صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

ولعنته بلعنة الله ولم يستأخر بذلك فمد يده اليه وفى الصحيحين عن ابى هريرة عن النبى قال ان الشيطان عرض لى فشد على ليقطع الصلاة على فامكننى الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه الى سارية حتى تصبحوا فتنظروا اليه فذكرت قول اخى سليمان رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى فرده الله خاسئا
فهذا الحديث يوافق الأول ويفسره وقوله ذعته أى خنقته فبين أن مد اليد كان لخنقه وهذا دفع لعدوانه بالفعل وهو الخنق وبه اندفع عدوانه فرده الله خاسئا
واما الزيادة وهو ربطه الى السارية فهو من باب التصرف الملكى الذى تركه لسليمان فان نبينا كان يتصرف فى الجن كتصرفه فى الانس تصرف عبد رسول يأمرهم بعبادة الله وطاعته لا يتصرف لأمر يرجع اليه وهو التصرف الملكى فانه كان عبدا رسولا وسليمان نبى ملك والعبد الرسول افضل من النبى الملك كما أن السابقين المقربين افضل من عموم الأبرار اصحاب اليمين وقد روى النسائى على شرط البخارى عن عائشة ان النبى كان يصلى فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه قال رسول الله حتى وجدت برد لسانه على يدى ولولا

(19/51)


دعوة سليمان لأصبح موثقا حتى يراه الناس ورواه احمد وابو داود من حديث ابى سعيد وفيه فأهويت بيدى فما زلت اخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعى هاتين الابهام والتى يليها وهذا فعله فى الصلاة وهذا مما احتج به العلماء على جواز مثل هذا فى الصلاة وهو كدفع المار وقتل الاسودين والصلاة حال المسايفة
وقد تنازع العلماء فى شيطان الجن اذا مر بين يدى المصلي هل يقطع على قولين هما قولان فى مذهب أحمد كما ذكرهما ابن حامد وغيره
أحدهما يقطع لهذا الحديث ولقوله لما أخبر ان مرور الكلب الأسود يقطع للصلاة الكلب الأسود شيطان فعلل بأنه شيطان وهو كما قال رسول الله فان الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرا وكذلك بصورة القط الأسود لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة
ومما يتقرب به الى الجن الذبائح فان من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك الذى حرمه الله ورسوله وروى أنه نهى عن ذبائح الجن واذا برىء المصاب بالدعاء والذكر وأمر الجن ونهيهم وانتهارهم

(19/52)


وسبهم ولعنهم ونحو ذلك من الكلام حصل المقصود وان كان ذلك يتضمن مرض طائفة من الجن أو موتهم فهم الظالمون لأنفسهم اذا كان الراقى الداعى المعالج لم يتعد عليهم كما يتعدى عليهم كثير من أهل العزائم فيأمرون بقتل من لا يجوز قتله وقد يحبسون من لا يحتاج الى حبسه ولهذا قد تقاتلهم الجن على ذلك ففيهم من تقتله الجن أو تمرضه وفيهم من يفعل ذلك باهله وأولاده أو دوابه
وأما من سلك فى دفع عداوتهم مسلك العدل الذى أمر الله به ورسوله فإنه لم يظلمهم بل هو مطيع لله ورسوله فى نصر المظلوم وإغاثه الملهوف والتنفيس عن المكروب بالطريق الشرعى التى ليس فيها شرك بالخالق ولا ظلم للمخلوق ومثل هذا لا تؤذيه الجن أما لمعرفتهم بأنه عادل وإما لعجزهم عنه وإن كان الجن من العفاريت وهو ضعيف فقد تؤذيه فينبغى لمثل هذا أن يحترز بقراءة العوذ مثل آية الكرسى والمعوذات والصلاة والدعاء ونحو ذلك مما يقوى الإيمان ويجنب الذنوب التى بها يسلطون عليه فانه مجاهد فى سبيل الله وهذا من أعظم الجهاد فليحذر أن ينصر العدو عليه بذنوبه وإن كان الأمر فوق قدرته فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها فلا يتعرض من البلاء لما لا يطيق
ومن أعظم ما ينتصر به عل 4 يهم آية الكرسى فقد ثبت فى صحيح

(19/53)


البخارى حديث أبى هريرة قال وكلنى رسول الله بحفظ زكاة رمضان فأتانى آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك الى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إنى محتاج وعلى عيال ولي حاجة شديدة قال فحليت عنه فأصبحت فقال رسول الله يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يارسول الله شكى حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال إما أنه قد كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك الى رسول الله قال دعنى فإنى محتاج وعلى عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لى رسول الله يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت يارسول الله شكى حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال اما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك الى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هن قال إذا أويت الى فراشك فإقرأ آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحى القيوم حتى تختم الآية فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى

(19/54)


تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ما فعل أسيرك البارحة قلت يارسول الله زعم أنه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها فخليت سبيله قال ما هى قلت قال لى إذا أويت الى فراشك فإقرأ آية الكرسى من أولها حتى تختم الآية الله لا إله إلا هو الحى القيوم وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شىء على الخير فقال النبى أما أنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة قلت لا قال ذاك شيطان
ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير فى دفع الشياطين وإبطال أحوالهم مالا ينضبط من كثرته وقوته فان لها تأثيرا عظيما فى دفع الشيطان عن نفس الإنسان وعن المصروع وعن من تعينه الشياطين مثل أهل الظلم والغضب وأهل الشهوة والطرب وأرباب السماع المكاء والتصدية إذا قرئت عليهم بصدق دفعت الشياطين وبطلت الأمور التى يخيلها الشيطان ويبطل ما عند إخوان الشياطين من مكاشفة شيطانية وتصرف شيطاني إذ كانت الشياطين يوحون الى أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله

(19/55)


المتقين وإنما هى من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين والصائل المعتدى يستحق دفعه سواء كان مسلما أو كافرا وقد قال النبى من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد فإذا كان المظلوم له أن يدفع عن مال المظلوم ولو بقتل الصائل العادى فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته فان الشيطان يفسد عقله ويعاقبه فى بدنه وقد يفعل معه فاحشة إنسي بإنسي وان لم يندفع الا بالقتل جاز قتله
وأما إسلام صاحبه والتخلى عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين وهذا فرض على الكفاية مع القدرة ففى الصحيحين عن النبى أنه قال المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه فإن كان عاجزا عن ذلك أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب وإن كان قادرا وقد تعين عليه ولا يشغله عما هو أوجب منه وجب عليه
وأما قول السائل هل هذا مشروع فهذا من أفضل الأعمال وهو من أعمال الأنبياء والصالحين فإنه ما زال الأنبياء والصالحون

(19/56)


يدفعون الشياطين عن بنى آدم بما أمر الله به ورسوله كما كان المسيح يفعل ذلك وكما كان نبينا يفعل ذلك فقد روى أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه من حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال حدثتنى أم أبان بنت الوازع بن زارع بن عامر العبدي عن أبيها أن جدها الزارع إنطلق الى رسول الله فإنطلق معه بإبن له مجنون أو إبن أخت له قال جدي فلما قدمنا على رسول الله قلت إن معي إبنا لي أو إبن أخت لي مجنون أتيتك به تدعو الله له قال إئتنى به قال فانطلقت به إليه وهو فى الركاب فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى إنتهيت به الى رسول الله فقال ادنه منى إجعل ظهره مما يلينى قال بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه ويقول أخرج عدو الله أخرج عدو الله فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول ثم أقعده رسول الله بين يديه فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له فلم يكن فى الوفد أحد بعد دعوة رسول الله يفضل عليه
وقال أحمد فى المسند ثنا عبد الله بن نمير عن عثمان بن حكيم انا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى بن مرة قال لقد رأيت من

(19/57)


رسول الله ثلاثا ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحد بعدي لقد خرجت معه فى سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بإمرأة جالسة معها صبى لها فقالت يارسول الله هذا صبى أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء يؤخذ فى اليوم ما أدرى كم مرة قال ناولينيه فرفعته إليه فجعله بينه وبين واسطة الرحل ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثا وقال بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو الله ثم ناولها إياه فقال إلقينا فى الرجعة فى هذا المكان فأخبرينا ما فعل قال فذهبنا ورجعنا فوجدناها فى ذلك المكان معها شياه ثلاث فقال ما فعل صبيك فقالت والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة فإجترر هذه الغنم قال أنزل خذ منها واحدة ورد البقية وذكر الحديث بتمامه
ثنا وكيع قال ثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه قال وكيع مرة يعنى الثقفي ولم يقل مرة عن أبيه أن إمرأة جاءت الى النبى معها صبى لها به لمم فقال النبى صلى الله عليه و سلم اخرج عدو الله أنا رسول الله قال فبرأ قال فاهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من سمن قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم خذ الأقط والسمن وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر

(19/58)


ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله إبن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي قال ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله وذكر الحديث وفيه قال ثم سرنا فمررنا بماء فأتته إمرأة بإبن لها به جنة فأخذ النبى بمنخره فقال اخرج انى محمد رسول الله قال ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا من اللبن فسألها عن الصبى فقالت والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك ولو قدر أنه لم ينقل ذلك لكون مثله لم يقع عند الأنبياء لكون الشياطين لم تكن تقدر تفعل ذلك عند الأنبياء وفعلت ذلك عندنا فقد أمرنا الله ورسوله من نصر المظلوم والتنفيس عن المكروب ونفع المسلم بما يتناول ذلك
وقد ثبت فى الصحيحين حديث الذين رقوا بالفاتحة وقال النبى وما أدراك إنها رقية وأذن لهم فى أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية وقد قال النبى للشيطان الذى أراد قطع صلاته اعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله التامة ثلاث مرات وهذا كدفع ظالمي الإنس من الكفار والفجار فإن النبى وأصحابه وإن كانوا لم يروا الترك ولم يكونوا يرمون بالقسى الفارسية ونحوها مما يحتاج إليه فى قتال فقد

(19/59)


ثبت عن النبى أنه أمر بقتالهم وأخبر أن أمته ستقاتلهم ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسى الفارسية ولو قوتلوا بالقسى العربية التى تشبه قوس القطن لم تغن شيئا بل إستطالوا على المسلمين بقوة رميهم فلابد من قتالهم بما يقهرهم
وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب أن العدو إذا رأيناهم قد لبسوا الحرير وجدنا فى قلوبنا روعة فقال أنتم فالبسوا كما لبسوا وقد أمر النبى أصحابه فى عمرة القضية بالرمل والإضطباع ليرى المشركين قوتهم وان لم يكن هذا مشروعا قبل هذا ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا بدون ذلك
ولهذا قد يحتاج فى إبراء المصروع ودفع الجن عنه الى الضرب فيضرب ضربا كثيرا جدا والضرب إنما يقع على الجنى ولا يحس به المصروع حتى يفيق االمصروع ويخبر أنه لم يحس بشىء من ذلك ولا يؤثر فى بدنه ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل بحيث لو كان على الإنسى لقتله وإنما هو على الجنى والجنى يصيح ويصرخ ويحدث الحاضرين بأمور متعددة كما قد فعلنا نحن هذا وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين

(19/60)


وأما الإستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع لا سيما إن كان فيه شرك فإن ذلك محرم وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك وقد يقرأون مع ذلك شيئا من القرآن ويظهرونه ويكتمون ما يقولونه من الشرك وفى الإستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله
والمسلمون وإن تنازعوا فى جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير فلا يتنازعون فى أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال لأن ذلك محرم فى كل حال وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده وأيضا فإن المكره مضطر الى التكلم به ولا ضرورة الى إبراء المصاب به لوجهين
أحدهما أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم فلا يؤثر بل يزيده شرا
والثانى أن فى الحق ما يغنى عن الباطل

(19/61)


والناس فى هذا الباب ثلاثة أصناف قوم يكذبون بدخول الجنى فى الإنس وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة فهؤلاء يكذبون بالموجود وهؤلاء يعصون بل يكفرون بالمعبود والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود وتؤمن بالإله الواحد المعبود وبعبادته ودعائه وذكره واسمائه وكلامه فتدفع شياطين الإنس والجن
وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم فهذا إن كان على وجه التصديق لهم فى كل ما يخبرون به والتعظيم للمسئول فهو حرام كما ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله أمورا كنا نصنعها فى الجاهلية كنا نأتى الكهان قال فلا تأتوا الكهان وفى صحيح مسلم أيضا عن عبيد الله عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبى عن النبى صلى الله عليه و سلم قال من أتى عرافا فسأله عن شىء لم تقبل له صلاة أربعين يوما
وأما إن كان يسأل المسئول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت فى الصحيحين أن النبى سأل إبن صياد فقال ما يأتيك فقال يأتينى صادق وكاذب قال ما ترى قال أرى عرشا على الماء قال فإنى قد خبأت لك خبيئا قال الدخ الدخ قال اخسأ فلن

(19/62)


تعدوا قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان
وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وقد ثبت فى صحيح البخارى عن أبى هريرة أن أهل الكتاب كانوا يقرأون التوارة ويفسرونها بالعربية فقال النبى إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فأما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه
وقد روى عن أبى موسى الأشعرى أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك إمرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم إنتصروا على عدوهم وشاع الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن وسيأتى بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام

(19/63)


فصل
ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره قال عبد الله بن أحمد قرأت على أبى ثنا يعلى بن عبيد ثنا سفيان عن محمد إبن أبى ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن إبن عباس قال إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب بسم الله لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيه أو ضحاها كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون قال أبى ثنا أسود بن عامر بإسناده بمعناه وقال يكتب فى إناء نظيف فيسقى قال أبى وزاد فيه وكيع فتسقى وينضح ما دون سرتها قال عبد الله رأيت أبى يكتب للمرأة فى جام أو شيء نظيف
وقال أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيرى أنا الحسن بن سفيان النسوي حدثنى عبد الله بن أحمد بن شبويه ثنا علي بن

(19/64)


الحسن بن شقيق ثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن إبن أبى ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن إبن عباس قال إذا عسر على المرأة ولادها فليكتب بسم الله لا إله إلا الله العلى العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيه أو ضحاها كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعه من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون قال علي يكتب فى كاغدة فيعلق علىعضد المرأة قال علي وقد جربناه فلم نر شيئا أعجب منه فإذا وضعت تحله سريعا ثم تجعله فى خرقه أو تحرقه آخر كلام شيخ الإسلام مجلد

(19/65)


وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
في الإكتفاء بالرسالة والإستغناء بالنبى عن إتباع ما سواه إتباعا عاما وأقام الله الحجة على خلقه برسله فقال تعالى انا أوحينا إليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده الى قوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
فدلت هذه الآية على أنه لا حجة لهم بعد الرسل بحال وأنه قد يكون لهم حجة قبل الرسل
ف الأول يبطل قول من أحوج الخلق الى غير الرسل حاجة عامة كالأئمة و الثانى يبطل قول من أقام الحجة عليهم قبل الرسل من المتفلسفة والمتكلمة

(19/66)


وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول فأمر بطاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء إذا لم يتنازعوا وهو يقتضىأن إتفاقهم حجة وأمرهم بالرد عند التنازع الى الله والرسول فأبطل الرد الى امام مقلد أو قياس عقلى فاضل
وقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه فبين أنه بالكتاب يحكم بين أهل الأرض فيما اختلفوا فيه
وقال تعالى وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله وقال تعالى كتاب أنزلناه إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ففرض اتباع ما أنزله من الكتاب والحكمة وحظر إتباع أحد من دونه وقال تعالى أو لم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم فزجر من لم يكتف بالكتاب المنزل وقال تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آيات ربكم الآيات وقال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا الآيات وقال تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها الآيتين فدلت هذه

(19/67)


الآيات على أن من أتاه الرسول فخالفه فقد وجب عليه العذاب وإن لم يأته إمام ولا قياس وأنه لا يعذب أحد حتى يأتيه الرسول وإن أتاه إمام أو قياس وقال تعالى ومن يطع الله ورسوله فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله
الآية وقد ذكر سبحانه هذا المعنى فى غير موضع فبين أن طاعة الله ورسوله موجبة للسعادة وان معصية الله موجبة للشقاوة وهذا يبين أن مع طاعة الله ورسوله لا يحتاج الى طاعة إمام أو قياس ومع معصية الله ورسوله لا ينفع طاعة إمام أو قياس
ودليل هذا الأصل كثير فى الكتاب والسنة وهو أصل الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله وهو متفق عليه بين الذين أوتوا العلم والايمان قولا واعتقادا وإن خالفه بعضهم عملا وحالا فليس عالم من المسلمين يشك فى أن الواجب على الخلق طاعة الله ورسوله وان ما سواه إنما تجب طاعته حيث أوجبها الله ورسوله

(19/68)


وفى الحقيقة فالواجب في الأصل إنما هو طاعة الله لكن لا سبيل إلى العلم بمأموره وبخبره كله إلا من جهة الرسل والمبلغ عنه اما مبلغ امره وكلماته فتجب طاعته وتصديقه فى جميع ما أمر وأخبر وأما ماسوى ذلك فإنما يطاع في حال دون حال كالأمراء الذين تجب طاعتهم فى محل ولايتهم ما لم يأمروا بمعصية الله والعلماء الذين تجب طاعتهم على المستفتى والمأمور فيما أوجبوه عليه مبلغين عن الله أو مجتهدين اجتهادا تجب طاعتهم فيه على المقلد ويدخل فى ذلك مشائخ الدين ورؤساء الدنيا حيث أمر بطاعتهم كاتباع أئمة الصلاة فيها وأتباع أئمة الحج فيه واتباع امراء الغزو فيه واتباع الحكام في احكامهم واتباع المشايخ المهتدين فى هديهم ونحو ذلك
والمقصود بهذا الأصل أن من نصب إماما فأوجب طاعته مطلقا اعتقادا أو حالا فقد ضل فى ذلك كأئمة الضلال الرافضة الامامية حيث جعلوا في كل وقت إماما معصوما تجب طاعته فإنه لا معصوم بعد الرسول ولا تجب طاعة أحد بعده فى كل شيء والذين عينوهم من أهل البيت منهم من كان خليفة راشدا تجب طاعته كطاعة الخلفاء قبله وهو علي ومنهم أئمة فى العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم من أئمة العلم والدين كعلى بن الحسين وأبى جعفر الباقر وجعفر إبن محمد الصادق ومنهم دون ذلك

(19/69)


وكذلك من دعا لاتباع شيخ من مشايخ الدين فى كل طريق من غير تخصيص ولا استثناء وأفرده عن نظرائه كالشيخ عدي والشيخ أحمد والشيخ عبد القادر والشيخ حيوة ونحوهم
وكذلك من دعا إلى اتباع امام من أئمة العلم فى كل ما قاله وأمر به ونهى عنه مطلقا كالأئمة الأربعة
وكذلك من أمر بطاعة الملوك والأمراء والقضاة والولاة فى كل ما يأمرون وينهون عنه من غير تخصيص ولا استثناء لكن هؤلاء لا يدعون العصمة لمتبوعيهم الاعالية اتباع المشايخ كالشيخ عدي وسعد المديني بن حمويه ونحوهما فإنهم يدعون فيهم نحوا مما تدعيه الغالية فى أئمة بني هاشم من العصمة ثم من الترجيح على النبوة ثم من دعوى الالهية
وأما كثير من أتباع أئمة العلم ومشايخ الدين فحالهم وهواهم بضاهي حال من يوجب اتباع متبوعه لكنه لا يقول ذلك بلسانه ولا يعتقده علما فحاله يخالف اعتقاده بمنزلة العصاة أهل الشهوات وهؤلاء أصلح ممن يرى وجوب ذلك ويعتقده وكذلك اتباع الملوك والرؤساء هم كما أخبر الله عنهم بقوله أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا فهم مطيعون حالا وعملا وانقيادا وأكثرهم من غير عقيدة دينية وفيهم

(19/70)


من يقرن بذلك عقيدة دينية ولكن طاعة الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء به والقدرة على العمل به فإذا ضعف العلم والقدرة صار الوقت وقت فترة في ذلك الأمر فكان وقت دعوة ونبوة فى غيره فتدبر هذا الأصل فإنه نافع جدا والله أعلم
وكذا من نصب القياس أو العقل أو الذوق مطلقا من أهل الفلسفة والكلام والتصوف أو قدمه بين يدي الرسول من أهل الكلام والرأي والفلسفة والتصوف فإنه بمنزلة من نصب شخصا فالاتباع المطلق دائر مع الرسول وجودا وعدما
فصل
أول البدع ظهورا فى الاسلام وأظهرها ذما فى السنة والآثار بدعة الحرورية المارقة فإن أولهم قال للنبى فى وجهه اعدل يامحمد فإنك لم تعدل وأمر النبى بقتلهم وقتالهم وقاتلهم أصحاب النبى صلى الله عليه و سلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
والأحاديث عن النبى مستفيضة بوصفهم وذمهم

(19/71)


والأمر بقتالهم قال أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه قال النبى صلى الله عليه و سلم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة
ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم أحدهما خروجهم عن السنة وجعلهم ماليس بسيئة سيئة أو ماليس بحسنة حسنة وهذا هو الذي أظهروه فى وجه النبى حيث قال له ذو الخويصرة التميمي اعدل فانك لم تعدل حتى قال له النبى ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل فقوله فانك لم تعدل جعل منه لفعل النبى سفها وترك عدل وقوله اعدل أمر له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التى لا تصلح وهذا الوصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة فقائلها لابد أن يثبت ما نفته السنة وينفى ما أثبتته السنة ويحسن ما قبحته السنة أو يقبح ما حسنت السنة وإلا لم يكن بدعة وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ فى بعض المسائل لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة

(19/72)


والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ولم يوجبوا طاعته ومتابعته وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التى تخالف بزعمهم ظاهر القرآن
وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم فى الحقيقة على هذا فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه كما يحكى عن عمرو بن عبيد فى حديث الصادق المصدوق وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة اما برد النقل وإما بتأويل المنقول فيطعنون تارة في الاسناد وتارة في المتن وإلا فهم ليسوا متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التى جاء بها الرسول بل ولا بحقيقة القرآن
الفرق الثانى فى الخوارج وأهل البدع انهم يكفرون بالذنوب والسيئات ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم وان دار الاسلام دار حرب ودارهم هي دار الايمان وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهمية وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم فهذا أصل البدع التى ثبت بنص سنة رسول الله وإجماع السلف أنها بدعة وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفرا

(19/73)


فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم
وهذان الأصلان هما خلاف السنة والجماعة فمن خالف السنة فيما أتت به أو شرعته فهو مبتدع خارج عن السنة ومن كفر المسلمين بما رآه ذنبا سواء كان دينا أو لم يكن دينا وعاملهم معاملة الكفار فهو مفارق للجماعة وعامة البدع والأهواء إنما تنشأ من هذين الأصلين أما الأول فشبه التأويل الفاسد أو القياس الفاسد أما حديث بلغه عن الرسول لا يكون صحيحا أو أثر عن غير الرسول قلده فيه ولم يكن ذلك القائل مصيبا أو تأويل تأوله من آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم صحيح أو ضعيف أو أثر مقبول أو مردود ولم يكن التأويل صحيحا وإما قياس فاسد أو رأي رآه اعتقده صوابا وهو خطأ
فالقياس والرأي والذوق هو عامة خطأ المتكلمة والمتصوفة وطائفة من المتفقهة
وتأويل النصوص الصحيحة أو الضعيفة عامة خطأ طوائف المتكلمة والمحدثة والمقلدة والمتصوفة والمتفقهة

(19/74)


وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سنى فهو مذهب الخوارج
والتكفير باعتقاد سنى مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم
وأما التكفير باعتقاد بدعى فقد بينته فى غير هذا الموضع ودون التكفير قد يقع من البغض والذم والعقوبة وهو العدوان أو من ترك المحبة والدعاء والاحسان وهو التفريط ببعض هذه التأويلات ما لا يسوغ وجماع ذلك ظلم فى حق الله تعالى أو فى حق المخلوق كما بينته فى غير هذا الموضع ولهذا قال أحمد بن حنبل لبعض أصحابه أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس

(19/75)


وقال شيخ الاسلام
إمام الأئمة والمسلمين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم إبن عبد السلام بن تيمية قدس الله روحه
الحمد لله نستعينه ونستغفرة ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أصل جامع
فى الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه وبيان الاهتداء به فى كل ما يحتاج إليه الناس من دينهم وأن النجاة والسعادة فى اتباعه والشقاء فى مخالفته وما دل عليه من اتباع السنة والجماعة قال الله تعالى قال اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال

(19/76)


رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى قال إبن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل فى الدنيا ولا يشقى فى الآخرة ثم قرأ هذه الآية
وفى السورة الأخرى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وقال تعالى المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون وقال تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ان تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزى الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون
وقال تعالى يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يخزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون

(19/77)


وقال تعالى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا فى ضلال كبير وقال تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين وقال تعالى ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم فى البلاد إلى قوله الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار إلى قوله إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد إلى قوله ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير
وفى قوله يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم بيان أنه لا يجوز أن يعارض كتاب الله بغير كتاب الله لا بفعل احد ولا أمره لا دولة ولا سياسة فإنه حال الذين يجادلون فى آيات الله بغير

(19/78)


سلطان أتاهم ولكن يجوز أن يكون فى آيات الله ناسخ ومنسوخ فيعارض منسوخه بناسخه كما قال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وكما قال تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ونظائره متعددة
وقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقال تعالى الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وقال تعالى هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وقال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط

(19/79)


مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا فأمر بالاعتصام بحبل الله وهو كتابه كما قال النبى إن هذا القرآن حبل ممدود طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ما تمسكتم به وفى الحديث الآخر وهو حبل الله المتين ثم قال تعالى ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فالف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا الآيات
وقال تعالى ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال تعالى ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقال تعالى الم ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين وقال هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وقال ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لايقصرون وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما اتبع ما يوحى إلى من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
وقال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين

(19/80)


ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون وقال تعالى يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وقال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وقال تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون وقال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما فى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور وقال تعالى اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به وقال تعالى والذين يمسكون بالكتاب واقاموا الصلاة انا لانضيع أجر المصلحين وقال تعالى واتبع مايوحى يك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين

(19/81)


فصل
قد أمرنا الله تعالى بإتباع ما أنزل إلينا من ربنا وبإتباع ما يأتى منه من الهدى وقد أنزل علينا الكتاب والحكمة كما قال تعالى واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به والحكمة من الهدى قال تعالى وان تطيعوه تهتدوا والأمر باتباع الكتاب والقرآن يوجب الأمر باتباع الحكمة التى بعث بها الرسول وباتباعه وطاعته مطلقا
وقال تعالى واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة وقال تعالى ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلهم الكتاب الحكمة ويزكيهم وقال تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون وقال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين وقال تعالى هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم

(19/82)


ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم
وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين موضعا كقوله تعالى قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين وقوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين وقوله وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ماحمل وعليكم ماحملتم وأن تطعيوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين الى قوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون إلى قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إلى قوله أو يصيبهم عذاب أليم وقوله تعالى وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما
وقوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله تعالى ومن يطع الله والرسول فاولئك

(19/83)


مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا وقوله تعالى ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار إلى قوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها ابدا وقوله تعالى يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون ياليتنا اطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وقوله تعالى ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا
فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه فى الكتاب كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وان لم نجد ما فى الكتاب منصوصا بعينه فى حديث عن الرسول غير الكتاب فعلينا ان نتبع الكتاب وعلينا أن نتبع الرسول واتباع أحدهما هو اتباع الآخر فإن الرسول بلغ الكتاب والكتاب أمر بطاعة الرسول ولا يختلف الكتاب والرسول ألبتة كما لا يخالف الكتاب بعضه بعضا قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

(19/84)


والأحاديث كثيرة عن النبى فى وجوب اتباع الكتاب وفى وجوب اتباع سنته كقوله لا الفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من امري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا وبينكم هذا القرآن فما وجدنا فيه من حلال حللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه آلا واني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا وانه مثل القرآن أو أعظم هذا الحديث فى السنن والمسانيد مأثور عن النبى صلى الله عليه و سلم من عدة جهات من حديث أبي ثعلبة وأبى رافع وأبي هريرة وغيرهم
وفى صحيح مسلم عنه من حديث جابر أنه قال فى خطبة الوداع وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله تعالى وفى الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قيل له هل أوصى رسول الله قال لا قيل فكيف كتبه على الناس الوصية قال أوصى بكتاب الله وسنة رسول الله تفسر القرآن كما فسرت أعداد الصلوات وقدر القراءة فيها والجهر والمخافتة وكما فسرت فرائض الزكاة ونصبها وكما فسرت المناسك وقدر الطواف بالبيت والسعي ورمي الجمار ونحو ذلك
وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب

(19/85)


اتباعها وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه كالسنة المفسرة لنصاب السرقة والموجبة لرجم الزاني المحصن فهذه السنة أيضا مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم باحسان وسائر طوائف المسلمين ص 86 برنامج مجموع أعمال إبن تيمية مؤسسة البرامج الاسلامية
إلا من نازع فى ذلك من الخوارج المارقين الذين قال فيهم النبى يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرا عند الله لمن قاتلهم يوم القيامة
وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة فى وصفهم وذمهم والأمر بقتالهم عن النبى صلى الله عليه و سلم قال أحمد بن حنبل صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد روى مسلم في صحيحه حديثهم من عشرة أوجه كأنها هي التى أشار إليها احمد بن حنبل فإن مسلما أخذ عن أحمد
وقد روى البخاري حديثهم من عدة أوجه وهؤلاء أولهم قال للنبى يا محمد اعدل فانك لم تعدل فمن جوز عليه أن يظلمه فلا يعدل كمن يوجب طاعته فيما ظلم فيه لكنهم يوجبون اتباع مابلغه عن الله وهذا من جهلهم وتناقضهم ولهذا قال النبى

(19/86)


ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل وقال لقد خبت وخسرت إن لم أعدل أي إن اتبعت من هو غير عادل فأنت خائب خاسر وقال أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني يقول إذا كان الله قد ائتمننى على تبليغ كلامه أفلا تأمنوني على أن أؤدي الأمانة إلى الله قال تعالى وما كان لنبى أن يغل
وفى الجملة فالقرآن يوجب طاعته فى حكمه وفي قسمه ويذم من يعدل عنه فى هذا أو هذا كما قال تعالى فى حكمه فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وقال تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف اذا اصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن اردنا الا احسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول

(19/87)


لوجدوا الله توابا رحيما وقال تعالى ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون
وقال فى قسمه للصدقات والفىء قال فى الصدقات ومنهم من يلمزك فى الصدقات فان أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا الى الله راغبون وقال فى الفيء ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القرب واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم الآيات الثلاث
فالطاعن فى شيء من حكمه أو قسمه كالخوارج طاعن في

(19/88)


كتاب الله مخالف لسنة رسول الله مفارق لجماعة المسلمين وكان شيطان الخوارج مقموعا لما كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان فلما إفترقت الأمة فى خلافة علي رضي الله عنه وجد شيطان الخوارج موضع الخروج فخرجوا وكفروا عليا ومعاوية ومن والاهما فقاتلهم أولى الطائفتين بالحق علي بن أبى طالب كما ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال تمرق مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق
ولهذا لما ناظرهم من ناظرهم كابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهما بينوا لهم بطلان قولهم بالكتاب والميزان كما بين لهم ابن عباس حيث أنكروا على علي بن أبي طالب قتاله لأهل الجمل ونهيه عن اتباع مدبرهم والاجهاز على جريحهم وغنيمة أموالهم وذراريهم وكانت حجة الخوارج أنه ليس فى كتاب الله الا مؤمن أو كافر فإن كانوا مؤمنين لم يحل قتالهم وإن كانوا كفارا أبيحت دماؤهم وأموالهم وذراريهم فأجابهم ابن عباس بأن القرآن يدل على أن عائشة أم المؤمنين وبين أن أمهات المؤمنين حرام فمن أنكر أمومتها فقد خالف كتاب الله ومن استحل فرج أمه فقد خالف كتاب الله
وموضع غلطهم ظنهم ان من كان مؤمنا لم يبح قتاله بحال وهذا مما ضل به من ضل من الشيعة حيث ظنوا أن من قاتل عليا كافر

(19/89)


فإن هذا خلاف القرآن قال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصحلوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء الى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم فأخبر سبحانه أنهم مؤمنون مقتتلون وأمر إن بغت احداهما على الأخرى ان تقاتل التى تبغى فانه لم يكن امر بقتال أحدهما ابتداء ثم أمر إذا فاءت إحداهما بالاصلاح بينهما بالعدل وقال إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم فدل القرآن على إيمانهم واخوتهم مع وجود الأقتتال والبغي وأنه يأمر بقتال الباغية حيث أمر الله به
وكذلك عمر بن عبدالعزيز لما ناظرهم وأقروا بوجوب الرجوع الى ما نقله الصحابة عن الرسول من فرائض الصلاة بين لهم عمر أنه كذلك يجب الرجوع الى ما نقلوه عنه من فريضة الرجم ونصاب الزكاة وان الفرق بينهما فرق بين المتماثلين فرجعوا الى ذلك وكذلك ابن عباس ناظرهم لما أنكروا تحكيم الرجال بأن الله قال فى الزوجين إذا خيف شقاق بينهما أن يبعث حكما من أهله وحكما من أهلها وقال إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما وأمر ايضا أن يحكم في الصيد يجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم فمن أنكر التحكيم مطلقا فقد خالف كتاب الله تعالى وذكر إبن عباس ان

(19/90)


التحكيم في أمر أميرين لأجل دماء الأمة أولى من التحكيم في أمر الزوجين والتحكيم لأجل دم الصيد وهذا استدلال من إبن عباس بالاعتبار وقياس الأولى وهو من الميزان فاستدل عليهم بالكتاب والميزان قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم فى شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم والآخر ذلك خير وأحسن تأويلا
أمر سبحانه بطاعته وطاعه رسوله وأولي الأمر منا وأمر إن تنازعنا فى شيء أن نرده الى الله والرسول فدل هذا على ان كل ما تنازع المؤمنون فيه من شيء فعليهم ان يردوه الى الله والرسول والمعلق بالشرط يعدم عند عدم الشرط فدل ذلك على أنهم اذا لم يتنازعوا لم يكن هذا الأمر ثابتا وكذلك إنما يكون لأنهم إذا لم يتنازعوا كانوا على هدى وطاعة لله ورسوله فلا يحتاجوا حينئذ ان يأمروا بما هم فاعلون من طاعة الله والرسول
ودل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا بل اجتمعوا فانهم لايجتمعون على ضلالة ولو كانوا قد يجتمعون على ضلالة لكانوا حينئذ أولى بوجوب الرد الى الله والرسول منهم اذا تنازعوا فقد يكون احد الفريقين مطيعا لله والرسول فإذا كانوا مأمورين في هذا الحال بالرد الى الله والرسول ليرجع الى ذلك فريق منهم خرج عن ذلك فلأن يؤمروا بذلك

(19/91)


إذا قدر خروجهم كلهم عنه بطريق الأولى والأحرى أيضا فقد قال لهم واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها فلما نهاهم عن التفرق مطلقا دل ذلك على أنهم لايجتمعون على باطل إذ لو اجتمعوا على باطل لوجب اتباع الحق المتضمن لتفرقهم وبين أنه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا كما قال هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم فإذا كانت قلوبهم متألفة غير مختلفة على أمر من الأمور كان ذلك من تمام نعمة الله عليهم ومما من به عليهم فلم يكن ذلك اجتماعا على باطل لأن الله تعالى أعلم بجميع الأمور انتهى والحمد لله رب العالمين

(19/92)


وقال شيخ الإسلام
تقى الدين أبو العباس احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ابى القاسم بن محمد بن تيمية الحرانى رضى الله عنه ونور ضريحه
الحمد لله رب العالمين قاعدة نافعة فى وجوب الاعتصام بالرسالة وبيان ان السعادة والهدى فى متابعة الرسول وأن الضلال والشقاء فى مخالفته وان كل خير فى الوجود إما عام وإما خاص فمنشأه من جهة الرسول وأن كل شر فى العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به وأن سعادة العباد فى معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة
والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها وحاجتهم اليها فوق حاجتهم الى كل شىء والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأى صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور والدنيا مظلمة ملعونة الا ما طلعت عليه شمس الرسالة وكذلك العبد ما لم تشرق فى قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو فى ظلمة وهو من الأموات قال الله

(19/93)


تعالى او من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها فهذا وصف المؤمن كان ميتا فى ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورا يمشى به فى الناس واما الكافر فميت القلب فى الظلمات
وسمى الله تعالى رسالته روحا والروح اذا عدم فقد فقدت الحياة قال الله تعالى وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا فذكر هنا الأصلين وهما الروح والنور فالروح الحياة والنور النور
وكذلك يضرب الله الأمثال للوحى الذى انزله حياة للقلوب ونورا لها بالماء الذى ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التى يحصل بها النور وهذا كما فى قوله تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فىالنار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب كما ان

(19/94)


بالماء حياة الأبدان وشبه القلوب بالأودية لأنها محل العلم كما ان الأودية محل الماء فقلب يسع علما كثيرا وواد يسع ماء كثيرا وقلب يسع علما قليلا وواد يسع ماء قليلا وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء وأنه يذهب جفاء أى يرمى به ويخفى والذى ينفع الناس يمكث فى الأرض ويستقر وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات فاذا ترابى فيها الحق ثارت فيها تلك الشهوات والشبهات ثم تذهب جفاء ويستقر فيها الايمان والقرآن الذى ينفع صاحبه والناس وقال ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فهذا المثل الآخر وهو النارى فالأول للحياة والثانى للضياء
ونظير هذين المثالين المثالان المذكوران فى سورة البقرة فى قوله تعالى مثلهم كمثل الذى استوقد نارا الى قوله او كصيب من السماء الى آخر الآية واما الكافر ففى ظلمات الكفر والشرك غير حى وإن كانت حياته حياة بهيمية فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التى سببها سبب الايمان وبها يحصل للعبد السعادة والفلاح فى الدنيا والآخرة فان الله سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده فى تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم وتكميل ما يصلحهم فى معاشهم ومعادهم وبعثوا جميعا بالدعوة الىالله وتعريف الطريق الموصل اليه وبيان حالهم بعد الوصول اليه

(19/95)


فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام الله فى أوليائه واعدائه وهى القصص التى قصها على عباده والأمثال التى ضربها لهم والأصل الثانى يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهى والاباحة وبيان ما يحبه الله وما يكرهه
والأصل الثالث يتضمن الايمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب
وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر والسعادة والفلاح موقوفة عليها ولا سبيل الى معرفتها إلا من جهة الرسل فان العقل لا يهتدى الى تفاصيلها ومعرفة حقائقها وإن كان قد يدرك وجه الضرورة اليها من حيث الجملة كالمريض الذى يدرك وجه الحاجة الى الطب ومن يداويه ولا يهتدى الى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه
وحاجة العبد الى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض الى الطب فان آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان وأما اذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا أو شقى

(19/96)


شقاوة لا سعادة معها أبدا فلا فلاح إلا باتباع الرسول فان الله خص بالفلاح اتباعه المؤمنين وأنصاره كما قال تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه اولئك هم المفلحون أى لا مفلح إلا هم كما قال تعالى ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما انزل الى رسوله وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة وبالهدى والفلاح فعلم بذلك ان الهدى والفلاح دائر حول ربع الرسالة وجودا وعدما وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء وبعث به جميع الرسل ولهذا قص الله علينا أخبار الأمم المكذبة للرسل وما صارت اليه عاقبتهم وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن بعدهم وموعظة وكذلك مسخ من مسخ قرده وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم وكذلك من خسف به وأرسل عليه الحجارة من السماء وأغرقه فى اليم وأرسل عليه الصيحة وأخذه بأنواع العقوبات وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل واعراضهم عما جاءوا به واتخاذهم أولياء من دونه
وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما جاؤوا به

(19/97)


واتبع غير سبيلهم ولهذا أبقى الله سبحانه آثار المكذبين لنعتبر بها ونتعظ لئلا نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم كما قال تعالى إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون وقال تعالى ثم دمرنا الآخرين وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون أي تمرون عليهم نهارا بالصباح وبالليل ثم قال أفلا تعقلون وقال تعالى فى مدائن قوم لوط وامطرنا عليهم حجارة من سجيل إن فى ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم يعنى مدائنهم بطريق مقيم يراها المار بها وقال تعالى او لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم
وهذا كثير فى الكتاب العزيز يخبر الله سبحانه عن إهلاك المخالفين للرسل ونجاة اتباع المرسلين ولهذا يذكر سبحانه فى سورة الشعراء قصة موسى وابراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب ويذكر لكل نبى إهلاكه لمكذبيهم والنجاة لهم ولأتباعهم ثم يختم القصة بقوله إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم فختم القصة باسمين من اسمائه تقتضيها تلك الصفة وهو العزيز الرحيم فانتقم من أعدائه بعزته وانجى رسله واتباعهم برحمته

(19/98)


فصل
والرسالة ضرورية فى اصلاح العبد فى معاشه ومعاده فكما أنه لا صلاح له فى آخرته إلا باتباع الرسالة فكذلك لا صلاح له فى معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة فان الانسان مضطر الى الشرع فانه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه وحركة يدفع بها ما يضره والشرع هو النور الذى يبين ما ينفعه وما يضره والشرع نور والشرع نور الله فى أرضه وعدله بين عباده وحصنه الذى من دخله كان آمنا
وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس فان ذلك يحصل للحيوانات العجم فان الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب بل التمييز بين الأفعال التى تضر فاعلها فى معاشه ومعاده كنفع الايمان والتوحيد والعدل والبر والتصدق والاحسان والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والصبر والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وصلة الأرحام وبر الوالدين والاحسان الى المماليك والجار واداء الحقوق وإخلاص العمل لله والتوكل عليه والإستعانة به والرضا بمواقع القدر به والتسليم لحكمه والانقياد لأمره وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه

(19/99)


وخشيته فى الغيب والشهادة والتقوى اليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه واحتساب الثواب عنده وتصديقه وتصديق رسله فى كل ما اخبروا به وطاعته فى كل ما أمروا به مما هو نفع وصلاح للعبد فى دنياه وآخرته وفى ضد ذلك شقاوته ومضرته فى دنياه وآخرته
ولولا الرسالة لم يهتد العقل الى تفاصيل النافع والضار فى المعاش والمعاد فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل اليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم الصراط المستقيم ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الانعام والبهائم بل أشر حالا منها فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم
وفى الصحيح من حديث أبى موسى رضى الله عنه عن النبى قال مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث اصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه فى دين الله تعالى ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به متفق على صحته

(19/100)


فالحمد لله الذى أرسل الينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آيات الله ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفى ضلال مبين وقال اهل الجنة الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كان لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق والدنيا كلها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم فاذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خرب الله العالم العلوى والسفلى وأقام القيامة
وليست حاجة أهل الأرض الى الرسول كحاجتهم الى الشمس والقمر والرياح والمطر ولا كحاجة الانسان الى حياته ولا كحاجة العين الى ضوئها والجسم الى الطعام والشراب بل أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه فى أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين عباده
وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه محمد بن عبد الله يقول يا ايها الناس إنما أنا رحمه مهداة وقال الله تعالى وما أرسلناك الا رحمة للعالمين وقال صلوات الله وسلامه عليه إن الله نظر الى اهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل

(19/101)


فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله فبعثه رحمه للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بأداء حقوقه وسد اليه جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه وأخذ العهود والمواثيق بالايمان به واتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين
أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدى الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا فختم به الرسالة وهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وفتح برسالته أعينا عميا وآذنا صما وقلوبا غلقا فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت بها القلوب بعد شتاتها فأقام بها الملة العوجاء وأوضح بها المحجة البيضاء وشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع ذكره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب حين حرف الكلم وبدلت الشرائع واستند كل قوم الى أظلم آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم فهدى الله به الخلائق وأوضح به الطريق وأخرج به الناس من الظلمات الى النور وأبصر به من العمى وأرشد به من الغى وجعله قسيم الجنة والنار وفرق ما بين الأبرار والفجار وجعل الهدى والفلاح فى إتباعه وموافقته

(19/102)


والضلال والشقاء فى معصيته ومخالفته
وإمتحن به الخلائق فى قبورهم فهم فى القبور عنه مسؤولون وبه ممتحنون يؤتى العبد فى قبره فيقال ما كنت تقول فى هذا الرجل الذى بعث فيكم
فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فيقال له صدقت على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله نم نومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله اليه ثم يفسح له فى قبره وينور له فيه ويفتح له باب الى الجنة فيزداد غبطة وسرورا وأما الكافر والمنافق فيقول لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له قد كنا نعلم ذلك وعلى ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شىء إلا الانسان
وقد أمر الله بطاعة رسوله فى أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن وقرن طاعته بطاعته وقرن بين مخالفته ومخالفته كما قرن بين اسمه واسمه فلا يذكر الله إلا ذكر معه قال ابن عباس

(19/103)


رضى الله عنه فى قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك قال لا أذكر إلا ذكرت معى وهذا كالتشهد والخطب والأذان أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلا يصح الاسلام إلا بذكره والشهادة له بالرسالة
وكذلك لا يصح الأذان إلا بذكره والشهادة له ولا تصح الصلاة إلا بذكره والشهادة له ولا تصح الخطبة إلا بذكره والشهادة له
وحذر الله سبحانه وتعالى من العذاب والكفر لمن خالفه قال تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن امره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم قال الامام أحمد رحمه الله تعالى أى فتنة هى إنما هى الكفر
وكذلك ألبس الله سبحانه الذلة والصغار لمن خالف أمره كما فى مسند الامام أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال بعثت بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم

(19/104)


وكما ان من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقى الهالك فكذلك من أعرض عنه وعما جاء به واطمأن الى غيره ورضى به بدلا منه هو هالك أيضا فالشقاء والضلال فى الاعراض عنه وفى تكذيبه والهدى والفلاح فى الاقبال على ما جاء به وتقديمه على كل ما سواه فالأقسام ثلاثة المؤمن به وهو المتبع له المحب له المقدم له على غيره والمعادى له والمنابذ له والمعرض عما جاء به فالأول هو السعيد والآخران هما الهالكان
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له المؤمنين به وأن يحيينا على سنته ويتوفانا عليها لا يفرق بيننا وبينها إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين

(19/105)


قال شيخ الاسلام رحمه الله
فصل
فى توحد الملة وتعدد الشرائع وتنوعها وتوحد الدين الملى دون الشرعى وما فى ذلك من اقرار ونسخ وجريان ذلك فى اهل الشريعة الواحدة بنوع من الاعتبار قال الله تعالى واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال انى جاعلك للناس اماما فهذا نص فى انه امام الناس كلهم وقال ان ابراهيم كان أمة وهو القدوة الذى يؤتم به وهو معلم الخير وقال ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وانه فى الاخرة لمن الصالحين اذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب يا بنى ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون ام كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت اذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد الهك واله ابائك

(19/106)


ابراهيم واسماعيل واسحاق الها واحدا ونحن له مسلمون تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون
فقد بين انه لا يرغب عن ملة ابراهيم الا من هو سفيه وانه امر بالاسلام فقال اسلمت لرب العالمين وان هذه وصية الى بنيه ووصية اسرائيل الى بنيه وقد اصطفى ادم ونوحا وال ابراهيم وال عمران على العالمين
ثم قال وقالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين فامر باتباع ملة ابراهيم ونهى عن التهود والتنصر وامر بالايمان الجامع كما انزل على النبيين وما اوتوه والاسلام له وان نصبغ بصبغة الله وأن نكون له عابدين ورد على من زعم ان ابراهيم وبنيه واسرائيل وبنيه كانوا هودا او نصارى وقد قال قبل هذا ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم الاية والمعنى ولن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم ولا النصارى حتى تتبع ملتهم
وقد يستدل بهذا على ان لكل طائفة ملة لقوله تعالى

(19/107)


وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وقال تعالى فى اخر السورة امن الرسول بما انزل اليه من ربه الى اخر السورة كما قال فى اولها والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون ففتحها بالايمان الجامع وختمها بالايمان الجامع ووسطها بالايمان الجامع ونبينا اعطى فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه
وقال تعالى فى آل عمران بعد ان قص امر المسيح ويحيى قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون وهى التى كتبها النبى صلى الله عليه و سلم الى هرقل عظيم الروم لما دعاهم الى الاسلام وقال يا اهل الكتاب لم تحاجون فى ابراهيم وما انزلت التوراة والانجيل الا من بعده افلا تعقلون ها انتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وانتم لا تعلمون ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين امنوا والله ولى المؤمنين الى قوله واذ اخذ الله ميثاق

(19/108)


النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة الى قوله وله اسلم من فى السموات والارض طوعا وكرها فانكر على من يبغى غير دين الله كما قال فى اول السورة شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فاخبر ان الدين عند الله الاسلام وان الذين اختلفوا من اهل الكتاب وصاروا على ملل شتى ما اختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم وفيه بيان ان الدين واحد لا اختلاف فيه
وقال تعالى قل اننى هدانى ربى الى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركن قل ان صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين هذا بعد ان ذكر الانبياء فقال اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
وذكر فى الاعراف دعوة المرسلين جميعهم واتفاقهم على عبادة الله وحده لا شريك له فقال ولقد بعثنا فى كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت الاية وقال ان ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لانعمه اجتباه وهداه الى صراط مستقيم واتيناه فى الدنيا حسنة وانه فى الاخرة لمن الصالحين

(19/109)


ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركن وقال ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون الى قوله مشهد يوم عظيم
وقال فى سورة الانبياء وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحى اليه انه لا اله الا انا فاعبدون وقال بعد ان قص قصصهم ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون وقال فى اخرها قل انما يوحى الى انما الهكم اله واحد فهل انتم مسلمون وقال فى سورة المؤمنين يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا انى بما تعملون عليم وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون
وقال فى آخر سورة الحج التى ذكر فيها الملل الست وذكر ما جعل لهم من المناسك والمعابد وذكر ملة ابراهيم خصوصا وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وقال شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى اوحينا اليك الاية وقال لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب الى قوله وذلك دين القيمة

(19/110)


وهذا فى القرآن مذكور فى مواضع كثيرة
وكذلك فى الأحاديث الصحيحة مثل ما ترجم عليه البخارى فقال باب ما جاء فى أن دين الأنبياء واحد وذكر الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة عن النبى قال انا معاشر الأنبياء اخوة لعلات ومثل صفته فىالتوراة لن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فافتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ولهذا وحد الصراط والسبيل فى مثل قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ومثل قوله تعالى وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ومثل قوله الله ولىالذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور وقوله مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله وجاهدوا فى سبيل الله وقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله
والاسلام دين جميع المرسلين قال نوح عليه السلام فان توليتم فما سالتكم من أجر إن أجرى الا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين وقال الله عن ابراهيم وبنيه ما تقدم وقال الله عن السحرة ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وعن فرعون آمنت أنه لا اله إلا الذى آمنت به بنوا اسرائيل وأنا من المسلمين

(19/111)


وقال الحواريون آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون وفىالسورة الاخرى واشهد بأننا مسلمون وقال يوسف الصديق توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين وقال موسى ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين وقالت بلقيس رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وقال فى التوراة يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار
قال شيخ الاسلام وقد قررت فى غير هذا الموضع الاسلام العام والخاص والايمان العام والخاص كقوله ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
وأما تنوع الشرائع وتعددها فقال تعالى لما ذكر القبلة بعد الملة بقوله فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وان الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون الى قوله ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات فأخبر أن لكل أمة وجهة ولم يقل جعلنا لكل أمة وجهة بل قد يكون هم ابتدعوها كما ابتدعت النصارى وجهة المشرق بخلاف ما ذكره فى الشرع والمناهج فانه قال يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر الى قوله

(19/112)


ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وهذه الآيات نزلت بسبب الحكم فى الحدود والقصاص والديات أخبر أن التوراة يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيونون والاحبار بما إستحفظوا وهذا عام فى النبيين جميعهم والربانيين والاحبار
ثم لما ذكر الانجيل قال وليحكم أهل الانجيل بما انزل الله فيه فامر هؤلاء بالحكم لأن الانجيل بعض ما فى التوراة واقر الاكثر والحكم بما انزل الله فيه حكم بما فى التوراة أيضا ثم قال فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فأمره أن يحكم بما أنزل الله على من قبله لكل جعلنا من الرسولين والكتابين شرعة ومنهاجا أى سنة وسبيلا فالشرعة الشريعة وهى السنة والمنهاج الطريق والسبيل وكان هذا بيان وجه تركه لما جعل لغيره من السنة والمنهاج الى ما جعل له ثم أمره أن يحكم بينهم بما أنزل الله اليه فالأول نهى له أن يأخذ بمنهاج غيره وشرعته والثانى وان كان حكما غير الحكم الذى أنزل نهى له ان يترك شيئا مما انزل فيها اتباع محمد الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل فمن لم يتبعه لم يحكم بما أنزل الله وان لم يكن من أهل الكتاب الذين أمروا أن يحكموا بما فيها مما يخالف حكمه

(19/113)


وقال تعالى فى الحج ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام ولكل امة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فىالأمر وذكر فى أثناء السورة لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا فبين انه هو جعل المناسك وذكر مواضع العبادات كما ذكر فى البقرة الوجهة التى يتوجهون اليها وقال فى سورة الجاثية بعد أن ذكر بنى اسرائيل ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون الآية وقال فى النسخ ووجوب اتباعهم للرسول واذ أخذنا ميثاق النبيين لما آتينكم من كتاب وحكمة الى قوله وأنا معكم من الشاهدين وقال فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية والتى بعدها وقد تقدم ما فى البقرة وآل عمران من أمرهم بالايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم وكذلك فى سورة النساء وهو كثير فى القرآن
فصل قال الله تعالى لنا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

(19/114)


واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا الى قوله تعالى ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات الى قوله كنتم خير امة اخرجت للناس
فامرنا بملازمة الاسلام الى الممات كما أمر الأنبياء جميعهم بالاسلام وان نعتصم بحبلة جميعا ولا نتفرق ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وذكر أنه تبيض وجوه وتسود وجوه قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وذكر انه يقال لهم أكفرتم بعد ايمانكم وهذا عائد الى قوله ولا تموتن الا وأنتم مسلمون فأمر بملازمة الاسلام وبين ان المسودة وجوههم أهل التفرق والاختلاف يقال لهم أكفرتم بعد ايمانكم وهذا دليل على كفرهم وارتدادهم وقد تأولهاالصحابه فى الخوارج
وهذا نظير قوله للرسل ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقد قال فى البقرة كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه الآية وقال ايضا ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء وقال تعالى فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما

(19/115)


لديهم فرحون وقال تعالى وان اقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وقال تعالى إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما حاءهم العلم بغيا بينهم الآية وما تفرق الذين أوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءتهم البينة الآية ونظيرها فى الجاثية
وقال الله تعالى يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا وقال تعالى والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنواربنا إنك رؤوف رحيم
فصل اذا كان الله تعالى قد أمرنا بطاعة الله وطاعة رسوله وأولى الامر منا وامرنا عند التنازع فى شىء أن نرده الى الله والى الرسول وامرنا بالاجتماع والائتلاف ونهانا عن التفرق والاختلاف وأمرنا

(19/116)


أن نستغفر لمن سبقنا بالايمان وسمانا المسلمين وأمرنا ان ندوم عليه الى الممات فهذه النصوص وما كان فى معناها توجب علينا الاجتماع فى الدين كاجتماع الأنبياء قبلنا فى الدين وولاة الأمور فينا هم خلفاء الرسول قال النبى فى الحديث الصحيح إن بنى اسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبى قام نبى و إنه لا نبى بعدى وسيكون خلفاء ويكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال اوفوا بيعة الأول فالأول وأدوا لهم الذى لهم فان الله سائلهم عما استرعاهم وقال ايضا العلماء ورثة الأنبياء وروى عنه أنه قال وددت أنى قد رأيت خلفائى قالوا ومن خلفاؤك قال الذين يحيون سنتى يعلمونها الناس فهؤلاء هم ولاة الأمر بعده وهم الأمراء والعلماء وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من الأئمة كالامام احمد وغيره وهو ظاهر قد قررناه فى غير هذا الموضع
فالأصول الثابتة بالكتاب والسنة والاجماع هى بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها ومن دخل فيها كان من أهل الاسلام المحض وهم أهل السنة والجماعة وما تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء قال الله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال تعالى قد

(19/117)


جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وقال 0 يا أيهاالذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة والتنوع قد يكون فى الوجوب تارة وفى الاستحباب أخرى
فالأول مثل ما يجب على قوم الجهاد وعلى قوم الزكاة وعلى قوم تعليم العلم وهذا يقع فى فروض الأعيان وفى فروض الكفايات ففروض الأعيان مثل ما يجب على كل رجل إقامة الجماعة والجمعة فى مكانه مع أهل بقعته ويجب عليه زكاة نوع ماله بصرفه الى مستحقه لجيران ماله ويجب عليه إستقبال الكعبة من ناحيته والحج الى بيت الله من طريقه ويجب عليه بر والديه وصلته ذوى رحمه والاحسان الى جيرانه وأصحابه ومماليكه ورعيته ونحو ذلك من الأمور التى تتنوع فيها أعيان الوجوب وان اشتركت الأمة فى جنس الوجوب وتارة تتنوع بالقدرة والعجز كتنوع صلاة المقيم والمسافر والصحيح والمريض والآمن والخائف
وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره فقد تتعين فى وقت ومكان وعلى شخص أو طائفة وفى وقت آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى كما يقع مثل ذلك فى الولايات والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك

(19/118)


وأما فى الاستحباب فهو أبلغ فان كل تنوع يقع فى الوجوب فانه يقع مثله فى المستحب ويزداد المستحب بان كل شخص انما يستحب له من الأعمال التى يتقرب بها الى الله تعالى التى يقول الله فيها وما يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه ما يقدر عليه ويفعله وينتفع به والأفضل له من الأعمال ما كان أنفع له وهذا يتنوع تنوعا عظيما فاكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقا اذ اكثرهم لا يقدرون على الأفضل ولا يصبرون عليه اذا قدروا عليه وقد لا ينتفعون به بل قد يتضررون اذا طلبوه مثل من لا يمكنه فهم العلم الدقيق اذا طلب ذلك فانه قد يفسد عقله ودينه أو من لا يمكنه الصبر على مرارة الفقر ولا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى أولا يقدر على دفع فتنة الولاية عن نفسه والصبر على حقوقها
ولهذا قال النبى صلى الله عليه و سلم فيما يروى عن ربه عز و جل ان من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وقال النبى لأبى ذر لما سأله الامارة يا ايا ذر إنى أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسى لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وروى عنه أنه قال للعباس عمه نفس تنجيها خير من امارة لا تحصيها ولهذا اذا قلنا هذا العمل أفضل فهذا قول مطلق

(19/119)


ثم المفضول يكون افضل فى مكانه ويكون أفضل لمن لا يصلح له الأفضل مثال ذلك أن قراءة القرآن أفضل من الذكر بالنص والاجماع والاعتبار
أما النص فقوله أفضل الكلام بعد القرآن اربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر وقوله فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وقوله عن الله من شغله قراءة القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين وقوله ما تقرب العباد الى الله بمثل ما خرج منه وقول الاعرابى له انى لا استطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمنى ما يجزينى فى صلاتى فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر
وأما الاجماع على ذلك فقد حكاه طائفة ولا عبرة بخلاف جهال المتعبدة
وأما الاعتبار فان الصلاة تجب فيها القراءة فان عجز عنها انتقل الى الذكر ولا يجزيه الذكر مع القدرة على القراءة والمبدل منه أفضل من البدل الذى لا يجوز إلا عند العجزعن المبدل

(19/120)


وايضا فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى كما تشترط للصلاة الطهارتان والذكر لا يشترط له الكبرى ولا الصغرى فعلم أن أعلى انواع ذكر الله هو الصلاة ثم القراءة ثم الذكر المطلق ثم الذكر فى الركوع والسجود أفضل بالنص والاجماع من قراءة القرآن وكذلك كثير من العباد قد ينتفع بالذكر فىالابتداء مالا ينتفع بالقراءة اذ الذكر يعطيه ايمانا والقرآن يعطيه العلم وقد لا يفهمه ويكون الى الايمان احوج منه لكونه فىالابتداء والقرآن مع الفهم لأهل الايمان افضل بالاتفاق
فهذا وأمثاله يشبه تنوع شرائع الأنبياء فانهم متفقون على ان الله أمر كلا منهم بالدين الجامع وان نعبده بتلك الشرعة والمنهاج كما أن الامة الاسلامية متفقة على ان الله امر كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به اما ايجابا وإما استحباب وان تنوعت الأفعال فى حق أصناف الامة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم ولا اخطأ أحد منهم بل كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضا

(19/121)


فصل و
أما ما يشبه ذلك من وجه دون وجه فهو ما تنازعوا فيه مما اقروا عليه وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والامراء والملوك كاجتهاد الصحابة فى قطع اللينة وتركها واجتهادهم فى صلا ة العصر لما بعثهم النبى الى بنى قريظة وأمرهم ان لا يصلوا العصر الا فى بنى قريظة فصلى قوم فى الطريق فىالوقت وقالوا انما اراد التعجل لا تفويت الصلاة وأخرها قوم الى أن وصلوا وصلوها بعد الوقت تمسكا بظاهر لفظ العموم فلم يعنف النبى صلى الله عليه و سلم واحدة من الطائفتين وقال اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران واذا اجتهد فأخطأ فله أجر
وقد اتفق الصحابة فى مسائل تنازعوا فيها على اقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل فى العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك وحكم عمر أول عام فى الفريضة الحمارية بعدم التشريك وفى العام الثانى بالتشريك فى واقعة مثل الأولى ولما سئل عن ذلك قال تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضى

(19/122)


وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص انهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم
وتنازعوا فى مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحى وتعذيب الميت ببكاء اهله ورؤية محمد ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة
وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعا ومنها ما المصيب فى نفس الأمر واحد عند الجمهور اتباع السلف والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة ادراكه وهل يقال له مصيب أو مخطىء فيه نزاع ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم فى نفس الامر
ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا اثم على من اجتهد وإن أخطأ فهذا النوع يشبه النوع الأول من وجه دون وجه أما وجه المخالفة فلأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الاقرار على الخطأ بخلاف الواحد من العلماء والامراء فانه ليس معصومون من ذلك ولهذا يسوغ بل يجب ان نبين الحق الذى يجب اتباعه وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والامراء وأما الأنبياء فلا يبين أحدهما ما يظهر به خطأ الآخر وأما المشابهة فلأن كلا مأمور باتباع ما بان له من الحق بالدليل الشرعى كأمر النبى باتباع ما أوحى اليه

(19/123)


وليس لاحدهما أن يوجب على الآخر طاعته كما ليس ذلك لاحد النبيين مع الآخر وقد يظهر له من الدليل ما كان خافيا عليه فيكون انتقاله بالاجتهاد عن الاجتهاد ويشبه النسخ فى حق النبى لكن هذا رفع للإعتقاد وذاك رفع للحكم حقيقة وعلى الاتباع اتباع من ولى أمرهم من الامراء والعلماء فيما ساغ له اتباعه وأمر فيه باتباع اجتهاده كما على الامة اتباع أى نبى بعث اليهم وان خالف شرعه شرع الاول لكن تنوع الشرع لهؤلاء وانتقاله لم يكن لتنوع نفس الامر النازل على الرسول ولكن تنوع أحوالهم وهو ادراك هذا لما بلغه من الوحى سمعا وعقلا وعجز الآخر عن ادراك ذلك البلاغ اما سمعا لعدم تمكنه من سماع ذلك النص وإما عقلا لعدم فهمه لما فهمه الاول من النص واذا كان عاجزا سقط عنه الاثم فيما عجز عنه وقد يتبين لاحدهما عجز الآخر وخطؤه وتعذره فى ذلك وقد لا يتبين له عجزه وقد لا يتبين لكل منهما أيهما الذى أدرك الحق وأصابه
ولهذا امتنع من امتنع من تسمية مثل هذا خطأ قال لان التكليف مشروط بالقدرة فما عجز عنه من العلم لم يكن حكم الله فى حقه فلا يقال اخطأه
وأما الجمهور فيقولون أخطأه كما دلت عليه السنة والاجماع لكن خطؤه معذور فيه وهو معنى قوله عجز عن ادراكه وعلمه لكن

(19/124)


هذا لايمنع أن يكون ذاك هو مراد الله وماموره فان عجز الانسان عن فهم كلام العالم لايمنع أن يكون قد أراد بكلامه ذلك المعنى وان يكون الذى فهمه هو المصيب الذى له الأجران
ولهذا تنازع أصحابنا فيمن لم يصب الحكم الباطن هل يقال إنه مصيب فى الظاهر لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده واقتصاره أو لا يطلق عليه اسم الاصابة بحال وإن كان له اجر على اجتهاده وقصده الحق على قولين هما روايتان عن أحمد وذلك لأنه لم يصب الحكم الباطن ولكن قصد الحق وهل اجتهد الاجتهاد المأمور به التحقيق أنه اجتهد الاجتهاد المقدور عليه فهو مصيب من هذا الوجه من جهة المأمور المقدور وإن لم يكن مصيبا من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق
يوضح ذلك أن السلطان نوعان سلطان الحجة والعلم وهو أكثر ما سمى فى القرآن سلطانا حتى روى عن ابن عباس أن كل سلطان فى القرآن فهو الحجة والثانى سلطان القدرة والعمل الصالح لا يقوم الا بالسلطانين فاذا ضعف سلطان الحجة كان الأمر بقدره واذا ضعف سلطان القدرة كان الأمر بحسبه والأمر مشروط بالقدرة على السلطانين فالاثم ينتفى عن الأمر بالعجز عن كل منهما وسلطان الله فىالعلم هوالرسالة وهو حجة الله على خلقه كما قال تعالى

(19/125)


لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى ان هى الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان وقال أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ونظائره متعددة
فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والامراء اذا قصدوا بها وجه الله تعالى دون الاهواء ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع الذى هو عبادة الله وحده لا شريك له واتبعوا ما أنزل اليهم من ربهم من الكتاب والسنة بحسب الامكان بعد الاجتهاد التام هى لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك له وهو الدين الاصلى الجامع كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا شريك له ويثابون على طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به لا من شرعة رسوله ومنهاجه كما يثاب كل نبى على طاعة الله فى شرعه ومنهاجه
ويتنوع شرعهم ومناهجهم مثل أن يبلغ أحدهم الاحاديث بألفاظ غير الالفاظ التى بلغت الآخر وتفسر له بعض آيات القرآن بتفسير يخالف لفظه لفظ التفسير الآخر ويتصرف فى الجمع بين النصوص واستخراج الاحكام منها بنوع من الترتيب والتوفيق ليس هو النوع

(19/126)


الذى سلكه غيره وكذلك فى عباداته وتوجهاته وقد يتمسك هذا بآية أو حديث وهذا بحديث أو آية أخرى
وكذلك فى العلم من العلماء من يسلك بالاتباع طريقة ذلك العالم فتكون هى شرعهم حتى يسمعوا كلام غيره ويروا طريقته فيرجح الراجح منهما فتتنوع فى حقهم الاقوال والافعال السالفة لهم من هذا الوجه وهم مأمورون بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه كما أمرت الرسل بذلك ومأمورون بأن لا يفرقوا بين الأمةبل هى أمة واحدة كما أمرت الرسل بذلك وهؤلاء آكد فان هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد
وأما القدر الذى تنازعوا فيه فلا يقال ان الله أمر كلا منهم باطنا وظاهرا بالتمسك بما هو عليه كما أمر بذلك الانبياء وان كان هذا قول طائفة من أهل الكلام فانما يقال ان الله أمر كلا منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وامكانه فان اصابه والا فلا يكلف الله نفسا الا وسعها وقد قال المؤمنون ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او أخطأنا وقال الله قد فعلت وقال تعالى ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله وينتصر لها بغير هدى من الله فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى

(19/127)


من الله ومن فعل ما أمر به بحسب حاله من اجتهاد يقدر عليه أو تقليد إذا لم يقدر على الاجتهاد وسلك فى تقليده مسلك العدل فهو مقتصد اذ الأمر مشروط بالقدرة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فعلى المسلم فى كل موطن أن يسلم وجهه لله وهو محسن ويدوم على هذا الاسلام فإسلام وجهه اخلاصه لله واحسان فعله الحسن فتدبر هذا فانه اصل جامع نافع عظيم

(19/128)


وقال شيخ الاسلام
هذه قاعدة عظيمة جامعة متشعبة وللناس فى تفاصيلها اضطراب عظيم حتى منهم من صار فى طرفى نقيض فى كلا نوعى الاحكام العلمية والاحكام العينية النظرية وذلك ان كل واحد من العلوم والاعتقادات والاحكام والكلمات بل والمحبة والارادات اما ان يكون تابعا لمتعلقه مطابقا له وإما أن يكون متبوعه تابعا له مطابقا له
ولهذا انقسمت الحق والحقائق والكلمات الى موجود ومقصود الى كونى ودينى الى قدرى وشرعى كما قد بينته فى غير هذا الموضع وقد تنازع النظار فى العلم هل هو تابع للمعلوم غير مؤثر فيه بل هو انفعالى كما يقوله كثير من أهل الكلام أو المعلوم تابع له والعلم مؤثر فيه وهو فعلى كما يقوله كثير من أهل الفلسفة
والصواب أن العلم نوعان أحدهما تابع والثانى متبوع والوصفان يجتمعان فى العلم غالبا أو دائما فعلمنا بما لا يفتقر الىعلمنا كعلمنا بوجود السموات والارض وكذلك علمنا بالله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والنبيين وغير ذلك

(19/129)


علم تابع انفعالى وعلمنا بما يقف على علمنا مثل ما نريده من أفعالنا علم فعلى متبوع وهو سبب لوجود المعلوم وكذلك علم الله بنفسه المقدسة تابع غير مؤثر فيها واما علمه بمخلوقاته فهو متبوع وبه خلق الله الخلق كما قال تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير فان الارادة مستلزمة للعلم فى كل مريد كما أن هذه الصفات مستلزمة للحياة فلا ارادة إلا بعلم ولا إرادة وعلم إلا بحياة وقد يجوز أن يقال كله علم فهو تابع للمعلوم مطابق سواء كان سببا فى وجود المعلوم أو لم يكن فيكون اطلاق المتكلمين أحسن وأصوب من اطلاق المتفلسفة ان كل علم فهو فعلى متبوع
وما أظن العقلاء من الفريقين الا يقصدون معنى صحيحا وهو أن يشيروا الى ما تصوروه فينظر هؤلاء فى ان العلم تابع لمعلومه مطابق له ويشير هؤلاء الى ما فى حسن العلم فى الجملة من أنه قد يؤثر فى المعلوم وغيره ويكون سببا له وأن وجود الكائنات كان بعلم الله وعلم الانسان بما هو حق أو باطل وهدى أو ضلال ورشاد أو غى وصدق أو كذب وصلاح أو فساد من اعتقاداته واراداته وأقواله وأعماله ونحو ذلك يجتمع فيه الوصفان بل غالب العلم أو كله يجتمع فيه الأمران
ولهذا كان الايمان قولا وعملا قول القلب وعمله وقول الجسد

(19/130)


وعمله فانه من عرف الله أحبه فعمله بالله تابع للمعلوم ومتبوع لحبه لله ومن عرف الشيطان أبغضه فمعرفته به تابعة للمعلوم ومتبوعة لبغضه وكذلك عامة العلم لابد أن يتبعه أثر ما فى العالم من حب أو غيره حتى علم الرب سبحانه بنفسه المقدسة يتبعه صفات وكلمات وأفعال متعلقة بنفسه المقدسة فما من علم الا ويتبعه حال ما وعمل ما فيكون متبوعا مؤثرا فاعلا بهذا الاعتبار وما من علم إلا وهو مطابق لمعلومه موافق له سواء كان المعلوم مستغنيا عنه أو كان وجود المعلوم بوجوده فيكون تابعا منفعلا مطابقا بهذا الاعتبار لكن كل علم وان كان له تأثير فلا يجب أن يكون تأثيره فى معلومه فان من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فأحب الله وملائكته وأنبياءه والجنة وأبغض النار لم يكن علمه بذلك مؤثرا فى المعلوم وإنما أثر فى محبة المعلوم وإرادته أو فى بغضه وكراهته لذلك
وإن كان كل علم فانه مطابق للمعلوم لكن قد يكون ثبوت المعلوم فى ذهن العالم وتصوره قبل وجوده فى الخارج كتصور الانسان لأقواله وأعماله وقد يكون وجوده فى الخارج قبل تصور الانسان له وعلمه او بدون تصور الانسان له فلهذا التفريق حصل التقسيم الذى قدمناه من أنه ينقسم الى مؤثر فى المعلوم وغير مؤثر فيه والى تابع للمعلوم وغير تابع له وان كان كل علم فان له أثرا فى نفس العالم وان كان

(19/131)


كل علم فانه تابع تبع المطابقة والموافقة وإن لم يكن بعضه تابعا تبع التأخر والتأثر والافتقار والتعلل
فهذه مقدمة جامعة نافعة جدا فى أمور كثيره إذا تبين هذا فى جنس العلم ظهر ذلك فى الاعتقاد والرأى والظن ونحو ذلك الذى قد يكون علما وقد لايكون علما بل يكون اعتقادا صحيا أو غير صحيح أو ظنا صحيحا او غير صحيح أو غير ذلك من أنواع الشعور والاحساس والادراك فان هذا الجنس هو الأصل فى الحركات والأفعال الروحانية والجسمانية ما كان من جنس الحب والبغض وغير ذلك وما كان من جنس القيام والقعود وغير ذلك فان جميع ذلك تابع للشعور مفتقر اليه مسبوق به والعلم أصل العمل مطلقا وإن كان قد يكون فرعا لعلوم غير العمل كما تقدم
فالاعتقاد تارة يكون فرعا للمعتقد تابعا له كاعتقاد الأمور الخارجة عن كسب العبد كاعتقاد المؤمنين والكفار فىالله تعالى وفى اليوم الآخر وقد يكون أصلا للمعتقد متبوعا له كاعتقاد المعتقد وظنه أن هذا العمل يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضره إما فىالدنيا وإما فى الآخرة مثل اعتقاده أن أكل هذا الطعام يشبعه وأن تناول هذا السم يقتله وأن هذه الرمية تصيب هذا الغرض وهذه الضربة تقطع هذا العنق وهذا البيع والتجارة يورثه ربحا أوخسارة وأن

(19/132)


صلاته وزكاته وحجه وبره وصدقه ونحو ذلك من الأعمال الصالحة يورثه السعادة فىالدنيا والآخرة وأن كفره وفسوقه وعصيانه يورثه الشقاوة فى الدنيا والآخرة
وهذا باب واسع تدخل فيه الديانات والسياسات وسائر الأعمال الدينية والدنيوية ويشترك فيه الدين الصحيح والفاسد لكن هذا الاعتقاد العملى لابد أن يتعلق أيضا بأمور غير العمل فان اعتقاده أن هذا العمل ينفعه فى الدنيا والآخرة أو يضره يتعلق أيضا بصفات ثابته الأعيان لا يتعلق باعتقاده كما أن الاعتقاد النظرى وإن كان معتقده غير العمل فانه يتبعه عمل كما تقدم أن كلا من الاعتقادين تابع متبوع
والأحكام أيضا من جنس الاعتقادات فانه أيضا ينقسم قسمين أحكام عينيه تابعة للمحكوم فيه كالحكم بما يستحقه الله تعالى من الحمد والثناء وما يتقدس عنه من الفقر والشركاء وأحكام عملية يتبعها المحكوم فيه كالحكم بأن هذا العمل حسن او قبيح صالح او فاسد خير أو شر نافع أو ضار واجب أو محرم مأمور به أو منهى عنه رشاد أوغى عدل أو ظلم وكذلك الكلمات فانها تنقسم الى خبرية وإنشائية فالكلمات الخبرية

(19/133)


تطابق المخبر عنه وتتبعه وهى موافقة للعلم التابع والاعتقاد التابع والحكم التابع والكلمات الانشائية مثل الأمر والنهى والاباحة تستتبع المتكلم فيه المأمور به والمنهى عنه والمباح وتكون سببا فى وحوده أو عدمه كالعلم المتبوع والاعتقاد المتبوع وهو الحكم العملي
إذا عرف هذان النوعان فمن الناس من يسمى العلم والاعتقاد والحكم والقول الخبرى التابع علم الأصول وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر ونحو ذلك من الأسماء المتقاربه وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات ويسمى النوع الآخر علم الفروع وفروع الدين وعلم الفقه والشريعة ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين
ومن الناس من يجعل أصول الدين اسما لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسح ولا يغير سواء كان علميا أو عمليا سواء كان من القسم الأول أو الآخر حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام

(19/134)


فصل
إذا تبين هذا فمن الناس من صار فى طرفى نقيض فحكى عن بعض السوفسطائية أنه جعل جميع العقائد هى المؤثرة فى الاعتقادات ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة فى نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى بل جعل الحق فى كل شىء ما اعتقده المعتقد وجعل الحقائق تابعه للعقائد وهذا القول على اطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل وإنما هو من جنس ما يحكى أن السوفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة وأن لهم مقدما يقال له سوفسطا كما يذكره فريق من أهل الكلام
وزعم آخرون ان هذا القول لا يعرف أن عاقلا قاله ولا طائفة تسمى بهذا الاسم وإنما هى كلمة معربة من اللغة اليوناية ومعناها الحكمة المموهة يعنون الكلام الباطل الذى قد يشبه الحق كما قد يتخيله الانسان لفساد عقله أو مزاجه أو اشتباه الأمر عليه وجعلوا

(19/135)


هذا نوعا من الكلام والرأى يعرض للنفوس لا أنه صنف من الآدميين
وبكل حال فمعلوم أن التخيلات الفاسدة كثيرا ما تعرض لبنى آدم بل هى كثيرة عليهم وهم يجحدون الحق إما عنادا وإما خطأ فى أمور كثيرة وفى أحوال كثيرة وإن كان الجاحد قد يقر بحق آخر أو يقر بذلك الحق فى وقت آخر فالجهل والعناد الذى هو السفسطة هو فيهم خاص مقيد لا أنه عام مطلق قد يبتلى به بعضهم مطلقا وان لم يستمر به الأمر وقد يبتلى به فى شىء بعينه على سبيل الدوام واما ابتلاء الشخص المعين به فقد يكون اما مع فساد العقل المسقط للتكليف وهو الجنون وإما مع صحة العقل المشروط فى التكليف فما أعلم شخصا جاهلا بكل شىء معاندا لكل شىء حتى يكون سوفسطائيا
ومما يبين أن هذا لم يقع عند المتكلمة أيضا أن كثيرا من متكلمة أهل الحديث والسنة وغيرهم يقولون إن العقل المشروط فى التكليف نوع من العلوم الضرورية كالعلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات وامتناع الممتنعات واستدلوا على ذلك بأن العاقل لا يخلو من علم شىء من ذلك وهذا قول القاضى أبى بكر وابن الباقلانى وأبى الطيب الطبرى والقاضى أبى يعلى وابن عقيل وغيرهم فمن كان هذا

(19/136)


قوله لم يصح أن يحكى عن عاقل أنه أنكر العلوم جميعها إلا على سبيل العناد ومعلوم أن العناد لا يكون إلا لغرض وليس لأحد غرض أن يعاند فى كل شىء ويجحده على سبيل الدوام
ومن الناس بازاء هؤلاء من قد يتوهم أنه لا تأثير للعقائد فى المعتقدات ولا تختلف الأحكام باختلاف العقائد بل يتخيل أنه إذا اعتقد وجوب فعل أو تحريمه كان من خرج عن اعتقاده مبطلا مرتكبا للمحرم أو تاركا للواجب وأنه يستحق من الذم والعقاب ما يستحقه جنس من ترك الواجب او فعل المحرم واذا عورض بأنه متأول او مجتهد لم يلتفت الى هذا وقال هو ضال مخطىء مستحق للعقاب وهذا ايضا على اطلاقه وعمومه لايعتقده صحيح العقل والدين ما أعلم قائلا به علىالاطلاق والعموم كالطرف الأول وإنما أعلم أقواما وطوائف يبتلون ببعض ذلك ولوازمه فى بعض الأشياء فان من غالب من يقول بعصمة الأنبياء والأئمة الأثنى عشر عن الخطأ فى الأقوال والأعمال من قد يرى أنه لو أخطأ الامام فى فعل لكان ذلك عيبا وذما وبين هذين الطرفين المتباعدين أطراف ايضا نشأ عنها اختلاف الناس فى تصويب المجتهدين وتخطئتهم فى الأصول والفروع كما سننبه عليه إن شاء الله

(19/137)


فصل
والمتحقق أن الأحكام والأقوال والاعتقادات كما تقدم نوعان عيني وعملى تابع للمعتقد ومتبوع للمعتقد فرع للمعتقد وأصل له
فأما الأول وهوالعينى التابع للمعتقد المتفرع عليه فهذا لا تؤثر فيه الاعتقادات ولا يختلف باختلافها فان حقائق الموجودات ثابتة فى نفسها سواء اعتقدهاالناس او لم يعتقدوها وسواء اتفقت عقائدهم فيها او اختلفت واذ اختلف الناس فيها على قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا بمعنى ان قوله مطابق للمعتقد موافق له لايقول ذلك عاقل كما تقدم ومن حكى عن أحد من علماء المسلمين سواء كان عبيدالله بن الحسن العنبرى أو غيره أنه قال كل مجتهد فى الأصول مصيب بمعنى أن القولين المتناقضين صادقان مطابقان فقد حكى عنه الباطل بحسب توهمه وإذا رد هذا القول وأبطله فقد أحسن فى رده وابطاله وإن كان هذا القول المردود لا قائل به
ولكن المنازعات والمخالفات فى هذا الجنس تشتمل على أقسام وذلك أن التنازع إما أن يكون فى اللفظ فقط أو فى المعنى فقط او فى كل منهما أو فى مجموعهما

(19/138)


فان كان فى المعنى مع اللفظ أو بدونه فلايخلو اما أن يتناقض المعنيان أو يمكن الجمع بينهما فان كان النزاع فىالمعنيين المتناقضين فأحد القولين صواب والآخر خطأ وأما بقية الأقسام فيمكن فيها أن يكون القولان صوابا ويمكن أن يكون الجميع خطأ ويمكن أن يكون كل منهما أو احدهما صوابا من وجه خطأ من وجه وحيث كان القولان خطأ وقد لايكون واذا لم يكن كفرا فقد يكون فسوقا وقد لا يكون فمن قال ان المتنازعين كل منهما صواب بمعنى الاصابة فى بعض الأقسام المتقدمة أو بمعنى أنه لا يعاقب على ذلك فهذا ممكن وأما تصويب المتناقضين فمحال فانه كثيرا ما يكون النزاع فى المعنى نزاع تنوع لا نزاع تضاد وتناقض فيثبت أحدهما شيئا وينفى الآخر شيئا آخر ثم قد لا يشتركان فى لفظ ما نفاه أحدهما وأثبته الآخر وقد يشتركان فى اللفظ فيكون التناقض والاختلاف فى اللفظ وأما المعنى فلا يختلفان فيه ولا يتناقضان
ثم قد يكونان متفقين عليه بقوله كل منهما وقد يكون أحدهما قاله أو يقوله والآخر لا يتعرض له باثبات ولا نفى وقد يكون النزاع اللفظى مع اتحاد المعنى لا تنوعه وكثير من تنازع الأمة فى دينهم هو من هذاالباب فىالأصول والفروع والقرآن والحديث وغير ذلك
مثال التنوع الذى ليس فيه نزاع لفظى أن يقول أحدهما الصراط

(19/139)


المستقيم هو الاسلام ويقول الآخر وهو السنة والجماعة ويقول الآخر هو القرآن ويقول الآخر هو طريق العبودية فان هذا تنوع فى الأسماء والصفات التى يبين بها الصراط المستقيم بمنزلة اسماء الله وأسماء ورسوله وكتابه وليس بينها تضاد لا فى اللفظ ولا فى المعنى
وكذلك إذا 6 قال بعضهم فى السابق والمقتصد والظالم أقوالا يذكر فيها كل قوم نوعا من المسلمين ويكون الاسم متناولا للجميع من غير منافاة
ومثال التنوع الذى فيه نزاع لفظى لأجل اشتراك اللفظ كما قيل اكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء تنازع قوم فى ان محمدا رأى ربه فىالدنيا أو فى الآخرة فقال قوم رآه فى الدنيا لأنه رآه قبل الموت وقال آخرون بل فى الآخرة لأنه رآه وهو فوق السموات ولم يره وهو فى الأرض والتحقيق أن لفظ الآخرة يراد به الحياة الدنيا والحياة الآخرة ويراد به الدار الدنيا والدار الآخرة ومحمد رأى ربه فى الحياة الدنيا فى الدار الآخرة
وكذلك كثير ممن يتنازعون فى أن الله فى السماء أو ليس فى السماء فالمثبته تطلق القول بان الله فى السماء كما جاءت به النصوص ودلت عليه بمعنى أنه فوق السموات علىعرشه بأن من خلقه وآخرون ينفون

(19/140)


القول بان الله فى السماء ومقصودهم أن السماء لا تحويه ولا تحصره ولا تحمله ولا تقله ولا ريب أن هذا المعنى صحيح أيضا فان الله لا تحصره مخلوقاته بل وسع كرسيه السموات والأرض والكرسى فىالعرش كحلقة ملقاه بأرض فلاة وكذلك ليس هو مفتقرا الى غيره محتاجا اليه بل هو الغنى عن خلقه الحى القيوم الصمد فليس بين المعنيين تضاد ولكن هؤلاء أخطأوا فى نفى اللفظ الذى جاء به الكتاب والسنة وفى توهم ان اطلاقه دال على معنى فاسد
وقد يعذر بعضهم إذا رأى من أطلق هذا اللفظ وأراد به أن السماء تقله أو تظله واذا أخطأ من عنى هذا المعنى فقد أصاب وأما الأول فقد أصاب فى اللفظ لا طلاقه ما جاء به النص وفى المعنى الذى تقدم لأنه المعنى الحق الذى دل عليه النص لكن قد يخطىء بعضهم فى تكفير من يطلق اللفظ الثانى إذا كان مقصوده المعنى الصحيح فان من عنى المعنى الصحيح لم يكفر باطلاق لفظ وان كان مسيئا أو فاعلا أمرا محرما وأما من فسر قوله انه ليس فىالسماء بمعنى أنه ليس فوق العرش وانما فوق السموات عدم محض فهؤلاء هم الجهمية الضلال المخالفون لاجماع الأنبياء ولفطرة العقلاء

(19/141)


فصل ونحن نذكر من ذلك أصولا
أحدها تأثير الاعتقادات فى رفع العذاب والحدود فنقول ان الاحكام الشرعية التى نصبت عليها ادلة قطعية معلومة مثل الكتاب والسنة المتواترة والاجماع الظاهر كوجوب الصلاة والزكاة والحج والصيام وتحريم الزنا والخمر والربا اذا بلغت هذه الأدلة للمكلف بلاغا يمكنه من اتباعها فخالفها تفريطا فى جنب الله وتعديا لحدود الله فلا ريب انه مخطىء آثم وان هذا الفعل سبب لعقوبه الله فى الدنيا والآخرة فان الله أقام حجته على خلقه بالرسل الذين بعثهم اليهم مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل قال تعالى عن أهل النار كلما القى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء أن أنتم الا فى ضلال كبير وقال تعالى وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا حتى اذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها الم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم

(19/142)


لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين
وأما إذا كان فى الفعل والحادثه والمسألة العملية نص لا يتمكن المكلف من معرفته ومعرفة دلالته مثل أن يكون الحديث النبوى الوارد فيها عند شخص لم يعلم به المجتهد ولم يشعر بما يدله عليه أو تكون دلالته خفيه لا يقدر المجتهد على فهمها أو لم يكن فيها نص بحال فهذا مورد نزاع فذهب فريق من أهل الكلام مثل أبى على وأبى هاشم والقاضى أبى بكر والغزالى الى قول مبتدع يشبه فى المجتهدات قول الزنادقة الاباحية فى المنصوصات وهو أنه ليس لهذه الحادثة حكم عند الله فى نفس الأمر وانما حكمه فى حق كل مكلف يتبع اجتهاده واعتقاده فمن اعتقد وجوب الفعل فهو واجب عليه ومن اعتقد تحريمه فهو حرام عليه وبنوا ذلك على مقدمتين
احداهما أن الحكم انما يكون بالخطاب فما لا خطاب فيه لا حكم لله فيه فاذا لم يكن للعقل فيه حكم اما لعدم الحكم العقلى مطلقا او فى هذه الصورة علم أنه لا حكم فيه يكون من اصابه مصيبا ومن أخطأه مخطئا
الثانى انه قد علم أن من اعتقد وجوب شىء فعليه فعله ومن

(19/143)


اعتقد تحريمه فعليه اجتنابه فالحكم فيه يتبع الاعتقاد قالوا والأحكام الشرعية تختلف باختلاف أحوال المكلفين فى إجتهاداتهم وغير اجتهاداتهم بدليل اتفاق الفقهاء واهل السنة على أن الاجتهاد والاعتقاد يؤثر فى رفع الاثم والعقاب كما جاءت به النصوص وأن الوجوب والتحريم يختلف بالاقامة والسفر والطهارة والحيض والعجز والقدرة وغير ذلك فيجوز أن تختلف الأحكام باختلاف الاعتقادات ويكون الحكم فى حق المجتهد عند عدم النص ما اعتقده هذا ملخص قولهم وأما السلف والفقهاء والصوفية والعامة وجمهور المتكلمين فعلى انكار هذا القول انه مخالف للكتاب والسنة واجماع السلف بل هو مخالف للعقل الصريح حتى قال أبو اسحاق الاسفرائينى وغيره هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة يعنى أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه فمن قال ان الإيجاب والتحريم يتبع الإعتقادات فقد سفسط فى الأحكام العملية وان لم يكن مسفسطا فى الاحكام العينية وقد قدمناه أنه لم تجر العادة بان عاقلا يسفسط فى كل شىء لا خطأ ولا عمدا لا ضلالا ولا عنادا لا جهلا ولا تجاهلا واما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهى والايجاب والتحريم والوعيد فى هذه الأحكام ويبقى الانسان ان شاء أن يوجب وان شاء

(19/144)


أن يحرم وتستوى الاعتقادات والأفعال وهذا كفر وزندفة
وجماع الكلام على هؤلاء فى مقامين
أحدهما امتناع هذا القول في نفسه واستحالته وذلك معلوم بالعقل والثاني أنه لو كان جائزا فى العقل لكن لم يرد به الشرع بل هو مخالف له وتعرف مخالفته للنص والاجماع أما الأول فمن وجوه
أحدها أنه قد تقدم ان كل علم واعتقاد وحكم لابد له من معلوم معتقد محكوم به يكون الاعتقاد مطابقا له موافقا سواء كان للاعتقاد تأثير فى وجوده أو لم يكن فان الاعتقادات العملية المؤثرة في المعتقد مثل اعتقاد ان أكل هذا الخبز يشبع واعتقاد أن أكل هذا السم يقتل وان كان هذا الاعتقاد يؤثر فى وجود الأكل مثلا فلا بد له من معتقد ثابت بدونه وهو كون أكل ذلك الخبز موصوفا بتلك الصفة والأكل فان كان معدوما قبل وجوده فان محله وهو الخبز والأكل موجودان فان لم يكن الخبز متصفا بالاشباع اذا أكل والأكل متصفا بأنه يشبع اذا أكله لم يكن الاعتقاد صحيحا بل

(19/145)


فاسدا كما لو اعتقد فى شيء انه رغيف فاكله فاذا هو جص او جبصين فان اعتقاده وان أقدم به على الأكل فانه لا يشبعه لفساد الاعتقاد وهكذا من اعتقد فى شيء أنه ينفعه أو يضره فان الاعتقاد يدعوه الى الفعل او الترك ويبعثه على ذلك فان كان مطابقا حصلت المنفعة واندفعت المضرة اذا انتفت الموانع والا فمجرد الانتفاع بالفعل او الضرر به لا يوجب حصول المنفعة والمضرة وانما هذا قول بعض جهال الكفار لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه فيجعلون الانتفاع بالشيء تبعا لظن المنفعة فيه
وقد اعتقد المشركون الانتفاع بالاصنام التى قال الله فيها يدعو لمن ضره اقرب من نفعه فاذا اعتقد المعتقد ان هذا الفعل مأمور به أمر استحباب يثيب الله عليه ثواب الفعل المستحب أو أمر ايجاب يعاقب من تركه عقوبة العاصى او اعتقد ان الله نهى عنه كذلك فهو معتقد اما صفة فى ربه فقط من الأمر والنهي وهي صفة إضافية للفعل كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من اصحابنا وغيرهم واما صفة فى الفعل فقط من الحسن والقبح والامر والنهى كاشفة لذلك كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من اصحابنا وغيرهم وإما ثبوت الصفتين جميعا للأمر والمأمور به كما عليه جمهور الفقهاء وهو انما يعتقد وجود تلك الصفة التى هى الحكم الشرعى لاعتقاده انها ثابتة فى

(19/146)


نفسها موجودة بدون اعتقاده لا أنه يطلب باعتقاده أن يثبت للأمر والفعل صفة لم تكن له قبل ذلك اذ ليس لأحد من المجتهدين غرض فى ان يثبت للأفعال احكاما باعتقاده ولا ان يشرع دينا لم يأذن به الله وإنما مطلوبه ان يعتقد حكم الله ودينه ولا له مقصود ان يجيء الى الأفعال المتساوية فى ذواتها وفي أمر الله فيعتقد فى أحدها الوجوب على نفسه وفى الآخر التحريم من غير سبب تختص به الأفعال
فهذا موضع ينبغى تدبره فان المؤمن الطالب لحكم الله اذا علم ان تلك الأفعال عند الله سواء لم يميز بعضها عن بعض بامر ولا نهي وهى فى أنفسها سواء لم يميز بعضها عن بعض بحسن ولا سوء ولا مصلحة ولا مفسدة فان هذا الاعتقاد منه موجب لاستوائها وتماثلها فاعتقاده بعد هذا أن هذا واجب يذم تاركه وهذا حرام يعاقب فاعله تناقض فى العقل وسفسطة وكفر فى الدين وزندقة
أما الأول فلأن اعتقاد التساوى والتماثل ينافى اعتقاد الرجحان والتفضيل فضلا عن وجوب هذا وتحريم هذا فكيف يجمع العاقل بين الاعتقادين المتناقضين الا أن يكون اخرق كافرا فيقول أنا اوجب هذا وأحرم هذا بلا أمر من الله ولا مرجح لاحدهما من جهة العقل فإذا فعل هذا كان شارعا من الدين لما لم يأذن به الله وهو مع هذا دين معلوم الفساد بالعقل حيث جعل الأفعال المستوية

(19/147)


بعضها واجب وبعضها محرم بلا سبب يوجب التخصيص الا محض التحكم الذى لا يفعله حيوان اصلا لا عاقل ولا مجنون اذ لو فرض اختصاص احد الفعلين لشهوة او لذة امكن ان يقال تلك جهة توجب الترجيح وهى جهة حسن عند من يقول بالتحسين العقلي فيجب لذلك والغرض انتفاء ذلك جميعه واذا انتفى ذلك كله علم أن اعتقاد حسن الفعل وقبحه ووجوبه وتحريمه يتبع امرا ثابتا فى نفسه يكون مطابقا له او غير مطابق واذا كان كذلك فالاعتقاد المطابق صواب والاعتقاد المخالف ليس بصواب لا ان الحكم يتبع الاعتقاد من كل وجه
الثانى ان الطالب المستدل بالدليل ليستبين له الأحكام هو يطلب العلم بمدلول الدليل فإن لم يكن للدليل مدلول وإنما مدلول الدليل يحصل عقب التأمل لم يكن مطلوبه العلم بالمدلول وانما مطلوبه وجود المدلول وليس هذا شأن الأدلة التى تبين المدلولات وانما هو شأن الأسباب والعلل توجد المسببات وفرق كثير بين الدليل المقتضى للعلم القائم بالقلب وبين العلم المقتضى للوجود القائم فى الخارج فان مقتضى الأول الاعتقاد الذهنى ومقتضى الثانى الوجود الخارجى وأحد النوعين مباين للآخر

(19/148)


فصل
وأما الأحكام والاعتقادات والأقوال العملية التى يتبعها المحكوم فهى الأمر والنهى والتحسين والتقبيح واعتقاد الوجوب والتحريم ويسميها كثير من المتفقهة والمتكلمة الأحكام الشرعية وتسمى الفروع والفقه ونحو ذلك وهذه تكون فى جميع الملل والاديان وتكون فى الامور الدنيوية من السياسات والصناعات والمعاملات وغير ذلك وهي التى قصدنا الكلام عليها فى هذه القاعدة حيث قلنا ان الاعتقادات قد تؤثر فى الاحكام الشرعية فهذه ايضا الناس فيها طرفان ووسط
الطرف الأول طرف الزنادقة الاباحية الكافرة بالشرائع والوعيد والعقاب فى الدار الآخرة الذين يرون ان هذه الأحكام تتبع الاعتقاد مطلقا والاعتقاد هو المؤثر فيها فلا يكون الشىء واجبا الا عند من اعتقد تحريمه ويرون أن الوعيد الذي يلحق هؤلاء هو عذاب نفوسهم بما اعتقدوه من الأمر والنهى والايجاب والتحريم وما اعتقدوه من أنهم إذا فعلوا المحرمات وتركوا الواجبات عذبوا وعوقبوا فيبقى فى

(19/149)


نفوسهم خوف وتألم وتوهم للعذاب وتخيل له فيزعمون ان هذا الألم الناشىء عن هذا الاعتقاد والتخيل هو عقابهم وعذابهم وذاك ناشىء عما اعتقدوه كمن اعتقد ان هنا اسدا او لصا او قاطع طريق من غير ان يكون له وجود فيتألم ويتضرر بخوفه من هذا المحذور الذى اعتقده فاجتمع اعتقاد غير مطابق ومعتقد يؤلم وجوده فتألمت النفس بهذا الاعتقاد والتخيل وقد يقول حذاق هؤلاء من الاسماعيلية والقرامطة وقوم يتصوفون او يتكلمون وهم غالية المرجئة ان الوعيد الذى جاءت به الكتب الالهية انما هو تخويف للناس لتنزجر عما نهيت عنه من غير ان يكون له حقيقة بمنزلة ما يخوف العقلاء الصبيان والبله بما لا حقيقة له لتأديبهم وبمنزلة مخادعة المحارب لعدوه اذا اوهمه امرا يخافه لينزجر عنه او ليتمكن هو من عدوه وغير ذلك
وهؤلاء هم الكفار برسل الله وكتبه واليوم الآخر المنكرون لأمره ونهيه ووعده ووعيده وما ضربه الله فى القرآن من الأمثال وقصة من اخبار الأمم المكذبة للرسل فهو متناول لهؤلاء ويكفى ما عاقب الله به اهل الكفر والفسوق والعصيان فى الدنيا من انواع المثلات فانه امر محسوس مشاهد لا يمكن دفعه وما من احد الا قد سمع من ذلك انواعا او رأى بعضه
وأهل الأرض متفقون على أن الصادق البار العادل ليس حاله كحال

(19/150)


الكاذب الفاجر الظالم بل يرون من ثواب الحسنات وعقوبة السيئات ما فيه عبرة ومزدجر كما كانوا عليه فى الجاهلية قبل الرسل فلما جاءت الرسالة بوعيد الآخرة بين ذلك ما كان الناس عنه غافلين
الطرف الثانى طرف الغالية المتشددين الذين لا يرون للاعتقاد اثرا فى الأفعال بل يقول غاليتهم كقوم من متكلمة المعتزلة ان لله حكما فى كل فعل من أخطأه كان آثما معاقبا فيرون المسلم العالم المجتهد متى خفى عليه دليل شرعى وقد اجتهد واستفرغ وسعه فى طلب حكم الله انه آثم معاقب على خطئه فهذا قولهم فى الاجتهاد والاعتقاد ثم اذا ترك واجبا او فعل محرما قالوا بنفوذ الوعيد فيه فيوجبون تخليد فساق اهل الملة فى النار وهذا قول جمهور المعتزلة والخوارج ولكن الخوارج يكفرون بالذنب الكبير او الصغير عند بعضهم واما المعتزلة فيقولون هو في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر
وأما الأمة الوسط فعلى ان الاعتقاد قد يؤثر فى الأحكام وقد لا يؤثر بحسب الأدلة والأسباب كما ان ذلك هو الواقع فى الامور الطبيعية فالاغذية والادوية قد يختلف حكمها بحسب اعتقاد الطبيب والمتداوى وقد لا يختلف وقد يعتقد الانسان فى الشىء صفة نافعة أو ضارة فينتفع به أو يتضرر وان لم يكن كذلك وقد يعتقد ذلك

(19/151)


فلا يؤثر فلو اعتقد فى الخبز واللحم أنه غير مشبع لم يؤثر ذلك بل هو مشبع ولو اعتقد ضد ذلك
فصل
مذاهب الأئمة تؤخذ من اقوالهم وأما افعالهم فقد اختلف اصحابنا فى فعل الامام احمد هل يؤخذ منه مذهبه على وجهين
أحدهما لا لجواز الذنب عليه او ان يعمل بخلاف معتقده او يكون عمله سهوا او عادة او تقليدا او لسبب ما غير الاعتقاد الذى يفتى به فان عمل المرء بعلمه فى كل حادثة والا يعمل الا بعلم يفتى به فى كل حادثة يفتقر الى ان يكون له فى ذلك رأى وان يذكره وان يكون مريدا له من غير صارف اذ الفعل مع القدرة يقف على الداعى والداعى هو الشعور وميل القلب
والثانى بل يؤخذ منه مذهبه لما عرف من تقوى ابي عبد الله وروعه وزهده فإنه كان من أبعد الناس عن تعمد الذنب وان لم ندع فيه العصمة لكن الظاهر والغالب أن عمله موافق لعلمه فيكون الظاهر فيما عمله أنه مذهبه وهكذا القول فيمن يغلب عليه التقوى

(19/152)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية