صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

الاولين باحسان فكما ان المرأ له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر ولا يتعين ذلك فى شخص معين ولا يحتاج الانسان فى ذلك ان ينتسب إلى شيخ معين وكل من افاد غيره افادة دينية هو شيخه فيها وكل ميت وصل إلى الانسان من اقواله وأعماله وآثاره ما انتفع به فى دينه فهو شيخه من هذه الجهة فسلف الامة شيوخ الخلفاء قرنا بعد قرن وليس لاحد أن ينتسب إلى شيخ يوالى على متابعته ويعادى على ذلك بل عليه ان يوالى كل من كان من أهل الايمان ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ولا يخص أحدا بمزيد موالات الا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه فيقدم من قدم الله تعالى ورسوله عليه ويفضل من فضله الله ورسوله قال الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم
وقال النبى لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا اسود على أبيض ولا لابيض على اسود إلا بالتقوى

(11/512)


فصل وأما قول القائل أنت للشيخ فلان وهو شيخك فى الدنيا والآخرة فهذه بدعة منكرة من جهة انه جعل نفسه لغير الله ومن جهة ان قوله شيخك فى الدنيا والآخرة كلام لا حقيقة له فانه ان اراد انه يكون معه فى الجنة فهذا إلى الله لا إليه وان اراد انه يشفع فيه فلا يشفع أحد لاحد إلا باذن الله تعالى إن اذن له ان يشفع فيه وإلا لم يشفع وليس بقوله أنت شيخى فى الآخرة يكون شافعا له هذا إن كان الشيخ ممن له شفاعة فقد تقدم ان سيد المرسلين والخلق لا يشفع حتى يأذن الله له فى الشفاعة بعد امتناع غيره منها وكم من مدع للمشيخة وفيه نقص من العلم والايمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى
وقول القائل لو احسن احدكم ظنه بحجر لنفعه الله به هو من كلام أهل الشرك والبهتان فان عباد الاصنام أحسنوا ظنهم بها فكانوا هم واياها من حصب جهنم كما قال الله تعالى إنكم وما

(11/513)


تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لكن قال النبى يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى وان ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم وان تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا وان تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا وان أتانى يمشى اتيته هرولة ومن امكنه الهدى من غير انتساب إلى شيخ معين فلا حاجة به إلى ذلك ولا يستحب له ذلك بل يكره له
واما ان كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره إلا بذلك مثل أن يكون فى مكان يضعف فيه الهدى والعلم والايمان والدين يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد فى دينه وعلمه فانه يفعل الاصلح لدينه وهذا لا يكون فى الغالب إلا لتفريطه وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده
فاما الانتساب الذى يفرق بين المسلمين وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع فهذا مما ينهى عنه ويأثم فاعله ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله

(11/514)


فصل وأما قول القائل إن الله يرضى لرضا المشائخ ويغضب لغضبهم فهذا الحكم ليس هو لجميع المشائخ ولا مختص بالمشائخ بل كل من كان موافقا لله يرضى ما يرضاه الله ويسخط ما يسخط الله كان الله يرضى لرضاه ويغضب لغضبه من المشائخ وغيرهم ومن لم يكن كذلك من المشائخ لم يكن من أهل هذه الصفة ومنه قول النبى لأبى بكر الصديق رضى الله عنه وكان قد جرى بينه وبين صهيب وخباب وبلال وغيرهم كلام فى ابى سفيان إبن حرب فانه مر بهم فقالوا ما أخذت السيوف من عدو الله مأخذها فقال اتقولون هذا لكبير قريش ودخل على النبى فأخبره فقال لعلك أغضبتهم يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم لقد اغضبت ربك أو كما قال قال فخرج عليهم أبو بكر فقال لهم يا اخوانى اغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أبا بكر فهؤلاء كان غضبهم لله
وفى صحيح البخارى عن النبى قال يقول

(11/515)


الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه
فهذا المؤمن الذى تقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض احبه الله لأنه فعل ما احبه الله والجزاء من جنس العمل قال الله تعالى رضى الله عنهم ورضوا عنه وفى الحقيقة فالعبد الذى يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه وهو يرضى لرضا الله ويغضب لغضب الله وليكن هذان مثالان فمن أحب ما أحب الله وابغض ماأبغض الله ورضى ما رضى الله لما يرضى الله ويغضب لما يغضب لكن هذا لا يكون للبشر على سبيل الدوام بل لابد لا كمل الخلق ان يغضب احيانا غضب البشر ويرضى رضا البشر
ولهذا قال النبى فى الحديث الصحيح اللهم إنما أنا بشر اغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه اليك يوم القيامة

(11/516)


وقول النبى لأبى بكر لئن كنت أغضبتهم لقد اغضبت ربك فى قضية معينة لكون غضبه لاجل أبى سفيان وهم كانوا يغضبون لله وإلا فأبو بكر أفضل من ذلك وبالجملة فالشيوخ والملوك وغيرهم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله أطيعوا وان امروا بخلاف ذلك لم يطاعوا فانه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وليس احد معصوما إلا رسول الله وهذا فى الشيخ الذى ثبت معرفته بالدين وعمله به
واما من كان مبتدعا بدعة ظاهرة أو فاجرا فجورا ظاهرا فهذا إلى أن تنكر عليه بدعته وفجوره أحوج منه إلى ان يطاع فيما يأمر به لكن أن امر هو أو غيره بما أمر الله به رسوله وجبت طاعة الله ورسوله فان طاعة الله ورسوله واجبة على كل احد فى كل حال ولو كان الآمر بها كائنا من كان
فصل واما قوله صلى الله عليه و سلم المرء مع من احب فهو من أصح الأحاديث وقال انس فما فرح المسلمون بشىء بعد الاسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر وارجو ان أحشر

(11/517)


معهم وان لم أعمل مثل أعمالهم وكذلك اوثق عرى الاسلام الحب فى الله والبغض فى الله لكن هذا بحيث ان يحب المرء ما يحبه الله ومن يحب الله فيحب انبياء الله كلهم لأن الله يحبهم ويحب كل من علم أنه مات علي الايمان والتقوى فإن هؤلاء أولياء الله والله يحبهم كالذين شهد لهم النبى صلى الله عليه و سلم بالجنة وغيرهم من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان
فمن شهد له النبى بالجنة شهدنا له بالجنة وأما من لم يشهد له بالجنة فقد قال طائفة من أهل العلم لا نشهد له بالجنة ولا نشهد أن الله يحبه وقال طائفة بل من استفشى من بين الناس إيمانه وتقواه واتفق المسلمون على الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز والحسن البصرى وسفيان الثورى وأبى حنيفة ومالك والشافعى واحمد والفضيل بن عياض وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى وعبد الله بن المبارك رضى الله عنهم وغيرهم شهدنا لهم بالجنة لأن فى الصحيح ان النبى مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال وجبت وجبت قالوا يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال هذه الجنازة اثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار قيل

(11/518)


بم يا رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السىء
وإذا علم هذا فكثير من المشهورين بالمشيخة فى هذه الأزمان قد يكون فيهم من الجهل والضلال والمعاصى والذنوب ما يمنع شهاة الناس لهم بذلك بل قد يكون فيهم المنافق والفاسق كما ان فيهم من هو من اولياء الله المتقين وعباد الله الصالحين وحزب الله المفلحين كما ان غير المشائخ فيهم هؤلاء وهؤلاء فى الجنة والتجار والفلاحون وغيرهم من هذه الأصناف
إذا كان كذلك فمن طلب ان يحشر مع شيخ لم يعلم عاقبته كان ضالا بل عليه أن يأخذ بما يعلم فيطلب أن يحشره الله مع نبيه والصالحين من عباده كما قال الله تعالى وان تظاهروا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين وقال الله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون وعلى هذا فمن احب شيخا مخالفا للشريعة كان معه فاذا دخل الشيخ النار كان معه ومعلوم أن الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة أهل الضلال والجهالة فمن كان معهم كان مصيره مصير أهل الضلال والجهالة واما من كان من أولياء الله المتقين كأبى بكر وعمر وعثمان

(11/519)


وعلى وغيرهم فمحبة هؤلاء من اوثق عرى الايمان وأعظم حسنات المتقين
ولو أحب الرجل لما ظهر له من الخير الذى يحبه الله ورسوله أثابه الله على محبة ما يحبه الله ورسوله وإن لم يعلم حقيقة باطنه فان الأصل هو حب الله وحب ما يحبه الله فمن أحب الله واحب ما يحبه الله كان من أولياء الله وكثير من الناس يدعى المحبة من غير تحقيق قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم قال بعض السلف ادعى قوم على عهد رسول الله أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية فمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضى فعل محبوباته وترك مكروهاته والناس يتفاضلون فى هذا تفاضلا عظيما فمن كان أعظم نصيبا من ذلك كان أعظم درجة عند الله
وأما من أحب شخصا لهواه مثل ان يحبه لدينا يصيبها منه أو لحاجة يقوم له بها أو لمال يتآكله به أو بعصبية فيه ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله بل هذه محبة لهوى النفس وهذه المحبة هى التى توقع أصحابها فى الكفر والفسوق والعصيان وما أكثر من يدعى حب مشائخ لله ولو كان يحبهم لله لأطاع الله الذى

(11/520)


أحبهم لأجله فان المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير
وكيف يحب شخصا لله من لا يكون محبا لله وكيف يكون محبا لله من يكون معرضا عن رسول الله وسبيل الله وما أكثر من يحب شيوخا أو ملوكا أو غيرهم فيتخذهم اندادا يحبهم كحب الله
والفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله ظاهر فاهل الشرك يتخذون اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله وأهل الايمان يحبون ذلك لأن أهل الايمان أصل حبهم هو حب الله ومن احب الله احب من يحبه ومن أحبه الله فمحبوب المحبوب محبوب ومحبوب الله يحب الله فمن أحب الله فيحبه من أحب الله
وأما أهل الشرك فيتخذون اندادا أو شفعاء يدعونهم من دون الله قال الله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون وقال الله تعالى ومالى لا اعبد الذى فطرنى واليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة ان يرددن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إنى إذا

(11/521)


لفي ضلال مبين إنى آمنت بربكم فاسمعون وقال الله تعالى وانذر به الذين يخافون ان يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون وقال الله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد اذ أنتم مسلمون
والله تعالى بعث الرسل وانزل الكتب ليكون الدين كله لله وقال النبى صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح أنا معشر الأنبياء ديننا واحد فالدين واحد وان تفرقت الشرعة والمنهاج قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى واسأل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال الله تعالى ولقد بعثنا فى كل امة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
ومن حين بعث الله محمدا ما يقبل من أحد بلغته الدعوة إلا الدين الذى بعثه به فان دعوته عامة لجميع الخلائق قال الله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس وقال لا يسمع بى من هذه الامة يهودى ولا نصرانى ثم لا يؤمن

(11/522)


بي إلا دخل النار قال الله تعالى ورحمتى وسعت كل شىء فأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى انزل معه أولئك هم المفلحون قل يا ايها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الامى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون
فعلى الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه و سلم فلا يعبدون الا الله ويعبدونه بشريعة محمد صلى الله عليه و سلم لا بغيرها قال الله تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون أنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وان الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ان الله يرضى لكم ثلاثا ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولاه الله أمركم وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله وكمال الذل لله فاصل الدين وقاعدته يتضمن ان يكون الله

(11/523)


هو المعبود الذى تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها اله سواه ولا الا له ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والاجلال والاعظام ونحو ذلك
والله سبحانه أرسل الرسل بانه لا اله إلا هو فتخلوا القلوب عن محبة ما سواه بمحبته وعن رجاء ما سواه برجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن العمل لما سواه بالعمل له وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به ولهذا كان وسط الفاتحة اياك نعبد واياك نستعين قال النبى فى الحديث الصحيح يقول الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فاذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدنى عبدى فاذا قال الرحمن الرحيم قال اثنى على عبدى واذا قال مالك يوم الدين قال مجدنى عبدى واذا قال اياك نعبد واياك نستعين قال هذه الاية بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل واذا قال اهدنا الصراط المستقيمى صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل
فوسط السورة اياك نعبد واياك نستعين فالدين ان لا يعبد الا الله ولا يستعان إلا اياه
والملائكة والانبياء وغيرهم عباد الله كما قال تعالى لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن

(11/524)


يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضلة واما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا اليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا فالحب لغير الله كحب النصارى للمسيح وحب اليهود لموسى وحب الرافضة لعلى وحب الغلاة لشيوخهم وأئمتهم مثل من يوالى شيخا أو اماما وينفر عن نظيره وهما متقاربان أو متساويان فى الرتبة فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم وحال أهل العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد الذين يوالون بعض الشيوخ والائمة دون البعض وانما المؤمن من يوالى جميع أهل الايمان قال الله تعالى انما المؤمنون اخوة وقال النبى المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه وقال مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وقال عليه السلام لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا
ومما يبين الحب لله والحب لغير الله ان أبا بكر كان يحب النبى مخلصا لله وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله فتقبل الله عمل أبى بكر وانزل فيه وسيجنبها الاتقى الذى

(11/525)


يؤتى ماله يتزكى وما لا حد عنده من نعمة تجزى الا ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى واما ابو طالب فلم يتقبل عمله بل ادخله النار لأنه كان مشركا عاملا لغير الله وابو بكر لم يطلب اجره من الخلق لا من النبى ولا من غيره بل من آمن به وأحبه وكلأه واعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى الله وطالبا الاجر من الله ورسوله يبلغ عن الله امره ونهيه ووعده ووعيده قال تعالى فانما عليك البلاغ وعلينا الحساب
والله هو الذى يخلق ويرزق ويعطى ويمنع ويخفض ويرفع ويعز
والأسباب التى يفعلها العباد مما أمر الله به وأباحه فهذا يسلك وأما ما ينهى عنه نهيا خالصا أو كان من البدع التى لم يأذن الله بها فهذا لا يسلك قال تعالى قل أدعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون 2 مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له بين سبحانه ضلال الذين يدعون المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم المبين أن المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ثم بين أنه لا شركة لهم ثم بين أنه لا عون له ولا ظهير لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق كما يقول بعضهم إذا كانت

(11/526)


لك حاجة استوصى الشيخ فلان فانك تجده أو توجه إلى ضريحه خطوات وناده يا شيخ يقضى حاجتك وهذا غلط لا يحل فعله وان كان من هؤلاء الداعين لغير الله من يرى صورة المدعو أحيانا فذلك شيطان تمثل له كما وقع مثل هذا لعدد كثير
ونظير هذا قول بعض الجهال من اتباع الشيخ عدى وغيره كل رزق لا يجىء على يد الشيخ لا أريده والعجب من ذى عقل سليم يستوصى من هو ميت يستغيث به ولا يستغيث بالحى الذى لا يموت ويقوى الوهم عنده انه لولا استغاثته بالشيخ الميت لما قضيت حاجته فهذا حرام فعله
ويقول أحدهم إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ وهذا كلام أهل الشرك والضلال فان الملك لا يعلم حوائج رعيته ولا يقدر على قضائها وحده ولا يريد ذلك الا لغرض يحصل له بسبب ذلك والله أعلم بكل شىء يعلم السر وأخفى وهو على كل شىء قدير فالاسباب منه وإليه وما من سبب من الأسباب الا دائر موقوف على أسباب أخرى وله معارضات فالنار لا تحرق إلا إذا كان المحل قابلا فلا تحرق السمندل وإذا شاء الله منع أثرها كما فعل بإبراهيم عليه السلام

(11/527)


وأما مشيئة الرب فلا تحتاج إلى غيره ولا مانع لها بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهو سبحانه ارحم من الوالدة بولدها يحسن إليهم ويرحمهم ويكشف ضرهم مع غناه عنهم وافتقارهم إليه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير
فنفى الرب هذا كله فلم يبق الا الشفاعة فقال ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له وقال من ذا الذى يشفع عنده إلا باذنه فهو الذى يأذن فى الشفاعة وهو الذى يقبلها فالجميع منه وحده وكلما كان الرجل أعظم اخلاصا كانت شفاعة الرسول اقرب إليه قال له أبو هريرة من اسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله
وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى ويتعلقون بفلان فهؤلاء من جنس المشركين الذي اتخذوا شفعاء من دون الله تعالى قال الله تعالى ام اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا وقال الله تعالى ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع وقال قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون

(11/528)


إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا
قال طائفة من السلف كان قوم يدعون المسيح والعزيز والملائكة فبين الله تعالى أن هؤلاء الملائكة والأنبياء عباده كما أن هؤلاء عباده وهؤلاء يتقربون إلى الله وهؤلاء يرجون رحمة الله وهؤلاء يخافون عذاب الله فالمشركون اتخذوا مع الله اندادا يحبونهم كحب الله واتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند الله ففيهم محبة لهم واشراك بهم وفيهم من جنس ما فى النصارى من حب المسيح واشراك به والمؤمنون اشد حبا لله فلا يعبدون إلا الله وحده ولا يجعلون معه شيئا يحبونه كمحبته لا انبيائه ولا غيرهم بل احبوا ما احبه بمحبتهم لله وأخلصوا دينهم لله وعملوا ان أحدا لا يشفع لهم إلا باذن الله فاحبوا عبد الله ورسوله محمدا لحب الله وعلموا انه عبد الله المبلغ عن الله فأطاعوه فيما امر وصدقوه فيما أخبر ولم يرجوا الا الله ولم يخافوا الا الله ولم يسألوا الا الله وشفاعته لمن يشفع له هو باذن الله فلا ينفع رجاؤنا للشفيع ولا مخافتنا له وانما ينفع توحيدنا واخلاصنا لله وتوكلنا عليه فهو الذى يأذن للشفيع
فعلى المسلم ان يفرق بين محبة المؤمنين ودينهم ومحبة النصارى

(11/529)


والمشركين ودينهم ويتبع أهل التوحيد والايمان ويخرج عن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا الله ومن كان يكره ان يرجع فى الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى فى النار وقال تعالى قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تحشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين وقال الله تعالى من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم وهذا باب واسع ودين الاسلام مبنى على هذا الأصل والقرآن يدور عليه

(11/530)


سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة فى الفساد وتعلق كل منهم بسبب واستند إلى قول قيل فمنهم من هو مكب على حضور السماعات المحرمة التى تعمل بالدفوف التى بالجلاجل والشبابات المعروفة فى هذا الزمان ويحضرها المردان والنسوان ويستند فى ذلك إلى دعوى جواز حضور السماع عند الشافعى وغيره من الأئمة
فأجاب أما السماعات المشتملة على الغناء والصفارات والدفوف المصلصلات فقد أتفق أئمة الدين أنها ليست من جنس القرب والطاعات بل ولو لم يكن على ذلك كالغناء والتصفيق باليد والضرب بالقضيب والرقص ونحو ذلك فهذا وان كان فيه ما هو مباح وفيه ما هو مكروه وفيه ما هو محظور أو مباح للنساء دون الرجال فلا نزاع بين أئمة الدين أنه ليس من جنس القرب والطاعات والعبادات ولم يكن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وغيرهم من مشائخ الدين

(11/531)


يحضرون مثل هذا السماع لا بالحجاز ولا مصر ولا الشام ولا العراق ولا خراسان ولا فى زمن الصحابة والتابعين ولا تابعيهم
لكن حدث بعد ذلك فكان طائفة يجتمعون على ذلك ويسمون الضرب بالقضيب على جلاجل ونحوه التغبير قال الحسن بن عبد العزيز الحرانى سمعت الشافعى يقول خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن وهذا من كمال معرفة الشافعى وعلمه بالدين فان القلب إذا تعود سماع القصائد والأبيات والتذ بها حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات فيستغنى بسماع الشيطان عن سماع الرحمن
وقد صح عن النبى انه قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقد فسره الشافعى واحمد بن حنبل وغيرهما بأنه من الصوت فيحسنه بصوته ويترنم به بدون التلحين المكروه وفسره ابن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بأنه الاستغناء به وهذا وان كان له معنى صحيح فالأول هو الذى دل عليه الحديث فانه قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به وفى الأثر ان العبد إذا ركب الدابة أتاه الشيطان وقال له تغن فان لم يتغن قال له تمن فان

(11/532)


النفس لابد لها من شىء فى الغالب تترنم به فمن لم يترنم بالقرآن ترنم بالشعر
وسماع القرآن هو سماع النبيين والمؤمنين والعارفين والعالمين قال الله تعالى أولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح الآية وقال وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآية وقال تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم الآيتين وقال الله نزل أحسن الحديث الآية وقال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية
وهذا السماع هو الذى شرعه الله للمؤمنين فى الصلاة وخارج الصلاة وكان أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والناس يستمعون
ومر النبى بأبى موسى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال لو علمت انك تسمع لحبرته لك تحبيرا أى لحسنته تحسينا وكان عمر يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا فيقرأوهم يستمعون لقراءته وقال النبى لابن مسعود اقرأ على القرآن فقال اقرأ عليك وعليك أنزل قال

(11/533)


انى أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة النساء حتى اذا بلغت هذه الآية فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فقال حسبك فنظرت فاذا عيناه تذرفان بالدمع فهذا هو السماع الذى يسمعه سلف الأمة وقرونها المفضلة وخيار الشيوخ انما يقولون بهذا السماع
واما الاستماع إلى القصائد الملحنة والاجتماع عليها فاكابر الشيوخ لم يحضروا هذا السماع كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وابى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والسرى السقطى وأمثالهم من المتأخرين كالشيخ عبد القادر والشيخ عدى بن مسافر والشيخ أبى مدين والشيخ أبى البيان وأمثال هؤلاء المشائخ فانهم لم يكونوا يحضرون هذا السماع وقد حضره طائفة من الشيوخ وأكابرهم ثم تابوا منه ورجعوا عنه وكان الجنيد رحمه الله تعالى لا يحضره فى آخر عمره ويقول من تكلف السماع فتن به ومن صادفه السماع استراح به أى من قصد السماع صار مفتونا وأما من سمع بيتا يناسب حاله بلا اقتصاد فهذا يستريح به
والذين حضروا السماع المحدث الذى جعله الشافعى من أحداث الزنادقة لم يكونوا يجتمعون مع مردان ونسوان ولا مع مصلصلات وشبابات وكانت اشعارهم مزهدات مرققات

(11/534)


فاما السماع المشتمل على منكرات الدين فمن عده من القربات استتيب فان تاب والا قتل وان كان متأولا جاهلا بين له خطأ تأويله وبين له العلم الذى يزيل الجهل هذا من كونه طريقا إلى الله
وأما كونه محرما على من يفعله على وجه اللهو واللعب لا على وجه القربة إلى الله فهذا فيه تفصيل فأما المشتمل على الشبابات والدفوف المصلصلة فمذهب الأئمة الأربعة تحريمه وذكر أبو عمرو إبن الصلاح ان هذا ليس فيه خلاف فى مذهب الشافعى فان الخلاف انما حكى فى اليراع المجرد مع ان العراقيين من أصحاب الشافعى لم يذكروا فى ذلك نزاعا ولا متقدمة الخراسانيين وانما ذكره متأخروا الخراسانيين
وقد ثبت فى صحيح البخارى وغيره ان النبى صلى الله عليه و سلم ذكر الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف على وجه الذم لهم وان الله معاقبهم فدل هذا الحديث على تحريم المعازف والمعازف هى آلات اللهو عند أهل اللغة وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها
ولهذا قال الفقهاء ان من أتلفها فلا ضمان عليه اذا أزال التألف

(11/535)


المحرم وان اتلف المالية ففيه نزاع ومذهب أحمد المشهور عنه ومالك أنه لاضمان فى هذه الصور ايضا وكذلك اذا اتلف دنان الخمر وشق ظروفه واتلف الأصنام المتخذة من الذهب كما اتلف موسى عليه السلام العجل المصنوع من الذهب وأمثال ذلك

(11/536)


وسئل عمن يؤاخى النسوان ويظهر شيئا من جنس الشعبذة كنقش شىء من القطن أو الخرقة باللاذن أو بغير ذلك أو يمسك النار مباشرة بكفه أو باصابعه بلا حائل بينه وبينها الخ
فأجاب واما مؤاخاة النساء واظهار الاشارات المذكورة فهى من أحوال اخوان الشياطين وأصحاب هذه الاشارات ليس فيهم ولى لله بل هم بين حال شيطانى ومحال بهتانى من حال ابليس ومحال تلبيس
وهولاء أصل حالهم ان الشياطين تنزل على من يعمل ما يحبه الشيطان من الكذب والفجور فاذا خرج أحدهم عن العقل والدين وصار من المتهوكين الذين يطيعون الشيطان ويعصون الرحمن وله شخير ونخير كأصوات الحمير يحضر أحدهم السماع ويؤاخون النسوان ويتخذون الجيران ويرقصون كالقرود وينقرون فى صلاتهم الركوع والسجود يبغضون سماع القرآن واتباع شريعة الرحمن تنزلت عليهم الشياطين التى تنزل على كل افاك اثيم فمنهم من ترفعه

(11/537)


فى الهواء ومنهم من تدخله النار ومنهم من يمشى ومعه ضوء يريه ان ذلك كرامات ومنهم من يستغيث بالشيخ ويخاطب من يستغيث بالشيخ حتى يرى أن ذلك كرامة للشيخ ومنهم من يحضر طعاما وفاكهة وحلوى إلى أمور أخرى قد عرفناها وعرفنا من وقعت له هذه الأمور واضعافها
فإذا تاب الرجل والتزم دين الاسلام وصلى صلاة المسلمين وتاب عما حرمه رب العالمين واعتاض بسماع القرآن عن سماع الشيطان ذهبت تلك الأحوال الشيطانية فان قوى ايمانه حصلت له مقامات الصالحين وإلا كفاه ان يكون من أهل جنة النعيم وهذا بين يعرف المسلم ان هذه الأحوال شيطانية لا كرامات ايمانية

(11/538)


وسئل عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد ومنهم من يقول إن غاية التحقيق وكمال سلوك الطريق وترك التكليف بحيث أنه إذا الزم بالصلاة يقوم ويقول خرجنا من الحضرة ووقفنا بالباب
فأجاب اما من جعل كمال التحقيق الخروج من التكليف فهذا مذهب الملاحدة من القرامطة والباطنية ومن شابههم من الملاحدة المنتسبين إلى علم او زهد أو تصوف أو تزهد
يقول أحدهم ان العبد يعمل حتى تحصل له المعرفة فاذا حصلت زال عنه التكليف ومن قال هذا فانه كافر مرتد باتفاق أئمة الاسلام فانهم متفقون على أن الأمر والنهى جار على كل بالغ عاقل إلى أن يموت قال تعالى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين قال الحسن البصرى لم يجعل الله لعمل المؤمن غاية دون الموت وقرأ هذه الآية و اليقين هنا ما بعد الموت كما قال تعالى فى الآية الاخرى وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ومنه قول النبى صلى الله عليه و سلم فى

(11/539)


الحديث الصحيح لما مات عثمان بن مظعون اما عثمان فانه اتاه اليقين من ربه وقد سئل الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى عمن يقول انه وصل من طريق البر ان تسقط عنه الأعمال
فقال الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء ولقد صدق الجنيد رحمه الله فان هذه كبائر وهذا كفر ونفاق والكبائر خير من الكفر والنفاق
وقول الواحد من هؤلاء خرجنا من الحضرة إلى الباب كلمة حق اريد بها باطل فانهم خرجوا من حضرة الشيطان إلى باب الرحمن كما يحكى عن بعض شيوخ هؤلاء انهم كانوا فى سماع فأذن المؤذن فقام إلى الصلاة فقال كنا فى الحضرة فصرنا إلى الباب ولا ريب انه كان فى حضرة الشيطان فصار على باب الرحمن اما كونه أنه كان فى حضرة الله فصار على بابه فهذا ممتنع عند من يؤمن بالله ورسوله فانه قد ثبت عن النبى بأن العبد اقرب ما يكون من ربه وهو ساجد وقد قال النبى استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء الا مؤمن
وفى الصحيح عن ابن مسعود عن النبى انه

(11/540)


سئل أى الأعمال أفضل قال الصلاة على مواقيتها وفى الحديث عن النبى أنه قال أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته وآخر شىء وصى به النبى امته الصلاة وكان يقول جعلت قرة عينى فى الصلاة وكان يقول ارحنا يا بلال بالصلاة ولم يقل ارحنا منها فمن لم يجد قرة عينه وراحة قلبه فى الصلاة فهو منقوص الايمان قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين وقال النبى صلى الله عليه و سلم راس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله
وهذا باب واسع ولا ينكره من آمن بالله ورسوله

(11/541)


سئل شيخ الاسلام الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية رحمه الله عما أحدثه الفقراء المجردون والمطوعون من صحبة الشباب ومؤاخاة النسوان والماجريات وحط رؤوسهم بين يدي بعضهم بعضا وأكلهم مال بعضهم بعضا بغير حق ومن جنى يشال تحت رجليه ويضرب بغير حق ووقوفهم كشوفوا الرؤوس منحنين كالراكعين ووضع النعال على رؤوسهم ولباسهم الصوف والرقع والسجادة والسبحة واكل الحشيشة واذا جاءهم امرد فرضوا عليه ان يصحبه واحد منهم ويطلبوا منه الصحبة هل يجوز ذلك أو نقل عن الصحابة
فأجاب الحمد لله واما صحبة المردان وعلى وجه الاختصاص بأحدهم كما يفعلونه مع ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد الحسن ومبيته مع الرجل ونحو ذلك فهذا من افحش المنكرات عند المسلمين وعند اليهود والنصارى وغيرهم فانه قد علم بالاضطرار من دين الاسلام ودين سائر الأمم
بعد قوم لوط تحريم الفاحشة اللوطية ولهذا بين الله فى كتابه انه لم يفعلها قبل قوم لوط احد من العالمين وقد عذب الله

(11/542)


المستحلين لهما بعذاب ما عذبه أحدا من الأمم حيث طمس ابصارهم وقلب مدائنهم فجعل عاليها سافلها واتبعهم بالحجارة من السماء
ولهذا جاءت الشريعة بان الفاحشة التى فيها القتل يقتل صاحبها بالرجم بالحجارة كما رجم النبى صلى الله عليه و سلم اليهوديين وما عز بن مالك والاسلمى والغامدية وغيرهم ورجم بعده خلفاؤه الراشدون
والرجم شرعه الله لأهل التوراة والقرآن وفى السنن عن النبى من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعا لكن تنوعوا فى صفة القتل فبعضهم قال يرجم وبعضهم قال يرمى من أعلى جدار فى القرية ويتبع بالحجارة وبعضهم قال يحرق بالنار ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء انهما يرجمان بكرين كانا أو ثيبين حرين كانا أو مملوكين أو كان أحدهما مملوكا للآخر وقد اتفق المسلمون على ان من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد
وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بقبلة الامرد ولمسه والنظر اليه هو حرام باتفاق المسلمين كما هو كذلك فى المرأة الاجنبية كما ثبت فى الصحيح عن النبى انه قال العينان

(11/543)


تزنيان وزناهما النظر والاذن تزنى وزناهما السمع واليد تزنى وزناها البطش والرجل تزنى وزناها المشى والقلب يتمنى ويشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه
فاذا كان المستحل لما حرم الله كافرا فكيف بمن يجعله قربة وطريقا إلى الله تعالى قال الله تعالى واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء اتقولون على الله ما لا تعلمون وسبب نزول الآية أن غير الحمس من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة فجعل الله كشف عورآتهم فاحشة وبين أن الله لا يأمر بالفحشاء ولهذا لما حج أبو بكر الصديق قبل حجة الوداع نادى بأمر النبى وكان يحج المسلم والمشرك لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فكيف بمن يستحل اتيان الفاحشة الكبرى أو ما دونها ويجعل ذلك عبادة وطريقا وان كان طائفة من المتفلسفة ومن وافقهم من ضلال المتنكسة جعلوا عشق الصور الجميلة من جملة الطريق التى تزكى بها النفوس فليس هذا من دين المسلمين ولا اليهود ولا النصارى وإنما هو دين أهل الشرك الذين شرعوا من الدين مالم يأذن به الله

(11/544)


وان كان اتباع هؤلاء زادوا على ما شرعه ساداتهم وكبراؤهم زيادات من الفواحش التى لا ترضاها القرود فانه قد ثبت فى صحيح البخارى أن أبا عمران رأى فى الجاهلية قردا زنا بقردة فاجتمعت عليه القرود فرجمته ومثل ذلك قد شاهده الناس فى زماننا فى غير القرود حتى الطيور
فلو كانت صحبة المردان المذكورة خالية عن الفعل المحرم فهى مظنة لذلك وسبب له ولهذا كان المشائخ العارفون بطريق الله يحذرون من ذلك كما قال فتح الموصلى ادركت ثلاثين من الأبدال كل ينهانى عند مفارقتى إياه عن صحبة الأحداث وقال معروف الكرخى كانوا ينهون عن ذلك وقال بعض التابعين ما أنا على الشاب الناسك من سبع يجلس إليه بأخوف منى عليه من حدث يجلس إليه وقال سفيان الثورى وبشر الحافى ان مع المرأة شيطانا ومع الحدث شيطانين وقال بعضهم ما سقط عبد من عين الله إلا ابتلاه الله بصحبة هؤلاء الأحداث وقد دخل من فتنة الصور والأصوات على النساك مالا يعلمه إلا الله حتى اعترف اكابر الشيوخ بذلك وتاب منهم من تداركه الله برحمته
ومعلوم أن هذا من باب اتباع الهوى بغير هدى من الله ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ومن استحل ذلك أو

(11/545)


اتخذه دينا كان ضالا مضاهيا للمشركين والنصارى ومن فعله مع اعترافه بأنه ذنب أو معصية كان عاصيا أو فاسقا
وكذلك مؤاخاة المرأة الأجنبية بحيث يخلو بها وينظر منها ما ليس للاجنبى ان ينظره حرام باتفاق المسلمين واتخاذ ذلك دينا وطريقا كفر وضلال والمال الذى يؤخذ لأجل إقرارهم ومعونة على محادثة الرجل الأمرد هى من جنس جعل القوادة ومطالبتهم له بالصحبة من جنس العرس على البغى والله سبحانه أباح النكاح غير مسافحين ولا متخذى اخدان فالمرأة المسافحة تزنى بمن اتفق لها وكذلك الرجل المسافح الذى يزنى مع من اتفق له واما المتخذ الخدن فهو الرجل يكون له صديقة والمرأة يكون لها صديق فالأمرد المخادن للواحد من هؤلاء من جنس المرأة المتخذة خدنا وكذلك الجعل والمال الذى يؤخذ على هذا من جنس مهر البغى وجعل القوادة ونحو ذلك
واما الماجريات فاذا اختصم رجلان بقول أو فعل وجب ان يقام فى امرهما بالقسط قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وقال كونوا قوامين لله شهداء بالقسط وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى امر الله الآية

(11/546)


وقد روى ان اقتتالهما كان بالجريد والنعال
وقد قال تعالى لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس الآية وقال إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا وقال وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله وقال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به الآية
فإن كان الشخصان قد اختصما نظر أمرهما فان تبين ظلم أحدهما كان المظلوم بالخيار بين الاستيفاء والعفو والعفو أفضل فان كان ظلمه بضرب أو لطم فله أن يضربه أو يلطمه كما فعل به عند جماهير السلف وكثير من الأئمة وبذلك جاءت السنة وقد قيل انه يؤدب ولا قصاص فى ذلك
وان كان قد سبه فله أن يسبه مثل ما سبه إذا لم يكن فيه عدوان على حق محض لله أو على غير الظالم فاذا لعنه او سماه باسم كلب ونحوه فله أن يقول له مثل ذلك فاذا لعن اباه لم يكن له أن يلعن اباه لأنه لم يظلمه وان افترى عليه كذبا لم يكن له ان يفترى عليه كذبا لأن الكذب حرام لحق الله كما قال كثير

(11/547)


من العلماء فى القصاص فى البدن أنه اذا جرحه أو خنقه أو ضربه ونحو ذلك يفعل به كما فعل فهذا أصح قولى العلماء الا ان يكون الفعل محرما لحق الله كفعل الفاحشة أو تجريعه الخمر فقد نهى عن مثل هذا أكثرهم وان كان بعضهم سوغه بنظير ذلك
واذا اعترف الظالم بظلمه وطلب من المظلوم ان يعفو عنه ويستغفر الله له فهذا حسن مشروع كما ثبت فى الصحيح عن أبى الدرداء انه كان بين أبى بكر وعمر كلام وان أبا بكر طلب من عمر ان يستغفر له فأبى عمر ثم ندم فطلب أبا بكر فوجده قد سبقه إلى النبى وذكر له ذلك فقال النبى يغفر الله لك يا أبا بكر ثم قال ايها الناس انى قد جئت إليكم فقلت انى رسول الله فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت فهل انتم تاركوا لى صاحبى
واذا طلب من المظلوم العفو بعد اعتراف الظالم فأجاب كان من المحسنين الذين اجرهم على الله وان أبى الا طلب حقه لم يكن ظالما لكن يكون قد ترك الأفضل الأحسن فليس لأحد ان يخرجه عن أهل الطريق بمجرد ذلك كما قد يفعله كثير من الناس قال الله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمة فأولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب

(11/548)


أليم فانه لو كان من ترك الاحسان الذى لا يجب عليه يحسب خارجا عن الطريق خرج عنه جمهور
أهله و أولياء الله على صنفين مقربين سابقين وأصحاب يمين مقتصدين كما روى البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة عن النبى قال يقول الله تعالى من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه
ثم أكثر هؤلاء الذين يذمون تارك العفو إنما يذمونه لأهوائهم لكون الظالم صديق أحدهم أو وريثه أو قرينه ونحو ذلك
والله سبحانه أوجب على عباده العدل فى الصلح كما أوجبه فى الحكم فقال تعالى فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ان الله يحب المقسطين وقيد الاصلاح الذى يثيب عليه بالاخلاص فقال

(11/549)


تعالى ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما اذ كثير من الناس يقصدون الاصلاح إما لسمعة وإما لرياء
ومن العدل أن يمكن المظلوم من الانتصاف ثم بعد ذلك الشفاعة إلى المظلوم فى العفو ويصالحه الظالم وترغيبه فى ذلك فان الله تعالى إذا ذكر فى القرآن حقوق العباد التى فيها وزر الظالم ندب فيها إلى العفو كقوله سبحانه والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له وقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله انه لا يحب الظالمين وعن أنس قال ما رفع إلى رسول الله صلى عليه وسلم شىء فى القصاص الا أمر فيه بالعفو وليس من شرط طلب العفو من المظلوم ان الظالم يقوم على قدميه ولا يضع نعليه على رأسه ونحو ذلك مما قد يلتزمه بعض الناس وإنما شرطه التمكين من نفسه حتى يستوفى منه الحق فاذا أمكن المظلوم من استيفاء حقه فقد فعل ما وجب عليه ثم المستحق بالخيار ان شاء عفى وان شاء استوفى
وللمظلوم أن يهجره ثلاثا وأما بعد الثلاث فليس له أن يهجره على ظلمه إياه لقوله صلى الله عليه و سلم لا يحل لمسلم ان

(11/550)


يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذى يبدأ بالسلام
واما إذا كان الذنب لحق الله كالكذب والفواحش والبدع المخالفة للكتاب والسنة أو اضاعة الصلاة بالتفريط وواجباتها ونحو ذلك فهذا لابد فيه من التوبة وهل يشترط مع التوبة اظهار الاصلاح فى العمل على قولين للعلماء وإذا كان لهم شيخ مطاع فان له ان يعزر العاصى بحسب ذنبه تعزيرا يليق بمثله أن يفعله بمثله مثل هجره مدة كما هجر النبى صلى الله عليه و سلم الثلاثة المخلفين
وقد كان النبى صلى الله عليه و سلم وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس فى دينهم ودنياهم ثم بعد ذلك تفرقت الأمور فصار امراء الحرب يسوسون الناس فى أمر الدنيا والدين الظاهر وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس فيما يرجع اليهم فيه من العلم والدين وهؤلاء أولوا أمر تجب طاعتهم فيما يأمرون به من طاعة الله التى هم أولوا أمرها وهو كذلك فسر أولوا الأمر فى قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم بأمراء الحرب من الملوك ونوابهم وبأهل العلم والدين الذين يعلمون الناس دينهم ويأمرونهم بطاعة الله
فان قوام الدين بالكتاب والحديد كما قال تعالى

(11/551)


لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس
وإذا كان ولاة الحرب عاجزين ومفرطين عن تقويم المنتسبين إلى الطريق كان تقويمهم على رؤسائهم وكان لهم من تعزيزهم وتأديبهم ما يتمكنون منه إذا لم يقم به غيرهم كما قال النبى صلى الله عليه و سلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وهو اضعف الايمان
وقد يكون تعزيره بنفيه عن وطنه مدة كما كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ينفى من شرب الخمر وكما نفى نصر بن حجاج إلى البصرة لخوف فتنة النساء به وقد مضت سنة رسول الله بالنفى فى الزنا ونفى المخنث وأمر بعض المشائخ للمسىء بالسفر هذا أصله وهذا جملة تجتاج إلى تفصيل طويل ببيان الذنوب والتوبة منها وشروط التوبة وهو حال مستصحب للعبد من أول أمره إلى آخر عمره كما قال تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا الآية
وإذا تاب العبد وأخرج من ماله صدقة للتطهر من ذنبه كان ذلك حسنا مشروعا قال تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة

(11/552)


عن عباده ويأخذ الصدقات وقال النبى الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفى الماء النار والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقال النبى فتنة الرجل فى أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقال كعب بن مالك أن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة فقال النبى أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك
لكن لا يجوز الزامه بصدقة ولا تجب عليه لا باخراج ثيابه ولا غير ذلك ولا يجوز أن يقصد مطالبته بالتوبة أن يؤكل ماله ولا سيما إذا أعنت فجعل له ذنب من غير ذنب فان هذا يبقى كذبا وظلما وأكلا للمال بالباطل ولا يجب أن يكون ما يخرجه صدقة مصروفا فى طعام يأكلونه بل الخيرة إليه بوضعه حيث يكون أصلح وأطوع لله ولرسوله
والذى ينبغى أن ينظر أحق الناس بتلك الصدقة فتدفع إليه وأما أن يجعل من جملة التوبة صنعة طعام ودعوة فهذا بدعة فما زال الناس يتوبون على عهد النبى وأصحابه من غير هذه البدعة

(11/553)


واما الشكر الذى فيه إخراج شىء من ماله كملبوس أو غيره شكرا لله على ما انعم به إما من توبة وإما اصلاح ونحو ذلك فهو حسن مشروع فان كعب بن مالك لما جاءه المبشر بتوبة الله عليه أعطاه ثوبه الذى كان عليه واستعار ثوبا ذهب فيه إلى النبى لكن تعيين اللباس وغيره فى الشكر بدعة أيضا فان فعل ذلك أحيانا فهو حسن فلا يجعل واجبا أو مستحبا إلا ما جعله الله ورسوله واجبا أو مستحبا ولا ينكر إلا ما كرهه الله ورسوله فلا دين إلا ما شرع الله ولا حرام إلا ما حرم الله
وضرب الرجل تحت رجليه هو من التعزيز فان كان له ذنب يستحق به مثل ذلك من دين الله والمؤدب له ممن له أهلية ذلك فهو حق
وأما كشف الرؤوس والانحناء فليس من السنة وإنما هو مأخوذ عن عادات بعض الملوك والجاهلية والمخلوق لا يسأل كشف رأس ولا ركوع له وإنما يركع لله فى الصلاة وكشف الرؤوس لله فى الاحرام
وأما لباس الصوف فقد لبس رسول الله جبة الصوف فى السفر ولهذا قال الأوزاعى لباس الصوف فى السفر سنة وفى الحضر بدعة

(11/554)


ومعنى هذا أن المداومة عليه فى الحضر بدعة كما روينا عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن اقواما يتحرون لباس الصوف قال أظن هؤلاء بلغهم أن المسيح كان يلبس الصوف فلبسوه لذلك وهدى نبينا أحب إلينا من هدى غيره وفى السنن أن أصحاب رسول الله كانوا يشهدون الجمعة ولباسهم الصوف وفى الحديث الآخر قدم على النبى صلى الله عليه و سلم قوم مجتابى النمار والنمار من الصوف وقد لبس النبى القطن وغيره ومعنى هذا ان اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقا إلى الله بدعة وأما لبسه للحاجة والانتفاع به للفقير لعدم غيره أو لعدم لبس غيره ونحو ذلك فهو حسن مشروع والامتناع من لبسه مطلقا مذموم لا سيما من يدع لبسه كبرا وخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فانه قد ثبت عن النبى فى الصحيح أنه قال من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة وقال بينما رجل يجر إزاره خيلاء إذ خسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وقد كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب المرتفع والمنخفض
وليس لأحد أن يجعل من الدين ومن طريق الله إلا ما شرعه الله ورسوله لا سيما إذا كان التقييد فيه فساد الدين والدنيا فإن

(11/555)


لبس الصوف وترقيع الثوب عند الحاجة حسن من أفعال السلف والامتناع من ذلك مطلقا مذموم
فأما من عمد إلى ثوب صحيح فمزقه ثم يرقعه بفضلات ويلبس الصوف الرفيع الذى هو أعلى من القطن والكتان فهذا جمع فسادين
أما من جهة الدين فانه يظن التقييد بلبس المرقع والصوف من الدين ثم يريد أن يظهر صورة ذلك دون حقيقته فيكون ما ينفقه على ذلك أعظم مما ينفق على القطن الصحيح وهذا مخالف للزهد
وفساد المال باتلافه وانفاقه فيما لا ينفع لا فى الدين ولا فى الدنيا

(11/556)


ما تقول السادة الاعلام أئمة الاسلام ورثة الأنبياء عليهم السلام رضى الله عنهم وأرضاهم فى صفة سماع الصالحين ما هو وهل سماع القصائد الملحنة بالآلات المطربة هو من القرب والطاعات أم لا وهل هو مباح أم لا
فأجاب شيخ الاسلام تقى الدين أحمد بن تيمية رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما أصل هذه المسألة أن يفرق بين السماع الذى ينتفع به فى الدين وبين ما يرخص فيه رفعا للحرج وبين سماع المتقربين وبين سماع المتلعبين
فأما السماع الذى شرعه الله تعالى لعباده وكان سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون عليه لصلاح قلوبهم وزكاة

(11/557)


نفوسهم فهو سماع آيات الله تعالى وهو سماع النبيين والمؤمنين وأهل العلم وأهل المعرفة
قال الله تعالى لما ذكر من ذكره من الأنبياء فى قوله أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم واسرائيل وممن هدينا واجتبينا وإذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون وقال تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا وقال تعالى و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق
وبهذا السماع أمر الله تعالى كما قال تعالى وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون وعلى أهله أثنى كما فى قوله تعالى فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقال فى الآية الأخرى أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فالقول الذى أمروا بتدبره هو القول الذى أمروا باستماعه وقد قال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب

(11/558)


أقفالها وقال تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وكما أثنى على هذا السماع ذم المعرضين عن هذا السماع فقال تعالى وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا وقال تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وقال تعالى وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا وقال تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة وقال تعالى وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب وقال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا
وهذا هو السماع الذى شرعه الله لعباده فى صلاة الفجر والعشائين وغير ذلك
وعلى هذا السماع كان أصحاب رسول الله يجتمعون وكانوا إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لأبى موسى

(11/559)


يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وهذا هو السماع الذى كان النبى يشهده مع أصحابه ويستدعيه منهم كما فى الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال قال النبى إقرأ على القرآن قلت أقرأه عليك وعليك أنزل فقال إنى أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة النساء حتى وصلت إلى هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك فنظرت فاذا عيناه تذرفان وهذا هو الذى كان النبى يسمعه هو وأصحابه كما قال تعالى لقدمن الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة و الحكمة هى السنة
وقال تعالى قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شىء وأمرت أن أكون من المسلميسن وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وكذلك غيره من الرسل قال تعالى يا بنى آدم إما يأتيكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وبذلك يحتج عليهم يوم القيامة كما قال تعالى يا معشر الجن

(11/560)


والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وقال تعالى وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين
وقد أخبر أن المعتصم بهذا السماع مهتد مفلح والمعرض عنه ضال شقى قال تعالى فاما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آيتانا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وقال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين
و ذكر الله يراد به تارة ذكر العبد ربه ويراد به الذكر الذى أنزله الله كما قال تعالى وهذا ذكر مبارك أنزلناه وقال نوح أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم وقال وقالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقال ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وقال وإنه لذكر لك ولقومك وقال إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء

(11/561)


منكم أن يستقيم وقال وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين
وهذا السماع له آثار إيمانية من المعارف القدسية والأحوال الزكية يطول شرحها ووصفها وله فى الجسد آثار محمودة من خشوع القلب ودموع العين واقشعروا الجلد وهذا مذكور فى القرآن وهذه الصفات موجودة فى الصحابة ووجدت بعدهم آثار ثلاثة الاضطراب والصراخ والاغماء والموت فى التابعين
و بالجملة فهذا السماع هو أصل الايمان فان الله بعث محمدا إلى الخلق أجمعين ليبلغهم رسالات ربهم فمن سمع ما بلغه الرسول فآمن به وأتبعه اهتدى وأفلح ومن أعرض عن ذلك ضل وشقى
وأما سماع المكاء والتصدية وهو التصفيق بالأيدى والمكاء مثل الصفير ونحوه فهذا هو سماع المشركين الذى ذكره الله تعالى فى قوله وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فأخبر عن المشركين أنهم كانوا يتخذون التصفيق باليد والتصويت بالفم قربة ودينا ولم يكن النبى وأصحابه يجتمعون على مثل هذا السماع ولا حضروه قط ومن قال إن النبى حضر ذلك فقد كذب

(11/562)


عليه باتفاق أهل المعرفة بحديثه وسنته والحديث الذى ذكره محمد بن طاهر المقدسى فى مسألة السماع و فى صفة التصوف ورواه من طريقه الشيخ أبو حفص عمر السهروردى صاحب عوارف المعارف أن النبى أنشده أعرابى ... قد لسعت حية الهوى كبدى ... فلا طبيب لها ولا راقى ... إلا الحبيب الذى شغفت به ... فعنده رقيتى وترياقى ...
وأنه تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه فقال له معاوية ما أحسن لهوكم فقال له مهلا يا معاوية ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب فهو حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن
وأظهر منه كذبا حديث آخر يذكرون فيه أنه لما بشر الفقراء بسبقهم الأغنياء إلى الجنة تواجدوا وخرقوا ثيابهم وأن جبرائيل نزل من السماء فقال يا محمد إن ربك يطلب نصيبه من هذه الخرق فأخذ منها خرقة فعلقها بالعرش وان ذلك هو زيق الفقراء وهذا أمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بحال النبى صلى الله عليه و سلم وأصحابه ومن بعدهم ومعرفة الاسلام والايمان

(11/563)


وهو يشبه رواية من روى أن أهل الصفة قاتلوا مع الكفار لما انكسر المسلمون يوم حنين أو غير يوم حنين وأنهم قالوا نحن مع الله من كان الله معه كنا معه ومن روى أن صبيحة المعراج وجد أهل الصفة يتحدثون بسر كان الله أمر نبيه أن يكتمه فقال لهم من أين لكم هذا قالوا الله علمنا إياه فقال يا رب ألم تأمرنى ألا أفشيه فقال أمرتك أنت ألا تفشيه ولكنى أنا أخبرتهم به ونحو هذه الأحاديث التى يرويها طوائف منتسبون إلى الدين مع فرط جهلهم بدين الاسلام فيبنون عليها من النفاق والبدع ما يناسبها تارة يسقطون التوسط بالرسول وأنهم يصلون إلى الله تعالى من غير طريق الرسل مطلقا فهذا أعظم من كفر اليهود والنصارى فان أولئك أسقطوا وساطة رسول واحد ولم يسقطوا وساطة الرسل مطلقا
وهؤلاء إذا أسقطوا وساطة الرسل مطلقا عن أنفسهم كان هذا أغلظ من كفر أولئك لكنهم يقولون لا تسقط الوساطة الا عن الخاصة لا عن العامة فيكونون أكفر من أهل الكتاب من جهة إسقاط السفارة مطلقا عنهم فى بعض الأحوال وأهل الكتاب أكفر من جهة إسقاط سفارة محمد مطلقا بل أهل الكتاب الذين يقولون إنه رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب خير من هؤلاء فان أولئك أخرجوا عن رسالته من له كتاب وهؤلاء يخرجون عن رسالته من لا يبقى معه إلا خيالات

(11/564)


ووساوس وظنون ألقاها إليه الشيطان مع ظنه أنه من خواص أولياء الله وهو من أشد أعداء الله وتارة يجعلون هذه الآثار المختلقة حجة فيما يفترونه من أمور تخالف دين الاسلام ويدعون أنها من أسرار الخواص كما يفعل الملاحدة والقرامطة والباطنية وتارة يجعلونها حجة فى الاعراض عن كتاب الله وسنة نبيه إلى ما ابتدعوه من اتخاذ دينهم لهوا ولعبا
وبالجملة قد عرف بالاضطرار من دين الاسلام أن النبى لم يشرع لصالحى أمته وعبادهم وزهادهم أن يجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب أو الدف كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته واتباع ما جاء به من الكتاب والحكمة لا فى باطن الأمر ولا فى ظاهره ولا لعامي ولا لخاصى ولكن رخص النبى فى أنواع من اللهو فى العرس ونحوه كما رخص للنساء ان يضربن بالدف فى الأعراس والأفراح وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكف بل قد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال التصفيق للنساء والتسبيح للرجال ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء
ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثا ويسمون الرجال

(11/565)


المغنين مخانيثا وهذا مشهور فى كلامهم
ومن هذا الباب حديث عائشة رضى الله عنها لما دخل عليها أبوها رضى الله عنه فى أيام العيد وعندها جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث فقال أبو بكر رضى الله عنه أبمزمار الشيطان فى بيت رسول الله وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم معرضا بوجهه عنهما مقبلا بوجهه الكريم إلى الحائط فقال دعهما يا أبا بكر فان لكل قوم عيدا وهذا عيدنا أهل الاسلام ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبى صلى الله عليه و سلم وأصحابه الاجتماع عليه ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان والنبى أقر الجوارى عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد والصغار يرخص لهم فى اللعب فى الأعياد كما جاء فى الحديث ليعلم المشركون أن فى ديننا فسحة وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها وليس فى حديث الجاريتين أن النبى صلى الله عليه و سلم استمع إلى ذلك والأمر والنهى إنما يتعلق بالاستماع ولا بمجرد السماع كما فى الرؤية فانه إنما يتعلق بقصد الرؤية لابما يحصل منها بغير الاختيار
وكذلك فى اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم فأما إذا شم ما لم يقصده فانه لا شىء عليه وكذلك فى مباشرة المحرمات كالحواس

(11/566)


الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس إنما يتعلق الأمر والنهى من ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل واما ما يحصل بغير اختياره فلا امر فيه ولا نهى
وهذا مما وجه به الحديث الذى فى السنن عن ابن عمر أنه كان مع النبى فسمع صوت زمارة راع فعدل عن الطريق وقال هل تسمع هل تسمع حتى انقطع الصوت
فان من الناس من يقول بتقدير صحة هذا الحديث لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه فيجاب بأنه كان صغيرا أو يجاب بأنه لم يكن يستمع وإنما كان يسمع وهذا لا إثم فيه وإنما النبى فعل ذلك طلبا للأفضل والأكمل كمن اجتاز بطريق فسمع قوما يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا يسمعه فهذا حسن ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك اللهم إلا أن يكون فى سماعه ضرر دينى لا يندفع إلا بالسد
و بالجملة فهذه مسألة السماع تكلم كثير من المتأخرين فى السماع هل هو محظور أو مكروه أو مباح وليس المقصود بذلك مجرد رفع الحرج بل مقصودهم بذلك أن يتخذ طريقا إلى الله يجتمع عليه أهل الديانات لصلاح القلوب والتشويق إلى المحبوب

(11/567)


والتخويف من المرهوب والتحزين على فوات المطلوب فتستنزل به الرحمة وتستجلب به النعمة وتحرك به مواجيد أهل الايمان وتستجلى به مشاهد أهل العرفان حتى يقول بعضهم إنه أفضل لبعض الناس أو للخاصة من سماع القرآن من عدة وجوه حتى يجعلونه قوتا للقلوب وغذاءا للارواح وحاريا للنفوس يحدوها إلى السير إلى الله ويحثها على الاقبال عليه ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن إلى القرآن ولا يفرح به ولا يجد فى سماع الآيات كما يجد فى سماع الأبيات بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية وإذا سمعوا سماع المكاء والتصدية خشعت الأصوات وسكنت الحركات وأصغت القلوب وتعاطت المشروب
فمن تكلم فى هذا هل هو مكروه أو مباح وشبهه بما كان النساء يغنين به فى الأعياد والأفراح لم يكن قد اهتدى إلى الفرق بين طريق أهل الخسارة والفلاح ومن تكلم فى هذا هل هو من الدين ومن سماع المتقين ومن أحوال المقربين والمقتصدين ومن أعمال أهل اليقين ومن طريق المحبين المحبوبين ومن أفعال السالكين إلى رب العالمين كان كلامه فيه من وراء وراء بمنزلة من سئل عن علم الكلام المختلف فيه هل هو محمود أو مذموم فأخذ

(11/568)


يتكلم فى جنس الكلام وانقسامه إلى الاسم والفعل والحرف أو يتكلم فى مدح الصمت أو فى أن الله أباح الكلام والنطق وأمثال ذلك مما لا يمس المحل المشتبه المتنازع فيه
فإذا عرف هذا فاعلم أنه لم يكن فى عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهدة والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب إنما أحداث هذا بعد ذلك فى اواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه
فقال الشافعى رضى الله عنه خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التعبير يصدون به الناس عن القرآن وقال يزيد ابن هارون إما يغبر إلا الفاسق ومتى كان التغبير
وسئل عنه الامام احمد فقال أكرهه هو محدث قيل أنجلس معهم قال لا وكذلك سائر أئمة الدين كرهوه وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضرو فلم يحضره إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل إبن عياض ولا معروف الكرخى ولا أبو سليمان الدارانى ولا احمد ابن أبى الحوارى والسرى السقطى وأمثالهم والذين حضروه من

(11/569)


الشيوخ المحمودين تركوه فى آخر أمرهم وأعيان المشائخ عابوا أهله كما فعل ذلك عبد القادر والشيخ أبو البيان وغيرهما من المشائخ
وما ذكره الشافعى رضى الله عنه من أنه من احداث الزنادقة كلام إمام خبير بأصول الاسلام فان هذا السماع لم يرغب فيه ويدعو إليه فى الأصل إلا من هو متهم بالزناقة كابن الراوندى والفارابى وابن سينا وأمثالهم كما ذكر أبو عبد الرحمن السلمى فى مسألة السماع عن أبن الراوندى قال إنه اختلف الفقهاء فى السماع فأباحه قوم وكرهه قوم وأنا أوجبه أو قال وأنا آمر به فخالف اجماع العلماء فى الأمر به
و الفارابى كان بارعا فى الغناء الذى يسمونه الموسيقا وله فيه طريقة عند أهل صناعة الغناء وحكايته مع ابن حمدان مشهورة لما ضرب فأبكاهم ثم أضحكهم ثم نومهم ثم خرج
و ابن سينا ذكر فى اشاراته فى مقامات العارفين فى الترغيب فيه وفى عشق الصور ما يناسب طريقة اسلافه الفلاسفة والصابئين المشركين والذين كانوا يعبدون الكواكب والأصنام كأرسطو وشيعته من اليونان ومن اتبعه كبر قلس وثامسطيوس والاسكندر الأفروديسي وكان ارسطو وزير الاسكندر بن فيلبس المقدونى

(11/570)


الذى تؤرخ له اليهود والنصارى وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة
وأما ذو القرنين المذكور فى القرآن الذى بنى السد فكان قبل هؤلاء بزمن طويل وأما الاسكندر الذى وزر له أرسطو فانه إنما بلغ بلاد خراسان ونحوها فى دولة الفرس لم يصل إلى السد وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع
و ابن سينا أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان ومما اخذه من أهل الكلام المبتدعين الجهمية ونحوهم وسلك طريق الملاحدة الاسماعيلية فى كثير من أمورهم العلمية والعملية ومزجه بشىء من كلام الصوفية وحقيقته تعود إلى كلام اخوانه الاسماعيلية القرامطة الباطنية فان أهل بيته كانوا من الاسماعيلية اتباع الحاكم الذى كان بمصر وكانوا فى زمنه ودينهم دن أصحاب رسائل اخوان الصفا وأمثالهم من أئمة منافقى الامم الذين ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى
وكان الفارابي قد حذق فى حروف اليونان التى هى تعاليم أرسطو واتباعه من الفلاسفة المشائين وفى اصواتهم صناعة الغناء ففى هؤلاء الطوائف من يرغب فيه ويجعله مما تزكو به النفوس وترتاض به وتهذب به الأخلاق

(11/571)


وأماالحنفاء أهل ملة إبراهيم الخليل الذى جعله الله إماما وأهل دين الاسلام والذى لا يقبل الله من أحد دينا غيره المتبعون لشريعة خاتم الرسل محمد فهؤلاء ليس فيهم من يرغب فى ذلك ولا يدعو إليه وهؤلاء هم أهل القرآن والايمان والهدى والسعد والرشاد والنور والفلاح وأهل المعرفة والعلم واليقين والاخلاص والمحبة له والتوكل عليه والخشية له والانابة إليه
ولكن قد حضره أقوام من أهل الارادة وممن له نصيب من المحبة لما فيه من التحريك لهم ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته كما دخل قوم من الفقهاء أهل الايمان بما جاء به الرسول فى أنواع من كلام الفلاسفة المخالف لدين الاسلام ظنا منهم أنه حق موافق ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته فان القيام بحقائق الدين علما وحالا وقولا وعملا ومعرفة وذوقا وخبرة لا يستقل بها أكثر الناس ولكن الدليل الجامع هو الاعتصام بالكتاب والسنة فان الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وقد قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا وقد قال تعالى وأن هذا صراطى

(11/572)


مستقيا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله قال عبد الله ابن مسعود خط لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
وقد قال تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه فقد رضى الله عن السابقين رضى مطلقا ورضى عمن اتبعهم باحسان قال عبد الله ابن مسعود إن الله نظر فى قلب محمد فوجد قلبه خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته ثم نظر فى قلوب الناس بعد قلبه فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح وقال عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فان الحى لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فانهم كانوا على الهدى المستقيم
ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفى ضمن ذلك من الضرر

(11/573)


والمفسدة ما هو أعظم منه فهو للروح كالخمر للجسد يفعل فى النفوس فعل حميا الكؤوس
ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة بلا تمييز كما يجد شارب الخمر بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر ويصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر ويوقع بينهم العداوة والبغضاء أعظم من الخمر حتى يقتل بعضهم بعضا من غير مس بيد بل بما يقترن بهم من الشياطين فانه يحصل لهم أحوال شيطانية بحيث تتنزل عليهم الشياطين فى تلك الحال ويتكلمون على ألسنتهم كما يتكلم الجنى على لسان المصروع إما بكلام من جنس كلام الأعاجم الذين لا يفقه كلامهم كلسان الترك أو الفرس أو غيرهم ويكون الانسان الذى لبسه الشيطان عربيا لا يحسن أن يتكلم بذلك بل يكون الكلام من جنس كلام من تكون تلك الشياطين من اخوانهم وإما بكلام لا يعقل ولا يفهم له معنى وهذا يعرفه أهل المكاشفة شهودا وعيانا
وهؤلاء الذين يدخلون النار مع خروجهم عن الشريعة هم من هذا النمط فان الشياطين تلابس أحدهم بحيث يسقط احساس بدنه حتى ان المصروع يضرب ضربا عظيما وهو لا يحس بذلك ولا

(11/574)


يؤثر فى جلده فكذلك هؤلاء تلبسهم الشياطين وتدخل بهم النار وقد تطير بهم فى الهواء وإنما يلبس أحدهم الشيطان مع تغيب عقله كما يلبس الشيطان المصروع
وبأرض الهند والمغرب ضرب من الزط يقال لأحدم المصلى فانه يصلى النار كما يصلى هؤلاء وتلبسه ويدخلها ويطير فى الهواء ويقف على رأس الزج ويفعل اشياء ابلغ مما يفعله هؤلاء وهم من الزط الذين لا خلاق لهم والجن تخطف كثيرا من الانس وتغيبه عن أبصار الناس وتطير بهم فى الهواء وقد باشرنا من هذه الأمور ما يطول وصفه وكذلك يفعل هذا هؤلاء المتولهون والمنتسبون إلى بعض المشائخ إذا حصل له وجد سماعى وعند سماع المكاء والتصدية منم من يصعد فى الهواء ويقف على زج الرمح ويدخل النار ويأخذ الحديد المحمى بالنار ثم يضعه على بدن وأنواع من هذا الجنس ولا تحصل له هذه الحال عند الصلاة ولا عند الذكر ولا عند قراءة القرآن لأن هذه عبادات شرعية إيمانية اسلامية نبوية محمدية تطرد الشياطين وتلك عبادات بدعية شركية شيطانية فلسفية تستجلب الشياطين
قال النبى فى الحديث الصحيح ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا

(11/575)


غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده وقد ثبت فى الحديث الصحيح أن أسيد بن حضير لما قرأ سورة الكهف تنزلت الملائكة لسماعها كالظلة فيها السرج
ولهذا كان المكاء والتصدية يدعو إلى الفواحش والظلم ويصد عن حقيقة ذكر الله تعالى والصلاة كما يفعل الخمر والسلف يسمونه تغبيرا لأن التغبير هو الضرب بالقضيب على جلد من الجلود وهو ما يغبر صوت الانسان على التلحين فقد يضم إلى صوت الانسان إما التصفيق بأحد اليدين على الأخرى وإما الضرب بقضيب على فخذ وجلد وإما الضرب باليد على أختها أو غيرها على دف أو طبل كناقوس النصارى والنفخ فى صفارة كبوق اليهود فمن فعل هذه الملاهى على وجه الديانة والتقرب فلا ريب فى ضلالته وجهالته
وأما إذا فعلها على وجه التمتع والتلعب فمذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام فقد ثبت فى صحيح البخارى وغيره أن النبى أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر والمعازف وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير
و المعازف هى الملاهى كما ذكر ذلك أهل اللغة جمع معزفة وهى الآلة التى يعزف بها أى يصوت بها ولم يذكر أحد من

(11/576)


أتباع الأئمة فى آلات اللهو نزاعا إلا أن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعى ذكر فى اليراع وجهين بخلاف الأوتار ونحوها فانهم لم يذكروا فيها نزاعا وأما العراقيون الذين هم أعلم بمذهبه واتبع له فلم يذكروا نزاعا لا فى هذا ولا فى هذا بل صنف أفضلهم فى وقته أبو الطيب الطبرى شيخ أبى اسحق الشيرازى فى ذلك مصنفا معروفا ولكن تكلموا فى الغناء المجرد عن آلات اللهو هل هو حرام أو مكروه أو مباح وذكر أصحاب أحمد لهم فى ذلك ثلاثة أقوال وذكروا عن الشافعى قولين ولم يذكروا عن أبى حنيفة ومالك فى ذلك نزاعا
وذكر زكريا بن يحيى الساجى وهو أحد الأئمة المتقدمين المائلين إلى مذهب الشافعى أنه لم يخالف فى ذلك من الفقهاء المتقدمين إلا ابراهيم بن سعد من أهل البصرة وما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى وأبو القاسم الشقيرى وغيرهما عن مالك وأهل المدينة فى ذلك فغلط وإنما وقعت الشبهة فيه لأن بعض أهل المدينة كان يحضر السماع إلا أن هذا ليس قول أئمتهم وفقهائهم بل قال إسحاق بن عيسى الطباع سألت مالكا عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق وهذا معروف فى كتاب أصحاب مالك وهم أعلم بمذهبه ومذهب أهل المدينة من طائفة فى

(11/577)


المشرق لا علم لها بمذهب الفقهاء ومن ذكر عن مالك أنه ضرب بعود فقد افترى عليه وإنما نبهت على هذا لأن فيما جمعه أبو عبد الرحمن السلمى ومحمد بن طاهر المقدسى فى ذلك حكايات وآثار يظن من لا خبرة له بالعلم وأحوال السلف أنها صدق
وكان الشيخ أبو عبد الرحمن رحمه الله فيه من الخير والزهد والدين والتصوف ما يحمله على أن يجمع من كلام الشيوخ والآثار التى توافق مقصوده كل ما يجده فلهذا يوجد فى كتبه من الآثار الصحيحة والكلام المنقول ما ينتفع به فى الدين ويوجد فيها من الآثار السقيمة والكلام المردود ما يضر من لا خبرة له وبعض الناس توقف فى روايته حتى ان البيهقى كان إذا روى عنه يقول حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وأكثر الحكايات التى يرويها أبو القاسم القشيرى صاحب الرسالة عنه فانه كان أجمع شيوخه لكلام الصوفية
و محمد بن طاهر له فضيلة جيدة من معرفة الحديث ورجاله وهو من حفاظ وقته لكن كثير من المتأخرين أهل الحديث وأهل الزهد وأهل الفقه وغيرهم إذا صنفوا فى باب ذكروا ما روى فيه من غث وسمين ولم يميزوا ذلك
كما يوجد ممن يصنف فى الأبواب مثل المصنفين فى فضائل الشهور والأوقات وفضائل الأعمال

(11/578)


والعبادات وفضائل الأشخاص وغير ذلك من الأبواب مثل ما صنف بعضهم فى فضائل رجب وغيرهم فى فضائل صلوات الأيام والليالى وصلاة يوم الأحد وصلاة يوم الاثنين وصلاة يوم الثلاثاء وصلاة أول جمعة فى رجب والفية رجب وأول رحب والفية نصف شعبان واحياء ليلتى العيدين وصلاة يوم عاشوراء
وأجود ما يروى من هذه الصلوات حديث صلاة التسبيح وقد رواه أبو داود والترمذى ومع هذا فلم يقل به أحد من الأئمة الأربعة بل أحمد ضعف الحديث ولم يستحب هذه الصلوات وأما ابن المبارك فالمنقول عنه ليس مثل الصلاة المرفوعة إلى النبى فان الصلاة المرفوعة إلى النبى ليس فيها قعدة طويلة بعد السجدة الثانية وهذا يخالف الأصول فلا يجوز أن تثبت بمثل هذا الحديث
ومن تدبر الأصول علم أنه موضوع وأمثال ذلك فانها كلها أحاديث موضوعة مكذوبة باتفاق أهل المعرفة مع أنها توجد فى مثل كتاب أبي طالب وكتاب أبى حامد وكتاب الشيخ عبد القادر وتوجد فى مثل أمالى أبى القاسم بن عساكر وفيما صنفه عبد العزيز الكنانى وأبو على بن البنا وأبو الفضل بن ناصر وغيرهم وكذلك

(11/579)


أبو الفرج بن الجوزى يذكر مثل هذا فى فضائل الشهور ويذكر فى الموضوعات أنه كذب موضوع
والذين جمعوا الأحاديث فى الزهد والرقائق يذكرون ما روى فى هذا الباب ومن أجل ما صنف فى ذلك وأندره كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك وفيه أحاديث واهية وكذلك كتاب الزهد لهناد بن السرى ولأسد بن موسى وغيرهما وأجود ما صنف فى ذلك الزهد للامام أحمد لكنه مكتوب على الأسماء وزهد ابن المبارك على الأبواب وهذه الكتب يذكر فيها زهد الأنبياء والصحابة والتابعين
ثم أن المتأخرين على صنفين منهم من ذكر زهد المتقدمين والمتأخرين كأبى نعيم فى الحلية وأبى الفرج بن الجوزى فى صفة الصفوة ومنهم من اقتصر على ذكر المتأخرين من حين حدث اسم الصوفية كما فعل أبو عبد الرحمن السلمى فى طبقات الصوفية وصاحبه أبو القاسم القشيرى فى الرسالة ثم الحكايات التى يذكرها هؤلاء بمجردها مثل ابن خميس وأمثاله فيذكرون حكايات مرسلة بعضها صحيح وبعضها باطل

(11/580)


مثل ذكرهم أن الحسن صحب عليا وقد اتفق أهل المعرفة على أن الحسن البصرى لم يلق عليا ولا أخذ عنه شيئا وأنما اخذ عن أصحابه كالأحنف بن قيس وقيس بن معاذ وغيرهما وكذلك حكاياتهم أن الشافعى وأحمد اجتمعا لشيبان الرعين وسألاه عن سجود السهو وكذلك اتفق أهل المعرفة على ان الشافعى واحمد لم يلقيا شيبان الرعين بل ولا ادركاه
وقد ذكر أبو عبد الرحمن فى حقائق التفسير عن جعفر بن محمد وأمثاله من الأقوال المأثورة ما يعلم أهل المعرفة انه كذب على جعفر بن محمد فان جعفرا كذب عليه ما لم يكذب على أحد لأنه كان فيه من العلم والدين ما ميزه الله به وكان هو وأبوه أبو جعفر وجده على بن الحسين من أعيان الأئمة علما ودينا ولم يجىء بعد جعفر مثله فى أهل البيت فصار كثير من أهل الزندقة والبدع ينسب مقالته اليه حتى أصحاب رسائل اخوان الصفا ينسبونها إليه وهذه الرسائل صنفت بعد موته بأكثر من مائتى سنة صنفت عند ظهور مذهب الاسماعيلية العبيدين الذين بنوا القاهرة وصنفت على مذهبهم الذى ركبوه من قول الفلاسفة اليونان ومجوس الفرس والشيعة من أهل القبلة ولهذا قال العلماء إن ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض

(11/581)


ونسبوا إلى جعفر انه تكلم فى تقدم المعرفة عن حوادث الكون مثل اختلاج الاعضاء والرعود والبروق والهفت وغير ذلك مما نزه الله جعفرا وأئمة أهل بيته عن الكلام فيه وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع
و المقصود هنا ان المذكور عن سلف الأمة وأئمتها من المنقولات ينبغى للانسان ان يميز بين صحيحه وضعيفه كما ينبغى مثل ذلك فى المعقولات والنظريات وكذلك فى الأذواق والمواجيد والمكاشفات والمخاطبات فان كل صنف من هذه الأصناف الثلاثة فيها حق وباطل ولا بد من التمييز فى هذا وهذا
وجماع ذلك أن ما وافق كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه وما كان عليه أصحابه فهو حق وما خالف ذلك فهو باطل فان الله يقول يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا وقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من

(11/582)


الحق باذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم
وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله كان إذا قام من الليل يقول اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنى لما اختلف فيه من الحق باذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع
وقد تكلمنا على كلام المشائخ فى السماع وما ذكره القشيرى فى رسالته هو وغيره عنهم وشرحنا ذلك كلمة كلمة لكن هذا الموضع لا يتسع لذلك
وجماع الأمر فى ذلك انه إذا كان الكلام فى السماع وغيره هل هو طاعة وقربة فلا بد من دليل شرعى يدل على ذلك وإذا كان الكلام هل هو محرم أو غير محرم فلابد من دليل شرعى يدل على ذلك إذ ليس الحرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله والله سبحانه وتعالى ذم المشركين على انهم ابتدعوا دينا لم يشرعه الله لهم وأنهم حرموا ما لم يحرمه الله تعالى فقال تعالى

(11/583)


أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله وقال تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين
وكثير من الناس يفعل فى السماع وغيره ما هو من جنس الفواحش المحرمة وما يدعو إليها وزعمهم أن ذلك يصلح القلوب فهو مما أمر الله به فهؤلاء لهم نصيب من معنى هذه الآية قال تعالى قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون
وقد كان المشركون يحرمون من الطعام واللباس أشياء ويتخذون ذلك دينا وكان بعض الصحابة قد عزموا على الترهب فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا

(11/584)


وجماع الدين أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع ولا نعبده بالبدع كما قال تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال الفضيل بن عياض أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا على ما أخلصه وأصوبه
قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ولم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة وهذا الذى ذكره الفضيل مما اتفق عليه أئمة المشائخ كما قال أبو سليمان الدارانى إنه لتمر بقلبى النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين الكتاب والسنة وقال الشيخ أبو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فاذا سمع بأثر كان نورا على نور
وقال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث لم يصح له أن يتكلم فى علمنا هذا وقال سهل إبن عبد الله التسترى كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وقال كل عمل على ابتدع فانه عذاب على النفس وكل عمل بلا اقتداء هو غش النفس

(11/585)


وقال أبو عثمان النيسابورى من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لأن الله يقول وان تطيعوه تهتدوا مثل هذا كثير فى كلامهم
وإذا كان كذلك فليس لأحد أن يسلك إلى الله إلا بما شرعه الرسول لأمته فهو الداعى إلى الله باذنه الهادى إلى صراطه الذى من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار فهو الذى فرق الله به بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغى آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وصحبه وسلم

(11/586)


سئل شيخ الاسلام رحمه الله عن السماع
فأجاب السماع الذى أمر الله به رسوله واتفق عليه سلف الأمة ومشائخ الطريق هو سماع القرآن فانه سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين قال سبحانه وتعالى أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم واسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا
وقال تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وقال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت

(11/587)


قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم وقال سبحانه وتعالى وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون وقال تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين
وقال سبحانه وتعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وقال سبحانه وتعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وهذا كثير فى القرآن
وكما اثنى سبحانه وتعالى على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه كما قال وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وقال والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا وقال سبحانه وتعالى فما لهم عن التذكرة معرضين كانهم حمر مستنفرة وقال سبحانه وتعالى ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه وقال ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون وقال سبحانه وتعالى وإذا تتلى عليه

(11/588)


آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فى أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم وهذا كثير فى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وإجماع المسلمين يمدحون من يقبل على هذا السماع ويحبه ويرغب فيه ويذمون من يعرض عنه ويبغضه ولهذا شرع الله للمسلمين فى صلاتهم ولطسهم شرع سماع المغرب والعشاء الآخر
وأعظم سماع فى الصلوات سماع الفجر الذى قال الله فيه وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وقال عبد الله بن رواحة رضى الله عنه يمدح النبى صلى الله عليه و سلم
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ... أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع ...
وهو مستحب لهم خارج الصلوات وروى عن النبى أنه خرج على أهل الصفة وفيهم واحد يقرأ وهم

(11/589)


يستمعون فجلس معهم وكان أصحاب رسول الله إذا اجتمعوا أمروا واحد منهم يقرأ والباقون يستمعون
وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون ومر النبى بأبى موسى وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته وقال لقد أوتى هذا مزمار من مزامير داود وقال يا أبا موسى لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تستمع لقراءتى لحبرته لك تحبيرا أى حسنته لك تحسينا
وقال النبى ليس منا من لم يتغن بالقرآن زينوا القرآن بأصواتكم وقال لله أشد أذنا للرجل حسن الصوت من صاحب القينة إلى قينته وقوله ماأذن الله إذنا اى سمع سمعا ومنه قوله أذنت لربها وحقت أى سمعت والآثار فى هذا كثيرة
وهذا سماع له آثار إيمانية من المعارف القدسية والأحوال الزكية يطول شرحها ووصفها وله فى الجسد آثار محمودة من خشوع القلب ودموع العين واقشعروا الجلد وقد ذكر الله هذه الثلاثة فى القرآن وكانت موجودة فى أصحاب رسول الله صلى الله عليه

(11/590)


وسلم الذين أثنى عليهم فى القرآن ووجد بعدهم فى التابعين آثار ثلاثة الاضطراب والاختلاج والاغماء أو الموت والهيام فأنكر بعض السلف ذلك إما لبدعتهم واما لحبهم وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ذلك فان السبب إذا لم يكن محظورا كان صاحبه فيما تولد عنه معذورا لكن سبب ذلك قوة الوارد على قلوبهم وضعف قلوبهم عن حمله فلو لم يؤثر السماع لقسوتهم كانوا مذمومين كما ذم الله الذين قال فيهم ثم قست قلوبكم من بعد ذلك وقال ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ولو أثر فيهم آثارا محمودة لم يجذبهم عن حد العقل لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة كانوا محمودين أيضا ومعذورين
فاما سماع القاصدين لصلاح القلوب فى الاجتماع على ذلك إما نشيد مجرد نظير الغبار وإما بالتصفيق ونحو ذلك فهو السماع المحدث فى الاسلام فانه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين اثنى عليهم النبى حيث قال خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ

(11/591)


وقال الشافعى رحمه الله خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن
وسئل عنه الامام أحمد بن حنبل فقال هو محدث أكرهه قيل له أنه يرق عليه القلب فقال لا تجلسوا معهم قيل له أيهجرون فقال لا يبلغ بهم هذا كله فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة لا فى الحجاز ولا فى الشام ولا فى اليمن ولا فى مصر ولا فى العراق ولا خراسان ولو كان للمسلمين به منفعة فى دينهم لفعله السلف
ولم يحضره مثل ابراهيم بن أدهم ولا الفضيل بن عياض ولا معروف الكرخي ولا السرى السقطى ولا أبو سليمان الدارانى ولا مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى والشيخ أبى البيان ولا الشيخ حياة وغيرهم بل فى كلام طائفة من هؤلاء كالشيخ عبد القادر وغيره النهى عنه وكذلك أعيان المشائخ
وقد حضره من المشائخ طائفة وشرطوا له المكان والامكان والخلان والشيخ الذى يحرس من الشيطان وأكثر الذين حضروه من المشائخ الموثوق بهم رجعوا عنه فى آخر عمرهم كالجنيد فإنه حضره وهو شاب وتركهم فى آخر عمره وكان يقول من تكلف السماع

(11/592)


فتن به ومن صادفه السماع استراح به فقد ذم من يجتمع له ورخص فيمن يصادفه من غير قصد ولا اعتماد للجلوس له
وسبب ذلك أنه مجمل ليس فيه تفصيل فان الأبيات المتضمنة لذكر الحب والوصل والهجر والقطيعة والشوق والتتيم والصبر على العذل واللوم ونحو ذلك هو قول مجمل يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الاخوان ومحب الأوطان ومحب النسوان ومحب المردان فقد يكون فيه منفعة إذا هيج القاطن وأثار الساكن وكان ذلك مما يحبه الله ورسوله لكن فية مضرة راجحة على منفعته كما فى الخمر والميسر فان فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما
فلهذا لم تأت به الشريعة لم تأت إلا بالمصلحة الخالصة أو الراجحة
وأما ما تكون مفسدته غالبة على مصلحته فهو بمنزلة من يأخذ درهما بدينار أو يسرق خمسة دراهم ويتصدق منها بدرهمين
وذلك أنه يهيج الوجد المشترك فيثير من النفس كوامن تضره آثارها ويغذى النفس ويفتنها فتعتاض به عن سماع القرآن حتى لا يبقى فيها محبة لسماع القرآن ولا التذاذ به ولا استطابة له بل

(11/593)


يبقى فى النفس بغض لذلك واشتغال عنه كمن شغل نفسه بتعلم التوراة والانجيل وعلوم أهل الكتاب والصابئين واستفادته العلم والحكمة منها فأعرض بذلك عن كتاب الله وسنة رسوله إلى أشياء اخرى تطول
فلما كان هذا السماع لا يعطى بنفسه ما يحبه الله ورسوله من الأحوال والمعارف بل قد يصد عن ذلك ويعطى ما لا يحبه الله ورسوله أو ما يبغضه الله ورسوله لم يأمر الله به ولا رسوله ولا سلف الأمة ولا أعيان مشائخها
ومن نكته أن الصوت يؤثر فى النفس بحسنه فتارة يفرح وتارة يحزن وتارة يغضب وتارة يرضى وإذا قوى أسكر الروح فتصير فى لذة مطربة من غير تمييز كما يحصل للنفس إذا سكرت بالرقص للجسد أيضا إذا سكر بالطعام والشراب فان السكر هو الطرب الذى يؤثر لذة بلا عقل فلا تقوم منفعته بتلك اللذة بما يحصل من غيبة العقل التى صدت عن ذكر الله وعن الصلاة وأوقعت العداوة
والبغضاء و بالجملة فعلى المؤمن ان يعلم أن النبى لم يترك شيئا يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث به ولا شيئا يبعد عن

(11/594)


النار إلا وقد حدث به وان هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ورسوله فان الله يقول اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من السنة لم يلتفت اليه
قال سهل بن عبد الله التسترى كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل
وقال أبو سليمان الدارانى انه لتلم بقلبى النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة وقال ابو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يجد فيه أثرا فاذا وجد فيه أثرا كان نورا على نور
وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث لا يصلح له ان يتكلم فى علمنا و أيضا فان الله يقول فى الكتاب وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية قال السلف من الصحابة والتابعين المكاء كالصفير ونحوه من التصويت مثل الغناء و التصدية التصفيق باليد فقد أخبر الله عن المشركين أنهم كانوا يجعلون التصدية

(11/595)


والغناء لهم صلاة وعبادة وقربة يعتاضون به عن الصلاة التى شرعها الله ورسوله
وأما المسلمون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان فصلاتهم وعبادتهم القرآن واستماعه والركوع والسجود وذكر الله ودعاؤه ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله فمن اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة فقد ضاهى المشركين فى ذلك وشابههم فيما ليس من فعل المؤمنين المهاجرين والأنصار فان كان يفعله فى بيوت الله فقد زاد فى مشابهته اكبر وأكبر واشتغل به عن الصلاة وذكر الله ودعائه فقد عظمت مشابهته لهم وصار له كفل عظيم من الذم الذى دل عليه قوله سبحانه وتعالى وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية
لكن قد يغفر له ذلك لاجتهاده أو لحسنات ماحية أو غير ذلك فيما يفرق فيه بين المسلم والكافر لكن مفارقته للمشركين فى غير هذا لا يمنع أن يكون مذموما خارجا عن الشريعة داخلا فى البدعة التى ضاهى بها المشركين فينبغى للمؤمن أن يتفطن لهذا ويفرق بين سماع المؤمنين الذى أمر الله به ورسوله وسماع المشركين الذى نهى الله عنه ورسوله

(11/596)


ويعلم أن هذا السماع المحدث هو من جنس سماع المشركين وهو إليه أقرب منه إلى سماع المسلمين وإن كان قد غلط فيه قوم من صالح المسلمين فان الله لا يضيع أجرهم وصلاحهم لما وقع من خطائهم فان النبى صلى الله عليه و سلم قال إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فاخطأ فله أجر واحد
وهذا كما أن جماعة من السلف قاتلوا أمير المؤمنين عليا بتأويل وعلى بن أبى طالب واصحابه أولى بالحق منهم وقد قال فيهم من قصد الله فله الجنة
وجماعة من السلف والخلف استحلوا بعض الأشربة بتأويل وقد ثبت بالكتاب والسنة تحريم ما استحلوه وإن كان خطؤهم مغفورا لهم
والذين حضروا هذا السماع من المشائخ الصالحين شرطوا له شروطا لا توجد إلا نادرا فعامة هذه السماعات خارجة عن إجماع المشائخ ومع هذا فاخطئوا والله يغفر لهم خطأهم فيما خرجوا به عن السنة وإن كانوا معذورين
والسبب الذى اخطأوا فيه اوقع أمم كثيرة فى المنكر الذى نهوا

(11/597)


عنه وليس للعالمين شرعة ولا منهاج ولا شريعة ولا طريقة أكمل من الشريعة التى بعث الله بها نبيه محمدا كما كان يقول فى خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد
ومن غلط بعضهم توهمه ان النبى والصحابة والتابعين حضروا هذا السماع سماع المكاء والتصدية والغناء والتصفيق بالأكف حتى روى بعض الكاذبين أن النبى أنشده أعرابى شعرا قوله ... قد لسعت حية الهوى كبدى ... فلا طبيب لها ولا راقى ... سوى الحبيب الذى شغفت به ... فمنه دائى ومنه ترياقى ...
وأن النبى تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب وهذا الحديث كذب باجماع العارفين بسيرة رسول الله وسنته وأحواله
كما كذب بعض الكذابين أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع

(11/598)


المشركين وأمثال هذه الأمور المكذوبة إنما يكذبها من خرج عن أمر الله ورسوله واطبقت عليه طوائف من الجاهلين بأحوال الرسول وأصحابه بل بأصول الاسلام
وأما الرقص فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من الأئمة بل قد قال الله فى كتابه واقصد فى مشيك وقال فى كتابه وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا أى بسكينة ووقار
وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود بل الدف والرقص فى الطابق لم يأمر الله به ولا رسوله ولا احد من سلف الأمة بل أمروا بالقرآن فى الصلاة والسكينة ولو ورد على الانسان حال يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن المشروع وكان ذلك الحال بسبب مشروع كسماع القرآن ونحوه سلم إليه ذلك الحال كما تقدم فاما إذا تكلف من الأسباب ما لم يؤمر به مع علمه بأنه يوقعه فيما لا يصلح له مثل شرب الخمر مع علمه أنها تسكره وإذا قال ورد على الحال وأنا سكران قيل له إذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا
فهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقا فهو مبتدع ضال من جنس خفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوى الأحوال الفاسدة الذين ضارعوا عباد النصارى والمشركين والصابئين فى بعض ما لهم من الأحوال

(11/599)


ومن كان كاذبا فهو منافق ضال بن عياض فى قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال أخلصه وأصوبه قيل له يا أبا على أما أخلصه واصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة
وكان يقول من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاسلام ومن زوج كريمته لصاحب بدعة فقد قطع رحمها ومن انتهر صاحب بدعة ملاء الله قلبه أمنا وإيمانا وأكثر إشارته وإشارات غيره من المشائخ بالبدعة إنما هى إلى البدع فى العبادات والأحوال كما قال عن النصارى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم وقال ابن مسعود عليكم بالسبيل والسنة فانه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر جلده من مخافة الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فدمعت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا وان اقتصادا فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم وإن كانت اجتهادا أو اقتصادا على منهاج الأنبياء وسنتهم

(11/600)


وأما قول القائل هذه شبكة يصاد بها العوام فقد صدق فان أكثرهم إنما يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام والتوانس على الطعام كما قال الله فيهم يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ومن فعل هذا فهو من أئمة الضلال الذين قيل فى رؤوسهم يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكباراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا
وأما الصادقون منهم فهم يتخذونه شبكة لكن هى شبكة مخرقة يخرج منها الصيد إذا دخل فيها كما هو الواقع كثيرا فان الذين دخلوا فى السماع المبتدع فى الطريق ولم يكن معهم أصل شرعى شرعه الله ورسوله أورثتهم احوالا فاسدة
وإلى عبادته ومحبته وطاعته والرغبة إليه والتبتل له والتوكل عليه أحسن من الاسلامية والشريعة القرآنية والمناهج الموصلة الحقيقة الجامعة لمصالح الدنيا والآخرة

(11/601)


وإذا كان غير مشروع ولا مامور به فالتطهر أو الانصات له واستفتاح باب الرحمة هو من جنس عادة الرهبان ليس من عبادة أهل الاسلام والايمان ولا عبادة أهل القرآن ولا من أهل السنة والاحسان والحمد لله وحده

(11/602)


سئل عمن قال ان السماع على الناس حرام وعلى حلال هل يفسق فى ذلك أم لا
فأجاب رضى الله عنه من ادعى أن المحرمات تحريما عاما كالفواحش والظلم والملاهى حرام على الناس حلال له فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل ومن ادعى فى الدفوف والشباب انهما حرام على بعض الناس دون بعض فهذا مخالف للسنة والاجماع وأئمة الدين وهو ضال من الضلال ومن تم مصرا على مثل ذلك كان فاسقا والله وأعلم

(11/603)


سئل عن أقوام يرقصون على الغناء بالدف ثم يسجد بعضهم لبعض على وجه التواضع هل هذا سنة أو فعله الشيوخ الصالحون
الجواب لا يجوز السجود لغير الله واتخاذ الضرب بالدف والغناء والرقص عبادة من البدع التى لم يفعلها سلف الأمة ولا أكابر شيوخها كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبى سليمان الدارانى ومعروف الكرخى والسرى السقطى وغير هؤلاء
وكذلك أكابر الشيوخ المتأخرين مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى والشيخ أبى مدين والشيخ أبى البيان وغير هؤلاء فانهم لم يحضروا السماع البدعى بل كانوا يحضرون السماع الشرعى سماع الأنبياء وأتباعهم كسماع القرآن والله أعلم

(11/604)


سئل شيخ الاسلام عن رجل يحب السماع والرقص فأشار عليه رجل فقال هذه الأبيات ... أنكروا رقصا وقالوا حرام ... فعليهم من أجل ذاك سلام ... أعبد الله يافقيه وصل ... والزم الشرع فالسماع حرام بل حرام عليك ثم حلال ... عند قوم أحوالهم لا تلام ... مثل قوم صفوا وبان لهم من ... جانب الطور جذوة وكلام ... فاذا قوبل السماع بلهو
فحرام على الجميع حرام ...
فأجاب الحمد لله رب العالمين هذا الشعر يتضمن منكرا من القول وزورا بل أوله يتضمن مخالفة الشريعة وآخره يفتح باب الزندقة والالحاد والمخالفة للحقيقة الالهية الدينية النبوية وذلك أن قول القائل ... مثل قوم صفوا وبان لهم من ... جانب الطور جذوة وكلام

(11/605)


يتضمن تمثيلهؤلاء بموسى بن عمران الذى نودى من جانب الطور ولما رأى النار قال لأهله امكثوا إنى آنست نارا لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون
وهذا قول طائفة من الناس يسلكون طريق الرياضة والتصفية ويظنون أنهم بذلك يصلون إلى أن يخاطبهم الله كما خاطب موسى بن عمران وهؤلاء ثلاثة أصناف
صنف يزعمون أنهم يخاطبون بأعظم مما خوطب به موسى بن عمران كما يقول ذلك من يقوله من أهل الوحدة والاتحاد القائلين بأن الوجود واحد كصاحب الفصوص وأمثاله فان هؤلاء يدعون أنهم أعلى من الأنبياء وأن الخطاب الذى يحصل لهم من الله أعلى مما يحصل لابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة السلام ومعلوم أن هذا الكفر أعظم من كفر اليهود والنصارى الذين يفضلون الأنبياء على غيرهم لكن يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض
و النوع الثانى من يقول إن الله يكلمه مثل كلام موسى بن عمران كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والمتصوفة الذين

(11/606)


يقولون إن تكليم موسى فيض فاض على قلبه من العقل الفعال ويقولون إن النبوة مكتسبة
و النوع الثالث الذين يقولون إن موسى أفضل لكن صاحب الرياضة قد يسمع الخطاب الذى سمعه موسى ولكن موسى مقصودا بالتكليم دون هذا كما يوجد هذا فى أخبار صاحب مشكاة الأنوار وكذلك سلك مسلكه صاحب خلع النعلين وأمثالهما
وأما قوله فى أول الشعر لمن يخاطبه الزم الشرع يافقيه وصل يشعر بأنك أنت تبع الشرع وأما نحن فلنا إلى الله طريق غير الشرع ومن ادعى ان له طريقا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التى بعث الله بها رسوله فانه أيضا كافر يستتاب فان تاب وإلا ضربت عنقه كطائفة اسقطوا التكليف وزعموا أن العبد يصل إلى الله بلا متابعة الرسل
و طائفة يظنون أن الخواص من الأولياء يستغنون عن متابعة محمد كما استغنى الخضر عن متابعة موسى وجهل هؤلاء أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ومحمد إلى كل أحد ظاهرا وباطنا مع أن قضية الخضر لم تخالف شريعة موسى بل وافقتها ولكن الأسباب المبيحة للفعل لم يكن موسى علمها فلما علمها تبين أن الأفعال توافق شريعته لا تخالفها

(11/607)


وسئل عن الذين يعملون النار والاشارات مثل النبل والزعفران وغير ذلك
فأجاب أما هؤلاء الذين يظهرون الاشارات كالنبل والزعفران والمسك والنار والجبة فليسوا من أولياء الله الصالحين بل هم من أحزاب الشياطين وأحوالهم شيطانية ليست من كرامات الصالحين وهم يفسدون العقول والأديان والأعراض والنساء والصبيان ولا يحسن الظن بهم إلا جاهل عظيم الجهالة أو عدو لله ورسوله فانهم من جنس التتر المحاربين لله ورسوله والله أعلم

(11/608)


سئل عن رجل فلاح لم يعلم دينه ولا صلاته وإن فى بلده شيخاأعطاه إجازة وبقى يأكل الثعابين والعقارب ونزول عن فلاحته ويطلب رزقة فهل تجوز الصدقة عليه أم لا
فأجاب الحمد لله أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام باجماع المسلمين فمن أكلها مستحلا لذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل ومن اعتقد التحريم اكلها فانه فاسق عاص لله ورسوله فكيف يكون رجلا صالحا ولو ذكى الحية لكان أكلها بعد ذلك حرام عند جماهير العلماء لأن النبى قال خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور
فأمر النبى بقتل ذلك فى الحل والحرم وسماهن فواسق لأنهن يفسقن أى يخرجن على الناس ويعتدين عليهم فلا يمكن الاحتراز منهن كما لا يحترز من السباع العادية فيكون

(11/609)


عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع وهن أخبث وأحرم
وأما الذين يأكلون ويجعلون ذلك من باب كرامات الأولياء فهم أشر حالا ممن يأكلها من الفساق لأن كرامات الأولياء لا تكون بما نهى الله عنه ورسوله من أكل الخبائث كما لا تكون بترك الواجبات وإنما هذه المخاريق التى يفعلها هؤلاء المبتدعون من الدخول فى النار وأخذ الحيات واخراج اللاذن والسكر والدم وماء الورد هى نوعان
أحدهما أن يفعلوا ذلك بحيل طبعية مثل أدهان معروفة يذهبون ويمشون فى النار ومثل ما يشربه أحدهم مما يمنع سم الحية مثل أن يمسكها بعنقصتها حتى لا تضره ومثل أن يمسك الحية المائية ومثل أن يسلخ جلد الحية ويحشوه طعاما وكم قتلت الحيات من أتباع هؤلاء ومثل أن يمسح جلده بدم أخوين فاذا عرق فى السماع ظهر منه ما يشبه الدم ويصنع لهم أنواعا من الحيل والمخادعات
النوع الثانى وهم أعظم عندهم أحوال شيطانية تعتريهم عند السماع الشيطانى فتنزل الشياطين عليهم كما تدخل فى بدن المصروع ويزيد أحدهم كما يزيد المصروع وحينئذ يباشر النار والحيات

(11/610)


والعقارب ويكون الشيطان هو الذى يفعل ذلك كما يفعل ذلك من تقترن بهم الشياطين من إخوانهم الذين هم شر الخلق عند الناس من الطائفة التى تطلبهم الناس لعلاج المصروع وهم من شر الخلق عند الناس فاذا طلبوا تحلوا بحلية المقاتلة ويدخل فيهم الجن فيحارب مثل الجن الداخل فى المصروع ويسمع الناس أصواتا ويرون حجارة يرمى بها ولا يرون من يفعل ذلك ويرى الانسى واقفا على رأس الرمح الطويل وإنما الواقف هو الشيطان ويرى الناس نارا تحمى ويضع فيها الفؤوس والمساحى ثم إن الانسى يلحسها بلسانه وإنما يفعل ذلك الشيطان الذى دخل فيه ويرى الناس هؤلاء يباشرون الحيات والأفاعى وغير ذلك ويفعلون من الأمور ما هو أبلغ مما يفعله هؤلاء المبتدعون الضالون المكذبون الملبسون الذين يدعون أنهم أولياء الله وإنما هم من أعادية المضيعين لفرائضه المتعدين لحدوده
والجهال لأجل هذه الأحوال الشيطانية والطبيعية يظنوهم أولياء الله وإنما هذه الأحوال من جنس أحوال أعداء الله الكافرين والفاسقين ولا يجوز أن يعان من هؤلاء على ترك الأمور ولا فعل المحظور ولا اقامة مشيخة تخالف الكتاب والسنة ولا أن يعطى رزقه على مشيخة يخرج بها من طاعة الله ورسوله وإنما يعان بالأرزاق من قام بطاعة الله ورسوله ودعا إلى طاعة الله ورسوله والله أعلم

(11/611)


وسئل عن رجل منقطع فى بيته لا يخرج ولا يدخل ويصلى فى بيته ولا يشهد الجماعة و إذا خرج إلى الجماعة يخرج مغطى الوجه ثم إنه يخترع العياط من غير سبب وتجتمع عنده الرجال والنساء فهل يسلم له حاله أو يجب الانكار عليه
فأجاب هذه الطريقة طريقة بدعية مخالفة للكتاب والسنة ولما أجمع عليه المسلمون والله تعالى إنما يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع قال الله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله فان التعبد بترك الجمعة والجماعة بحيث يرى أن تركهما أفضل من شهودهما مطلقا كفر يجب أن يستتاب صاحبه منه فان تاب وإلا قتل فانه قد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن لا يعبد بترك الجمعة والجماعة بل يعبد بفعل الجمعة والجماعة ومن جعل الانقطاع عن ذلك دينا لم يكن على دين المسلمين بل يكون من جنس الرهبان الذين يتخلون بالصوامع والديارات والواحد من هؤلاء قد يحصل له بسبب الرياضة أو الشياطين بتقريبه اليهم أو غير ذلك نوع كشف وذلك لا يفيده بل هو كافر بالله ورسوله محمد صلى الله عليه و سلم
والله تعالى أمر الخلق أن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئا

(11/612)


ويعبدوه بما شرع وأمر أن لا يعبدوه بغير ذلك قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه احدا وقال تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا
فالسالك طريق الزهادة والعبادة إذا كان متبعا للشريعة فى الظاهر وقصد الرياء والسمعة وتعظيم الناس له كان عمله باطلا لا يقبله الله كما ثبت فى الصحيح أن الله يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى فأنا منه بريء وهو كله للذى أشرك وفى الصحيح عنه أنه قال من سمع سمع الله به ومن رآى رآى الله به
وان كان خالصا فى نيته لكنه يتعبد بغير العبادات المشروعة مثل الذى يصمت دائما أو يقوم فى الشمس أو على السطح دائما أو يتعرى من الثياب دائما ويلازم لبس الصوف أو ليس الليف ونحوه أو يغطى وجهه أو يمتنع من أكل الخبز أو اللحم أو شرب الماء ونحو ذلك كانت هذه العبادات باطلة ومردودة كما ثبت فى الصحيح عن عائشة عن النبى صلى الله عليه و سلم قال من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفى رواية من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد وفى الصحيح البخارى عن ابن عباس أن النبى رأى رجلا قائما فى الشمس فقال ما هذا قالوا هذا أبو اسرائيل نذر الصمت والقيام والبروز

(11/613)


للشمس مع الصوم فأمره النبى بالصوم وحده لأنه عبادة يحبها الله تعالى وما عداه ليس بعبادة وان ظنها الظان تقربه إلى الله تعالى وثبت عنه أنه كان يقول فى خطبته إن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة
وثبت عنه فى الصحيح أن قوما من أصحابه قال أحدهم أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر أما انا فأقوم ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبى مابال رجال يقول أحدهم كيت وكيت لكنى أصوم وأفطر وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى فاذا كان هذا فيما هو جنسه عبادة فان الصوم والصلاة جنسها عبادة وترك اللحم والتزويج جائز لكن لما خرج فى ذلك من السنة فالتزم القدر الزائد على المشروع والتزم هذا ترك المباح كما يفعل الرهبان تبرأ النبى ممن فعل ذلك حيث رغب عن سنته الى خلافها وقال لا رهبانية فى الاسلام فكيف بمن يرغب عما هو من اعظم شعائر الاسلام وهو الصلاة فى الجمعة والجماعات
وقد روى عن ابن عباس أنهم سألوه غير مرة عمن يصوم

(11/614)


النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة فقال هو فى النار وفى الصحيحين عن النبى انه قال لينتهين اقوام عن ودعهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين وقال من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه وفى الصحيح والسنن إن أعمى قال يا رسول الله إن لى قائدا لا يلائمنى فهل تجد لى رخصة أن أصلى فى بيتى قال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب وفى رواية قال لا اجد لك رخصة
و الجمعة فريضة باتفاق الأئمة
و الجماعة واجبة ايضا عند كثير من العلماء بل عند أكثر السلف وهل هى شرط فى صحة الصلاة على قولين
أقواهما كما فى سنن أبى داود عن النبى أنه قال من سمع النداء فلم يحب من غير عذر فلا صلاة له
وعند طائفة من العلماء أنها واجبة على الكفاية
و أحد الأقوال أنها سنة مؤكدة ولا نزاع بين العلماء أن صلاة الرجل فى جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين ضعفا

(11/615)


كما ثبت ذلك عن النبى ولا نزاع بينهم أن من جعل صلاته وحده أفضل من صلاته فى جماعة فانه ضال مبتدع مخالف لدين المسلمين
وهذه البدع يذم أصحابها ويعرف أن الله لا يتقبلها وان كان قصدهم بها العبادة كما أنه لا يقبل عبادة الرهبان ونحوهم ممن يجتهدون فى الزهد والعبادة لأنهم لم يعبدوه بما شرع بل ببدعة ابتدعوها كما قال ورهبانية ابتدعوها فان المتعبد بهذه البدع قصده أن يعظم ويزار وهذا عمله ليس خالصا لله ولا صوابا على السنة بل هو كما يقال زغل وناقص بمنزلة لحم خنزير ميت حرام من وجهين
والواجب على كل مسلم التزام عبادة الله وحده لا شريك له وطاعة رسوله والأمر بذلك لكل أحد والنهى عن ضد ذلك لكل أحد والانكار على من يخرج عن ذلك ولو طار فى الهواء ومشى على الماء وليس تحت أديم السماء أحد يقر على خلاف ما جاء به رسول الله بل إن كان مقرا بالاسلام ألزمه بطاعة الرسول واتباع سنته الواجبة وشريعته الهادية وان كان غير مقر بالاسلام كان كافرا ولو كان له من الزهد والرهبان ماذا عسى أن يكون

(11/616)


والكافر إن كان من أهل الذمة فله حكم أمثاله وان كان من أهل الحرب فله حكم أمثاله ويجب الانكار على هذا المبتدع وأمثاله بحسن قصد بحيث يكون المقصود طاعة الله ورسوله ولا اتباع هوى ولا منافسة ولا غير ذلك قال الله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله
فالمقصود أن يكون الدين كله لله ولا دين إلا ما شرعه الله تعالى على ألسن رسله وفى الصحيحين أن النبى قيل له يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأى ذلك فى سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله فيكون المقصود علو كلمة الله وظهور دين الله وان يعلم المسلمون كلهم انما عليه المبتدعون المراؤون ليس من الدين ولا من فعل عباد الله الصالحين بل من فعل أهل الجهل والضلال والاشراك بالله تعالى الذين يخرجون عن توحيده واخلاص الدين له وعن طاعة رسله
و أصل الاسلام أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة ان لا إله إلا الله

(11/617)


ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله
وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله التى بلغها عن الله فإنه قال تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك وقال ما تركت من شىء يقربكم إلى الجنة الا قد حدثتكم به ولا من شىء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به وقال ابن مسعود خط لنا رسول الله خطأ وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ وان هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فالعبادات والزهادات والمقالات والتورعات الخارجة عن سبيل الله وهو الصراط المستقيم الذى أمرنا الله ان نسأله هدايته وهو ما دل عليه السنة هى سبل الشيطان ولو كان لأحدهم من الخوارق ما كان فليس أحدهم بأعظم من مقدمهم الدجال الذى يقول للسماء أمطرى فتمطر وللأرض أنبتى فتنبت وللخربة أظهرى كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة وهو مع هذا عدو الله كافر بالله وأولياء الله هم المذكورون فى قوله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم

(11/618)


يحزنون الذين امنوا وكانوا يتقون فهم المؤمنون المتقون والتقوى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه فمن ترك ما أمر الله واتخذ عبادة نهى الله عنها كيف يكون من هؤلاء
وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى يقول الله تعالى من عادى لى وليا الحديث فبين سبحانه أنه ما تقرب العبد إلى الله بمثل أداء ما افترض عليه
والتقرب بالواجبات فقط طريق المقتصدين أصحاب اليمين ثم التقرب بعد ذلك بما أحبه الله من النوافل هو طريق السابقين المقربين والمحبوبات هى ما امر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب دون ما استحبه الرجل برأيه وهواه والله سبحانه وتعالى أعلم

(11/619)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية