صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

ويرضاه فبقى جميع الأمور عندهم سواه وإنما يتميز بنوع من الخوارق فمن كان خارق جعلوه من أولياء الله وخضعوا له اما إتباعا له وإما موافقة له ومحبة وإما أن يسلموا له حاله فلا يحبوه ولا يبغضوه إذ كانت قلوبهم لم يبق فيها من الإيمان ما يعرفون به المعروف وينكرون به المنكر فى هذا الموضع
وقد ثبت فى الصحيح عن النبى انه قال من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان وفى رواية لمسلم من جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل وميت الاحياء الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا وفى حديث حذيفة الذي فى صحيح مسلم ان الفتنة تعرض على القلوب كالحصير عودا عودا فايما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تبقى القلوب على قلبين قلب أبيض مثل الصفاء لا يضره فتنة ما دامت السماء والأرض وقلب أسود مرباد لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا الا ما أشرب من هواه فهؤلاء العباد الزهاد الذين عبدوا الله بآرائهم وذوقهم ووجدهم لا

(13/223)


بالأمر والنهي منتهاهم اتباع أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله لا سيما اذا كانت حقيقتهم هي قول الجهمية المجبرة فرأوا أن جميع الكائنات اشتركت فى المشيئة ولم يميزوا بعضها عن بعض بان الله يحب هذا ويرضاه وهذا يبغضه ويسخطه فان الله يحب المعروف ويبغض المنكر فإذا لم يفرقوا بين هذا وهذا نكت فى قلوبهم نكت سود فسود قلوبهم فيكون المعروف ما يهوونه ويحبونه ويجدونه ويذقونه ويكون المنكر ما يهوون بغضه وتنفر عنه قلوبهم كالمشركين الذين كانوا عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ولهذا يوجد فى هؤلاء وأتباعهم من ينفرون عن القرآن والشرع كما تنفر الحمر المستنفرة التى تفر من الرماة ومن الاسد ولهذا يوصفون بانهم إذا قيل لهم قال المصطفى نفروا
وكان الشيخ ابراهيم بن معضاد يقول لمن رآه من هؤلاء كاليونسية والأحمدية ياخنازير يا أبناء الخنازير ما أرى لله ورسوله عندكم رائحة بل يريد كل منهم أن يؤتى صحفا منشرة كل منهم يريد أن يحدثه قلبه عن ربه فيأخذ عن الله بلا واسطة الرسول واذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما اوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته وبسط هذا له موضع آخر

(13/224)


والمقصود هنا ان قول القدرية الجهمية المجبرة أعظم مناقضة لما جاءت به الرسل من قول النفاة ولهذا لم يكن هؤلاء مظهرين لهذا فى زمن السلف بل كلما ضعف نور النبوة أظهروا حقيقة قولهم فانه من جنس قول المشركين المكذبين للرسل ومنتهاهم الشرك وتكذيب الرسل وهذا جماع الكفر كما أن التوحيد وتصديق الرسل جماع الايمان ولهذا صاروا مع أهل الكفر المحض من المشركين وأهل الكتاب وبسط هذه الأمور له موضع آخر
والمقصود هنا أن القدرية المجبرة من جنس المشركين كما ان النافية من جنس المجوس وان المجبرة ما عندهم سوى القدرة والمشيئة فى نفس الأمر والنافية تنفي القدرة العامة والمشيئة التامة وتزعم انها تثبت الحكمة والعدل وفي الحقيقة كلاهما ناف للحكمة والعدل والمشيئة والقدرة كما قد بسط فى مواضع
لامية
وأولئك يتعلقون بقوله لا يسأل عما يفعل والله يفعل ما يشاء وهذا ذكره الله اثباتا لقدرته لا نفيا لحكمته وعدله بل بين سبحانه انه يفعل ما يشاء فلا أحد يمكنه أن يعارضه إذا شاء شيئا بل هو قادر على فعل ما يشاء بخلاف المخلوق الذي يشاء أشياء كثيرة ولا يمكنه أن يفعلها ولهذا قال النبى فى الحديث الصحيح لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت فان الله لا مكره له ولكن ليعزم المسألة

(13/225)


وذلك انه إنما يقال افعل كذا ان شئت لمن قد يفعله مكرها فيفعل ما لا يريد لدفع ضرر الاكراه عنه والله تعالى لا مكره له فلا يفعل إلا ما يشاء فقوله تعالى ان الله يفعل ما يشاء و يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ونحو ذلك هو لاثبات قدرته على ما يشاء وهذا رد لقول القدرية النفاة الذين يقولون انه لم يشأ كل ما كان بل لا يشاء إلا الطاعة ومع هذا فقد شاءها ولم يكن ممن عصاه وليس هو قادرا عندهم على أن يجعل العبد لا مطيعا ولا عاصيا
فهذه الآيات التى تحتج بها المجبرة تدل على فساد مذهب النفاة كما أن الآيات التى يحتج بها النفاة التى تدل على أنه حكم عادل لا يظلم مثقال ذرة وانه لم يخلق الخلق عبثا ونحو ذلك تدل على فساد قول المجبرة وليس فى هذه الايات ولا هذه ما يدل على صحة قول واحدة من الطائفتين بل ما تحتج به كل طائفة يدل على فساد مذهب الأخرى وكلا القولين باطل وهذا هو الذي نهى عنه النبى فى الحديث الذي فى المسند وغيره وبعضه فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمروعن النبى انه خرج على أصحابه وهم يتمارون فى القدر هذا يقول ألم يقل الله كذا وهذا يقول ألم يقل الله كذا فكأنما فقيء فى وجهه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ولهذا قال أحمد فى بعض مناظرته لمن صار يضرب الآيات

(13/226)


بعضها ببعض انا قد نهينا عن هذا
فمن دفع نصوصا يحتج بها غيره لم يؤمن بها بل آمن بما يحتج صار ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض وهذا حال أهل الاهواء هم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب وقد تركوا كلهم بعض النصوص وهو ما يجمع تلك الاقوال فصاروا كما قال عن أهل الكتاب ومن الذين قالوا انا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة
فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه بل تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون وهؤلاء كلهم ليس معهم من الحق الا ما وافقوا فيه الرسول وهو ما تمسكوا به من شرعه مما أخبر به وما أمر به وأما ما ابتدعوه فكله ضلالة كما قال واياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة وقد تكون تلك البدعة أعظم عندهم مما أخذوا به من الشرعة يجعلون تلك هي الأصول العقلية كالقدرية المجبرة والنفاة فكلاهما يجعل ما أحدثوه من الكلام فى الاصول وهو الذي يسمونه العقليات أعظم عندهم مما تلقوه من الشرع فالمعتزلة يجعلون العقليات هي الخبريات والامريات جميعا كالواجبات الشرعية

(13/227)


لكن يقولون أيضا ان الشرع أوجبها ولكن لهم فيها تخليط ليس هذا موضعه وكذلك ما ابتدعوه فى الخبريات كاثبات حدوث العالم بطريقة الاعراض واستلزامها للأجسام وهم ينفون الصفات والقدر ويسمون ذلك التوحيد والعدل
وجهم بن صفوان وأتباعه هم أعظم نفيا منهم فانهم ينفون الأسماء مع الصفات وهم رؤس المجبرة والأشعرية وافقتهم فى الجبر لكن نازعوهم نزاعا لفظيا فى اثبات الكسب والقدرة عليه وهم يرون أن هذه الأصول العقلية وهي العلم بما يجب للرب ويمتنع عليه وما يجوز عليه من الأفعال هي أعظم العلوم وأشرفها وانهم برزوا بها على الصحابة وان النبى لم يعلمها الصحابة إما لكونه وكلها الى استنباط الأمة وإما لكون الصحابة كانوا مشغولين عنها بالجهاد وإما لكونه قال لهم في ذلك ما لم يبلغوه ولم يشغلهم بالأدلة لاشتغالهم بالجهاد
وهذه هي الاصول العقلية التى يعتمدون عليها هم ومن يوافقهم كالقاضى أبي يعلى وأبى المعالى وأبي الوليد الباجي تبعا للقاضي أبى بكر وأمثاله وهو وأتباعه يناقضون عبد الجبار وأمثاله كما ناقض الأشعرى وأمثاله أبا علي وأبا القاسم

(13/228)


وكل الأصول العقلية التى إبتدعها هؤلاء وهؤلاء باطلة فى العقل والشرع وإن كانت كل واحدة من الطائفتين تعتقد أنها من أعظم الدين ويقدمونها على الأصول الشرعية فإنهم فى ذلك بمنزلة ما يعظمه العباد والزهاد والفقراء والصوفية من الخواراق الشيطانية ويفضلونها على العبادات الشرعية والعبادات الشرعية هى التى معهم من الأسلام وتلك كلها باطلة وإن كانت أعظم عندهم من العبادات حتى يقولوا نهاية الصوفى إبتداء الفقية ونهاية الفقية إبتداء الموله وكذلك صاحب منازل السائرين يذكر فى كل باب ثلاث درجات فالأولى وهى أهونها عندهم توافق الشرع فى الظاهر والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق والثالثة فى الأغلب تخالف لا سيما فى التوحيد و الفناء و الرجاء ونحو ذلك وهذا الذى إبتدعوه هو أعظم عندهم مما وافقوا فيه الرسل وكثير من العباد يفضل نوافله على أداء الفرائض وهذا كثير والله أعلم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين

(13/229)


وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه
عن طائفة من المتفقرة يدعون أن للقرآن باطنا وان لذلك الباطن باطنا الى سبعة أبطن ويروون فى ذلك حديثا أن النبى قال للقرآن باطن وللباطن باطن الى سبعة أبطن ويفسرون القرآن بغير المعروف عن الصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء ويزعمون أن عليا قال لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب كذا وكذا حمل جمل ويقولون انما هو من علمنا اذ هو اللدنى ويقولون كلاما معناه أن رسول الله خص كل قوم بما يصلح لهم فانه أمر قوما بالامساك وقوما بالانفاق وقوما بالكسب وقوما بترك الكسب ويقولون ان هذا ذكرته اشياخنا فى العوارف وغيره من كتب المحققين وربما ذكروا أن

(13/230)


حذيفة كان يعلم أسماء المنافقين خصه بذلك رسول الله وبحديث أبى هريرة حفظت جرابين ويروون كلاما عن أبى سعيد الخراز أنه قال للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية يخبرون عنها بلسان الأزلية ويقولون ان رسول الله قال إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه الا العلماء بالله فاذا نطقوا به لم ينكره الا أهل الغرة بالله فهل ما ادعوه صحيحا أم لا
فسيدى يبين لنا مقالاتهم فان المملوك وقف على كلام لبعض العلماء ذكر فيه أن الواحدى قال ألف أبو عبدالرحمن السلمى كتابا سماه حقائق التفسير أن صح عنه فقد كفر ووقفت على هذا الكتاب فوجدت كلام هذه الطائفة منه أو ما شابهه فما رأى سيدى فى ذلك وهل صح عن النبى أنه قال للقرآن باطن الحديث يفسرونه على ما يرونه من أذواقهم ومواجيدهم المردودة شرعا أفتونا مأجورين
فأجاب الشيخ رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين
أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلفة التى لم يروها أحد

(13/231)


من اهل العلم ولا يوجد فى شىء من كتب الحديث
ولكن يروى عن الحسن البصرى موقوفا أو مرسلا أن لكل آية ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا وقد شاع فى كلام كثير من الناس علم الظاهر وعلم الباطن و أهل الظاهر واهل الباطن ودخل فى هذه العبارات حق وباطل
وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع لكن نذكر هنا جملا من ذلك فنقول
قول الرجل الباطن اما أن يريد علم الأمور الباطنة مثل العلم بما فى القلوب من المعارف والأحوال والعلم بالغيوب التى أخبرت بها الرسل واما أن يريد به العلم الباطن أى الذى يبطن عن فهم أكثر الناس أو عن فهم من وقف مع الظاهر ونحو ذلك
فأما الأول فلا ريب أن العلم منه ما يتعلق بالظاهر كأعمال الجوارح ومنه ما يتعلق بالباطن كأعمال القلوب ومنه ما هو علم بالشهادة وهو ما يشهده الناس بحواسهم ومنه ما يتعلق بالغيب وهو ما غاب عن احساسهم
وأصل الايمان هو الايمان بالغيب كما قال تعالى ألم ذلك

(13/232)


الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب والغيب الذى يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة ويدخل فى ذلك الايمان بالله وأسمائه وصفاته وملائكته والجنة والنار فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الايمان بالغيب فان وصف الرسالة هو من الغيب وتفصيل ذلك هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما ذكر الله تعالى ذلك فى قوله ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وقال ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا
والعلم بأحوال القلوب كالعلم بالاعتقادات الصحيحة والفاسدة والارادات الصحيحة والفاسدة والعلم بمعرفة الله ومحبته والاخلاص له وخشيته والتوكل عليه والرجاء له والحب فيه والبغض فيه والرضا بحكمه والانابة اليه والعلم بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس كالسخاء والحياء والتواضع والكبر والعجب والفخر والخيلاء وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة فى القلوب ونحوه قد يقال له علم الباطن أى علم بالأمر الباطن فالمعلوم هو الباطن واما العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وكلام السلف وأتباعهم بل غالب آى القرآن هو من هذا

(13/233)


العلم فإن الله أنزل القرآن شفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين بل هذا العلم هو العلم بأصول الدين فان اعتقاد القلب أصل لقول اللسان وعمل القلب أصل لعمل الجوارح والقلب هو ملك البدن كما قال أبو هريرة رضى الله عنه القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ألا وإن فى الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهى القلب
ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالايمان ودفع النفاق كان منافقا ان أظهر الاسلام فان الاسلام يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية والايمان فى القلب كما فى المسند عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال الاسلام علانية والايمان فى القلب وكلام الصحابة والتابعين والأحاديث والآثار فى هذا أكثر منها فى الاجارة والشفعة والحيض والطهارة بكثير كثير ولكن هذا العلم ظاهر موجود مقول باللسان مكتوب فى الكتب ولكن من كان بأمور القلب أعلم كان أعلم به وأعلم بمعانى القرآن والحديث
وعامة الناس يجدون هذه الأمور فى أنفسهم ذوقا ووجدا فتكون

(13/234)


محسوسة لهم بالحس الباطن لكن الناس فى حقائق الايمان متفاضلون تفاضلا عظيما فأهل الطبقة العليا يعلمون حال أهل السفلى من غير عكس كما أن أهل الجنة فى الجنة ينزل الأعلى الى الأسفل ولا يصعد الأسفل الى الأعلى والعالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما فلهذا كان فى حقائق الايمان الباطنة وحقائق أنباء الغيب التى أخبرت بها الرسل ما لا يعرفه الا خواص الناس فيكون هذا العلم باطنا من جهتين من جهة كون المعلوم باطنا ومن جهة كون العلم باطنا لا يعرفه أكثر الناس ثم ان هذا الكلام فى هذا العلم يدخل فيه من الحق والباطل ما لا يدخل فى غيره فما وافق الكتاب والسنة فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل كالكلام فى الأمور الظاهرة
فصل
وأما اذا أريد بالعلم الباطن العلم الذى يبطن عن اكثر الناس أو عن بعضهم فهذا على نوعين
أحدهما باطن يخالف العلم الظاهر و الثانى لا يخالفه

(13/235)


فأما الأول فباطل فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئا اما ملحدا زنديقا واما جاهلا ضالا
وأما الثانى فهو بمنزلة الكلام فى العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا فان الباطن اذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم فان علم أنه حق قبل وان علم أنه باطل رد والا أمسك عنه وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الاسماعيلية والنصيرية وأمثالهم ممن وافقهم من الفلاسفة وغلاة المتصوفة والمتكلمين
وشر هؤلاء القرامطة فانهم يدعون أن للقرآن والاسلام باطنا يخالف الظاهر فيقولون الصلاة المأمور بها ليست هذه الصلاة أو هذه الصلاة انما يؤمر بها العامة وأما الخاصة فالصلاة فى حقهم معرفة اسرارنا و الصيام كتمان أسرارنا و الحج السفر الى زيارة شيوخنا المقدسين ويقولون ان الجنة للخاصة هى التمتع فى الدنيا باللذات و النار هى التزام الشرائع والدخول تحت أثقالها ويقولون ان الدابة التى يخرجها الله للناس هى العالم الناطق بالعلم فى كل وقت وإن اسرافيل الذى ينفخ فى الصور هو العالم الذى ينفخ بعلمه فى القلوب حتى تحيا و جبريل هو العقل الفعال الذى تفيض عنه الموجودات و القلم هو العقل الأول

(13/236)


الذى تزعم الفلاسفة أنه المبدع الأول وأن الكواكب والقمر والشمس التى رآها ابراهيم هى النفس والعقل وواجب الوجود وأن الأنهار الأربعة التى رآها النبى ليلة المعراج هى العناصر الأربعة وأن الأنبياء التى رآها فى السماء هى الكواكب فآدم هو القمر ويوسف هو الزهرة وادريس هو الشمس وأمثال هذه الأمور
وقد دخل فى كثير من اقوال هؤلاء كثير من المتكلمين والمتصوفين لكن أولئك القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون عليا على أبى بكر وفيهم من يفضل عليا فى العلم الباطن كطريقة الحربى وأمثاله ويدعون أن عليا كان أعلم بالباطن وأن هذا العلم أفضل من جهته وأبو بكر كان اعلم بالظاهر وهؤلاء عكس محققى الصوفية وأئمتهم فانهم متفقون على أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر وحكى الإجماع على ذلك غير واحد
وهؤلاء الباطنية قد يفسرون وكل شىء أحصيناه فى امام مبين أنه على ويفسرون قوله تعالى تبت يدا أبى لهب وتب بأنهما أبو بكر وعمر وقوله فقاتلوا ائمة الكفر أنهم طلحة والزبير

(13/237)


و الشجرة الملعونة فى القرآن بأنها بنوا أمية
وأما باطنية الصوفية فيقولون فى قوله تعالى اذهب الى فرعون انه القلب و إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة انها النفس ويقول أولئك هى عائشة ويفسرون هم والفلاسفة تكليم موسى بما يفيض عليه من العقل الفعال أو غيره ويجعلون خلع النعلين ترك الدنيا والآخرة ويفسرون الشجرة التى كلم منها موسى و الوادى المقدس ونحو ذلك بأحوال تعرض للقلب عند حصول المعارف له وممن سلك ذلك صاحب مشكاة الأنوار وأمثاله وهى مما أعظم المسلمون انكاره عليه وقالوا أمرضه الشفاء وقالوا دخل فى بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر ومن الناس من يطعن فى هذه الكتب ويقول انها مكذوبة عليه وآخرون يقولون بل رجع عنها وهذا اقرب الأقوال فانه قد صرح بكفر الفلاسفة فى مسائل وتضليلهم فى مسائل أكثر منها وصرح بأن طريقتهم لا توصل الى المطلوب
وباطنية الفلاسفة يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس وما وعد الناس به فى الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم لا باثبات حقائق منفصلة يتنعم بها ويتألم بها وقد وقع فى هذا الباب فى كلام كثير من متأخرى الصوفية ما لم يوجد مثله من أئمتهم ومتقدميهم كما وقع فى كلام كثير من متأخرى اهل

(13/238)


الكلام والنظر من ذلك ما لا يوجد عن أئمتهم ومتقدميهم
وهؤلاء المتأخرون مع ضلالهم وجهلهم يدعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها حتى آل الأمر بهم الى أن جعلوا الوجود واحدا كما فعل ابن عربى صاحب الفصوص وأمثاله فانهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين وهم يدعون مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين كالجنيد بن محمد وسهل بن عبدالله التسترى وابراهيم الخواص وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد وينكرون على الجنيد وأمثاله اذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله التوحيد افراد الحدوث عن القدم ولعمرى ان توحيدهم الذى جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من أعظم الالحاد الذى أنكره المشايخ المهتدون وهم عرفوا أنه باطل فأنكروه وحذروا الناس منه وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد والخالق والمخلوق والقديم والمحدث وأن التوحيد ان يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها وأنه ليس فى مخلوقاته شىء من ذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته
ثم أنهم يدعون أنهم أعلم بالله من المرسلين وان الرسل انما تستفيد معرفة الله من مشكاتهم ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل كقوله مما خطيئاتهم فهى التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله وقولهم ان العذاب مشتق من العذوبة ويقولون ان

(13/239)


كلام نوح فى حق قومه ثناء عليهم بلسان الذم ويفسرون قوله تعالى ان الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون بعلم الظاهر بل ختم الله على قلوبهم فلا يعلمون غيره وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا يسمعون من غيره ولا يرون غيره فانه لا غير له فلا يرون غيره ويقولون فى قوله وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه ان معناه قدر ذلك لأنه ليس ثم موجود سواه فلا يتصور ان يعبد غيره فكل من عبد الأصنام والعجل ما عبد غيره لأنه ما ثم غير وأمثال هذه التأويلات والتفسيرات التى يعلم كل مؤمن وكل يهودى ونصرانى علما ضروريا أنها مخالفة لما جاءت به الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين
وجماع القول فى ذلك أن هذا الباب نوعان
أحدهما أن يكون المعنى المذكور باطلا لكونه مخالفا لما علم فهذا هو فى نفسه باطل فلا يكون الدليل عليه الا باطلا لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضى أنه حق و الثانى ما كان فى نفسه حقا لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك فهذا الذى يسمونه إشارات و حقائق التفسير لأبى عبدالرحمن فيه من هذا الباب شىء كثير

(13/240)


وأما النوع الأول فيوجد كثيرا فى كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين فى أصول دينهم فان من علم أن السابقين الأولين قد رضى الله عنهم ورضوا عنه علم أن كل ما يذكرونه على خلاف ذلك فهو باطل ومن أقر بوجوب الصلوات الخمس على كل أحد ما دام عقله حاضرا علم أن من تأول نصا على سقوط ذلك عن بعضهم فقد افترى ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد ما دام عقله حاضرا علم أن من تأول نصا يقتضى تحليل ذلك لبعض الناس أنه مفتر
وأما النوع الثانى فهو الذى يشتبه كثيرا على بعض الناس فان المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه ولكن الشأن فى كون اللفظ الذى يذكرونه دل عليه وهذان قسمان
أحدهما أن يقال ان ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله فمن قال المراد بقوله تذبحوا بقرة هى النفس وبقوله اذهب الى فرعون هو القلب والذين معه أبو بكر أشداء على الكفار عمر رحماء بينهم عثمان تراهم ركعا سجدا على فقد كذب على الله اما متعمدا واما مخطئا و
القسم الثانى أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس

(13/241)


لا من باب دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس فالذى تسميه الفقهاء قياسا هو الذى تسميه الصوفية اشارة وهذا ينقسم الى صحيح وباطل كانقسام القياس الى ذلك فمن سمع قول الله تعالى لا يمسه الا المطهرون وقال انه اللوح المحفوظ أو المصحف فقال كما أن اللوح المحفوظ الذى كتب فيه حروف القرآن لا يمسه الا بدن طاهر فمعانى القرآن لا يذوقها الا القلوب الطاهرة وهى قلوب المتقين كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف قال تعالى ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وقال هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وقال يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وأمثال ذلك
وكذلك من قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائق الايمان اذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد أصاب قال تعالى أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال تعالى سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا وأمثال ذلك
و كتاب حقائق التفسير لأبى عبدالرحمن السلمى يتضمن ثلاثة أنواع

(13/242)


أحدها نقول ضعيفة عمن نقلت عنه مثل أكثر ما نقله عن جعفر الصادق فان أكثره باطل عنه وعامتها فيه من موقوف أبى عبدالرحمن وقد تكلم أهل المعرفة فى نفس رواية ابى عبدالرحمن حتى كان البيهقى اذا حدث عنه يقول حدثنا من أصل سماعه
والثانى أن يكون المنقول صحيحا لكن الناقل أخطأ فيما قال
والثالث نقول صحيحة عن قائل مصيب فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو باطل وحجته داحضة وكل ما وافق الكتاب والسنة والمراد بالخطاب غيره اذا فسر به الخطاب فهو خطأ وان ذكر على سبيل الاشارة والاعتبار والقياس فقد يكون حقا وقد يكون باطلا
وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد فى آيات الله محرف للكلم عن مواضعه وهذا فتح لباب الزندقة والالحاد وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام
وأما ما يروى عن بعضهم من الكلام المجمل مثل قول بعضهم لو

(13/243)


شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب الخ فهذا اذا صح عمن نقل عنه كعلى وغيره لم يكن فيه دلالة على الباطن المخالف للظاهر بل يكون هذا من الباطن الصحيح الموافق للظاهر الصحيح وقد تقدم أن الباطن اذا أريد به ما لا يخالف الظاهر المعلوم فقد يكون حقا وقد يكون باطلا ولكن ينبغى أن يعرف أنه قد كذب على على وأهل بيته لا سيما على جعفر الصادق ما لم يكذب على غيره من الصحابة حتى أن الاسماعيلية والنصيرية يضيفون مذهبهم اليه وكذلك المعتزلة
وكذلك فرقة التصوف يقولون ان الحسن البصرى صحبه وأنه دخل المسجد فرأى الحسن يقص مع القصاص فقال ما صلاح الدين قال الورع قال فما فساده قال الطمع فأقره وأخرج غيره وقد اتفق أهل المعرفة بالمنقولات ان الحسن لم يصحب عليا ولم يأخذ عنه شيئا وانما أخذ عن اصحابه كالأحنف بن قيس وقيس بن سعد ابن عباد وأمثالهما ولم يقص الحسن فى زمن على بل ولا فى زمن معاوية وانما قص بعد ذلك وقد كانوا فى زمن على يكذبون عليه حتى كان الناس يسألونه كما ثبت فى الصحيحين أنه قيل له هل عندكم من رسول الله كتاب تقرؤونه فقال لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا هذه الصحيفة وفيها أسنان الابل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر وفى لفظ هل عهد اليكم

(13/244)


رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لم يعهده الى الناس فقال لا وفى لفظ الا فهما يؤتيه الله عبدا فى كتابه
وأما العلم اللدنى فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين وعباده الصالحين بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه واتباعهم ما يحبه ما لا يفتح به على غيرهم وهذا كما قال على الا فهما يؤتيه الله عبدا فى كتابه وفى الأثر من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وقد دل القرآن على ذلك فى غير موضع كقوله ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا واذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما فقد أخبر أنه من فعل ما يؤمر به يهديه الله صراطا مستقيما وقال تعالى يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام وقال تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وقال تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وقال تعالى هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون وقال تعالى هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
وأخبر أن اتباع ما يكرهه يصرف عن العلم والهدى كقوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وقوله وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل انما الآيات عند الله وما يشعركم

(13/245)


انها اذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم فى طغيانهم يعمهون أى وما يشعركم أنها اذا جاءت لا يؤمنون بها ونقلب أفئدتهم أى يتركون الايمان ونحن نقلب أفئدتهم لكونهم لم يؤمنوا أول مرة أى ما يدريكم أنه لا يكون هذا وهذا حينئذ
ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال أن بمعنى لعل واستشكل قراءة الفتح بل يعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة الكسر وهذا باب واسع والناس فى هذا الباب على ثلاثة أقسام طرفان ووسط
فقوم يزعمون أن مجرد الزهد وتصفية القلب ورياضة النفس توجب حصول العلم بلا سبب آخر
وقوم يقولون لا أثر لذلك بل الموجب للعلم العلم بالأدلة الشرعية أو العقلية وأما الوسط فهو أن ذلك من أعظم الأسباب معاونة على نيل العلم بل هو شرط فى حصول كثير من العلم وليس هو وحده كافيا بل لابد من أمر آخر اما العلم بالدليل فيما لا يعلم الا به

(13/246)


وأما التصور الصحيح لطرفى القضية فى العلوم الضرورية
وأما العلم النافع الذى تحصل به النجاة من النار ويسعد به العباد فلا يحصل الا باتباع الكتب التى جاءت بها الرسل قال تعالى فاما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن الخ وقال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين فمن ظن أن الهدى والايمان يحصل بمجرد طريق
العلم مع عدم العمل به أو بمجرد العمل والزهد بدون العلم فقد ضل وأضل منهما من سلك فى العلم والمعرفة طريق أهل الفلسلفة والكلام بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا العمل بموجب العلم أو سلك فى العمل والزهد طريق أهل الفلسفة والتصوف بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ولا اعتبار العمل بالعلم فأعرض هؤلاء عن العلم والشرع وأعرض أولئك عن العمل والشرع فضل كل منهما من هذين الوجهين وتباينوا تباينا عظيما حتى أشبه هؤلاء اليهود المغضوب عليهم واشبه هؤلاء النصارى الضالين بل صار منهما من هو شر

(13/247)


من اليهود والنصارى كالقرامطة والاتحادية وامثالهم من الملاحدة الفلاسفة
فصل
وأما قول القائل ان النبى خص كل قوم بما يصلح لهم الخ فهذا الكلام له وجهان
ان أراد به ان الأعمال المشروعة يختلف الناس فيها بحسب اختلاف أحوالهم فهذا لا ريب فيه فانه ليس ما يؤمر به الفقير كما يؤمر به الغنى ولا ما يؤمر به المريض كما يؤمر به الصحيح ولا ما يؤمر به عند المصائب هو ما يؤمر به عند النعم ولا ما تؤمر به الحائض كما تؤمر به الطاهرة ولا ما تؤمر به الأئمة كالذى تؤمر به الرعية فأمر الله لعباده قد يتنوع بتنوع أحوالهم كما قد يشتركون فى اصل الايمان بالله وتوحيده والايمان بكتبه ورسله
وأن أراد أن الشريعة فى نفسها تختلف وان النبى خاطب زيدا بخطاب يناقض ما خاطب به عمرا أو أظهر لهذا شيئا يناقض ما أظهره لهذا كما يرويه الكذابون أن عائشة سألته

(13/248)


هل رأيت ربك فقال لا وسأله أبو بكر فقال نعم وأنه أجاب عن مسألة واحدة بجوابين متناقضين لاختلاف حال السائلين فهذا من كلام الكذابين المفترين بل هو من كلام الملاحدة المنافقين فان النبى قال ما ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين والحديث فى سنن أبى داود وغيره وكان عام الفتح قد أهدر دم جماعة منهم ابن أبى سرح فجاء به عثمان ليبايع النبى فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم بايعه ثم قال أما كان فيكم رجل رشيد ينظر الى وقد أعرضت عن هذا فيقتله فقال بعضهم هلا أومضت الى يا رسول الله فقال ما ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين وهذا مبالغة فى استواء ظاهره وباطنه وسره وعلانيته وأنه لا يبطن خلاف ما يظهر على عادة المكارين المنافقين
ولا ريب أن القرامطة وأمثالهم من الفلاسفة يقولون أنه أظهر خلاف ما أبطن وأنه خاطب العامة بأمور أراد بها خلاف ما أفهمهم لأجل مصلحتهم اذ كان لا يمكنه صلاحهم الا بهذا الطريق وقد زعم ذلك ابن سينا وأصحاب رسائل اخوان الصفا وأمثالهم من الفلاسفة والقرامطة الباطنية فان ابن سينا كان هو وأهل بيته من اتباع الحاكم القرمطى العبيدى الذى كان بمصر
وقول هؤلاء كما أنه من أكفر الأقوال فجهلهم من أعظم الجهل

(13/249)


وذلك أنه اذا كان الأمر كذلك فلابد أن يعلمه أهل العقل والذكاء من الناس واذا علموه امتنع فى العادة تواطؤهم على كتمانه كما يمتنع تواطؤهم على الكذب فانه كما يمتنع فى العادة تواطؤ الجميع على الكذب يمتنع تواطؤهم على كتمان ما تتوفر الهمم والدواعى على بيانه وذكره لا سيما مثل معرفة هذه الأمور العظيمة التى معرفتها والتكلم بها من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعى عليه ألا ترى أن الباطنية ونحوهم أبطنوا خلاف ما أظهروه للناس وسعوا فى ذلك بكل طريق وتواطؤا عليه ما شاء الله حتى التبس أمرهم على كثير من أتباعهم ثم انهم مع ذلك اطلع على حقيقة أمرهم جميع اذكياء الناس من موافقيهم ومخالفيهم وصنفوا الكتب فى كشف أسرارهم ورفع أستارهم ولم يكن لهم فى الباطن حرمة عند من عرف باطنهم ولا ثقة بما يخبرون به ولا التزام طاعة لما يأمرون وكذلك من فيه نوع من هذا الجنس
فمن سلك هذه السبيل لم يبق لمن علم أمره ثقة بما يخبر به وبما يأمر به وحينئذ فينتقض عليه جميع ما خاطب به الناس فانه ما من خطاب يخاطبهم به الا ويجوزون عليه أن يكون أراد به غير ما أظهره لهم فلا يثقون بأخباره وأوامره فيختل عليه الأمر كله فيكون مقصوده صلاحهم فيعود ذلك بالفساد العظيم بل كل من وافقه فلابد أن يظهر خلاف ما أبطن كاتباع من سلك هذه السبيل من القرامطة

(13/250)


الباطنية وغيرهم لا تجد أحدا من موافقيهم الا ولابد أن يبين أن ظاهره خلاف باطنه ويحصل لهم بذلك من كشف الأسرار وهتك الاستار ما يصيرون به من شرار الكفار
وإذا كانت الرسل تبطن خلاف ما تظهر فاما أن يكون العلم بهذا الاختلاف ممكنا لغيرهم واما أن لا يكون فان لم يكن ممكنا كان مدعى ذلك كذابا مفتريا فبطل قول هؤلاء الملاحدة الفلاسفة والقرامطة وأمثالهم وان كان العلم بذلك ممكنا علم بعض الناس مخالفة الباطن للظاهر وليس لمن يعلم ذلك حد محدود بل اذا علمه هذا علمه هذا وعلمه هذا فيشيع هذا ويظهر ولهذا كان من اعتقد هذا فى الانبياء كهؤلاء الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ونحوهم معرضين عن حقيقة خبره وأمره لا يعتقدون باطن ما أخبر به ولا ما أمر بل يظهر عليه من مخالفة أمره والاعراض عن خبره ما يظهر لكل أحد ولا تجد فى أهل الايمان من يحسن بهم الظن بل يظهر فسقهم ونفاقهم لعوام المؤمنين فضلا عن خواصهم
وأيضا فمن كانت هذه حاله كان خواصه أعلم الناس بباطنه والعلم بذلك يوجب الانحلال فى الباطن ومن علم حال خاصة النبى كأبى بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين علم أنهم كانوا أعظم الناس تصديقا لباطن أمر خبره وظاهره وطاعتهم

(13/251)


له فى سرهم وعلانيتهم ولم يكن أحد يعتقد فى خبره وأمره ما يناقض ظاهر ما بينه لهم ودلهم عليه وأرشدهم اليه ولهذا لم يكن فى الصحابة من تأول شيئا من نصوصه على خلاف ما دل عليه لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته ولا فيما أخبر به عما بعد الموت وان ما ظهر من هذا ما ظهر الا ممن هو عند الأمة من أهل النفاق والاتحاد كالقرامطة والفلاسفة والجهمية نفاة حقائق الأسماء والصفات
ومن تمام هذا ان تعلم أن النبى لم يخص أحدا من اصحابه بخطاب فى علم الدين قصد كتمانه عن غيره ولكن كان قد يسأل الرجل عن المسألة التى لا يمكن جوابها فيجيبه بما ينفعه كالأعرابى الذى سأله عن الساعة والساعة لا يعلم متى هى فقال ما أعددت لها فقال ما أعددت لها من كثير عمل ولكنى أحب الله ورسوله فقال المرء مع من أحب فأجابه بالمقصود من علمه بالساعة ولم يكن يخاطب أصحابه بخطاب لا يفهمونه بل كان بعضهم أكمل فهما لكلامه من بعض كما فى الصحيحين عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ان عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بأنفسنا وأموالنا يا رسول الله فجعل الناس يعجبون

(13/252)


أن ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة قال وكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فالنبى ذكر عبدا مطلقا لم يعينه ولا فى لفظه ما يدل عليه لكن ابو بكر لكمال معرفته بمقاصد الرسول صلى الله عليه و سلم علم أنه هو ذلك العبد فلم يخص عنهم بباطن يخالف الظاهر بل يوافقه ولا يخالف مفهوم لفظه ومعناه
وأما ما يرويه بعض الكذابين عن عمر أنه قال كان النبى وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجى بينهما فهذا من أظهر الاكاذيب المختلفة لم يروه أحد من علماء المسلمين فى شىء من كتب أهل العلم وهو من أظهر الكذب فان عمر أفضل الأمة بعد أبى بكر وهو المحدث الملهم الذى ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وهو أفضل المخاطبين المحدثين من هذه الأمة فاذا كان هو حاضرا يسمع الالفاظ ولم يفهم الكلام كالزنجى فهل يتصور أن يكون غيره أفهم منه لذلك فكيف من لم يسمع الفاظ الرسول بل يزعم أن ما يدعيه من المعانى هى تلك المعانى بمجرد الدعوى التى لو كانت مجردة لم تقبل فكيف اذا قامت البينة على كذب مدعيها
وأما حديث حذيفة فقد ثبت فى الصحيح أن حذيفة كان

(13/253)


يعلم السر الذى لا يعلمه غيره وكان ذلك ما اسره اليه النبى عام تبوك من أعيان المنافقين فانه روى أن جماعة من المنافقين أرادوا أن يحلوا حزام ناقة رسول الله بالليل ليسقط عن بعيره فيموت وأنه أوحى اليه بذلك وكان حذيفة قريبا منه فأسر اليه أسماءهم
ويقال ان عمر لم يكن يصلى على أحد حتى يصلى عليه حذيفة وهذا ليس فيه شىء من حقائق الدين ولا من الباطن الذى يخالف الظاهر فان الله قد ذكر فى كتابه من صفات المنافقين وأخبارهم ما ذكره حتى أن سورة براءة سميت الفاضحة لكونها فضحت المنافقين وسميت المبعثرة وغير ذلك من الأسماء لكن القرآن لم يذكر فلانا وفلانا فاذا عرف بعض الناس أن فلانا وفلانا من هؤلاء المنافقين الموصوفين كان ذلك بمنزلة تعريفه ان فلانا وفلانا من المؤمنين الموعودين بالجنة فاخباره أن أبا بكر وعمر وغيرهما فى الجنة كاخباره أن أولئك منافقون وهذا اذا كان العلم الباطن فهو من الباطن الموافق للظاهر المحقق له المطابق له
ونظيره فى الأمر ما يسمى تحقيق المناط وهو أن يكون الشارع قد علق الحكم بوصف فنعلم ثبوته فى حق المعين كأمره باستشهاد ذوى عدل ولم يعين فلانا وفلانا فاذا علمنا أن هذا ذو

(13/254)


عدل كنا قد علمنا أن هذا المعين موصوف بالعدل المذكور فى القرآن وكذلك لما حرم الله الخمر والميسر فاذا علمنا أن هذا الشراب المصنوع من الذرة والعسل خمرا علمنا أنه داخل فى هذا النص فعلمنا بأعيان المؤمنين وأعيان المنافقين هو من هذا الباب وهذا هو من تأويل القرآن
وهذا على الاطلاق لا يعلمه الا الله فان الله يعلم كل مؤمن وكل منافق ومقادير ايمانهم ونفاقهم وما يختم لهم وأما الرسول فقد قال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم فالله يطلع رسوله ومن شاء من عباده على ما يشاء من ذلك
وأما حديث أبى هريرة فهو حديث صحيح قال حفظت من رسول الله جرابين فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم ولكن ليس فى هذا من الباطن الذى يخالف الظاهر شىء بل ولا فيه من حقائق الدين وانما كان فى ذلك الجراب الخبر عما سيكون من الملاحم والفتن فالملاحم الحروب التى بين المسلمين والكفار والفتن ما يكون بين المسلمين

(13/255)


ولهذا قال عبدالله بن عمر لو أخبركم أبو هريرة انكم تقتلون خليفتكم وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة واظهار مثل هذا
مما تكرهه الملوك وأعوانهم لما فيه من الاخبار بتغير دولهم ومما يبين هذا أن أبا هريرة انما أسلم عام خيبر فليس هو من السابقين الأولين ولا من أهل بيعة الرضوان وغيره من الصحابة أعلم بحقائق الدين منه وكان النبى يحدثه وغيره بالحديث فيسمعونه كلهم ولكن كان أبو هريرة أحفظهم للحديث ببركة حصلت له من جهة النبى لأن النبى حدثهم ذات يوم حديثا فقال أيكم يبسط ثوبه فلا ينسى شيئا سمعه ففعل ذلك ابو هريرة وقد روى أنه كان يجزىء الليل ثلاثة أجزاء ثلثا يصلى وثلثا ينام وثلثا يدرس الحديث ولم ينقل أحد قط عن أبى هريرة حديثا يوافق الباطنية ولا حديثا يخالف الظاهر المعلوم من الدين
ومن المعلوم أنه لو كان عنده شىء من هذا لم يكن بد أن ينقل عنه أحد شيئا منه بل النقول المتواترة عنه كلها تصدق ما ظهر من الدين وقد روى من أحاديث صفات الله وصفات اليوم الآخر وتحقيق العبادات ما يوافق أصول أهل الايمان ويخالف قول أهل البهتان

(13/256)


وأما ما يروى عن أبى سعيد الخراز وأمثاله فى هذا الباب وما يذكره أبو طالب فى كتابه وغيره وكلام بعض المشايخ الذى يظن أنه يقول بباطن يخالف الظاهر وما يوجد من ذلك فى كلام أبى حامد الغزالى أو غيره
فالجواب عن هذا كله أن يقال ما علم من جهة الرسول فهو نقل مصدق عن قائل معصوم وما عارض ذلك فاما أن يكون نقلا عن غير مصدق أو قولا لغير معصوم فان كثيرا مما ينقل عن هؤلاء كذب عليهم والصدق من ذلك فيه ما اصابوا فيه تارة وأخطأوا فيه أخرى وأكثر عباراتهم الثابتة ألفاظ مجملة متشابهة لو كانت من ألفاظ المعصوم لم تعارض الحكم المعلوم فكيف اذا كانت من قول غير المعصوم
قد جمع أبو الفضل الفلكى كتابا من كلام أبى يزيد البسطامى سماه النور من كلام طيفور فيه شىء كثير لا ريب أنه كذب على أبى يزيد البسطامى وفيه أشياء من غلط أبى يزيد رحمة الله عليه وفيه أشياء حسنة من كلام أبى يزيد وكل أحد من الناس يؤخذ قوله ويترك الا رسول الله

(13/257)


ومن قيل له عن أبى يزيد أو غيره من المشائخ أنه قال لمريديه ان تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فانا منكم برىء فعارضه الآخر وقال قلت لمريدى ان تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم برىء فصدق هذا النقل عنه ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبى يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم حاله فقد دل على عظيم جهله أو نفاقه فانه ان كان قد علم ما أخبر به الرسول من دخول من يدخل النار من أهل الكبائر وان النبى هو أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب الشفاعة من الرسل الكبار كنوح وابراهيم وموسى وعيسى فيمتنعون ويعتذرون ثم صدق ان مريدى أبى يزيد أو غيره يمنعون أحدا من الأمة دخول النار أو يخرجون هم كل من دخلها كان ذلك كفرا منه بما أخبر به الصادق المصدوق بحكاية منقولة كذب ناقلها أو أخطأ قائلها ان لم يكن تعمد الكذب وان كان لا يعلم ما أخبر به الرسول كان من أجهل الناس بأصول الايمان
فعلى المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة وان يجتهد فى أن يعرف ما أخبر به الرسول وأمر به علما يقينيا وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه المجهول فان مثال ذلك مثل من كان سائرا الى مكة فى طريق معروفة لا شك انها توصله الى مكة اذا سلكها فعدل عنها الى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها وهذا مثال من

(13/258)


عدل عن الكتاب والسنة الى كلام من لا يدرى هل يوافق الكتاب والسنة أو يخالف ذلك
وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على الطريق المعروفة الى مكة فذهب الى طريق قبرص يطلب الوصول منها الى مكة فان هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة الى ما يخالف ذلك من كلام زيد وعمرو كائنا من كان فان كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد رأيت فى هذا الباب من عجائب الأمور ما لا يحصيه الا العليم بذات الصدور
وأما الحديث المأثور ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا أهل العلم بالله فاذا ذكروه لم ينكره الا أهل الغرة بالله فهذا قد رواه أبو اسماعيل الانصارى شيخ الاسلام فى كتابه الذى سماه الفاروق بين المثبتة والمعطلة وذكر فيه أحاديث الصفات صحيحها وغريبها ومسندها ومرسلها وموقوفها وذكره ايضا أبو حامد الغزالى فى كتبه ثم هذا يفسره بما يناسب أقواله التى يميل فيها الى ما يشبه اقوال نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم
وذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أنه كان يقول

(13/259)


المراد بذلك أحاديث الصفات فكان يفسر ذلك بما يناقض قول أبى حامد من اقوال أهل الاثبات والحديث ليس اسناده ثابتا باتفاق أهل المعرفة ولم يرو فى أمهات كتب الحديث المعتمدة فلا يحتاج الى الكلام فى تفسيره واذا قدر أن النبى قاله فهو كلام مجمل ليس فيه تعيين لقول معين فحينئذ فما من مدع يدعى أن المراد قوله الا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك
ولا ريب أن قول يحيى بن عمار وأبى اسماعيل الأنصارى ونحوهما من أهل الاثبات أقرب من قول النفاة أن هذا العلم هو من علم النبى بالاتفاق وعلم الصحابة
ومن المعلوم أن قول النفاة لا ينقله أحد عن النبى صلى الله عليه و سلم ولا أصحابه لا باسناد صحيح ولا ضعيف بخلاف مذهب المثبتة فان القرآن والحديث والآثار عن الصحابة مملوءة به فكيف يحمل كلام النبى على علم لم ينقله عنه أحد ويترك حمله على العلم المنقول عنه وعن اصحابه
وكذلك ما ذكره البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله قد حمله أبو الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف وأمثاله على علوم الباطنية

(13/260)


الفلاسفة نفاة الصفات وهذا تحريف ظاهر فان قول على أتحبون أن يكذب الله ورسوله دليل على أن ذلك مما أخبر به النبى وأقوال النفاة من الفلاسفة والجهمية والقرامطة والمعتزلة لم ينقل فيها مسلم عن النبى شيئا لا صحيحا ولا ضعيفا فكيف يكذب الله ورسوله فى شىء لم ينقله أحد عن الله ورسوله بخلاف ما رواه أهل الاثبات من أحاديث صفات الرب وملائكته وجنته وناره فان هذا كثير مشهور قد لا تحتمله عقول بعض الناس فاذا حدث به خيف أن يكذب الله ورسوله
ومن هذا الباب قول عبدالله بن مسعود ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان فتنة لبعضهم وابن مسعود فيما يقول ذاكرا أو آمرا من أعظم الناس اثباتا للصفات وأرواهم لأحاديثها وأصحابه من أجل التابعين وأبلغهم فى هذا الباب وكذلك أصحاب ابن عباس فكل من كان من الصحابة أعلم كان اثباته واثبات أصحابه أبلغ فعلم أن الصحابة لم يكونوا يبطنون خلاف ما يظهرون ولا يظهرون الاثبات ويبطنون النفى ولا يظهرون الأمر ويبطنون امتناعه بل هم اقوم الناس بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر
وهذا باب واسع دخل فيه من الأمور ما لا يتسع هذا الموضع

(13/261)


لتفصيله ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلابد له من ظاهر وباطن فظاهر القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل حركات الابدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الانسان
فالمنافق لما أتى بظاهر الاسلام دون حقائق الايمان لم ينفعه ذلك وكان من أهل الخسران بل كان فى الدرك الأسفل من النار قال تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم وما يشعرون الآيات فان الله أنزل فى أول سورة البقرة اربع آيات فى صفة المؤمنين وآيتين فى صفة الكافرين وبضع عشرة آية فى صفة المنافقين وقال تعالى اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون السورة وقال تعالى لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم الآية
والملاحدة يظهرون موافقة المسلمين ويبطنون خلاف ذلك وهم شر من المنافقين فان المنافقين نوعان نوع يظهر الايمان ويبطن الكفر ولا يدعى أن الباطن الذى يبطنه من الكفر هو حقيقة الايمان والملاحدة تدعى أن ما تبطنه من الكفر هو حقيقة الايمان

(13/262)


وإن الانبياء والأولياء هم من جنسهم يبطنون ما يبطنونه مما هو كفر وتعطيل فهم يجمعون بين ابطان الكفر وبين دعواهم ان ذلك الباطن هو الايمان عند أهل العرفان فلا يظهرون للمستجيب لهم ان باطنه طعن فى الرسول والمؤمنين وتكذيب له بل يجعلون ذلك من كمال الرسول وتمام حاله وان الذى فعله هو الغاية فى الكمال وأنه لا يفعله الا أكمل الرجال من سياسة الناس على السيرة العادلة وعمارة العالم على الطريقة الفاضلة وهذا قد يظنه طوائف حقا باطنا وظاهرا فيؤول أمرهم الى أن يكون النفاق عندهم هو حقيقة الايمان وقد علم بالاضطرار أن النفاق ضد الايمان
ولهذا كان أعظم الأبواب التى يدخلون منها باب التشيع والرفض لأن الرافضة هم أجهل الطوائف وأكذبها وأبعدها عن معرفة المنقول والمعقول وهم يجعلون التقية من أصول دينهم ويكذبون على أهل البيت كذبا لا يحصيه الا الله حتى يرووا عن جعفر الصادق أنه قال التقية دينى ودين آبائى و التقية هى شعار النفاق فان حقيقتها عندهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم وهذا حقيقة النفاق ثم اذا كان هذا من اصول دينهم صار كل ما ينقله الناقلون عن على أو غيره من أهل البيت مما فيه موافقة أهل السنة والجماعة يقولون هذا قالوه على سبيل التقية ثم فتحوا باب النفاق للقرامطة الباطنية

(13/263)


الفلاسفة من الاسماعيلة والنصيرية ونحوهم فجعلوا ما يقوله الرسول هو من هذا الباب أظهر به خلاف ما أبطن وأسر به خلاف ما اعلن فكان حقيقة قولهم أن الرسول هو امام المنافقين
وهو الصادق المصدوق المبين للناس ما نزل اليهم المبلغ لرسالة ربه المخاطب لهم بلسان عربى مبين قال تعالى وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم وقال تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وقال تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال تعالى فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وقال تعالى لسان الذى يلحدون اليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين وقال تعالى وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم وقال تعالى ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه وقال تعالى كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر اولوا الألباب وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها وقال تعالى فهل على الرسل الا البلاغ المبين
وقالت الرسل ربنا يعلم انا اليكم لمرسلون وما علينا الا البلاغ المبين وقال وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وان تطيعوه تهتدوا وما على الرسول الا

(13/264)


البلاغ المبين وقال تعالى واطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين وقال تعالى يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته فهذا ونحوه مما يبين أن الرسل عليهم أن يبلغوا البلاغ المبين يقال بان الشىء وأبان واستبان وتبين وبين كلها أفعال لازمة وقد يقال أبان غيره وبينه وتبينه واستبانه
ومعلوم أن الرسل فعلوا ما عليهم بل قد أخذ الله على أهل العلم الميثاق بأن يبينوا العلم ولا يكتموه وذم كاتميه فقال تعالى واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقال تعالى ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وقال تعالى ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون فقد لعن كاتمه وأخبر أنه بينه للناس فى الكتاب فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه وأظهر خلاف ما أبطن فلو سكت عن بيان الحق كان كاتما ومن نسب الانبياء الى الكذب والكتمان مع كونه يقول انهم انبياء فهو من أشر المنافقين وأخبثهم وأبينهم تناقضا
وكثير من أهل النسك والعبادة والعلم والنظر ممن سلك طريق

(13/265)


بعض الصوفية والفقراء وبعض أهل الكلام والفلسفة يسلك مسلك الباطنية فى بعض الأمور لا فى جميعها حتى يرى بعضهم سقوط الصلاة عن بعض الخواص أو حل الخمر وغيرها من المحرمات لهم أو ان لبعضهم طريقا الى الله عز و جل غير متابعة الرسول
وقد يحتج بعضهم بقصة موسى والخضر ويظنون أن الخضر خرج عن الشريعة فيجوز لغيره من الأولياء ما يجوز له من الخروج عن الشريعة وهم فى هذا ضالون من وجهين
أحدهما ان الخضر لم يخرج عن الشريعة بل الذي فعله كان جائزا فى شريعة موسى ولهذا لما بين له الأسباب أقره على ذلك ولو لم يكن جائزا لما أقره ولكن لم يكن موسى يعلم الأسباب التى بها أبيحت تلك فظن ان الخضر كالملك الظالم فذكر ذلك له الخضر
و الثانى ان الخضر لم يكن من امة موسى ولا كان يجب عليه متابعته بل قال له انى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا اعلمه وذلك ان دعوة موسى لم تكن عامة فان النبى كان يبعث الى قومه خاصة ومحمد صلى الله عليه و سلم بعث الى الناس كافة بل بعث الى الانس والجن باطنا وظاهرا فليس لأحد ان يخرج عن طاعته ومتابعته لا في الباطن ولا

(13/266)


فى الظاهر لا من الخواص ولا من العوام
ومن هؤلاء من يفضل بعض الاولياء على الانبياء وقد يجعلون الخضر من هؤلاء وهذا خلاف ما أجمع عليه مشائخ الطريق المقتدى بهم دع عنك سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين بل لما تكلم الحكيم الترمذي فى كتاب ختم الأولياء بكلام وذكر انه يكون فى آخر الاولياء من هو أفضل من الصحابة وربما لوح بشيء من ذكر الأنبياء قام عليه المسلمون وأنكروا ذلك عليه ونفوه من البلد بسبب ذلك ولا ريب انه تكلم فى ذلك بكلام فاسد باطل لا ريب فيه
ومن هناك ضل من اتبعه فى ذلك حتى صار جماعات يدعي كل واحد انه خاتم الأولياء كابن عربى صاحب الفصوص وسعد الدين بن حمويه وغيرهما وصار بعض الناس يدعي ان فى المتأخرين من يكون أفضل فى العلم بالله من أبى بكر وعمر والمهاجرين والأنصار الى أمثال هذه المقالات التى يطول وصفها مما هو باطل بالكتاب والسنة والاجماع بل طوائف كثيرون آل الأمر بهم الى مشاهدة الحقيقة الكونية القدرية وظنوا ان من شهدها سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد وهذا هو دين المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آبؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء

(13/267)


وهؤلاء شر من القدرية المعتزلة الذين يقرون بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويكذبون بالقدر فان أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين المكذبين بالأنبياء والشرائع فهم من شر الناس وقد بسط الكلام على هذه الأمور فى غير هذا الموضع
و المقصود هنا ان الظاهر لابد له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو ومنافق ومن ادعى باطنا يخالف ظاهرا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه فكما ان الانسان لابد له من روح وبدن وهما متفقان فلابد لدين الانسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الانسان والظاهر للظاهر منه
والقرآن مملوء من ذكر أحكام الباطن والظاهر والباطن أصل الظاهر كما قال أبو هريرة القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده وقد قال النبى ألا وان فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب وفى المسند عن النبى انه قال الاسلام علانية والايمان في القلب وقد قال تعالى أولئك كتب في قلوبهم

(13/268)


الايمان وأيدهم بروح منه وقال تعالى هو الذي أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم وقال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله وقال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون وقال تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب وأمثال هذا كثير فى القرآن
وقال فى حق الكفار أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وأمثال ذلك
فنسأل الله العظيم أن يصلح بواطننا وظواهرنا ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من جميع أمورنا بمنه وكرمه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

(13/269)


وقال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الدمشقى الحمد له رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم فصل
قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته الى قوله ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم
جعل الله القلوب ثلاثة أقسام قاسية وذات مرض ومؤمنة مخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة

(13/270)


جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون يابسة جامدة ف الأول هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع ولا يكتب فيه الايمان ولا يرتسم فيه العلم لأن ذلك يستدعى محلالينا قابلا
و الثاني لا يخلو إما أن يكون الحق ثابنا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه او يكون لينه مع ضعف وانحلال فالثانى هو الذي فيه مرض والأول هو القوى اللين
وذلك أن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلا فاما أن تكون جامدة يابسة لا تلتوى ولا تبطش أو تبطش بعنف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون ضعيفة مريضة عاجزة لضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فهو مثل القلب العليم الرحيم فبالرحمة خرج عن القسوة وبالعلم خرج عن المرض فان المرض من الشكوك والشبهات
ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والايمان والاخبات وفى قوله وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم دليل على أن العلم يدل على الايمان ليس أن أهل العلم

(13/271)


ارتفعوا عن درجة الايمان كما يتوهمه طائفة من المتكلمة بل معهم العلم والايمان كما قال تعالى لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وقال تعالى وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم فى كتاب الله الآية
وعلى هذا فقوله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا نظير هذه الآية فانه أخبر هنا أن الذين أوتوا العلم يعلمون أنه الحق من ربهم وأخبر هناك أنهم يقولون فى المتشابه آمنا به كل من عند ربنا وكلا الموضعين موضع ريب وشبهة لغيرهم فان الكلام هناك فى المتشابه وهنا فيما يلقى الشيطان مما ينسخه الله ثم يحكم الله آياته وجعل المحكم هنا ضد الذي نسخه الله مما ألقاه الشيطان ولهذا قال طائفة من المفسرين المتقدمين ان المحكم هو الناسخ و المتشابه المنسوخ أرادوا والله أعلم قوله فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والنسخ هنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الله
وقد أشرت الى وجه ذلك فيما بعد وهو أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة ومقابل المنسوخ أخرى والمنسوخ يدخل فيه فى اصطلاح السلف العام كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق فان هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين

(13/272)


ويدخل فيه المجمل فانه متشابه وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد وكذلك ما رفع حكمه فإن في ذلك جميعه نسخا لما يلقيه الشيطان فى معانى القرآن ولهذا كانوا يقولون هل عرفت الناسخ من المنسوخ فاذا عرف الناسخ عرف المحكم وعلى هذا فيصح أن يقال المحكم والمنسوخ كما يقال المحكم والمتشابه
وقوله بعد ذلك ثم يحكم الله آياته جعل جميع الآيات محكمة محكمها ومتشابهها كما قال الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت وقال تلك آيات الكتاب الحكيم على أحد القولين وهنالك جعل الآيات قسمين محكما ومتشابها كما قال منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وهذه المتشابهات مما أنزله الرحمن لا مما ألقاه الشيطان ونسخه الله فصار المحكم فى القرآن تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله وتارة يقابل بما نسخه الله مما ألقاه الشيطان
ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة ويجعل المنسوخ ليس محكما وإن كان الله أنزله أولا اتباعا لظاهر قوله فينسخ الله ويحكم الله آياته

(13/273)


فهذه ثلاث معان تقابل المحكم ينبغى التفطن لها وجماع ذلك أن الأحكام تارة يكون فى التنزيل فيكون فى مقابلته ما يلقيه الشيطان فالمحكم المنزل من عند الله أحكمه الله أى فصله من الاشتباه بغيره وفصل منه ما ليس منه فان الأحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذى به يتحقق الشىء ويحصل اتقانه ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل فى الحد فالمنع جزء معناه لا جميع معناه
وتارة يكون الأحكام فى ابقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذى هو رفع ما شرع وهو اصطلاحى أو يقال وهو أشبه بقول السلف كانوا يسمون كل رفع نسخا سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة وإلقاء الشيطان فى أمنيته قد يكون فى نفس لفظ المبلغ وقد يكون فى سمع المبلغ وقد يكون فى فهمه كما قال انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الآية ومعلوم أن من سمع النص الذى قد رفع حكمه أو دلالة له فانه يلقى الشطان فى تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ فيحكم الله آياته بالناسخ الذى به يحصل رفع الحكم وبيان المراد وعلى هذا التقدير فيصح أن يقال المتشابه المنسوخ بهذا الاعتبار والله أعلم
وتارة يكون الأحكام فى التأويل والمعنى وهو تمييز الحقيقة

(13/274)


المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها وفى مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التى تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين قال أحمد بن حنبل المحكم الذى ليس فيه اختلاف والمتشابه الذى يكون فى موضع كذا وفى موضع كذا
ولم يقل فى المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه الا الله وانما قال وما يعلم تأويله الا الله وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين فى هذا الموضع فان الله اخبر أنه لا يعلم تأويله الا هو والوقف هنا على ما دل عليه أدلة كثيرة وعليه اصحاب رسول الله وجمهور التابعين وجماهير الأمة
ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره بل قال كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات وما لا يعقل له معنى لا يتدبر وقال افلا يتدبرون القرآن ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره والله ورسوله انما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله بل أمر بذلك ومدح عليه
يبين ذلك أن التأويل قد روى أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد النبى صلى الله عليه و سلم كحيى بن أخطب وغيره من

(13/275)


طلب من حروف الهجاء التى فى أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما لأن ذلك هو عدد ما للحروف فى حساب الجمل بعد اسقاط المكرر وهذا من نوع تأويل الحوادث التى أخبر بها القرآن فى اليوم الآخر
وروى أن من النصارى الذين وفدوا على النبى فى وفد نجران من تأول إنا و نحن على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع وهذا تأويل فى الايمان بالله فأولئك تأولوا فى اليوم الآخر وهؤلاء تأولوا فى الله ومعلوم أن إنا و نحن من المتشابه فانه يراد بها الواحد الذى معه غيره من جنسه ويراد بها الواحد الذى معه أعوانه وان لم يكونوا من جنسه ويراد بها الواحد المعظم نفسه الذى يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التى كل اسم منها يقوم مقام مسمى فصار هذا متشابها لأن اللفظ واحد والمعنى متنوع
و الأسماء المشتركة فى اللفظ هى من المتشابه وبعض المتواطئة أيضا من المتشابه ويسميها أهل التفسير الوجوه والنظائر وصنفوا كتب الوجوه والنظائر فالوجوه فى الأسماء المشتركة والنظائر فى الأسماء المتواطئة وقد ظن بعض اصحابنا المصنفين فى ذلك أن الوجوه

(13/276)


والنظائر جميعا فى الأسماء المشتركة فهى نظائر باعتبار اللفظ ووجوه باعتبار المعنى وليس الأمر على ما قاله بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله
والذين فى قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذى لا اشتباه فيه مثل وإلهكم إله واحد إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس اذا وضعوه على غير مواضعه وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التى أخبر عنها
وذلك أن الكلام نوعان إنشاء فيه الأمر واخبار فتأويل الأمر هو نفس الفعل المأمور به كما قال من قال من السلف ان السنة هى تأويل الأمر قالت عائشة رضى الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول فى ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لى يتأول القرآن تعنى قوله فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
وأما الاخبار فتأويله عين الأمر المخبر به اذا وقع ليس تأويله فهم معناه

(13/277)


وقد جاء اسم التأويل فى القرآن فى غير موضع هذا معناه قال الله تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فقد أخبر أنه فصل الكتاب وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه ثم قال هل ينظرون أى ينتظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله الى آخر الآية وانما ذلك مجىء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها كالدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجىء ربك والملك صفا صفا وما فى الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك فحينئذ يقولون قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل
وهذا القدر الذى أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته الا الله فان الله يقول فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ويقول أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وقال ابن عباس ليس فى الدنيا مما فى الجنة الا الأسماء فان الله قد أخبر أن فى الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك ونحن نعلم قطعا أن

(13/278)


تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه بل بينهما تباين عظيم مع التشابه كما فى قوله وأتوا به متشابها على أحد القولين أنه يشبه ما فى الدنيا وليس مثله فأشبه اسم تلك الحقائق اسماء هذه الحقائق كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه فنحن نعلمها اذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها فى الدنيا ولا سبيل الى ادراكنا لها لعدم ادراك عينها أو نظيرها من كل وجه وتلك الحقائق على ما هى عليه هى تأويل ما أخبر الله به
وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم فانهم ينكرون أن يكون فى الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح ويمنعون وجود ما اخبر به القرآن ومن دخل فى الإسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحانى ان كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر الأجساد وان كان من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد تأول ذلك على تفهيم النعيم الذى فى الجنة من الروحانى والسماع الطيب والروائح العطرة فكل ضال يحرف الكلم عن مواضعه الى ما اعتقد ثبوته
وكان فى هذا أيضا متبعا للمتشابه اذ الأسماء تشبه الأسماء والمسميات تشبه المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها فهؤلاء يتبعون هذا

(13/279)


المتشابه ابتغاء الفتنة بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن تكون فى الجنة هذه الحقائق وابتغاء تأويله ليردوه الى المعهود الذى يعلمونه فى الدنيا قال الله تعالى وما يعلم تأويله الا الله فان تلك الحقائق قال الله فيها فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين لا ملك مقرب ولا نبى مرسل
وقوله وما يعلم تأويله اما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على المتشابه فان كان عائدا على الكتاب كقوله منه و منه فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهذا يصح فان جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التى فيها اخبار عن الغيب الذى أمرنا أن نؤمن به لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع الا الله وقد يستدل لهذا أن الله جعل التأويل للكتاب كله مع اخباره أنه مفصل بقوله ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله فجعل التأويل الجائى للكتاب المفصل
وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة إلا الله وانما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا وكذلك قوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله

(13/280)


وإذا كان التأويل للكتاب كله والمراد به ذلك ارتفعت الشبهة وصار هذا بمنزلة قوله يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل انما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت فى السموات والأرض الى قوله انما علمها عند الله وكذلك قوله يسألك الناس عن الساعة قل انما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا فأخبر أنه ليس علمها الا عند الله وانما هو علم وقتها المعين وحقيقتها والا فنحن قد علمنا من صفاتها ما اخبرنا به فعلم تأويله كعلم الساعة والساعة من تأويله وهذا واضح بين ولا ينافى كون علم الساعة عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالها ما علمناه وأن نفسر النصوص المبينة لأحوالها فهذا هذا
وإن كان الضمير عائدا الى ما تشابه كما يقوله كثير من الناس فلأن المخبر به من الوعد والوعيد متشابه بخلاف الأمر والنهى ولهذا فى الآثار العمل بمحكمه والايمان بمتشابهه لأن المقصود فى الخبر الايمان وذلك لأن المخبر به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه بخلاف الأمر والنهى ولهذا قال بعض العلماء المتشابه الأمثال والوعد والوعيد و المحكم الأمر والنهى فانه متميز غير مشتبه بغيره فانه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع وأمور نتركها لابد أن نتصورها

(13/281)


ومما جاء من لفظ التأويل فى القرآن قوله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله والكناية عائدة على القرآن أو على ما لم يحيطوا بعلمه وهو يعود الى القرآن قال تعالى وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين
فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله وهذه الصيغة تدل على امتناع المنفى كقوله وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وقوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم لأن الخلق عاجزون عن الاتيان بمثله كما تحداهم وطالبهم لما قال أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فهذا تعجيز لجميع المخلوقين قال تعالى ولكن تصديق الذى بين يديه أى مصدق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب أى مفصل الكتاب فأخبر أنه مصدق الذى بين يديه ومفصل الكتاب والكتاب اسم جنس وتحدى القائلين افتراه ودل على أنهم هم

(13/282)


المفترون قال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله أى كذبوا بالقرآن الذى لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ففرق بين الاحاطة بعلمه وبين اتيان تأويله فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والايمان بعلمه ولما يأتهم تأويله وأن الاحاطة بعلم القرآن ليست اتيان تأويله فإن الاحاطة بعلمه معرفة معانى الكلام على التمام واتيان التأويل نفس وقوع المخبر به وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به فمعرفة الخبر هى معرفة تفسير القرآن ومعرفة المخبر به هى معرفة تأويله
و نكتة ذلك أن الخبر لمعناه صورة علمية وجودها فى نفس العالم كذهن الانسان مثلا ولذلك المعنى حقيقة ثابتة فى الخارج عن العلم واللفظ انما يدل ابتداء على المعنى الذهنى ثم تتوسط ذلك أو تدل على الحقيقة الخارجة فالتأويل هو الحقيقة الخارجة وأما معرفة تفسيره ومعناه فهو معرفة الصورة العلمية وهذا هو الذى بيناه فما تقدم أن الله انما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر فيه محكمه ومتشابهه وان لم يعلم تأويله
ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة ان يفقهوه وفى آذانهم وقرا واذا ذكرت ربك فى

(13/283)


القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا فقد أخبر ذما للمشركين أنه اذا قرىء عليهم القرآن حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا فلو كان أهل العلم والايمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه لشاركوهم فى ذلك وقوله أن يفقهوه يعود الى القرآن كله فعلم أن الله يحب أن يفقه ولهذا قال الحسن البصرى ما أنزل الله آية الا وهو يحب أن يعلم فيما ذا أنزلت وماذا عنى بها وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره
وقال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله الى آخره مرات أقف عند كل آية وأسأله عنها فهذا ابن عباس حبر الأمة وهو أحد من كان يقول لا يعلم تأويله الا الله يجيب مجاهدا عن كل آية فى القرآن
وهذا هو الذى حمل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عند قوله والراسخون فى العلم فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل لأن مجاهدا تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه فظن أن هذا هو التأويل المنفى عن غير الله وأصل ذلك أن لفظ التأويل فيه اشتراك بين ما عناه الله فى

(13/284)


القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك فى لفظ التأويل اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور فى القرآن ومجاهد امام التفسير قال الثورى اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وأما التأويل فشأن آخر
ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله ولا قال هذه من المتشابه الذى لا يعلم معناه ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين ان فى القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهما رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أهل العلم والايمان جميعهم وانما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس وهذا لا ريب فيه
وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام فى آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك فلقبوها هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه
وأما تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من هذه الآية وبأن الله يمتحن عباده بما شاء ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك الى تاويلاتهم الفاسدة التى هى تحريف الكلم عن

(13/285)


مواضعه والغالب على كلا الطائفتين الخطأ أولئك يقصرون فى فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه
ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعنى به شيئا خلافا للحشوية وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له وانما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه وبين نفى المعنى عند المتكلم ونفى الفهم عند المخاطب بون عظيم ثم احتج بما لا يجرى على أصله فقال هذا عبث والعبث على الله محال وعنده أن الله لا يقبح منه شىء أصلا بل يجوز أن يفعل كل شىء وليس له أن يقول العبث صفة نقص فهو منتف عنه لأن النزاع فى الحروف وهى عنده مخلوقة من جملة الأفعال ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة فلا نقل صحيح ولا عقل صريح
ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم أن مدعى التأويل أخطأوا فى زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل وفى دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذى هو تحريف الكلم عن مواضعه فان الأولين لعلمهم

(13/286)


بالقرآن والسنن وصحة عقولهم وعلمهم بكلام السلف وكلام العرب علموا يقينا أن التأويل الذى يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن فانهم حرفوا الكلم عن مواضعه وصاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر وما بين صابئة فلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر حتى عن أكثر احوال الانبياء وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء فى اليوم الآخر وفى آيات القدر ويتأولون آيات الصفات وقد وافقهم بعض متأخرى الأشعرية على ما جاء به فى بعض الصفات وبعضهم فى بعض ما جاء فى اليوم الآخر وآخرون من اصناف الأمة وان كان تغلب عليهم السنة فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه
والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة وأكثر أهل الكلام والبدع رأوا ايضا أن النصوص دلت على معرفة معانى القرآن ورأوا عجزا وعيبا وقبيحا أن يخاطب الله عباده بكلام يقرأونه ويتلونه وهم لا يفهمونه وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل لكن أخطأوا فى معنى التأويل الذى نفاه الله وفى التاويل الذى أثبتوه وتسلق بذلك مبتدعتهم الى تحريف الكلم عن مواضعه وصار الأولون أقرب الى السكوت والسلامة بنوع من الجهل وصار الآخرون أكثر كلاما وجدالا ولكن بفرية على الله قول عليه ما لا

(13/287)


يعلمونه والحاد فى اسمائه وآياته فهذا هذا
ومنشأ الشبهة الاشتراك فى لفظ التأويل
فإن التأويل فى عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح الى المعنى المرجوح لدليل يقترن به وهذا هو التأويل الذى يتكلمون عليه فى أصول الفقه ومسائل الخلاف فاذا قال أحدهم هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا قال الآخر هذا نوع تأويل والتأويل يحتاج الى دليل والمتأول عليه وظيفتان بيان احتمال اللفظ للمعنى الذى ادعاه وبيان الدليل الموجب للصرف اليه عن المعنى الظاهر وهذا هو التأويل الذى يتنازعون فيه فى مسائل الصفات اذا صنف بعضهم فى ابطال التأويل أو ذم التأويل أو قال بعضهم آيات الصفات لا تؤول وقال الآخر بل يجب تأويلها وقال الثالث بل التأويل جائز يفعل عند المصلحة ويترك عند المصلحة أو يصلح للعلماء دون غيرهم الى غير ذلك من المقالات والتنازع
وأما التأويل فى لفظ السلف فله معنيان
أحدهما تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا

(13/288)


وهذا والله اعلم هو الذى عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله ومحمد بن جرير الطبرى يقول فى تفسيره القول فى تأويل قوله كذا وكذا واختلف أهل التأويل فى هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير
و المعنى الثانى فى لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو نفس المراد بالكلام فان الكلام ان كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب وان كان خبرا كان تأويله نفس الشىء المخبر به
وبين هذا المعنى والذى قبله بون فان الذى قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام كالتفسير والشرح والايضاح ويكون وجود التأويل فى القلب واللسان له الوجود الذهنى واللفظى والرسمى وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة فى الخارج سواء كانت ماضية أو مستقبلة فاذا قيل طلعت الشمس فتأويل هذا نفس طلوعها ويكون التأويل من باب الوجود العينى الخارجى فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة فى الخارج بما هى عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها وتلك الحقائق لا تعرف على ما هى عليه بمجرد الكلام والاخبار الا أن يكون المستمع قد تصورها أو تصور نظيرها بغير كلام واخبار لكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب اما بضرب

(13/289)


المثل واما بالتقريب وأما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها واما بغير ذلك وهذا الوضع والعرف الثالث هو لغة القرآن التى نزل بها وقد قدمنا التبيين فى ذلك ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وقوله ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما انى أرانى أعصر خمرا وقال الآخر انى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله انا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه الا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما وقول الملأ أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون وقول يوسف لما دخل عليه أهله مصر وآوى اليه أبويه وقال ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا
فتأويل الأحاديث التى هى رؤيا المنام هى نفس مدلولها التى تؤول اليه كما قال يوسف هذا تأويل رؤياى من قبل والعالم بتأويلها الذى يخبر به كما قال يوسف لا يأتيكما طعام ترزقانه أى فى المنام إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما أى قبل أن يأتيكما التأويل

(13/290)


وقال الله تعالى فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا قالوا أحسن عاقبة ومصيرا فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذى هو الرد الى الكتاب والسنة والتأويل فى سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا والتأويل فى الأعراف ويونس تأويل القرآن وكذلك فى سورة آل عمران
وقال تعالى فى قصة موسى والعالم قال هذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا الى قوله وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا فالتأويل هنا تأويل الأفعال التى فعلها العالم من خرق السفينة بغير اذن صاحبها ومن قتل الغلام ومن اقامة الجدار فهو تأويل عمل لا تأويل قول وانما كان كذلك لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا مثل حول تحويلا وعول تعويلا واول يؤول تعديه آل يؤول أولا مثل حال يحول حولا وقولهم آل يؤول أى عاد الى كذا ورجع اليه ومنه المآل وهو ما يؤول اليه الشىء ويشاركه فى الاشتقاق الأكبر الموئل فانه من وأل وهذا من أول والموئل المرجع قال تعالى لن يجدوا من دونه موئلا
ومما يوافقه فى اشتقاقه الأصغر الآل فإن آل الشخص من

(13/291)


يؤول اليه ولهذا لا يستعمل الا فى عظيم بحيث يكون المضاف اليه أعظم من المضاف يصلح أن يؤول اليه الآل كآل ابراهيم وآل لوط وآل فرعون بخلاف الأهل والأول أفعل لأنهم قالوا فى تأنيثه أولى كما قالوا جمادى الأولى وفى القصص وله الحمد فى الأولى والآخرة
ومن الناس من يقول فوعل ويقول أولة الا أن هذا يحتاج الى شاهد من كلام العرب بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل لا فوعل فان فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف سمى المتقدم أول والله اعلم لأن ما بعده يؤول اليه ويبنى عليه فهو أس لما بعده وقاعدة له والصيغة صيغة تفضيل لا صيغة مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرىلا من باب أحمر وحمراء ولهذا يقولون جئته من أول أمس وقال لمسجد أسس على التقوى من أول يوم وأنا أول المسلمين ولا تكونوا أول كافر به فاذا قيل هذا أول هؤلاء فهو الذى فضل عليهم فى الأول لأن كل واحد يرجع الى ما قبله فيعتمد عليه وهذا السابق كلهم يؤول اليه فان من تقدم فى فعل فاستن به من بعده كان السابق الذى يؤول الكل اليه فالأول له وصف السؤدد والاتباع
ولفظ الأول مشعر بالرجوع والعود و الأول مشعر بالابتداء والمبتدأ خلاف العائد لأنه انما كان أولا لما بعده فغنه يقال

(13/292)


أول المسلمين و أول يوم فما فيه من معنى الرجوع والعود هو للمضاف اليه لا للمضاف
وإذا قلنا آل فلان فالعود الى المضاف لأن ذلك صيغة تفضيل فى كونه مآلا ومرجعا لغيره لأن كونه مفضلا دل على أنه مآل ومرجع لا آيل راجع اذ لا فضل فى كون الشىء راجعا الى غيره آيلا اليه وانما الفضل فى كونه هو الذى يرجع اليه ويؤول اليه فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل فى كونه مآلا ومرجعا والتفضيل المطلق فى ذلك يقتضى أن يكون هو السابق المبتدىء والله أعلم
فتأويل الكلام ما أوله اليه المتكلم أو ما يؤول اليه الكلام أو ما تأوله المتكلم فان التفعيل يجرى على غير فعل كقوله وتبتل اليه تبتيلا فيجوز أن يقال تأول الكلام الى هذا المعنى تأويلا وتأولت الكلام تأويلا وأولت الكلام تأويلا والمصدر واقع موقع الصفة اذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل كعدل وصوم وفطر وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير وهذا خلق الله
فالتأويل هو ما أول اليه الكلام أو يؤول اليه أو تأول هو اليه والكلام انما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤول الى حقيقته

(13/293)


التى هى عين المقصود به كما قال بعض السلف فى قوله لكل نبأ مستقر قال حقيقة فانه ان كان خبرا فالى الحقيقة المخبر بها يؤول ويرجع والا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع بل كان كذبا وان كان طلبا فالى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع وان لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا فالى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول كما روى عن النبى أنه تلا هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا قال انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد وعن عبدالله قال خمس قد مضين البطشة واللزام والدخان والقمر والروم
فصل
وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك فى المتشابه الذى لا يعلم تأويله الا الله أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذى استأثر الله بعلم تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم فانهم وان أصابوا فى كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم فالكلام على هذا من وجهين
الأول من قال ان هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه فنقول أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه

(13/294)


الداخل فى هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمى الذى لا يفهم ولا قالوا ان الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة قالوا فى أحاديث الصفات تمر كما جاءت ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التى مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه
ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة فى أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها ويفهمون منها بعض ما دلت عليه كما يفهمون ذلك فى سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك وأحمد قد قال فغير أحاديث الصفات تمر كما جاءت وفى أحاديث الوعيد مثل قوله من غشنا فليس منا وأحاديث الفضائل ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر
فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل وكذلك نص أحمد فى كتاب الرد على الزنادقة والجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن وتكلم أحمد على ذلك المتشابه وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية وجرى فى ذلك على سنن الأئمة قبله فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو الحاد فى أسماء الله وآياته

(13/295)


ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على ابطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين و التأويل المردود هو صرف الكلام عن ظاهره الى ما يخالف ظاهره فلو قيل ان هذا هو التأويل المذكور فى الاية وأنه لا يعلمه الا الله لكان فى هذا تسليم للجهمية أن للآية تأويلا يخالف دلالتها لكن ذلك لا يعلمه الا الله وليس هذا مذهب السلف والأئمة وانما مذهبهم نفى هذه التأويلات وردها لا التوقف فيها وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعانى لا تحرف ولا يلحد فيها
والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه أن نقول لا ريب أن الله سمى نفسه فى القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار والعليم والقدير والرءوف ونحو ذلك ووصف نفسه بصفات مثل سورة الاخلاص و آية الكرسى وأول الحديد وآخر الحشر وقوله ان الله بكل شىء عليم و على كل شىء قدير وأنه يحب المتقين و المقسطين و المحسنين وأنه يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلما آسفونا انتقمنا منهم ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله ولكن كره الله انبعاثهم الرحمن على العرش استوى ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم وهو الذى

(13/296)


فى السماء اله وفى الأرض اله وهو الحكيم العليم اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إننى معكما أسمع وأرى وهو الله فى السموات وفى الأرض ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام يريدون وجهه ولتصنع على عينى الى امثال ذلك
فيقال لمن ادعى فى هذا أنه متشابه لا يعلم معناه أتقول هذا فى جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم فى البعض فان قلت هذا فى الجميع كان هذا عنادا ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل كفر صريح فانا نفهم من قوله إن الله بكل شىء عليم معنى ونفهم من قوله ان الله على كل شىء قدير معنى ليس هو الأول ونفهم من قوله ورحمتى وسعت كل شىء معنى ونفهم من قوله إن الله عزيز ذو انتقام معنى وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه الى الحديث لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة من يقول إنا نسمى الله الرحمن العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شىء قط وكذلك فى قوله ولا يحيطون بشىء من علمه يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم وهذا

(13/297)


الغلو فى الظاهر من جنس غلو القرامطة فى الباطن لكن هذا أيبس وذاك أكفر
ثم يقال لهذا المعاند فهل هذه الأسماء دالة على الاله المعبود وعل حق موجود أم لا فان قال لا كان معطلا محضا وما اعلم مسلما يقول هذا وان قال نعم قيل له فلم فهمت منها دلالتها على نفس الرب ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعانى من الرحمة والعلم وكلاهما فى الدلالة سواء فلابد أن يقول نعم لأن ثبوت الصفات محال فى العقل لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث بخلاف الذات فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثانى كما سنذكره وهو من أقر بفهم بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض فيقال له ما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفيته أو سكت عن اثباته ونفيه فان الفرق اما أن يكون من جهة السمع لأن أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة بخلاف الآخر أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب اثباته دون الآخر وكلا الوجهين باطل فى أكثر المواضع
أما الأول فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع بصير على عظيم كدلالته على أنه عليم قدير ليس بينهما فرق من جهة النص وكذلك ذكره لرحمته ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وارادته

(13/298)


وأما الثانى فيقال لمن أثبت شيئا ونفى آخر لم نفيت مثلا حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ذلك الى ارادته فان قال لأن المعنى المفهوم من الرحمة فى حقنا هى رقة تمتنع على الله قيل له والمعنى المفهوم من الإرادة فى حقنا هى ميل يمتنع على الله فإن قال ارادته ليست من جنس ارادة خلقه قيل له ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه وكذلك محبته وان قال وهو حقيقة قوله لم اثبت الارادة وغيرها بالسمع وانما أثبت العلم والقدرة والارادة بالعقل وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى الطريقتين لأن الفعل دل على القدرة والأحكام دل على العلم والتخصيص دل على الارادة قيل له الجواب من ثلاثة أوجه
أحدها أن الأنعام والاحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة التخصيص على الارادة والتقريب والادناء وأنواع التخصيص التى لا تكون الا من المحب تدل على المحبة أو مطلق التخصيص يدل على الارادة وأما التخصيص بالانعام فتخصيص خاص والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص وما سلكه فى مسلك الارادة يسلك فى مثل هذا
الثانى يقال له هب أن العقل لا يدل على هذا فانه لا ينفيه الا بمثل ما ينفى به الارادة والسمع دليل مستقل بنفسه بل

(13/299)


الطمأنينة اليه فى هذه المضايق أعظم ودلالته أتم فلأى شىء نفيت مدلوله أو توقفت وأعدت هذه الصفات كلها الى الارادة مع أن النصوص لم تفرق فلا يذكر حجة الا عورض بمثلها فى اثباته الارادة زيادة على الفعل
الثالث يقال له اذا قال لك الجهمى الارادة لا معنى لها الا عدم الاكراه أو نفس الفعل والأمر به وزعم أن اثبات ارادة تقتضى محذورا ان قال بقدمها ومحذورا ان قال بحدوثها
وهنا اضطربت المعتزلة فانهم لا يقولون بارادة قديمة لامتناع صفة قديمة عندهم ولا يقولون بتجدد صفة له لامتناع حلول الحوادث عند أكثرهم مع تناقضهم
فصاروا حزبين البغداديون وهم أشد غلوا فى البدعة فى الصفات وفى القدر نفوا حقيقة الارادة وقال الجاحظ لا معنى لها الا عدم الاكراه وقال الكعبى لا معنى لها الا نفس الفعل اذا تعلقت بفعله ونفس الأمر اذا تعلقت بطاعة عباده
والبصريون كأبى على وأبى هاشم قالوا تحدث ارادة لا فى محل فلا ارادة فالتزموا حدوث حادث غيرمراد و قيام صفة بغير محل

(13/300)


وكلاهما عند العقلاء معلوم الفساد بالبديهة
كان جوابه أن ما ادعى احالته من ثبوت الصفات ليس بمحال والنص قد دل عليها والعقل ايضا فاذا أخذ الخصم ينازع فى دلالة النص أو العقل جعله مسفسطا أو مقرمطا وهذا بعينه موجود فى الرحمة والمحبة فان خصومه ينازعونه فى دلالة السمع والعقل عليها على الوجه القطعى
ثم يقال لخصومه بم اثبتم أنه عليم قدير فما اثبتوه به من سمع وعقل فبعينه تثبت الارادة وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله فى العليم والقدير واذا انتهى الأمر الى ثبوت المعانى وأنها تستلزم الحدوث أو التركيب والافتقار كان الجواب ما قررناه فى غير هذا الموضع فان ذلك لا يستلزم حدوثا ولا تركيبا مقتضيا حاجة الى غيره
ويعارضون أيضا بما ينفى به أهل التعطيل الذات من الشبه الفاسدة ويلزمون بوجود الرب الخالق المعلوم بالفطرة الخلقية والضرورة العقلية والقواطع العقلية واتفاق الأمم وغير ذلك من الدلائل ثم يطالبون بوجود من جنس ما نعهده أو بوجود يعلمون كيفيته فلابد أن يفروا الى اثبات ما لا تشبه حقيقته الحقائق فالقول فى سائر ما سمى ووصف به نفسه كالقول فى نفسه سبحانه وتعالى

(13/301)


و نكتة هذا الكلام أن غالب من نفى وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب والسنة لابد أن يثبت الشىء لقيام المقتضى وانتفاء المانع وينفى الشىء لوجود المانع أو لعدم المقتضى أو يتوقف اذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع فيبين له أن المقتضى فيما نفاه قائم كما أنه فيما أثبته قائم اما من كل وجه أو من وجه يجب به الاثبات فان كان المقتضى هناك حقا فكذلك هنا والا فدرء ذاك المقتضى من جنس درء هذا
وأما المانع فيبين أن المانع الذى تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذى تخيله فيما اثبته فاذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ينج من محذوره باثبات أحدهما ونفى الآخر فانه ان كان حقا نفاهما وان كان باطلا لم ينف واحدا منهما فعليه أن يسوى بين الأمرين فى الاثبات والنفى ولا سبيل الى النفى فتعين الاثبات
فهذه نكتة الالزام لمن أثبت شيئا وما من أحد الا ولابد أن يثبت شيئا أو يجب عليه اثباته فهذا يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التى يدعى أنها موجبة النفى خيالات غير صحيحة وان لم يعرف فسادها على التفصيل وأما من حيث التفصيل فيبين فساد المانع وقيام المقتضى كما قرر هذا غير مرة

(13/302)


فإن قال من أثبت هذه الصفات التى هى فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة ولم يثبت ما هو فينا أبعاض كاليد والقدم هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب والتجسيم
قيل له وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلى كما استلزمت هذه عندك التركيب الحسى فان أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا أو تسميتها أعراضا لا يمنع ثبوتها قيل له وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا أو تسميتها تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها
فإن قيل هذه لا يعقل منها الا الاجزاء
قيل له وتلك لا يعقل منها الا الاعراض
فإن قال العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية قيل والبعض ما جاز انفصاله عن الجملة وذلك فى حق الله محال فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة فى حق الله تعالى مطلقا والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه فإن قال ذلك تجسيم والتجسيم منتف قيل وهذا تجسيم والتجسيم منتف

(13/303)


فإن قال أنا أعقل صفة ليست عرضا بغير متحيز وإن لم يكن له فى الشاهد نظير قيل له فاعقل صفة هى لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له فى الشاهد نظير فان نفى عقل هذا نفى عقل ذاك وان كان بينهما نوع فرق لكنه فرق غير مؤثر فى موضع النزاع ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفى الجميع لكن ذاك أيضا مستلزم لنفى الذات ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء صرح بأنها صفة قائمة به كالعلم والقدرة وهذا ايضا ليس هو معقول النص ولا مدلول العقل وانما الضرورة ألجأتهم الى هذه المضايق
وأصل ذلك أنهم أتوا بألفاظ ليست فى الكتاب ولا فى السنة وهى ألفاظ مجملة مثل متحيز و محدود و جسم و مركب ونحو ذلك ونفوا مدلولها وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه فى اثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض أو اثبات امكان الجسم بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والامكان لكل ما شمله هذا الدليل اذ الدليل القطعى لا يقبل الترك لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا تارة يغلبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثانى ويدفعون الأول

(13/304)


كهشام بن الحكم الرافضى فإنه قد قيل اول ما تكلم فى الجسم نفيا واثباتا من زمن هشام بن الحكم وأبى الهذيل العلاف فان أبا الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس فعارضهم هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس واعتقد الأولون احالة ثبوته واعتقد هذا احالة نفيه وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الاحالة والتناقض
فما أعلم أحدا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة الا ولابد أن يتناقض فيحيل ما اوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره اذ كلامهم من عند غير الله وقد قال الله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع فى ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والايمان والمعانى المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين اذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب الا أمانى فهذا أحد الوجهين وهو منع أن تكون هذه من المتشابه

(13/305)


الوجه الثانى أنه اذا قيل هذه من المتشابه أو كان فيها ما هو من المتشابه كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها فيقال الذى فى القرآن أنه لا يعلم تأويله الا الله اما المتشابه واما الكتاب كله كما تقدم ونفى علم تأويله ليس نفى علم معناه كما قدمناه فى القيامة وأمور القيامة وهذا الوجه قوى ان ثبت حديث ابن اسحاق فى وفد نجران أنهم احتجو على النبى بقوله إنا و نحن ونحو ذلك ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن فى القرآن متشابها وهو ما يحتمل معنيين وفى مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك فى مسائل المعاد وأولى فان نفى المشابهة بين الله وبين خلقه أعظم من نفى المشابهة بين موعود الجنة وموجود الدنيا
وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفى علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى ونزيده تقريرا أن الله سبحانه يقول ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذى عوج وقال تعالى الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون فأخبر أنه أنزله ليعقلوه وأنه طلب تذكرهم
وقال أيضا وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون

(13/306)


فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكر فيه ولم يستثن من ذلك شيئا بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه مثل قوله أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وقوله أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ومعلوم أن نفى الاختلاف عنه لا يكون الا بتدبره كله والا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفى مخالفه ما لم يتدبر لما تدبر
وقال على رضى الله عنه لما قيل له هل ترك عندكم رسول الله شيئا فقال لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة الا فهما يؤتيه الله عبدا فى كتابه وما فى هذه الصحيفة فأخبر أن الفهم فيه مختلف فى الأمة والفهم أخص من العلم والحكم قال الله تعالى ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وقال النبى رب مبلغ أوعى من سامع وقال بلغوا عنى ولو آية
وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا فى جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها ورووا عن النبى احاديث كثيرة توافق القرآن وأئمة الصحابة فى هذا أعظم من غيرهم مثل عبدالله بن مسعود الذى كان يقول لو أعلم أعلم بكتاب الله منى تبلغه آباط الابل لأتيته وعبدالله بن عباس الذى دعا له النبى صلى الله عليه

(13/307)


وسلم وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين اثباتا للصفات ورواية لها عن النبى ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا وما فى التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين بل وثالثهما فى علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم ومثلهما فى جلالته جلالة اصحاب زيد بن ثابت لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به بل أخذوا عن غيره مثل عمر وابن عمر وابن عباس ولو كان معانى هذه الآيات منفيا أو مسكوتا عنه لم يكن ربانيوا الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما فيه
ثم إن الصحابة نقلوا عن النبى أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع
من تفسير آية قال أبو عبدالرحمن السلمى حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا اذا تعلموا من النبى عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل
وكذلك الأئمة كانوا اذا سئلوا عن شىء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله

(13/308)


تعالى الرحمن على العرش استوى كيف استوى فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك ربيعة قبله وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول فليس فى أهل السنة من ينكره
وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم ولكن الكيفية لا تعلم ولا يجوز السؤال عنها لا يقال كيف استوى ولم يقل مالك الكيف معدوم وإنما قال الكيف مجهول وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من اهل السنة غير أن اكثرهم يقولون لا تخطر كيفيته ببال ولا تجرى ماهيته فى مقال ومنهم من يقول ليس له كيفية ولا ماهية
فإن قيل معنى قوله الاستواء معلوم ان ورود هذا اللفظ فى القرآن معلوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذى استأثر الله بعلمه
قيل هذا ضعيف فان هذا من باب تحصيل الحاصل فإن السائل قد علم أن هذا موجود فى القرآن وقد تلا الآية وأيضا فلم يقل ذكر الاستواء فى القرآن ولا اخبار الله بالاستواء وانما قال

(13/309)


الاستواء معلوم فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم لم يخبر عن الجملة وأيضا فانه قال والكيف مجهول ولو أراد ذلك لقال معنى الاستواء مجهول أو تفسير الاستواء مجهول أو بيان الاستواء غير معلوم فلم ينف الا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه لو قال فى قوله اننى معكما أسمع وأرى كيف يسمع وكيف يرى لقلنا السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول ولو قال كيف كلم موسى تكليما لقلنا التكليم معلوم والكيف غير معلوم
وأيضا فإن من قال هذا من اصحابنا وغيرهم من اهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة وأن ذاته فوق ذات العرش لا ينكرون معنى الاستواء ولا يرون هذا من المتشابه الذى لا يعلم معناه بالكلية
ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة قال بعضهم ارتفع على العرش علا على العرش وقال بعضهم عبارات أخرى وهذه ثابتة عن السلف قد ذكر البخارى فى صحيحه بعضها فى آخر كتاب الرد على الجهمية وأما التأويلات المحرفة مثل استوى وغير ذلك فهى من التأويلات المبتدعة لما ظهرت الجهمية

(13/310)


وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس فى خصوص الصفات بل فى صحيح البخارى أن النبى قال لعائشة يا عائشة اذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذريهم وهذا عام وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فانه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن الذاريات ذروا فقال ما اسمك قال عبدالله صبيغ فقال وأنا عبدالله عمر وضربه الضرب الشديد وكان ابن عباس اذا ألح عليه رجل فى مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ
وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما قال النبى عليه الصلاة و السلام اذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه وكما قال تعالى فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذى يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبى صلى الله عليه و سلم عن ذلك وقال لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فان ذلك يوقع الشك فى قلوبهم ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذى لا يعلمه الا الله فكان مقصودهم مذموما ومطلوبهم متعذرا مثل أغلوطات المسائل التى نهى رسول الله عنها

(13/311)


ومما يبين الفرق بين المعنى و التأويل أن صبيغا سأل عمر عن الذاريات وليست من الصفات وقد تكلم الصحابة فى تفسيرها مثل على بن أبى طالب مع ابن الكواء لما سأله عنها كره سؤاله لما رآه من قصده لكن على كانت رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه و الذاريات و الحاملات و الجاريات و المقسمات فيها اشتباه لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك اذ ليس فى اللفظ ذكر الموصوف والتأويل الذى لا يعلمه الا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها ومتى تهب وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل المطر وكذلك فى الجاريات و المقسمات فهذا لا يعلمه الا الله
وكذلك فى قوله إنا و نحن ونحوهما من أسماء الله التى فيها معنى الجمع كما اتبعه النصارى فان معناه معلوم وهو الله سبحانه لكن اسم الجمع يدل على تعدد المعانى بمنزلة الأسماء المتعددة مثل العليم والقدير والسميع والبصير فإن
المسمى واحد ومعانى الأسماء متعددة فهكذا الاسم الذى لفظه الجمع وأما التأويل الذى اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك والكيف مجهول فاذا قالوا ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره قيل هذا هو التأويل الذى لا يعلمه الا الله

(13/312)


وما أحسن ما يعاد التأويل الى القرآن كله فان قيل فقد قال النبى لابن عباس اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل قيل أما تأويل الأمر والنهى فذاك يعلمه واللام هنا للتأويل المعهود لم يقل تأويل كل القرآن فالتأويل المنفى هو تأويل الاخبار التى لا يعلم حقيقة مخبرها الا الله والتأويل المعلوم هو الأمر الذى يعلم العباد تأويله وهذا كقوله هل ينظرون الا تأويله يوم يأتى تأويله وقوله بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله فان المراد تأويل الخبر الذى أخبر فيه عن المستقبل فانه هو الذى ينتظر ويأتى و لما يأتهم وأما تأويل الأمر والنهى فذاك فى الأمر وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى ان أدخل فى التأويل لا ينتظر والله سبحانه أعلم وبه التوفيق

(13/313)


وقال الشيخ الإمام العلامة
لقدوة العارف الفقيه الحافظ الزاهد العابد السالك الناسك مفتى الفرق ركن الشريعة عالم العصر فريد الدهر ترجمان القرآن وارث الانبياء آخر المجتهدين تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرانى تغمده الله برحمته فصل
فى أقسام القرآن
وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وانما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته واقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته

(13/314)


فالقسم اما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى فورب السماء والأرض أنه لحق
وإما على جملة طلبية كقوله تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر وقد يراد به محض القسم والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلابد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية اذا أقسم على ثبوتها
فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها وما أقسم عليه الرب عز و جل فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس
وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى لو تعلمون علم اليقين وقوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ولو ترى اذ فزعوا فلا فوت ولو ترى اذ وقفوا على النار ولو ترى اذ وقفوا على ربهم
ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيته

(13/315)


لرئيت هولا عظيما فليس فى ذكر الجواب زيادة على ما دل المحرم وهو أيضا تنبيه فاذا أقسم به وفيه الحلال فاذا كان فيه الحرام كان أولى بالتعظيم وكذلك اذا أريد الحلول فانه هو السلبى فالمعنى واحد
وقد أقسم ب التين والزيتون و البلد الأمين والجواب مذكور فى قوله تعالى لقد خلقنا الانسان فى كبد وهو مكايدة أمر الدنيا والآخرة وهذه المكابدة تقتضى قوة صاحبها وكثرة تصرفه واحتياله فقال تعالى أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد فهذا الانسان من جنس أولئك الأمم ومن جنس الذى قال ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانيه له قوة يكابد بها الأمور وكل أهلكه أفيظن مع هذا أنه لن يقدر عليه أحد فيجازيه بأعماله ويحسب أن ما أهلكه من المال لم يره أحد فيعلم ما فعل
والقدرة والعلم بهما يحصل الجزاء بل بهما يحصل كل شىء واخباره تعالى بأنه قادر وأنه عالم يتضمن الوعيد والتهديد فانه اذا كان قادرا أمكن الجزاء واذا كان عالما أمكن الجزاء فبالعدل يقدر ما عمل ومن لم يكن قادرا عالما لم يمكنه الجزاء فان العاجز عن الشخص لا يمكنه

(13/316)


جزاؤه والذى له قدرة لكن لا يرى ما فعل ان جازاه بلا علم كان ظالما معتديا فلابد له من العلم بما فعل
ولهذا كان الحاكم يحتاج الى الشهود والملوك يحتاجون الى أهل الديوان يخبرونهم بمقادير الأموال وغيرها ليكون عملهم بعلم ذكر أنه خلق الانسان فى كبد ايحسب أن لن يقدر عليه أحد ولن لنفى المستقبل يقول أيحسب أن لن يقدر عليه فى المستقبل أحد ولهذا كان ذاك الخائف من ربه الذى أمر أهله باحراقه وذرايته يعلم أن الجزاء متعلق بالقدرة فقال لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا من العالمين
وهو سبحانه يهدد بالقدرة لكون المقدور يقترن بها كما يهدد بالعلم لكون الجزا يقع معه كما فى قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم فقال النبى صلى الله عليه و سلم لما نزلت أعوذ بوجهك أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض فقال هاتان أهون وذلك لأنه تكلم فى ذكر القدرة ونوع المقدور كما يقول القائل أين تهرب منى أنا اقدر أن أمسكك
وكذلك فى العلم بالرؤية كقوله هنا أيحسب أن لم يره أحد

(13/317)


وقوله تعالى فى الذى ينهى عبدا اذا صلى ألم يعلم بان الله يرى وقوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وقوله أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون وقوله تعالى وكل شىء فعلوه فى الزبر وكل صغير وكبير مستطر وأمثال ذلك فذكر رؤيته الأعمال وعلمه بها واحصائه لها يتضمن الوعيد بالجزاء عليها كما يقول القائل قد علمت ما فعلت وقد جاءتنى أخبارك كلها وأمثال ذلك فليس المراد الاخبار بقدرة مجردة وعلم مجرد لكن بقدرة وعلم يقترن بهما الجزاء اذ كان مع حصول العلم والقدرة يمكن الجزاء ويبقى موقوفا على مشيئة المجازى لا يحتاج معه الى شىء حينئذ فيجب طلب النجاة بالاستغفار والتوبة اليه وعمل الحسنات التى تمحو السيئات
فصل
وهو سبحانه وتعالى لما أقسم ب الصافات و الذاريات و المرسلات ذكر المقسم عليه فقال تعالى ان الهكم لواحد وقال تعالى إنما توعدون لصادق وان الدين لواقع وقال تعالى إنما توعدون لواقع ولم يذكره فى النازعات فان الصافات هى الملائكة وهو لم يقسم على وجودها كما لم يقسم على وجود نفسه

(13/318)


اذ كانت الأمم معترفة بالصافات وكانت معرفته ظاهرة عندهم لا يحتاج الى أقسام بخلاف التوحيد فانه كما قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون
وكذلك الملائكة يقر بها عامة الأمم كما ذكر الله عن قوم نوح وعاد وثمود وفرعون مع شركهم وتكذيبهم بالرسل أنهم كانوا يعرفون الملائكة قال قوم نوح ما هذا الا رجل يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة وقال أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود اذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ان لا تعبدوا الا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة وقال فرعون أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين فلولا القى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين
وكذلك مشركوا العرب قال تعالى وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون وقال تعالى وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا وقال تعالى عن الأمم مطلقا وما منع الناس أن يؤمنوا اذ جاءهم الهدى الا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا

(13/319)


فكانت هذه الأمم المكذبة للرسل المشركة بالرب مقرة بالله وبملائكته فكيف بمن سواهم فعلم أن الاقرار بالرب وملائكته معروف عند عامة الأمم فلهذا لم يقسم عليه وانما أقسم على التوحيد لأن اكثرهم مشركون
وكذلك الذاريات و الحاملات و الجاريات هى أمور مشهودة للناس و المقسمات أمرا هم الملائكة فلم يكن فيما اقسم به ما أقسم عليه فذكر المقسم عليه فقال تعالى انما توعدون لصادق وان الدين لواقع
و المرسلات سواء كانت هى الملائكة النازلة بالوحى والمقسم عليه الجزاء فى الآخرة أو الرياح أو هذا وهذا فهى معلومة ايضا
وأما النازعات غرقا فهى الملائكة القابضة للأرواح وهذا يتضمن الجزاء وهو من أعظم المقسم عليه قال تعالى قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم الى ربكم ترجعون وقال تعالى توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا الى الله مولاهم الحق هو ولا يعين على عبادته الا هو وهذا يقين يعطى الاستعانة والتوكل

(13/320)


وهو يقين بالقدر الذى لم يقع فان الاستعانة والتوكل انما يتعلق بالمستقبل
فأما ما وقع فانما فيه الصبر والتسليم والرضى كما فى حديث عمار بن ياسر رضى الله عنه مرفوعا الى النبى أسألك الرضا بعد القضاء وقول لا حول ولا قوة الا بالله يوجب الاعانة ولهذا سنها النبى اذا قال المؤذن حى على الصلاة فيقول المجيب لا حول ولا قوة الا بالله فإذا قال حى على الفلاح قال المجيب لا حول ولا قوة الا بالله
وقال المؤمن لصاحبه ولولا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شىء فقوله ما شاء الله تقديره ما شاء الله كان فلا يأمن بل يؤمن بالقدر ويقول لا قوة الا بالله وفى حديث أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه المتفق عليه أن النبى صلى الله عليه و سلم قال هى كنز من كنوز الجنة و الكنز مال مجتمع لا يحتاج الى جمع وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار الى الله تعالى ومعلوم أنه لا يكون شىء الا بمشيئة الله وقدرته وأن الخلق ليس منهم شىء الا ما أحدثه الله فيهم فاذا انقطع طلب القلب

(13/321)


للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذى لا يأتى بها الا هو قال تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وقال تعالى وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله وقال تعالى وان يردك بخير فهو على كل شىء قدير وقال تعالى قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ان أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته
وقال صاحب يس أأتخذ من دونه آلهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون انى اذا لفى ضلال مبين ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده فى غير موضع
وفى الأثر من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما فى يد الله أوثق منه بما فى يده قال تعالى وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا
والله تعالى أمر بعبادته والتوكل عليه قال تعالى فاعبده وتوكل عليه وقال تعالى قل هو ربى لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب وقال موسى يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين

(13/322)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية