صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

أو قبطى أو غير ذلك وهذه الأمور مبسوطة فى مواضع آخر
و المقصود هنا أنه نشأ بين أهل السنة والحديث النزاع فى مسألتى القرآن والايمان بسبب ألفاظ مجملة ومعانى متشابهة وطائفة من أهل العلم والسنة كالبخارى صاحب الصحيح ومحمد بن نصر المروزى وغيرهما قالوا الإيمان مخلوق وليس مرادهم شيئا من صفات الله وإنما مرادهم بذلك افعال العباد وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أفعال العباد مخلوقة وقال يحيى بن سعيد القطان ما زلت أسمع اصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة
وصار بعض الناس يظن أن البخارى وهؤلاء خالفوا أحمد بن حنبل وغيره من ائمة السنة وجرت للبخارى محنة بسبب ذلك حتى زعم بعض الكذابين أن البخارى لما مات أمر أحمد بن حنبل أن لا يصلي عليه وهذا كذب ظاهر فان ابا عبدالله البخارى رحمه الله مات بعد أحمد بن حنبل بنحو خمس عشرة سنة فان أحمد بن حنبل رضي الله عنه توفى سنة احدى وأربعين ومائتين وتوفى البخارى سنة ست وخمسين ومائتين وكان أحمد بن حنبل يحب البخارى ويجله ويعظمه وأما تعظيم البخارى وأمثاله للامام احمد فهو أمر مشهور ولما صنف البخارى كتابه فى خلق أفعال العباد وذكر فى آخر الكتاب أبوابا فى هذا المعنى ذكر أن كلا من الطائفتين القائلين بأن لفظنا بالقرآن مخلوق والقائلين بأنه غير مخلوق ينسبون إلى الإمام أحمد بن حنبل

(7/658)


ويدعون أنهم على قوله وكلا الطائفتين لم تفهم دقة كلام أحمد رضي الله عنه
وطائفة أخرى كأبى الحسن الأشعرى والقاضي أبى بكر بن الطيب والقاضى أبى يعلى وغيرهم ممن يقولون انهم على اعتقاد أحمد بن حنبل وأئمة أهل السنة والحديث قالوا أحمد وغيره كرهوا أن يقال لفظى بالقرآن فان اللفظ هو الطرح والنبذ وطائفة أخرى كأبي محمد بن حزم وغيره ممن يقول أيضا أنه متبع لأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة الى غير هؤلاء ممن ينتسب الى السنة ومذهب الحديث يقولون أنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل ونحوه من أهل السنة وهم لم يعرفوا حقيقة ما كان يقوله أئمة السنة كأحمد بن حنبل وأمثاله وقد بسطنا أقوال السلف والأئمة أحمد بن حنبل وغيره فى غير هذا الموضع
وأما البخارى وأمثاله فان هؤلاء من أعرف الناس بقول أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة وقد رأيت طائفة تنتسب إلى السنة والحديث كأبي نصر السجزي وأمثاله ممن يردون على أبى عبدالله البخارى يقولون أن أحمد بن حنبل كان يقول لفظى بالقرآن غير مخلوق وذكروا روايات كاذبة لا ريب فيها والمتواتر عن أحمد بن حنبل من رواية بنيه صالح وعبدالله وحنبل والمروذي وقوزان ومن لا يحصي عددهم إلا الله تبين أن أحمد كان ينكر على هؤلاء وهؤلاء وقد صنف أبو بكر المروذي فى ذلك مصنفا ذكر فيه قول

(7/659)


أحمد بن حنبل وغيره من أئمة العلم وقد ذكر الخلال فى كتاب السنة وذكر بعضه أبو عبدالله بن بطة فى كتاب الابانة وقد ذكر كثير من ذلك أبو عبدالله بن منده فيما صنفه فى مسألة اللفظ
وقال أبو محمد بن قتيبة الدينوري لم يختلف أهل الحديث فى شيء من اعتقادهم الا فى مسألة اللفظ ثم ذكر إبن قتيبة أن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا ويراد به نفس الكلام الذي هو فعل العبد وصوته وهو مخلوق واما نفس كلام الله الذي يتكلم به العباد فليس مخلوقا وكذلك مسألة الإيمان لم يقل قط أحمد بن حنبل أن الايمان غير مخلوق ولا قال أحمد ولا غيره من السلف أن القرآن قديم وانما قالوا القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولا قال أحمد بن حنبل ولا أحد من السلف أن شيئا من صفات العبد وأفعاله غير مخلوقة ولا صوته بالقرآن ولا لفظه بالقرآن ولا ايمانه ولا صلاته ولا شيء من ذلك
لكن المتأخرون انقسموا فى هذا الباب انقساما كثيرا فالذين كانوا يقولون لفظنا بالقرآن غير مخلوق منهم من أطلق القول بأن الايمان غير مخلوق ومنهم من يقول قديم فى هذا وهذا ومنهم من يفرق بين الأقوال الإيمانية والأفعال فيقولون الأقوال غير مخلوقة وقديمة وأفعال الايمان مخلوقة ومنهم من يقول فى أفعال الايمان أن المحرم منها مخلوق وأما الطاعات كالصلاة وغيرها فمنهم من يقول هي غير مخلوقة ومنهم من يمسك فلا يقول هى

(7/660)


مخلوقة ولا غير مخلوقة ومنهم من يمسك عن الأفعال المحرمة ومنهم من يقول بل أفعال العباد كلها غير مخلوقة أو قديمة ويقول ليس مرادى بالافعال الحركات بل مرادى الثواب الذي يجيء يوم القيامة ويحتج هذا بأن القدر غير مخلوق والشرع غير مخلوق ويجعل أفعال العباد هى القدر والشرع ولا يفرق بين القدر والمقدور والشرع والمشروع فان الشرع الذي هو أمر الله ونهيه غير مخلوق وأما الأفعال المأمور بها والمنهى عنها فلا ريب أنها مخلوقة وكذلك القدر الذي هو علمه ومشيئته وكلامه غير مخلوق وأما المقدرات الآجال والأرزاق والأعمال فكلها مخلوقة وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وقائليها فى غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن الامام أحمد ومن قبله من أئمة السنة ومن اتبعه كلهم بريئون من الاقوال المبتدعة المخالفة للشرع والعقل ولم يقل أحد منهم أن القرآن قديم لا معنى قائم بالذات ولا أنه تكلم به فى القديم بحرف وصوت ولا تكلم به فى القديم بحرف قديم لم يقل أحد منهم لا هذا ولا هذا وان الذي اتفقوا عليه أن كلام الله منزل غير مخلوق والله تعالى لم يزل متكلما اذا شاء وكلامه لا نهاية له كما قال الله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى وهو قديم بمعنى أنه لم يزل الله متكلما بمشيئته لا بمعنى أن الصوت المعين قديم كما بسطت الكلام فى غير هذا الموضع على اختلاف أهل الارض فى كلام الله تعالى منهم من يجعله فيضا من العقل الفعال على

(7/661)


النفوس كقول طائفة من الصابئة والفلاسفة وهو أفسد الأقوال ومنهم من يقول هو مخلوق خلقه بائنا عنه كقول الجهمية والنجارية والمعتزلة ومنهم من يقول هو معنى قديم قائم بالذات كقول إبن كلاب والأشعرى ومنهم من يقول هو حروف واصوات كقول ابن سالم وطائفة ومنهم من يقول تكلم بعد أن لم يكن متكلما كقول ابن كرام وطائفة
والصواب من هذه الاقوال قول السلف والأئمة كما قد بسطت ألفاظهم فى غير هذا الموضع ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون كلام الله غير مخلوق وكانت الجهمية من المعتزلة وغيرهم يقولون إنه مخلوق وكان أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب القطان له فضيلة ومعرفة رد بها على الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات وبين أن الله نفسه فوق العرش وبسط الكلام فى ذلك ولم يتخلص من شبهة الجهمية كل التخلص بل ظن أن الرب لا يتصف بالأمور الاختيارية التى تتعلق بقدرته ومشيئته فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته بل محبا راضيا أو غضبان ساخطا على من علم أنه يموت مؤمنا أو كافرا ولا يتكلم بكلام بعد كلام وقد قال تعالى ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فإتبعونى يحببكم الله وقال تعالى فلما أسفونا انتقمنا منهم وقال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم

(7/662)


وقال تعالى وهو الذي خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم إستوى على العرش وهذا أصل كبير قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع
وإنما المقصود هنا التنبيه على مآخذ اختلاف المسلمين فى مثل هذه المسائل وإذا عرف ذلك فالواجب أن نثبت ما اثبته الكتاب والسنة وتنفى ما نفى الكتاب والسنة واللفظ المجمل الذي لم يرد فى الكتاب والسنة لا يطلق فى النفى والاثبات حتى يتبين المراد به كما اذا قال القائل الرب متحيز أو غير متحيز أو هو فى جهة أو ليس فى جهة قيل هذه الألفاظ مجملة لم يرد بها الكتاب والسنة لا نفيا ولا إثباتا ولم ينطق أحد من الصحابة والتابعين لهم باحسان باثباتها ولا نفيها
فإن كان مرادك بقولك أنه يحيط به شيء من المخلوقات وليس هو بقدرته يحمل العرش وحملته وليس هو العلى الأعلى الكبير العظيم الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو سبحانه أكبر من كل شيء فليس هو متحيزا بهذا الاعتبار وان كان مرادك أنه بائن عن مخلوقاته عال عليها فوق سمواته على عرشه فهو سبحانه بائن من خلقه كما ذكر ذلك أئمة السنة مثل عبدالله بن المبارك وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم من أعلام الاسلام وكما دل على ذلك صحيح المنقول وصريح المعقول كما هو مبسوط فى مواضع أخر
وكذلك لفظ الجهة إن أراد بالجهة أمرا موجودا يحيط بالخالق أو

(7/663)


يفتقر اليه فكل موجود سوى الله فهو مخلوق والله خالق كل شيء وكل ما سواه فهو فقير اليه وهو غنى عما سواه وان كان مراده أن الله سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فهذا صحيح سواء عبر عنه بلفظ الجهة أو بغير لفظ الجهة
وكذلك لفظ الجبر إذا قال هل العبد مجبورا أو غير مجبور قيل ان اراد بالجبر أنه ليس له مشيئة أو ليس له قدرة أو ليس له فعل فهذا باطل فان العبد فاعل لأفعاله الاختيارية وهو يفعلها بقدرته ومشيئته وان أراد بالجبر أنه خالق مشيئته وقدرته وفعله فان الله تعالى خالق ذلك كله
واذا قال الايمان مخلوق أو غير مخلوق قيل له ما تريد بالايمان أتريد به شيئا من صفات الله وكلامه كقوله لا إله إلا الله و إيمانه الذي دل عليه إسمه المؤمن فهو غير مخلوق أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقه ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة ولا يقول هذا من يتصور ما يقول فاذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدي وبان السبيل وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والاثبات اذا فصل فيها الخطاب ظهر الخطأ من الصواب
والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه وما نفاه الكتاب

(7/664)


والسنة نفوه وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفى ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد اصاب ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل فيجب أن يفصل ما فى كلامه من حق وباطل فيتبع الحق ويترك الباطل وكلما خالف الكتاب والسنة فانه مخالف أيضا لصريح المعقول فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم السلام لا يخالف بعضه بعضا ولكن كثير من الناس يظن تناقض ذلك وهؤلاء من الذين اختلفوا فى الكتاب وان الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

(7/665)


قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى
فصل
الاستثناء فى الايمان سنة عند أصحابنا وأكثر اهل السنة وقالت المرجئة والمعتزلة لا يجوز الاستثناء فيه بل هو شك و الاستثناء أن يقول أنا مؤمن ان شاء الله أو مؤمن أرجو أو آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله أو إن كنت تريد الايمان الذي يعصم دمى فنعم وان كنت تريد إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم فالله أعلم ثم هنا
ثلاثة أقوال إما أن يقال الاستثناء واجب فلا يجوز القطع وهذا قول القاضي فى عيون المسائل وغيره وإما أن يقال هو مستحب ويجوز القطع بإعتبار آخر وإما أن يقال كلاهما جائز بإعتبار وانما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى أنه جائز ردا على من نهى عنه
فاذا قلنا هو واجب فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنا مؤمنون لكان ذلك قطعا على أنا فى الجنة لأن الله وعد المؤمنين الجنة ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة لأن من شرط ذلك الموافاة بالايمان ولا يعلم ذلك الا الله

(7/666)


وكذلك الايمان انما يحصل بالموافاة ولا يعلم ذلك ولهذا قال ابن مسعود هلا وكل الأولى كما وكل الآخرة يريد بذلك ما استدل به من أن رجلا قال عنده إنى مؤمن فقيل لابن مسعود هذا يزعم أنه مؤمن قال فسلوه أفي الجنة هو أو فى النار فسألوه فقال الله أعلم فقال عبدالله فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية
قلت ويستدل ايضا على وجوب الاستثناء بقول عمر من قال أنه مؤمن فهو كافر ومن زعم أنه فى الجنة فهو فى النار ومن زعم أنه عالم فهو جاهل ولما إستدل المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشك فى وقوعه قال الجواب ان هنا مستقبل يشك فى وقوعه وهو الموافاة بالايمان والايمان مرتبط بعضه ببعض فهو كالعبادة الواحدة
قلت فحقيقة هذا القول أن الإيمان إسم للعبادة من أول الدخول فيه الى أن يموت عليه فاذا انتقض تبين بطلان أولها كالحدث فى آخر الصلاة والوطء فى آخر الحج والأكل فى آخر النهار وقول مؤمن عند الاطلاق يقتضي فعل الايمان كله كقول مصلى وصائم وحاج فهذا مأخذ القاضي وقد ذكر بعدها فى المعتمد مسألة الموافاة وهي متصلة بها وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافرا وبالعكس هل يتعلق رضا الله وسخطه ومحبته وبغضه بما هو عليه أو بما يوافى به
والمسألة متعلقة بالرضا والسخط هل هو قديم أو محدث

(7/667)


و المأخذ الثانى أن الاسم عند الإطلاق يقتضى الكمال وهذا غير معلوم للمتكلم كما قال أبو العالية أدركت ثلاثين من اصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه لا يقول أن إيمانى كإيمان جبريل فاخبار الرجل عن نفسه أنه كامل الايمان خبر بما لا يعلمه وهذا معنى قول بن المنزل أن المرجئة تقول ان حسناتها مقبولة وأنا لا أشهد بذلك وهذا مأخذ يصلح لوجوب الإستثناء وهذا المأخذ الثانى للقاضي فان المنازع احتج بأنه لما لم يجز الاستثناء فى الاسلام فكذلك فى الإيمان
قال والجواب أن الاسلام مجرد الشهادتين وقد أتى بهما والايمان أقوال وأعمال لقوله الايمان بضع وسبعون بابا وهو لا يتحقق كل ذلك منه
المأخذ الثالث أن ذلك تزكية للنفس وقد قال الله ولا تزكوا أنفسكم وهذا يصلح للاستحباب والا فأخبار الرجل بصفته التى هو عليها جائز وان كانت مدحا وقد يصلح للإيجاب قال الأثرم فى السنة حدثنا أحمد بن حنبل سمعت يحيى بن سعيد يقول ما أدركت أحدا من أصحابنا ولا بلغنى إلا على الإستثناء قال الاثرم سمعت ابا عبدالله يسأل عن الاستثناء فى الايمان ما تقول فيه قال أما أنا فلا أعيبه فإستثنى مخافة واحتياطا ليس كما يقولون على الشك إنما يستثنى للعمل قال أبو عبدالله قال الله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله أي أن هذا الاستثناء لغير شك وقد قال النبى

(7/668)


وأنا إن شاء الله بكم لاحقون أي لم يكن يشك فى هذا وقد استثنى وذكر قول النبى صلى الله عليه و سلم نبعث إن شاء الله من القبر وذكر قول النبى صلى الله عليه و سلم إنى والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله قال هذا كله تقوية للإستثناء فى الإيمان
قلت لأبى عبدالله فكأنك لا ترى بأسا أن لا يستثنى فقال إذا كان ممن يقول الايمان قول وعمل يزيد وينقص فهو أسهل عندى ثم قال أبو عبدالله ان قوما تضعف قلوبهم عن الاستثناء فتعجب منهم وذكر كلاما طويلا تركته
فكلام أحمد يدل على أن الاستثناء لأجل العمل وهذا المأخذ الثانى وأنه لغير شك فى الأصل وهو يشبه الثالث ويقتضى أن يجوز ترك الاستثناء وأما جواز إطلاق القول بأنى مؤمن فيصح اذا عنى أصل الايمان دون كماله والدخول فيه دون تمامه كما يقول أنا حاج وصائم لمن شرع فى ذلك وكما يطلقه فى قوله آمنت بالله ورسله وفى قوله إن كنت تعنى كذا وكذا أن جواز اخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالإسم مع القرينة وعلى هذا يخرج ما روى عن صاحب معاذ بن جبل وما روى فى حديث الحارث الذي قال أما مؤمن حقا وفى حديث الوفد الذين قالوا نحن المؤمنون وإن كان فى الإسنادين نظرا

(7/669)


سئل
عن معنى حديث النبى إذا زنى العبد خرج منه الايمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد اليه الايمان رواه الترمذى وأبو داود وهل يكون الزانى فى حالة الزنا مؤمنا أو غير مؤمن وهل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة أو أجمعوا على تأويله
فأجاب الحمد لله الناس فى الفاسق من أهل الملة مثل الزانى والسارق والشارب ونحوهم ثلاثة أقسام طرفين ووسط
أحد الطرفين أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل فى عموم الأحكام المتعلقة بإسم الإيمان ثم من هؤلاء من يقول هو كافر كاليهودى والنصرانى وهو قول الخوارج ومنهم من يقول ننزله منزلة بين المنزلتين وهى منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة وهؤلاء يقولون أن أهل الكبائر يخلدون فى النار وان أحدا منهم لا يخرج منها وهذا من مقالات أهل البدع التى دل الكتاب والسنة واجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها قال الله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما إلى قوله انما المؤمنون اخوة فأصلحوا

(7/670)


بين أخويكم فسماهم مؤمنين وجعلهم اخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال الله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ولو اعتق مذنبا اجزأ عتقه باجماع العلماء
ولهذا يقول علماء السلف فى المقدمات الاعتقادية لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الاسلام بعمل وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس فى عهد النبى ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا وهو فى ذلك يستغفر لهم ويقول لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل
الطرف الثانى قول من يقول إيمانهم باق كما كان لم ينقص بناء على أن الايمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وانما نقصت شرائع الاسلام وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم وهو أيضا قول مخالف للكتاب والسنة واجماع السابقين والتابعين لهم باحسان قال الله تعالى انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون وقال إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا وقال فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله وقال ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وقال فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون

(7/671)


وقال النبى الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وقال لوفد عبدالقيس آمركم بالايمان بالله أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن تؤدوا خمس ما غنمتم وأجمع السلف أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب ثم قول اللسان وعمل الجوارح
فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويدخل فيه الايمان بكل ما جاء به الرسول
ثم الناس فى هذا على أقسام منهم من صدق به جملة ولم يعرف التفصيل ومنهم من صدق جملة وتفصيلا ثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق ومنهم من يغفل عنه ويذهل ومنهم من استبصر فيه بما قذف الله فى قلبه من النور والإيمان ومنهم من جزم به لدليل قد تعترض فيه شبهة أو تقليد جازم وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والانابة اليه والاخلاص له والتوكل عليه الى غير ذلك من الأحوال فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان وهى مما يوجبها التصديق والاعتقاد ايجاب العلة المعلول
ويتبع الإعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك

(7/672)


وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون الاسم على الاطلاق ولا يعطونه على الإطلاق فنقول هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن عاص أو مؤمن بايمانه فاسق بكبيرته ويقال ليس بمؤمن حقا أو ليس بصادق الإيمان
وكل كلام أطلق فى الكتاب والسنة فلابد أن يقترن به ما يبين المراد منه والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط كجواز العتق فى الكفارة وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك ومنها ما يترتب على أصله وفرعه كإستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك
اذا عرفت هذه القاعدة فالذي فى الصحيح قوله لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس اليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن والزيادة التى رواها أبو داود والترمذى صحيحة وهى مفسرة للرواية المشهورة
فقول السائل هل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة لفظ مشترك فان عنى بذلك أن ظاهره أن الزانى يصير كافرا وأنه يسلب الإيمان بالكلية فلم يحمل الحديث على هذا أحد من الأئمة ولا هو أيضا ظاهر الحديث لأن قوله خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة دليل على أن الايمان

(7/673)


لا يفارقه بالكلية فان الظلة تظلل صاحبها وهى متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط
واما ان عنى بظاهره ما هو المفهوم منه كما سنفسره إن شاء الله فنعم فإن عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن سفيان وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم وجماعة كثيرة من العلماء ونص أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه عن ظاهره المقصود به وقد تأوله الخطابى وغيره تأويلات مستكرهة مثل قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهى أي ينبغي للمؤمن أن لا يفعل ذلك وقولهم المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفى وانما ساغ ذلك لما بين حاله وحال من عدم الايمان من المشابهة والمقاربة وقولهم إنما عدم كمال الإيمان وتمامه أو شرائعه وثمراته ونحو ذلك وكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر
فالحق أن يقال نفس التصديق المفرق بينه وبين الكافر لم يعدمه لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه توعد عليها بالعقوبة العظيمة وانه يرى الفاعل ويشاهده وهو سبحانه وتعالى مع عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا حق التصور لامتنع صدور الفعل منه ومتى فعل هذه الخطيئة فلابد من أحد ثلاثة أشياء

(7/674)


إما إضطراب العقيدة بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه وانما مقصوده الزجر كما تقوله المرجئة أو ان هذا انما يحرم على العامة دون الخاصة كما يقوله الاباحية أو نحو ذلك من العقائد التى تخرج عن الملة واما الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه واما فرط الشهوة بحيث يقهر مقتضى الإيمان ويمنعه موجبه بحيث يصير الاعتقاد مغمورا مقهورا كالعقل فى النائم والسكران وكالروح فى النائم
ومعلوم أن الإيمان الذي هو الايمان ليس باقيا كما كان اذ ليس مستقرا ظاهرا فى القلب واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيا على حاله عاملا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم فانه سبحانه يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فالنائم ميت من وجه حى من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه
فاذا قال قائل السكران ليس بعاقل فاذا صحا عاد عقله اليه كان صادقا مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة اذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم بل الغضبان ينتهى به الغضب إلى حال يعزب فيها عقله ورأيه وفى الأثر اذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوى العقول عقولهم فاذا أنفذ قضاءه وقدره رد عليهم عقولهم ليعتبروا فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور فى الدنيا والآخرة

(7/675)


كذلك الزانى والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي به يستحق أن لا يخلد فى النار وبه ترجى به الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محمودا مرضيا
وهذا يبين أن الحديث على ظاهره الذي يليق به والله أعلم

(7/676)


سئل رحمه الله
عن معنى قوله لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر هل هذا الحديث مخصوص بالمؤمنين أم بالكفار فان قلنا مخصوص بالمؤمنين فقولنا ليس بشيء لأن المؤمنين يدخلون الجنة بالإيمان وإن قلنا مخصوص بالكافرين فما فائدة الحديث فأجاب لفظ الحديث فى الصحيح لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان فالكبر المباين للايمان لا يدخل صاحبه الجنة كما فى قوله إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين ومن هذا كبر إبليس وكبر فرعون وغيرهما ممن كان كبره منافيا للإيمان وكذلك كبر اليهود والذين أخبر الله عنهم بقوله أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم إستكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون
والكبر كله مباين للايمان الواجب فمن فى قلبه مثقال ذرة من كبر لا يفعل ما أوجب الله عليه ويترك ما حرم عليه بل كبره يوجب له جحد الحق واحتقار الخلق وهذا هو الكبر الذي فسره النبى حيث سئل فى

(7/677)


تمام الحديث فقيل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فمن الكبر ذاك فقال لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس وبطر الحق جحده ودفعه وغمط الناس إزدراؤهم وإحتقارهم فمن فى قلبه مثقال ذرة من هذا يوجب له أن يجحد الحق الذي يجب عليه أن يقربه وان يحتقر الناس فيكون ظالما لهم معتديا عليهم فمن كان مضيعا للحق الواجب ظالما للخلق لم يكن من أهل الجنة ولا مستحقا لها بل يكون من اهل الوعيد
فقوله لا يدخل الجنة متضمن لكونه ليس من أهلها ولا مستحقا لها لكن إن تاب أو كانت له حسنات ماحية لذنبه أو ابتلاه الله بمصائب كفر بها خطاياه ونحو ذلك زال ثمرة هذا الكبر المانع له من الجنة فيدخلها أو غفر الله له بفضل رحمته من ذلك الكبر من نفسه فلا يدخلها ومعه شيء من الكبر ولهذا قال من قال فى هذا الحديث وغيره إن المنفى هو الدخول المطلق الذي لا يكون معه عذاب لا الدخول المقيد الذي يحصل لمن دخل النار ثم دخل الجنة فانه إذا أطلق فى الحديث فلان فى الجنة أو فلان من اهل الجنة كان المفهوم أنه يدخل الجنة ولا يدخل النار
فإذا تبين هذا كان معناه أن من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر ليس هو من أهل الجنة ولا يدخلها بلا عذاب بل هو مستحق للعذاب لكبره كما يستحقها غيره من أهل الكبائر ولكن قد يعذب فى النار ما شاء الله فانه

(7/678)


لا يخلد فى النار أحد من أهل التوحيد وهذا كقوله لا يدخل الجنة قاطع رحم وقوله لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا الا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم وأمثال هذا من أحاديث الوعيد وعلى هذا فالحديث عام فى الكفار وفى المسلمين
وقول القائل إن المسلمين يدخلون الجنة بالاسلام فيقال له ليس كل المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب بل أهل الوعيد يدخلون النار ويمكثون فيها ما شاء الله مع كونهم ليسوا كفارا فالرجل الذي معه شيء من الإيمان وله كبائر قد يدخل النار ثم يخرج منها اما بشفاعة النبى واما بغير ذلك كما قال صلى الله عليه و سلم شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى وكما فى الصحيح أنه قال أخرج من النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان وهكذا الوعيد فى قاتل النفس والزانى وشارب الخمر وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وغير هؤلاء من أهل الكبائر فان هؤلاء وإن لم يكونوا كفارا لكنهم ليسوا من المستحقين للجنة الموعودين بها بلا عقاب
ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق اهل الملة ليسوا مخلدين فى النار كما قالت الخوارج والمعتزلة وليسوا كاملين فى الدين والإيمان والطاعة بل لهم حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب وهذا مبسوط فى موضعه والله أعلم

(7/679)


سئل شيخ الإسلام عن بدعة المرازقة
فأجاب ثم ان جماعات ينتسبون الى الشيخ عثمان بن مرزوق ويقولون أشياء مخالفة لما كان عليه وهو منتسب الى مذهب أحمد وكان من أصحاب الشيخ عبدالوهاب بن أبي الفرج الشيرازي وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعى ويقولون أقوالا مخالفة لمذهب الشافعى وأحمد بل ولسائر الأئمة وشيخهم هذا من شيوخ العلم والدين له أسوة أمثاله وإذا قال قولا قد علم أن قول الشافعى وأحمد يخالفه وجب تقديم قولهما على قوله مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأئمة فكيف إذا كان القول مخالفا لقوله ولقول الأئمة وللكتاب والسنة
وذلك مثل قولهم ولا نقول قطعا ونقول نشهد أن محمدا رسول الله ولا نقطع ونقول إن السماء فوقنا ولا نقطع ويروون أثرا عن على وبعضهم يرفعه أنه قال لا تقل قطعا وهذا من الكذب المفترى بإتفاق أهل العلم ولم يكن شيخهم يقول هذا بل هذه بدعة أحدثها بعض أصحابه بعد موته واذا قيل لواحد منهم الا تقطع قال إن الله قادر على أن يغير هذه

(7/680)


الفرس فيظن أنه إذا قال قطعا أنه نفى لقدرة الله على تغيير ذلك وهذا جهل فان هذه الفرس فرس قطعا فى هذه الحال والله قادر على أن يغيرها
وأصل شبهة هؤلاء أن السلف كانوا يستثنون فى الإيمان فيقول أحدهم أنا مؤمن إن شاء الله وكانت ثغور الشام مثل عسقلان قد سكنها محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخارى وهو صاحب الثورى وكان شديدا على المرجئة وكان يرى الإستثناء فى الإيمان كشيخه الثورى وغيره من السلف
والناس لهم فى الإستثناء ثلاثة أقوال
منهم من يحرمه كطائفة من الحنفية ويقولون من يستثنى فهو شكاك
ومنهم من يوجبه كطائفة من أهل الحديث
ومنهم من يجوزه أو يستحبه وهذا أعدل الأقوال فإن الإستثناء له وجه صحيح فمن قال أنا مؤمن إن شاء الله وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات ويخاف أن لا يكون قائما بها فقد أحسن ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم قال إبن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه ومن إعتقد أن المؤمن المطلق هو الذي يستحق الجنة فاستثنى خوفا من سوء الخاتمة فقد أصاب وهذا معنى ما يروى عن إبن مسعود أنه قيل له عن رجل أنت مؤمن

(7/681)


فقال نعم فقيل له أنت من أهل الجنة فقال أرجو فقال هلا وكل الأولى كما وكل الثانية ومن إستثنى خوفا من تزكية نفسه أو مدحها أو تعليق الأمور بمشيئة الله فقد أحسن ومن جزم بما يعلمه أيضا فى نفسه من التصديق فهو مصيب
والمقصود أن أصل شبهة هؤلاء الإستثناء فى الإيمان كما عليه أهل ثغر عسقلان وما يقرب منها وعامة هؤلاء جيران عسقلان ثم صار كثير منهم يستثنى فى الأعمال الصالحة فيقول صليت إن شاء الله وهو يخاف أن لا يكون أتى بالصلاة كما أمر وصنف أهل الثغر فى ذلك مصنفا وشيخهم إبن مرزوق غايته أن يتبع هؤلاء ولم يكن هو ولا أحد قبله من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا لما يعلم أنه موجود هذا موجود قطعا وقد نقل بعض الشيوخ أنه كان يستثنى فى كل شيء وكأنه يستثنى والله أعلم فى الخبر عن الأمور المستقبلة لقوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله وقوله وانا إن شاء الله بكم لاحقون
والواجب موافقة جماعة المسلمين فإن قول القائل قطعا بذلك مثل قوله أشهد بذلك وأجزم بذلك وأعلم ذلك فإذا قال أشهد ولا أقطع كان جاهلا والجاهل عليه أن يرجع ولا يصر على جهله ولا يخالف ما عليه علماء المسلمين فإنه يكون بذلك مبتدعا جاهلا ضالا

(7/682)


وكذلك من جهلهم قولهم أن الرافضي لا يقبل الله توبته ويروون عن النبى انه قال سب أصحابى ذنب لا يغفر ويقولون إن سب الصحابة فيه حق لآدمى فلا يسقط بالتوبة وهذا باطل لوجهين
أحدهما أن الحديث كذب بإتفاق أهل العلم بالحديث وهو مخالف للقرآن والسنة والإجماع فإن الله يقول فى آيتين من كتابه ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وبهذا إحتج أهل السنة على أهل البدع الذين يقولون لا يغفر لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا وذلك ان الله قال يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذا لمن تاب فكل من تاب تاب الله عليه ولو كان ذنبه أعظم الذنوب وقال إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهذا فى حق من لمن يتب
الثانى أن الحديث لو كان حقا فمعناه أنه لا يغفر لمن لم يتب منه فانه لا ذنب أعظم من الشرك والمشرك إذا تاب غفر الله له شركه بإتفاق المسلمين كما قال تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وفى الأخرى فأخوانكم فى الدين ومعلوم أن الكافر الحربى إذا سب الأنبياء ثم تاب تاب الله عليه بالإجماع فإنه كان مستحلا لذلك وكذلك الرافضي هو يستحل سب الصحابة فاذا تبين له أنه حرام وإستغفر لهم بدل ما كان منه بدل الله سيئاته بالحسنات وكان حق الآدمى فى ذلك تبعا لحق الله لأنه مستحل

(7/683)


لذلك ولو قدر أنه حق لآدمى لكان بمنزلة من تاب من القذف والغيبة وهذا فى أظهر قولى العلماء لا يشترط فى توبته تحلله من المظلوم بل يكفى أن يحسن إليه فى المغيب ليهدم هذا بهذا
ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين وإستحلال دمائهم وأموالهم كما يقولون هذا زرع البدعي ونحو ذلك فإن هذا عظيم لوجهين
أحدهما أن تلك الطائفة الآخرى قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما فى الطائفة المكفرة لها بل تكون بدعة المكفرة أغلظ أو نحوها أو دونها وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضا فإنه إن قدر أن المبتدع يكفر كفر هؤلاء وهؤلاء وان قدر أنه لم يكفر لم يكفر هؤلاء ولا هؤلاء فكون إحدى الطائفتين تكفر الأخرى ولا تكفر طائفتها هو من الجهل والظلم وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شيء
والثانى أنه لو فرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة لم يكن لأهل السنة أن يكفروا كل من قال قولا أخطأ فيه فان الله سبحانه قال ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطانا وثبت فى الصحيح أن الله قال قد فعلت وقال تعالى ولا جناح عليكم فيما اخطأتم به وروى عن النبى صلى الله عليه

(7/684)


وسلم أنه قال ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وهو حديث حسن رواه إبن ماجه وغيره
وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وان كان قوله مخالفا للسنة فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع لكن للناس نزاع فى مسائل التكفير قد بسطت فى غير هذا الموضوع
و المقصود هنا أنه ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ ولا إمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم بل فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وقال أيضا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وقال لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخونا وقال مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر
وليس للمنتسبين إلى إبن مرزوق أن يمنعوا من مناكحة المنتسبين إلى العوفى لإعتقادهم أنهم ليسوا أكفاء لهم بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان من هؤلاء وغيرهم كما قال تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من

(7/685)


ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم وفى الصحيح أن النبى سئل أي الناس أكرم قال أتقاهم وفى السنن عنه أنه قال لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم خلق من تراب

(7/686)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و حده و الصلاه و السلام على من نبى بعده قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية طيب الله ثراه
فصل في قدرة الرب عزو جل
اتفق المسلمو ن وسائر أهل الملل على أن الله على كل شىء قدير كما نطق بذلك القرآن أى فى مواضع كثيرة جدا و قد بسطت الكلام فى الرد على من أنكر قدرة الرب فى غير مو ضع كما قد كتبناه على الأربعين و المحصل و فى شرح الأصبهانية و غير ذلك و تكلمنا على ما ذكره الرازى و غيره

(8/7)


فى مسألة كون الرب قادرا مختارا و ما و قع فيها من التقصيرالكثير مما ليس هذا مو ضعه
والمقصود هنا الكلام بين أهل الملل الذين يصدقو ن الرسل فنقو ل هنا مسائل
المسألةالأو لى قد أخبر الله أنه على كل شئ قدير و الناس فى هذا على ثلاثة أقوال
طائفة تقو ل هذا عام يدخل فيه الممتنع لذاته من الجمع بين الضدين و كذلك دخل فى المقدو ر كما قال ذلك طائفة منهم إبن حزم و طائفة تقول هذا عام مخصو ص يخص منه الممتنع لذاته فإنه و إن كان شيئا فإنه لا يدخل فى المقدو ر كما ذكرذلك إبن عطية و غيره و كلا القو لين خطأ
و الصو اب هو القو ل الثالث الذى عليه عامة النظار و هو أن الممتنع لذاته ليس شيئا ألبتة و أن كانو ا متنازعين فى المعدو فإن الممتنع لذاته لايمكن تحققه فى الخارج و لا يتصوره الذهن ثابتا فى الخارج و لكن يقدر إجتماعهما فى الذهن ثم يحكم على ذلك بأنه ممتنع فى الخارج إذ كان يمتنع تحققه فى الأعيان و تصوره فى الأذهان إلا على و جه التمثيل بأن يقال قد تجتمع

(8/8)


الحركة و السكون فى الشىء فهل يمكن فى الخارج أن يجتمع السواد و البياض فى محل و احد كما تجتمع الحركة و السكو ن فيقال هذا غير ممكن فيقدر إجتماع نظيرالممكن ثم يحكم بإمتناعه و أما نفس إجتماع البياض والسواد فى محل و احد فلا يمكن و لا يعقل فليس بشيء لا فى الأعيان و لا فى الأذهان فلم يدخل فى قو له و هو على كل شىء قدير
المسأله الثانية أن المعدو ليس بشىء فى الخارج عند الجمهور و هو الصواب
وقد يطلقون أن الشىء هو الموجود فيقال على هذا فيلزم أن لايكون وقادرا إلا على موجود و ما لم يخلقه لايكون قادرا عليه و هذا قول بعض أهل البدع قالوا لا يكون قادرا إلا على ما أراده دون ما لم يرده و يحكى هذا عن تلميذ النظام و الذين قالوا إن الشىء هو الموجود من نظارالمثبتة كالأشعرى و من و افقه من أتباع الأئمة أحمد و غيرأحمد كالقاضى أبى يعلى و إبن الزاغو ني و غيرهما يقولون أنه قادر على الموجود فيقال أن هؤلاء أثبتوا ما لم تثبته الآية فالآية أثبتت قدرته على الموجود و هؤلاء قالوا هو قادر على المو جو د والمعدوم
والتحقيق أن الشىء إسم لما يو جد فى الأعيان و لما يتصور فى الأذهان فما قدره الله وعلم أنه سيكو ن هو شيء فى التقدير و العلم و الكتاب و أن لم يكن

(8/9)


شيئا فى الخارج و منه قو له إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقو ل له كن فيكو ن و لفظ الشىء فى الآية يتناو ل هذا و هذا فهو على كل شئ ما و جد و كل ماتصوره الذهن موجودا إن تصور أن يكون موجودا قدير لا يستثنى من ذلك شىء و لا يزاد عليه شئ كما قال تعالى بلى قادرين على أن نسوي بنانه و قال قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم و قد ثبت فى الصحيحين أنها لما نزلت قال النبى صلى الله عليه و سلم أعوذ بوجهك فلما نزل أو يلبسكم شيعا الآية قال هاتان أهون فهو قادرعلى الأولتين و إن لم يفعلهما و قال وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض و أنا على ذهاب به لقادرون
قال المفسرون لقادرون على أن نذهب به حتى تموتوا عطشا و تهلك مواشيكم و تخرب أراضيكم و معلوم أنه لم يذهب به و هذا كقوله أفرأيتم الماءالذى تشربون إلى قوله و تجعلون رزقكم إنكم تكذبون و هذا يدل على أنه قادر على مالا يفعله فإنه أخبر أنه لو شاء جعل الماءأجابا و هو لم يفعله و مثل هذا و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها و لو شاء ربك لآمن من فى الأرض و لو شاء الله ما إقتتلوا فإنه أخبر فى غير موضع أنه لو شاء لفعل أشياء و هو لم يفعلها فلو لم يكن قادرا عليها لكان إذا شاءها لم يمكن فعلها
المسألة الثالثة أنه على كل شىء قدير فيدخل فى ذلك

(8/10)


أفعال العباد و غير أفعال العباد و أكثر المعتزلة يقولون أن أفعال العبد غير مقدورة
المسألة الرابعة أنه يدخل فى ذلك أفعال نفسه و قد نطقت النصوص بهذا و هذا كقوله تعالى أوليس الذى خلق السموات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى بلى قادرين على أن نسوي بنانه و نظائره كثيرة
والقدرة على الأعيان جاءت فى مثل قوله ولقد خلقنا الإنسان أيحسب أن لن يقدر عليه أحد و جاءت منصوصا عليها فى الكتاب و السنة أما الكتاب فقوله فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون فبين أنه سبحانه يقدر عليهم أنفسهم و هذا نص فى قدرته على الأعيان المفعولة و قوله و ما أنت عليهم بجبار و لست عليهم بمسيطر و نحو ذلك و هو يدل بمفهومه على أن الرب هو الجبار عليهم المسيطر و ذلك يستلزم قدرته عليهم و قوله فظن أن لن نقدر عليه على قول الحسن و غيره من السلف ممن جعله من القدرة دليل على أن الله قادرعليه و على أمثاله و كذلك قول الموصي لأهله لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا من العالمين فلما حرقوه أعاده الله تعالى و قال له ماحملك على ماصنعت قال خشيتك يارب فغفر له و هو كان مخطئا فى قوله لئن قدرالله على ليعذبنى كما يدل عليه الحديث و أن الله

(8/11)


قدر عليه لكن لخشيته و إيمانه غفرالله له هذا الجهل و الخطأ الذى و قع منه
و قد يستدل بقوله ألم نخلقكم من ماء مهين الى وله فنعم القادرون على قول من جعله من القدرة فإنه يتناول القدرة على المخلوقين و إن كان سبحانه قادرا أيضا على خلقه فالقدرة على خلقه قدرة عليه و القدرة عليه قدرة على خلقه و جاء أيضا الحديث منصوصا فى مثل قول النبى صلى الله عليه و سلم لأبي مسعود لما رآه يضرب عبده لله أقدرعليك منك على هذا فهذا فيه بيان قدرة الرب على عين العبد و أنه أقدر عليه منه على عبده و فيه إثبات قدرة العبد
قد تنازع الناس فى قدرة الرب و العبد فقالت طائفة كلا النوعين يتناول الفعل القائم بالفاعل و يتناول مقدوره و هذا أصح الأقوال و به نطق الكتاب و السنة و هو أن كل نوع من القدرتين يتناول الفعل القائم بالقادر و مقدوره المباين له وقد تبين بعض مادل على ذلك فى قدرة الرب و أما قدرة العبد فذكر قدرته على الأفعال القائمة به كثيرة و هذا متفق عليه بين الناس الذين يثبتون للعبد قدرة مثل قوله فاتقوا الله ما إستطعتم فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا وسيحلفون بالله لو إستطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم الآية و قول النبى صلى الله عليه و سلم صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك

(8/12)


وأما المباين لمحل القدرة فمثل قوله وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها إلى قوله و أخرى لم تقدروا عليها الى قديرا فدل على أنهم قدروا على الأول و هذه يمكن أن يقدروا عليها و قتا آخر و هذه قدرة على الأعيان
وقوله وغدوا على حرد قادرين إلى قوله عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها الآية قال أبو الفرج و فى قوله قادرين ثلاثة أقوال
أحدها قادرين على جنتهم عند أنفسهم قاله قتادة قلت و هو قول مجاهد و قتادة رواه إبن أبى حاتم عنهما قال مجاهد قادرين فى أنفسهم و هذا الذى ذكره البغوي قادرين عند أنفسهم على جنتهم و ثمارها لا يحول بينهم و بينها أحد و عن قتادة قال غدا القوم و هم يحدون إلى جنتهم قادرين على ذلك فى أنفسهم
قال أبو الفرج و الثانى قادرين على المساكين قاله الشعبى أى على منهم و قيل على أعطائهم لكن البخل منعهم من الأعطاء و الله أعلم
و الثالث غدوا و هم قادرين أى و اجدون قاله إبن قتيبة
قلت الآية و صفتهم بأنهم غدوا على حرد قادرين فالحرد يرجع إلى القصد فغدوا بارادة جازمة و قدرة و لكن الله أعجزهم و قول من قال قادرين عند أنفسهم أى ظنوا أن الأمر يبقى كما كان و لو كان كذلك لتمت قدرتهم لكن سلبوا القدرة بإهلاك جنتهم

(8/13)


قال البغوي الحرد فى اللغة يكون بمعنى القصد و المنع و الغضب قال الحسن و قتادة و أبو العالية على جد و جهد و قال القرطبى و مجاهد و عكرمة على أمر مجتمع قد أسسوه بينهم قال و هذا على معنى القصد لأن القاصد إلى الشىء جاد مجمع على الأمر و قال أبو عبيدة و القتيبى غدوا من أنفسهم على حرد على منع المساكين يقول حاردت السنة إذا لم يكن لها مطر و حاردت الناقة على إذا لم يكن لها لبن و قال الشعبى و سفيان على حنق و غضب من المساكين و فى تفسيرالوالبى عن إبن عباس على قدرة
قلت الحرد فيه معنى العزم الشديد فإن هذا اللفظ يقتضى هذا و حرد السنة و الناقة لما فيه من معنى الشدة و كذلك الحنق و الغضب فيه شدة فكان لهم عزم شديد على أخذها و على حرمان المساكين و غدوا بهذا العزم قادرين ليس هناك ما يعجزهم و ما يمنعهم لكن جاءها أمر من السماء فأبطل ذلك كله و قيل الحرد هو الغيظ و الغضب و الله أعلم
و نظير هذا و هو صريح فى المطلوب أن القدرة تكون على الأعيان قوله تعال إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إلى قوله أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس الآية و قوله فظن أهلها أنهم قادرون عليها يبين أنه لولا الجائحة لكان ظنهم صادقا و كانوا قادرين عليها لكن لما أتاها أمر الله تبين خطأ الظن و لو لم يكونوا قادرين عليها لافى سلامتها و لا فى حال عطبها لم يكن الله أبطل ظنهم بما أحدثه

(8/14)


من الإهلاك و هؤلاء لم يكونوا ذهبوا ليحصدوا بل سلبوا القدرة عليها و هى القدرة التامة فإنتفت لإنتفاء المحل القابل لا لضعف من الفاعل و فى تلك قال على حرد قادرين و لم يقل قادرين عند أنفسهم فإن كان كما قاله من قال عند أنفسهم فالمعنى و احد و إن أريد بكونهم قادرين أى ليس فى أنفسهم ماينافى القدرة كالمرض و الضعف و لكن بطل محل القدرة كالذي يقدر على النقد و الرزق و لا شىء عنده
وقوله تعالى مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد إشتدت به الريح فى يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد فهم في هذه الحال لا يقدرون مما كسبوا على شيء فدل على أنهم فى غير هذا يقدرون على ما كسبوا و كذلك غيرهم يقدر على ماكسب فالمراد بالمكسوب المال المكسوب
وقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء و من رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا و جهرا فلما ذكر فى المملوك أنه لا يقدر على شيء ومقصوده أن الآخر ليس كذلك بل هو قادر على مالا يقدر عليه هذا و هو إثبات الرزق الحسن مقدورا لصاحبه و صاحبه قادر عليه و بهذا ينطق عامة العقلاء يقولون فلان يقدرعلى كذا و كذا و فلان يقدر على كذا و كذا و مقدرة هذا دون مقدرة هذا

(8/15)


ومما يبين ذلك أن الملك نائب للعباد على ما ملكهم الله إياه و الملك مستلزم للقدرة فلا يكون مالكا إلا من هو قادرعللى التصرف بنفسه أو بوليه أو و كيله و العقد و المنقول مملوك لمالكه فدل على أنه مقدور له و قد قال موسى رب إنى لا أملك إلا نفسى و أخي لما كان قادرا على التصرف فى أخيه لطاعته له جعل ذلك ملكا له و قال تعالى فهم لها مالكون و قال تعالى وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين أى مطيقين فدل على أنهم صاروا مقرنين مطيقين لما سخرها لهم فهو معنى قوله فهم لها مالكون و قد قال تعالى فما إسطاعوا أن يظهروه و ما إستطاعوا له نقبا فدل على أنهم لو نقبوا ذلك لكانوا قد إستطاعوا النقب و النقب ليس هو حركة أيديهم بل هو جعل الشيء منقوبا فدل على أن ذلك النقب مقدور للعباد
وأيضا فالقرآن دل على أن المفعولات الخارجة مصنوعة لهم و ما كان مصنوعا لهم فهو مقدرو بالضرورة و الإتفاق و المنازع يقول ليس شئ خارجا عن محل قدرتهم مصنوعا لهم و هذا خلاف القرآن قال تعالى لنوح و اصنع الفلك بأعيننا و وحينا و قال و يصنع الفلك و قد أخبر أن الفلك مخلوقة مع كونها مصنوعة لبنى آدم و جعلها من آياته فقال و آية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون وسخرلكم مافى الأرض و الفلك تجرى فى البحر بأمره و جعل لكم من الفلك و الأنعام ماتركبون و قال أتعبدون ماتنحتون و الله خلقكم و ماتعملون

(8/16)


فجعل الأصنام منحوتة معمولة لهم و أخبر أنه خالقهم و خالق معمولهم فإن ما ههنا بمعنى الذى و المراد خلق ما تعملونه من الأصنام و إذا كان خالقا للمعمول و فيه أثر الفعل دل على أنه خالق لأفعال العباد و أما قول من قال إن ما مصدرية فضعيف جدا
وقال تعالى و دمرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون و إنما دمر مابنوه و عرشوه فأما الأعراض التى قامت بهم فتلك فنيت قبل أن يغرقوا و قوله وما كانوا يعرشون دليل على أن العروش مفعول لهم هم فعلوا العرش الذى فيه و هو التأليف و مثل قوله أتبنون بكل ريع آية تعبثون يدل على أن المبني هم بنوه حيث قال أتبنون و كذلك قوله و تنحتون من الجبال بيوتا هو كقوله أتعبدون ما تنحتون و قوله جابوا الصخر بالواد دل على أنهم جابوا الصخر أي قطعوه
ومنه قوله تعالى فإذا إنسلخ الأشهرالحرم فاقتلوا المشركين فأمر بقتلهم و الأمر إنما يكون بمقدرو العبد فدل على أن القتل مقدور له و هو الفعل الذى يفعله فى الشخص فيموت و هو مثل الذبح و منه قوله إلا ما ذكيتم و قوله لاتقتلوا الصيد و قوله و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم يدل على أن الصيد مقتول للآدمى الذى قتله بخلاف قوله فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم فإنه مثل قوله و ما رميت إذ رميت

(8/17)


و لكن الله رمى فإن قتلهم حصل بأمور خارجة عن قدرتهم مثل إنزال الملائكة و إلقاء الرعب فى قلوبهم وكذلك الرمي لم يكن فى قدرته أن التراب يصيب أعينهم كلهم و يرعب قلوبهم فالرمى الذى يجعله الله خارجا عن قدرة العبد المعتاد هو الرمي الذي نفاه الله عنه
قال أبو عبيد ماظفرت أنت و لا أصبت و لكن الله ظفرك و أيدك و قال الزجاج مابلغ رميك كفا من تراب أو حصا أن يملا عيون ذلك الجيش الكثير إنما الله تولى ذلك و ذكر إبن الأنبارى ما رميت قلوبهم بالرغب إذ رميت و جوههم بالتراب و لهذا كان هذا أمر خارجا عن مقدوره فكان من آياته نبوته
وقيل بل الرب تعالى لايقدر إلا على المخلوق المنفصل لا يقوم به فعل يقدر عليه و العبد لايقدر إلا على مايقوم بذاته لايقدر على شيء منفصل عنه و هذا قول الأشعرى و من و افقه من أتباع الأئمة كالقاضى أبى يعلى و إبن عقيل و إبن الزاغوني و غيرهم
وقيل أن العبد يقدرعلى هذا و هذا و الرب لايقدر إلا على المنفصل و هو قول المعتزلة و قيل أن كليهما يقدر على ما يقوم به دون المنفصل و ما علمت أحدا قال كلاهما يقدرعلى المنفصل دون المتصل
المسألة الخامسة أن القدة هى قدرته على الفعل و الفعل نوعان

(8/18)


لازم و متعد و النوعان فى قوله وهو الذى خلق السموات و الأرض فى ستة أيام ثم إستوى على العرش فالإستواء و الإتيان و المجيء و النزول و نحو ذلك أفعال لازمة لاتتعدى إلى مفعول بل هى قائمة بالفاعل و الخلق و الرزق و الإمانة و الإحياء و الإعطاءوالمنع و الهدى و النصر و التنزيل و نحو ذلك تتعدى إلى مفعول
والناس فى هذين النوعين على ثلاثة أقوال
منهم من لايثبت فعلا قائما بالفاعل لا لازما و لا متعديا أما اللازم فهو عنده منتف و أما المتعدى كالخلق فيقول الخلق هو المخلوق أو معنى غير المخلوق و هذا قول الجهمية و المعتزلة و من إتبعهم كالأشعرى و متبعيه و هذا أول قولي القاضى أبى يعلى و قول إبن عقيل
وكثير من المعتزلة يقولون الخلق هو المخلوق و آخرون يقولون هو غيره لكن يقولون بأن الخلق له خلق آخر كما يقوله معمر بن عباد و يسمون أصحاب المعاني المتسلسلة و منهم من يقول الخلق هو نفس الإرادة كما يقوله من يقوله من بعض المعتزلة من أهل البصرة
و القول الثاني أن الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم فيقولون الخلق قائم بنفسه ليس هو المخلوق و هم على قولين

(8/19)


منهم من جعل ذلك الفعل حادثا و منهم من يجعله قديما فيقول التخليق و التكوين قديم أزلي و هؤلاء منهم من يجعل عين التخليق شيئا و احدا هو قديم و المخلوقين مادته و لكنه قديم أزلي و لا يثبتون نزولا قائما بنفسه و لا إستواء لأن هذه حوادث و هذا قول الكلابية الذين يقولون فعله قديم مثل كلامه كما قال أصحاب إبن خزيمة و هو قول كثير من الخنفية و الحنبلية و المالكية و الشافعية و منهم من يجعل القديم هو النوع و أفراده حادثة فعلى هذا القول يكون الفعل نفسه مقدورا و أما على قول من يجعله شيئا معينا فهؤلاءإن قالوا قديم تناقضوا و لزمهم أن يكون القديم المعين مقدورا و إن قالوا هو غير مقدور تناقضوا لأن الفعل يجب أن يكون مقدورا و الله أعلم
و القول الثالث إثبات الفعلين اللازم و المعتدى كما دل عليه القرآن فنقول إنه كما أخبر عن نفسه أنه خلق السموات و الأرض فى ستة أيام ثم إستوى على العرش و هو قول السلف و أئمة السنة و هو قول من يقول إنه تقوم به الصفات الإختيارية كأصحاب أبى معاذ و زهير البابى و داود بن علي و الكرامية و غيرهم من الطوائف و إن كانت الكرامية يقولون بأن النزول و الإتيان أفعال تقوم به و هؤلاء يقولون يقدر على أن يأتى و يجيء و ينزل و يستوى و نحو ذلك من الأفعال كما أخبر عن نفسه و هذا هو الكمال

(8/20)


وقد صرح أئمة هذا القول بأنه يتحرك كما ذكر ذلك حرب الكرمانى عن أهل السنة و الجماعة و سمى منهم أحمد بن حنبل و سعيد بن منصور و إسحاق بن إبراهيم وغيرهم و كذلك ذكره عثمان بن سعيد الدارمي عن أهل السنة و جعل نفي الحركة عن الله عزوجل من أقوال الجهمية التى أنكرها السلف و قال كل حي متحرك و مالا يتحرك فليس بحي و قال بعضهم إذا قال لك الجهمى أنا كافر برب يتحرك فقل أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء
وهؤلاء يقولون من جعل هذه الأفعال غير ممكنة و لا مقدورة له فقد جعله دون الجماد فإن الجماد و إن كان لايتحرك بنفسه فهو يقبل الحركة فى الجملة و هؤلاء يقولون إنه تعالى لايقبل ذلك بوجه و لا تمكنه الحركة و الحركة و الفعل صفة كمال كالعلم و القدرة و الإرادة فالذين ينفقون تلك الصفات سلبوه صفات الكمال فكذلك هؤلاء الكلابية
وأولئك نفاة الصفات إذا قيل لهم لو لم يكن حيا عليما سميعا بصيرا متكلما للزوم أن يكون ميتا جاهلا أصم أعمى أخرس و هذه نقائص يجب تنزيهه عنها فإنه سبحانه قد خلق من هو حى سميع بصير متكلم عالم قادر متحرك فهو أولى بأن يكون كذلك فإن كل كمال فى المخلوق المعلول فهو من كمال الخالق الذى يسمونه علة فاعلية

(8/21)


و أيضا فالقديم الواجب بنفسه أكمل من المحدث فيمتنع أن يختص الناقص بالكمال قالوا و أما الجماد فلا يسمى حيا و لا ميتا و قد ذكرنا فى غير موضع الجواب عن هذه بأجوبة
أحدها أن قولهم إن الجماد لايسمى حيا و إنما يسمى ميتا ما كان قابلا للحياة هو إصطلاح و إلا فالقرآن قد سمى الجماد ميتا فى غير موضع كقوله تعالى و الذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا و هم يخلقون أموات غيرأحياءوما يشعرون الآية فسمى الأصنام أمواتا و هى حجارة و قال و آية لهم الأرض الميتة أحييناها
الوجه الثانى لانسلم إمتناع قبول هذه الحياة بل الرب تعالى قد جعل الجمادات قابلة للحياة و لا يمتنع قبولها لها فإن الله تعالى قد جعل عصى موسى حية تسعى فدل على أن الخشب يمكن أن يكون حيوانا موسى لما إغتسل جعل ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه و قد أحيا الله الحوت المشوي الذى كان معه و مع فتاه و قد سبح الحصا و الطعام سبح و هو يؤكل و كان حجر يسلم على النبى صلى الله عليه و سلم و حن الجذع و الجبال سبحت مع داود و نظائر هذا كثيرة و قد قال تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده
الوجه الثالث أن يقال هب أنه لا يوصف بالموت إلا ماقبل الحياة فمعلوم أن ماقبل الحياة أكمل ممن لا يقبلها فالجنين فى بطن أمه قبل أن ينفخ

(8/22)


فيه الروح أكمل من الحجر و قد قال تعالى وكنتم أمواتا فأحياكم فالجنين يمكن أن يصير حيا فى العادة ناطقا نطقا يسمعه الإنسان السماع المعتاد فهو أكمل من الحجر والتراب
و أيضا فيقال لهم رب العالمين إما أن يقبل الإتصاف بالحياة و العلم و نحو ذلك و إما أن لا يقبل فإن لم يقبل ذلك و لم يتصف به كان دون الأعمى الأصم الأبكم و إن قبلها و لم يتصف بها كان ما يتصف بها أكمل منه فجعلوه دون الإنسان و البهائم و هكذا يقال لهم فى أنواع الفعل القائم به كالإتيان و المجيء و النزول و جنس الحركة إما أن يقبل ذلك و إما أن لايقبله فإن لم يقبله كانت الأجسام التى تقبل الحركة و لم تتحرك أكمل منه و أن قبل ذلك و لم يفعله كان ما يتحرك أكمل منه فإن الحركة كمال للمتحرك و معلوم أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك و ما يقبل الحركة أكمل ممن لايقبلها
والنفاة عمدتهم أنه لو قبل الحركة لم يخل منها و بلزم و جود حوداث لا تتناهى ثم إدعوا نفى ذلك و فى نفيه نقائص لا تتناهى و المثبتون لذلك يقولون هذا هو الكمال كما قال السلف لم يزل الله متكلما إذا شاء كما قال ذلك إبن المبارك و أحمد بن حنبل غيرهما و ذكر البخارى عن نعيم بن حماد أنه قال الحى هو الفعال و ما ليس بفعال فليس بحي و قد عرف

(8/23)


بطلان قول الجهمية و غيرهم بإمتناع دوام الفعل و الحوادث كما قد بسط في غير هذا الموضع
والمقصود ههنا أن هؤلاء لا يجعلونه قادرا على هذه الأفعال و هى أصل الفعل فلا يكون على شيء قدير على قولهم بل و لا على شي و قد قال و ما قدروا الله حق قدره قال إبن عباس فى رواية الوالبي عنه هذه فى الكفار فأما من آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره
وذكروا فى قوله ما قدروا الله حق قدره ماعر فوه حق معرفته و ما عظموه حق عظمته و ما و صفوه حق صفته و هذه الكلمة ذكرها الله فى ثلاثة مواضع في الرد على المعطلة و على المشركين و على من أنكر إنزال شيء على البشر فقال في الأنعام و ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ماأنزال الله على بشرمن شيء و قال فى الحج إن الذين تدعون من دون الله إلى قوله تعالى و ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز و قال فى الزمر ما قدروا الله حق قدره و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالى عما يشركون
وقد ثبت فى الصحيحين من حديث إبن مسعود أن حبرا من اليهود قال للبنى صلى الله عليه و سلم يامحمد إن الله يوم القيامة يجعل السموات على

(8/24)


أصبع و الأرض على أصبع و الجبال و الشجر على أصبع و الماء والثرى و سائر الخلق على أصبع ثم يهزهن و يقول أنا الملك قال فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم تصديقا لقول الحبر ثم قرأ و ما قدروا الله حق قدره الآية و فى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يقبض الله الأرض يوم القيامة و يطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ثم يقول إين الجبارون إين المتكبرون و كذلك فى الصحيحين من حديث إبن عمر يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيدة اليمنى ثم يقول أنا الملك إين الجبارون إين المتكبرون و في لفظ لمسلم قال يأخذ الجبار تبارك و تعالى سمواته و أرضه بيديه جميعا فجعل يقبضهما و يبسطهما ثم يقول أنا الملك أنا الجبار و أنا الملك أين الجبارون و أين المتكبرون و يميل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن يمينه و عن شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى أنى لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه و سلم
وفى السنن عن عوف بن مالك الأشجعى قال قمت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لايمر بآية رحمة إلا و قف فسأل و لا يمر بآية عذاب إلا و قف و تعوذ قال ثم ركع بقدر قيامه يقول فى ركوعه سبحان ذي الجبروت و الملكوت و الكبرياء و العظمة ثم يسجد بقدر قيامه ثم قال فى سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ سورة رواه أبو داود و النسائى و الترمذي فى الشمائل فقال في هذا الحديث سبحان

(8/25)


ذي الجبروت و الملكوت و الكبرياء و العظمة و هذه الأربعة نوزع الرب فيها كما قال أين الملوك أين الجبارون أين المتكبرون و قال عز و جل العظمة إزاري و الكبرياء ردائى فمن نازعني و احدا منهما عذبته
ونفاة الصفات ما قدروا الله حق قدره فإنه عندهم لا يمسك شيئا و لا يقبضه و لايطويه بل كل ذلك ممتنع عليه و لايقدر على شيء من ذلك و هم أيضا فى الحقيقة يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء لوجهين
أحدهما أن الإنزال إنما يكون من علو و الله تعالى عندهم ليس فى العلو فلم ينزل منه شيء و قد قال تعالى و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إلى غير ذلك و قولهم أنه خلقه فى مخلوق و نزل منه باطل لأنه قال منزل من ربك و لم يجيء هذا فى غير القرآن و الحديد ذكر أنه أنزله مطلقا و لم يقل منه و هو منزل من الجبال و المطر أنزل من السماء و المراد أنه أنزله من السحاب و هو المزن كما ذكر ذلك فى قوله أأتتم أنزلتموه من المزن
و الثانى أنه لو كان من مخلوق لكان صفة له و كلاما له فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل و لأن الله لا يتصف بالمخلوقات و لو إتصف بذلك لاتصف بأنه مصوت إذا خلق الأصوات و متحرك إذا خلق الحر كات فى غيره إلى غير ذلك إلى أن قال فقد تبين أن الجهمية ما قدروا

(8/26)


الله حق قدره وأنهم داخلون فى هذه الآية و أنهم لم يثبتوا قدرته لا على فعل و لا على الكلام بمشيئته و لا على نزوله و على إنزاله منه شيئا فهم من أبعد الناس عن التصديق بقدرة الله و أنه إلى كل شيء قدير و إذا لم يكن قديرا لم يكن قويا و يلزمهم أنه لم يخلق شيئا فيلزمهم الدخول فى قوله ضعف الطالب و المطلوب ماقدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز
فهم ينفون حقيقة قدرته فى الأزل و حقيقة قولهم أنه صار قادرا بعد أن لم يكن و القدرة التى يثبتونها لاحقيقة لها
وهذا أصل مهم من تصوره عرف حقيقه الأقوال الباطلة و ما يلزمها من اللوازم وعرف الحق الذى دل عليه صحيح المنقول و صريح المعقول لاسيما فى هذه الأصول التى هي أصول كل الأصول والضالون فيها لما ضيعوا الأصول حرموا الوصول و قد تبين أنه كلما تحققت الحقائق و أعطى النظر و الإستدلال حقه من التمام كان مادل عليه القرآن هو الحق و هو الموافق للمعقول الصريح الذي لم يشتبه بغيره مما يسمى معقولا و هو مشتبه مختلط كما قال مجاهد فى قوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا قال هم أهل البدع و الشبهات فهم فى أمور مبتدعة فى الشرع مشتبهة في العقل
والصواب هو ما كان موافقا للشرع مبينا في العقل فإن الله سبحانه أخبر أن القرآن منزل منه و أنه تنزيل منه و أنه كلامه و أنه قوله و أنه كفرمن قال أنه قول البشر و أخبر أنه قول رسول كريم من الملائكة و رسول كريم

(8/27)


من البشر و الرسول يتضمن المرسل فبين أن كلا من الرسولين بلغه لم يحدث هو منه شيئا و أخبر أنه جعله قرآنا عربيا و قال عما ينزل منه جديدا بعد نزول غيره قديما مايأيتهم من ذكر من ربهم محدث و أخبر أن للكلام المعين و قتا معينا كما قال تعالى فلما أتاها نودى ياموسى و قال و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة أسجدوا لآدم
والذين قالوا أنه مخلوق ليس معهم حجة إلا ما يدل أنه تكلم بمشيئته و قدرته و هذا حق لكن ضموا إلى ذلك أن ما كان بمشيئته لا يقوم بذاته فغلطوا و لبسوا الحق بالباطل فضموا ما نطق به القرآن الموافق للشرع و العقل إلى ما أحدثوه من البدع و الشبهات وكذلك الذين قالوا أنه قديم ليس معهم إلا ما يدل على أنه قائم بذاته لكن ضموا إلى ذلك أن ما يقوم بذاته لايكون بمشيئته و قدرته فأخطأوا فى ذلك و لبسوا الحق بالباطل و أولئك فسروا قوله جعلناه قرآنا عربيا بأنه جعله بائنا عنه مخلوقا و قالوا جعل بمعنى خلق و هؤلاء قالوا جعلناه سميناه كما فى قوله و جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا و هذا إنما يقال فيمن إعتقد فى الشيء صفة حقا أو باطلا إذا كانت الصفة خفية فيقال أخبر عنه بكذا و كون القرآن أمر ظاهر لا يحتاج إلى الإخبار ثم كل من أخبر بأنه عربي فقد جعله عربيا بهذا الإعتبار و الرب تعالى إختص بجعله عربيا فإنه

(8/28)


هو الذى تكلم به و أنزله فجعله قرآنا عربيا بفعل قام بنفسه و هو تكلم به و إختاره لأن يتكلم به عربيا عن غير ذلك من الألسنة باللسان العربى و أنزله به
ولهذا قال أحمد الجعل من الله قد يكون خلقا و قد يكون غير خلق فالجعل فعل والفعل قد يكون متعديا إلى مفعول مباين له كالخلق و قد يكون الفعل لازما و إن كان له مفعول فى اللغة كان مفعول قائما بالفعل مثل التكلم فإن التكلم فعل يقول بالمتكلم و الكلام نفسه قائم بالمتكلم فهو سبحانه جعله قرآنا عربيا فالجعل قائم به و القرآن العربى قائم به فإن الكلام يتضمن شيئين
يتضمن فعلا هو التكلم و الحروف المنظومة و الأصوات الحاصلة بذلك الفعل و لهذا يجعل القول تارة نوعا من الفعل و تارة قسيما للفعل كما قد بسطت هذه الأمور فى غير هذا الموضع و الله أعلم
وقد ذكرت فى غير هذا الموضع أنه ماإحتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل إلا و ذلك الدليل إذا أعطى حقه و ميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به و أنه دليل لأهل الحق و أن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلوها إلا حقا و الحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا و الله أعلم
المسألة السادسة دوام كونه قادرا فى الأزل و الأبد فإنه قادر و لا

(8/29)


يزال قادرا على مايشاؤه بمشيئته فلم يزل متكلما إذا شاء و كيف شاء و هذا قول السلف و الأئمة كإبن المبارك و أحمد
إلى أن قال و فى صحيح البخاري تعليقا عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل إبن عباس عن قوله و كان الله غفورا رحيما و كان الله عزيزا حكيما و كان الله سميعا بصيرا فكأنه كان فمضى فقال إبن عباس قوله و كان الله و كان الله فإنه يجل نفسه عن ذلك و سمى نفسه بذلك لم يجله أحد غيره و كان أي لم يزل كذلك رواه عبد بن حميد فى تفسيره مسندا موصولا و رواه إبن المنذر أيضا فى تفسيره و هذا لفظ رواية عبد
والمقصود هنا التنبيه على تنازع الناس فى مسألة القدرة و فى الحقيقة أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة و لا يثبته قادرا فالجهمية و من إتبعهم و المعتزلة و القدرية المجبرة و النافية حقيقة قولهم أنه ليس قادرا و ليس له الملك فإن الملك إما أن يكون هو القدرة أو المقدور أو كلاهما و على كل تقديرفلابد من القدرة فمن لم يثبت له القدرة حقيقة لم يثبت له ملكا كما لايثبتون له حمدا
إلى أن قال و أيضا فالقديم الأزلي القيوم الصمد الواجب الوجود بنفسه الغني عن كل ماسواه و كل ماسواه فقير إليه أحق بالكمال من الممكن المحدث المفتقر فيمتنع أن يكون هذا قادرا على الكلام و الفعل و القيوم

(8/30)


الصمد ليس قادرا على الفعل و الكلام إلى أن قال
والمقصود هنا أنه سبحانه عدل لا يظلم و عدله إحسان إلى خلقه فكلما خلقه فهو إحسان إلى عباده و لهذا كان مستحقا للحمد على كل حال و لهذا ذكر فى سورة النجم أنواعا من مقدوراته ثم قال فبأي آلاء ربك تتمارى فدل على أن هذه الأنعم مثل إهلاك الأمم المكذبة للرسل فإن فى ذلك من الدلالة على قدرته و حكمته و نعمته على المؤمنين و نصره للرسل و تحقيق ما جاؤا به و أن السعادة فى متابعتهم و الشقاوة فى مخالفتهم ما هو من أعظم النعم
وكذلك ماذكره فى سورة الرحمن و كل مخلوق هو من آلائه من و جوه منها أنه يستدل به عليه و على توحيده و قدرته و غير ذلك و أنه يحصل به الإيمان و العلم و ذكر الرب وهذه النعمة أفضل ما أنعم الله به على عباده فى الدينا و كل مخلوق يعين عليها و يدل عليها هذا مع مافى المخلوقات من المنافع لعباده غيرالإستدلال بها فإنه سبحانه يقول فبأى آلاء ربكما تكذبان لما يذكر ما يذكره من الآية و قال فبأي آلا ربك تتمارى و الآلاء هي النعم و النعم كلها من آياته الدالة على نفسه المقدسة و وحدانيته و نعوته و معاني أسمائه فهي آلاء آيات و كل ما كان من آلائه فهو من آياته و هذا ظاهر و كذلك كل ما كان من آياته فهو من آلائه فإنه يتضمن التعريف و الهداية و الدلالة على الرب تعالى و قدرته و حكمته و رحمته و دينه و الهدى أفضل النعم

(8/31)


و أيضا ففيها نعم و منافع لعباده غير الإستدلال كما فى خلق الشمس و القمر و السحاب و المطر و الحيوان و النبات فإن هذه كلها من آياته و فيها نعم عظيمة على عباده غير الإستدلال فهى توجب الشكر لما فيها من النعم و توجب التذكر لما فيها من الدلالة قال تعالى و هو الذي جعل الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا و قال تبصرة و ذكرى لكل عبد منيب فإن العبد يدعوه إلى عبادة الله داعي الشكر و داعي العلم فإنه يشهد نعم الله عليه و ذاك داع إلى شكرها و قد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها و الله تعالى هو المنعم المحسن الذي ما بالعباد من نعمة فمنه و حده كما في الحديث من قال إذا أصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك و حدك لاشريك لك فقد أدى شكر ذلك اليوم و من قال ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة رواه أبو حاتم و إبن حبان في صحيحه من حديث إبن عباس و في حديث آخر من قال الحمد لله ربي لاأشرك به شيئا أشهد أن لا إله إلا الله
وقد ذم سبحانه من كفر بعد إيمانه كما قال قل من ينجيكم من ظلمات البر و البحر الآية فهذا فى كشف الضر و في النعم قال و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون أى شكرتم و شكر مارزقكم الله و نصيبكم تجعلونه تكذيبا و هو الأستسقاء بالأنواء كما ثبت فى حديث إبن عباس الصحيح قال مطر

(8/32)


الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال صلى الله عليه و سلم أصبح من الناس شاكر و منهم كافر قالوا هذه رحمة الله و قال بعضهم لقد صدق نوء كذا و كذا قال فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون رواه مسلم
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أنزل من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث فيقول الكوكب كذا و كذا و فى لفظ له بكوكب كذا و كذا و فى الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الصبح على أثر سماء كانت من الليل قال أتدرون ماذا قال ربكم قالوا الله و رسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر فمن قال مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب و من قال مطرنا بنوء كذا و كذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب و هذا كثير جدا في الكتاب و السنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره و يشركه به قال بعض السلف هو كقوله كانت الريح طيبة و الملاح حاذقا
ولهذا قرن الشكر بالتوحيد فى الفاتحة و غيرها أولها شكر و أوسطها توحيد و فى الخطب المشوعة لابد فيها من تحميد و توحيد و هذان هما ركن فى كل خطاب ثم بعد ذلك يذكر المتكلم من مقصوده ما يناسب من الأمر و النهيى و الترغيب و الترهيب و غير ذلك

(8/33)


وقوله لا إله إلا الله و حده لا شريك له له الملك و له الحمد يتضمن التوحيد و التحميد و كذلك كان يقول عقب الصلاة لا إلله إلا لله و لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين و لو كره الكافرون و هو سبحانه يفتتح خطابه بالحمد و يختم الأمور بالحمد و أول ما خلق آدم كان أول شيء أنطقه به الحمد فإنه عطس فأنطقه بقوله الحمد لله فقال له يرحمك ربك يا آدم و كان أول ما تكلم به الحمد و أول ماسمعه الرحمة
وهو يختم الأمور بالحمد كقوله و قضى بينهم بالحق و قيل الحمد لله رب العالمين فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين و هو سبحانه له الحمد فى الأولى و الآخرة و له الحكم و إليه ترجعون
و التوحيد أول الدين و آخره فأول مادعا إليه الرسول صلى الله عليه و سلم شهادة أن لا إله إلا الله و قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدون أن لا إله إلا الله و قال لمعاذ إنك تأتى قوما أهل الكتاب فليكن أول ماتدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و ختم الأمر بالتوحيد فقال فى الصحيح من رواية مسلم عن عثمان من مات و هو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة و فى الحديث الصحيح من رواية مسلم عن أبى هريرة لقنوا موتاكم لا إله إلا الله و فى السنن من حديث معاذ من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة و فى المسند إني لاعلم كلمة لايقولها عبد

(8/34)


حين الموت إلا و جد روحه لها روحا و هي الكلمة التى عرضها على عمه عند الموت
فهو سبحانه جعل الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد مشكور فيتذكر الآيات المثبتة للعلم و الإيمان فإذا عرف آلاء الله شكره على آلائه و كلاهما متلازمان فالآيات و الآلاء متلازمان ما كان من الآلاء فهو من الآيات و ما كان من الآيات فهو من الآلاء و كذلك الشكر و التذكر متلازمان فإن الشاكر إنما يشكر بحمده و طاعته و فعل ما أمر به و ذلك إنما يكون بتذكر ما تدل عليه آيانه من أسمائه و ممادحه و من أمره و نهيه فيثنى عليه بالخير و يطاع فى الأمر هذا هو الشكر و لابد فيهما من التذكر و التذكر إذا تذكر آياته عرف مافيها من النعمة و الإحسان فآياته تعم المخلوقات كلها و هى خير و نعم و إحسان
فكل ماخلقه سبحانه فهو نعمة على عباده و هو خير وهو سبحانه بيده الخير والخير بيديه و فى دعاء القنوت و نثني عليك الخير كله و فى دعاءالإستفتاح والخير بيديك و الشر ليس إليك
وكل ماخلقه الله فله فيه حكمة كما قال صنع الله الذي أتقن كل شيء و قال الذى أحسن كل شيء خلقه و هو سبحانه غنى عن العالمين فالحكمة تتضمن شيئين
أحدهما حكمة تعود إليه يحبها و يرضاها

(8/35)


و الثانى إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها و يلتذون بها و هذا فى المأمورات و فى المخلوقات
أما فى المأمورات فإن الطاعة هو يحبها و يرضاها و يفرح بتوبة التائب أعظم فرح يعرفه الناس فهو يفرح أعظم مما يفرح الفاقد لزاده و راحلته فى الأرض المهلكة إذا و جدها بعد اليأس كما أنه يغار أعظم من غيرة العباد و غيرته أن يأتى العبد ما حرم عليه فهو يغار إذا فعل العبد ما نهاه و يفرح إذا تاب و رجع إلى ما أمره به و الطاعة عاقبتها سعادة الدنيا و الآخرة و ذلك مما يفرح به العبد المطيع فكان فيما أمر به من الطاعات عاقبته حميدة تعود إليه و إلى عباده ففيها حكمة له و رحمة لعباده قال تعالى ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تومنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار و مساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم و أخرى تحبونها نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين
ففى الجهاد عاقبة محمودة للناس فى الدنيا يحبونها و هي النصر و الفتح و فى الآخرة الجنة و فيه النجاة من النار و قد قال فى أول السورة إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فهو يحب ذلك ففيه حكمة عائدة إلى الله تعالى و فيه رحمة للعباد و هى ما يصل إليهم من النعمة في الدنيا

(8/36)


و الآخرة هكذا سائر ما أمر به و كذلك ما خلقه خلقه لحكمة تعود إليه يحبها و خلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها
والناس لما تكلموا فى علة الخلق و حكمته تكلم كل قوم بحسب علمهم فأصابوا و جها من الحق و خفي عليهم و جوه أخرى
وهكذا عامة ما تنازع فيه الناس يكون مع هؤلاء بعض الحق و قد تركوا بعضه و كذلك مع الآخرين و لا يشتبه على الناس الباطل المحض بل لا بد أن يشاب بشيء من الحق فلهذا لا يزالوا مختلفين إلا من رحم ربك فإنهم هم الذين آمنوا بالحق كله و صدقوا كل طائفة فيما قالوه من الحق فهم جاءوا بالصدق و صدقوا به فلا يختلفون
ولأهل الكلام هنا ثلاثة أقوال لثلاث طوائف مشهورة و قد و افق كل طائفة ناس من أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبى حنيفة و مالك و الشافعى و أحمد
القول الأول قول من نفى الحكمة و قالوا هذا يفضى إلى الحاجة فقالوا يفعل ما يشاء لا لحكمة فأثبتوا له القدرة و المشيئة و أنه يفعل ما يشاء و هذا تعظيم و نفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة و هذا قول الأشعرى و أصحابه و من و افقهم كالقاضي أبى يعلى و إبن الزاغوني و الجوينى

(8/37)


و الباجي و نحوهم و هذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان و من إتبعه من المجبرة
والفلاسفة لهم قول أبعد من هذا و هو أن مايقع من عذاب النفوس و غير ذلك من الضرر لايمكن دفعه فإنهم يقولون أنه موجب بذاته و كل ما يقع هو من لوازم ذاته و لو قالوا أنه موجب بمشيئته و قدرته لما يفعله لكانوا قد أصابوا و قد قالوا أيضا الشر يقع فى العالم مغلوبا مع الخير فى الوجود و هذا صحيح لكن هذا يستلزم أن يكون الخالق قد خلق لحكمة معلومة تسلم و لا تعد و إلا فمع إنتفاء هذين يبقى الكلام ضائعا ففي قول كل طائفة نوع من الحق و نوع من الباطل فهذه أربعة أقوال
والقول الأول قول الأئمة و هو أن له حكمة فى كل ما خلق بل له فى ذلك حكمة و رحمة
و القول الثانى أى من الثلاثة التى لأهل الكلام أنه يخلق و يأمر لحكمة تعود إلى العباد و هو نفعهم و الإحسان إليهم فلم يخلق و لم يأمر إلا لذلك و هذا قول المعتزلة و غيرهم ثم من هؤلاء من تكلم فى تفصيل الحكمة فأنكر القدر و وضع لربه شرعا بالتعديل و التجويز و هذا قول القدرية و منهم من أقر بالقدر و قال لله حكمة خفيت علينا و هذا قول إبن عقيل

(8/38)


و غيره من المثبتين للقدر فهم يوافقون المعتزلة على إثبات حكمة ترجع إلى المخلوق لكن يقرون مع ذلك بالقدر
و القول الثالث قول من أثبت حكمة تعود الى الرب لكن بحسب علمه فقالوا خلقهم ليعبدوه و يحمدوه و يثنوا عليه و يمجدوه و هم من خلقه لذلك و هم من و جد منه ذلك فهو مخلوق لذلك و هم المؤمنون و من لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقا له قالوا و هذه حكمة مقصودة و هى و اقعة بخلاف الحكمة التى أثبتتها المعتزلة فإنهم أثبتوا حكمة هى نفع العباد ثم قالوا خلق من علم أنه لا ينتفع بالخلق بل يتضرر به فتناقضوا و نحن أثبتنا حكمة علم أنها تقع فوقعت و هى معرفة عباده المؤمنين به و حمدهم له و ثناؤهم عليه و تمجيدهم له و هذا و اقع من المؤمنين
قالوا و قد يخلق من يتضرر بالخلق لنفع الآخرين و فعل الشر القليل لأجل الخير الكثير حكمة كإنزال المطر لنفع العباد و إن تضمن ضررا لبعض الناس قالوا و فى خلق الكفار و تعذيبهم إعتبار للمؤمنين و جهاد و مصالح و هذا القول إختيار القاضى أبى حازم بن القاضى أبى يعلى ذكره فى كتابه أصول الدين الذى صنفه على كتاب محمد بن الهيصم الكرامي
قالوا و قوله تعالى و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون هو مخصوص بمن و قعت منه العبادة و هذا قول طائفة من السلف و الخلف قالوا و المراد

(8/39)


بذلك من و جدت منه العبادة فهو مخلوق لها و من لم توجد منه فليس مخلوقا لها و عن سعيد بن المسيب قال ما خلقت من يعبدنى إلا ليعبدنى و كذلك قال الضحاك و الفراء و إبن قتيبة و هذا قول خاص بأهل طاعته قال الضحاك هى للمؤمنين و هذا قول الكرامية كما ذكره محمد بن الهيصم قال و يدل على قوله قبل ذلك فتول عنهم ثم قال و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون أى هؤلاء المومنين الذين تنفعهم الذكرى
قالوا و هى غاية مقصودة و اقعة فإن العبادة و قعت من المؤمنين و هذا القول إختيار أبى بكر بن الطيب و القاضى أبى يعلى و غيرهما ممن يقول أنه لا يفعل لعلة قالوا و اللفظ للقاضى أبى يعلى هذا بمعنى الخصوص لا العموم لأن البله و الأطفال و المجانين لا يدخلون تحت الخطاب و إن كانوا من الإنس و كذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس الآية فمن خلق للشقاء و لجهنم لم يخلق للعبادة
قلت قول هؤلاء الكرامية و من و افقهم و إن كان أرجح من قول الجهمية و المعتزلة فيما أثبتوه من حكمة الله و قولهم فى تفسير الآية و إن و افقوا فيه بعض السلف فهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور و لما تدل عليه الآية فإن قصد العموم ظاهر فى الآية و بين بيانا لا يحتمل النقيض إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم و بين الملائكة فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له

(8/40)


و لم يذكر الإنس و الجن عموما و لم تذكر الملائكة مع أن الطاعة و العبادة و قعت من الملائكة دون كثير من الإنس
و الجن و أيضا فإن سياق الآية يقتضى أن هذا ذم و توبيخ لمن لم يعبد الله منهم لأن الله خلقه لشىء فلم يفعل ما خلق له و لهذا عقبها بقوله ما أريد منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون فإثبات العبادة و نفى هذا يبين أنه خلقهم للعبادة و لم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق و الإطعام و لهذا قال بعد ذلك فإن للذين ظلموا ذنوبا أى نصيبا مثل ذنوب أصحابهم أى المتقدمين من الكفار أى نصيبا من العذاب و هذا و عيد لمن لم يعبده من الإنس و الجن فذكر هذا الوعيد عقيب هذه الآية من أولها إلى آخرها يتضمن و عيد من لم يعبده
وذكر عقابه لهم فى الدنيا و الآخرة فقال تعالى فى أولها و الذاريات ذروا إلى قوله إنما توعدون لصادق و إن الدين لواقع ثم ذكر قوله إنكم لفى قول مختلف يؤفك عنه من أفك ثم ذكر و عيد الآخرة بقوله قتل الخراصون الذين هم فى غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ثم ذكر و عده للمؤمنين فقال إن المتقين فى جنات و عيون إلى قوله و فى الأرض آيات للموقنين و فى السماء رزقكم و ما توعدون فورب السماء و الأرض إنه لحق مثل ما إنكم تنطقون ثم ذكر قصص من آمن فنفعه إيمانه و من كفر فعذبه بكفره فذكر قصة إبراهيم و لوط و قومه و عذابهم ثم

(8/41)


قال و تركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم و فى موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أى فى قصة موسى أية أيضا هذا قول الأ كثرين و منهم من لم يذكر غيره كأبى الفرج و قيل هو عطف على قوله و فى الأرض آيات للموقنين و فى موسى و هو ضعيف لأن قصة فرعون و عاد هى من جنس قوم لوط فيها ذكر الأنبياء و من إتبعهم و من خالفهم يدل بها على إثبات النبوة و عاقبة المطيعين و العصاة
و أما قوله فى الأرض و فى أنفسكم فتلك آيات علىالصانع جل جلاله و قد تقدمت و لانه لا يفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بمثل هذا الكلام الكثير مع أن قبله لا يصلح العطف عليه و هو قوله و تركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ثم قال و فى عاد و فى ثمود ثم ذكر أنه بنى السماء بأيد و فرش الأرض و خلق من كل شىء زوجين لعلكم تذكرون فلما بين الآيات الدالة على ما يجب من الإيمان و عبادته أمر بذلك فقال ففروا الى الله إنى لكم منه نذير مبين و لا تجعلوا مع الله إلها آخر الآية ثم بين أن هؤلاء المكذبين من جنس من قبلهم ليتأسى الرسول و المؤمنون و يصبروا على ما ينالهم من أذى الكفار فقال كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر او مجنون اتواصوا به بل هم قوم طاغون فهذا كله يتضمن أمر الإنس و الجن بعبادته و طاعته و طاعة رسله و إستحقاق من يفعل العقوبة فى الدنيا و الآخرة فإذا قال بعد ذلك و ما خلقت

(8/42)


الجن و الإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون كان هذا مناسبا لما تقدم مؤتلفا معه أى هؤلاءالذين أمرتهم إنما خلقتهم لعبادتى ما أريد منهم غير ذلك لا رزقا و لا طعاما
فإذا قيل لم يرد بذلك إلا المؤمنين كان هذا مناقضا لما تقدم يعنى فى السورة و صار هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه و غايته يقو ل أنت لم تخلقني لعبادتك و طاعتك و لو خلقتني لها لكنت عابدا و إنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك و أنا خلقتني لأكفر بك و أشرك بك و أكذب رسلك و أعبد الشيطان و أطيعه و قد فعلت ما خلقتني له كما فعل أو لئك المؤمنو ن ما خلقتهم له فلا ذنب لي و لا أستحق العقوبة فهذا و أمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول و كلام الله منزه عن هذا و هم إنما قالوا هذا لأن الله تعالى فعال لما يريد قالوا فلو كان أراد منهم أن يطيعوه لجعلهم مطيعين كما جعل المؤمنين
والقدرية يقولون لم يرد من هؤلاء و لا هؤلاء إلا الطاعة لكن هو لم يجعل لاهؤلاء و لاهؤلاء مطيعين بل الإرادة بمعنى الأمر يأمر بها الطائفتين فهؤلاء عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم و طاعتهم و هؤلاءعصوه بأن أحدثوا إرادتهم و معصيتهم
وأولئك علموا فساد قول القدرية من جهة أن الله خالق كل شي و ربه و مليكه و ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن فلا يكون في ملكه إلا ما شاءه و لايكون فى ملكه شيء إلا بقدرته و خلقه و مشيئته كما دل على ذلك السمع

(8/43)


و العقل و هذا الصحابة قاطبة و أئمة المسلمين و جمهورهم و هو مذهب أهل السنة فلأجل هذا عدل أولئك فى تفسير الآية إلى الخصوص فإنهم لم يمكنهم الجمع بين الإيمان بالقدر و بين أن يكون خلقهم لعبادته فلم تقع منهم العبادة له و قالوا من ذرأه لجهنم لم يخلقه لعبادته فمن قال خلق الخلق ليعبده المؤمنون منهم سلك هذا المسلك
وأما نفاة الحكمة كالأشعرى و أتباعه كالقاضي أبى بكر و أبى يعلى و غيرهم فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئا لشيءفلم يخلق أحدا لا لعبادة و لا لغيرها و عندهم ليس فى القرآن لام كي لكن قد يقولون فى القرآن لام العاقبة كقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا و حزنا و كذلك يقولون فى قوله و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الأنس يعنون كان عاقبة هؤلاء جهنم و عاقبة المؤمنين العبادة من غير أن يكون الخالق قصد أن يخلقهم لا لهذا و لا لهذا و لكن أراد خلق ما خلقه لا لشيء آخر فهذا قولهم و هو ضعيف لوجوه
أحدها أن لام العاقبة التى لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة إنما تكون من جاهل أو عاجز فالجاهل كقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدو و حزنا لم يعلم فرعون بهذه العاقبة و العاجز كقولهم لدوا للموت و ابنوا للخراب فإنهم يعلمون هذه العاقبة لكنهم عاجزون عن دفعها و الله تعالى عليم قدير فلا يقال أن فعله كفعل الجاهل العاجز

(8/44)


الثانى أن الله أراد هذه الغاية بالإتفاق فالعبادة التى خلق الخلق لأجلها هي مرادة له بالإتفاق و هم يسلمون أن الله أرادها و حيث تكون اللام للعاقبة لايكون الفاعل أراد العاقبة و هؤلاء يقولون خلقهم و أراد أفعالهم و أراد عقابهم عليها فكلما و قع فهو مراد له و لكنه عندهم لا يفعل مرادا لمراد أصلا لأن الفعل للعلة يستلزم الحاجة و هذا ضعيف بين الضعف و أهل الخصوص قالوا مثل هذا الجواب
وطائفة أخرى قالوا هى على العموم لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم و قهره لهم و نفوذ قدرته و مشيئته فيهم و أنه أصارهم إلى ما خلقهم له من السعادة و الشقاوة هذا جواب زيد بن أسلم و طائفة و هذا القول الثاني فى نفسير الآية
وروى إبن أبى حاتم عن إبن جريج عن زيد بن أسلم فى قوله و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون قال جبلهم على الشقاوة و السعادة و قال و هب بن منبه جبلهم على الطاعة و جبلهم على المعصية و هذا يشبه قول من قال فى تفسير قول النبى صلى الله عليه و سلم كل مولود يولد على الفطرة أى على ما كتب له من سعادة و شقاوة كما قال ذلك طائفة منهم إبن المبارك و أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه و قد قيل لمالك أهل القدر يحتجون علينا بهذا الحديث فقال إحتجوا عليهم بآخره و هو قوله الله أعلم بما كانوا عاملين و هذا الجواب يصلح أن يجاب به من أنكرالعلم كما كان على ذلك طائفة من القدماء و هم المعروفون بالقدرية فى لغة مالك

(8/45)


إلى أن قال و من فسر هذه الآية بأن المراد بيعبدون هو ما جبلهم عليه و ما قدره عليهم من السعادة و الشقاوة و أن ذلك هو معنى الحديث فإن هؤلاء جعلوا معنى يعبدون بمعنى يستسلمون لمشيئتى و قدرتى فيكونون معبدين مذللين كى يجرى عليهم حكمى و مشيئتى لايخرجون عن قضائى و قدرى فهذا معنى صحيح فى نفسه و إن كانت القدرية تنكره فبإنكارهم لذلك صاروا من أهل البدع بل الله خالق كل شىء و ما شاء كان و مالم يشأ لم يكن و فى إستعاذة النبى صلى الله عليه و سلم أعوذ بكلمات الله التامة التى لا يجاوزها بر و لا فاجر من شر ما ذرأ و برأ و أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه و عقابه و شر عباده
فكلماته التامة هى التى كون بها الأشياء كما قال تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لا يجاوزها بر و لا فاجر و لا يخرج أحد عن القدر المقدور و لا يتجاوز ما خط له فى اللوح المسطور و هذا المعنى قد دل عليه القرآن فى غير موضع كقوله و لقد ذرأنا لجهنم الآية و قوله ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاءالله ألم تعلم أن الله يعلم مافى السماء و الأرض ان ذلك فى كتاب إن ذلك على الله يسير و قوله فى السحر و ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا و نحو ذلك
و لكن قوله و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون لم يرد به هذا المعنى الذى ذهبوا إليه و حاموا حوله من أن المخلوقات كلها تحت مشيئته و قهره

(8/46)


و حكمه فالمخلوقات كلها داخلة فى هذا لا يشذ منها شىء عن هذا و قد قال تعالى ألم أعهد إليكم يابنى آدم الا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين و إن اعبدونى الآية و قوله و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا و الذين إجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها و أنابوا إلى الله و الذين إتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى و قال و يعبدون من دون الله مالا يضرهم و لا ينفعهم
فهذا و نحوه كثير فى القرآن لم يرد بعبادة الله إلا العبادة التى أمرت بها الرسل و هي عبادته و حده لا شريك له و المشركون لايعبدون الله بل يعبدون الشيطان و ما يدعونه من دون الله سواء عبدوا الملائكة أوالأنبياء و الصالحين أو التماثيل و الأصنام المصنوعة فهؤلاء المشركون قد عبدوا غير الله تعالى كما أخبرالله بذلك فكيف يقال أن جميع الإنس و الجن عبدوا الله لكون قدر الله جاريا عليهم و الفرق ظاهر بين عبادتهم إياه التى تحصل بإرادتهم و أختيارهم و إخلاصهم الدين له و طاعة رسوله و بين أن يعبدهم هو و ينفذ فيهم مشيئته و تكون عبادتهم لغيره للشيطان و للأصنام من المقدور
و هذا يشبه قول من يقول من المتأخرين أنا كافر برب يعصى فيجعل كلما يقع طاعة كما جعله هؤلاء عبادة لله تعالى لكونهم تحت المشيئة و كان بعض شيوخهم يقول عن إبليس إن كان عصى الأمر فقد أطاع المشيئة لكن هؤلاء مباحية يسقطون الأمر

(8/47)


وأما زيد بن أسلم و وهب بن منبه و نحوهم فحاشلهم من مثل هذا فإنهم كانوا من أعظم الناس تعظيما للأمر و النهى و الوعد و الوعيد و لكن قصدوا الرد على المكذبين بالقدر القائلين بأنة يشاء مالا يكون و يكون مالا يشاء و هؤلاء حقيقة قولهم أنه لايقدر على تعبيدهم و تصريفهم تحت مشيئته فأرادوا إبطال قول هؤلاء و نعم ما أرادوا لكن الكلام فيما أريد بالآية
وقول أولئك الإباحية يشبه قول من قال إن العارف إذا شهد المشيئة سقط عنه الملام و أنه إذا شهد الحكم يعني المشيئة لم يستحسن و لم يستقبح سببه و نحو هذا من أقوال هؤلاءالذين تشبه أقوالهم أقوال المشركين الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا و لا آباؤنا و لا حرمنا من شيء كما قد بسط الكلام عليه و بين أن إثبات القدر السابق حق لكن ذلك هو الذي يصير العبد إليه ليس هو الذي فطر عليه كما قال النبى صلى الله عليه و سلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فقد بين النبى صلى الله عليه و سلم بمثل ضربه أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدع و الجدع كان مقدرا عليها كذلك العبد يولد على الفطرة سليما ثم يفسد بالتهود و التنصير و ذلك كان مكتوبا أن يكون
وصاحب هذا القول إنما قاله ليبين ما خلقوا له و قد قصد هذا طائفة

(8/48)


فسروا العبادة بأمر و اقع عام و ليست هي العبادة المأمور بها على ألسن الرسل ففي تفسير إبن أبي طلحة المضاف إلى إبن عباس إلا ليقروا بالعبودية طوعا و كرها و هذه العبودية كقوله و له أسلم من فى السموات و الأرض طوعا و كرها و قوله و لله يسجد من في السموات و الأرض طوعا و كرها و فسرت طائفة الكرة بأنه جريان حكم القدر فيكون كالقول قبله و الصحيح أنه إنقيادهم لحكمه القدري بغير إختيارهم كإستسلامهم عند المصائب و إنقيادهم لما يكرهون من أحكامه الشرعية فكل أحد لابد له من إنقياده لحكمه القدري و الشرعي فهذا معنى صحيح قد بسط فى غير هذا الموضع لكن ليس هو العبادة
و كذلك قال بعضهم إلا ليخضعوا لي و يتذللوا قالوا و معنى العبادة في اللغة التذلل و الإنقياد و كل مخلوق من الجن و الأنس خاضع لقضاء الله تعالى متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق
وقد ذكر أبو الفرج قول إبن عباس هذا قال و بيان هذا قوله و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله و هذه الآية توافق من قال إلا ليعرفون كما سيأتى و هؤلاءالذين أقروا بأن الله خالقهم لم يقروا بذلك كرها بخلاف إسلامهم و خضوعهم له فإنه يكون كرها و أما نفس الإقرار فهو فطرى فطروا عليه و بذلوه طوعا

(8/49)


وقيل قول رابع روى إبن أبى حاتم عن زائدة عن السدي و ما خلقت الجن و الأنس إلا ليعبدون قال خلقهم للعبادة فمن العبادة عبادة تنفع و من العبادة عبادة لا تنفع و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله هذا منهم عبادة و ليس ينفعهم مع شركهم و هذا المعنى صحيح لكن المشرك يعبد الشيطان و ما عدل به الله لا يعبد و لا يسمى مجرد الإقرار بالصانع عبادة لله مع الشرك بالله و لكن يقال كما قال و ما يؤمن أكثرهم بالله ألا و هم مشركون فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به و أما العبادة ففي الحديث يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء و هو كله للذي أشرك فعبادة المشركين و إن جعلوا بعضها لله لايقبل منها شيئا بل كلها لمن أشركوه فلا يكونون قد عبدوا الله سبحانه و مثل هذا قول من قال إلا ليوحدون فأما المؤمن فيوحده فى الشدة و الرخاء و أما الكافر فيوحده في الشدة و البلاء دون النعمة و الرخاء بيانه فى قوله فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين
وقيل قول الخامس ذكره إبن أبى حاتم عن إبن جريج قال ليعرفون قال و روى عن قتادة و ذكره البغوي عن مجاهد قال و قال مجاهد إلا ليعرفون قال و هذا قول حسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف و جوده و توحيده و دليله قوله و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله فيقال هذا المعنى صحيح و كونه إنما عرف بخلقهم يقتضى

(8/50)


أن خلقهم شرط فى معرفتهم لايقتضى أن يكون ما حصل لهم من المعرفة هو الغاية التى خلقوا لها و هذا من جنس قول السدى فإن هذا الإقرار العام هم مشركون فيه كما قال و إذ أخذ ربك من بنى آدم لكن ليس هذا هو العبادة
فهذه الأقوال الأربعة قول من عرف أن الآية عامة فأراد أن يفسرها بعبادة تعم الإنس و الجن و أعتقد أنه إن فسرها بالعبادة المعروفة و هى الطاعة لله و الطاعة لرسله لزم أن تكون و اقعة منهم و لم تقع فأراد أن يفسرها بعبادة و اقعة و ظن أنه إذا فسرها بعبادة لم تقع لزمه قول القدرية و أنه خلقهم لعبادته فعصوه بغير مشيئته و غير قدرية ففروا من قول القدرية و هم معذورون فى هذا الفرار لكن فسرها بما لم يرد بها كما يصيب كثير من الناس فى الآيات التى يحتج أهل البدع بظاهرها كإحتجاج الرافضة بقوله و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم على مسح ظهرالقدمين فترى المخالفين لهم يذكرون أقوالا ضعيفة هذا يقول مجرورا بالمجاورة كقولهم جحر ضب خرب و نحو هذا من الأقوال الضعيفة و كذلك ما قالوه فى قوله فحج آدم موسى و أمثال ذلك
و القول السادس و إن كان أبو الفرج لم يذكر فيها إلا أربعة أقوال و هو الذي عليه جمهورالمسلمين أن الله خلقهم لعبادته و هو فعل ما أمروا به و لهذا يوجد المسلمون قديما و حديثا يحتجون بهذه الآية على هذا

(8/51)


المعنى حتى في و عظهم و تذكيرهم و حكاياتهم كما فى حكاية إبراهيم بن أدهم ما لهذا خلقت و لا بهذا أمرت و فى حديث إسرائيلى يا إبن آدم خلقتك لعبادتى فلا تلعب و تكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدنى فإن و جدتني و جدت كل شيء و إن فتك فاتك كل شيء و أنا أحب إليك من كل شيء وهذا هو المأثور عن أميرالمؤمنين علي بن أبى طالب و غيره من السلف فذكروا عن علي بن أبى طالب أنه قال إلالآمرهم أن يعبدون و ادعوهم إلى عبادتى
قالوا و يؤيده قوله تعالى و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين و قوله و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها و احد و هذا إختيار الزجاج و غيره و هذا هو المعروف عن مجاهد بالإسناد الثابت قال إبن أبى حاتم ثنا أبو سعيد الأشج إلا ليعبدون لآمرهم و أنهاهم كذلك روي عن الربيع بن أنس قال ما خلقتهما إلا للعبادة
و يدل على هذا مثل قوله أيحسب الإنسان أن يترك سدى يعنى لايؤمر و لا ينهي و قوله قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم أي لولا عبادتكم و قوله ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم و آمنتم و قوله يامعشرالجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى و ينذرونكم لقاء يومكم هذا إلى قوله و أهلها غافلون و قوله ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين و ان اعبدونى هذا صراط مستقيم الآيات

(8/52)


وما بعدها و قالت الجن لما سمعوا القرآن ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم ياقومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به الآية و ما بعدها و قالت الجن و انا منا المسلمون و منا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا الآية و ما بعدها
وقد قال فى القرآن فى غيرموضع ياأيها الناس إعبدوا ربكم ياأيها الناس إتقوا ربكم فقد أمرهم بما خلقهم له و أرسل الرسل إلى الإنس و الجن و محمد أرسل إلى الثقلين و قرأ القرآن على الجن و قد روى أنه لما قرأ عليهم سورة الرحمن و جعل يقرأ فبأى آلاء ربكما تكذبان يقولون و لا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد فهذا هو المعنى الذى قصد بالآية قطعا و هو الذي تفهمه جماهير المسلمين و يحتجون بالآية عليه و يعترفون بأن الله خلقهم ليعبدوه لا ليضيعوا حقه و فى الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه و سلم قال له يامعاذ أتدري ما حق الله على عبادة قال الله و رسوله أعلم قال فإن حق الله على عبادة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ماحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله و رسوله أعلم قال فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم و فى المسند عن إبن عمر عن النبى صلى الله عليه و سلم قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله و حده لا شريك له و جعل رزقى تحت ظل رمحي جعل الذل و الصغار على من خالف أمرى و من تشبه بقوم فهو منهم

(8/53)


ثم للناس على هذا القول قولان
قول أهل السنة المثبتة للقدر و قول نفاته فصارت الأقوال فى الآية سبعة و فى الحكمة خمسة
فأما أهل السنة المثبتون للقدر فيقولون قوله و ما خلقت الجن و الإنس إلا لعبدون لايستلزم و قوع العبادة منهم كما قال أصحاب هذه الأقوال المتقدمة و لا يستلزم نفي المقدور أن يكون فى ملكه ما لايشاء أو يشاء مالا يكون و يكون مالا يشاء أولئك قالوا إذا كان مايشاء كان و ما لم يشأ لم يكن فما لم يقع لم يشأه فما لم يقع من العبادة لم يشأها و هذا معنى صحيح ثم قالوا و ما خلقهم له فلا بد أن يشاء أن يخلقه فلما لم يشأه أن يخلق هذا لم يخلقهم له فالطائفتان أصل غلطهم ظنهم إنما خلقهم له يشاء و قوعه و أولئك يقولون يشاء أن يخلقه و هؤلاء يقولون يشاء و قوعه منهم بمعنى يأمرهم به و ما عندهم أن له مشيئة فى أفعال العباد غيرالأمر و هم يعصون أمره فلهذا قالوا يكون مالا يشاء و يشاء مالا يكون كما يقولون يفعلون مانهاهم عنه و يتركون ما أمرهم به و هذا المعنى صحيح إذا أريد الأمرالشرعى لكن القدرية النفاة لايقولون أنه شاء إلا بمعنى أمر فعندهم ماليس طاعة من أفعال العباد مالا

(8/54)


يشاءه فإنه لا يخلقه عندهم و إذا لم يخلقه لم يشأه فإنه ما شاء أن يخلقه خلقه بإتفاق المسلمين
والقدرية لاتنازع فى هذا لاينازعون فى أنه ماشاء أن يفعله هو فعله و أنه قادر على أن يفعل ما يشاء أن يفعله لكن عندهم أن أفعال العباد لايدخل فى خلقه و لا فى قدرته و لا فى مشيئته و لا فى مشيئته أن يفعل لكن المشيئة المتعلقة بها بمعنى الأمر فقط فيقولون خلقهم لعبادته أن يفعلوها هم و قد أمرهم بها فإذا لم يفعلوها كان ذلك بمنزلة عصيان أمره
وأما المثبتون للقدر فيقولون أنه ماشاء كان و مالم يشأ لم يكن و هو سبحانه خالق كل شيء و لو شاء لجعل الناس أمة و احدة و لو شاء الله ما إقتتلوا و لو شاء ربك مافعلوه و أمثال ذلك فإذا خلقهم للعبادة المأمور بها و لم يفعلوها لم يكن قد شاء أن تكون اذ لو شاء أن تكون لكونها لكن أمرهم بها و اجبي أن يفعلوها و رضى أن يفعلوها و أراد أن يفعلوها إرادة شرعية تضمنها أمره بالعبادة
ومن هنا يتبين معنى الآية فإن قوله و ما خلقت الجن و الأنس إلا ليعبدون يشبه قوله و لتكملوا العدة و لتكبرووا الله على ماهداهم و قوله كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم و قوله لكيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم و قوله ذلك لتعلموا أن الله يعلم مافي السموات و ما فى الأرض

(8/55)


و أن الله بكل شيء عليم و قوله الله الذي خلق سبع سموات و من الأرض مثلهن الآية و كذلك قوله و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله فهو لم يرسله إلا ليطاع ثم قد يطاع و قد يعصى
وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة ثم قد يعبدون و قد لايعبدون و مثل هذا كثير فى القرآن يبين أنه فعل ليكبروه و ليعدلوا و لا يظلموا و ليعلموا ما هو متصف به و غيرة مما أمر الله به العباد و أحبه لهم و رضيه منهم و فيه سعادتهم و كما لهم و صلاحهم و فلاحهم إذا فعلوه ثم منهم من يفعل ذلك و منهم من لايفعله
وهو سبحانه لم يقل أنه فعل الأول ليفعل هو الثانى و لا ليفعل بهم الثاني فلم يذكرأنه خلقهم ليجعلهم هم عابدين فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو من الغايات يجب أن يفعله لا محالة و يمتنع أن يفعل أمرا ليفعل أمرا ثانيا و لا يفعل الأمر الثاني و لكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني فيكونون هم الفاعلين له فيحصل بفعلهم سعادتهم و ما يحبه و يرضاه لهم فيحصل ما يحبه هو و ما يحبونه هم كما تقدم أن كل ما خلقه و أمر به غايته محبوبة لله و لعباده و فيه حكمة له و فيه رحمة لعباده
فهذا الذى خلقهم له لو فعلوه لكان فيه مايحبه و ما يحبونه و لكن لم يفعلوه فإستحقوا ما يستحقه العاصي المخالف لأمره التارك فعل ما خلق لأجله من عذاب

(8/56)


الدنيا و الآخرة و هو سبحانه قد شاء أن تكون العبادة ممن فعلها فجعلهم عابدين مسلمين بمشيئته و هداه لهم و تحبيبه إليهم الإيمان كما قال تعالى و لكن الله حبب إليكم الإيمان و زينه فى قلوبكم و كره إليكم الكفر والفسوق و العصيان أولئك هم الراشدون فهؤلاء أراد العبادة منهم خلقا و أمرا أمرهم بها و خلقا جعلهم فاعلين
والصنف الثانى لم يشأ هو أن يخلقهم عابدين و إن كان قد أمرهم بالعبادة و الله سبحانه أعلم

(8/57)


وسئل رحمه الله عن تفصيل الإرادة و الاذن و الكتاب و الحكم و القضاء و التحريم و غيرذلك مما هو ديني موافق لمحبة الله و رضاه و أمره الشرعي و ما هو كوني موافق لمشيئته الكونية
فأجاب الحمد لله هذه الأمورالمذكورة و هي الإرادة و الاذن و الكتاب و الحكم و القضاء والتحريم و غيرها كالأمر والبعث و الأرسال ينقسم فى كتاب الله إلى نوعين أحدهما ما يتعلق بالأمور الدينية التى يحبها الله تعالى و يرضاها و يثيب أصحابها و يدخلهم الجنة و ينصرهم فى الحياة الدنيا و فى الآخرة و ينصر بها العباد من أوليائه المتقين و حز به المفلحين و عباده الصالحين
و الثانى مايتعلق بالحوادث الكونية التى قدرها الله و قضاها مما يشترك فيها المؤمن و الكافر و البر و الفاجر و أهل الجنة و أهل النار و أولياء الله و أعداؤه و أهل طاعته الذين يحبهم و يحبونه و يصلى عليهم هو و ملائكته و أهل معصيته الذين يبغضهم و يمقتهم و يلعنهم الله و يلعنهم اللأعنون

(8/58)


فمن نظر إليها من هذا الوجه شهد الحقيقة الكونية الوجودية فرأى الأشياء كلها مخلوقة لله مدبرة بمشيئته مقهورة بحكمته فما شاءالله كان و إن لم يشأ الناس و ما لم يشأ لم يكن و إن شاء الناس لا معقب لحكمه و لا راد لأمره و رأى أنه سبحانه رب كل شىء و مليكه له الخلق و الأمر و كل ما سواه مربوبا له مدبر مقهور لا يملك لنفسه ضرا و لا نفعا و لاموتا و لا حياة و لا نشورا بل هو عبد فقير إلى الله تعالى من جميع الجهات و الله غنى عنه كما أنه الغني عن جميع المخلوقات و هذا الشهود فى نفسه حق لكن طائفة قصرت عنه و هم القدرية المجوسية و طائفة و قفت عنده و هم القدرية المشركية
أما الأولون فهم الذين زعموا أن فى المخلوقات مالا تتعلق به قدرة الله و مشيئته و خلقه كأفعال العباد و غلاتهم أنكروا علمه القديم و كتابه السابق و هؤلاء هم أول من حدث من القدرية فى هذه الأمة فرد عليهم الصحابة و سلف الأمة و تبرؤا منهم
وأما الطائفة الثانية فهم شر منهم و هم طوائف من أهل السلوك و الإرادة و التأله و التصوف و الفقر و نحوهم يشهدون هذه الحقيقة و رأوا أن الله خالق المخلوقات كلها فهو خالق أفعال العباد و مريد جميع الكائنات و لم يميزوا بعد ذلك بين إيمان و كفر و لا عرفان و لا نكر و لاحق و لا باطل و لا مهتدى و لا ضال و لا راشد و لا غوي و لا نبى و لا متنبىء و لا و لي لله و لا عدو و لا

(8/59)


مرضي لله و لا مسخوط و لا محبوب لله و لا ممقوت و لا بين العدل و الظلم و لا بين البر و العقوق و لا بين أعمال أهل الجنة و أعمال أهل النار و لا بين الأبرار و الفجار حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق و المشيئة النافذة و القدرة الشاملة و الخلق العام فشهدوا المشترك بين المخلوقات و عموا عن الفارق بينهما و صاروا ممن يخاطب بقوله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون و بقوله تعالى أفنجعل الذين أمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار و بقوله تعالى أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات
و تمت كلمة ربك الحسنى على نبي إسرائيل بما صبروا و منه قول النبى صلى الله عليه و سلم أعوذ بكلمات الله التامات التى لايتجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق و ذرأ و برأ و من شر ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و من شر ما ذرأ فى الأرض و ما يخرج منها و من شر فتن الليل و النهار و من شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يارحمن فالكلمات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ليست هي أمره و نهيه الشرعيين فإن الفجارعصوا أمره و نهيه بل هى التى بها يكون الكائنات و أما الكلمات الدينية المتضمنة لأمره و نهيه الشرعيين فمثل الكتب الإلهية التوراة والأنجيل و الزبور و القرآن و قال

(8/60)


تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى و كلمة الله هى العليا وقال صلى الله عليه و سلم و استحللتم فروجهن بكلمة الله و أما قوله تعالى وتمت كلنة ربك صدقا و عدلا فإنه يعم النوعين
وأما البعث بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى فإذا جاء و عد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد و الثاني في مثل قوله تعالى هو الذي بعث فى الأميين رسولا منهم و قوله تعالى ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم و قوله تعالى و لقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن أعبدوا الله و احتنبوا الطاغوت
وأما الإرسال بالمعنى الأول ففي مثل قوله تعالى إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا و قوله تعالى وأرسلنا الرياح لواقح
وبالمعنى الثانى فى مثل قوله تعالى إنا أرسلنا نوحا إلى قومه و قوله تعالى إنا أرسلناك بالحق بشيرا و نذيرا و قوله تعالى و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا و قوله تعالى و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله و قوله تعالى و ما أرسلنا قبلك من رسول ألا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون و قوله تعالى إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا و بيلا

(8/61)


سئل رحمه الله تعالى عن أقوام يقولون المشيئة مشيئة الله فى الماضي و المستقبل و أقوام يقولون المشيئة فى المستقبل لا فى الماضي ما الصواب
فأجاب الماضي مضى بمشيئة الله و المستقبل لا يكون إلا أن يشاء الله فمن قال فى الماصي إن الله خلق السموات إن شاء الله و أرسل محمدا إن شاء الله فقد أخطأ و من قال خلق الله السموات بمشيئة الله و أرسل محمدا بمشيئته و نحو ذلك فقد أصاب
ومن قال أنه يكون فى الوجود شيء بدون مشيئة الله فقد أخطأ و من قال ماشاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن فقد أصاب و كلما تقدم فقد كان بمشيئة الله قطعا فالله خلق السموات بمشيئته قطعا و أرسل محمدا بمشيئته قطعا و الإنسان الموجود خلقه الله بمشيئته قطعا و إن شاء الله أن يغير المخلوق من حال إلى حال فهو قادر على ذلك فما خلقه فقد كان بمشيئته قطعا و إن شاءالله أن يغيره غيره بمشيئته قطعا و الله أعلم

(8/62)


ما تقول السادة أئمة المسلمين فى جماعة إختلفوا فى قضاء الله و قدرة خيره و شره منهم من يرى أن الخير من الله تعالى و الشر من النفس خاصة أفتونا مأجورين فأجاب الشيخ رضي الله عنه
مذهب أهل السنة و الجماعة أن الله تعالى خالق كل شيء و ربه و مليكه لارب غيره و لا خالق سواه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن و هو على كل شيء قدير و بكل شيء عليم و العبد مأمور بطاعة الله و طاعة رسوله منهي عن معصية الله و معصية رسوله فإن أطاع كان ذلك نعمة و إن عصى كان مستحقا للذم و العقاب و كان لله عليه الحجة البالغة و لا حجة لأحد على الله تعالى و كل ذلك كائن بقضاه الله و قدره و مشيئته و قدرته لكن يحب الطاعة و يأمر بها و يثيب أهلها على فعلها و يكرمهم و يبغض المعصية و ينهى عنها و يعاقب أهلها و يهينهم
وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه و ما يصيبه من الشر فبذنوبه

(8/63)


و معاصيه كما قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و قال تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك أى ما أصابك من خصب و نصر و هدى فالله أنعم به عليك و ما أصابك من حزن و ذل و شر فبذنوبك و خطاياك و كل الأشياء كائنة بمشيئة الله و قدرته و خلقه فلا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله و قدره و أن يؤقن العبد بشرع الله و أمره
فمن نظر إلى الحقيقة القدرية و أعرض عن الأمر والنهي و الوعد و الوعيد كان مشابها للمشركين و من نظر إلى الأمر والنهي و كذب بالقضاء والقدر كان مشابها للمجوسيين و من آمن بهذا و بهذا فإذا أحسن حمد الله تعالى و إذا أساء إستغفر الله تعالى و علم أن ذلك بقضاء الله و قدره فهو من المؤمنين فإن آدم عليه السلام لما أذنب تاب فاجتباه ربه و هداه و إبليس أصر و إحتج فلعنه الله و أقصاه فمن تاب كان آدميا و من أصر و إحتج بالقدر كان إبليسيا فالسعداء يتبعون أباهم و الأشقياء يتبعون عدوهم إبليس
فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين آمين يارب العالمين

(8/64)


سئل شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس عن الحديث الذى و رد إن الله قبض قبضتين فقال هذه للجنة و لا أبالي و هذه للنار و لا أبالي فهل هذا الحديث صحيح و الله قبضها بنفسه أو امر أحدا من الملائكة بقبضها و الحديث الآخر فى إن الله لما خلق آدم أراه ذريته عن اليمين و الشمال ثم قال هؤلاء إلى النار و لا أبالي و هؤلاءإلى الجنة و لا أبالي و هذا فى الصحيح
فأجاب رضي الله عنه نعم هذا المعنى مشهور عن النبى صلى الله عليه و سلم من و جوه متعددة مثل مافى موطأ مالك و سنن أبى داود و النسائى و غيره عن مسلم بن يسار و فى لفظ عن نعيم بن ربيعة أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية و إذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم الآية فقال عمر عن سول الله صلى الله عليه و سلم و فى لفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فإستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة و بعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فإستخرج منه ذرية فقاله خلقت

(8/65)


هؤلاء للنار و بعمل أهل النار يعملون فقال رجل يارسول الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله إذا خلق الرجل للجنة إستعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة إذا خلق الرجل للنار إستعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار
وفى حديث الحكم بن سفيان عن ثابت عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله قبض قبضة فقال إلى الجنة برحمتى و قبض قبضة فقال إلى النار و لا أبالي و هذا الحديث و نحوه فيه فصلان
أحدهما القدر السابق و هو أن الله سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار من قبل أن يعملوا الأعمال و هذا حق يجب الإيمان به بل قد نص الأئمة كمالك و الشافعي و أحمد أن من جحد هذا فقد كفر بل يجب الإيمان أن الله علم ما سيكون كله قبل أن يكون و يجب الإيمان بما أخبر به من أنه كتب ذلك و أخبر به قبل أن يكون كما فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة و كان عرشه على الماء و فى صحيح البخارى و غيره عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال كان الله و لا شيء غيره و كان عرشه على الماء و كتب فى الذكر كل شيء و خلق السموات و الأرض و في لفظ ثم خلق السموات و الأرض

(8/66)


وفى المسند عن العرباض بن سارية عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال إنى عند الله مكتوب بخاتم النبيين و أن آدم لمنجدل فى طينته و سأنبئكم بأول ذلك دعوة أبى إبراهيم و بشرى عيسى و رؤيا أمي رأت حين و لدتني أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام و فى حديث ميسرة الحر قلت يارسول الله متى كتبت نبيا و فى لفظ متى كنت نبيا قال و آدم بين الروح و الجسد
وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال أكتب رزقه و عمله و أجله و شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح قال فوالذي نفس بيده أو قال فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار
وفى الصحيحين عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ببقيع الغرقد في جنازة فقال ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار و مقعده من الجنة فقالوا يارسول الله أفلا نتكل على الكتاب و ندع العمل قال إعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة و أما من كان من أهل الشقاوة

(8/67)


فسييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى فأما من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى فسنيسره لليسرى و أما من بحل و استغنى و كذب بالحسنى فسنيسره للعسرى
وفى الصحيح أيضا أنه قيل له يارسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار فقال نعم فقيل له ففيم العمل قال إعملوا فكل ميسر لما خلق له فبين النبى صلى الله عليه و سلم أن الله علم أهل الجنة من أهل النار و أنه كتب ذلك و نهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب و يدعوا العمل كما يفعله الملحدون و قال كل ميسر لما خلق له و أن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة و أهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة و هذا من أحسن ما يكون من
البيان وذلك أن الله سبحانه و تعالى يعلم الأمورعلى ما هي عليه و هو قد جعل للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنه تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ إمرأة فيحبلها فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى الوطء كان أحمق لأن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء و كذلك إذا علم أن هذا ينبت له الزرع بما يسقيه من الماء و يبذره من الحب فلو قال إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى البذر كان جاهلا ضالا لأن الله علم أن سيكون بذلك و كذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل و هذا يروي بالشرب و هذا يموت بالقتل فلابد من الأسباب التى علم الله أن هذه الأمور تكون بها

(8/68)


وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا فى الآخرة و هذا شقيا فى الآخرة قلنا ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء فالله علم أنه يشقى بهذا العمل فلو قيل هو شقي و إن لم يعمل كان باطلا لأن الله لايدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين فأقسم أنه يملؤها من إبليس و أتباعه و من إتبع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله
و لهذا لما سئل النبى صلى الله عليه و سلم عن أطفال المشركين قال الله أعلم بما كانوا عاملين يعنى أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا و قد روى أنهم فى القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة و من عصاه دخل النار فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة و المعصية
وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به و طاعته فمن قدر أن يكون منهم يسره للإيمان و الطاعة فمن قال أنا أدخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم أنى من أهلها كان مفتريا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذى علم الله أنه يدخل الجنة بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لامن أهل الجنة
ولهذا أمر الناس بالدعاء و الإستعانة بالله و غير ذلك من الأسباب و من قال أنا لا أدعوا و لا أسأل إتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل الدعاء

(8/69)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية