صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

معارض بهذه الاوصاف والمعارضة تبطل كل نوع من الاقيسة ان لم يتبين ان الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا
الوجه الخامس انه ثبت بالنص والاجماع منع الصائم من الاكل والشرب والجماع وقد ثبت عن النبى صى الله عليه وسلم انه قال ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ولا ريب ان الدم يتولد من الطعام والشراب واذا اكل او شرب اتسعت مجاري الشياطين ولهذا قال فضيقوا مجاريه بالجوع وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعا ولهذا قال النبى اذا دخل رمضان فتحت ابواب الجنة وغلقت ابواب النار وصفدت الشياطين فان مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقت واذا ضاقت انبعثت القلوب الى فعل الخيرات التى بها تفتح ابواب الجنة والى ترك المنكرات التى بها تفتح ابواب النار وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم فلم يستطيعوا ان يفعلوا فى شهر رمضان ما كانوا يفعلونه فى غيره ولم يقل انهم قتلوا ولا ماتوا بل قال صفدت والمصفد من الشياطين قد يؤذي لكن هذا اقل وأضعف مما يكون فى غير رمضان فهو بحسب كمال الصوم ونقصه فمن كان صومه كاملا دفع الشيطان دفعا لا يدفعه دفع الصوم الناقص فهذه المناسبة ظ 4 اهرة فى منع الصائم من الاكل

(25/246)


والشرب والحكم ثابت على وفقه وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره وهذا المنع منتف فى الحقنة والكحل وغير ذلك
فان قيل بل الكحل قد ينزل الى الجوف ويستحيل دما قيل هذا كما قد يقال فى البخار الذي يصعد من الانف الى الدماغ فيستحيل دما وكالدهن الذي يشربه الجسم والممنوع منه انما هو ما يصل الى المعدة فيستحيل دما ويتوزع على البدن
ونجعل هذا وجها سادسا فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك لجامع ما يشتركان فيه من ان ذلك ليس مما يتغذي به البدن ويستحيل فى المعدة دما وهذا الوصف هو الذي اوجب ان لا تكون هذه الامور مفطرة وهذا موجود فى محل النزاع والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما بما يشبهه من الصفات
فإن قيل هذا تطبخه المعدة ويستحيل دما ينمى عنه البدن لكنه غذاء ناقص هو كما لو اكل سما او نحوه مما يضره وهو بمنزلة من

(25/247)


اكل اكلا كثيرا اورثه تخمة ومرضا فكان منعه فى الصوم عن هذا اوكد لانه ممنوع عنه فى الافطار وبقي الصوم اوكد وهذا كمنعه من الزنا فانه اذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى
فإن قيل فالجماع مفطر وهذه العلة منفية فيه
قيل تلك أحكام ثابتة بالنص والاجماع فلا يحتاج اثباتها الى القياس بل يجوز ان تكون العلل مختلفة فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة وتحريم الجماع والفطر به لحكمة والفطر بالحيض لحكمة فان الحيض لا يقال فيه انه يحرم وهذا لان المفطرات بالنص والاجماع لما انقسمت الى امور اختيارية تحرم على العبد كالأكل والجماع والى امور لا اختيار له فيها كدم الحيض كذلك تنقسم عللها
فنقول اما الجماع فانه بإعتبار انه سبب انزال المني يجري مجري الاستقاءة والحيض والاحتجام كما سنبينه ان شاء الله تعالى فانه من نوع الاستفراغ لا الامتلاء كالأكل والشرب ومن جهة انه احدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل والشرب قد قال النبى فى الحديث الصحيح عن الله تعالى قال الصوم لي وانا اجزي

(25/248)


به يدع شهوته وطعامه من اجلى فترك الانسان ما يشتهيه لله هو عبادة مقصودة يثاب عليها كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن والجماع من أعظم نعيم البدن وسرور النفس وانبساطها هو يحرك الشهوة والدم والبدن اكثر من الاكل فاذا كان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه فاذا اكل او شرب انبسطت نفسه الى الشهوات وضعفت ارادتها ومحبتها للعبادات فهذا المعنى في الجماع ابلغ فانه يبسط ارادة النفس للشهوات ويضعف ارادتها عن العبادات اعظم بل الجماع هو غاية الشهوات وشهوته اعظم من شهوة الطعام والشراب ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار فوجب عليه العتق او ما يقوم مقامه بالسنة والاجماع لان هذا اغلظ وداعيه أقوى والمفسدة به اشد فهذا اعظم الحكمتين فى تحريم الجماع
وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذاك حكمة اخرى فصار فيهما كالا كل والحيض وهو فى ذلك ابلغ منهما فكان افساده الصوم اعظم من افساد الاكل والحيض
فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس فنقول ان الشرع جاء بالعدل في كل شيء والاسراف فى العبادات من الجور

(25/249)


الذى نهى عنه الشارع وامر بالاقتصاد فى العبادات ولهذا امر بتعجيل الفطر وتاخير السحور ونهى عن الوصال وقال افضل الصيام واعدل الصيام صيام داود عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر اذا لاقى فالعدل فى العبادات من اكبر مقاصد الشارع ولهذا قال تعالى يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم الاية فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا واخذهم الربا وقد نهوا عنه فلما كانوا ظالمين عوقبوا بان حرمت عليهم الطيبات بخلاف الامة الوسط العدل فانه احل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث
وإذا كان كذلك فالصائم قد نهى عن اخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب فينهى عن اخراج ما يضعفه ويخرج مادته التى بها يتغذى والا فاذا مكن من هذا ضره وكان متعديا فى عبادته لا عادلا
والخارجات نوعان نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه او على وجه لا يضره فهذا لا يمنع منه كالاخبثين فإن خروجهما لا يضره ولا يمكنه الاحتراز منه ايضا ولو استدعى خروجهما فان خروجهما لا يضره بل ينفعه وكذلك اذا ذرعه القيء لا يمكنه الاحتراز منه وكذلك الاحتلام

(25/250)


فى المنام لا يمكنه الاحتراز منه واما اذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل فى المعدة وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل فى المعدة عن الدم فهو يخرج الدم الذى يتغذى به ولهذا كان خروج المني اذا افرط فيه يضر الانسان ويخرج احمر
والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم والحائض يمكنها ان تصوم في غير اوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها فكان صومها فى تلك الحال صوما معتدلا لا يخرج فيه الدم الذى يقوى البدن الذي هو مادته وصومها فى الحيض يوجب ان يخرج فيه دمها الذى هو مادتها ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن الاعتدال فأمرت ان تصوم فى غير اوقات الحيض
بخلاف المستحاضة فان الاستحاضة تعم اوقات الزمان وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه كذرع القيء وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه فلم يجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض

(25/251)


وطرد هذا اخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك
فإن العلماء متنازعون فى الحجامة هل تفطر الصائم ام لا والاحاديث الواردة عن النبى فى قوله أفطر الحاجم والمحجوم كثيرة قد بينها الائمة الحفاظ
وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم وكان منهم من لا يحتجم الا بالليل وكان اهل البصرة اذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين والقول بأن الحجامة تفطر مذهب اكثر فقهاء الحديث كاحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم
وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به اخص الناس باتباع محمد والذين لم يروا افطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح أن النبى احتجم وهو صائم محرم واحمد وغيره طعنوا فى هذه الزيادة وهي قوله وهو صائم وقالوا الثابت انه احتجم وهو محرم قال احمد قال يحيى بن سعيد قال شعبة لم يسمع الحكم حديث مقسم فى الحجامة للصائم يعنى حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ان النبى احتجم وهو صائم محرم

(25/252)


قال مهنا سألت احمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون ابن مهران عن ابن عباس ان النبى احتجم وهو صائم محرم فقال ليس بصحيح وقد انكره يحيى بن سعيد الانصارى قال الاثرم سمعت ابا عبد الله رد هذا الحديث فضعفه وقال كانت كتب الأنصارى ذهبت فى أيام المنتصر فكان بعد يحدث من كتب غلامه وكان هذا من تلك
وقال مهنا سألت احمد عن حديث قبيصة عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ فقال هو خطأ من قبل قبيصة وسالت يحيى عن قبيصة فقال رجل صدق والحديث الذى يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله
قال مهنا سألت احمد عن حديث ابن عباس ان النبى صلى الله عليه و سلم احتجم وهو محرم صائم فقال ليس فيه صائم انما هو محرم ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس احتجم النبى على رأسه وهو محرم وعن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس وعن عبدالرزاق عن معمرعن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله وهؤلاء اصحاب ابن عباس لا يذكرون صائما

(25/253)


قلت وهذا الذي ذكره الامام احمد هو الذى اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم ولهذا اعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم ولم يثبت الا حجامة المحرم وتأولوا احاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة كقولهم كانا يغتابان وقولهم افطر لسبب آخر واجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره ان هذا منسوخ فان هذا القول كان في رمضان واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك لان الاحرام بعد رمضان وهذا ايضا ضعيف بل هو صلوات الله عليه احرم سنة ست عام الحديبية بعمرة فى ذي القعدة واحرم من العام القابل بعمرة القضية فى ذي القعدة واحرم من العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة واحرم سنة عشر بحجة الوداع فى ذى القعدة فاحتجامه وهو محرم صائم لم يبين في اي الاحرامات كان
والذي يقوي ان احرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة قوله افطر الحاجم والمحجوم فانه كان عام الفتح بلا ريب هكذا في اجود الاحاديث وروى احمد باسناده عن ثوبان ان رسول الله اتى على رجل يحتجم فى رمضان قال افطر الحاجم والمحجوم

(25/254)


وقال أحمد أنبأنا اسماعيل عن خالد الحذاء عن ابى قلابة عن الاشعث عن شداد بن اوس انه مر مع النبى صلى الله عليه و سلم زمن الفتح على رجل محتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال افطر الحاجم والمحجوم وقال الترمذي سألت البخارى فقال ليس فى هذا الباب اصح من حديث شداد بن اوس وحديث ثوبان فقلت وما فيه من الاضطراب فقال كلاهما عندي صحيح لان يحيى بن سعيد روى عن أبى قلابة عن ابي اسماء عن ثوبان عن ابى الاشعث عن شداد الحديثين جميعا
قلت وهذا الذي ذكره البخارى من اظهر الادلة على صحة كلا الحديثين اللذين رواهما ابو قلابة الى ان قال ومما يقوي ان الناسخ هو الفطر بالحجامة ان ذلك رواه عنه خواص اصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرا وسفر ا ويطلعون على باطن امره مثل بلال وعائشة ومثل اسامة وثوبان مولياه ورواه عنه الانصار الذين هم بطانته مثل رافع بن خديج وشداد بن اوس وفى مسند احمد عن رافع بن خديج عن النبى قال افطر الحاجم والمحجوم قال احمد اصح شيء فى هذا الباب حديث رافع وذكر أحاديث افطر الحاجم والمحجوم الى ان قال ثم اختلفوا على اقوال

(25/255)


أحدها يفطر المحجوم دون الحاجم ذكره الخرقي لكن المنصوص عن احمد وجمهور اصحابه الافطار بالأمرين والنص دال على ذلك فلا سبيل الى
والثاني أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم ولا يفطر بالافتصاد ونحوه لانه لا يسمى احتجاما وهذا قول القاضي واصحابه فالتشريط في الاذان هل هو داخل فى مسمى الحجامة تنازع فيه المتأخرون فبعضهم يقول التشريط كالحجامة كما يقوله شيخنا ابو محمد المقدسي وعليه يدل كلام العلماء قاطبة فليس منهم من خص التشريط بذكر ولو كان عندهم لا يدخل فى الحجامة لذكروه كما ذكروا الفصاد فعلم ان التشريط عندهم من نوع الحجامة وقال شيخنا ابو محمد هذا الصواب الى ان قال
والرابع وهو الصواب واختاره ابو المظفر ابن هبيرة الوزير العالم العادل وغيره انه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما وذلك لان المعنى الموجود فى الحجامة موجود فى الفصاد شرعا وطبعا وحيث حض النبى على الحجامة وامر بها فهو حض على ما فى معناها من الفصاد وغيره لكن الارض الحارة تجتذب الحرارة فيها دم البدن

(25/256)


فيصعد الى سطح الجلد فيخرج بالحجامة والارض الباردة يغور الدم فيها الى العروق هربا من البرد فان شبه الشيء منجذب اليه كما تسخن الاجواف فى الشتاء وتبرد في الصيف فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد وقطع العروق كما للبلاد الحارة الحجامة لا فرق بينهما فى شرع ولا عقل
وقد بينا ان الفطر بالحجامة على وفق الاصول والقياس وانه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء واذا كان كذلك فبأي وجه اراد اخراج الدم افطر كما انه بأي وجه اخرج القيء افطر سواء جذب القيء بادخال يده او بشم ما يقيئه او وضع يده تحت بطنه واستخرج القيء فتلك طرق لاخراج القيء وهذه طرق لاخراج الدم ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في باب الطهارة فتبين بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه وان ما ورد من النصوص ومعانيها فان بعضه يصدق بعضا ويوافقه ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
وأما الحاجم فانه يجتذب الهواء الذي فى القارورة بامتصاصه والهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل فى حلقه وهو لا يشعر والحكمة اذا كانت خفية او منتشرة علق الحكم

(25/257)


بالمظنة كما أن النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه الى بطنه وهو لا يدري
والدم من أعظم المفطرات فانه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة والخروج عن العدل والصائم امر بحسم مادته فالدم يزيد الدم فهو من جنس المحظور فيفطر الحاجم لهذا كما ينتقض وضوء النائم وان لم يستيقن خروج الريح منه لانه يخرج ولا يدرى وكذلك الحاجم قد يدخل الدم فى حلقه وهو لا يدرى
وأما الشارط فليس بحاجم وهذا المعنى منتف فلا يفطر الشارط وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة بل يمتص غيرها او ياخذ الدم بطريق اخرى لم يفطر
والنبى كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد واذا كان اللفظ عاما وان كان قصده شخصا بعينه فيشترك في الحكم سائر النوع للعادة الشرعية من ان ما ثبت فى حق الواحد من الامة ثبت في حق الجميع فهذا أبلغ فلا يثبت بلفظه ما يظهر لفظا ومعنى أنه لم يدخل فيه مع بعده عن الشرع والعقل والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

(25/258)


وسئل
عن رجل باشر زوجته وهو يسمع المتسحر يتكلم فلا يدري اهو يتسحر ام يؤذن ثم غلب على ظنه انه يتسحر فوطئها وبعد يسير اضاء الصبح فما الذي يجب عليه افتونا مأجورين
فأجاب هذه المسالة للعلماء فيها ثلاثة اقوال
أحدها عليه القضاء والكفارة هذا احدى الروايتين عن احمد
وقال مالك عليه القضاء لا غير وهذه الرواية الاخرى عنه وهذا مذهب الشافعي وابى حنيفة وغيرهما
والثالث لا قضاء ولا كفارة عليه وهذا قول النبى وهو اظهر الاقوال ولان الله تعالى عفا عن الخطأ

(25/259)


والنسيان واباح سبحانه وتعالى الاكل والشرب والجماع حتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود والشاك في طلوع الفجر يجوز له الاكل والشرب والجماع بالاتفاق ولا قضاء عليه اذا استمر الشك
وسئل رحمه الله
عن رجل اراد ان يواقع زوجته فى شهر رمضان بالنهار فافطر بالاكل قبل ان يجامع ثم جامع فهل عليه كفارة أم لا وما على الذي يفطر من غير عذر
فأجاب الحمد لله هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران
أحدهما تجب وهو قول جمهورهم كمالك واحمد وابى حنيفة وغيرهم
والثانى لا تجب وهو مذهب الشافعى
هذان القولان مبناهما على ان الكفارة سببها الفطر من الصوم او من الصوم الصحيح بجماع او بجماع وغيره على اختلاف المذاهب فان ابا حنيفة

(25/260)


يعتبر الفطر بأعلى جنسه ومالك يعتبر الفطر مطلقا فالنزاع بينهما إذا افطر بابتلاع حصاة او نواة ونحو ذلك وعن احمد رواية انه اذا افطر بالحجامة كفر كغيرها من المفطرات بجنس الوطء فاما الاكل والشرب ونحوهما فلا كفارة فى ذلك
ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح فالشافعي وغيره يشترط ذلك فلو اكل ثم جامع او اصبح غير ناو للصوم ثم جامع او جامع وكفر ثم جامع لم يكن عليه كفارة لانه لم يطأ فى صوم صحيح
وأحمد فى ظاهر مذهبه وغيره يقول بل عليه كفارة فى هذه الصور ونحوها لانه وجب عليه الامساك فى شهر رمضان فهو صوم فاسد فاشبه الاحرام الفاسد
وكما ان المحرم بالحج اذا افسد احرامه لزمه المضي فيه بالامساك عن محظوراته فاذا اتى شيئا منها كان عليه ما عليه من الاحرام الصحيح وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان اذا وجب عليه الامساك فيه وصومه فاسد لاكل او جماع او عدم نية فقد لزمه الامساك عن محظورات الصيام فاذا تناول شيئا منها كان عليه ما عليه فى الصوم

(25/261)


الصحيح وفى كلا الموضعين عليه القضاء
وذلك لان هتك حرمة الشهر حاصلة فى الموضعين بل هي في هذا الموضع اشد لانه عاص بفطره اولا فصار عاصيا مرتين فكانت الكفارة عليه اوكد ولانه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة الى ان لا يكفر أحد فانه لا يشاء احد ان يجامع فى رمضان الا امكنه ان يأكل ثم يجامع بل ذلك اعون له على مقصوده فيكون قبل الغدا عليه كفارة واذا تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه وهذا شنيع فى الشريعة لا ترد بمثله
فإنه قد استقر فى العقول والاديان انه كلما عظم الذنب كانت العقوبة ابلغ وكلما قوى الشبه قويت والكفارة فيها شوب العبادة وشوب العقوبة وشرعت زاجرة وماحية فبكل حال قوة السبب يقتضي قوة المسبب
ثم الفطر بالاكل لم يكن سببا مستقلا موجبا للكفارة كما يقوله ابو حنيفة ومالك فلا اقل ان يكون معينا للسبب المستقل بل

(25/262)


يكون مانعا من حكمه وهذا بعيد عن اصول الشريعة
ثم المجامع كثيرا ما يفطر قبل الايلاج فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا القول وهذا ظاهر البطلان والله أعلم
وسئل
عن رجل أفطر نهار رمضان متعمدا ثم جامع فهل يلزمه القضاء والكفارة ام القضاء بلا كفارة
فأجاب عليه القضاء وأما الكفارة فتجب فى مذهب مالك واحمد وابى حنيفة ولا تجب عند الشافعي
وسئل
عن رجل وطىء امرأته وقت طلوع الفجر معتقدا بقاء الليل ثم تبين ان الفجر قد طلع فما يجب عليه

(25/263)


فأجاب الحمد لله هذه المسألة فيها ثلاثة اقوال لاهل العلم
أحدها ان عليه القضاء والكفارة وهو المشهور من مذهب احمد
والثانى ان عليه القضاء وهو قول ثان فى مذهب احمد وهو مذهب ابى حنيفة والشافعي ومالك
والثالث لا قضاء عليه ولا كفارة وهذا قول طوائف من السلف كسعيد بن جبير ومجاهد والحسن واسحاق وداود وأصحابه والخلف وهؤلاء يقولون من اكل معتقدا طلوع الفجر ثم تبين له انه لم يطلع فلا قضاء عليه
وهذا القول أصح الاقوال واشبهها باصول الشريعة ودلالة الكتاب والسنة وهو قياس اصول احمد وغيره فان الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطيء وهذا مخطيء وقد اباح الله الاكل والوطء حتى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر واستحب تأخير السحور ومن فعل ما ندب اليه وابيح له لم يفرط فهذا اولى بالعذر من الناسي والله أعلم

(25/264)


وسئل
عما إذا قبل زوجته أو ضمها فأمذى هل يفسد ذلك صومه ام لا
فأجاب يفسد الصوم بذلك عند اكثر العلماء
وسئل عمن أفطر فى رمضان الخ
فأجاب إذا افطر فى رمضان مستحلا لذلك وهو عالم بتحريمه استحلالا له وجب قتله وان كان فاسقا عوقب عن فطره فى رمضان بحسب ما يراه الامام واخذ منه حد الزنا وان كان جاهلا عرف بذلك واخذ منه حد الزنا ويرجع فى ذلك الى إجتهاد الامام والله أعلم

(25/265)


وسئل رحمه الله
عن المضمضة والاستنشاق والسواك وذوق الطعام والقىء وخروج الدم والادهان والاكتحال
فأجاب أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق العلماء وكان النبى والصحابة يتمضمضون ويستنشقون مع الصوم لكن قال للقيط بن صبرة وبالغ فى الاستنشاق الا ان تكون صائما فنهاه عن المبالغة لا عن الاستنشاق
وأما السواك فجائز بلا نزاع لكن اختلفوا فى كراهيته بعد الزوال على قولين مشهورين هما روايتان عن احمد ولم يقم على كراهيته دليل شرعي يصلح ان يخص عمومات نصوص السواك وقياسه على دم الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه كما هو مبسوط فى موضعه
وذوق الطعام يكره لغير حاجة لكن لا يفطره وأما للحاجة

(25/266)


فهو كالمضمضة
وأما القىء فاذا استقاء افطر وان غلبه القىء لم يفطر
والادهان لا يفطر بلا ريب
وأما خروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه كدم المستحاضة والجروح والذي يرعف ونحوه فلا يفطر وخروج دم الحيض والنفاس يفطر باتفاق العلماء
وأما الاحتجام ففيه قولان مشهوران ومذهب احمد وكثير من السلف انه يفطر والفصاد ونحوه فيه قولان فى مذهبه أحدهما ان ذلك كالاحتجام
ومذهبه فى الكحل الذي يصل إلى الدماغ انه يفطر كالطيب وللحاجة ومذهب مالك نحو ذلك واما ابو حنيفة والشافعي رحمهما الله فلا يريان الفطر بذلك والله أعلم

(25/267)


وسئل
عن رجل افتصد بسبب وجع رأسه وهو صائم هل يفطر ويجب عليه قضاء ذلك اليوم ام لا وهل اذا اعلم أنه يفطر اذ افتصد يأثم أم لا
فأجاب الحمد لله هذه المسألة فيها نزاع فى مذهب احمد وغيره والأحوط أنه يقضي ذلك اليوم والله أعلم
وسئل عن الفصاد فى شهر رمضان هل يفسد الصوم ام لا
فأجاب إن أمكنه تأخير الفصاد اخره وان احتاج اليه لمرض افتصد وعليه القضاء فى احد قولي العلماء والله

(25/268)


وسئل
عن الميت فى ايام مرضه ادركه شهر رمضان ولم يكن يقدر على الصيام وتوفى وعليه صيام شهر رمضان وكذلك الصلاة مدة مرضه ووالديه بالحياة فهل تسقط الصلاة والصيام عنه اذا صاما عنه وصليا اذا وصى أو لم يوص
فأجاب اذا اتصل به المرض ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته الا الاطعام عنه واما الصلاة المكتوبة فلا يصلى أحد عن أحد ولكن اذا صلى عن الميت واحد منهما واحد منهما تطوعا واهداه له او صام عنه تطوعا وأهداه له نفعه ذلك والله

(25/269)


الاقتصاد في الاعمال
المسؤول من احسان السادة العلماء رضي الله عنهم حل هذه الشبهة التى دخل على العباد بسببها ضرر بين وهي ان بعضهم سمع قوله احب الصلاة الى الله صلاة داود واحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما فعقد مع الله أن يصوم يوما ويفطر يوما فعل ذلك سنة او اكثر وهو متأهل له عيال وهو ذو سبب يحتاج الى نفسه في حفظ صحته فحدثت عنده بعد ذلك همة فى حفظ القرآن فصار مع هذه المجاهدة يتلقن كل يوم ويكرر ثم حدثت عنده مع ذلك همة الى طلب المقصود وقيام اكثر الليل وكثرة الإجتهاد والدأب فى العبادة فاجتمع عليه ثقل يبس الصيام مع ضعف القوة فى السبب مع يبس التكرار وكثرته مع اليبس الحادث من الهمة الحادة وهو شاب عنده حرارة الشبوبية فاثر مجموع ذلك خللا فى ذهنه من ذهول وصداع يلحقه فى رأسه وبلادة

(25/270)


فى فهمه بحيث انه لا يحيط بمعنى الكلام اذا سمعه وظهر أثر اليبس فى عينيه حتى كادتا ان تغورا وقد وجد فى هذا الاجتهاد شيئا من الانوار وهو لا يترك هذا الصيام لعقده الذى عقده مع الله تعالى لخوفه ان يذهب النور الذى عنده فاذا نهاه احد من اهل المعرفة يتعلل ويقول انا اريد ان اقتل نفسى فى الله فهل صومه هذا يوافق رضا الله تعالى وهو بهذه الصفة ام هو مكروه لا يرضى الله به وهل يباح له هذا العقد وعليه فيه كفارة يمين ام لا وهل اشتغاله بما فيه صلاح جسمه وصيانة دماغه وعقله وذهنه ليتوفر على حفظ فرائضه ومصلحة عياله الذى يرضى الله منه ويريده منه أم لا وهل إصراره على ذلك موجب لمقت الله تعالى حيث يلقى نفسه إلى التهلكة بشئ لم يجب عليه
وإن كان مشروعا فى السنة فهل هو مشروع مطلقا لكل احد ام هو مخصوص بمن لا يتضرر به يسأل كشف هذه المسألة وحلها فقد أعى هذا الشخص الأطباء وأحزن العقلاء لدخوله فى السلوك بالجهل غافلا عن مراد ربه ونسأل تقييد الجواب واعضاده بالكتاب والسنة ليصل الى قلبه ذلك آجركم الله تعالى ومتع المسلمين بطول بقاكم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم ورضى الله عنه اصحابه اجمعين

(25/271)


فأجاب شيخ الاسلام العلامة الحافظ المجتهد مفتى الانام تقى الدين احمد بن تيمية بخطه
الحمد لله جواب هذه المسألة مبنى على أصلين
أحدهما موجب الشرع
والثانى مقتضى العهد والنذر
أما الاول فان المشروع المأمور به الذى يحبه الله ورسوله هو الاقتصاد فى العبادة كما قال النبى عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا وقال ان هذا الدين متين ولن يشاد الدين احد إلا غلبه فإستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا وكلاهما فى الصحيح
وقال أبى بن كعب إقتصاد فى سنة خير من اجتهاد فى بدعة
فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن فعل واجب انفع له منها كانت محرمة مثل ان يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب او يمنعه عن العقل او الفهم الواجب او يمنعه عن الجهاد الواجب

(25/272)


وكذلك اذا كانت توقعه فى محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها مثل ان يخرج ماله كله ثم يستشرف إلى أموال الناس ويسألهم
وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها وأوقعته فى مكروهات فانها مكروهة وقد انزل الله تعالى فى ذلك قوله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين فانها نزلت فى أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة هذا يسرد الصوم وهذا يقوم الليل كله وهذا يجتنب اكل اللحم وهذا يجتنب النساء فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن تحريم الطيبات من اكل اللحم والنساء وعن الاعتداء وهو الزيادة على الدين المشروع فى الصيام والقيام والقراءة والذكر ونحو ذلك والزيادة فى التحريم على ما حرم والزيادة فى المباح على ما أبيح ثم انه امرهم بعد هذا بكفارة ما عقدوه من اليمين على هذا التحريم والعدوان
وفى الصحيحين عن انس ان نفرا من اصحاب النبى صلى الله عليه و سلم سألوا أزواج النبى عن عمله فى السر فقال بعضهم أما أنا فأصوم لا افطر وقال الآخر أما أنا فأقوم لا انام وقال الاخر اما انا فلا اتزوج النساء وقال الآخر أما أنا

(25/273)


فلا آكل اللحم فبلغ ذلك النبى فقال ما بال أقوام يقولون كذا وكذا لكنى اصلى وانام واصوم وافطر واتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى
وفى الصحاح من غير وجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص انه كان قد جعل يصوم النهار ويقوم الليل ويقرأ القرآن فى كل ثلاث فنهاه النبى صلى الله عليه و سلم عن ذلك وقال لا تفعل فانك اذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس اى غارت العين وملت النفس وسمئت وقال له ان لنفسك عليك حقا وان لزوجك عليك حقا وان لزورك عليك حقا فآت كل ذى حق حقه
فبين له النبى صلى الله عليه و سلم ان عليك امورا واجبة من حق النفس والاهل والزائرين فليس لك ان تفعل ما يشغلك عن اداء هذه الحقوق الواجبة بل آت كل ذى حق حقه ثم امره النبى ان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وقال انه يعدل صيام الدهر وامره ان يقرأ القرآن فى كل شهر مرة فقال انى اطيق أفضل من ذلك ولم يزل يزايده حتى قال فصم يوما وافطر يوما فان ذلك افضل الصيام قال انى اطيق افضل

(25/274)


من ذلك قال لا افضل من ذلك
وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله وكان ربما عجز عن صوم يوم وفطر يوم فكان يفطر أياما ثم يسرد الصيام أياما بقدرها لئلا يفارق النبى صلى الله عليه و سلم على حال ثم ينتقل عنها وهذا لأن بدنه كان يتحمل ذلك والا فمن الناس من اذا صام يوما وافطر يوما شغله عما هو أفضل من ذلك فلا يكون الصوم افضل فى حقه
وكان النبى هكذا فانه كان افضل من صوم داود ومع هذا فقد ثبت عنه فى الصحيح انه سئل عمن يصوم الدهر فقال من صام الدهر فلا صام ولا افطر وسئل عمن يصوم يومين ويفطر يوما فقال ومن يطيق ذلك وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يومين فقال وددت انى طوقت ذلك وسئل عمن يصوم يوما ويفطر يوما فقال ذلك أفضل الصيام فأخبر أنه ود أن يطيق صوم ثلث الدهر لانه كان له من الاعمال التى هى أوجب عليه واحب الى الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر
وكذلك ثبت عنه فى الصحيح انه لما قرب من العدو فى غزوة الفتح

(25/275)


فى رمضان امر اصحابه فبلغه ان قوما صاموا فقال أولئك العصاة وصلى على ظهر دابته مرة وامر من معه أن يصلوا على ظهور دوابهم فوثب رجل عن ظهر دابته فصلى على الارض فقال النبى مخالف خالف الله به فلم يمت حتى ارتد عن الاسلام وقال ابن مسعود إنى اذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلى وهذا باب واسع قد بسط فى غير هذا الموضع
وأما الاصل الثانى وهو انه اذا عاهد الله على ذلك ونذره فالاصل فيه ما اخرجا فى الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصى الله فلا يعصه فاذا كان المنذور الذى عاهد الله يتضمن ضررا غير مباح يفضى الى ترك واجب او فعل محرم كان هذا معصية لا يجب الوفاء به بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله وصيام النهار كله لم يجب الوفاء بهذا النذر
ثم تنازع العلماء هل عليه كفارة يمين على قولين
أظهرهما ان عليه كفارة يمين لما ثبت عن النبى صلى الله عليه

(25/276)


وسلم فى الصحيح انه قال كفارة النذر كفارة يمين وقال النذر حلفة وفى السنن عنه لا نذر فى معصية وكفارته كفارة يمين وقد ذكرنا سبب نزول الاية
ومثل ذلك ما رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس ان النبى صلى الله عليه و سلم رأى رجلا قائما فى الشمس فقال ما هذا فقالوا هذا ابو اسرائيل نذر ان يقوم ولا يستظل ولا يتكلم وان يصوم فقال مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية أمره بفعل المشروع وهو الصوم فى حقه ونهاه عن فعل غير المشروع
وأما اذا عجز عن فعل المنذور او كان عليه فيه مشقة فهنا يكفر ويأتى ببدل عن المنذور كما فى حديث عقبة بن عامر ان اخته لما نذرت ان تحج ماشية قال النبى ان الله لغنى عن تعذيب اختك نفسها مرها فلتركب ولتهد وروى ولتصم
فهذا الرجل الذى عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر وقد اضر ذلك بعقله وبدنه عليه ان يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه ويكفر كفارة يمين ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه

(25/277)


على حسب ما يحتمله حاله إما ان يفطر ثلثى الدهر او ثلاثة ارباعه او جمعيه فإذا اصلح حاله فان امكنه العود الى صوم يوم وفطر يوم بلا مضرة والا صام ما ينفعه من الصوم ولا يشغله عما هو احب الى الله منه فالله لا يحب ان يترك الاحب إليه بفعل ما هو دونه فكيف يوجب ذلك
وأما النور الذى وجده بهذا الصوم فمعلوم ان جنس العبادات ليس شرا محضا بل العبادات المنهى عنها تشتمل على منفعة ومضرة ولكن لما ترجح ضررها على نفعها نهى عنها الشارع كما نهى عن صيام الدهر وقيام الليل كله دائما وعن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر مع ان خلقا يجدون في المواصلة الدائمة نورا بسبب كثرة الجوع وذلك من جنس ما يجده الكفار من اهل الكتاب والاميين مثل الرهبان وعباد القبور لكن يعود ذلك الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع يوجب لهم ضررا فى الدنيا والاخرة فيكون اثمه اكثر من نفعه كما قد رأينا من هؤلاء خلقا كثيرا آل بهم الافراط فيما يعانونه من شدائد الاعمال الى التفريط والتثبيط والملل والبطالة وربما انقطعوا عن الله بالكلية او بالاعمال المرجوحة عن الراجحة او بذهاب العقل بالكلية او بحصول خلل فيه وذلك لان اصل اعمالهم واساسها على غير استقامة ومتابعة

(25/278)


وأما قوله أريد أن أقتل نفسي فى الله فهذا كلام مجمل فانه اذا فعل ما أمره الله به فأفضي ذلك الى قتل نفسه فهذا محسن في ذلك كالذي يحمل على الصف وحده حملا فيه منفعة للمسلمين وقد اعتقد أنه يقتل فهذا حسن وفي مثله أنزل الله قوله ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ومثل ما كان بعض الصحابة ينغمس فى العدو بحضرة النبى وقد روي الخلال باسناده عن عمر بن الخطاب ان رجلا حمل على العدو وحده فقال الناس القى بيده الى التهلكة فقال عمر لا ولكنه ممن قال الله فيه ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد
وأما إذا فعل ما لم يؤمر به حتى أهلك نفسه فهذا ظالم متعد بذلك مثل ان يغتسل من الجنابة فى البرد الشديد بماء بارد يغلب على ظنه انه يقتله او يصوم فى رمضان صوما يفضي الى هلاكه فهذا لا يجوز فكيف فى غير رمضان
وقد روى أبو داود فى سننه فى قصة الرجل الذي اصابته جراحة فاستفتى من كان معه هل تجدون لي رخصة فى التيمم فقالوا لا نجد لك رخصة فاغتسل فمات فقال النبى

(25/279)


قتلوه قتلهم الله هلا سألوا اذا لم يعلموا فانما شفاء العي السؤال
وكذلك روى حديث عمرو بن العاص لما اصابته الجنابة فى غزوة ذات السلاسل وكانت ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه بالتيمم ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه و سلم فقال يا عمرو اصليت بأصحابك وانت جنب فقال يا رسول الله انى سمعت الله يقول ولا تقتلوا انفسكم فضحك ولم يقل شيئا فهذا عمرو قد ذكر ان العبادة المفضية الى قتل النفس بلا مصلحة مامور بها هي من قتل النفس المنهى عنه واقره النبى على ذلك
وقتل الانسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والاجماع كما ثبت عنه فى الصحاح انه قال من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة وفى الحديث الاخر عبدي بادأنى بنفسه فحرمت عليه الجنة واوجبت له النار وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح وكان النبى يخبر انه من اهل النار لعلمه بسوء خاتمته وقد كان لا يصلى على من

(25/280)


قتل نفسه ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما اخبر انه بشم فقال لو مات لم أصل عليه
فينبغى للمؤمن ان يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الانسان قتل نفسه او تسببه فى ذلك وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين انفسهم واموالهم له كما قال تعالى ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة وقال ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله اي يبيع نفسه
والاعتبار فى ذلك بما جاء به الكتاب والسنة لا بما يستحسنه المرء او يجده او يراه من الامور المخالفة للكتاب والسنة بل قد يكون احد هؤلاء كما قال عمر بن عبد العزيز من عبد الله بجهل أفسد أكثر مما يصلح
ما ينبغي ان يعرف ان الله ليس رضاه او محبته فى مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق حتى يكون العمل كل ما كان اشق كان افضل كما يحسب كثير من الجهال ان الاجر على قدر المشقة في كل شيء لا ولكن الاجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته

(25/281)


وعلى قدر طاعة امر الله ورسوله فاى العملين كان أحسن وصاحبه أطوع واتبع كان افضل فان الاعمال لا تتفاضل بالكثرة وانما تتفاضل بما يحصل فى القلوب حال العمل
ولهذا لما نذرت اخت عقبة بن عامر ان تحج ماشية حافية قال النبى ان الله لغني عن تعذيب اختك نفسها مرها فلتركب وروى انه امرها بالهدى وروى بالصوم وكذا حديث جويرية فى تسبيحها بالحصى او النوى وقد دخل عليها ضحى ثم دخل عليها عشية فوجدها على تلك الحال وقوله لها لقد قلت بعدك اربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لرجحت
وأصل ذلك ان يعلم العبد ان الله لم يأمرنا الا بما فيه صلاحنا ولم ينهنا الا عما فيه فسادنا ولهذا يثنى الله على العمل الصالح ويأمر بالصلاح والاصلاح وينهى عن الفساد
فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد وامرنا بالاعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا وقد لا تحصل هذه الاعمال الا

(25/282)


بمشقة كالجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم فيحتمل تلك المشقة ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة كما قال النبى لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع أجرك على قدر نصبك واما اذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته فهذا فساد والله لا يحب الفساد
ومثال ذلك منافع الدنيا فإن من تحمل مشقة لربح كثير او دفع عدو عظيم كان هذا محمودا واما من تحمل كلفا عظيمة ومشاقا شديدة لتحصيل يسير من المال او دفع يسير من الضرر كان بمنزلة من اعطى الف درهم ليعتاض بمائة درهم او مشى مسيرة يوم ليتغدى غدوة يمكنه ان يتغدى خيرا منها فى بلده
فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي هو خير الامور واعلاها كالفردوس فانه اعلى الجنة واوسط الجنة فمن كان كذلك فمصيره اليه ان شاء الله تعالى
هذا فى كل عبادة لا تقصد لذاتها مثل الجوع والسهر والمشى
وأما ما يقصد لنفسه مثل معرفة الله ومحبته والانابة اليه

(25/283)


والتوكل عليه فهذه يشرع فيها الكمال لكن يقع فيها سرف وعدوان بادخال ما ليس منها فيها مثل ان يدخل ترك الاسباب المأمور بها فى التوكل او يدخل استحلال المحرمات وترك المشروعات فى المحبة فهذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم
وسئل
رضى الله عنه وأرضاه عن ليلة القدر وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل سنة ست وسبعمائة
فأجاب الحمد لله ليلة القدر فى العشر الاواخر من شهر رمضان هكذا صح عن النبى أنه قال هى في العشر الأواخر من رمضان وتكون فى الوتر منها
لكن الوتر يكون بإعتبار الماضي فتطلب ليلة احدى وعشرين ولية ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين

(25/284)


ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبى لتاسعة تبقى لسابعة تبقى لخامسة تبقى لثالثة تبقى فعلى هذا اذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليال الاشفاع وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى وليلة اربع وعشرين سابعة تبقى وهكذا فسره ابو سعيد الخدري فى الحديث الصحيح وهكذا اقام النبى صلى الله عليه و سلم فى الشهر
وان كان الشهر تسعا وعشرين كان التاريخ بالباقى كالتاريخ الماضى
وإذا كان الامر هكذا فينبغى ان يتحراها المؤمن فى العشر الأواخر جميعه كما قال النبى تحروها فى العشر الأواخر وتكون فى السبع الاواخر اكثر واكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان ابي بن كعب يحلف انها ليلة سبع وعشرين فقيل له بأى شىء علمت ذلك فقال بالآية التى اخبرنا رسول الله اخبرنا ان الشمس تطلع صبحة صبيحتها كالطشت لا شعاع لها
فهذه العلامة التى رواها ابي بن كعب عن النبى

(25/285)


من أشهر العلامات فى الحديث وقد روى فى علاماتها انها ليلة بلجة منيرة وهي ساكنة لا قوية الحر ولا قوية البرد وقد يكشفها الله لبعض الناس فى المنام او اليقظة فيرى انوارها او يرى من يقول له هذه ليلة القدر وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الامر والله تعالى أعلم
وسئل
عن ليلة القدر و ليلة الاسراء بالنبى ايهما افضل
فأجاب بأن ليلة الاسراء افضل فى حق النبى وليلة القدر بالنسبة الى الأمة فحظ النبى الذي اختص به ليلة المعراج منها اكمل من حظه من ليلة القدر
وحظ الامة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج وان كان لهم فيها اعظم حظ لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها لمن اسرى به

(25/286)


وسئل
عن عشر ذي الحجة والعشر الاواخر من رمضان أيهما أفضل
فأجاب أيام عشر ذي الحجة افضل من ايام العشر من رمضان والليالى العشر الاواخر من رمضان افضل من ليالى عشر ذى الحجة
قال ابن القيم واذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فانه ليس من أيام العمل فيها احب الى الله من ايام عشر ذي الحجة وفيها يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية
وأما ليالى عشر رمضان فهي ليالى الاحياء التى كان رسول الله يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف شهر
فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه ان يدلى بحجة صحيحة

(25/287)


سئل شيخ الاسلام
أيما أفضل يوم عرفة أو الجمعة أو الفطر أو النحر فأجاب الحمد لله أفضل أيام الاسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء وأفضل أيام العام هو يوم النحر وقد قال بعضهم يوم عرفة والاول هو الصحيح لان فى السنن عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال افضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر لانه يوم الحج الاكبر فى مذهب مالك والشافعى واحمد كما ثبت فى الصحيح عن النبى انه قال يوم النحر هو يوم الحج الاكبر
وفيه من الاعمال ما لا يعمل فى غيره كالوقوف بمزدلفة ورمي جمرة العقبة وحدها والنحر والحلق وطواف الافاضة فان فعل هذه فيه افضل بالسنة واتفاق العلماء والله أعلم

(25/288)


وسئل
عن يوم الجمعة ويوم النحر أيهما أفضل
فأجاب يوم الجمعة افضل ايام الاسبوع ويوم النحر افضل ايام العام
قال إبن القيم وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له فى دفعه
وسئل عن أفضل الأيام
فأجاب الحمد لله أفضل أيام الاسبوع يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه اخرج منها وأفضل أيام العام يوم النحر كما روي عن النبى صلى الله عليه و سلم أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر
وسئل
عن رجل نذر أنه يصوم الاثنين والخميس ثم بدا له ان يصوم يوما ويفطر يوما ولم يرتب ذلك الا بأن يصوم أربعة أيام ويفطر ثلاثة أو يفطر أربعة ويصوم ثلاثة فأيهما أفضل أفتونا يرحمكم الله
فأجاب الحمد لله إذا انتقل من صوم الاثنين والخميس الى صوم

(25/289)


يوم وفطر يوم فقد إنتقل الى ما هو افضل وفيه نزاع والاظهر ان ذلك جائز كما لو نذر الصلاة فى المسجد المفضول وصلى فى الافضل مثل ان ينذر الصلاة فى المسجد الاقصى فيصلي فى مسجد أحد الحرمين والله أعلم
وسئل رحمه الله
عما ورد فى ثواب صيام الثلاثة أشهر وما تقول فى الاعتكاف فيها والصمت هل هو من الاعمال الصالحات أم لا
فأجاب أما تخصيص رجب وشعبان جميعا بالصوم أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن النبى شيء ولا عن أصحابه ولا أئمة المسلمين بل قد ثبت فى الصحيح ان رسول الله كان يصوم الى شعبان ولم يكن يصوم من السنة اكثر مما يصوم من شعبان من أجل شهر رمضان
وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة لا يعتمد أهل العلم على شيء منها وليست من الضعيف الذي يروى فى

(25/290)


الفضائل بل عامتها من الموضوعات المكذوبات وأكثر ما روى فى ذلك ان النبى صلى الله عليه و سلم كان اذا دخل رجب يقول اللهم بارك لنا فى رجب وشعبان وبلغنا رمضان
وقد روى إبن ماجه فى سننه عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه و سلم انه نهى عن صوم رجب وفي إسناده نظر لكن صح ان عمر بن الخطاب كان يضرب ايدي الناس ليضعوا ايديهم فى الطعام فى رجب ويقول لا تشبهوه برمضان
ودخل ابو بكر فرأى اهله قد اشتروا كيزانا للماء واستعدوا للصوم فقال ما هذا فقالوا رجب فقال أتريدون ان تشبهوه برمضان وكسر تلك الكيزان فمتى افطر بعضا لم يكره صوم البعض
وفى المسند وغيره حديث عن النبى أنه أمر بصوم الاشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فهذا فى صوم الأربعة جميعا لا من يخصص رجب
وأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمرا بل كل من صام صوما

(25/291)


مشروعا وأراد ان يعتكف من صيامه كان ذلك جائزا بلا ريب وان اعتكف بدون الصيام ففيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد
أحدهما أنه لا إعتكاف إلا بصوم كمذهب ابي حنيفة ومالك
والثانى يصح الاعتكاف بدون الصوم كمذهب الشافعى
وأما الصمت عن الكلام مطلقا فى الصوم أو الاعتكاف او غيرهما فبدعة مكروهة باتفاق اهل العلم لكن هل ذلك محرم او مكروه فيه قولان فى مذهبه وغيره
وفى صحيح البخاري ان ابا بكر الصديق دخل على امرأة من احمس فوجدها مصمتة لا تتكلم فقال لها ابو بكر ان هذا لا يحل ان هذا من عمل الجاهلية وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ان النبى رأى رجلا قائما فى الشمس فقال من هذا فقالوا هذا أبو اسرائيل نذر ان يقوم فى الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه فأمره صلى الله عليه و سلم مع نذره للصمت ان يتكلم كا امره مع

(25/292)


نذره للقيام ان يجلس ومع نذره ان لا يستظل ان يستظل وانما امره بأن يوفى بالصوم فقط وهذا صريح فى ان هذه الاعمال ليست من القرب التى يؤمر بها الناذر
وقد قال فى الحديث الصحيح من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي الله فلا يعصه كذلك لا يؤمر الناذر ان يفعلها فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب واتخاذ ذلك دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله ومعلوم ان من يفعل ذلك من نذر اعتكافا ونحو ذلك إنما يفعله تدينا ولا ريب ان فعله على وجه التدين حرام فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة ويتقرب الى الله تعالى بما لا يحبه الله وهذا حرام لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم اليه فقد يكون معذورا بجهله اذا لم تقم عليه الحجة فاذا بلغه العلم فعليه التوبة
وجماع الامر فى الكلام قوله صلى الله عليه و سلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليصمت فقول الخير وهو الواجب او المستحب خير من السكوت عنه وما ليس بواجب ولا مستحب فالسكوت عنه خير من قوله

(25/293)


ولهذا قال بعض السلف لصاحبه السكوت عن الشر خير من التكلم به فقال له الآخر التكلم بالخير خير من السكوت عنه وقد قال تعالى يا ايها الذين آمنوا اذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى وقال تعالى لا خير فى كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما
وفى السنن عن النبى انه قال كل كلام ابن آدم عليه لا له الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر او ذكرا لله تعالى والاحاديث فى فضائل الصمت كثيرة وكذلك فى فضائل التكلم بالخير والصمت عما يجب من الكلام حرام سواء اتخذه دينا او لم يتخذه كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب أن تحب ما أحبه الله ورسوله وتبغض ما يبغضه الله ورسوله وتبيح ما اباحه الله ورسوله وتحرم ما حرمه الله ورسوله

(25/294)


وقال رحمه الله
فصل
قول عائشة ما زال رسول الله صلى الله علي وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله هذه إشارة إلى مقامه فى المدينة وأنه كان يعتكف أداء أو قضاء فإنه قد ثبت فى الصحيح أنه أراد ان يعتكف مرة فطلب نساؤه الاعتكاف معه فرأى أن مقصود بعضهن المباهاة فأمر بالخيام فقوضت وترك الاعتكاف ذلك العام حتى قضاه من شوال
وهو لم يصم رمضان الا تسع مرات فإنه فرض فى العام الثانى من الهجرة بعد ان صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه مرة واحدة فإنه قدم المدينة فى شهر ربيع الاول من السنة الاولى وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه فلما أهل العام الثانى امر الناس بصيامه وهل كان امر ايجاب او

(25/295)


إستحباب على قولين لأصحابنا وغيرهم والصحيح انه كان امر ايجاب ابتدىء فى اثناء النهار لم يؤمروا به من الليل
فلما كان فى أثناء الحول رجب أو غيره فرض شهر رمضان وغزا النبى فى شهر رمضان ذلك العام أول شهر فرض غزوة بدر وكانت يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من الشهر فلما نصره الله على المشركين اقام بالعرصة بعد الفتح ثلاثا فدخل عليه العشر وهو فى السفر فرجع الى المدينة ولم يبق من العشر الا اقله فلم يعتكف ذلك العشر بالمدينة وكان فى تمامه مشغولا بأمر الأسرى والفداء ولما شاورهم في الفداء قام فدخل بيته ثم خرج
وأحواله المنقولة عنه تدل على أنه لم يعتكف تمام ذلك العشر لكن يمكن انه قضى اعتكافه كما قضى صيامه وكما قضى اعتكاف العام الذي اراد نساؤه الاعتكاف معه فيه فهذا عام بدر
وأيضا فعام الفتح سنة ثمان كان قد سافر في شهر رمضان ودخل مكة فى اثناء الشهر وقد بقى منه اقله وهو فى مكة مشتغل بآثار الفتح وتسرية السرايا الى ما حول مكة وتقرير أصول

(25/296)


الاسلام بأم القرى والتجهز لغزو هوازن 8 لما بلغه انهم قد جمعوا له مع مالك بن عوف النضرى وقد اقام بمكة فى غزوة الفتح تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة
قالوا لانه لم يكن قد اجمع المقام بمكة لاجل غزو هوازن فكان مسافرا فيها غير متفرغ للاعتكاف بمكة ذلك العام فهذه ثلاثة اعوام لم يعتكف فيها فى رمضان بل قضى العام الواحد الذي اراد إعتكافه ثم تركه واما الآخران فالله اعلم اقضاهما مع الصوم ام لم يقضهما مع شطر الصلاة فقد ثبت عنه انه قال اذا مرض العبد او سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم وثبت عنه انه قال ان الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة اي الصوم اداء والشطر أداء وقضاء فالاعتكاف ملحق بأحدهما
ولم ينقل عنه انه قضى اعتكافا فاته فى السفر فلا يثبت الجواز الا انه لعموم حديث عائشة يبقى فيه امكان والله أعلم

(25/297)


وسئل عمن يعمل كل سنة ختمة فى ليلة مولد النبى هل ذلك مستحب أم لا
فأجاب الحمد لله جمع الناس للطعام فى العيدين وايام التشريق سنة وهو من شعائر الاسلام التى سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم للمسلمين وإعانة الفقراء بالاطعام فى شهر رمضان هو من سنن الاسلام فقد قال النبى من فطر صائما فله مثل أجره واعطاء فقراء القراء ما يستعينون به على القرآن عمل صالح في كل وقت ومن اعانهم على ذلك كان شريكهم فى الأجر
وأما إتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الاول التى يقال انها ليلة المولد او بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة او اول جمعة من رجب او ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الابرار فإنها من البدع التى لم يستحبها السلف ولم يفعلوها والله سبحانه وتعالى أعلم

(25/298)


وسئل شيخ الاسلام
عما يفعله الناس فى يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وغير ذلك الى الشارع فهل ورد فى ذلك عن النبى حديث صحيح أم لا وإذا لم يرد حديث صحيح فى شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة ام لا وما تفعله الطائفة الاخرى من المأتم والحزن والعطش وغير ذلك من الندب والنياحة وقراءة المصروع وشق الجيوب هل لذلك اصل ام لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين لم يرد فى شيء من ذلك حديث صحيح عن النبى ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك احد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا روى اهل الكتب المعتمدة فى ذلك شيئا لا عن النبى ولا الصحابة ولا التابعين لا صحيحا ولا ضعيفا لا فى كتب الصحيح

(25/299)


ولا فى السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الاحاديث على عهد القرون الفاضلة
ولكن روى بعض المتأخرين فى ذلك احاديث مثل ما رووا ان من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام ومن إغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام وامثال ذلك
ورووا فضائل فى صلاة يوم عاشوراء ورووا ان فى يوم عاشوراء توبة آدم واستواء السفينة على الجودي ورد يوسف على يعقوب وانجاء ابراهيم من النار وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك
ورووا فى حديث موضوع مكذوب على النبى انه من وسع على اهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة ورواية هذا كله عن النبى صلى الله عليه و سلم كذب ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن ابيه قال بلغنا انه من وسع على اهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته وابراهيم بن محمد بن المنتشر من اهل الكوفة واهل الكوفة كان فيهم طائفتان

(25/300)


طائفة رافضة يظهرون موالاة اهل البيت وهم فى الباطن اما ملاحدة زنادقة واما جهال واصحاب هوى
وطائفة ناصبة تبغض عليا واصحابه لما جرى من القتال فى الفتنة ما جرى
وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبى انه قال سيكون فى ثقيف كذاب ومبير فكان الكذاب هو المختار بن ابي عبيد الثقفى وكان يظهر موالاة اهل البيت والانتصار لهم وقتل عبيد الله بن زياد امير العراق الذي جهز السرية التى قتلت الحسين بن على رضى الله عنهما ثم انه اظهر الكذب وادعى النبوة وان جبريل عليه السلام ينزل عليه حتى قالوا لابن عمر وابن عباس قالوا لأحدهما ان المختار بن ابي عبيد يزعم انه ينزل عليه فقال صدق قال الله تعالى هل انبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل افاك اثيم وقالوا للآخر ان المختار يزعم انه يوحى اليه فقال صدق وإن الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم
وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفى وكان منحرفا عن على واصحابه فكان هذا من النواصب والاول من الروافض وهذا

(25/301)


الرافضى كان اعظم كذبا وافتراء والحادا فى الدين فانه ادعى النبوة وذاك كان اعظم عقوبة لمن خرج على سلطانه وانتقاما لمن اتهمه بمعصية اميره عبد الملك بن مروان
وكان فى الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن وقتال فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية وأكرم الله الحسين بالشهادة كما اكرم بها من اكرم من اهل بيته اكرم بها حمزة وجعفر وأباه عليا وغيرهم وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته وأعلى درجته فانه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة والمنازل العالية لا تنال الا بالبلاء كما قال النبى لما سئل اى الناس اشد بلاء فقال الأنبياء ثم الصالحون ثم الامثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه وان كان فى دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على الارض وليس عليه خطيئة رواه الترمذى وغيره
فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق من المنزلة العالية ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب فانهما ولدا فى عز الاسلام وتربيا فى عز وكرامة والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما ومات النبى ولم يستكملا سن التمييز

(25/302)


فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقهما بأهل بيتهما كما ابتلى من كان افضل منهما فان على بن ابي طالب افضل منهما وقد قتل شهيدا
وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس كما كان مقتل عثمان رضي الله عنه من أعظم الاسباب التى أوجبت الفتن بين الناس وبسببه تفرقت الامة الى اليوم ولهذا جاء فى الحديث ثلاث من نجا منهن فقد نجا موتى وقتل خليفة مضطهد والدجال
فكان موت النبى من اعظم الاسباب التى افتتن بها خلق كثير من الناس وارتدوا عن الاسلام فأقام الله تعالى الصديق رضي الله عنه حتى ثبت الله به الايمان واعاد به الامر الى ما كان فأدخل أهل الردة فى الباب الذى منه خرجوا وأقر أهل الايمان على الدين الذي ولجوا فيه وجعل الله فيه من القوة والجهاد والشدة لى اعداء الله واللين لاولياء الله ما استحق به وبغيره ان يكون خليفة رسول الله
ثم استخلف عمر فقهر الكفار من المجوس واهل الكتاب واعز الاسلام ومصر الامصار وفرض العطاء ووضع الديوان ونشرالعدل وأقام السنة وظهر الاسلام في ايامه ظهورا بان به تصديق قوله تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على

(25/303)


الدين كله وكفى بالله شهيدا وقوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا وقول النبى صلى الله عليه و سلم اذا هلك كسرى فلا كسرى بعده واذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسى بيده لتنفقن كنوزهما فى سبيل الله فكان عمر رضى الله عنه هو الذى انفق كنوزهما فعلم انه انفقها فى سبيل الله وأنه كان خليفة راشدا مهديا ثم جعل الامر شورى فى ستة
فإتفق المهاجرون والانصار على تقديم عثمان بن عفان من غير رغبة بذلها لهم ولا رهبة اخافهم بها وبايعوه بأجمعهم طائعين غير كارهين وجرى فى آخر ايامه اسباب ظهر بالشر فيها على أهل العلم وأهل الجهل والعدوان وما زالوا يسعون فى الفتن حتى قتل الخليفة مظلوما شهيدا بغير سبب يبيح قتله وهو صابر محتسب لم يقاتل مسلما
فلما قتل رضى الله عنه تفرقت القلوب وعظمت الكروب وظهرت الاشرار وذل الاخيار وسعى فى الفتنة من كان عاجزا عنها وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته
بايعوا أمير المؤمنين على ابن ابى طالب رضي الله عنه وهو احق الناس بالخلافة حينئذ

(25/304)


وأفضل من بقي لكن كانت القلوب متفرقة ونار الفتنة متوقدة فلم تتفق الكلمة ولم تنتظم الجماعة ولم يتمكن الخليفة وخيار الامة من كل ما يريدونه من الخير ودخل فى الفرقة والفتنة اقوام وكان ما كان الى ان ظهرت الحرورية المارقة مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم فقاتلوا امير المؤمنين عليا ومن معه فقتلهم بأمر الله ورسوله طاعة لقول النبى لما وصفهم بقوله يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم فان فى قتلهم اجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة وقوله تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم ادنى الطائفتين الى الحق اخرجاه في الصحيحين
فكانت هذه الحرورية هي المارقة وكان بين المؤمنين فرقة والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الايمان كما قال تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغي حتى تفىء الى امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين انما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين اخويكم فبين سبحانه وتعالى انهم مع الاقتتال وبغى بعضهم

(25/305)


على بعض مؤمنون اخوة وأمر بالاصلاح بينهم فان بغت احداهما بعد ذلك قوتلت الباغية ولم يأمر بالاقتتال ابتداء
وأخبر النبى صلى الله عليه و سلم ان الطائفة المارقة يقتلها ادنى الطائفتين الى الحق فكان علي بن ابي طالب ومن معه هم الذين قاتلوهم فدل كلام النبى على انهم ادنى الى الحق من معاوية ومن معه مع ايمان الطائفتين
ثم إن عبد الرحمن بن ملجم من هؤلاء المارقين قتل امير المؤمنين عليا فصار الى كرامة الله ورضوانه شهيدا
مجلد 25 ص 306
وبايع الصحابة للحسن ابنه فظهرت فضيلته التى اخبر بها رسول الله فى الحديث الصحيح حيث قال ان ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فنزل عن الولاية وأصلح الله به بين الطائفتين وكان هذا مما مدحه به النبى واثنى عليه ودل ذلك على ان الاصلاح بينهما مما يحبه الله ورسوله ويحمده الله ورسوله
ثم إنه مات وصار الى كرامة الله ورضوانه وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة اذا قام بالأمر ولم يكونوا من اهل

(25/306)


ذلك بل لما ارسل اليهم ابن عمه اخلفوا وعده ونقضوا عهده واعانوا عليه من وعدوه ان يدفعوه عنه ويقاتلوه معه
وكان اهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما اشاروا عليه بأن لا يذهب اليهم ولا يقبل منهم ورأوا ان خروجه اليهم ليس بمصلحة ولا يترتب عليه ما يسر وكان الامر كما قالوا وكان امر الله قدرا مقدورا
فلما خرج الحسين رضي الله عنه ورأى ان الامور قد تغيرت طلب منهم ان يدعوه يرجع او يلحق ببعض الثغور او يلحق بابن عمه يزيد فمنعوه هذا وهذا حتى يستأسر وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه وطائفة ممن معه مظلوما شهيدا شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين واهان بها من ظلمه واعتدى عليه وأوجب ذلك شرا بين الناس
فصارت طائفة جاهلة ظالمة اما ملحدة منافقة واما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة اهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزى بعزاء الجاهلية

(25/307)


والذى أمر الله به ورسوله في المصيبة اذا كانت جديدة انما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع كما قال تعالى وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم انه قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وقال انا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة وقال النائحة اذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب وفى المسند عن فاطمة بنت الحسين عن ابيها الحسين عن النبى انه قال ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وان قدمت فيحدث لها استرجاعا الا اعطاه الله من الأجر مثل اجره يوم اصيب بها
وهذا من كرامة الله للمؤمنين فان مصيبة الحسين وغيره اذا ذكرت بعد طول العهد فينبغى للمؤمن ان يسترجع فيها كما أمر الله ورسوله ليعطى من الاجر مثل اجر المصاب يوم اصيب بها
وإذا كان الله تعالى قد امر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد

(25/308)


بالمصيبة فكيف مع طول الزمان فكان ما زينه الشيطان لاهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتما وما يصنعون فيه من الندب والنياحة وانشاد قصائد الحزن ورواية الاخبار التى فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه الا تجديد الحزن والتعصب واثارة الشحناء والحرب والقاء الفتن بين اهل الاسلام والتوسل بذلك الى سب السابقين الاولين وكثرة الكذب والفتن فى الدنيا ولم يعرف طوائف الاسلام اكثر كذبا وفتنا ومعاونة للكفار على اهل الاسلام من هذه الطائفة الضالة الغاوية فانهم شر من الخوارج المارقين
وأولئك قال فيهم النبى يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى والمشركين على اهل بيت النبى وامته المؤمنين كما أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ببغداد وغيرها بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ولد العباس وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين من القتل والسبى وخراب الديار وشر هؤلاء وضررهم على اهل الاسلام لا يحصيه الرجل الفصيح فى الكلام
فعارض هؤلاء قوم اما من النواصب المتعصبين على الحسين واهل

(25/309)


بيته واما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الاثار فى شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الاطعمة الخارجة عن العادة ونحو ذلك مما يفعل فى الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الاعياد والافراح واولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الاحزان والاتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة وان كان اولئك اسوأ قصدا واعظم جهلا وأظهر ظلما لكن الله امر بالعدل والاحسان وقد قال النبى انه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة
ولم يسن رسول الله ولا خلفاؤه الراشدون فى يوم عاشوراء شيئا من هذه الامور لا شعائر الحزن والترح ولا شعائر السرور والفرح ولكنه لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه فقال نحن أحق

(25/310)


بموسى منكم فصامه وامر بصيامه وكانت قريش ايضا تعظمه فى الجاهلية
واليوم الذي امر الناس بصيامه كان يوما واحدا فانه قدم المدينة فى شهر ربيع الاول فلما كان فى العام القابل صام يوم عاشوراء وامر بصيامه ثم فرض شهر رمضان ذلك العام فنسخ صوم عاشوراء
وقد تنازع العلماء هل كان صوم ذلك اليوم واجبا او مستحبا على قولين مشهورين اصحهما انه كان واجبا ثم انه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابا ولم يأمر النبى العامة بصيامه بل كان يقول هذا يوم عاشوراء وانا صائم فيه فمن شاء صام وقال صوم يوم عاشوراء يكفر سنة وصوم يوم عرفة يكفر سنتين ولما كان آخر عمره وبلغه ان اليهود يتخذونه عيدا قال لئن عشت الى قابل لاصومن التاسع ليخالف اليهود ولا يشابههم فى اتخاذه عيدا وكان من الصحابة والعلماء من لا يصومه ولا يستحب صومه بل يكره افراده بالصوم كما نقل ذلك عن طائفة من الكوفيين ومن العلماء من يستحب صومه

(25/311)


والصحيح أنه يستحب لمن صامه ان يصوم معه التاسع لان هذا آخر امر النبى صلى الله عليه و سلم لقوله لئن عشت الى قابل لاصومن التاسع مع العاشر كما جاء ذلك مفسرا في بعض طرق الحديث فهذا الذي سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم
وأما سائر الامور مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة اما حبوب واما غير حبوب او تجديد لباس او توسيع نفقة او اشتراء حوائج العام ذلك اليوم او فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به او قصد الذبح او ادخار لحوم الاضاحي ليطبخ بها الحبوب او الاكتحال او الاختضاب او الاغتسال او التصافح او التزاور او زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك فهذا من البدع االمنكرة التى لم يسنها رسول الله ولا خلفاؤه الراشدون ولا استحبها احد من ائمة المسلمين لا مالك ولا الثوري ولا الليث بن سعد ولا ابو حنيفة ولا الأوزاعي ولا الشافعي ولا احمد بن حنبل ولا اسحق بن راهويه ولا امثال هؤلاء من أئمة المسلمين وعلماء المسلمين وان كان بعض المتأخرين من اتباع الائمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك ويروون فى ذلك احاديث وأثارا ويقولون ان بعض ذلك صحيح فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند اهل

(25/312)


المعرفة بحقائق الامور وقد قال حرب الكرمانى فى مسائله سئل احمد بن حنبل عن هذا الحديث من وسع على اهله يوم عاشوراء فلم يره شيئا
وأعلى ما عندهم اثر يروى عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن ابيه انه قال بلغنا انه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته قال سفيان بن عيينة جربناه منذ ستين عاما فوجدناه صحيحا وإبراهيم بن محمد كان من اهل الكوفة ولم يذكر ممن سمع هذا ولا عمن بلغه فلعل الذي قال هذا من اهل البدع الذين يبغضون عليا وأصحابه ويريدون ان يقابلوا الرافضة بالكذب مقابلة الفاسد بالفاسد والبدعة بالبدعة
وأما قول ابن عيينة فانه لا حجة فيه فان الله سبحانه انعم عليه برزقه وليس فى انعام الله بذلك ما يدل على أن سبب ذلك كان التوسيع يوم عاشوراء وقد وسع الله على من هم افضل الخلق من المهاجرين والانصار ولم يكونوا يقصدون ان يوسعوا على اهليهم يوم عاشوراء بخصوصه وهذا كما ان كثيرا من الناس ينذرون نذرا لحاجة يطلبها فيقضي الله حاجته فيظن ان النذر كان السبب وقد ثبت

(25/313)


فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم انه نهى عن النذر وقال انه لا يأتى بخير وانما يستخرج به من البخيل فمن ظن ان حاجته انما قضيت بالنذر فقد كذب على الله ورسوله والناس مأمورون بطاعة الله ورسوله واتباع دينه وسبيله واقتفاء هداه ودليله وعليهم ان يشكروا الله على ما عظمت به النعمة حيث بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وقد قال النبى في الحديث الصحيح ان خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
وقد إتفق أهل المعرفة والتحقيق ان الرجل لو طار فى الهواء او مشى على الماء لم يتبع الا ان يكون موافقا لأمر الله ورسوله ومن رأى من رجل مكاشفة او تأثيرا فاتبعه فى خلاف الكتاب والسنة كان من جنس اتباع الدجال فان الدجال يقول للسماء امطري فتمطر ويقول للارض انبتى فتنبت ويقول للخربة اخرجي كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة ويقتل رجلا ثم يأمره ان يقوم فيقوم وهو مع هذا كافر ملعون عدو لله قال النبى ما من نبى الا قد انذر امته الدجال وانا انذركموه انه اعور

(25/314)


وان الله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر ك ف ر يقرؤه كل مؤمن قارىء وغير قاريء واعلموا ان احدا منكم لن يرى ربه حتى يموت وقد ثبت عنه فى الصحيح انه قال اذا قعد احدكم في الصلاة فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم انى اعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال
وقال لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم انه رسوله الله وقال صلى الله عليه و سلم يكون بين يدي الساعة كذابون دجالون يحدثونكم بما لم تسمعوا انتم ولا آباؤكم فاياكم واياهم وهؤلاء تنزل عليهم الشياطين وتوحي اليهم كما قال تعالى هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك اثيم يلقون السمع واكثرهم كاذبون ومن أول من ظهر من هؤلاء المختار بن ابى عبيد المتقدم ذكره
ومن لم يفرق بين الاحوال الشيطانية والاحوال الرحمانية كان بمنزلة من سوى بين محمد رسول الله وبين مسيلمة الكذاب فان مسيلمة كان له شيطان ينزل عليه ويوحي اليه

(25/315)


ومن علامات هؤلاء ان الاحوال اذا تنزلت عليهم وقت سماع المكاء والتصدية ازبدوا وارعدوا كالمصروع وتكلموا بكلام لا يفقه معناه فان الشياطين تتكلم على السنتهم كما تتكلم على لسان المصروع
والأصل فى هذا الباب أن يعلم الرجل ان اولياء الله هم الذين نعتهم الله في كتابه حيث قال الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا وفى الحديث الصحيح عن النبى انه قال يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشي بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشي ولئن سألنى لاعطينه ولان استعاذنى لاعيذنه وما ترددت فى شيء انا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه
ودين الاسلام مبني على اصلين على ان لا نعبد الا الله وان

(25/316)


نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا فالعمل الصالح ما احبه الله ورسوله وهو المشروع المسنون ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول فى دعائه اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لاحد فيه شيئا
ولهذا كانت اصول الاسلام تدور على ثلاثة احاديث قول النبى انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى وقوله من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد وقوله الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع فى الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك ان يواقعه الا وان لكل ملك حمى الا وان حمى الله محارمه الا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

(25/317)


وسئل عما في الخميس ونحو ه من البدع
فأجاب اما بعد حمد الله والصلاة والسلام على محمد وصحبه وسلم فان الشيطان قد سول لكثير ممن يدعى الاسلام فيما يفعلونه في اواخر صوم النصارى وهو الخميس الحقير من الهدايا والافراح والنفقات وكسوة الاولاد وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين
وهذا الخميس الذي يكون فى آخر صوم النصارى فجميع ما يحدثه الانسان فيه من المنكرات فمن ذلك خروج النساء وتبخير القبور ووضع الثياب على السطح وكتابة الورق وإلصاقها بالابواب واتخاذه موسما لبيع الخمور وشرائها ورقى البخور مطلقا فى ذلك الوقت او غيره او قصد شراء البخور المرقى فان رقى البخور واتخاذه قربانا هو دين النصارى والصابئين وانما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب بسائر الطيب وكذلك تخصيصه بطبخ الاطعمة وغير ذلك من صبغ البيض

(25/318)


وأما القمار بالبيض وبيعه لمن يقامر به او شراؤه من المقامرين فحكمه ظاهر
ومن ذلك ما يفعله النساء من اخذ ورق الزيتون او الاغتسال بمائه فان اصل ذلك ماء المعمودية ومن ذلك أيضا ترك الوظائف الراتبة من الصنائع والتجارات او حلق العلم فى ايام عيدهم وإتخاذه يوم راحة وفرحة وغير ذلك فان النبى نهاهم عن اليومين اللذين كانوا يلعبون فيهما فى الجاهلية ونهى النبى صلى الله عليه و سلم عن الذبح بالمكان اذا كان المشركون يعبدون فيه ويفعلون امورا يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه بل يعرف المعروف وينكر المنكر كما لا يتشبه بهم فلا يعان المسلم المتشبه بهم فى ذلك بل ينهى عن ذلك
فمن صنع دعوة مخالفة للعادة فى اعيادهم لم تجب دعوته ومن اهدى من المسلمين هدية في هذه الاعياد مخالفة للعادة فى سائر الاوقات لم تقبل هديته خصوصا ان كانت الهدية مما يستعان به على التشبه بهم مثل اهداء الشمع ونحوه في الميلاد واهداء البيض واللبن والغنم فى الخميس الصغير الذي فى اخر صومهم وهو الخميس الحقير ولا

(25/319)


يبالغ المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم فى العيد من الطعام واللباس والبخور لأن في ذلك اعانة على المنكر
وقال الشيخ رضي الله عنه
ونذكر أشياء من منكرات دين النصارى لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلى ببعضها وجهل كثير منهم انها من دين النصارى الملعون هو وأهله وقد بلغنى انهم يخرجون فى الخميس الحقير الذي قبل ذلك او السبت او غير ذلك الى القبور وكذلك يبخرون في هذه الاوقات وهم يعتقدون ان في البخور بركة ودفع مضرة ويعدونه من القرابين مثل الذبائح ويرقونه بنحاس يضربونه كانه ناقوس صغير وبكلام مصنف ويصلبون على ابواب بيوتهم الى غير ذلك من الامور المنكرة حتى ان الاسواق تبقى مملوءة اصوات النواقيس الصغار وكلام الرقايين من المنجمين وغيرهم بكلام اكثره باطل وفيه ما هو محرم او كفر
وقد القى الى جماهير العامة او جميعهم الا من شاء الله واعنى

(25/320)


بالعامة هنا كل من لم يعلم حقيقة الاسلام فان كثيرا ممن ينسب الى فقه ودين قد شاركهم فى ذلك القى اليهم ان هذا البخور المرقى ينفع ببركته من العين والسحر والادواء والهوام ويصورون صور الحيات والعقارب ويلصقونها فى بيوتهم زعما ان تلك الصور الملعون فاعلها التى لا تدخل الملائكة بيتا هي فيه تمنع الهوام وهو ضرب من طلاسم الصابئة ثم كثير منهم على ما بلغنى يصلب باب البيت ويخرج خلق عظيم في الخميس الحقير المتقدم وعلى هذا يبخرون القبور ويسمون هذا المتأخر الخميس الكبير وهو عند الله الخميس المهين الحقير هو واهله ومن يعظمه فان كل ما عظم بالباطل من مكان او زمان او حجر او شجر او بنية يجب قصد اهانته كما تهان الاوثان المعبودة وان كانت لولا عبادتها لكانت كسائر الاحجار
ومما يفعله الناس من المنكرات انهم يوظفون على الفلاحين وظائف اكثرها كرها من الغنم والدجاج واللبن والبيض يجتمع فيها تحريمان اكل مال المسلم والمعاهد بغير حق واقامة شعار النصارى ويجعلونه ميقاتا لإخراج الوكلاء على المزارع ويطبخون منه ويصطبغون فيه البيض وينفقون فيه النفقات الواسعة ويزينون أولادهم

(25/321)


إلى غير ذلك من الامور التى يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه بل يعرف المعروف وينكر المنكر وخلق كثير منهم يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء لبركة نزول مريم عليها فهل يستريب من فى قلبه أدنى حبة من الايمان ان شريعة جاءت بما قدمنا بعضه من مخالفة اليهود والنصارى لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح واصل ذلك كله انما هو اختصاص اعياد الكفار بامر جديد او مشابهتهم فى بعض امورهم فيوم الخميس هو عيدهم يوم عيد المائدة ويوم الاحد يسمونه عيد الفصح وعيد النور والعيد الكبير ولما كان عيدا صاروا يصنعون لاولادهم فيه البيض المصبوغ ونحوه لانهم فيه ياكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض اذ صومهم هو عن الحيوان وما يخرج منه وعامة هذه الاعمال المحكية عن النصارى وغيرها مما لم يحك قد زينها الشيطان ممن يدعى الاسلام وجعل لها في قلوبهم مكانة وحسن ظن وزادوا فى بعض ذلك ونقصوا وقدموا واخروا وكل ما خصت به هذه الايام من افعالهم وغيرها فليس للمسلم ان يشابههم فى أصله ولا فى وصفه ومن ذلك ايضا انهم يكسون بالحمرة دوابهم ويصبغون الاطعمة التى لا تكاد تفعل فى عيد الله ورسوله ويتهادون الهدايا التى تكون فى مثل مواسم الحج وعامتهم قد نسوا اصل ذلك

(25/322)


وبقى عادة مطرة وهذا كله تصديق قول النبى لتتبعن سنن من كان قبلكم واذا كانت المتابعة فى القليل ذريعة ووسيلة الى بعض هذه القبائح كانت محرمة فكيف اذا افضت الى ما هو كفر بالله من التبرك بالصليب والتعمد فى المعمودية
وقول القائل المعبود واحد وان كانت الطرق مختلفة ونحو ذلك من الاقوال والافعال التى تتضمن إما كون الشريعة النصرانية او اليهودية المبدلين المنسوخين موصلة الى الله واما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الله او التدين بذلك او غير ذلك مما هو كفر بالله ورسوله وبالقرآن وبالاسلام بلا خلاف بين الامة واصل ذلك المشابهة والمشاركة
وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية وبعض حكم ما شرع الله لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم فى عامة الامور لتكون المخالفة احسم لمادة الشر وابعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس فينبغي للمسلم اذا طلب منه أهله وأولاده شيئا من ذلك ان يحيلهم على ما عند الله ورسوله ويقضي لهم في عيد الله من الحقوق ما يقطع استشرافهم الى غيره فان لم يرضوا فلا حول ولا قوة الا

(25/323)


بالله ومن اغضب اهله لله أرضاه الله وأرضاهم
فليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك وفى الصحيحين عن اسامة ابن زيد قال قال رسول الله ما تركت بعدي فتنة اضر على الرجال من النساء وأكثر ما يفسد الملك والدول طاعة النساء ففى صحيح البخارى عن ابى بكرة قال قال رسول الله لا افلح قوم ولوا أمرهم امرأة وروى ايضا هلكت الرجال حين اطاعت النساء وقد قال لامهات المؤمنين لما راجعنه فى تقديم ابى بكر انكن صواحب يوسف يريد ان النساء من شأنهن مراجعة ذى اللب كما قال فى الحديث الاخر ما رايت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من احداكن ولما انشده الاعشى اعشى باهلة ابياته التى يقول فيها ... وهن شر غالب لمن غلب ...
جعل النبى صلى الله عليه و سلم يرددها ويقول وهن شر غالب لمن غلب ولذلك إمتن الله سبحانه على زكريا حيث قال وأصلحنا له زوجه قال بعض العلماء ينبغي للرجل ان يجتهد الى الله فى إصلاح زوج

(25/324)


وقد قال من تشبه بقوم فهو منهم وقد روى البيهقى باسناد صحيح فى باب كراهية الدخول على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار
قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تعلموا رطانة الاعاجم ولا تدخلوا على المشركين فى كنائسهم يوم عيدهم فان السخط ينزل عليهم فهذا عمر قد نهى عن تعلم لسانهم وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم فكيف من يفعل بعض أفعالهم او قصد ما هو من مقتضيات دينهم اليست موافقتهم فى العمل أعظم من موافقتهم فى اللغة او ليس عمل بعض اعمال عيدهم اعظم من مجرد الدخول عليهم فى عيدهم واذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم فى العمل او بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك
ثم قوله اجتنبوا اعداء الله في عيدهم أليس نهيا عن لقائهم والاجتماع بهم فيه فكيف بمن عمل عيدهم وقال ابن عمر فى كلام له من صنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم وقال عمر اجتنبوا اعداء الله فى عيدهم ونص الامام احمد على انه

(25/325)


لا يجوز شهود اعياد اليهود والنصارى واحتج بقول الله تعالى والذين لا يشهدون الزور قال الشعانين واعيادهم وقال عبد الملك بن حبيب من اصحاب مالك فى كلام له قال فلا يعاونون على شيء من عيدهم لان ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين ان ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم اعلم انه اختلف فيه
وأكل ذبائح اعيادهم داخل فى هذا الذي اجتمع على كراهيته بل هو عندي اشد وقد سئل ابو القاسم عن الركوب فى السفن التى تركب فيها النصارى الى اعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذى إجتمعوا عليه وقد قال الله تعالى يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فيوافقهم ويعينهم فانه منهم
وروى الامام أحمد بإسناد صحيح عن ابى موسى قال قلت لعمر ان لي كاتبا نصرانيا قال مالك قاتلك الله أما سمعت الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ألا اتخذت حنيفيا قال قلت يا امير المؤمنين لى

(25/326)


كتابته وله دينه قال لا اكرمهم اذ اهانهم الله ولا أعزهم اذ اذلهم الله ولا ادنيهم اذ اقصاهم الله وقال الله تعالى والذين لا يشهدون الزور قال مجاهد أعياد المشركين وكذلك قال الربيع ابن انس وقال القاضي ابو يعلى مسألة فى النهى عن حضور اعياد المشركين وروى أبو الشيخ الاصبهانى بإسناده فى شروط اهل الذمة عن الضحاك فى قوله والذين لا يشهدون الزور قال عيد المشركين وبإسناده عن سنان عن الضحاك والذين لا يشهدون الزور كلام المشركين وروى بإسناده عن ابن سلام عن عمرو بن مرة والذين لا يشهدون الزور لا يماكثون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم
وقد دل الكتاب وجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وسنة خلفائه الراشدين التى اجمع اهل العلم عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم ايقاد النار والفرح بها من شعار المجوس عباد النيران والمسلم يجتهد في احياء السنن واماتة البدع ففي الصحيحين عن ابى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله

(25/327)


عليه وسلم ان اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وقال النبى صلى الله عليه و سلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وقد امرنا الله تعالى ان نقول فى صلاتنا اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين والله سبحانه أعلم

(25/328)


وسئل
عمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس والميلاد وخميس العدس وسبت النور ومن يبيعهم شيئا يستعينون به على اعيادهم ايجوز للمسلمين ان يفعلوا شيئا من ذلك أم لا
فأجاب الحمد لله لا يحل للمسلمين ان يتشبهوا بهم فى شيء مما يختص باعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا إغتسال ولا ايقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة او عبادة او غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الاهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الاعياد ولا اظهار زينة
وبالجملة ليس لهم ان يخصوا اعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الايام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم

(25/329)


واما اذا اصابه المسلمون قصدا فقد كره ذ طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء بل قد ذهب طائفة من العلماء الى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر وقال طائفة منهم من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص من تأسى ببلاد الاعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة وفى سنن ابى داود عن ثابت بن الضحاك قال نذر رجل على عهد رسول الله ان ينحر إبلا ببوانة فأتى رسول الله فقال اني نذرت ان انحر ابلا ببوانة فقال النبى هل كان فيها من وثن يعبد من دون الله من اوثان الجاهلية قال لا قال فهل كان فيها عيد من اعيادهم قال لا قال رسول الله أوف بنذرك فانه لا وفاء لنذر فى معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم فلم يأذن النبى لهذا الرجل ان يوفى بنذره مع ان الاصل فى الوفاء ان يكون واجبا حتى اخبره انه لم يكن بها عيد من اعياد الكفار وقال لا وفاء لنذر في

(25/330)


معصية الله
فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم فى نفس العيد بل قد شرط عليهم امير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر ائمة المسلمين ان لا يظهروا اعيادهم فى دار المسلمين وانما يعملونها سرا فى مساكنهم فكيف اذا اظهرها المسلمون انفسهم حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تتعلموا رطانة الاعاجم ولا تدخلوا على المشركين فى كنائسهم يوم عيدهم فان السخط ينزل عليهم
وإذا كان الداخل لفرجة او غيرها منهيا عن ذلك لان السخط ينزل عليهم فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هي من شعائر دينهم وقد قال غير واحد من السلف فى قوله تعالى والذين لا يشهدون الزور قالوا اعياد الكفار فاذا كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف بالافعال التى هي من خصائصها
وقد روى عن النبى فى المسند والسنن انه قال من تشبه بقوم فهو منهم وفي لفظ ليس منا من تشبه بغيرنا وهو حديث جيد فاذا كان هذا في التشبه بهم وان كان

(25/331)


من العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك
وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالا له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم باهداء او مبايعة وقالوا انه لا يحل للمسلمين ان يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا دما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم لان ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين ان ينهوا المسلمين عن ذلك لان الله تعالى يقول وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان
ثم ان المسلم لا يحل له ان يعينهم على شرب الخمور بعصرها او نحو ذلك فكيف على ما هو من شعائر الكفر وإذا كان لا يحل له ان يعينهم هو فكيف اذا كان هو الفاعل لذلك والله أعلم قاله أحمد بن تيمية 26

(25/332)


سئل شيخ الاسلام رحمه الله و رضي عنه عن العمرة هل هي و اجبة و إن كان فما الدليل عليه فأجاب
فصل
والعمرة فى و جوبها قولان للعلماء هما قولان في مذهب الشافعي و أحمد و المشهور عنهما و جوبها و القول الآخر لا تجب و هو مذهب أبي حنيفة و مالك
وهذا القول أرجح فإن الله إنما أوجب الحج بقوله و لله على الناس حج البيت لم يوجب العمرة و إنما أوجب إتمامها فأوجب إتمامها لمن شرع فيهما و فى الإبتداء إنما أوجب الحج و هكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب الحج و لأن العمرة ليس فيها جنس غير ما في الحج فإنها إحرام و إحلال و طواف بالبيت و بين

(26/5)


الصفا و المروة و هذا كله داخل في الحج
وإذا كان كذلك فأفعال الحج لم يفرض الله منها شيئا مرتين فلم يفرض وقتين و لا طوافين و لا سعيين و لا فرض الحج مرتين
وطواف الوداع ليس بركن بل هو و اجب و ليس هو من تمام الحج و لكن كل من خرج من مكة عليه أن يودع و لهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج بالبيت كما و جب الدخول بالإحرام فى أحد قولي العلماء لسبب عارض لاكون ذلك و اجبا بالإسلام كوجوب الحج
ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة لا على عهد النبى صلى الله عليه و سلم و لا على عهد خلفائه بل لم يعتمر أحد عمرة بمكة على عهد النبى صلى الله عليه و سلم إلا عائشة و حدها لسبب عارض و قد بسطنا الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع
وسئل عمن حج و لم يعتمر و تركها إما عامدا أو ناسيا فهل تسقط

(26/6)


عنه بالحج أم لا و هل ذكر أحد فى ذلك خلافا أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين العمرة فى و جوبها قولان مشهوران للعلماء هما قولان للشافعي و روايتان عن أحمد و المشهور عن أصحابهما و جوبها و لكن القول بعدم و جوبها قول الأكثرين كمالك و أبي حنيفة و كلا القولين منقول عن بعض الصحابة
والأظهر أن العمرة ليست و اجبة و أن من حج و لم يعتمر فلا شيء عليه سواء ترك العمرة عامدا أو ناسيا لأن الله إنما فرض فى كتابه حج البيت بقوله و لله على الناس حج البيت و لفظ الحج فى القرآن لا يتناول العمرة بل هو سبحانه إذا أراد العمرة ذكرها مع الحج كقوله و اتموا الحج و العمرة لله و قوله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فلما أمر بالإتمام أمر بإتمام الحج و العمرة و هذه الآية نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق الناس و آية آل عمران نزلت بعد ذلك سنة تسع أو عشر و فيها فرض الحج
ولهذا كان أصح القولين أن فرض الحج كان متأخرا و من قال انه فرض سنة ست فإنه احتج بآية الإتمام و هو غلط فإن الآية إنما أمر فيها بإتمامهما لمن شرع فيهما لم يأمر فيها بابتداء الحج و العمرة و النبى صلى الله عليه و سلم اعتمر عمرة الحديبية قبل أن تنزل هذه

(26/7)


الآية و لم يكن فرض عليه لا حج و لا عمرة ثم لما صده المشركون أنزل الله هذه الآية فأمر فيها بإتمام الحج و العمرة و بين حكم المحصر الذي تعذر عليه الإتمام و لهذا اتفق الأئمة على أن الحج و العمرة يلزمان بالشروع فيجب إتمامهما و تنازعوا فى الصيام و الصلاة و الإعتكاف
وأيضا فإن العمرة ليس فيها جنس من العمل غير جنس الحج فإنها إحرام و طواف و سعي و إحلال و هذا كله موجود فى الحج و الحج إنما فرضه الله مرة و احدة لم يفرضه مرتين و لا فرض شيئا من فرائضه مرتين لم يفرض فيه و قوفين و لا طوافين بل الفرض طواف الإفاضة و أما طواف الوداع فليس من الحج و إنما هو لمن أراد الخروج من مكة و لهذا لا يطوف من أقام بمكة و ليس فرضا على كل أحد بل يسقط عن الحائض و لو لم يفعله لأجزأه دم و لم يبطل الحج بتركه بخلاف طواف الفرض و الوقوف و كذلك السعي لا يجب إلا مرة و احدة و الرمي يوم النحر لا يجب إلا مرة و احدة و رمي كل جمرة فى كل يوم لا يجب إلا مرة و احدة و كذلك الحلق و التقصير لا يجب إلا مرة واحدة
فإذا كانت العمرة ليس فيها عمل غير أعمال الحج و أعمال الحج إنما فرضها الله مرة لا مرتين علم أن الله لم يفرض العمرة

(26/8)


والحديث المأثور في أن العمرة هي الحج الأصغر قد احتج به بعض من أوجب العمرة و هو إنما يدل على أنها لا تجب لأن هذا الحديث دال على حجين أكبر و أصغر كما دل على ذلك القرآن فى قوله يوم الحج الأكبر و اذا كان كذلك فلو أوجبناها لأوجبنا حجين أكبر و أصغر و الله تعالى لم يفرض حجين و إنما أوجب حجا و احدا و الحج المطلق إنما هو الحج الأكبر و هو الذي فرضه الله على عباده و جعل له و قتا معلوما لا يكون فى غيره كما قال يوم الحج الأكبر بخلاف العمرة فإنها لا تختص بوقت بعينه بل تفعل فى سائر شهور العام
ولأن العمرة مع الحج كالوضوء مع الغسل و المغتسل للجنابة يكفيه الغسل و لا يجب عليه الوضوء عند جمهور العلماء فكذلك الحج فإنهما عبادتان من جنس و احد صغرى و كبرى فإذا فعل الكبرى لم يجب عليه فعل الصغرى و لكن فعل الصغري أفضل و أكمل كما أن الوضوء مع الغسل أفضل و أكمل
وهكذا فعل النبى صلى الله عليه و سلم و أصحابه لكنه أمرهم بأمر التمتع و قال دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة كما قد بسط فى موضع آخر و الله أعلم

(26/9)


وسئل عن امرأة حجت حجة الإسلام و ما اعتمرت و فى العام الثاني قصدت أن تحج عن بنتها و كانت بالأول أحرمت بحج و عمرة فهل عليها عمرة أخرى
فأجاب لا عمرة عليها لما مضي و أما إذا اعتمرت فى هذا العام عن نفسها غير العمرة عن بنتها جاز ذلك وسئل رحمه الله ... ماذا يقول أهل العلم فى رجل ... آتاه ذو العرش مالا حج و اعتمرا ... فهزه الشوق نحو المصطفى طربا ... أترون الحج أفضل أم إيثاره الفقرا ... أم حجه عن أبيه ذاك أفضل أم ... ماذا الذي يا سادتى ظهرا

(26/10)


فأفتوا محبا لكم فديتكمو ... و ذكركم دأبه إن غاب أو حضرا ...
فأجاب رضي الله عنه ... نقول فيه بأن الحج أفضل من ... فعل التصدق و الإعطاء للفقراء ...
... والحج عن و الديه فيه برهما ... والأم أسبق فى البر الذي ذكرا ...
لكن إذا الفرض خص الأب كان إذا ... هو المقدم فيما يمنع الضررا ...
كما إذا كان محتاجا الى صلة و أمه قد كفاها من برىء البشرا ...
هذا جوابك يا هذا موازنة ... و ليس مفتيك معدودا من الشعراء

(26/11)


وسئل رحمه الله
عن امرأة تملك زيادة عن نحو ألف درهم و نوت أن تهب ثيابها لبنتها فهل الأفضل أن تبقي قماشها لبنتها أو تحج بها
فأجاب الحمد لله نعم تحج بهذا المال و هو ألف درهم و نحوها و تزوج البنت بالباقي إن شاءت فإن الحج فريضة مفروضة عليها إذا كانت تستطيع إليه سبيلا و من لها هذا المال تستطيع السبيل
وسئل
عن شيخ كبير و قد انحلت أعضاؤه لا يستطيع أن يأكل أو يشرب و لا يتحرك هل يجوز أن يستأجر من يحج عنه الفرض
فأجاب أما الحج فإذا لم يستطع الركوب على الدابة فإنه يستنيب من يحج عنه

(26/12)


وسئل هل يجوز أن تحج المرأة بلا محرم
فأجاب إن كانت من القواعد اللاتى لم يحضن و قد يئست من النكاح و لا محرم لها فإنه يجوز فى أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه و هو إحدى الروايتين عن أحمد و مذهب مالك و الشافعي
وقال رحمه الله
فصل
يجوز للمرأة أن تحج عن إمرأة أخرى باتفاق العلماء سواء كانت بنتها أو غير بنتها و كذلك يجوز أن تحج المرأة عن الرجل عند الأئمة الأربعة و جمهور العلماء كما أمر النبى صلى الله عليه و سلم المرأة الخثعمية أن تحج عن أبيها لما قالت يا رسول الله إن فريضة

(26/13)


الله فى الحج على عباده أدركت أبي و هو شيخ كبير فأمرها النبى صلى الله عليه و سلم أن تحج عن أبيها مع أن إحرام الرجل أكمل من إحرامها و الله أعلم
وقال رحمه الله
فصل
فى الحج عن الميت أو المعضوب بمال يأخذه إما نفقة فإنه جائز بالإتفاق أو بالإجارة أو بالجعالة على نزاع بين الفقهاء فى ذلك سواء كان المال المحجوج به موصى به لمعين أو عين مطلق أو مبذول أو مخرج من صلب التركة فمن أصحاب الشافعي من استحب ذلك و قال هو من أطيب المكاسب لأنه يعمل صالحا و يأكل طيبا و المنصوص عن أحمد أنه قال لا أعرف في السلف من كان يعمل هذا و عده بدعة و كرهه و لفظ نصه مكتوب في غير هذا الموضع و لم يكره إلا الإجارة و الجعالة قلت حقيقة الأمر فى ذلك أن الحاج يستحب له ذلك إذا كان مقصوده أحد شيئين الإحسان الى المحجوج عنه أو نفس

(26/14)


الحج لنفسه
وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضا فذمته متعلقة به فالحج عنه إحسان إليه بإبراء ذمته بمنزلة قضاء دينه كما قال النبى صلى الله عليه و سلم للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزي عنه قالت نعم قال فالله أحق بالقضاء و كذلك ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث بين أن الله لرحمته و كرمه أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضي عنه فإذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين الواجب عن هذا فهذا محسن إليه و الله يحب المحسنين فيكون مستحبا و هذا غالبا إنما يكون لسبب يبعثه على الإحسان إليه مثل رحم بينهما أو مودة و صداقة أو إحسان له عليه يجزيه به و يأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه و علامة ذلك أن يطلب مقدار كفاية حجه و لهذا جوزنا نفقة الحج بلا نزاع و كذلك لو وصى بحجة مستحبة و أحب إيصال ثوابها إليه
والموضع الثاني إذا كان الرجل مؤثرا أن يحج محبة للحج و شوقا الى المشاعر و هو عاجز فيستعين بالمال المحجوج به على الحج و هذا قد يعطي المال ليحج به لا عن أحد كما يعطي المجاهد المال ليغزو به فلا شبهة فيه فيكون لهذا أجر الحج ببدنه و لهذا أجر الحج بماله كما في الجهاد فإنه من جهز غازيا فقد غزا و قد يعطي

(26/15)


المال ليحج به عن غيره فيكون مقصود المعطي الحج عن المعطي عنه و مقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان الى الغير
وهذا يتوجه على أصل أبي حنيفة حيث قال الحج يقع عن الحاج و للمعطي أجر الإنفاق كالجهاد و على أصلنا فإن المصلي و الصائم و المتصدق عن الغير و الحاج عن الغير له قصد صالح فى ذلك العمل و قصد صالح فى عمله عن الغير و إذا كان النبى صلى الله عليه و سلم قد قال الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه أحد المتصدقين فجعل للوكيل مثل الموكل في الصدقة و هو نائب و قال إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت و للزوج أجره بما اكتسب و للخادم مثل ذلك فكذلك النائب في الحج و سائر ما يقبل النيابة من الأعمال له أجر و للمستنيب أجر
وهذا أيضا إنما يأخذ ما ينفقه فى الحج كما لا يأخذ إلا ما ينفقه فى الغزو فهاتان صورتان مستحبتان و هما الجائزتان من أن يأخذ نفقة الحج و يرد الفضل و أما إذا كان قصده الإكتساب بذلك و هو أن يستفضل مالا فهذا صورة الإجارة و الجعالة و الصواب أن هذا لا يستحب و إن قيل بجوازه لأن العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح فى نفسه إذا لم يقصد

(26/16)


به إلا المال فيكون من نوع المباحات و من أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق
ونحن إذا جوزنا الإجارة و الجعالة على أعمال البر التى يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب لم نجعلها في هذه الحال إلا بمنزلة المباحات لا نجعلها من باب القرب فإن الأقسام ثلاثة إما أن يعاقب على العمل بهذه النية أو يثاب أو لا يثاب و لا يعاقب
وكذلك المال المأخوذ إما منهي عنه و إما مستحب و إما مباح فهذا هذا و الله أعلم لكن قد رجحت الإجارة على إذا كان محتاجا الى ذلك المال للنفقة مدة الحج و للنفقة بعد رجوعه أو قضاء دينه فيقصد إقامة النفقة و قضاء الدين الواجب عليه فهنا تصير الأقسام ثلاثة إما أن يقصد الحج و الإحسان فقط أو يقصد النفقة المشروعة له فقط أو يقصد كلاهما فمتى قصد الأول فهو حسن و إن قصدهما معا فهو حسن إن شاء الله لأنهما مقصودان صالحان و أما إن لم يقصد إلا الكسب لنفقته فهذا فيه نظر و المسألة مشروحة في مواضع

(26/17)


وسئل
عن امرأة حجت و قصدت أن تحج عن ميتة بأجرة فهل لها أن تحج
فأجاب يجوز أن تحج عن الميت بمال يؤخذ على و جه النيابة بالإنفاق و إما على و جه الإجارة ففيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد
إحداهما يجوز و هو قول الشافعي
والثاني لا يجوز و هو مذهب أبي حنيفة ثم هذه الحاجة عن الميت إن كان قصدها الحج أو نفع الميت كان لها فى ذلك أجر و ثواب و إن كان ليس مقصودها إلا أخذ الأجرة فمالها فى الآخرة من خلاق
وسئل عمن حج عن الغير ليوفي

(26/18)


دينه
فأجاب أما الحاج عن الغير لأن يوفي دينه فقد اختلف فيها العلماء أيهما أفضل و الأصح أن الأفضل الترك فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئا من النفقة ليس من أعمال السلف حتى قال الإمام أحمد ما أعلم أحدا كان يحج عن أحد بشيء و لو كان هذا عملا صالحا لكانوا إليه مبادرين و الإرتزاق بأعمال البر ليس من شأن الصالحين أعنى اذا كان إنما مقصوده بالعمل اكتساب المال و هذا المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي به دينه خير له من أن يقصد أن يحج ليأخذ دراهم يوفي بها دينه و لا يستحب للرجل أن يأخذ ما لا يحج به عن غيره إلا لأحد رجلين
إما رجل يحب الحج و رؤية المشاعر و هو عاجز فيأخذ ما يقضي به و طره الصالح و يؤدي به عن أخيه فريضة الحج
أو رجل يحب أن يبرىء ذمة الميت عن الحج إما لصلة بينهما أو لرحمة عامة بالمؤمنين و نحو ذلك فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به ذلك و جماع هذا أن المستحب أن يأخذ ليحج لا أن يحج ليأخذ و هذا فى جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح فمن ارتزق ليتعلم أو ليعلم أو ليجاهد فحسن كما جاء عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال مثل الذين يغزون من أمتى و يأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها و تأخذ أجرها شبههم بمن يفعل الفعل

(26/19)


لرغبة فيه كرغبة أم موسى فى الإرضاع بخلاف الظئر المستأجر على الرضاع اذا كانت أجنبية و أما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق فهذا من أعمال الدنيا
ففرق بين من يكون الدين مقصوده و الدنيا و سيلة و من تكون الدنيا مقصوده و الدين و سيلة و الأشبه أن هذا ليس له فى الآخرة من خلاق كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها
وسئل رحمه الله
عن رجل عليه دين لشخص غائب ببغداد و المديون مقيم بمصر و هو معسر و قصد شخص أن يحج به من عنده فهل يجوز له أن يحج و عليه الدين
فأجاب نعم يجوز أن يحج المدين المعسر اذا حججه غيره و لم يكن فى ذلك إضاعة لحق الدين إما لكونه عاجزا عن الكسب و إما لكون الغريم غائبا لا يمكن توفيته من الكسب و الله أعلم

(26/20)


وسئل رحمه الله
عن رجل خرج حاجا الى بيت الله الحرام بالزاد و الراحلة فأدركه الموت فى الطريق فهل يسقط عنه الفرض أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين لا يسقط عنه بذلك ثم إن كان خرج الى الحج حين و جب عليه من غير تفريط مات غير عاص و إن فرط بعد الوجوب مات عاصيا و يحج عنه من حيث بلغ و إن كان قد خلف مالا فالنفقة من ذلك و اجبة فى أظهر قولي العلماء
و تفصيل ذلك أنه إذا استطاع الحج بالزاد و الراحلة و جب عليه الحج بالإجماع فإن حج عقب ذلك بحسب الإمكان و مات فى الطريق و جب أجره على الله و مات و هو غير عاص و له أجر نيته و قصده
فإن كان فرط ثم خرج بعد ذلك و مات قبل أداء الحج مات عاصيا آثما و له أجر ما فعله و لم يسقط عنه الفرض بذلك بل الحج باق فى ذمته و يحج عنه من حيث بلغ و الله أعلم

(26/21)


باب الإحرام وسئل شيخ الإسلام عما حكى أصحابنا رحمهم الله فى الإحرام هل هو ركن أم لا ثم أنهم ذكروا فى موضع آخر أن الإحرام عبارة عن نية الحج فكيف يتصور الخلاف فى النية مع أنه لا يتصور و جود الحج الشرعي بدونها أين لنا عن هذا مثابا معظم الأجر
فأجاب الحمد لله رب العالمين الجواب من طريقين إجمالي و تفصيلي
أما الإجمالي فنقول أما النية للحج و العمرة فلا خلاف بين أصحابنا و سائر المسلمين أن الحج لا يصح إلا بها إما من الحاج نفسه و إما من يحج به كما يحج و لي الصبي و لو عمل الرجل أعمال الحج من غير قصد لم يصح الحج كما لا تصح الصلاة و الصوم بغير نية و سواء قيل إن الحج ينعقد بمجرد النية أو لا ينعقد إلا بها و بشيء آخر من قول أو عمل من تلبية أو تقليد هدي على الخلاف

(26/22)


المشهور بين العلماء فى ذلك
و سواء قلنا إن الإحرام ركن أم ليس بركن و هذا أمر لا يقبل الخلاف فإن العبادات المقصودة يمتنع أن تكون هي العبادات المأمور بها بدون النية
و أما انعقاد الإحرام بمجرد النية ففيه خلاف فى المذهب و غيره كما سنذكره إن شاء الله تعالى
وفرق بين النية المشترطة للحج و النية التى ينعقد بها الإحرام فإن الرجل يمكنه أن ينوي الحج من حين يخرج من بيته كما هو الواقع و يقف و يطوف مستصحبا لهذه النية ذكرا و حكما و إن لم يقصد الإحرام و لا يخطر بقلبه
وأصل ذلك أن النية المعهودة فى العبادات تشتمل على أمرين على قصد العبادة و قصد المعبود و قصد المعبود هو الأصل الذي دل عليه قوله سبحانه وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين و قول النبى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله و رسوله و من كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر إليه
فإنه صلى الله عليه و سلم ميز بين مقصود و مقصود و هذا

(26/23)


المقصود فى الجملة لابد منه فى كل فعل اختياري قال النبى صلى الله عليه و سلم أصدق الأسماء حارث و همام فإن كل بشر بل كل حيوان لابد له من همة و هو الإرادة و من حرث و هو العمل إذ من لوازم الحيوان أنه يتحرك بإرادته ثم ذلك الذي يقصده هو غايته و إن كان قد يحدث له بعد ذلك القصد قصد آخر و إنما تطمئن النفوس بوصولها الى مقصودها
وأما قصد العبادة فقصد العمل الخاص فإن من أراد الله و الدار الآخرة بعمله فقد يريده بصلاة و قد يريده بحج و كذلك من قصد طاعته بامتثال ما أمره به فقد أطاعه فى هذا العمل و قد يقصد طاعته فى هذا العمل فهذا القصد الثاني مثل قصد الصلاة دون الصوم ثم صلاة الظهر دون صلاة العصر ثم الفرض دون النفل و هذه النية التى تذكر غالبا فى كتب الفقه المتأخرة و كل واحدة من النيتين فرض فى الجملة
أما الأولى فبها يتميز من يعبد الله مخلصا له الدين ممن يعبد الطاغوت أو يشرك بعبادة ربه و من يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا و هو الدين الخالص لله الذي تشترك فيه جميع الشرائع الذي نهى الأنبياء عن التفرق فيه كما قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم و موسى

(26/24)


وعيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه
ولهذا كان دين الأنبياء واحدا و إن كانت شرائعهم متنوعة قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون و قال تعالى و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون و قال تعالى و لقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت و قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقال تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم
وأما النية الثانية فبها تتميز أنواع العبادات و أجناس الشرائع فيتميز المصلي من الحاج و الصائم و يتميز من يصلي الظهر و يصوم قضاء رمضان ممن يصلي العصر و يصوم شيئا من شوال و يتميز من يتصدق عن زكاة ماله ممن يتصدق من نذر عليه أو كفارة
وأصناف العبادات مما تتنوع فيه الشرائع إذ الدين لا قوام له إلا الشريعة إذ أعمال القلوب لا تتم إلا بأعمال الأبدان كما أن الروح لا قوم لها إلا بالبدن أعني ما دامت في الدنيا
وكما أن معاني الكلام لا تتم إلا بالألفاظ و بمجموع اللفظ و المعنى يصير الكلام كلاما و إن كان المعنى لا يختلف باختلاف الأمم و اللفظ

(26/25)


يتنوع بتنوع الأمم ثم قد يكون لغة بعض الأمم أبلغ فى إكمال المعنى من بعض و بعض ألفاظ اللغة أبلغ تماما للمعنى من بعض
فالدين العام يتعلق بقصد القلب ثم لابد من عمل بدني يتم به القصد و يكمل فتنوعت الأعمال البدنية كذلك و تنوعت لما اقتضته مشيئة الله و رحمته لعباده و بحكمته فى أمره و إنما و جب كل و احد من النيتين لأن الله فرض علينا أن نقيم دينه بالشريعة التى بعث بها رسوله محمدا صلى الله عليه و سلم إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة غيرها
والأعمال المشروعة مؤلفة من أقوال و أعمال مخصوصة قد يعتبر لها أوقات و أمكنة مخصوصة و صفات كلما كان فرضا علينا أن نعبد الله و أن تكون العبادة على و صف معين كان فرضا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين و القصد الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به
ثم اعلم أن النيات قد تحصل جملة و قد تحصل تفصيلا و قد تحصل بطريق التلازم و قد تتنوع النيات حتى يكون بعضها أفضل من بعض بحيث يسقط الفرض بأدناها لكن الفضل لمن أتى بالأعلى و قد يكون الشيء مقصودا بالقصد الثاني دون الأول ثم قد يحضر الإنسان القصد الثاني و يذهل عن القصد الأول فإن الإنسان فى

(26/26)


قصده العبادة قد يريد و جه الله من حيث الجملة أو يريد طاعته أو عبادته أو التقرب إليه أو يريد ثوابه من غير أن يستشعر ثوابا معينا أو يرجو ثوابا معينا فى الآخرة أو في الدنيا أو فيهما أو يخاف عقابا إما مجملا و إما مفصلا و تفاصيل هذه النيات باب و اسع
وهو بهذا الإعتبار قد لا يكون له غرض فى نوع من الأعمال البدنية دون نوع إلا باعتبار تقييس ذلك نية نوع العمل فإن من قصد الحج قد يكون قد استشعر الحج من حيث الجملة و هو أنه قصد مكان معين فيقصد ما استشعره من غير علم و لا قصد تفصيل أعماله من و قوف و طواف و ترك محظورات و غير ذلك بل إنما تصير تفاصيل أعمال الحج مقصودة إذا استشعرها و قد يكون عالما بجنس أعمال الحج و أنها و قوف و طواف و نحو ذلك لأنها قد و صفت له و إن لم يعلم عين المكان و صورة الطواف فينوي ذلك و قد يعلم ذلك كله فينوي ما قد علمه
وكذلك الكافر اذا أسلم و قلنا له قد و جبت عليك الصلاة فإنه يلتزمها و ينويها لاستشعاره لها جملة و لم يعلم صفتها وبل كل من آمن بالرسول صلى الله عليه و سلم إيمانا راسخا فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبره و طاعته فيما أمره وإن لم يعلم و لم يقصد أنواع

(26/27)


الأخبار و الأعمال ثم عند العلم بالتفصيل إما أن يصدق و يطيع فيصير من الذين آمنوا و عملوا الصالحات أو يخالف ذلك فيصير إما منافقا و إما عاصيا فاسقا أو غير ذلك
وهذا يبين لك أن الأقسام ثلاثة رجل يقصد عبادة الله و طاعته و لم يقصد العمل المعين المأمور به كرجل له أموال ينفق منها على السائل و المحروم مريدا بذلك و جه الله من غير أن يخطر بباله لا زكاة و لا كفارة و لا و ضعها فى الأصناف الثمانية دون بعض فهذا يثاب على ما يعمله لله سبحانه لكن بقي فى عهدة الأمر بالواجبات
ورجل قد يقصد العمل المعين من غير أن يقصد طاعة الله و عبادته كمن يدفع زكاة ماله إلى السلطان لئلا يضرب عنقه أو ينقص حرمته أو يأخذ ماله أو قام يصلي خوفا على دمه أو ماله أو عرضه و هذه حال المنافقين عموما و المرائين فى بعض الأعمال خصوصا كما قال تعالى و إذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس و قال فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون و يمنعون الماعون و قال تعالى و لا يأتون الصلاة إلا و هم كسالى و لا ينفقون إلا و هم كارهون والقسم الثالث أن يقصد فعل ما أمر به من ذلك العمل المعين

(26/28)


لله سبحانه و اتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لابد منها فى الجملة فلا بد أن يقصد الصلاة أو الحج أو الصيام و لهم فى فروع ذلك تفصيل و خلاف ليس هذا موضعه
واختلفوا فى النية الأولى و هي نية الإضافة الى الله تعالى من أصحابنا من قال لا تجب نية الإضافة الى الله تعالى و منهم من فرق بين العبادات المقصودة كالصلاة و الحج و الصوم و غير المقصودة كالطهارة و التيمم و كذلك أصحاب الشافعي لم يعتبروا نية الإضافة الى الله تعالى فى أصح الوجهين
وذلك لأن نفس نية فعل العبادة تتضمن الإضافة كما تتضمن عدد الركعات فإن الصلاة لا تشرع إلا لله تعالى كما أن صلاة الظهر في الحضر لا تكون إلا أربع ركعات فلهذا لم تجب نية الإضافة
وأيضا النية الحكمية تقوم مقام النية المستحضرة و إن كانت النية المستحضرة أكمل و أفضل فإذا نوى العبد صلاة الظهر فى أول الأمر أجزاه استصحاب النية حكما فكذلك العبد المؤمن الذي دخل الإيمان فى قلبه قد نوى نية عامة أن عباداته هي له لا لغيره فإنه إن لم يكن كذلك كان منافقا
فإذا نوي عبادة معينة من صلاة و صوم كان مستصحبا لحكم تلك

(26/29)


النية الشاملة لجميع أنواع العبادات كما أنه فى الصلاة اذا نوى الركوع و السجود فى أثناء الصلاة كان مستصحبا لحكم نية الظهر أو العصر الشاملة لجميع أعمال الصلاة ثم إن أتى بما ينقص علم تلك أفسدها فإنه يكون فاسخا لها كما لو فسخ نية الصلاة فى أثنائها فإذا قام يصلي لئلا يضرب أو يؤخذ ماله أو أدى الزكاة لئلا يضرب كان قد فسخ تلك النية الإيمانية
فلهذا كان الصحيح عندنا و عند أكثر العلماء أن هذه العبادة فاسدة لا يسقط الفرض بهذه النية و قلنا إن عبادات المرائين الواجبة باطلة و أن السلطان اذا أخذ الزكاة من الممتنع من أدائها لم يجزه فى الباطن على أصح الوجهين لكن لما كان غالب المسلمين يولد بين أبوين مسلمين يصيرون مسلمين إسلاما حكميا من غير أن يوجد منهم إيمان بالفعل ثم اذا بلغوا فمنهم من يرزق الإيمان الفعلي فيؤدي الفرائض ومنهم من يفعل ما يفعله بحكم العادة المحضة و المتابعة لأقاربه و أهل بلده و نحو ذلك مثل أن يؤدي الزكاة لأن العادة أن السلطان يأخذ الكلف و لم يستشعر و جوبها عليه لا جملة و لا تفصيلا فلا فرق عنده بين الكلف المبتدعة و بين الزكاة المشروعة أو من يخرج من اهل مكة كل سنة الى عرفات لأن العادة جارية بذلك من غير استشعار أن هذا عبادة لله لا جملة و لا تفصيلا أو يقاتل الكفار

(26/30)


لأن قومه قاتلوهم فقاتل تبعا لقومه و نحو ذلك فهؤلاء لا تصح عبادتهم بلا تردد بل نصوص الكتاب و السنة و إجماع الأمة قاضية بأن هذه الأعمال لا تسقط الفرض فلا يظن ظان أن قول من قال من الفقهاء أن نية الإضافة ليست
واجبة أراد مثل هؤلاء و إنما اكتفى فيها بالنية الحكمية كما قدمناه ففرق بين من لم يرد الله بعمله لا جملة و لا تفصيلا و بين من أراده جملة و ذهل عن إرادته بالعمل المعين تفصيلا
فإن أحدا من الأمة لا يقول إن الأول عابد لله و لا مؤد لما أمر به أصلا و هذا ظاهر و من أصحابنا من اشترط هذه النية عند العمل المعين فقال النية الواجبة في الصلاة أن يعتقد أداء فعل ما افترض الله عليه من فعل الصلاة بعينها و امتثال أمره الواجب من غير رياء و لا سمعة و لفظ بعضهم اتباع أمره و إخلاص العمل له و على هذا يدل كلام أكثرهم فإنهم يستدلون على النية الواجبة فى الطهارة و الصلاة و نحوهما بقوله و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين قالوا و إخلاص الدين هو النية و من اغتسل للتبرد أو التنظف لم يخلص الدين له و يستدلون بقوله من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ماله فى الآخرة من نصيب قالوا و من اغتسل للتبرد و التنظف لم يرد حرث الآخرة

(26/31)


فيجب أن لا يخلص له
ومعلوم أن هاتين الآيتين تدلان على و جوب العمل لله و الدار الآخرة أبلغ من دلالتهما على و جوب نية العمل المعين لكن من نصر الوجه الأول قد يقول نية النوع مستلزمة لنية الجنس فإن من نوى العمل المعين فقد نوى العمل لله بحكم إيمانه كما تقدم و من نصر الثاني يقول النية الواجبة لا تتقدم على العمل بعشرين سنة بل إنما تقدم عليه إما بالزمن اليسير و إما من أول و قت الوجوب على اختلاف الوجهين
وايضا فالدليل الظاهر و القياس يوجب و جود النية المحضرة فى جميع العبادة و إنما عفي عن استصحابها في أثناء العبادة لما فى ذلك من المشقة و لا مشقة فى نية العبادة لله عند فعل كل عبادة
وأيضا فغالب الناس إسلامهم حكمي و إنما يدخل فى قلوبهم فى أثناء الامر ان دخل فان لم توجب عليهم هذه النية لم يقصدوها فتخلو قلوبهم منها فيصيرون منافقين إنما يعملون الأعمال عادة و متابعة كما هو الواقع فى كثير من الناس

(26/32)


وسئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه و أرضاه عن التمتع و القران أيهما أفضل
فأجاب الحمد لله نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و نشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و نشهد أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و سلم تسليما
لا يختلف مذهب أحمد أنه اذا قدم فى أشهر الحج و لم يسق الهدي فالتمتع الخاص أفضل له و هو أن يتمتع بعمرة فيحل منها اذا طاف بالبيت و بين الصفا و المروة ثم يحرم بالحج
وأما اذا ساق الهدي فنقل المروذي عنه أن القران أفضل فمن أصحابنا من جعل هذا رواية ثانية عن أحمد و جعلوا فيها إذا ساق الهدي هل الأفضل التمتع أو القران على روايتين
وهذه طريقة المتأخرين الذين قالوا أن النبى صلى الله عليه

(26/33)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية