صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

الصحيح عن النبى أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم وقال عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل قلت لأبي إن أقواما يقولون إن الجني لا يدخل فى بدن المصروع فقال يا بنى يكذبون هذا يتكلم على لسانه
وهذا الذى قاله أمر مشهور فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام الذى يقوله وقد يجر المصروع وغير المصروع ويجر البساط الذى يجلس عليه ويحول آلات وينقل من مكان إلى مكان ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علما ضروريا بأن الناطق على لسان الانسى والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان
وليس فى أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني فى بدن المصروع وغيره ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع وليس فى الأدلة الشرعية ما ينفى ذلك
وأما معالجة المصروع بالرقى والتعوذات فهذا على

(24/277)


وجهين فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها ومما يجوز فى دين الاسلام أن يتكلم بها الرجل داعيا لله ذاكرا له ومخاطبا لخلقه ونحو ذلك فإنه يجوز أن يرقى بها المصروع ويعوذ فانه قد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه أذن فى الرقى ما لم تكن شركا وقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل
وان كان فى ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك أو كانت مجهولة المعنى يحتمل أن يكون فيها كفر فليس لأحد أن يرقى بها ولا يعزم ولا يقسم وان كان الجنى قد ينصرف عن المصروع بها فإنما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه كالسيما وغيرها من أنواع السحر فإن الساحر السيماوى وان كان ينال بذلك بعض أغراضه كما ينال السارق بالسرقة بعض أغراضه وكما ينال الكاذب بكذبه وبالخيانة بعض أغراضه وكما ينال المشرك بشركه وكفره بعض أغراضه وهؤلاء وان نالوا بعض أغراضهم بهذه المحرمات فإنها تعقبهم من الضرر عليهم فى الدنيا والآخرة أعظم مما حصلوه من أغراضهم فإن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فكل ما أمر الله به ورسوله فمصلحته راجحة على مفسدته ومنفعته راجحة على المضرة وان كرهته النفوس كما قال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم

(24/278)


الآية فأمر بالجهاد وهو مكروه للنفوس لكن مصلحته ومنفعته راجحة على ما يحصل للنفوس من ألمه بمنزلة من يشرب الدواء الكريه لتحصل له العافية فإن مصلحة حصول العافية له راجحة على ألم شرب الدواء وكذلك التاجر الذى يتغرب عن وطنه ويسهر ويخاف ويتحمل هذه المكروهات مصلحة الربح الذى يحصل له راجحة على هذه المكاره وفى الصحيحين عن النبى أنه قال حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات
وقد قال تعالى فى حق الساحر
ولا يفلح الساحر حيث أتى وقال تعالى
وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر إلى قوله ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فبين سبحانه أن هؤلاء يعلمون أن الساحر ماله فى الآخرة من نصيب وإنما يطلبون بذلك بعض أغراضهم فى الدنيا ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون آمنوا واتقوا بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه لكان ما يأتيهم به على ذلك فى الدنيا والآخرة خير لهم مما يحصل لهم بالسحر قال الله تعالى إنا لننصررسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد وقال ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وقال والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم فى الدنيا حسنة

(24/279)


الآيتين وقال ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا
والأحاديث فيما يثيب الله عبده المؤمن على الأعمال الصالحة فى الدنيا والآخرة كثيرة جدا وليس للعبد أن يدفع كل ضرر بما شاء ولا يجلب كل نفع بما شاء بل لا يجلب النفع إلا بما فيه تقوى الله ولا يدفع الضرر إلا بما فيه تقوى الله فإن كان ما يفعله من العزائم والأقسام والدعاء والخلوة والسهر ونحو ذلك مما أباحه الله ورسوله فلا بأس به وان كان مما نهى الله عنه ورسوله لم يفعله
فمن كذب بما هو موجود من الجن والشياطين والسحر وما يأتون به على اختلاف أنواعه كدعاء الكواكب وتخريج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية وما ينزل من الشياطين على كل أفاك أثيم فالشياطين التى تنزل عليهم ويسمونها روحانية الكواكب وأنكروا دخول الجن فى أبدان الإنس وحضورها بما يستحضرون به من العزائم والأقسام وأمثال ذلك كما هو موجود فقد كذب بما لم يحط به علما
ومن جوز أن يفعل الانسان بما رآه مؤثرا من هذه الأمور من غير أن يزن ذلك بشريعة الإسلام فيفعل ما أباحه الله ويترك

(24/280)


ماحرم الله وقد دخل فيما حرمه الله ورسوله إما من الكفر وإما من الفسوق وإما العصيان بل على كل أحد أن يفعل ما أمر الله به ورسوله ويترك ما نهى الله عنه ورسوله
ومما شرعه النبى من التعوذ فانه قد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال من قرأ آية الكرسى إذا أوى إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ ولم يقربه شيطان حتى يصبح وفى السنن أنه كان يعلم أصحابه أن يقول أحدهم أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ولما جاءته الشياطين بلهب من نار أمر بهذا التعوذ أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ فى الأرض وما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن
فقد جمع العلماء من الأذكار والدعوات التى يقولها العبد إذا أصبح وإذا أمسى وإذا نام وإذا خاف شيئا وأمثال ذلك من الأسباب ما فيه بلاغ فمن سلك مثل هذه السبيل فقد سلك سبيل أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومن دخل فى سبيل أهل الجبت والطاغوت الداخلة فى الشرك والسحر فقد خسر الدنيا والآخرة وبذلك ذم

(24/281)


الله من ذمه من مبدلة أهل الكتاب حيث قال ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على إلى قوله ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون والله سبحانه وتعالى أعلم
وقال أيضا رحمه الله فى موضع آخر
فصل
وأما كونه لم يتبين له كيفية الجن ومقالتهم بعدم علمه لم ينكر وجودهم إذ وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة فإن من الناس من رآهم وفيهم من رأى من رآهم وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين ومن الناس من كلمهم وكلموه ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم وهذا يكون لصالحين وغير صالحين
ولو ذكرت ما جرى لي ولأصحابى معهم لطال الخطاب وكذلك

(24/282)


ما جرى لغيرنا لكن الاعتماد فى الأجوبة العلمية على ما يشترك الناس فى علمه لا يكون لما يختص بعلمه المجيب إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به
وسئل
عمن يقول يا أزران يا كيان هل صح أن هذه أسماء وردت بها السنة لم يحرم قولها
فأجاب الحمد لله لم ينقل هذه عن الصحابة أحد لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف ولا سلف الأمة ولا أئمتها وهذه الألفاظ لا معنى لها فى كلام العرب فكل اسم مجهول ليس لأحد أن يرقى به فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناها وأنه صحيح لكره أن يدعو الله بغير الأسماء العربية
وسئل
عمن أصيب بمرض فإذا اشتد عليه الوجع استغاث بالله تعالى ويبكى فهل تكون استغاثته مما ينافى الصبر المأمور به أو هو

(24/283)


تضرع والتجاء
فأجاب دعاء الله واستغاثته به واشتكاؤه إليه لا ينافى الصبر المأمور به وإنما ينافيه فى ذلك الاشتكاء الى المخلوق ولقد قال يعقوب عليه السلام فصبر جميل وقال إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله
وقد روى عن طاووس أنه كره أنين المريض وقال إنه شكوى وقرى ذلك على أحمد بن حنبل فى مرض موته فما أن حتى مات ويروى عن السرى السقطى أنه جعل قول المريض آه من ذكر الله وهذا إذا كان بينه وبين الله وهذا كما يروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قرأ فى صلاة الفجر إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله ثم بكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف فالأنين والبكاء من خشية الله والتضرع والشكاية إلى الله عز و جل حسن وأما المكروه فيكره والله أعلم
وسئل
عن رجل مبتلى سكن فى دار بين قوم أصحاء فقال بعضهم لا يمكننا مجاورتك ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء فهل يجوز إخراجه

(24/284)


فأجاب نعم لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء فإن النبى قال لا يورد ممرض على مصح فنهى صاحب الإبل المراض أن يوردها على صاحب الإبل الصحاح مع قوله لا عدوى ولا طيرة وكذلك روى أنه لما قدم مجذوم ليبايعه أرسل إليه بالبيعة ولم يأذن له فى دخول المدينة
وسئل رحمه الله
عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلي هل لأحد فيها أجر أم لا وهل عليه إثم إذا تركها مع علمه أنه كان لا يصلي وكذلك الذى يشرب الخمر وما كان يصلي هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلي عليه أم لا
فأجاب أما من كان مظهرا للاسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة والموارثة وتغسيله والصلاة عليه ودفنه فى مقابر المسلمين ونحو ذلك لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه فقال ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله

(24/285)


وماتوا وهم فاسقون وقال سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم
وأما من كان مظهرا للفسق مع ما فيه من الايمان كأهل الكبائر فهؤلاء لابد أن يصلى عليهم بعض المسلمين ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل ما فعله كما امتنع النبى عن الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال وعلى المدين الذى لا وفاء له وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع كان عمله بهذه السنة حسنا وقد قال لجندب بن عبد الله البجلى ابنه إني لم أنم البارحة بشما فقال أما انك لو مت لم أصل عليك كانه يقول قتلت نفسك بكثرة الأكل وهذا من جنس هجر المظهرين للكبائر حتى يتوبوا فإذا كان فى ذلك مثل هذه المصلحة الراجحة كان ذلك حسنا ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله ولم يكن فى امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنا ولو امتنع فى الظاهر ودعا له فى الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت أحداهما
وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك ويؤمر به كما قال تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر

(24/286)


وغيره حتى ممن فى هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية فى ذلك بحسب الامكان والله أعلم
وسئل
عن رجل يصلي وقتا ويترك الصلاة كثيرا أو لا يصلي هل يصلي عليه
فأجاب مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلي المسلمون عليهم ويغسلون وتجرى عليهم أحكام الإسلام كما كان المنافقون على عهد رسول الله
وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلي عليه كما نهى النبى عن الصلاة على من علم نفاقه
وأما من شك فى حاله فتجوز الصلاة عليه إذا كان ظاهر الإلسلام كما صلى النبى على من لم ينه عنه وكان فيهم من لم يعلم نفاقه كما قال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ومثل هؤلاء لا يجوز النهي

(24/287)


عنه ولكن صلاة النبى صلى الله عليه و سلم والمؤمنين على المنافق لا تنفعه كما قال النبى صلى الله عليه و سلم لما ألبس بن أبى قميصه وما يغنى عنه قميصي من الله وقال تعالى سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم وتارك الصلاة أحيانا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق فأهل العلم والدين إذا كان فى هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين بحيث يكون ذلك باعثا لهم على المحافظة على الصلاة عليه هجروه ولم يصلوا عليه كما ترك النبى الصلاة على قاتل نفسه والغال والمدين الذى لا وفاء له وهذا شر منهم
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
قد ثبت عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه إمتنع عن الصلاة على من عليه دين حتى يخلف وفاء قبل أن يتمكن من وفاءالدين عنه فلما تمكن صار هو يوفيه من عنده فصار المدين يخلف وفاء

(24/288)


هذا مع قوله فيما رواه أبو موسى عنه إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه عبد بها بعد الكبائر التى نهى عنها أن يموت الرجل وعليه دين لا يدع قضاء رواه أحمد فثبت بهذا أن ترك الدين بعد الكبائر فإذا كان قد ترك الصلاة على المدين الذى لا قضاء له فعلى فاعل الكبائر أولى ويدخل فى ذلك قاتل نفسه والغال لما لم يصل عليهما ويستدل بذلك على أنه يجوز لذوى الفضل ترك الصلاة على ذوى الكبائر الظاهرة والدعاة إلى البدع وإن كانت الصلاة عليهم جائزة فى الجملة
فأما قوله الشهيد يغفر له كل شىء إلا الدين فأراد به أن صاحبه يوفاه
وسئل
عن رجل له مملوك هرب ثم رجع فلما رجع أخذ سكينته وقتل نفسه فهل يأثم سيده وهل تجوز عليه الصلاة
فأجاب الحمد لله لم يكن له أن يقتل نفسه وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى عليه بل كان عليه إذا لم يمكنه رفع الظلم عن نفسه

(24/289)


أن يصبر إلى أن يفرج الله
فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك مثل أن يقتر عليه فى النفقة أو يعتدى عليه فى الاستعمال أو يضربه بغير حق أو يريد به فاحشة ونحو ذلك فإن على سيده من الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية
ولم يصل النبى على من قتل نفسه فقال لأصحابه صلوا عليه فيجوز لعموم الناس أن يصلوا عليه وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم فإذا تركوا الصلاة عليه زجرا لغيره اقتداء بالنبى فهذا حق والله أعلم
وسئل رحمه الله
عن رجل يدعى المشيخة فرأى ثعبانا فقام بعض من حضر ليقتله فمنعه عنه وأمسكه بيده على معنى الكرامة له فلدغه الثعبان فمات فهل تجوز الصلاة عليه أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين ينبغى لأهل العلم والدين أن يتركوا الصلاة على هذا ونحوه وإن كان يصلي عليه عموم الناس كما امتنع النبى من الصلاة على قاتل نفسه وعلى

(24/290)


الغال من الغنيمة وقال صلوا على صاحبكم وقالوا لسمرة بن جندب إن إبنك البارحة لم يبت فقال بشما قالوا نعم قال أما إنه لو مات لم أصل عليه فبين سمرة أنه لو مات بشما لم يصل عليه لأنه يكون قاتلا لنفسه بكثرة الأكل
فهذا الذى منع من قتل الحية وأمسكها بيده حتى قتلته أولى أن يترك أهل العلم والدين الصلاة عليه لأنه قاتل نفسه بل لو فعل هذا غيره به لوجب القود عليه
وإن قيل إنه ظن أنها لا تقتل فهذا شبيه عمله بمنزلة الذى أكل حتى بشم فإنه لم يقصد قتل نفسه فمن جنى جناية لا تقتل غالبا كان شبه عمد وإمساك الحيات من نوع الجنايات فإنه فعل غير مباح وهذا لم يقصد بهذا الفعل إلا إظهار خارق العادة ولم يكن معه ما يمنع انخراق العادة
كيف وغالب هؤلاء كذابون ملبسون خارجون عن أمر الله تعالى ونهيه يخرجون الناس عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان ويفسدون عقل الناس ودينهم ودنياهم فيجعلون العاقل مولها كالمجنون أو متولها بمنزلة الشيطان المفتون ويخرجون الإنسان عن الشريعة التى بعث الله بها رسوله صلى الله عليه و سلم إلى بدع مضادة لها فيقتلون الشعور

(24/291)


ويكشفون الرؤوس بدلا عن سنة رسول الله من ترجيل الشعر وتغطية الرأس ويجتمعون على المكاء والتصدية بدلا عن سنة الله ورسوله من الإجتماع على الصلوات الخمس وغيرها من العبادات ويصلون صلاة ناقصة الأركان والواجبات ويجتمعون على بدعهم المنكرة على أتم الحالات ويصنعون اللاذن وماء الورد والزعفران لإمساك الحيات ودخول النار بأنواع من الحيل الطبيعية والأحوال الشيطانية بدلا عما جعله الله لأوليائه المتقين من الطرق الشرعية والأحوال الرحمانية ويفسدون من يفسدونه من النساء والصبيان بدلا عما أمر الله به من العفة وغض البصر وحفظ الفرج وكف اللسان
ومن كان مبتدعا ظاهر البدعة وجب الإنكار عليه ومن الانكار المشروع أن يهجر حتى يتوب ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليه وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة والله أعلم

(24/292)


وسئل
عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدا
فأجاب نعم مات شهيدا إذا لم يكن عاصيا بركوبه فإنه قد صح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال الغريق شهيد والمبطون شهيد والحريق شهيد والميت بالطاعون شهيد والمرأة تموت فى نفاسها شهيدة وصاحب الهدم شهيد وجاء ذكر غير هؤلاء
وركوب البحر للتجارة جائز إذا غلب على الظن السلامة وأما بدون ذلك فليس له أن يركبه للتجارة فإن فعل فقد أعان على قتل نفسه ومثل هذا لا يقال إنه شهيد والله أعلم
وسئل عن رفع الصوت فى الجنازة
فأجاب الحمد لله لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة

(24/293)


ولا ذكر ولا غير ذلك هذا مذهب الأئمة الأربعة وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين ولا أعلم فيه مخالفا بل قد روى عن النبى أنه نهى أن يتبع بصوت أو نار رواه أبو داود وسمع عبد الله بن عمر رضى الله عنهما رجلا يقول فى جنازة استغفروا لأخيكم فقال إبن عمر لاغفر الله بعد وقال قيس بن عباد وهو من أكابر التابعين من أصحاب على بن أبي طالب رضى الله عنه كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند الذكر وعند القتال
وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون الثلاثة المفضلة
وأما قول السائل ان هذا قد صار إجماعا من الناس فليس كذلك بل ما زال فى المسلمين من يكره ذلك وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير هذا فى عدة أمصار من أمصار المسلمين
وأما كون أهل بلد أو بلدين أو عشر تعودوا ذلك فليس هذا بإجماع بل أهل مدينة النبى التى نزل فيها القرآن والسنة وهي دار الهجرة والنصرة والإيمان والعلم لم يكونوا يفعلون ذلك بل لو اتفقوا فى مثل زمن مالك وشيوخه على شىء ولم ينقلوه عن

(24/294)


النبى صلى الله عليه و سلم أو خلفائه لم يكن إجماعهم حجة عند جمهور المسلمين وبعد زمن مالك وأصحابه ليس اجماعهم حجة باتفاق المسلمين فكيف بغيرهم من أهل الأمصار
وأما قول القائل ان هذا يشبه بجنائز اليهود والنصارى فليس كذلك بل أهل الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز وقد شرط عليهم فى شروط أهل الذمة أن لا يفعلوا ذلك ثم إنما نهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول وأما إذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا مصيبين وان شاركنا فى بعض ذلك من شاركنا كما أنهم يشاركوننا فى الدفن فى الأرض وفى غير ذلك
وسئل رحمه الله
عن امرأة نصرانية بعلها مسلم توفيت وفى بطنها جنين له سبعة أشهر فهل تدفن مع المسلمين أو مع النصارى
فأجاب لا تدفن فى مقابرالمسلمين ولا مقابر النصارى لأنه اجتمع مسلم وكافر فلا يدفن الكافر مع المسلمين ولا المسلم مع الكافرين بل تدفن منفردة ويجعل ظهرها إلى القبلة لأن

(24/295)


وجه الطفل إلى ظهرها فإذا دفنت كذلك كان وجه الصبى المسلم مستقبل القبلة والطفل يكون مسلما بإسلام أبيه وان كانت أمه كافرة باتفاق العلماء
وسئل رحمه الله
مفتى الأنام بقية السلف الكرام تقى الدين بقية المجتهدين أثابه الله وأحسن إليه
عن تلقين الميت فى قبره بعد الفراغ من دفنه هل صح فيه حديث عن النبى صلى الله عليه و سلم أو عن صحابته وهل إذا لم يكن فيه شىء يجوز فعله أم لا
فأجاب هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة أنهم أمروا به كأبى أمامة الباهلى وغيره وروى فيه حديث عن النبى صلى الله عليه و سلم لكنه مما لا يحكم بصحته ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك فلهذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء أن هذا التلقين لا بأس به فرخصوا فيه ولم يأمروا به واستحبه طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك وغيرهم

(24/296)


والذى فى السنن عن النبى أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن ويقول سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وقد ثبت فى الصحيحين ان النبى قال لقنوا أمواتكم لا إله إلا الله فتلقين المحتضر سنة مأمور بها
وقد ثبت ان المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له فلهذا قيل ان التلقين ينفعه فان الميت يسمع النداء كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال انه ليسمع قرع نعالهم وأنه قال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم وأنه أمرنا بالسلام على الموتى فقال ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام والله أعلم
وسئل رحمه الله
هل يجب تلقين الميت بعد دفنه أم لا وهل القراءة تصل إلى الميت
فأجاب تلقينه بعد موته ليس واجبا بالإجماع ولا كان من

(24/297)


عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبى وخلفائه بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة كأبى أمامة وواثلة بن الأسقع
فمن الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعى ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة فالأقوال فيه ثلاثة الاستحباب والكراهة والإباحة وهذا أعدل الأقوال
فامأ المستحب الذى أمر به وحض عليه النبى فهو الدعاء للميت
وأما القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين ولم يكن يكرهها فى الأخرى وإنما رخص فيها لأنه بلغه أن ابن عمر أوصى أن يقرأ عند قبره بفواتح البقرة وخواتيمها وروى عن بعض الصحابة قراءة سورة البقرة فالقراءة عند الدفن مأثورة فى الجملة وأما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر والله أعلم

(24/298)


وسئل
هل يشرع تلقين الميت الكبير والصغير أو لا
فأجاب وأما تلقين الميت فقد ذكره طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعى واستحسنوه أيضا ذكره المتولى والرافعى وغيرهما وأما الشافعى نفسه فلم ينقل عنه فيه شيء
ومن الصحابة من كان يفعله كأبى أمامة الباهلى وواثلة بن الإسقع وغيرهما من الصحابة
ومن أصحاب أحمد من استحبه والتحقيق أنه جائز وليس بسنة راتبة والله أعلم
وسئل
عن الختمة التى تعمل على الميت والمقرئين بالأجرة هل قراءتهم تصل إلى الميت وطعام الختمة يصل إلى الميت أم لا وإن كان

(24/299)


ولد الميت يداين لأجل الصدقة إلى الميسور تصل إلى الميت
فأجاب استئجار الناس ليقرأوا ويهدوه إلى الميت ليس بمشروع ولا استحبه أحد من العلماء فإن القرآن الذى يصل ما قرىء لله فإذا كان قد استؤجر للقراءة لله والمستأجر لم يتصدق عن الميت بل استأجر من يقرأ عبادة لله عز و جل لم يصل إليه
لكن إذا تصدق عن الميت على من يقرأ القرآن أو غيرهم ينفعه ذلك باتفاق المسلمين وكذلك من قرأ القرآن محتسبا وأهداه إلى الميت نفعه ذلك والله أعلم
وسئل
عن جعل المصحف عند القبر ووقيد قنديل فى موضع يكون من غير أن يقرأ فيه مكروه أم لا
فأجاب وأما جعل المصحف عند القبور وايقاد القناديل هناك فهذا مكروه منهى عنه ولو كان قد جعل للقراءة فيه هنالك فكيف إذا لم يقرأ فيه فإن النبى قال لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فإيقاد السرج من قنديل

(24/300)


وغيره على القبور منهى عنه مطلقا لأنه أحد الفعلين اللذين لعن رسول الله من يفعلهما
كما قال لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه أبو داود وغيره ومعلوم انه ينهى عن كشف العورة وحده وعن التحدث وحده وكذلك قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا فتوعد على مجموع أفعال وكل فعل منها محرم وذلك لأن ترتيب الذم على المجموع يقتضى أن كل واحد له تأثير فى الذم ولو كان بعضها مباحا لم يكن له تأثير فى الذم والحرام لا يتوكد بانضمام المباح المخصص إليه
والأئمة قد تنازعوا فى القراءة عند القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد فى أكثر الروايات ورخص فيها فى الرواية الأخرى عنه هو وطائفة من أصحاب أبى حنيفة وغيرهم
وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك

(24/301)


وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف بل هي تدخل فى معنى اتخاذ المساجد على القبور وقد استفاضت السنن عن النبى فى النهى عن ذلك حتى قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك ولا نزاع بين السلف والأئمة فى النهي عن اتخاذ القبور مساجد
ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلا فى النهى فاذا كان هذا مع كونهم يقرأون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت فان هذا لا نزاع فى النهى عنه
ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه واسرع إلى فعل ذلك وتحريه

(24/302)


وسئل
عن الميت هل يجوز نقله أم لا وأرواح الموتى هل تجتمع بعضها ببعض أم لا وروح الميت هل تنزل فى القبر أم لا ويعرف الميت من يزوره أم لا
فأجاب الحمد لله لا ينبش الميت من قبره الا لحاجة مثل ان يكون المدفن الأول فيه ما يؤذى الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة فى مثل ذلك
وأرواح الأحياء إذا قبضت تجتمع بأرواح الموتى ويسأل الموتى القادم عليهم عن حال الإحياء فيقولون ما فعل فلان فيقولون فلان تزوج فلان على حال حسنة ويقولون ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم فيقولون لا ذهب به إلى أمه الهاوية
وأما أرواح الموتى فتجتمع الأعلى ينزل إلى الأدنى والأدنى لا يصعد إلى الأعلى والروح تشرف على القبر وتعاد إلى اللحد أحيانا كما قال النبى صلى الله عليه و سلم ما من رجل يمر بقبر الرجل

(24/303)


كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام
والميت قد يعرف من يزوره ولهذا كانت السنة أن يقال السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا ان شاء الله بكم لا حقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين والله أعلم
وسئل رحمه الله
عن قوم لهم تربة وهى فى مكان منقطع وقتل فيها قتيل وقد بنوا لهم تربة أخرى هل يجوز نقل موتاهم إلى التربة المستجدة أم لا
فأجاب لا ينبش الميت لأجل ما ذكر والله أعلم
وسئل
عما يقوله بعض الناس ان لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر اليهود والنصارى وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين ومقصودهم أن من ختم له بشر فى علم الله وقد مات فى الظاهر مسلما أو كان

(24/304)


كتابيا وختم له بخير فمات مسلما فى علم الله وفى الظاهر مات كافرا فهؤلاء ينقلون فهل ورد فى ذلك خبر أم لا وهل لذلك حجة أم لا
فأجاب الحمد لله أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور لكن نعلم أن بعض من يكون ظاهره الإسلام ويكون منافقا إما يهوديا أو نصرانيا أو مرتدا معطلا فمن كان كذلك فإنه يكون يوم القيامة مع نظرائه كما قال تعالى احشروا الذين ظلموا وأزواجهم أي أشباههم ونظراءهم
وقد يكون فى بعض من مات وظاهره كافرا أن يكون آمن بالله قبل أن يغرغر ولم يكن عنده مؤمن وكتم أهله ذلك إما لأجل ميراث أو لغير ذلك فيكون مع المؤمنين وان كان مقبورا مع الكفار
وأما الأثر فى نقل الملائكة فما سمعت فى ذلك أثرا

(24/305)


وسئل رحمه الله تعالى
عن قوله تعالى وأن ليس للانسان إلا ما سعى وقوله صلى الله عليه و سلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فهل يقتضى ذلك إذا مات لا يصل إليه شىء من أفعال البر
فأجاب الحمد لله رب العالمين ليس فى الآية ولا فى الحديث أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له وبما يعمل عنه من البر بل أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بذلك وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فمن خالف ذلك كان من أهل البدع
قال الله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم

(24/306)


السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة ووقاية العذاب ودخول الجنة ودعاء الملائكة ليس عملا للعبد
وقال تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وقال الخليل عليه السلام رب اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب وقال نوح عليه السلام رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات فقد ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمرا بذلك وإخبارا عنهم بذلك
ومن السنن المتواترة التى من جحدها كفر صلاة المسلمين على الميت ودعاؤهم له فى الصلاة وكذلك شفاعة النبى يوم القيامة فإن السنن فيها متواترة بل لم ينكر شفاعته لأهل الكبائر إلا أهل البدع بل قد ثبت أنه يشفع لأهل الكبائر وشفاعته دعاؤه وسؤاله الله تبارك وتعالى فهذا وأمثاله من القرآن والسنن المتواترة وجاهد مثل ذلك كافر بعد قيام الحجة عليه
والأحاديث الصحيحة فى هذا الباب كثيرة مثل ما فى الصحاح عن إبن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال للنبى إن أمي توفيت أفينفعها أن أتصدق عنها قال نعم

(24/307)


قال ان لي مخرفا أى بستانا أشهدكم أنى تصدقت به عنها وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبى أن أمى افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلا قال للنبى إن أبى مات ولم يوص أينفعه إن تصدقت عنه قال نعم
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن العاص بن وائل نذر فى الجاهلية أن يذبح مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين وان عمرا سأل النبى عن ذلك فقال أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه نفعه ذلك
وفى سنن الدارقطنى أن رجلا سأل النبى فقال يا رسول الله إن لي أبوان وكنت أبرهما حال حياتهما فكيف بالبر بعد موتهما فقال النبى ان من بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك
وقد ذكر مسلم فى أول كتابه عن أبى إسحق الطالقانى قال

(24/308)


قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذى جاء إن البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك قال عبد الله يا أبا إسحاق عمن هذا قلت له هذا من حديث شهاب بن حراس قال ثقة قلت عمن قال عن الحجاج بن دينار فقال ثقة عمن قلت عن رسول الله قال يا أبا إسحق إن بين الحجاج وبين رسول الله مفاوز تقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس فى الصدقة اختلاف والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك فإن هذا الحديث مرسل
والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تصل إلى الميت وكذلك العبادات المالية كالعتق
وإنما تنازعوا فى العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة ومع هذا ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبى قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وفى الصحيحين عن إبن عباس رضى الله عنه أن امرأة قالت يا رسول الله إن أمى ماتت وعليها صيام نذر قال أرأيت إن كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك

(24/309)


وفى الصحيح عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله فقالت إن أختى ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه قالت نعم قال فحق الله أحق وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن بريدة بن حصيب عن أبيه أن امرأة أتت رسول الله فقالت إن أمى ماتت وعليها صوم شهر أفيجزى عنها أن أصوم عنها قال نعم
فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة فى أنه يصام عن الميت ما نذر وأنه شبه ذلك بقضاء الدين
والأئمة تنازعوا فى ذلك ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته وإنما خالفها من لم تبلغه وقد تقدم حديث عمرو بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه وأما الحج فيجزى عند عامتهم ليس فيه إلا اختلاف شاذ
وفى الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما إن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى صلى الله عليه و سلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها فقال حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها اقضو الله فالله أحق

(24/310)


بالوفاء وفى رواية البخارى إن أختى نذرت أن تحج وفى صحيح مسلم عن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج افيجزى أو يقضى أن أحج عنها قال نعم
ففى هذه الأحاديث الصحيحة أنه أمر بحج الفرض عن الميت وبحج النذر كما أمر بالصيام وان المأمور تارة يكون ولدا وتارة يكون أخا وشبه النبى ذلك بالدين يكون على الميت والدين يصح قضاؤه من كل أحد فدل على أنه يجوز أن يفعل ذلك من كل أحد لا يختص ذلك بالولد كما جاء مصرحا به فى الأخ
فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم مفصل مبين فعلم أن ذلك لا ينافى قوله وأن ليس للانسان إلا ما سعى إذا مات إبن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث بل هذا حق وهذا حق
أما الحديث فإنه قال انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فذكر الولد ودعاؤه له خاصين لأن الولد من كسبه كما قال ما أغنى عنه ماله وما كسب قالوا إنه ولده وكما قال النبى ان

(24/311)


أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فلما كان هو الساعي فى وجود الولد كان عمله من كسبه بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم فإنه ينتفع أيضا بدعائهم بل بدعاء الأجانب لكن ليس ذلك من عمله والنبى قال انقطع عمله إلا من ثلاث لم يقل إنه لم ينتفع بعمل غيره فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذى لم ينقطع وإذا دعا له غيره لم يكن من عمله لكنه ينتفع به
وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددة كما قيل إنها تختص بشرع من قبلنا وقيل إنها مخصوصة وقيل إنها منسوخة وقيل إنها تنال السعى مباشرة وسببا ولإيمان من سعيه الذى تسبب فيه ولا يحتاج إلى شىء من ذلك بل ظاهر الآية حق لا يخالف بقية النصوص فإنه قال ليس للانسان إلا ما سعى وهذا حق فإنه إنما يستحق سعيه فهو الذى يملكه ويستحقه كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو وأما سعى غيره فهو حق وملك لذلك الغير لاله لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعى غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره
فمن صلى على جنازة فله قيراط فيثاب المصلى على سعيه الذى هو صلاته والميت أيضا يرحم بصلاة الحى عليه كما قال ما من

(24/312)


مسلم يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة ويروى أربعين ويروى ثلاثة صفوف ويشفعون فيه إلا شفعوا فيه أو قال الا غفر له فالله تعالى يثيب هذا الساعى على سعيه الذى هو له ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحى لدعائه له وصدقته عنه وصيامه عنه وحجه عنه
وقد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال ما من رجل يدعو لأخيه دعوة إلا وكل الله به ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله فهذا من السعى الذى ينفع به المؤمن أخاه يثيب الله هذا ويرحم هذا وان ليس للانسان إلا ما سعى وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحى أو يرحم به يكون من سعيه بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي فالذى لم يجز الا به أخص من كل انتفاع لئلا يطلب الانسان الثواب على غير عمله وهو كالدين يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن ليس له ما وفى به الدين وينبغى له أن يكون هو الموفي له والله أعلم

(24/313)


وسئل رحمه الله
ما تقول السادة الفقهاء وأئمة الدين وفقهم الله تعالى لمرضاته فى القراءة للميت هل تصل إليه أم لا والأجرة على ذلك وطعام أهل الميت لمن هو مستحق وغير ذلك والقراءة على القبر والصدقة عن الميت أيهما المشروع الذى أمرنا به والمسجد الذى فى وسط القبور والصلاة فيه وما يعلم هل بنى قبل القبور أو القبور قبله وله ثلاث رزق وأربعمائة اصددمون قديمة من زمان الروم ما هو له بل للمسجد وفيه الخطبة كل جمعة والصلاة أيضا فى بعض الأوقات وله كل سنة موسم يأتى إليه رجال كثير ونساء ويأتون بالنذور معهم فهل يجوز لإمام أن يتناول من ذلك شيئا لمصالح المسجد الذى فى البلد أفتونا يرحمكم الله مأجورين
فأجاب الحمد لله رب العالمين أما الصدقة عن الميت فإنه ينتفع بها باتفاق المسلمين وقد وردت بذلك عن النبى صلى الله عليه و سلم أحاديث صحيحة مثل قول سعد يا رسول الله إن أمى افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت فهل ينفعها أن أتصدق عنها

(24/314)


فقال نعم وكذلك ينفعه الحج عنه والأضحية عنه والعتق عنه والدعاء والاستغفار له بلا نزاع بين الأئمة
وأما الصيام عنه وصلاة التطوع عنه وقراءة القرآن عنه فهذا فيه قولان للعلماء
أحدهما ينتفع به وهو مذهب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما وبعض أصحاب الشافعى وغيرهم
والثانى لا تصل إليه وهو المشهور فى مذهب مالك والشافعى
وأما الاستئجار لنفس القراءة ولإهداء فلا يصح ذلك فإن العلماء إنما تنازعوا فى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والأذان والإمامة والحج عن الغير لأن المستأجر يستوفى المنفعة فقيل يصح لذلك كما هو المشهور من مذهب مالك والشافعى وقيل لا يجوز لأن هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة فإنها إنما تصح من المسلم دون الكافر فلا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق لأن الله إنما يقبل من العمل ما أريد به وجه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا

(24/315)


وقيل يجوز أخذ الأجرة عليها للفقير دون الغنى وهو القول الثالث فى مذهب أحمد كما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغنى مع الغنى وهذا القول أقوى من غيره على هذا فإذا فعلها الفقير لله وإنما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك وليستعين بذلك على طاعة الله فالله يأجره على نيته فيكون قد أكل طيبا وعمل صالحا
وأما إذا كان لا يقرأ القرآن الا لأجل العروض فلا ثواب لهم على ذلك وإذا لم يكن فى ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت شىء لأنه إنما يصل إلى الميت ثواب العمل لا نفس العمل فإذا تصدق بهذا المال على من يستحقه وصل ذلك إلى الميت وان قصد بذلك من يستعين على قراءة القرآن وتعليمه كان أفضل وأحسن فإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القرآن وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال
وأما صنعة أهل الميت طعاما يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة بل قد قال جرير بن عبد الله كنا نعد الإجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة
وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام كما قال

(24/316)


النبى لما جاء نعى جعفر بن أبى طالب اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم
وأما القراءة الدائمة على القبور فلم تكن معروفة عند السلف وقد تنازع الناس فى القراءة على القبر فكرهها أبو حنيفة ومالك وأحمد فى أكثر الروايات عنه ورخص فيها فى الرواية المتأخرة لما بلغه أن عبد الله بن عمر أوصى أن يقرأ عند دفنه بفواتح البقرة وخواتمها
وقد نقل عن بعض الأنصار أنه أوصى عند قبره بالبقرة وهذا إنما كان عند الدفن فأما بعد ذلك فلم ينقل عنهم شىء من ذلك ولهذا فرق فى القول الثالث بين القراءة حين الدفن والقراءة الراتبة بعد الدفن فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل
ومن قال ان الميت ينتفع بسماع القرآن ويؤجر على ذلك فقد غلط لأن النبى قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا غيره وإن كان الميت يسمع قرع نعالهم ويسمع سلام الذى يسلم عليه ويسمع غير ذلك لكن لم يبق

(24/317)


وأما بناء المساجد على القبور وتسمى مشاهد فهذا غير سائغ بل جميع الأمة ينهون عن ذلك لما ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفى الصحيح أيضا عنه أنه قال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك وفى السنن عنه قال لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج
وقد اتفق أئمة المسلمين على أن الصلاة فى المشاهد ليس مأمورا بها لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب ولا فى الصلاة فى المشاهد التى على القبور ونحوها فضيلة على سائر البقاع فضلا عن المساجد باتفاق أئمة المسلمين فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضل على الصلاة على غيرها أو أنها أفضل من الصلاة فى بعض المساجد فقد فارق جماعة المسلمين ومرق من الدين بل الذى عليه الأمة أن الصلاة فيها منهى عنه نهى تحريم وإن كانوا متنازعين فى الصلاة فى المقبرة هل هي محرمة أو مكروهة أو مباحة أو يفرق بين المنبوشة والقديمة فذلك لأجل تعليل النهى بالنجاسة لاختلاط التراب بصديد الموتى

(24/318)


وأما هذا فإنه نهى عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين وأن ذلك أصل عبادة الأصنام قال تعالى وقالوا لا نذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال غير واحد من الصحابة والتابعين هذه أسماء قوم كانوا قوما صالحين فى قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ولهذا قال النبى ما ذكره مالك فى الموطأ اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولهذا لا يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر للمشاهد التى على القبور لا زيت ولا شمع ولا دراهم ولا غير ذلك وللمجاورين عندها وخدام القبور فإن النبى صلى الله عليه و سلم قد لعن من يتخذ عليها المساجد والسرج ومن نذر ذلك فقد نذر معصية وفى الصحيح عن النبى أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه
وأما الكفارة فهى على قولين فمذهب أحمد وغيره عليه كفارة يمين لقول النبى صلى الله عليه و سلم كفارة النذر كفارة اليمين رواه مسلم وفى السنن عنه أنه قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ومذهب مالك والشافعى وغيرهما لا شىء عليه لكن إن تصدق بالنذر

(24/319)


فى المشاهد على من يستحق ذلك من فقراء المسلمين الذين يستعينون بذلك على طاعة الله ورسوله فقد أحسن فى ذلك وأجره على الله
ولا يجوز لأحد باتفاق المسلمين أن ينقل صلاة المسلمين وخطبهم من مسجد يجتمعون فيه إلى مشهد من مشاهد القبور ونحوها بل ذلك من أعظم الضلالات والمنكرات حيث تركوا ما أمر الله به ورسوله وفعلوا ما نهى الله عنه ورسوله وتركوا السنة وفعلوا البدعة تركوا طاعة الله ورسوله وارتكبوا معصية الله ورسوله بل يجب إعادة الجمعة والجماعة إلى المسجد الذى هو بيت من بيوت الله أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقد قال تعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين
وأما القبور التى فى المشاهد وغيرها فالسنة لمن زارها أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز كما كان النبى يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين

(24/320)


نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم
وأما التمسح بالقبر أو الصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء فى غيره أو النذر له ونحو ذلك فليس هذا من دين المسلمين بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التى هى من شعب الشرك والله أعلم وأحكم
وسئل
عمن يقرأ القرآن العظيم أو شيئا منه هل الأفضل أن يهدى ثوابه لوالديه ولموتى المسلمين أو يجعل ثوابه لنفسه خاصة
فأجاب أفضل العبادات ما وافق هدى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهدي الصحابة كما صح عن النبى أنه كان يقول فى خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها كل بدعة ضلالة وقال خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم
وقال ابن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد

(24/321)


مات فإن الحى لا تومن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد
فإذا عرف هذا الأصل فالأمر الذى كان معروفا بين المسلمين فى القرون المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها من الصلاة والصيام والقراءة والذكر وغير ذلك وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم فى صلاتهم على الجنازة وعند زيارة القبور وغير ذلك
وروي عن طائفة من السلف عند كل ختمة دعوة مجابة فإذا دعا الرجل عقيب الختم لنفسه ولوالديه ولمشائخه وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات كان هذا من الجنس المشروع وكذلك دعاؤه لهم فى قيام الليل وغير ذلك من مواطن الإجابة
وقد صح عن النبى أنه أمر بالصدقة على الميت وأمر أن يصام عنه الصوم فالصدقة عن الموتى من الأعمال الصالحة وكذلك ما جاءت به السنة فى الصوم عنهم وبهذا وغيره احتج من قال من العلماء إنه يجوز إهداء ثواب العبادات المالية والبدنية إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعى
فإذا اهدى لميت ثواب صيام أو صلاة أو قراءة جاز ذلك

(24/322)


وأكثر أصحاب مالك والشافعى يقولون إنما يشرع ذلك فى العبادات المالية ومع هذا فلم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا وصاموا وحجوا أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما تقدم فلا ينبغى للناس أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل والله أعلم
وسئل
عمن هلل سبعين ألف مرة وأهداه للميت يكون براءة للميت من النار حديث صحيح أم لا وإذا هلل الإنسان وأهداه إلى الميت يصل إليه ثوابه أم لا
فأجاب إذا هلل الإنسان هكذا سبعون ألفا أو أقل أو أكثر وأهديت إليه نفعه الله بذلك وليس هذا حديثا صحيحا ولا ضعيفا والله أعلم

(24/323)


وسئل
عن قراءة أهل الميت تصل إليه والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إذا أهداه إلى الميت يصل إليه ثوابها أم لا
فأجاب يصل إلى الميت قراءة أهله وتسبيحهم وتكبيرهم وسائر ذكرهم لله تعالى إذا أهدوه إلى الميت وصل إليه والله أعلم
وسئل
هل القراءة تصل إلى الميت من الولد أولا على مذهب الشافعى
فأجاب أما وصول ثواب العبادات البدنية كالقراءة والصلاة والصوم فمذهب أحمد وأبى حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعى إلى أنها تصل وذهب أكثر أصحاب مالك والشافعى إلى أنها لا تصل والله أعلم

(24/324)


وسئل رحمه الله
عمن ترك والديه كفارا ولم يعلم هل أسلموا هل يجوز أن يدعو لهم فأجاب الحمد لله من كان من أمة أصلها كفار لم يجز أن يستغفر لأبويه إلا أن يكونا قد أسلما كما قال تعالى ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم

(24/325)


باب زيارة القبور
سئل رحمه الله
عن المشروع فى زيارة القبور فأجاب أما زيارة القبور فهى على وجهين شرعية وبدعية
فالشرعية مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميت كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته كما كان النبى يزور أهل البقيع ويزور شهداء أحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبورأن يقولوا السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم
وهكذا كل ما فيه دعاء للمؤمنين من الأنبياء وغيرهم كالصلاة على النبى والسلام كما فى الصحيح عنه أنه قال

(24/326)


إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لى الوسيلة حلت له شفاعتى يوم القيامة وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحى حتى أرد عليه السلام
وأما الزيارة البدعية وهى زيارة أهل الشرك من جنس زيارة النصارى الذين يقصدون دعاء الميت والإستعانة به وطلب الحوائج عنده فيصلون عند قبره ويدعون به فهذا ونحوه لم يفعله أحد من الصحابة ولا أمر به رسول الله ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها بل قد سد النبى باب الشرك فى الصحيح أنه قال فى مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضى الله عنها ولولا ذلك لا برز قبره لكن كره أن يتخذ مسجدا وقال قبل أن يموت بخمس أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنى أنهاكم عن ذلك
فالزيارة الأولى من جنس عبادة الله والإحسان إلى خلق الله

(24/327)


وذلك من جنس الزكاة التى أمر الله بها
والثانى من جنس الإشراك بالله والظلم فى حق الله وحق عباده وفى الصحيح عن النبى أنه لما أنزل الله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب النبى وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال النبى صلى الله عليه و سلم إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم
وقال اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد وقد قال الله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال طائفة من السلف هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم فكان هذا أول عبادة الأوثان وهذا من جنس دين النصارى ولم يكن الصحابة رضى الله عنهم والتابعون يقصدون الدعاء عند قبر النبى ولا غيره بل كره الأئمة وقوف الإنسان عند قبر النبى للدعاء وقالوا هذه بدعة لم يفعلها الصحابة والتابعون بل كانوا يسلمون عليه وعلى صاحبيه ثم يذهبون

(24/328)


وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف وقد نص عليه مالك وغيره من الأئمة ونص أبو يوسف وغيره من العلماء على أنه ليس لأحد أن يسأل الله بمخلوق لا النبى ولا الملائكة ولا غيرهم
وقد أصاب المسلمين جدب وشدة وكانوا يدعون الله ويستسقون ويدعون على الأعداء ويستنصرون ويتوسلون بدعاء الصالحين كما قال النبى صلى الله عليه و سلم وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ولم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبى صلى الله عليه و سلم ولا صالح ولا الصلاة عنده ولا طلب الحوائج منه ولا الأقسام على الله به مثل أن يقول القائل أسألك بحق فلان وفلان بل كل هذا من البدع المحدثة وقد قال النبى خير القرون القرن الذى بعثت فيهم ثم الذين يلونهم وقد اتفق المسلمون على أن أصحاب رسول الله خير طباق الأمة

(24/329)


وسئل الشيخ عن الزيارة
فأجاب أما الاختلاف إلى القبر بعد الدفن فليس بمستحب وإنما المستحب عند الدفن أن يقام على قبره ويدعى له بالتثبيت كما روى أبو داود فى سننه عن النبى أنه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ويقول سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وهذا من معنى قوله ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فإنه لما نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم كان دليل الخطاب ان المؤمن يصلي عليه قبل الدفن ويقام على قبره بعد الدفن
فزيارة الميت المشروعة بالدعاء والاستغفار هي من هذا القيام المشروع

(24/330)


وسئل
عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره
فأجاب الحمد لله نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات كما روى إبن المبارك عن أبى أيوب الأنصارى قال إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير فى الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض أنظروا أخاكم يستريح فإنه كان فى كرب شديد قال فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت الحديث
وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث إبن عباس قال قال رسول الله ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام قال إبن المبارك ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه و سلم وصححه عبد الحق صاحب الأحكام

(24/331)


وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد ورزقه وما جاء فى الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهب طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم والصحيح الذى عليه الأئمة وجماهير أهل السنة ان الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصا بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة
كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وان كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الاملإق

(24/332)


وسئل شيخ الاسلام
ومفتى الأنام العالم العامل الزاهد الورع ناصر السنة وقامع البدعة تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى رحمه الله تعالى عن الحديث المروى عن النبى وهوقوله صلى الله عليه و سلم لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج هل هو منسوخ بقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة أم لا وهل صح الحديث الأول أم لا وهل يحرم على النساء زيارة القبور أم يكره أم يستحب
وإذا قيل بالكراهة هل تكون كراهة تحريم أم تنزيه وهل صح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال من زار قبرى وجبت له شفاعتى أم لا وهل صح فى فضل زيارة قبر النبى شىء من الاحايث أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين أما زيارة القبور فقد ثبت فى الصحيح عن النبى أنه كان قد نهى عنها نهيا عاما ثم أذن

(24/333)


فى ذلك فقال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة وقال استأذنت ربى فى أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنت فى أن أستغفر لها فلم يأذن لى فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وهنا مسألتان
إحداهما متفق عليها والأخرى متنازع فيها
فأما الآولى فأن الزيارة تنقسم إلى قسمين زيارة شرعية وزيارة بدعية
فالزيارة الشرعية السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته كما ثبت فى الصحيح أن النبى كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا ان شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأجرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم وهذا الدعاء يروى بعضه فى بعض الأحاديث وهو مروى بعدة ألفاظ كما رويت ألفاظ التشهد وغيره وهذه الزيارة هى التى كان النبى يفعلها إذا خرج لزيارة قبور أهل البقيع
وأما الزيارة البدعية فمن جنس زيارة اليهود والنصارى وأهل

(24/334)


البدع الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد وقد استفاض عن النبى فى الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله عنها ولو ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وثبت فى الصحيح عنه أنه قال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك
فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو الدعاء عنده أو به أو طلب الحوائج منه أو من الله تعالى عند قبره أو الإستغاثة به أو الاقسام على الله تعالى به ونحو ذلك هو من البدع التى لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا سن ذلك رسول الله ولا أحد من خلفائه الراشدين بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار
والحديث الذى يرويه بعض الناس إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي هو من المكذوبات التى لم يروها أحد من علماء المسلمين ولا هو فى شىء من كتب الحديث بمنزلة ما يروونه من قوله لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به فان هذا أيضا من المكذوبات

(24/335)


وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يقسم على الله بمخلوق لا نبى ولا غيره فمن ذلك ما ذكره أبو الحسين القدورى فى كتاب شرح الكرخى عن بشر بن الوليد قال سمعت أبا يوسف قال قال أبو حنيفة لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك وبحق خلقك وهو قول أبى يوسف وقال أبو يوسف بمعاقد العز من عرشه هو الله تعالى فلا أكره هذا وأكره بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام
قال القدورى شارح الكتاب المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لاحق للمخلوق على الخالق فلا يجوز يعنى وفاقا
قلت وأما الاستشفاع إلى الله تعالى به وهو طلب الشفاعة منه والتوسل إلى الله بدعائه وشفاعته وبالإيمان به وبمحبته وطاعته والتوجه إلى الله تعالى بذلك فهذا مشروع باتفاق المسلمين كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة
وقد ثبت فى صحيح البخارى عن أبى حميد الساعدى رضي الله عنه عن النبى أنه قال لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك

(24/336)


لك من الله شيئا قد أبلغتك وفى الصحيح أنه قال يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا سلونى من مالى ما شئتم وقال ذلك لعشيرته الأقربين
وروى أنه قال غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها فبين صلى الله عليه و سلم ما هو موافق لكتاب الله من أنه ليس عليه إلا البلاغ المبين وأما الجزاء بالثواب والعقاب فهو إلى الله تعالى كما قال تعالى قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وان تطيعوه تهتدوا وما على الرسول الا البلاغ المبين وهو قد بلغ البلاغ المبين قد بلغ الرسالة وأشهد الله على أمته أنه بلغهم كما جعل فى حجة الوداع يقول ألا هل بلغت فيقولون نعم فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول اللهم اشهد رواه مسلم فى صحيحه
وأما إجابة الداعى وتفريج الكربات وقضاء الحاجات فهذا لله سبحانه وتعالى وحده لا يشركه فيه أحد
ولهذا فرق الله سبحانه فى كتابه بين ما فيه حق للرسول

(24/337)


ما هو لله وحده كما فى قوله تعالى ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك له سبحانه وحده وكذلك قوله ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون فجعل الإيتاء لله والرسول كما فى قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا وأما التوكل والرغبة فلله وحده كما فى قوله تعالى وقالوا حسبنا الله ولم يقل ورسوله وقال إنا إلى الله راغبون ولم يقل وإلى الرسول وذلك موافق لقوله تعالى فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب
فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء والخوف لله وحده لا يشركه فيه أحد وأما الطاعة والمحبة والإرضاء فعلينا أن نطيع الله ورسوله ونحب الله ورسوله ونرضى الله ورسوله لأن طاعة الرسول طاعة الله وإرضاءه إرضاء لله وحبه من حب الله
وكثير من أهل الضلال من الكفار وأهل البدع بدلوا الدين فإن الله تعالى جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده فليس لأحد طريق إلى الله الا متابعة

(24/338)


الرسول بفعل ما أمر وترك ما حذر
ومن جعل إلى الله طريقا غير متابعة الرسول للخاصة والعامة فهو كافر بالله ورسوله مثل من يزعم أن من خواص الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل الكلام أو الملوك من له طريق إلى الله تعالى غير متابعة رسوله ويذكرون فى ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو أعظم الكفر والكذب كقول بعضهم إن الرسول استأذن على أهل الصفة فقالوا اذهب إلى من أنت رسول إليه وقال بعضهم أنهم أصبحوا ليلة المعراج فأخبروه بالسر الذى ناجاه الله به وأن الله أعلمهم بذلك بدون اعلام الرسول وقول بعضهم إنهم قاتلوه فى بعض الغزوات مع الكفار وقالوا من كان الله معه كنا معه وأمثال ذلك من الأمور التى هى من أعظم الكفر والكذب
ومثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام على أن من الأولياء من يستغنى عن محمد كما استغنى الخضر عن موسى ومثل قول بعضهم ان خاتم الأولياء له طريق إلى الله يستغنى به عن خاتم الأنبياء وأمثال هذه الأمور التى كثرت فى كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر والتصوف والكلام والتفلسف وكفر هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود والنصارى وقد يكون

(24/339)


أعظم وقد يكون أخف بحسب أحوالهم
والله سبحانه لم يجعل له أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة فى شىء من الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات بل غاية ما يكون العبد سببا مثل أن يدعو أو يشفع والله تعالى يقول من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ويقول ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ويقول وكم من ملك فى السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى وقال تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فنهاهم الله عن ذلك فى قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ولهذا كان الناس فى الشفاعة على ثلاثة أقسام

(24/340)


فالمشركون أثبتوا الشفاعة التى هى شرك كشفاعة المخلوق عند المخلوق كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجةالملوك إلى ذلك فيسألونهم بغير إذنهم وتجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله تعالى مشركون كفار لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد الا باذنه ولا يحتاج إلى أحد من خلقه بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين وهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها ولهذا قال تعالى مالكم من دونه من ولي ولا شفيع وقال وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا وقال تعالى عن صاحب يس أأتخذ من دونه ألهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إنى إذا لفي ضلال مبين إنى آمنت بربكم فاسمعون
وأما الخوارج والمعتزلة فانهم أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه و سلم فى أهل الكبائر من أمته وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبى ولإجماع خير القرون
والقسم الثالث هم أهل السنة والجماعة وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم باحسان أثبتوا ما أثبته الله فى كتابه وسنة رسوله صلى

(24/341)


الله عليه وسلم ونفوا ما نفاه الله فى كتابه وسنة رسوله فالشفاعة التى أثبتوها هي التى جاءت بها الأحاديث كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم يوم القيامة إذا جاء الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم يأتونه عليه السلام قال فأذهب الى ربى فإذا رأيت ربى خررت له ساجدا فأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا احسنها الآن فيقول أى محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فهو يأتى ربه سبحانه فيبدأ بالسجود والثناء عليه فإذا اذن له فى الشفاعة شفع بأبى هو وامى
وأما الشفاعة التى نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة فينفيها أهل العلم والإيمان مثل انهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم ويقولون إنهم إذا أرادوا ذلك قضوها ويقولون إنهم عند الله تعالى كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير إذن الملوك ولهم على الملوك أدلال يقضون به حوائجهم فيجعلونهم لله تعالى بمنزلة شركاء الملك وبمنزلة أولاده والله تعالى قد نزه نفسه المقدسة عن ذلك كما قال تعالى وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ولهذا قال النبى صلى الله

(24/342)


عليه وسلم لا تطرونى كما اطرت النصارى إبن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وهذه المسألة مبسوطة فى غير هذا الموضع
الزيارة البدعية هى من أسباب الشرك بالله تعالى ودعاء خلقه وإحداث دين لم يأذن به الله و الزيارة الشرعية هى من جنس الإحسان إلى الميت بالدعاء له كالإحسان إليه بالصلاة عليه وهى من العبادات لله تعالى التى ينفع الله بها الداعى والمدعو له كالصلاة والسلام على النبى وطلب الوسيلة والدعاء لسائر المؤمنين أحيائهم وأمواتهم
وأما المسألة المتنازع فيها فالزيارة المأذون فيها هل فيها إذن للنساء ونسخ للنهى فى حقهن أو لم يأذن فيها بل هن منهيات عنها وهل النهي نهي تحريم أو تنزيه فى ذلك للعلماء ثلاثة أقوال معروفة والثلاثة أقوال فى مذهب الشافعى وأحمد أيضا وغيرهما وقد حكى فى ذلك ثلاث روايات عن أحمد وهو نظير تنازعهم فى تشييع النساء للجنائز وإن كان فيهم من يرخص فى الزيارة دون التشييع كما اختار ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم
فمن العلماء من اعتقد أن النساء مأذون لهن فى الزيارة وأنه أذن

(24/343)


لهن كما أذن للرجال وأعتقد أن قوله فزوروها فإنها تذكركم الآخرة خطاب عام للرجال والنساء و الصحيح أن النساء لم يدخلن فى الإذن فى زيارة القبور لعدة أوجه
أحدها أن قوله صلى الله عليه و سلم فزوروها صيغة تذكير وصيغة التذكير إنما تتناول الرجال بالوضع وقد تتناول النساء أيضا على سبيل التغليب لكن هذا فيه قولان قيل إنه يحتاج إلى دليل منفصل وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل وقيل انه يحمل على ذلك عند الاطلاق وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف والعام لا يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة فى نهى النساء كما سنذكره إن شاء الله تعالى بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء وإن علم تقدم الخاص على العام
الوجه الثانى أن يقال لو كان النساء داخلات فى الخطاب لاستحب لهن زيارة القبور كما استحب للرجال عند الجمهور لأن النبى صلى الله عليه و سلم علل بعلة تقتضي الاستحباب وهى قوله فإنها تذكركم الآخرة ولهذا تجوز زيارة قبور المشركين لهذه العلة كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه زار قبر أمه وقال استأذنت ربي فى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لي واستأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة

(24/344)


وأما زيارته لأهل البقيع فذلك فيه أيضا الاستغفار لهم والدعاء كما علم النبى صلى الله عليه و سلم أمته إذا زاروا قبور المؤمنين أن يسلموا عليهم ويدعوا لهم فلو كانت زيارة القبور مأذونا فيها للنساء لا ستحب لهن كما استحب للرجال لما فيها من الدعاء للمؤمنين وتذكر الموت وما علمنا أن أحدا من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبى وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال
والذين رخصوا فى الزيارة اعتمدوا على ما يروى عن عائشة رضى الله عنها أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان قد مات فى غيبتها وقالت لو شهدتك لما زرتك وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال إذ لو كان كذلك لاستحب لها زيارته كما تستحب للرجال زيارته سواء شهدته أو لم تشهده
وأيضا فإن الصلاة على الجنائز أوكد من زيارة القبور ومع هذا فقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه و سلم نهى النساء عن اتباع الجنائز وفي ذلك تفويت صلاتهن على الميت فإذا لم يستحب لهن اتباعها لما فيها من الصلاة والثواب فكيف بالزيارة

(24/345)


الوجه الثالث أن يقال غاية ما يقال فى قوله فزوروا القبور خطاب عام ومعلوم أن قوله من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان هو أدل على العموم من صيغة التذكير فإن لفظ من يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس وإن خالف فيه من لا يدرى ما يقول ولفظ من أبلغ صيغ العموم ثم قد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهى النبى لهن عن اتباع الجنائز سواء كان نهي تحريم أو تنزيه فإذا لم يدخلن فى هذا العموم فكذلك فى ذلك بطريق الأولى وكلاهما من جنس واحد فان تشييع الجنازة من جنس زيارة القبور قال الله تعالى ولا تصل علمأ احد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فنهى نبيه عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم
وكان دليل الخطاب وموجب التعليل يقتضي أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم وذلك كما قال أكثر المفسرين هو القيام بالدعاء والاستغفار وهو مقصود زيارة قبور المؤمنين فإذا كان النساء لم يدخلن فى عموم اتباع الجنائز مع ما فى ذلك من الصلاة على الميت فلأن لا يدخلن فى زيارة القبور التى غايتها دون الصلاة عليه بطريق

(24/346)


الأولى بخلاف ما إذا أمكن النساء أن يصلين على الميت بلا اتباع كما يصلين عليه فى البيت فإن ذلك بمنزلة الدعاء له والاستغفار فى البيت
وإذا قيل مفسدة الاتباع للجنائز أعظم من مفسدة الزيارة لأن المصيبة حديثة وفي ذلك أذى للميت وفتنة للحى بأصواتهن وصورهن قيل ومطلق الاتباع أعظم من مصلحة الزيارة لأن في ذلك الصلاة عليه التى هي أعظم من مجرد الدعاء ولأن المقصود بالاتباع الحمل والدفن والصلاة فرض على الكفاية وليس شىء من الزيارة فرضا على الكفاية وذلك الفرض يشترك فيه الرجال والنساء بحيث لو مات رجل وليس عنده إلا نساء لكان حمله ودفنه والصلاة عليه فرضا عليهن وفى تغسيلهن للرجال نزاع وتفصيل وكذلك إذا تعذر غسل الميت هل ييمم فيه نزاع معروف وهو قولان فى مذهب أحمد وغيره فإذا كان النساء منهيات عما جنسه فرض على الكفاية ومصلحته أعظم إذا قام به الرجال فما ليس بفرض على أحد أولى
وقول القائل مفسدة التشييع أعظم ممنوع بل إذا رخص للمرأة فى الزيارة كان ذك مظنة تكرير ذلك فتعظم به المفسدة ويتجدد الجزع والأذى للميت فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع فى كثير من الأمصار فإنه يقع بسبب

(24/347)


زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شىء منه عند اتباع الجنائز
وهذا كله يبين أن جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأن نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك أن نهي المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضا فإذا خفف هذه القوة المقتضى لم يلزم تخفيف ما لايقوى المقتضى فيه وإذا عفا الله تعالى للعبد عما لا يمكن تركه الا بمشقة عظيمة لم يلزم ان يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة
لوجه الرابع ان يقال قد جاء عن النبى من طريقين انه لعن زوارات القبور فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبى لعن زائرات القبور رواه الإمام أحمد وإبن ماجه والترمذى وصححه وعن إبن عباس رضي الله عنهما أن النبى لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى وحسنه وفى نسخ تصحيحه ورواه ابن ماجه من ذكر الزيارة

(24/348)


فإن قيل الحديث الأول رواه عمر بن أبى سلمة وقد قال فيه على بن المدينى تركه شعبة وليس بذاك وقال ابن سعد كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه وقال السعدى والنسائى ليس بقوي الحديث والثانى فيه أبو صالح باذام مولى أم هانىء وقد ضعفوه قال أحمد كان ابن مهدى ترك حديث أبى صالح وكان أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن عدى عامة ما يرويه تفسير وما أقل ماله فى المسند ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه
قلت الجواب على هذا من وجوه
حدها أن يقال كل من الرجلين قد عدله طائفة من العلماء كما جرحه آخرون أما عمر فقد قال فيه أحمد بن عبد الله العجلي ليس به بأس وكذلك قال يحيى بن معين ليس به بأس وابن معين وأبو حاتم من أصعب الناس تزكية
وأما قول من قال تركه شعبة فمعناه انه لم يرو عنه كما قال أحمد بن حنبل لم يسمع شعبة من عمر بن أبى سلمة شيئا وشعبة ويحيى ابن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى ومالك ونحوهم قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم لا توجب رد

(24/349)


أخبارهم فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلا له وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح وهذا معروف فى غير واحد قد خرج له فى الصحيح
وكذلك قول من قال ليس بقوى فى الحديث عبارة لينة تقتضى أنه ربما كان فى حفظه بعض التغير ومثل هذه العبارة لا تقتضى عندهم تعمد الكذب ولا مبالغة فى الغلط
وأما أبو صالح فقد قال يحيى بن سعيد القطان لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانيء وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا ولم يتركه شعبة ولا زائدة فهذه رواية شعبة عنه تعديل له كما عرف من عادة شعبة وترك إبن مهدى له لا يعارض ذلك فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من ابن مهدى فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن مهدى وأمثاله
وأما قول أبى حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به فأبو حاتم يقول مثل هذا فى كثير من رجال الصحيحين وذلك أن شرطه فى التعديل صعب والحجة فى اصطلاحه ليس هو الحجة فى جمهور أهل العلم

(24/350)


وهذا كقول من قال لا أعلم أنهم رضوه وهذا يقتضى أنه ليس عندهم من الطبقة العالية ولهذا لم يخرج البخارى ومسلم له ولأمثاله لكن مجرد عدم تخريجهما للشخص لا يوجب رد حديثه وإذا كان كذلك فيقال إذا كان الجارح والمعدل من الأئمة لم يقبل الجرح الا مفسرا فيكون التعديل مقدما على الجرح المطلق
الوجه الثانى ان حديث مثل هؤلاء يدخل فى الحسن الذى يحتج به جمهور العلماء فإذا صححه من صححه كالترمذى وغيره ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر كان أقل أحواله أن يكون من الحسن
الوجه الثالث أن يقال قد روى من وجهين مختلفين أحدهما عن ابن عباس والآخر عن أبي هريرة ورجال هذا ليس رجال هذا فلم يأخذه أحدهما عن الآخر وليس فى الإسنادين من يتهم بالكذب وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ ومثل هذا حجة بلا ريب وهذا من أجود الحسن الذى شرطه الترمذى فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذا أى مخالفا لما ثبت بنقل الثقاة وهذا الحديث تعددت طرقه وليس فيه متهم ولا خالفه أحد من الثقاة وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين إما تعمد الكذب وإما خطأ الراوى فإذا كان من وجهين لم يأخذه أحدهما

(24/351)


عن الآخر وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوى الكذب فيه علم أنه ليس بكذب لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب
وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف ولهذ كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يطلبان مع المحدث الواحد من يوافقه خشية الغلط ولهذا قال تعالى فى المرأتين أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى هذا لو كان عن صاحب واحد فكيف وهذا قد رواه عن صاحب وذلك عن آخر وفى لفظ أحدهما زيارة على لفظ الآخر فهذا كله ونحوه مما يبين أن الحديث فى الأصل معروف
فإن قيل فهب أنه صحيح لكنه منسوخ فإن الأول ينسخه ويدل على ذلك ما رواه الأثرم واحتج به أحمد فى روايته ورواه إبراهيم بن الحارث عن عبد الله بن أبى مليكة أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها يا أم المؤمنين أليس كان نهى رسول الله عن زيارة القبور قالت نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها قيل الجواب عن هذا من وجوه
أحدها أنه قد تقدم الخطاب بأن الإذن لم يتناول النساء فلا يدخلن فى الحكم الناسخ

(24/352)


الثانى خاص فى النساء وهو قوله صلى الله عليه و سلم لعن الله زوارات القبور أو زائرات القبور وقوله فزوروها بطريق التبع فيدخلن بعموم ضعيف إما أن يكون مختصا بالرجال وإما أن يكون متناولا للنساء والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخا له عند جمهور العلماء وهو مذهب الشافعى وأحمد فى أشهر الروايتين عنه وهو المعروف عند أصحابه فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص إذ قد يكون قوله لعن الله زوارات القبور بعد إذنه للرجال فى الزيارة ويدل على ذلك انه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج وذكر هذا بصيغة التذكير التى تتناول الرجال ولعن الزائرات جعله مختصا بالنساء ومعلوم أن اتحاذ المساجد والسرج باق محكم كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فكذلك الآخر
واما ما ذكر عن عائشة رضى الله عنها فأحمد احتج به فى إحدى الروايتين عنه لما أداه اجتهاده إلى ذلك والرواية الأخرى عنه تناقض ذلك وهى اختيار الخرقى وغيره من قدماء أصحابه
ولا حجة فى حديث عائشة فإن المحتج عليها 4 احتج بالنهى العام فدفعت ذلك بأن النهى منسوخ وهو كما قالت رضى الله عنها ولم يذكر لها المحتج النهى المختص بالنساء الذى فيه لعنهن على الزيارة يبين ذلك قولها قد أمر بزيارتها فهذا يبين أنه أمر بها أمرا

(24/353)


يقتضى الاستحباب والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة ولكن عائشة بينت أن أمره الثانى نسخ نهيه الأول فلم يصلح أن يحتج به وهو النساء على أصل الإباحة ولو كانت عائشة تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال ولم تقل لأخيها لما زرتك
الجواب الثالث جواب من يقول بالكراهة من أصحاب أحمد والشافعى وهو أنهم قالوا حديث اللعن يدل على التحريم وحديث الإذن يرفع التحريم وبقى أصل الكراهة يؤيد هذا قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا والزيارة من جنس الإتباع فيكون كلاهما مكروها غير محرم
الجواب الرابع جواب طائفة منهم كإسحاق بن راهويه فإنهم يقولون اللعن قد جاء بلفظ الزوارات وهن المكثرات للزيارة فالمرة الواحدة فى الدهر لا تتناول ذلك ولا تكون المرأة زائرة ويقولون عائشة زارت مرة واحدة ولم تكن زوارة
وأما القائلون بالتحريم فيقولون قد جاء بلفظ الزوارات ولفظ الزوارات قد يكون لتعددهن كما يقال فتحت الأبواب إذ لكل باب فتح يخصه ومنه قوله تعالى حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها

(24/354)


ومعلوم أن لكل باب فتحا واحدا قالوا ولأنه لا ضابط فى ذلك بين ما يحرم ومالا يحرم واللعن صريح فى التحريم
ومن هؤلاء من يقول التشييع كذلك ويحتج بما روى فى التشييع من التغليظ كقوله ارجعن مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتن الحى وتؤذين الميت وقوله لفاطمة رضى الله عنها أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخل الجنة حتى يكون كذا وكذا وهذان يؤيدهما ما ثبت فى الصحيحين من أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز وأما قول أم عطية ولم يعزم علينا فقد يكون مرادها لم يؤكد النهى وهذا لا ينفي التحريم وقد تكون هى ظنت أنه ليس بنهى تحريم والحجة فى قول النبى لا فى ظن غيره
الجواب الخامس أن النبى علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت ويرقق القلب ويدمع العين هكذا فى مسند أحمد ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذاالباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف وكثرة الجزع وقلة الصبر
وأيضا فإن ذلك سبب لتأذى الميت ببكائها ولافتتان الرجال

(24/355)


بصوتها وصورتها كما جاء فى حديث آخر فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة فى حقهن وحق الرجال والحكمة هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذى لا يفضى إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع
ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سدا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما فى ذلك من الفتنة وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك من النظر وليس فى ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة فإنه ليس فى ذلك الا دعاؤها للميت وذلك ممكن فى بيتها ولهذا قال الفقهاء إذا علمت المرأة من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل لم تجز لها الزيارة بلا نزاع
فصل
وأما الحديث المذكور فى زيارة قبر النبى فهو ضعيف وليس فى زيارة قبر النبى صلى الله عليه و سلم حديث حسن ولا صحيح ولا روى أهل السنن المعروفة كسنن أبى داود والنسائى وابن ماجه والترمذى ولا أهل المسانيد المعروفة كمسند أحمد

(24/356)


ونحوه ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره فى ذلك شيئا بل عامة ما يروى فى ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة كما يروى عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال من زارنى وزار أبى إبراهيم فى عام واحد ضمنت له على الله الجنة وهذا حديث موضوع كذب باتفاق أهل العلم
وكذلك ما يروى أنه قال من زارنى بعد مماتى فكأنما زارني فى حياتى ومن زارنى بعد مماتى ضمنت له على الله الجنة ليس لشيء من ذلك أصل وإن كان قد روى بعض ذلك الدارقطنى والبزار فى مسنده فمدار ذلك على عبد الله بن عمر العمرى أو من هو أضعف منه ممن لا يجوز أن يثبت بروايته حكم شرعى
وإنما اعتمد الأئمة فى ذلك على ما رواه أبو داود فى السنن عن أبى هريرة عن النبى أنه قال ما من رجل يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام وكما فى سنن النسائى عن النبى أنه قال ان الله وكل بقبرى ملائكة تبلغنى عن أمتى السلام فالصلاة والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله فلهذا استحب ذلك العلماء
ومما يبين ذلك أن مالكا رحمه الله كره أن يقول الرجل

(24/357)


زرت قبر النبى صلى الله عليه و سلم ومالك قد أدرك الناس من التابعين وهم أعلم الناس بهذه المسألة فدل ذلك على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة قبر النبى ولهذا كره من كره من الأئمة أن يقف مستقبل القبر يدعو بل وكره مالك وغيره أن يقوم للدعاء لنفسه هناك وذكر أن هذا لم يكن من عمل الصحابة والتابعين وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها
وقد ذكروا فى أسباب كراهته أن يقول زرت قبر النبى لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية وهي قصد الميت لسؤاله ودعائه والرغبة إليه فى قضاء الحوائج ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل هذا وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة فكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد بخلاف الصلاة عليه والسلام فإن ذلك مما أمر الله به
أما لفظ الزيارة فى عموم القبور فقد لا يفهم منها مثل هذا المعنى ألا ترى إلى قوله فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة مع زيارته لقبر أمه فإن هذا ينتاول زيارة قبور الكفار فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والإستغاثة به ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع بخلاف ما إذا كان المزور معظما فى الدين

(24/358)


كالأنبياء والصالحين فإنه كثيرا ما يعنى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية والشركية فلهذا كره مالك ذلك فى مثل هذا وإن لم يكره ذلك فى موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة
فلا يمكن أحدا أن يروى بإسناد ثابت عن النبى صلى الله عليه و سلم ولا عن أصحابه شيئا فى زيارة قبر النبى بل الثابت عنه فى الصحيحين يناقض المعنىالفاسد الذى ترويه الجهال بهذا اللفظ كقوله لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم وقوله لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وقوله ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مسإجد فانى أنهاكم عن ذلك وقوله اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وأشباه هذه الأحاديث التى فى الصحاح والسنن والكتب المعتمدة
فكيف يعدل من له علم وايمان عن موجب هذه النصوص الثابتة باتفاق أهل الحديث إلى ما يناقض معناها من الأحاديث التى لم يثبت منها شيئا أحد من أهل العلم والله سبحانه أعلم وصلى الله على محمد

(24/359)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن زيارة النساء القبور هل ورد فى ذلك حديث عن النبى أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين صح عن رسول الله من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال لعن الله زوارات القبور رواه أحمد وابن ماجه والترمذى وصححه وعن ابن عباس رضى الله عنه قال لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن الأربعة أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه وقال الترمذى حديث حسن وأخرجه أبو حاتم فى صحيحه وعلى هذا العمل فى أظهر قولى أهل العلم أنه نهى زوارات القبور عن ذلك فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة
فإن قيل فالنهى عن ذلك منسوخ كما قال ذلك أهل القول الآخر قيل هذا ليس بجيد لأن قوله كنت نهيتكم عن زيارة

(24/360)


القبور فزوروها هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصا بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولا لغيرهم كان هذا اللفظ عاما وقوله لعن الله زوارات القبور خاص بالنساء دون الرجال ألا تراه يقول لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله سواء كانوا ذكورا أو اناثا وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال وإذا كان هذا خاصا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدما على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها
وهذا نظير قوله صلى الله عليه و سلم من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان فهذا عام والنساء لم يدخلن فى ذلك لأنه ثبت عنه فى الصحيح أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز عن عبد الله بن عمر قال سرنا مع رسول الله يعنى نشيع ميتا فلما فرغنا انصرف رسول الله وانصرفنا معه فلما توسطنا الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة فلما دنت إذا هى فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أخرجك يا فاطمة من بيتك قالت أتيت يا رسول الله أهل هذا

(24/361)


البيت فعزيناهم بميتهم فقال رسول الله لعلك بلغت معهم الكدى أما إنك لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك رواه أهل السنن ورواه أبو حاتم فى صحيحه وقد فسر الكدى بالقبور والله أعلم
وسئل رحمه الله
هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه وهل تعاد روحه إلى جسده فى ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره فى ذلك الوقت وغيره وهل تصل اليه القراءة والصدقة من ناحليه وغيرهم سواء كان من المال الموروث عنه وغيره وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله سواء كان مدفونا قريبا منهم أو بعيدا وهل تنقل روحه إلى جسده فى ذلك الوقت أو يكون بدنه إذا مات فى بلد بعيد ودفن بها ينقل إلى الأرض التى ولد بها وهل يتأذى ببكاء أهله عليه والمسؤول من أهل العلم رضي الله عنهم الجواب عن هذه الفصول فصلا فصلا جوابا واضحا مستوعبا لما ورد فيه من الكتاب والسنة وما نقل فيه عن الصحابة رضى الله عنهم وشرح مذاهب الأئمة والعلماء أصحاب المذاهب واختلافهم وما الراجح من أقوالهم مأجورين إن شاء الله تعالى

(24/362)


فأجاب الحمد لله رب العالمين نعم يسمع الميت فى الجملة كما ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه وثبت عن النبى أنه ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقال يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف ياعتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإنى وجدت ما وعدنى ربى حقا فسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا فقال والذى نفسى بيده ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ثم أمر بهم فسحبوا فى قليب بدر وكذلك فى الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن النبى صلى الله عليه و سلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا وقال إنهم يسمعون الآن ما أقول
وقد ثبت عنه فى الصحيحين من غير وجه أنه كان يأمر بالسلام على أهل القبور ويقول قولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وانا ان شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم فهذا خطاب لهم وإنما يخاطب من يسمع وروى ابن عبد البر عن النبى

(24/363)


أنه قال ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام
وفى السنن عنه أنه قال اكثروا من الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة على فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يعنى صرت رميما فقال إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء وفى السنن أنه قال إن الله وكل بقبرى ملائكة يبلغونى عن أمتى السلام
فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع فى الجملة كلام الحي ولا يجب أن يكون السمع له دائما بل قد يسمع فى حال دون حال كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه وقد لا يسمع لعارض يعرض له وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي بقوله إنك لا تسمع الموتى فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال فان الله جعل الكافر كالميت الذى لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التى تسمع الصوت ولا تفقه المعنى فالميت وان سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعى ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهى وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وان سمع الخطاب وفهم المعنى كما

(24/364)


قال تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم
وأما رؤية الميت فقد روى فى ذلك آثار عن عائشة وغيرها
فصل
وأما قول ال هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره فى ذلك الوقت وغيره فإن روحه تعاد إلى البدن فى ذلك الوقت كما جاء فى الحديث وتعاد أيضا فى غير ذلك وأرواح المؤمنين فى الجنة كما فى الحديث الذى رواه النسائى ومالك والشافعى وغيرهم أن نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه وفى لفظ ثم تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك فى اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع فى الأرض وانتباه النائم
وهذا جاء فى عدة آثار أن الأرواح تكون فى أفنية القبور قال مجاهد الأرواح تكون على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه فهذا يكون أحيانا وقال مالك بن أنس بلغنى أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم

(24/365)


فصل
وأما القراءة والصدقة وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة فى وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه أيضا الدعاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والدعاء عند قبره
وتنازعوا فى وصول الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة والصواب أن الجميع يصل إليه فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وثبت أيضا أنه أمر امرأة ماتت أمها وعليها صوم أن تصوم عن أمها وفى المسند عن النبى أنه قال لعمرو بن العاص لو أن أباك أسلم فتصدقت عنه أو صمت أو اعتقت عنه نفعه ذلك وهذا مذهب أحمد وأبى حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعى
وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى وان ليس للانسان إلا ما سعى فيقال له قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أنه يصلي

(24/366)


عليه ويدعى له ويستغفر له وهذا من سعى غيره وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه والعتق وهو من سعى غيره وما كان من جوابهم فى موارد الاجماع فهو جواب الباقين فى مواقع النزاع وللناس فى ذلك أجوبة متعددة
لكن الجواب المحقق فى ذلك أن الله تعالى لم يقل إن الانسان لا ينتفع الا بسعى نفسه وإنما قال ليس للانسان الا ما سعى فهو لا يملك الا سعيه ولا يستحق غير ذلك وأما سعى غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز
وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره

(24/367)


فصل
وأما قوله هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه ففي الحديث عن أبى أيوب الأنصارى وغيره من السلف ورواه أبو حاتم فى الصحيح عن النبى أن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء فيقول بعضهم لبعض دعوه حتى يستريح فيقولون له ما فعل فلان فيقول عمل عمل صلاح فيقولون ما فعل فلان فيقول ألم يقدم عليكم فيقولون لا فيقولون ذهب به إلى الهاوية ولما كانت أعمال الأحياء تعرض على الموتى كان أبو الدرداء يقول اللهم إنى أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم
وما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله فمن كان من المقربين كانت منزلته أعلى من منزلة من كان من أصحاب اليمين لكن الأعلى ينزل إلى الاسفل والأسفل لا يصعد إلى الاعلى فيجتمعون إذا شاء الله كما يجتمعون فى الدنيا مع تفاوت منازلهم ويتزاورون

(24/368)


وسواء كانت المدافن متباعدة فى الدنيا أو متقاربة قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن وقد تفترق مع تقارب المدافن يدفن المؤمن عند الكافر وروح هذا فى الجنة وروح هذا فى النار والرجلان يكونان جالسين أو نائمين فى موضع واحد وقلب هذا ينعم وقلب هذا يعذب وليس بين الروحين اتصال فالأرواح كما قال النبى جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف
والبدن لا ينقل إلى موضع الولادة بل قد جاء أن الميت يذر عليه من تراب حفرته ومثل هذا لا يجزم به ولا يحتج به بل أجود منه حديث آخر فيه أنه ما من ميت يموت فى غير بلده الا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره فى الجنة والانسان يبعث من حيث مات وبدنه فى قبره مشاهد فلا تدفع المشاهدة بظنون لا حقيقة لها بل هي مخالفة فى العقل والنقل
فصل
وأما قول السائل هل يؤذيه البكاء عليه فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء والصواب

(24/369)


أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه وفي لفظ من ينح عليه يعذب بما نيح عليه وفى الحديث الصحيح أن عبد الله بن رواحة لما أغمي عليه جعلت أخته تندب وتقول واعضداه واناصراه فلما أفاق قال ما قلت لي شيئا إلا قيل لى أكذلك أنت
وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره فهو مخالف لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم تنوعت طرقهم فى تلك الأحاديث الصحيحة
فمنهم من غلط الرواة لها كعمر بن الخطاب وغيره وهذه طريقة عائشة والشافعى وغيرهما
ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على ايصائه وهو قول طائفة كالمزنى وغيره
ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كانت عادتهم فيعذب على ترك النهى عن المنكر وهو اختيار طائفة منهم جدى أبو البركات وكل

(24/370)


هذه الأقوال ضعيفة جدا
والأحاديث الصحيحة الصريحة التى يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الأشعرى وغيرهم لا ترد بمثل هذا وعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها لها مثل هذا نظائر ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه ولا يكون الأمر كذلك ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا الا كان مخطئا
وعائشة رضى الله عنها روت عن النبى لفظين وهي الصادقة فيما نقلته فروت عن النبى قوله ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وهذا موافق لحديث عمر فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله ولهذا رد الشافعى فى مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى وقال الأشبه روايتها الأخرى أنهم يبكون عليه وأنه ليعذب فى قبره
والذين اقروا هذا الحديث على مقتضاه ظن بعضهم ان هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره وان الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد واعتقد هؤلاء أن الله يعاقب الانسان بذنب غيره فجوزوا

(24/371)


أن يدخلوا أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم وهذا وإن كان قد قاله طوائف منتسبة إلى السنة فالذى دل عليه الكتاب والسنة ان الله لا يدخل النار الا من عصاه كما قال لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين فلابد أن يملأ جهنم من اتباع ابليس فإذا امتلأت لم يكن لغيرهم فيها موضع فمن لم يتبع ابليس لم يدخل النار
وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم أن يقال فيهم الله أعلم بما كانوا عاملين كما قد أجاب بذلك النبى في الحديث الصحيح فطائفة من أهل السنة وغيرهم قالوا أنهم كلهم فى النار واختار ذلك القاضى أبو يعلى وغيره وذكر انه منصوص عن أحمد وهو غلط على أحمد وطائفة جزموا أنهم كلهم فى الجنة واختار ذلك أبو الفرج بن الجوزى وغيره واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبى صلى الله عليه و سلم لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين قيل يا رسول الله وأطفال المشركين قال وأطفال المشركين
والصواب أن يقال فيهم الله أعلم بما كانوا عاملين ولا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار وقد جاء فى عدة أحاديث أنهم يوم القيامة فى عرصات القيامة يؤمرون وينهون فمن اطاع دخل الجنة ومن

(24/372)


عصى دخل النار وهذا هو الذى ذكره أبو الحسن الأشعرى عن أهل السنة والجماعة
والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهى الجنة والنار وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون فى البرزخ فيقال لأحدهم من ربك وما دينك ومن نبيك وقال تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون وقد ثبت فى الصحيح من غير وجه عن النبى أنه قال يتجلى الله لعباده فى الموقف إذا قيل ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع المشركون آلهتهم وتبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب الحق فى غير الصورة التى كانوا يعرفون فينكرونه ثم يتجلى لهم فى الصورة التى يعرفون فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون وذلك قوله يوم يكشف عن ساق الآية والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع
والمقصود ههنا أن الله لا يعذب أحدا فى الآخرة الا بذنبه وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وقوله إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ليس فيه أن النائحة لا تعاقب بل النائحة تعاقب على النياحة كما فى

(24/373)


الحديث الصحيح أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران فلا يحمل عمن ينوح وزره أحد
وأما تعذيب الميت فهو لم يقل إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه بل قال يعذب والعذاب أعم من العقاب فإن العذاب هو الألم وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابا له على ذلك السبب فإن النبى قال السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه فسمى السفر عذابا وليس هو عقابا على ذنب
والانسان يعذب بالأمور المكروهة التى يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملا له يعاقب عليه
وإلانسان فى قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه ولهذا أفتى القاضى أبو يعلى بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصى فإنهم يتألمون بها كما جاءت بذلك الآثار فتعذيبهم

(24/374)


بعمل المعاصى عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم ثم النياحة سبب العذاب
وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه فقد يكون فى الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب كما يكون فى بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة والأرواح والصور القبيحة
وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وما يحصل للمؤمن فى الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التى هى عذاب فإن ذلك يكفر الله به خطاياه كما ثبت فى الصحيحين عن النبى أنه قال ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه
وفى المسند لما نزلت هذه الآية من يعمل سوءا يجز به قال أبو بكر يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا

(24/375)


فقال يا أبا بكر ألست تحزن ألست يصيبك الأذى فإن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب كما قال تعالى طبتم فأدخلوها خالدين وفى الحديث الصحيح أنهم إذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم فى دخول الجنة والكلام فى هذه المسألة مبسوط فى غير هذا الجواب والله أعلم بالصواب
وما ذكرنا فى أن الموتى يسمعون الخطاب ويصل إليهم الثواب ويعذبون بالنياحة بل وما لم يسأل عنه السائل من عقابهم فى قبورهم وغير ذلك فقد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناما ويعلمون ذلك ويتحققونه وعندنا من ذلك أمور كثيرة لكن الجواب فى المسائل العلمية يعتمد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة فإنه يجب على الخلق التصديق به وما كشف للإنسان من ذلك أو أخبره به من هو صادق عنده فهذا ينتفع به من علمه ويكون ذلك مما يزيده إيمانا وتصديقا بما جاءت به النصوص ولكن لا يجب على جميع الخلق الإيمان بغير ما جاءت به الأنبياء فإن الله عز و جل أوجب التصديق بما جاءت به الأنبياء كما فى قوله تعالى قولوا آمنا بالله الآية وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين الآية وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله

(24/376)


عليه وسلم أنه قال قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فان يكن فى أمتى أحد فعمر
فالمحدث الملهم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك بالكتاب والسنة فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه وإن خالف لم يلتفت إليه كما كان يجب على عمر رضى الله عنه وهو سيد المحدثين إذا ألقى فى قلبه شىء وكان مخالفا للسنة لم يقبل منه فإنه ليس معصوما وإنما العصمة للنبوة
ولهذا كان الصديق أفضل من عمر فإن الصديق لا يتلقى من قلبه بل من مشكاة النبوة وهى معصومة والمحدث يتلقى تارة عن قلبه وتارة عن النبوة فما تلقاه عن النبوة فهو معصوم يجب اتباعه وما ألهم فى قلبه فإن وافق ما جاءت به النبوة فهو حق وإن خالف ذلك فهو باطل
فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان فى مثل مسائل العلم والدين إلا على نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإن كان عندهم فى بعض ذلك شواهد وبينات مما شاهدوه ووجدوه ومما عقلوه وعملوه وذلك ينتفعون به هم فى أنفسهم وأما حجة الله تعالى على عباده فهم رسله وإلا فهذه المسائل فيها من الدلائل والاعتبارات العقلية والشواهدالحسية

(24/377)


الحسيةالكشفية ما ينتفع به من وجد ذلك وقياس بنى آدم وكشفهم تابع لما جاءت به الرسل عن الله تعالى فالحق فى ذلك موافق لما جاءت به الرسل عن الله تعالى لا مخالف له ومع كونه حقا فلا يفصل الخلاف بين الناس ولا يجب على من لم يحصل له ذلك التصديق به كما يجب التصديق بما عرف أنه معصوم وهو كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
ولكن من حصل له فى مثل هذه الأمور بصيرة أو قياس أو برهان كان ذلك نورا على نور قال بعض السلف بصيرة المؤمن تنطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا جاء الأثر كان نورا على نور ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور قال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم

(24/378)


وسئل رحمه الله
هل يتكلم الميت فى قبره أم لا
فأجاب يتكلم وقد يسمع أيضا من كلمه كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال انهم يسمعون قرع نعالهم وثبت عنه فى الصحيح أن الميت يسأل فى قبره فيقال له من ربك وما دينك ومن نبيك فيثبت الله المؤمن بالقول الثابت فيقول الله ربى والاسلام دينى ومحمد نبيي ويقال له ما تقول فى هذا الرجل الذى بعث فيكم فيقول المؤمن هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه وهذا تأويل قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنياوفى الآخرة وقد صح عن النبى أنها نزلت فى عذاب القبر
وكذلك يتكلم المنافق فيقول آه آه لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضرب بمزربة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شىء إلا الإنسان

(24/379)


وثبت عنه فى الصحيح أنه قال لولا أن لاتدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر مثل الذى أسمع وثبت عنه فى الصحيح أنه نادى المشركين يوم بدر لما ألقاهم فى القليب وقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم والآثار فى هذا كثيرة منتشرة والله أعلم
وسئل
عن بكاء الأم والأخوة على الميت هل فيه بأس على الميت
فأجاب
أما دمع العين وحزن القلب فلا اثم فيه لكن الندب والنياحة منهى عنه وأى صدقة تصدق بها عن الميت نفعه ذلك
وسئل
عما يتعلق بالتعزية
فأجاب التعزية مستحبة ففي الترمذى عن النبى أنه قال من عزى مصابا فله مثل أجره وأما قول القائل

(24/380)


ما نقص من عمره زاد فى عمرك فغير مستحب بل المستحب أن يدعى له بما ينفع مثل أن يقول أعظم الله أجرك وأحسن عزاك وغفر لميتك
وأما نقص العمر وزيادته فمن الناس من يقول انه لا يجوز بحال ويحمل ما ورد على زيادة البركة والصواب أنه يحصل نقص وزيادة عما كتب فى صحف الملائكة وأما علم الله القديم فلا يتغير
وأما اللوح المحفوظ فهل يغير ما فيه على قولين وعلى هذا يتفق ما ورد فى هذا الباب من النصوص
وأما صنعة الطعام لأهل الميت فمستحبة كما قال النبى اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدى وكان على سبيل المعاوضة مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله فإن علم الرجل أنه ليس بمباح لم يأكل منه وان اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه إذا كان فيه مصلحة راجحة مثل تأليف القلوب ونحو ذلك والله أعلم

(24/381)


وسئل
عمن يقرأ القرآن وينوح على القبر ويذكر شيئا لا يليق والنساء مكشفات الوجوه والرجال حولهم
فأجاب الحمد لله النياحة محرمة على الرجال والنساء عند الأئمة المعروفين
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران وفى السنن عنه أنه لعن النائحة والمستمعة وفى الصحيح عنه قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية
وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز وعلى ولي الأمر الأمر بالمعروف والنهى عن هذا المنكر وغيره ومن لم يرتدع فانه يعاقب على ذلك بما يزجره لا سيما النوح للنساء عند القبور فان ذلك من المعاصى التى يكرهها الله ورسوله من الجزع

(24/382)


والندب والنياحة وإيذاء الميت وفتنة الحى وأكل أموال الناس بالباطل وترك ما أمر الله به ورسوله من الصبر والاحتساب وفعل أسباب الفواحش وفتح بابها ما يجب على المسلمين أن ينهوا عنه والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم 25

(24/383)


قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرورر أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما
أما بعد فان الله تعالى أنعم على عباده بمحمد صلى الله عليه و سلم فهو أعظم نعمة عليهم ومن قبلها تمت عليه النعمة وأكمل له الدين وجعله من خير أمة أخرجت للناس فبعثه بالهدى ودين الحق وأنزل عليه الكتاب والحكمة وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب وأمر فيه

(25/5)


بعبادة الله وبالأحسان الى خلق الله فقال تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا
وجعل دينه ثلاث درجات إسلام ثم إيمان ثم إحسان
وجعل الاسلام مبينا على أركان خمسة ومن آكدها الصلاة وهي خمسة فروض وقرن معها الزكاة فمن آكد العبادات الصلاة وتليها الزكاة ففي الصلاة عبادته وفي الزكاة الاحسان الى خلقه فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آيه ولم يذكرها إلا قرن معها الزكاة
من ذلك قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال فان تابوا وأقامو الصلاة وآتو الزكاة فاخوانكم في الدين وقال وما أمروا إلا ليعبدو الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة
وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة رواه مسلم من حديث عمر أن جبري جبريل سأل النبى عن الاسلام

(25/6)


فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وعنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا إله الا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ولما بعث معاذا الى اليمن قال له إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فان هم أطاعوك لذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب
فصل
وجاء ذكر الصلاة في القرآن مجملا فبينه الرسول وان بيانه أيضا من الوحي لأنه سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة

(25/7)


قال حسان بن عطية كان جبريل ينزل على النبي بالسنة يعلمه إياها كما يعلمه القرآن وقد ذكرت في الصلاة فصلا قبل هذا
والمقصود هنا ذكر الزكاة فنذكر ما تيسر من أحكامها وبعض الأحاديث وشيئا من أقوال الفقهاء فقد سمى الله الزكاة صدقة وزكاة ولفظ الزكاة في اللغة يدل على النمو والزرع يقال فيه زكا إذا نما ولا ينموا إلا إذا خلص من الدغل فلهذا كانت هذه اللفظة في الشريعة تدل على الطهارة قد أفلح من زكاها قد أفلح من تزكى نفس المتصدق تزكو وماله يزكو يطهر ويزيد في المعنى
وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة ولا تكون المواساة إلا فيما له مال من الأموال فحد له أنصبة ووضعها في الأموال النامية فمن ذلك ما ينموا بنفسه كالماشية والحرث وما ينمو بتغير عينه والتصرف فيه كالعين وجعل المال المأخوذ على حساب التعب فما وجد من أموال الجاهلية هو أقله تعبا ففيه الخمس ثم ما فيه التعب من طرف واحد فيه نصف الخمس وهو العشر فيما سقته السماء وما فيه التعب من طرفين فيه ربع الخمس وهو نصف العشر فيما سقى بالنضح وما فيه التعب في طول السنة كالعين ففيه ثمن ذلك وهو ربع العشر

(25/8)


فصل
وافتتح مالك رحمه الله كتاب الزكاة في موطأة في موطاه بذكر حديث أبى سعيد لأنه أصح ما روى في الباب وكذلك فعل مسلم في صحيحه وفيه ذكر نصاب الورق ونصاب الابل ونصاب الحب والثمر ثم الماشية والعين لا بد فيها من مرور الحول فثنى بما رواه عن أبى بكر وعمر وابن عمر رضي الله عنهم في اعتبار الحول ولو كان قد خالفهم معاوية وابن عباس فما رواه أو قاله الخلفاء حجة على من خالفهم لا سيما الصديق لقوله عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وقوله إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا
ثم ذكر نصاب الذهب والحجة فيه أضعف من الورق فلهذا أخره
ثم ذكر ما تؤخذ الزكاة منه فذكر الأحاديث والآيات فل وأجودها حديث عمر بن الخطاب عمر بن الخطاب وكتابه في الصدقة وذكر عن عمر بن عبد العزيز ان الصدقة لا تكون إلا في العين والحرث

(25/9)


الماشية واختاره وقال ابن عبد البر وهو إجماع أن الزكاة فيما ذكر وقال ابن المنذر الامام أبو بكر النيسابوري أجمع أهل العلم لى أن الزكاة تجب في تسعة أشياء في الابل والبقر والنغم والذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة
فصل
في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عله وسلم قال ليس فيما دون خسمة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أوراق صدقة وأشار بخمس أصابعه وفي لفظ ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة ورواه مسلم عن جابر وروى مسلم عن جابر عن النبي أنه قال فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقى بالسانية نصف العشر ورواه البخاري من حديث ابن عمر ولفظه فيما سقت السماء ورواه البخاري من حديث ابن عمر ولفظه فيما سقت الساء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقى بالنضح نصف العشر
وفي الموطأ العيون والبعل والبعل ما شرب بعروقه ويمتد في الارض

(25/10)


ولا يحتاج الى سقي من الكرم والنخل العثرى ما تسقيه السماء وتسميه العامة العدى وقيل يجمع له ماء المطر فيصير سواقيا يتصل الماء بها
قال ابو عمر بن عبد البر في الحديث الأول فوائد
منها إيجاب الصدقة في بهذا المقدار ونفيها عما دونه الذود من الابل من الثلاثة الى العشر والأوقية اسم لوزن اربعين درهما والنش نصف اوقيه والنواة خمسة دراهم قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وما زاد على المائتين وهي الخمس الاوراق فظاهر ه هذا الحديث إيجاب الزكاة فيه لعدم النص بالعفو عما زاد ونصه على العفو فيما دونها وذلك من علي وابن عمر وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وابن ابى ليلى والشافعي وابى يوسف ومحمد واحمد واسحق وابى عبيد وأبى ثور
وقالت طائفة لا شيء في الزياة حتى يبلغ أربعين درهما
وفي الذهب أربعة دنان يروى هذا عن عمر وبه قال سعيد والحسن وطاووس وعطاء والزهري ومكحول وعمر بن دينار

(25/11)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية