم قال تعالى واذ قالت طائفة منهم يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا وكان النبى قد عسكر بالمسلمين عند سلع وجعل الخندق بينه وبين العدو فقالت طائفة منهم لا مقام لكم هنا لكثرة العدو فارجعوا الىالمدينة وقيل لا مقام لكم على دين محمد فأرجعوا الى دين الشرك وقيل لا مقام لكم على القتال فارجعوا الى الاستئمان والاستجارة بهم
وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال ما بقيت الدولة الاسلامية تقوم فينبغى الدخول فى دولة التتار وقال بعض الخاصة ما بقيت ارض الشأم تسكن بل ننتقل عنها اما الى الحجاز واليمن واماالى مصر وقال بعضهم بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قد

(28/450)


استسلم لهم اهل العراق والدخول تحت حكمهم
فهذه المقالات الثلاث قد قيلت فى هذه النازلة كما قيلت فى تلك وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين فى قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة لا مقام لكم بهذه الارض
ونفى المقام بها ابلغ من نفى المقام وان كانت قد قرئت بالضم ايضا فان من لم يقدر ان يقوم بالمكان فكيف يقيم به قال
الله تعالى ويستأذن فريق منهم النبى يقولون ان بيوتا عورة وما هي بعورة ان يريدون الا فرارا
وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون والناس مع النبى عند سلع داخل الخندق والنساء والصبيان فى آطام المدينة يا رسول الله ان بيوتنا عورة اى مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل
واصل العورة الخالى الذى يحتاج الى حفظ وستر يقال اعور مجلسك اذا ذهب سترة او سقط جدارة ومنه عورة العدو
وقال مجاهد والحسن اي ضائعة تخشى عليها السراق وقال قتادة قالوا بيوتنا مما يلى العدو فلا نأمن على اهلنا فائذن لنا ان

(28/451)


نذهب اليها لحفظ النساء والصبيان قال الله تعالى وماهي بعورة لأن الله يحفظها ان يريدون الافرارا فهم يقصدون الفرار من الجهاد ويحتجون بحجة العائلة
وهكذا اصاب كثيرا من الناس فىهذه الغزاة صاروا يفرون من الثغر الىالمعاقل والحصون والى الأماكن البعيدة كمصر ويقولون ما مقصودنا الا حفظ العيال ومايمكن ارسالهم مع غيرنا وهم يكذبون فىذلك فقد كان يمكنهم جعلهم فى حصن دمشق لودنا العدو كمافعل المسلمون على عهد رسول الله صلىالله عليه وسلم وقد كان يمكنهم ارسالهم والمقام للجهاد فكيف بمن فر بعد ارسال عياله قال الله تعالى ولودخلت عليهم من اقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها الا يسيرا فأخبر انه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة وهي الافتتان عن الدين بالكفر أوالنفاق لأعطوا الفتنة ولجاءوها من غير توقف
وهذه حال اقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الأسلام وتلك فتنة عظيمة لكانوا معه على ذلك كما ساعدهم فى العام الماضى اقوام بأنواع من الفتنة فىالدين والدنيا ما بين ترك واجبات وفعل محرمات إما في حق الله واما في حق العباد كترك الصلاة وشرب

(28/452)


الخمور وسب السلف وسب جنود المسلمين والتجسس لهم على المسلمين ودلالتهم علىاموال المسلمين وحريمهم واخذ اموال الناس وتعذيبهم وتقوية دولتهم الملعونة وإرجاف قلوب المسلمين منهم الى غير ذلك من انواع الفتنة ثم قال تعالى ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا وهذه حال اقوام عاهدوا ثم نكثوا قديما وحديثا فىهذه الغزوة فان فى العام الماضى وفى هذا العام فىاول الامر كان من اصناف الناس من عاهد على ان يقاتل ولايفر ثم فر منهزما لما اشتد الامر
ثم قال الله تعالى قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت اوالقتل واذا لاتمتعون الاقليلا فأخبر الله ان الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون ولذلك قال النبى اذا وقع بارض وانتم بها فلا تخرجوا فرارا منه والفرار من القتل كالفرار من الجهاد وحرف لن ينفى الفعل فىالزمن المستقبل والفعل نكرة والنكرة فى سياق النفى تعم جميع افرادها فاقتضى ذلك ان الفرار من الموت اوالقتل ليس فيه منفعة ابدا وهذا خبر الله الصادق فمن اعتقد ان ذلك ينفعه فقد كذب الله فى خبره

(28/453)


والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن فان هؤلاء الذين فروا فى هذا العام لم ينفعهم فرارهم بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا فى المصائب والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك فىالدين والدنيا حتى الموت الذى فروا منه كثر فيهم وقل في المقيمين فما منع الهرب من شاء الله والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم احد ولا قتل بل الموت قل فى البلد من حين خرج الفارون وهكذا سنة الله قديما وحديثا
ثم قال تعالى وإذا تمتعون إلا قيلا يقول لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة ثم تموتون فإن الموت لابد منه وقد حكى عن بعض الحمقى أنه قال فنحن نريد ذلك القليل وهذا جهل منه بمعنى الآية فإن الله لم يقل إنهم يمتعون بالفرار قليلا لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه ابدا ثم ذكر جوابا ثانيا أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل ثم ذكر جوابا ثالثا وهو أن الفار يأتيه ما قضى له من المضرة ويأتى الثابت ما قضى له من المسرة فقال قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا
ونظيره قوله فى سياق آيات الجهاد أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة الآية وقوله يا أيها الذين آمنوا

(28/454)


لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ماماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير فمضمون الأمر أن المنايا محتومة فكم ممن حضر الصفوف فسلم وكم ممن فر من المنية فصادفته كما قال خالد بن الوليد لما إحتضر لقد حضرت كذا وكذا صفا وإن ببدنى بضعا وثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وهأنذا أموت على فراشى كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء
ثم قال تعالى قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا قال العلماء كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة فإذا جاءهم أحد قالوا له ويحك أجلس فلا تخرج ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر أن أئتونا بالمدينة فإنا ننتظركم يثبطونهم عن القتال وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدا فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم فإذا غفل عنهم عادوا إلىالمدينة فإنصرف بعضهم من عند النبى فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ فقال أنت ههنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم بين الرماح والسيوف فقال هلم إلي فقد أحيط بك وبصاحبك

(28/455)


فوصف المثبطين عن الجهاد وهم صنفان بأنهم إما أن يكونوا فى بلد الغزاة أوفى غيره فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول او بالعمل او بهما وإن كانوا فى غيره راسلوهم او كاتبوهم بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة ليكونوا معهم بالحصون أو بالبعد كما جرى فى هذه لغزاة
فإن أقواما فى العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو وأقواما بعثوا من المعاقل والحصون وغيرهاإلى إخوانهم هلم إلينا قال الله تعالى فيهم ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم أى بخلاء عليكم بالقتال معكم والنفقة فى سبيل الله وقال مجاهد بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله أو شح عليهم بفضل الله من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره فإن أقواما يشحون بمعروفهم وأقواما يشحون بمعروف الله وفضله وهم الحساد
ثم قال تعالى فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت من شدة الرعب الذى فى قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره ولا يطرف فكذلك هؤلاء لأنهم يخافون القتل
فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد ويقال فى اللغة

(28/456)


صلقوكم وهو رفع الصوت بالكلام المؤذى ومنه الصالقة وهى التى ترفع صوتها بالمصيبة يقال صلقه وسلقه وقد قرأ طائفة من السلف بها لكنها خارجة عن المصحف إذا خاطبه خطابا شديدا قويا ويقال خطيب مسلاق إذا كان بليغا فى خطبته لكن الشدة هنا فى الشر لا فى الخير كما قال بألسنة حداد أشحة على الخير وهذ السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه
تارة يقول المنافقون للمؤمنين هذا الذى جرى علينا بشؤمكم فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة
وتارة يقولون أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا وتارة يقولون أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو وقد غركم دينكم كما قال تعالى إذ يقول المنافقون والذين فىقلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم
وتارة يقولون أنتم مجانين لاعقل لكم تريدون أن تهلكوا

(28/457)


أنفسكم والناس معكم
وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذى الشديد وهم مع ذلك أشحة على الخير أى حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم قال قتادة أن كان وقت قسمة الغنيمة بسطوا ألسنتهم فيكم يقولون أعطونا فلستم بأحق بها منا فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق وأما عند الغنيمة فأشح قوم وقيل أشحة على الخير أى بخلاء به لا ينفعون لا بنفوسهم ولا بأموالهم
وأصل الشح شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم من منع الحق وأخذ الباطل كما قال النبى إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا فهؤلاء أشحاء على إخوانهم أى بخلاء عليهم وأشحاء على الخير أى حراص عليه فلا ينفقونه كما قال وإنه لحب الخير لشديد ثم قال تعالى يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون فى الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا فوصفهم بثلاثة أوصاف

(28/458)


أحدها أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد وهذه حال الجبان الذى فى قلبه مرض فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف وتكذيب خبر الأمن
الوصف الثانى أن الأعزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم بل يكونوافى البادية بين الأعزاب يسألون عن أنبائكم إيش خبر المدينة وإيش جرى للناس والوصف الثالث أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس فى هذه الغزوة كما يعرفونه من أنفسهم ويعرفه منهم من خبرهم
ثم قال تعالى لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو كما إبتلى رسول الله فلهم فيه أسوة حسنة حيث أصابهم مثل ما أصابه فليتأسوا به فى التوكل والصبر ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها وإهانة له فإنه لو كان كذلك ما إبتلى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم خير الخلائق بل بها ينال الدرجات العالية وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثير وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك

(28/459)


فيكون فى حقه عذابا كالكفار والمنافقين
ثم قال تعالى ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما قال العلماء كان الله قد أنزل فى سورة البقرة أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب فبين الله سبحانه منكرا على من حسب خلاف ذلك أنهم لا يدخلون الجنة إلابعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم ب البأساء وهى الحاجة والفاقة و الضراء وهى الوجع والمرض و الزلزال وهى زلزلة العدو
فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وعلموا أن الله قد إبتلاهم بالزلزال وأتاهم مثل الذين خلوا من قبلهم وما زادهم إلا إيماناوتسليما لحكم الله وأمره وهذه حال أقوام فى هذه الغزوة قالو ذلك
وكذلك قوله من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه أى عهده الذى عاهد الله عليه فقاتل حتى قتل أو عاش و النحب النذر والعهد وأصله من النحيب وهو

(28/460)


الصوت ومنه الإنتحاب فى البكاء وهو الصوت الذى تكلم به فى العهد ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق فى اللقاء ومن صدق فى اللقاء فقد يقتل صار يفهم من قوله قضى نحبه أنه إستشهد لا سيما إذا كان النحب نذر الصدق فى جميع المواطن فإنه لا يقضيه إلا بالموت وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد كما قال تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه أى أكمل الوفاء وذلك لمن كان عهده مطلقا بالموت أو القتل
ومنهم من ينتظر قضاءه إذا كان قد وفى البعض فهو ينتظر تمام العهد وأصل القضاء الأتمام والأكمال
ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزى الصادقين بصدقهم حيث صدقوا فى إيمانهم كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون فحصر الإيمان فى المؤمنين المجاهدين وأخبر أنهم هم الصادقون فى قولهم آمنا لامن قال كما قالت الاعراب آمنا والإيمان لم يدخل فى قلوبهم بل انقادوا وإستسلموا وأما المنافقون فهم بين أمرين إما أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم فهذا حال الناس فىالخندق وفى هذه الغزاة

(28/461)


وأيضا فإن الله تعالى إبتلى الناس بهذه الفتنة ليجزى الصادقين بصدقهم وهم الثابتون الصابرون لينصروا الله ورسوله ويعذب المنافقين إن شاء او يتوب عليهم ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذموين فإن منهم من ندم والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وقد فتح الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة لا يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها
وقد ذكر أهل المغازى منهم إبن إسحق أن النبى قال فى الخندق الآن تغزوهم ولا يغزونا فما غزت قريش ولا غطفان ولا اليهود المسلمين بعدها بل غزاهم المسلمون ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة كذلك إن شاء الله هؤلاءالأحزاب من المغل وأصناف الترك ومن الفرس والمستعربة والنصارى ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام الآن نغزوهم ولا يغزونا ويتوب الله على من يشاء من المسلمين الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق بأن ينيبوا إلى ربهم ويحسن ظنهم بالإسلام وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوهم فقد أراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولى الأبصار كما قال ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا

(28/462)


فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ربح الصبا ريح شديدة باردة وبما فرق باين قلوبهم حتى شتت شملهم ولم ينالوا خيرا إذا كان همهم فتح المدينة والإستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة كما كان هم هذا العدو فتح الشام والإستيلاء على من بها من المسلمين فردهم الله بغيظهم حيث أصابهم من الثلج العظيم والبرد الشديد والريح العاصف والجوع المزعج ما الله به عليم
وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التى وقعت فى هذا العام حتى طلبوا الإستصحاء غير مرة وكنا نقول لهم هذا فيه خيرة عظيمة وفيه لله حكمه وسر فلا تكرهوه فكان من حكمته أنه فيما قيل أصاب قازان وجنوده حتى أهلكهم وهو كان فيما قيل سبب رحيلهم وإبتلى به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشأم وأراضى حلب يوم الأثنين حادى عشر جمادى الأولى يوم دخلت مصر عقيب العسكر وإجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين وألقى الله فى قلوبهم من الإهتمام بالجهاد ما ألقاه فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه وبيانا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يقع الفعل وإن تباعدت الديار

(28/463)


وذكر إن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغل والكرج وألقى بينهم تباغضا وتعاديا كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وعطفان وبين اليهود كما ذكر ذلك أهل المغازى فإنه لم يتسع هذا المكان لأن نصف فيه قصة الخندق بل من طالعها علم صحة ذلك كما ذكره أهل المغازى مثل عروة بن الزبير والزهرى وموسى بن عقبة وسعيد بن يحيى الأموى ومحمد بن عائذ ومحمد بن إسحق والواقدى وغيرهم
ثم تبقى بالشأم منهم بقايا سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم مضافا إلى عسكر حماة وحلب وما هنالك وثبت المسلمون بإزائهم وكانوا أكثر من المسلمين بكثير لكن فى ضعف شديد وتقربوا إلى حماة وأذلهم الله تعالى فلم يقدموا على المسلمين قط وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم فلم يوافقه غيره فجرت مناوشات صغار كما جرى فى غزوة الخندق حيث قتل على بن أبى طالب رضى الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامرى لما إقتحم الخندق هو ونفر قليل من المشركين
كذلك صار يتقرب بعض العدو فيكسرهم المسلمون مع كون العدو المتقرب أضعاف من قد سرى إليه من المسلمين وما من مرة إلا وقد كان المسلمون مسظهرين عليهم وساق المسلمون خلفهم فى آخر

(28/464)


النوبات فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات وبعضهم فى جزيرة فيها فرأوا أوائل المسلمين فهربوا منهم وخالطوهم وأصاب المسلمون بعضهم وقيل إنه غرق بعضهم
وكان عبورهم وخلو الشأم منهم فى أوائل رجب بعد أن جرى ما بين عبور قازان أولا وهذا العبور رجفات ووقعات صغار وعزمنا على الذهاب إلى حماة غيره مرة لاجل الغزاة لما بلغنا أن المسلمين يريدون غزو الذين بقوا وثبت بإزائهم المقدم الذى بحماة ومن معهم من العسكر ومن أتاه من دمشق وعزموا على لقائهم ونالوا أجرا عظيما وقد قيل إنهم كانوا عدة كمانات إما ثلاثة أو أربعة فكان من المقدر أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يلقى فى قلوب عدوهم الرعب فيهربون لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل تيزين و الفوعة و معرة مصرين وغيرها مالم يكونوا وطئوه فى العام الماضى
وقيل إن كثيرا من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم بسبب الرفض أن عند بعضهم فرامين منهم لكن هؤلاء ظلمة ومن أعان ظالما بلى به والله تعالى يقول وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون
وقد ظاهروهم على المسلمين الذين كفروا من أهل الكتاب من

(28/465)


أهل سيس والأفرنج فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم وهى الحصون ويقال للقرون الصياصى ويقذف فى قلوبهم الرعب وقد فتح الله تلك البلاد ونغزوهم إن شاء الله تعالى فنفتح أرض العراق وغيرها تعلو كلمة الله ويظهر دينه فإن هذه الحادثة كان فيها أمور عظيمة جازت حد القياس وخرجت عن سنن العادة وظهر لكل ذى عقل من تأييد الله لهذا الدين وعنايته بهذه الأمة وحفظه للأرض التى بارك فيها للعالمين بعد أن كاد الإسلام أن ينثلم وكر العدو كرة فلم يلو عن وخذل الناصرون فلم يلووا على وتحير السائرون فلم يدروا من ولا إلى وإنقطعت الأسباب الظاهرة وأهطعت الأحزاب القاهرة وإنصرفت الفئة الناصرة وتخاذلت القلوب المتناصرة وثبتت الفئة الناصرة وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة وإستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة ففتح الله أبواب سمواته لجنوده القاهرة وأظهر على الحق آياته الباهرة وأقام عمود الكتاب بعد ميله وثبت لواء الدين بقوته وحوله وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم التلاق
فالله يتم هذه النعم بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطغيان ويجعل هذه المنة الجيمة مبدأ لكل منحة كريمة وأساسا

(28/466)


لإقامة الدعوة النبوية القويمة ويشفى صدور المؤمنين من أعاديهم ويمكنهم من دانيهم وقاصيهم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
قال الشيخ رحمه الله كتب أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده لما رجعت من مصر فى جمادى الآخرة وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد ثم لما بقيت تلك الطائفة إشتغلنا بالإهتمام بجهادهم وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة وتحريض الأمراء علىذلك حتى جاءنا الخبر بإنصراف المتبقين منهم فكلتبته فى رجب والله أعلم والحمد لله وحده وصلىالله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين

(28/467)


وسئل شيخ الإسلام تقى الدين
عمن يزعمون إنهم يؤمنون بالله عز و جل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويعتقدون أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم عليه وسلم هوعلى بن أبى طالب وأن رسول الله صلىالله عليه وسلم نص على إمامته وإن الصحابة ظلموه ومنعوه حقه وإنهم كفروا بذلك فهل يجب قتالهم ويكفرون بهذا الإعتقاد أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعه من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله
فلو قالوا نصلى ولا نزكى أو نصلى الخمس ولا نصلى الجمعة ولا الجماعة أو نقوم بمبانى الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين وأموالهم أو لا نترك الربا ولاالخمر ولا الميسر أو نتبع القرأن ولا نتبع رسول الله ولا نعمل بالأحاديث الثابتة عنه أو نعتقد أن اليهود والنصارى خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة قد كفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن إلا طائفة قليلة

(28/468)


أو قالو إنا لا نجاهد الكفار مع المسلمين أو غير ذلك من الأمور المخالفة لشريعة رسول الله وسنته وما عليه جماعة المسلمين فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها كما جاهد المسلمون ما نعى الزكاة وجاهدوا الخوارج وأصنافهم وجاهدوا الحزمية والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة الإسلام
وذلك لأن الله تعالى يقول فى كتابه وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فاذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله وقال تعالى فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فلم يأمر بتخلية سبيلهم الا بعد التوبة من جميع انواع الكفر وبعد اقام الصلاة وايتاء الزكاة وقال تعالى يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فقد اخبر تعالى ان الطائفة الممتنعة اذا لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله والربا آخر ما حرم الله فى القرآن فما حرمه قبله اوكد وقال تعالى انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا اوتقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف او ينفوا من الأرض

(28/469)


فكل من امتنع من اهل الشوكة عن الدخول فى طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله ومن عمل فىالارض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى فى الأرض فسادا ولهذا تأول السلف هذه الآية على الكفار وعلى اهل القبلة حتى أدخل عامة الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون السلاح لمجرد اخذ الاموال وجعلوهم بأخذ اموال الناس بالقتال محاربين لله ورسوله ساعين فى الارض فسادا وان كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون بالايمان بالله ورسوله
فالذى يعتقد حل دماء المسلمين واموالهم ويستحل قتالهم اولى بأن يكون محاربا لله ورسوله ساعيا فىالارض فسادا من هؤلاء كما ان الكافر الحربي الذى يستحل دماء المسلمين واموالهم ويرى جواز قتالهم اولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك وكذلك المبتدع الذى خرج عن بعض شريعة رسول الله وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنه رسول الله صلى الله عليه و سلم وشريعته واموالهم هو اولى بالمحاربة من الفاسق وان اتخذ ذلك دينا يتقرب به الى الله كما ان اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينا تتقرب به الى الله
ولهذا إتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التى يعتقد أصحابها أنها ذنوب وبذلك مضت سنة رسول الله صلى الله

(28/470)


عليه وسلم حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم وشهد لبعض المصرين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته وأخبر عن ذى الخويصرة وأصحابه مع عبادتهم وورعمهم أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وقد قال تعالى فى كتابه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وشريعته فقد أقسم الله بنفسه المقدسة أنه لايؤمن حتى يرضى بحكم رسول الله فى جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا وحتى لا يبقى فى قلوبهم حرج من حكمه ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة
وبذلك جاءت سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال لما توفى رسول الله وإرتد من إرتد من العرب قال عمر بن الخطاب لأبى بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ن لا إله إلا لله وأن محمد رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصمو منى دماءهم

(28/471)


وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال أبو بكر ألم يقل إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها فقال عمر فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق فإتفق أصحاب رسول الله على قتال أقوام يصلون ويصومون إذا إمتنعوا عن بعض ما أوجبه الله عليهم من زكاة أموالهم
وهذا الإستنباط من صديق الأمة قد جاء مصرحا به ففى الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها فأخبر أنه أمر بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات
وهذا مطابق لكتاب الله وقد تواتر عن النبى صلى الله عليه و سلم من وجوه كثيره وأخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه ذكرها مسلم فى صحيحه وأخرج منها البخارى غير وجه وقال الإمام أحمد رحمه الله صح الحديث فى الخوارج من عشرة أوجه قال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه

(28/472)


مع صيامهم وقرائته مع قرائتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل وفى رواية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وفى رواية شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه
وهؤلاء أول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ومن معه من أصحاب رسول الله قاتلهم بحرورى لما خرجوا عن السنة والجماعة وإستحلوا دماء المسلمين وأموالهم فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب وأغاروا على ماشية المسلمين فقام أمير المؤمنين على بن أبى طالب وخطب الناس وذكر الحديث وذكر أنهم قتلوا وأخذوا الأموال فإستحل قتالهم وفرح بقتلهم فرحا عظيما ولم يفعل فى خلافته أمرا عاما كان أعظم عنده من قتال الخوارج وهم كانوا يكفرون جمهور المسلمين حتى كفروا عثمان وعليا وكانوا يعملون بالقرآن فى زعمهم ولا يتبعون سنة رسول الله التى يظنون أنها تخالف القرآن كما يفعله سائر أهل البدع مع كثرة عبادتهم وورعهم
وقد ثبت عن على فى صحيح البخارى وغيره من نحوه ثمانين وجها أنه قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وثبت عنه

(28/473)


أنه حرق غالية الرافضة الذين إعتقدوا فى الإلهية وروى عنه بأسانيد جيدة أنه قال لا أوتى بأحد يفضلنى على ابى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه
وعمر بن الخطاب رضى الله عنه أمر برجل فضله على أبى بكر أن يجلد لذلك وقال عمر رضى الله عنه لصبيغ بن عسل لما ظن أنه من الخوارج لو وجدتك محلوقا لضربت الذى فيه عيناك
فهذه سنة أمير المؤمنين على وغيره قد أمر بعقوبة الشيعة الأصناف الثلاثة وأخفهم المفضلة فأمر هو وعمر بجلدهم والغالية يقتلون بإتفاق المسلمين وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة فى على وغيره مثل النصيرية والإسماعيلية الذين يقال لهم بيت صاد وبيت سين ومن دخل فيهم من المعطلة الذين ينكرون وجود الصانع أو ينكرون القيامة أو ينكرون ظواهر الشريعة مثل الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام ويتأولون ذلك على معرفة أسرارهم وكتمان أسرارهم وزيارة شيوخهم ويرون أن الخمر حلال لهم ونكاح ذوات المحارم حلال لهم
فإن جميع هؤلاء الكفار اكفر من اليهود والنصارى فإن لم يظهر عن أحدهم

(28/474)


ذلك كان من المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النار ومن أظهر ذلك كان أشد من الكافرين كفرا فلا يجوز أن يقر بين المسلمين لا بجزية ولا ذمة ولا يحل نكاح نسائهم ولا تؤكل ذبائحهم لأنهم مرتدون من شر المرتدين فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون كما قاتل الصديق والصحابة وأصحاب مسيلمة الكذاب وإذا كانوا فى قرى المسلمين فرقوا وأسكنوا بين المسلمين بعد التوبة والزموا بشرائع الإسلام التى تجب على المسلمين
وليس هذا مختصا بغالية الرافضة بل من غلا فى أحد من المشايخ وقال أنه يرزقه أو يسقط عنه الصلاة أو أن شيخة أفضل من النبى أو أنه مستغن عن شريعة النبى وأن له إلى الله طريقا غير شريعة النبى أو أن أحدا من المشايخ يكون مع النبى كما كان الخضر مع موسى
وكل هؤلاء كفار يجب قتالهم بإجماع المسلمين وقتل الواحد المقدور عليه منهم
وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روى عنهما اعنى عمر وعلى قتلهما ايضا والفقهاء وان تنازعوا فى قتل الواحد

(28/475)


المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا فى وجوب قتالهم اذا كانوا ممتنعين فان القتال اوسع من القتل كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة وان كان احدهم اذا قدر عليه لم يعاقب الا بما امر الله ورسوله به
وهذه النصوص المتواترة عن النبى صلى الله عليه و سلم فى الخوارج قد ادخل فيها العلماء لفظا او معنى من كان في معناهم من اهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وجماعة المسلمين بل بعض هؤلاء شر من الخوارج الحرورية مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من اعتقد فى بشر انه اله أو فى غير الانبياء انه نبى وقاتل على ذلك المسلمين فهو شر من الخوارج الحرورية
والنبى انما ذكر الخوارج الحرورية لانهم اول صنف من اهل البدع خرجوا بعده بل اولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه كما خص الله ورسوله اشياء بالذكر لوقوعها فى ذلك الزمان مثل قوله ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق وقوله من يريد منكم عن دينه فسوف ياتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ونحو ذلك ومثل تعيين النبى قبائل من الانصار وتخصيصه اسلم وغفار وجهينة وتميم واسد وغطفان وغيرهم باحكام لمعان قامت بهم وكل من وجدت فيه تلك المعانى الحق بهم لان

(28/476)


التخصيص بالذكر لم يكن لاختصاصهم بالحكم بل لحاجة المخاطبين اذ ذاك الى تعيينهم هذا اذا لم تكن الفاظه شاملة لهم
وهؤلاء الرافضة ان لم يكونوا شرا من الخوارج المنصوصين فليسوا دونهم فان اولئك انما كفروا عثمان وعليا واتباع عثمان وعلي فقط دون من قعد عن القتال او مات قبل ذلك
والرافضة كفرت ابا بكر وعمر وعثمان وعامة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وكفروا جماهير امة محمد من المتقدمين والمتاخرين
فيكفرون كل من اعتقد فى ابى بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة او ترضى عنهم كما رضىالله عنهم او يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم ولهذا يكفرون اعلام الملة مثل سعيد بن المسيب وابى مسلم الخولانى وأوبس القرنى وعطاء بن ابى رباح وابراهيم النخعى ومثل مالك والأوزاعى وابى حنيفة وحماد بن زيد وحماد ابن سلمة والثورى والشافعى واحمد بن حنبل وفضيل بن عياض وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والحنيد بن محمد وسهل ابن عبد الله التسترى وغير هؤلاء ويستحلون دماء من خرج عنهم ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور كما يسميه المتفلسفة ونحوهم بذلك

(28/477)


وكما تسميه المعتزلة مذهب الحشو والعامة واهل الحديث ويرون فى اهل الشام ومصر والحجاز والمغرب واليمن والعراق والجزيرة وسائر بلاد الأسلام انه لا يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم وأن المائعات التى عندهم من المياة والأدهان وغيرها نجسة ويرون ان كفرهم اغلظ من كفر اليهود والنصارىلأن أولئك عندهم كفار أصليون وهؤلاء مرتدون وكفرالردة أغلظ بالاجماع من الكفر الأصلى
ولهذا السبب يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين فيعاونن التتار على الجمهور وهم كانوا من أعظم الأسباب فى خروج جنكزخان ملك الكفار الى بلاد اللأسلام وفى قدوم هولاكو الى بلاد العراق وفى اخذ حلب ونهب الصالحية وغير ذلك بخبثهم ومكرهم لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم
وبهذا السبب نهبوا عسكر المسلمين لما مر عليهم وقت انصرافه الى مصر فى النوبة الأولى وبهذا السبب يقطعون الطرقات على المسلمين وبهذا السبب ظهر فيهم من معاونة التتار والافرنج على المسليمن والكآبة الشديدة بانتصار الاسلام ما ظهر وكذلك لما فتح المسلمون الساحل عكة وغيرها ظهر فيهم من الانتصار للنصارى وتقديمهم على المسلمين ما قد سمعه الناس منهم وكل هذا الذى وصفت بعض امورهم وإلا فالأمر أعظم من ذلك

(28/478)


وقد اتفق أهل العلم بالأحوال ان اعظم السيوف التى سلت على أهل القبلة ممن ينتسب اليها وأعظم الفساد الذى جرى على المسلمين ممن ينتسب الى أهل القبلة انما هو من الطوائف المنتسبة اليهم
فهم أشد ضررا على الدين وأهله وأبعد عن شرائع الاسلام من الخوارج الحروية ولهذا كانوا اكذب فرق الامة فليس فى الطوائف المنتسبة الى القبلة اكثر كذبا ولا اكثر تصديقا للكذب وتكذببا للصدق منهم وسيما النفاق فيهم اظهر منه فى سائر الناس وهى التى قال فيها النبى صلى الله عليه و سلم آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا اؤتمن خان وفى رواية أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا عاهد غدرو إذا خاصم فجر وكل من جربهم يعرف اشتمالهم على هذه الخصال ولهذا يستعملون التقية التى هى سيما المنافقين واليهود ويستعملونها مع المسلمين يقولون بالسنتهم ما ليس فى قلوبهم ويحلفون ما قالوا وقد قالوا ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين والله ورسوله احق ان يرضوه
وقد أشبهوا اليهود فى أمور كثيرة لا سيما السامرة من اليهود فإنهم أشبه بهم من سائر الأصناف يشبهونهم فى دعوى الإمامة فى

(28/479)


شخص أو بطن بعينه والتكذيب لكل من جاء بحق غيره يدعونه وفى إتباع الأهواء أو تحريف الكلم عن مواضعه وتأخيرالفطر وصلاة المغرب وغير ذلك وتحريم ذبائح غيرهم
ويشبهون النصارى فى الغلو فى البشر والعبادات المبتدعة وفى الشرك وغير ذلك
وهم يوالون اليهود والنصارى والمشركين على المسلمين وهذه شيم المنافقين قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم وقال تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما إتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون وليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة وهم لا يصلون جمعة ولا جماعة والخوارج كانوا يصلون جمعة وجماعة وهم لا يرون جهاد الكفار مع أئمة المسلمين ولا الصلاة خلفهم ولا طاعتهم فى طاعة الله ولا تنفيذ شيء من أحكامهم لإعتقادهم أن ذلك لا يسوغ إلا خلف إمام معصوم ويرون أن المعصوم قد دخل فى السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة وهو إلى الآن لم يخرج ولا رآه أحد ولا علم أحدا دينا ولا

(28/480)


حصل به فائدة بل مضرة ومع هذا فالإيمان عندهم لا يصح إلا به ولا يكون مؤمنا إلا من آمن به ولا يدخل الجنة إلا أتباعه مثل هؤلاء الجهال الضلال من سكان الجبال والبوادى أو من إستحوذ عليهم بالباطل مثل إبن العود ونحوه ممن قد كتب خطه مما ذكرناه من المخازى عنهم وصرح بما ذكرناه عنهم وبأكثر منه
وهم مع هذا الأمر يكفرون كل من آمن بأسماء الله وصفاته التى فى الكتاب والسنة وكل من آمن بقدر الله وقضائه فآمن بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وأنه خالق كل شىء
وأكثر محققيهم عندهم يرون أن أبا بكر وعمر وأكثر المهاجرين والأنصار وأزواج النبى مثل عائشة وحفصة وساتر أئمة المسلمين وعامتهم ما آمنوا بالله طرفة عين قط لأن الإيمان الذى يتعقبه الكفر عندهم يكون باطلا من أصله كما يقوله بعض علماء السنة ومنهم من يرى أن فرج النبى الذى جامع به عائشة وحفصة لابد أن تمسه النار ليطهر بذلك من وطىء الكوافر على زعمهم لأن وطء الكوافر حرام عندهم
ومع هذا يردون أحاديث رسول الله الثابتة المتواترة عنه عند أهل العلم مثل أحاديث البخارى ومسلم ويرون أن شعر شعراء الرافضة مثل الحميرى وكوشيار الديلمى وعمارة اليمنى خيرا

(28/481)


من أحاديث البخارى ومسلم وقد رأينا فى كتبهم من الكذب والإفتراء على النبى وصحابته وقرابته أكثر مما رأينا من الكذب فى كتب أهل الكتاب من التوارة والإنجيل
وهم مع هذا يعطلون المساجد التى أمر الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه فلا يقيمون فيها جمعة ولا جماعة ويبنون على القبور المكذوبة وغير المكذوبة مساجد يتخذونها مشاهد وقد لعن رسول الله من إتخذ المساجد على القبور ونهى أمته عن ذلك وقال قبل أن يموت بخمس ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك ويرون أن حج هذه المشاهد المكذوبة وغير المكذوبة من أعظم العبادات حتى أن من مشائخهم من يفضلها على حج البيت الذى أمر الله به ورسوله ووصف حالهم يطول
فبهذا يتبين أنهم شر من عامة أهل الأهواء وأحق بالقتال من الخوارج وهذا هو السبب فيما شاع فى العرف العام أن أهل البدع هم الرافضة فالعامة شاع عندها أن ضد السنى هو الرافضى فقط لأنهم أظهر معاندة لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وشرائع دينه من سائر أهل الأهواء

(28/482)


وأيضا فالخوارج كانوا يتبعون القرآن بمقتضى فهمهم وهؤلاء إنما يتبعون الإمام المعصوم عندهم الذى لا وجود له فمستند الخوارج خير من مستندهم
وأيضا فالخوارج لم يكن منهم زنديق ولا غال وهؤلاء فيهم من الزندقة والغالية من لا يحصية إلا الله وقد ذكر اهل العلم أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية وطلب أن يفسد الإسلام كما فعل بولص النصرانى الذى كان يهوديا فى إفساد دين النصارى
وأيضا فغالب أئمتهم زنادقة إنما يظهرون الرفض لأنه طريق إلى هدم الإسلام كما فعلته أئمة الملاحدة الذين خرجوا بأرض أذربيجان فى زمن المعتصم مع بابك الخرمى وكانوا يسمون الخرمية و المحمرة والقرامطة الباطنية الذين خرجوا بأرض العراق وغيرها بعد ذلك وأخذوا الحجر الأسود وبقى معهم مدة كأبى سعيد الجنابى وأتباعه والذين خرجوا بأرض المغرب ثم جاوزوا الى مصر وبنوا القاهرة وادعوا أنهم فاطميون مع اتفاق أهل العلم بالأنسان أنهم بريئون من نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن نسبهم متصل بالمجوس واليهود واتفاق أهل العلم بدين رسول الله أنهم أبعد عن دينه من اليهود والنصارى بل الغالية الذي يعتقدون

(28/483)


إلهية علي والأئمة ومن اتباع هؤلاء الملاحدة أهل دور الدعوة الذين كانوا بخراسان والشام واليمن وغير ذلك
وهؤلاء من أعظم من أعان التتار على المسلمين باليد واللسان بالمؤازرة والولاية وغير ذلك لمباينة قولهم لقول المسلمين واليهود والنصارى ولهذا كان ملك الكفار هولاكو يقرر أصنامهم
وأيضا فالخوارج كانوا من أصدق الناس وأوفاهم بالعهد وهؤلاء من أكذب الناس وأنقضهم للعهد
وأما ذكر المستفتى أنهم يؤمنون بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم فهذا عين الكذب بل كفروا مما جاء به بما لا يحصيه الا الله فتارة يكذبون بالنصوص الثابتة عنه وتارة يكذبون بمعانى التنزيل وما ذكرناه وما لم نذكره من مخاريهم يعلم كل احد أنه مخالف لما بعث الله به محمدا صلىالله عليه وسلم
فان الله قد ذكر فى كتابه من الثناء على الصحابة والرضوان عليهم والاستغفار لهم ما هم كافرون بحقيقته وذكر فى كتابه من الامر بالجمعة والامر بالجهاد وبطاعة أولى الامر ما هم خارجون عنه وذكر فى كتابه من موالاة المؤمنين وموادته ومؤاخاتهم والاصلاح بينهم ما هم عنه خارجون وذكر فى كتابه من النهى عن موالاة الكفار وموادتهم ما هم خارجون

(28/484)


عنه وذكر فى كتابه من تحريم دماء المسلمين واموالهم وأعراضهم وتحريم الغيبة والهمز واللمز ما هم أعظم الناس استحلالا له وذكر فى كتابه من الامر بالجماعة والائتلاف والنهى عن الفرقة والاختلاف ما هم أبعد الناس عنه وذكر فى كتابه من طاعة رسول الله ومحبته واتباع حكمه ما هم خارجون عنه وذكر في كتابه من حقوق أزواجه ما هم برآء منه وذكر فى كتابه من توحيده واخلاص الملك له وعبادته وحده لا شريك له ما هم خارجون عنه فانهم مشركون كما جاء فيهم الحديث لأنهم أشد الناس عظيما تعظيما للمقابر التى اتخذت أوثانا من دون الله وهذا باب يطول وصفه
وقد ذكر فى كتابه من أسمائه وصفاته ما هم كافرون به وذكر فى كتابه من قصص الأنبياء والنهى عن الاستغفار للمشركين ما هم كافرون به وذكر فى كتابه من أنه على كل شىء قدير وأنه خالق كل شىء وأنه ما شاء الله ولا قوة الا بالله ما هم كافرون به ولا تحتمل الفتوى الا الاشاره المختصرة
ومعلوم قطعا ان ايمان الخوارج بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم أعظم من ايمانهم فاذا كان أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه قد قتلهم ونهب عسكره ما فى عسكرهم من الكراع والسلاح والأموال فهؤلاء أولى أن يقاتلوا وتؤخذ أموالهم كما أخذ أمير المؤمنين لعلى بن

(28/485)


أبى طالب أموال الخوارج
ومن إعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين على بن أبى طالب لأهل الجمل وصفين فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها
فإن هؤلاء لو ساسوا البلاد التى يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكا كسائر الملوك وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله وسنته شرا من خروج الخوارج الحرورية وليس لهم تأويل سائغ فإن التأويل السائغ هوالجائز الذى يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب كتأويل العلماء المتنازعين فى موارد الإجتهاد وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويل من جنس تأويل مانعى الزكاة والخوارج واليهود والنصارى وتأويلهم شر تأويلات أهل الأهواء
ولكن هؤلاء المتفقهة لم يجدوا تحقيق هذه المسائل فى مختصراتهم
وكثير من الأئمة المصنفين فى الشريعة لم يذكروا فى مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الإعتقادية والعملية كما نعى الزكاة والخوارج ونحوهم إلا من جنس قتال الخارجين علىالإمام كأهل

(28/486)


الجمل وصفين وهذا غلط بل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه والسنة والحديث والتصوف والكلام وغيرهم
وأيضا فقد جاءت النصوص عن النبى بما يشملهم وغيرهم مثل ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال قال رسول من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قتل تحت راية عمية يغضب للعصبية ويقاتل للعصبية فليس منى ومن خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يبقى لذى عهدها فليس منى فقد ذكر صلىالله عليه وسلم البغاة الخارجين عن طاعة السلطان وعن جماعة المسلمين وذكر أن أحدهم إذا مات مات ميتة جاهلية فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يجعلون عليهم أئمة بل كل طائفة تغالب الأخرى ثم ذكر قتال أهل العصبية كالذين يقاتلون على الأنساب مثل قيس وبمن وذكر أن من قتل تحت هذه الرايات فليس من أمته ثم ذكر قتال العداة الصائلين والخوارج ونحوهم وذكر أن من فعل هذا فليس منه
وهؤلاء جمعوا هذه الثلاثة الأوصاف وزادوا عليها فإنهم خارجون عن الطاعة والجماعة يقتلون المؤمن والمعاهد لايرون لأحد من ولاة

(28/487)


المسلمين طاعة سواء كان عدلا أو فاسقا إلا لمن لا وجود له وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوى الأنساب وهى العصبية للدين الفاسد فإن فى قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس فى قلب أحد وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء الله مستقدمهم ومستأخرهم وأمثلهم عندهم الذى لايلعن ولا يستغفر
وأما خروجهم يقتلون المؤمن والمعاهد فهذا أيضا حالهم مع دعواهم أنهم هم المؤمنون وسائرالأمة كفار وروى مسلم فى صحيحه عن محمد بن شريح قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ستكون هنأة وهنأة فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جميع فأضربوه بالسيف كائنا من كان وفى لفظ فأقتلوه وفى لفظ من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فأقتلوه
وهؤلاء أشد الناس حرصا على تفريق جماعة المسلمين فإنهم لا يقرون لولى أمر بطاعة سواء كان عدلا أو فاسقا ولا يطيعونه لا فى طاعة ولا فى غيرها بل أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور كالخلفاء الراشدين والعلماء المسلمين ومشائخهم لإعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذى لا وجود له فما آمن

(28/488)


بالله ورسوله
وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء لإشتمال مذاهبهم على شر مما إشتملت عليه مذاهب الخوارج وذلك لأن الخوارج الحرورية كانوا أول أهل الأهواء خروجا عن السنة والجماعة مع وجود بقية الخلفاء الراشدين وبقايا المهاجرين والأنصار وظهور العلم والإيمان والعدل فى الأمة وإشراق نور النبوة وسلطان الحجة وسلطان القدرة حيث أظهر الله دينه على الدين كله بالحجة والقدرة
وكان سبب خروجهم ما فعله أمير المؤمنين عثمان وعلى ومن معهما من الأنواع التى فيها تأويل فلم يحتملوا ذلك وجعلوا موارد الإجتهاد بل الحسنات ذنوبا وجعلوا الذنوب كفرا ولهذا لم يخرجوا فى زمن أبى بكر وعمر لإنتفاء تلك التأويلات وضعفهم
ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية والمستأجرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبى كانت أفضل فالسنن ضد البدع فكل ما قرب منه مثل سيرة أبى بكر وعمر كان أفضل مما

(28/489)


تأخر كسيرة عثمان وعلى والبدع بالضد كل ما بعد عنه كان شرا مما قرب منه وأقربها من زمنه الخوارج فإن التكلم ببدعتهم ظهر فى زمانه ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا فى خلافة أمير المؤمنين على رضى الله عنه
ثم ظهر فى زمن على التكلم بالرفض لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين رضى الله عنه بل لم يظهر إسم الرفض إلا حين خروج زيد بن على بن الحسين بعد المائة الأولى لما أظهر الترحم على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما رفضته الرافضة فسموا رافضة وإعتقدوا أن أبا جعفر هوالإمام المعصوم واتبعه آخرون فسموا زبدية نسبة إليه
ثم فى أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا الصحابة كإبن عمر وإبن عباس وجابر بن عبد الله وأبى سعيد وواثلة بن الأسقع وغيرهم ولم يصر لهم سلطان وإجتماع حتى كثرت المعتزلة و المرجئة بعد ذلك
ثم فى أواخر عصر التابعين ظهر التكلم ببدعة الجهمية نفاة الصفات ولم يكن لهم إجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية فى إمارة أبى العباس الملقب بالمأمون فإنه أظهر التجهم وإمتحن الناس عليه وعرب كتب

(28/490)


الأعاجم من الروم واليونانيين وغيرهم وفى زمنه ظهرت الخرمية وهم زنادقة منافقون يظهرون الإسلام وتفرعوا بعد ذلك إلى الفرامطة والباطنية والإسماعيلية وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض فى الظاهر وصارت الرافضة الإمامية فى زمن بنى بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة هذه الأهواء المضلة فيهم الخروج والرفض والقدر والتجهم
وإذا تأمل العالم ما ناقضوه من نصوص الكتاب والسنة لم يجد أحدا يحصيه إلا الله فهذا كله يبين أن فيهم ما فى الخوارج الحرورية وزيادات
وأيضا فإن الخوارج الحرورية كانوا ينتحلون إتباع القرآن بآرائهم ويدعون إتباع السنن التى يزعمون أنها تخالف القرآن والرافضة تنتحل إتباع أهل البيت وتزعم أن فيهم المعصوم الذى لا يخفى عليه شىء من العلم ولا يخطىء لا عمدا ولا سهوا ولا رشدا وإتباع القرآن واجب على الأمة بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذى بعث به رسوله ل
وكذلك أهل بيت رسول الله تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم وهذان الثقلان اللذان وصى بهما رسول الله فروى مسلم فى صحيحه عن زيد بن أرقم قال خطبنا رسول الله صلىالله عليه وسلم بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال يا أيها الناس انى تارك فيكم الثقلين وفى رواية أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله فيه الهدى

(28/491)


والنور فرغب فى كتاب الله وفى رواية هو حبل الله من أتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة وعترتى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى أذكركم الله فى أهل بيتى فقيل لزيد بن أرقم من أهل بيته قال أهل بيته من حرم الصدقة آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل
والنصوص الدالة على إتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا وقد روى عن النبى من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته والذى نفسى بيده لا يدخلون الجنةحتى يحبوكم من أجلى وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد وطهرهم من الصدقة التى هى أوساخ الناس وجعل لهم حقا فى الخمس والفىء وقال فيما ثبت فى الصحيح أن الله إصطفى بنى إسماعيل وإصطفى كنانة من بنى إسماعيل وإصطفى قريشا من كنانة واصطفى بنى هاشم من قريش وإصطفانى من بنى هاشم فأنا خيركم نفسا وخيركم نسبا ولو ذكرنا ما روى فى حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب فإن دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة
ولهذا إتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة وتبرؤا من الناصبة الذين يكفرون على بن أبى طالب ويفسقونه

(28/492)


ويتنقصون بحرمة أهل البيت مثل من كان يعاديهم على الملك أو يعرض عن حقوقهم الواجبة أو يغلو فى تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق وتبرؤا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين ويكفرون عامة صالحى أهل القبلة وهم يعلمون أن هؤلاء أعظم ذنبا وضلالا من أولئك كما ذكرنا من أن هؤلاء الرافضة المحاربين شر من الخوارج وكل من الطائفتين إنتحلت إحدىالثقلين لكن القرآن أعظم
فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ومخالفة لصحابته وقرابته ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته
وقد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم فى إجماع الخلفاء وفى إجماع العترة هل هو حجة يجب إتباعها والصحيح أن كلاهما حجة فإن النبى قال عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وهذا حديث صحيح فى السنن وقال صلى الله عليه و سلم أنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض رواه الترمذى وحسنه وفيه نظر وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية فى زمن الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة

(28/493)


والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من الرافضة ونحوهم هم شر من الخوارج الذين نص النبى صلى الله عليه و سلم على قتالهم ورغب فيه وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته ثم منهم من يرى أن لفظ الرسول صلىالله عليه وسلم شمل الجميع ومنهم من يرى أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم فى معناهم فإن الحديث روى بألفاظ متنوعة ففى الصحيحين واللفظ للبخارى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال إذا حدثتكم عن رسول الله حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة وانى سمعت رسول الله يقول سيخرج قوم فى آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم يوم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة وفى صحيح مسلم عن زيد بن وهب أنه كان فى الجيش الذين كانوا مع على رضى الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج فقال على يا أيها الناس إنى سمعت رسول الله يقول يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قرائتكم إلى قرائتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم

(28/494)


لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدى عليه شعرات بيض والله أنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا فى سرح الناس فسيروا على إسم الله وذكر الحديث إلى آخره
وفى مسلم أيضا عن عبد الله بن رافع كاتب على رضى الله عنه أن الحرورية لما خرجت وهو مع على قالوا لا حكم إلا لله فقال على كلمة حق أريد بها باطل أن رسول الله وصف ناسا أنى لأعرف صفتهم فى هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه من ابغض خلق الله إليه منهم رجل أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي فلما قتلهم على بن طالب قال أنظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال أرجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه فى خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه
وهذه العلامة التى ذكرها النبى هى علامة أول من يخرج منهم ليسوا مخصوصين بأولئك القوم فإنه قد أخبر

(28/495)


فى غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال وقد إتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر
وأيضا فالصفات الى وصفها تعم غير ذلك العسكر ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا مثل ما فى الصحيحين عن أبى سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله يذكرها قال لا أدرى ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يخرج فى هذه الأمة ولم يقل منها قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو حلوقهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى فى الفوقة هل علق بها شيء من الدم اللفظ لمسلم وفى الصحيحين أيضا عن أبى سعيد قال بينما النبى يقسم جاء عبد الله ذو الخويصرة لتميمي وفى راوية أتاه ذو الخويصرة رجل من بنى تميم فقال أعدل يارسول الله فقال ويلك من يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت أن لم أكن أعدل قال عمر إبن الخطاب إئذن لى فأضرب عنقه قال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء

(28/496)


ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذة فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم وذكر ما فى الحديث
فؤلاء أصل ضلالهم إعتقادهم فى أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا ثم يرتبون على الكفر أحكاما إبتدعوها
فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم فى كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام حتى مرقوا منه كما مرق السهم من الرمية وفى الصحيحين فى حديث أبى سعيد يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وهذ 1 نعت سائر الخارجين كالرافضة ونحوهم فإنهم يستحلون دماء أهل القبلة لإعتقادهم أنهم مرتدون أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين لأن المرتد شر من غيره وفى حديث أبى سعيد أن النبى صلى الله عليه و سلم ذكر قوما يكونون فى أمته يخرجون فى فرقة من الناس سيماهم التحليق قال هم شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق وهذه السيما سيما أولهم كما كان ذو الثدية لأن هذا وصف لازم لهم

(28/497)


وأخرجا فى الصحيحين حديثهم من حديث سهل بن حنيف بهذا المعنى ورواه البخارى من حديث عبد الله بن عمر ورواه مسلم من حديث أبى ذر ورافع بن عمرو وجابر بن عبد الله وغيرهم وروى النسائى عن أبى برزة أنه قيل له هل سمعت رسول الله يذكر الخوارج قال نعم سمعت رسول الله بأذنى ورأيته بعينى أن رسول الله أتى بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا فقام رجل من ورائه فقال يا محمد ما عدلت فى القسمة رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان فغضب رسول الله غضبا شديد وقال له والله لا تجدون بعدى رجلا هو أعدل منى ثم قال يخرج فى آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لايزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال فإذا لقيتموهم أأقتلوهم هم شر الخلق والخليقة وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى لله عليه وسلم أن بعدى من أمتى أو سيكون بعدى من أمتى قوم يقرؤون القرآن لايجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة قال إبن الصامت فلقيت

(28/498)


رافع بن عمرو الغفارى أخا الحكم بن عمرو الغفارى قلت ما حديث سمعته من أبى ذر كذا وكذا فذكرت له الحديث فقال وأنا سمعته من رسول الله
فهذه المعانى موجودة فى أولئك القوم الذين قتلهم علي رضى الله عنه وفى غيرهم وإنما قولنا أن عليا قاتل الخوارج بأمر رسول الله مثل ما يقال أن النبى قاتل الكفار أى قاتل جنس الكفار وإن كان الكفر أنواعا مختلفة وكذلك الشرك أنواع مختلفة وإن لم تكن الآلهة التى كانت العرب تعبدها هى التى تعبدها الهند والصين والترك لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه
وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان فى معنى أولئك ويجب قتالهم بأمر النبى صلى الله عليه ووسلم كما وجب قتال أولئك وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير
فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية والرافضة ونحوهم فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه

(28/499)


فساد فإن النبى قال أينما لقيتموهم فاقتلوهم وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وقال عمر لصبيغ بن عسل لو وجدتك محلوقا لضربت الذى فيه عيناك ولأن على بن أبى طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين فى الأرض فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان فى قتله مفسدة راجحة ولهذا ترك النبى قتل ذلك الخارجى إبتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام ولهذا ترك على قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقا كثيرا وكانوا داخلين فى الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة ولم يكن يتبين له أنهم هم
وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضا للعلماء قولان مشهوران وهم روايتان عن أحمد والقولان فى الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم والصحيح أن هذه الأقوال التى يقولونها التى يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر وكذلك أفعالهم التى هى من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هى كفر أيضا وقد ذكرت دلائل ذلك فى غير هذا الموضع لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده فى النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وإنتفاء موانعه فإنا نطلق

(28/500)


القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله فى ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذى لا معارض له وقد بسطت هذه القاعدة فى قاعدة التكفير
ولهذا لم يحكم النبى صلى الله عليه و سلم بكفر الذى قال إذا أنا مت فأحرقونى ثم ذرونى فى اليم فوالله لأن قدر لله على ليعذبنى عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين مع شكة فى قدرة الله وإعادته ولهذا لا يكفر العلماء من إستحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك بذلك فيطلق أن هذا القول كفر ويكفر من قامت عليه الحجةالتى يكفر تاركها دون غيره والله لأعلم د
ما تقول الفقهاء أئمة الدين
فى هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة وفعلوا ما إشتهر من قتل المسلمين وسبى بعض الذرارى والنهب لمن وجدوه من المسلمين وهتكوا حرمات الدين من إذلال المسلمين وإهانة المساجد لا سيما بيت المقدس وأفسدوا فيه

(28/501)


وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم وإدعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وإدعوا تحريم قتال مقاتلهم لما زعموا من إتباع أصل الإسلام ولكونهم عفوا عن إستئصال المسلمين فهل يجوز قتالهم أو يجب وأيما كان فمن أى الوجوه جوازه أو وجوبه أفتونا مأجورين
فأجاب الحمد لله كل طائفة ممتنعة عن إلتزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضى الله عنهم ما نعى الزكاة وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبى بكررضى الله عنهما فإتفق الصحابة رضى الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة
وكذلك ثبت عن النبى من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم فعلم أن مجرد الإعتصام بالإسلام مع عدم إلتزام شرائعه ليس بمسقط للقتال فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة فمتى كان الدين لغير الله

(28/502)


فالقتال واجب فأيما طائفة إمتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن إلتزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن إلتزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التى لا عذر لأحد فى جحودها وتركها التى يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء
وإنما إختلف الفقهاء فىالطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتى الفجر والأذان والإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف فى القتال عليها
وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين أو خارجون عليه لإزالة ولايته وأما المذكورون فهم خارجون عن

(28/503)


الإسلام بمنزلة مانعى الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم على بن أبى طالب رضى الله عنه ولهذا إفترقت سيرة على رضى الله عنه فى قتاله لأهل البصرة والشام وفى قتاله لأهل النهروان فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك وثبتت النصوص عن النبى بما إستقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال الخوارج بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة فإن النصوص دلت فيها بما دلت والصحابة والتابعون إختلفوافيها
على أن من الفقهاء الأئمة من يرىأن أهل البغى الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ لا الخارجون عن طاعته وآخرون يجعلون القسمين بغاة وبين البغاة والتتار فرق بين فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم فى وجوب قتالهم خلافا
فإذا تقررت هذه القاعدة فهؤلاء القوم المسئول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام وهم جمهور العسكر ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم ويعظمون الرسول وليس فيهم من يصلى إلا قليل جدا وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة والمسلم عندهم أعظم من غيره

(28/504)


وللصالحين من المسلمين عندهم قدر وعندهم من الإسلام بعضه وهم متفاوتون فيه لكن الذى عليه عامتهم والذى يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها فإنهم أولا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرا عدوا لله ورسوله وكل من خرج عن دوله المغول أو عليها إستحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين فلا يجاهدون الكفار ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار ولا ينهون أحدا من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح أو المتطوع فى المسلمين والكافر عندهم بمنزلة الفاسق فى المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع
وكذلك أيضا عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم أى لا يلتزمون تركها وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطانا لا بمجرد الدين وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الحج ولاغير ذلك ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الاسلام تارة وتخالفه اخرى وانما كان الملتزم لشرائع الاسلام الشيزبرون وهوالذى اظهر من شرائع الاسلام ما استفاض عند الناس واما هؤلاء فدخلوا فيه وما التزموا شرائعه

(28/505)


وقتال هذا الضرب واجب باجماع المسلمين وما يشك فىذلك من عرف دين الاسلام وعرف حقيقة امرهم فان هذا السلم الذى هم عليه ودين الاسلام لايجتمعان ابدا واذا كان الأكراد والأعراب وغيرهم من اهل البوادى الذين لا يلتزمون شريعة الاسلام يجب قتالهم وان لم يتعد ضررهم الى اهل الأمصار فكيف بهؤلاء نعم يجب ان يسلك فى قتاله المسلك الشرعى من دعائهم الى التزام شرائع الاسلام ان لم تكن الدعوة الى الشرائع قد بلغتهم كما كان الكافر الحربى يدعى اولا الى الشهادتين ان لم تكن الدعوة قد بلغته
فان اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية فى رضوان الله واعزاز كلمته واقامة دينه وطاعة رسوله وان كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة او يتعدى عليهم فى بعض الأمور وكانت مفسدة ترك قتالهم اعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه كان الواجب ايضا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام ادناهما فان هذا من اصول الاسلام التى ينبغى مراعاتها
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لإخلاق لهم كما أخبر بذلك النبى لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور فإنه لابد من أحد

(28/506)


أمرين إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك إستيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا فى الدين والدنيا وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها فهذا هو الواجب فى هذه الصورة وكل ما أشبهها بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه
وثبت عن النبى الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود فى سننه من قوله الغزو ماض منذ بعثنى الله إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل وما إستفاض عنه أنه قال لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة إلى غير ذلك من النصوص التى إتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها فى جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة هذا مع اخباره بأنه سيلى أمراء ظلمة خونة فجرة فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس منى ولست منه

(28/507)


ولا يرد على الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه وسيرد على الحوض
فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبى صلى الله عليه و سلم من الجهاد الذى يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلهم علم أن الطريقة الوسطى التى هى دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة هى أولى بالإسلام منهم إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك وإجتناب إعانة الطائفة التى يغزو معها على شىء من معاصى الله بل يطيعهم فى طاعة الله ولا يطيعهم فى معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق
وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا وهى واجبة على كل مكلف وهى متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشىء عن قلة العلم وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك ملك طاعة الأمراء مطلقا وأن لم يكونوا أبرارا ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

(28/508)


ما تقول السادة العلماء أئمة الدين
رضى الله عنهم أجمعين وأعانهم على بيان الحق المبين وكشف غمرات الجاهلين والزائغين فى هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة وتكلموا بالشهادتين وإنتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا على الكفر الذى كانوا عليه فى أول الأمر فهل يجب قتالهم أم لا وما الحجة على قتالهم وما مذاهب العلماء فى ذلك وما حكم من كان معهم ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين الأمراء وغيرهم وما حكم من قد أخرجوه معهم مكرها وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون والمقاتلون لهم مسلمون وكلاهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما وفى قول من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون وما الواجب على جماعة المسلمين من أهل العلم والدين وأهل القتال وأهل الأموال فى أمرهم أفتونا فى ذلك بأجوبة مبسوطة شافية فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين بل على أكثرهم تارة لعدم العلم بأحوالهم وتارة لعدم العلم بحكم الله

(28/509)


تعالى ورسوله فى مثلهم والله الميسر لكل خير بقدرته ورحمته انه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل
فأجاب الحمد لله رب العالمين نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله وإتفاف أئمة المسلمين وهذ 1 مبنى على أصلين أحدهما المعرفة بحالهم والثانى معرفة حكم الله فى مثلهم
فأما الأول فكل من باشر القوم يعلم حالهم ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبارالصادقين ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذى يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول
كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها بإتفاق أئمة المسلمين

(28/510)


وإن تكلمت بالشهادتين فإذا أقروا بالشهادتين وإمتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا وإن إمتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة وكذلك إن إمتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق وكذلك أن إمتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة وكذلك إن إمتنعوا عن الحكم فى الدماء والأموال والأعراض والإبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة وكذلك إن إمتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة وإتباع سلف الأمة وأئمتها مثل أن يظهروا الألحاد فى أسماء الله وآياته أو التكذيب بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن فى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا فى طاعتهم التى توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور
قال الله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وهذه الآية نزلت فى أهل الطائف وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا لكن كانوا يتعاملون بالربا فأنزل الله هذه الآية وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقى من الربا وقال فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وقد قرىء فأذنوا وآذنوا وكلا المعنيين صحيح والربا

(28/511)


آخر المحرمات فى القرآن وهو مال يؤخذ بتراضى المتعاملين فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التى هى أسبق تحريما وأعظم تحريما
وقد إستفاض عن النبى الأحاديث بقتال الخوارج وهى متواترة عند أهل العلم بالحديث قال الإمام أحمد صح الحديث فى الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم فى صحيحه وروى البخارى منها ثلاثة أوجه حديث على وأبى سعيد الخدرى وسهل بن حنيف وفى السنن والمسانيد طرق أخر متعددة وقد قال فى صفتهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فأقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد
وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب بمن معه من الصحابة وإتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها لم يتنازعوا فى قتالهم كما تنازعوا فى القتال يوم الجمل وصفين فإن الصحابة كانوا فى قتال الفتنة ثلاثة أصناف قوم قاتلوا مع على رضى الله عنه وقوم قاتلوا مع من قاتله وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا الواحدة من الطائفتين وأما الخوارج

(28/512)


فلم يكن فيهم أحد من الصحابة ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة وفى الصحيح عن أبى سعيد أن النبى صلى الله عليه و سلم قال تمرق مارقة على حين فرقه من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق وفى لفظ أدنى الطانفتين إلى الحق فبهذا الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه وإن تلك المارقة التى مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين بل أمر النبى بقتال هذه المارقة وأكد الأمر بقتالها ولم يأمر بقتال أحدى الطائفتين كما أمر بقتال هذه بل قد ثبت عنه فى الصحيح من حديث أبى بكرة أنه قال للحسن أن إبنى هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال وقد بويع له و إختار الأصلح وحقن الدماء مع نزوله عن الأمر فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن ويثنى عليه بترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه
والعلماء لهم فى قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان منهم من يرى قتال على يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغى وكذلك يجعل قتال أبى بكر لمانعى الزكاة وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة كما ذكر ذلك من ذكره

(28/513)


من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم وهم متفقون على أن الصحابة ليسوا فساقا بل هم عدول فقالوا إن أهل البغى عدول مع قتالهم وهم مخطئون خطأ المجتهدين فى الفروع
وخالفت فى ذلك طائفة كإبن عقيل وغيره فذهبوا الى تفسيق أهل البغى وهؤلاء نظروا إلى من عدوه من أهل البغى فى زمنهم فرأوهم فساقا ولا ريب أنهم لا يدخلون الصحابة فى ذلك وإنما يفسق الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ونحوهم كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من الخوارج والروافض وليس ذلك من مذهب الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة ولا يقولون إن أموالهم معصومة كما كانت وما كان ثابتا بعينه رد إلى صاحبه وما أتلف فى حال القتال لم يضمن حتى أن جمهور العلماء يقولون لا يضمن لا هؤلاء ولا هؤلاء كما قال الزهرى وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر
وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم فى حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة على وجهين فى مذهب أحمد يجوز والمنع قول الشافعى والرخصة قول أبى حنيفة
وإختلفوا فى قتل أسيرهم وإتباع مدبرهم والتذفيف على جريحهم

(28/514)


إذا كان لهم فئة يلجئون إليها فجوز ذلك أبو حنيفة ومنعه الشافعى وهو المشهور فى مذهب أحمدو فى مذهبه وجه أنه يتبع مدبرهم فى أول القتال وأما إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يذفف على جريح كما رواه سعيد وغيره عن مروان بن الحكم قال خرج صارخ لعلى يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن
فمن سلك هذه الطريقة فقد يتوهم أن هؤلاء التتار من أهل البغى المتأولين ويحكم فيهم بمثل هذه الأحكام كما أدخل من أدخل فى هذا الحكم مانعى الزكاة والخوارج وسنبين فساد هذا التوهم إن شاء الله تعالى
والطريقة الثانية أن قتال مانعى الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين وهو الذى يذكرونه فى إعتقاد أهل السنة والجماعة وهو مذهب أهل المدينة كمالك وغيره ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره
وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا فى غير موضع حتى فى الأموال فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج وقد نص أحمد فى رواية أبى طالب فى حرورية كان لهم سهم فى قرية فخرجوا

(28/515)


يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون فأرضهم فىء للمسلمين فيقسم خمسة على خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين فجعل أحمد الأرض التى للخوراج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار وبالجملة فهذه الطريقة هىالصواب المقطوع به
فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا وسيرة على رضى الله عنه تفريق بين هذا وهذا فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله وفرح بذلك ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر وقال فى أهل الجمل وغيرهم إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف وصلى على قتلى الطائفتين
وأما الخوارج ففى الصحيحين عن على بن أبى طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول سيخرج قوم فى آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة وفى صحيح مسلم عن زيد بن وهب أنه كان فى الجيش الذى

(28/516)


كانوا مع على الذين ساروا إلى الخوارج فقال على أيها الناس أنى سمعت رسول الله يقول يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشى ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدى عليه شعرات بيض قال فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم فى ذراريكم وأموالكم والله انى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا فى سرح الناس فسيروا على إسم الله قال فلما إلتقينا وعلى الخوارج يومئذ عبدالله بن وهب رئيسا فقل لهم القو الرماح وسلوا سيوفكم من حقوتها فإنى أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرهم الناس برماحهم قال وأقبل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال على إلتمسوا فيهم المخدج فإلتمسوه فلم يجدوه فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجدوه مما يلى الأرض فكبر ثم قال صدق الله وبلغ رسوله قال فقام إليه عبيدة السلمانى فقال يا أمير المؤمنين الله الذى لا إله إلا

(28/517)


هو أسمعت هذا الحديث من رسول الله قال أى والله الذى لا إله إلا هو حتى إستحلفه ثلاثا وهو يحلف له أيضا
فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم وإنما تنازعوا فى تكفيرهم على قولين مشهورين فى مذهب مالك وأحمد وفى مذهب االشافعى أيضا نزاع فى كفرهم
ولهذا كان فيهم وجهان فى مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى أحدهما أنهم بغاة والثانى أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم إبتداء وقتل أسيرهم وإتباع مدبرهم ومن قدر عليه منهم إستتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل كما أن مذهبه فى مانعى الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على روايتين
وهذا كله مما يبن أن قتال الصديق لمانعى الزكاة وقتال على للخوارج ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين فكلام على وغيره فى الخوارج يقتضى أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين بل هم نوع ثالث وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم

(28/518)


وممن قاتلهم الصحابة مع إقرارهم بالشهادتين والصلاة وغير ذلك مانعى الزكاة كما فى الصحيحين عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر يا خليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلابحقها فقال له أبو بكر ألم يقل لك إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها قال عمر فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق
وقد إتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعى الزكاة وإن كانوا يصلون الخمسة ويصومون شهر رمضان وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله وقد حكى عنهم أنهم قالوا إن الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله خذ من أموالهم صدقة وقد سقطت بموته
وكذلك أمر النبى بقتال الذين لا ينتهون عن شرب الخمر
وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم فقد علم أن هؤلاء

(28/519)


القوم جازوا على الشام فىالمرة الأولى عام تسعة وتسعين وأعطوا الناس الأمان وقرؤوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سبوا من ذرارى المسلمنن مايقال أنه مائة ألف أو يزيد عليه وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبى مالا يعلمه إلا الله حتى يقال أنهم سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين فى المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموى وغيره وجعلوا الجامع الذى بالعقيبة دكا
وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر فى عسكرهم مؤذنا ولا إماما وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم مالا يعلمه إلا الله
ولم يكن معهم فى دولتهم إلا من كان من شر الخلق إما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام فى الباطن وإما من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والإتحادية ونحوهم وأما هو من أفجر الناس وأفسقهم وهم فى بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق وإن كان فيهم من يصلى ويصوم فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة
وهم يقاتلون على ملك جنكسخان فمن دخل فى طاعتهم جعلوه

(28/520)


وليا لهم وإن كان كافرا ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار
بل غاية كثير من المسالمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بانا مسلمون فقال هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله محمد وجنكسخان فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين أن يسوى بين رسول الله وأكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم وخاتم المرسلين وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفرا وفسادا وعدوانا من جنس بختنصر وأمثاله
وذلك إن إعتقاد هؤلاء التتار كان فى جنكسخان عظيما فإنهم يعتقدون أنه إبن الله من جنس ما يعتقده النصارى فى المسيح ويقولون أن الشمس حبلت أمه وأنها كانت فى خيمة فنزلت الشمس من كوة الخيمة فدخلت فيها حتى حبلت ومعلوم عند كل ذى دين أن هذا كذب وهذا دليل على أنه ولد زنا وأن أمة زنت فكتمت زناها وإدعت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنا وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله فى تعظيم ما سنة لهم وشرعه بظنه وهواه حتى

(28/521)


يقولوا لمال عندهم من المال هذا رزق جنكسخان ويشكرونه على أكلهم وشربهم وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادى لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين
فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الإسلام أن يجعل محمدا بمنزلة هذا الملعون ومعلوم أن مسيلمة الكذاب كان أقل ضررا على المسلمين من هذا وإدعى أنه شريك محمد فى الرسالة وبهذا إستحل الصحابة قتاله وقتال أصحابه المرتدين فكيف بمن كان فيما يظهره من الإسلام يجعل محمدا كجنكسخان وإلا فهم مع إظهارهم للإسلام يعظمون أمر جنكسخان على المسلمين المتبعين لشريعة القرآن ولا يقاتلون أو لئك المتبعين المتبعين لما سنه جنكسخان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم أولئك الكفار يبذلون ل والإنقياد ويحملون إليه الأموال ويقرون له بالنيابة ولا يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن طاعة الإمام للإمام وهم يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة ويطلبون من المسلمين الطاعة لهم وبذل الأموال والدخول فيما وضعه لهم ذلك الملك الكافر المشرك المشابه لفرعون أو النمروذ ونحوهما بل هو أعظم فسادا فى الأرض منهما قال الله تعالى أن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم

(28/522)


ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين
وهذا الكافر علا فى الأرض يستضعف أهل الملل كلهم من المسلمين واليهود والنصارى ومن خالفه من المشركين بقتل الرجال وسبى الحريم وبأخذ الأموال وبهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ويرد الناس عما كانوا عليه من سنن الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما إبتدعه من سنته الجاهلية وشريعته الكفرية
فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية لا بحكم الله ورسوله
وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى وإن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين
ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح دين المسلمين وهذا القول فاش غالب فيهم حتى فى فقهائهم وعبادهم لاسيما الجهمية من الإتحادية الفرعونية ونحوهم فإنه غلبت عليهم الفلسفة وهذا مذهب كثير من المتفلسفة أو أكثرهم وعلى

(28/523)


هذا كثير من النصارى أو أكثرهم وكثير من اليهود أيضا بل لو قال القائل أن غالب خواص العلماء منهم والعباد على هذا المذهب لما أبعد وقد رأيت من ذلك وسمعت مالا يتسع له هذا الموضع
ومعلوم بالإضطرار من دين المسلمين وبإتفاق جميع المسلمين أن من سوغ إتباع غير دين الإسلام أو إتباع شريعة غير شريعة محمد فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب كما قال تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون ان يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا واليهود والنصارى داخلون فى ذلك وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومن تفلسف من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين
وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب فإنه كان يهوديا متفلسفا ثم إنتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية والتفلسف وضم إلى ذلك الرفض فهذاهو أعظم من عندهم من ذوى الأفلام وذاك أعظم من كان عندهم من ذوى السيف فليعتبرالمؤمن بهذا
وبالجملة فما من نفاق وزندقة والحاد إلا وهى داخلة فى إتباع التتار

(28/524)


لأنهم من أجهل الخلق وأقلهم معرفة بالدين وأبعدهم عن إتباعه وأعظم الخلق إتباعا للظن وما تهوى الأنفس
وقد قسموا الناس أربعة أقسام يال وباع وداشمند وطاط أى صديقهم وعدوهم والعالم والعامى فمن دخل فى طاعتهم الجاهلية وسنتهم الكفرية كان صديقهم ومن خالفهم كان عدوهم ولو كان من أنبياء الله ورسله وأوليائه وكل من إنتسب إلى علم أو دين سموه داشمند كالفقيه والزاهد والقسيس والراهب ودنان اليهود والمنجم والساحر والطبيب والكاتب والحاسب فيدرجون سادن الأصنام فيدرجون فى هذا من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع مالا يعلمه إلا الله ويجعلون أهل العلم والإيمان نوعا واحد
بل يجعلون القرامطة الملاحدة الباطنية الزنادقة المنافقين كالطوسى وأمثاله هم الحكام على جميع من إنتسب إلى علم أو دين من المسلمين واليهود والنصارى وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الأصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والإيمان وحتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والألحاد والكفر بالله ورسوله بحيث تكون موافقته للكفار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة والرافضة على ما يريدونه أعظم من غيره

(28/525)


ويتظاهر من شريعة الإسلام بما لابد له منه لأجل من هناك من المسلمين حتى أن وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف مصنفا مضمونه أن النبى رضي بدين اليهود والنصارى وانه لا ينكر عليهم ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم ولا يؤمرون بالانتقال الى الاسلام واستدل الخبيث الجاهل بقوله قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين زعم ان هذه الآية تقتضى انه يرضى دينهم قال وهذه الآية محكمة ليست منسوخة وجرت بسبب ذلك أمور
ومن المعلوم أن هذا جهل منه فإن قوله لكم دينكم ولى دين ليس فيه ما يقتضى أن يكون دين الكفار حقا ولا مرضيا له وإنما يدل على تبرئه من دينهم ولهذا قال فى هذه السورة انها براءة من الشرك كما قال فى الاية الاخرى فان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم انتم بريئون مما اعمل وانا برىء مما تعملون فقوله لكم دينكم ولي دين كقوله لنا اعمالنا ولكم اعمالكم وقد اتبع ذلك بموجبه ومقتضاه حيث قال انتم بريئون مما اعمل وانا برىء مما تعملون ولو قدر ان فى هذه السورة ما يقتضى انهم لم يؤمروا بترك دينهم فقد علم بالاضطرار من دين

(28/526)


الاسلام بالنصوص المتواترة وباجماع الأمة انه امر المشركين واهل الكتاب بالايمان لبه وانه جاءهم على ذلك واخبر انهم كافرون يخلدون فى النار
وقد اظهروا الرفض ومنعوا أن نذكر على المنابر الخلفاء الراشدين وذكروا عليا وأظهروا الدعوة للاثنى عشر الذين تزعم الرافضة أنهم أئمة معصومون وإن أبا بكر وعمر وعثمان كفار وفجار ظالمون لا خلافة لهم ولا لمن بعدهم ومذهب الرافضة شر من مذهب الخوارج المارقين فان الخوارج غايتهم تكفير عثمان وعلي وشيعتهما والرافضة تكفير ابى بكر وعمر وعثمان وجمهور السابقين الأولين وتجحد من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أعظم مما جحد به الخوارج وفيهم من الكذب والافتراء والغلو والالحاد ما ليس فى الخوارج وفيهم من معاونة الكفار على المسلمين ما ليس فى الخوارج
والرافضة تحب التتار ودولتهم لأنه يحصل لهم بها من العز مالا يحصل بدولة المسلمين والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين وهم كانوا من اعظم الاسباب فى دخول التتار قبل اسلامهم الى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام وكانوا من اعظم الناس معاونة لهم على اخذهم لبلاد الاسلام وقتل المسلمين

(28/527)


وسبى حريمهم وقضية إبن العلقمى وأمثاله مع الخليفة وقضيتهم فى حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس وكذلك فى الحروب التى بين المسلمين وبين النصارى بسواحل الشام قد عرف أهل الخبرة أن الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين وأنهم عاونوهم على أخذ البلاد لما جاء التتار وعز على الرافضة فتح عكة وغيرها من السواحل وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان ذلك غصة عند الرافضة وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين كان ذلك عيدا ومسرة عند الرافضة
ودخل فى الرافضة اهل الزندقة والألحاد من النصيرية و الإسماعيلية وأمثالهم من الملاحدة القرامطة وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق و الشام وغير ذلك والرافضة جهمية قدرية وفيهم من الكذب والبدع والإفتراء على الله ورسوله أعظم مما فى الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين على وسائر الصحابة بأمر رسول الله بل فيهم من الردة عن شرائع الدين أعظم مما فى مانعى الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة
ومن أعظم ما ذم به النبى الخوارج قوله فيهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان كما أخرجا فى الصحيحين عن أبى سعيد قال بعث على إلى النبى صلى الله عليه

(28/528)


وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة يعنى من أمراء نجد فغضبت قريش والأنصار قالوا يعطى صناديد أهل نجد ويدعنا قال إنما أتالفهم فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتىء الجبين كث اللحية محلوق فقال يا محمد إتق الله فقال من يطع الله إذا عصيته أيامننى الله على أهل الأرض ولا تأمنونى فسأله رجل قتله فمنعه فلما ولى قال ان من ضئضى هذا او فى عقب هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد وفى لفظ في الصحيحين عن ابى سعيد قال بينما نحن عند رسول الله وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بنى تميم فقال يارسول الله أعدل فقال ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت أن لم أكن أعدل فقال عمر يار سول الله أتأذن لى فيه فأضرب عنقه فقال دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذة فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى

(28/529)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية