صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ مجموع الفتاوى - ابن تيمية ]
الكتاب : مجموع الفتاوى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
عدد الأجزاء : 35

فلا كفارة فيه على واحد منهما وإذا قال أقسمت عليك بالله لتفعلن أو والله لتفعلن فلم يبر قسمه لزمت الكفارة الحالف
والذى يدعو بصيغة السؤال فهو من باب السؤال به وأما إذا أقسم على الله تعالى مثل أن يقول أقسمت عليك يارب لتفعلن كذا كما كان يفعل البراء بن مالك وغيره من السلف فقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه و سلم أنه قال رب أشعث أغبر ذى طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره وفى الصحيح انه قال لما قال أنس بن النضر والذى بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع فقال النبى يا أنس كتاب الله القصاص فعفا القوم فقال النبى صلى الله عليه و سلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وهذا من باب الحلف بالله لتفعلن هذا الأمر فهو إقسام عليه تعالى به وليس إقساما عليه بمخلوق
وينبغى للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التى جاء بها الكتاب والسنة فان ذلك لا ريب فى فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا
وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله إذا كانت لكم حاجة فاسألوا الله بجاهى حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو فى شىء من كتب الحديث وانما المشروع الصلاة عليه فى كل دعاء
ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء فى الإستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه لم يذكروا فيما شرع للمسلمين فى هذه الحال التوسل به كما لم يذكر أحد من العلماء

(1/346)


دعاء غير الله والإستعانة المطلقة بغيره فى حال من الأحوال وان كان بينهما فرق فان دعاء غير الله كفر ولهذا لم ينقل دعاء أحد من الموتى والغائبين لا الأنبياء ولا غيرهم عن أحد من السلف وأئمة العلم وانما ذكره بعض المتأخرين ممن ليس من أئمة العلم المجتهدين بخلاف قولهم أسألك بجاه نبينا أو بحقه فان هذا مما نقل عن بعض المتقدمين فعله ولم يكن مشهورا بينهم ولا فيه سنة عن النبى بل السنة تدل على النهى عنه كما نقل ذلك عن أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما
ورأيت فى فتاوى الفقيه أبى محمد بن عبد السلام قال لا يجوز أن يتوسل الى الله بأحد من خلقه إلا برسول الله إن صح حديث الأعمى فلم يعرف صحته ثم رأيت عن ابى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء ورأيت فى كلام الإمام أحمد أنه فى النبى صلى الله عليه و سلم لكن قد يخرج على إحدى الروايتين عنه فى جواز الحلف به وقد تقدم أن هذا الحديث لا يدل الا على التوسل بدعائه ليس من باب الإقسام بالمخلوق على الله تعالى ولا من باب السؤال بذات الرسول كما تقدم والذين يتوسلون بذاته لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم وهو من أنفع الأمور لهم الى ما ليس كذلك فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التى بها يستجاب الدعاء وقد أمر الله بها
والصلاة عليه فى الدعاء هو الذى دل عليه الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما

(1/347)


وفى الصحيح عنه أنه قال من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله قال سمع رسول الله رجلا يدعو فى صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبى صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه ثم يصلى على النبى ثم يدعو بعده بما شاء رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث صحيح
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبى يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة
وفى سنن أبى داود والنسائى عنه أن رجلا قال يارسول الله إن المؤذنين يفضلوننا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قل كما يقولون فإذا انتهيت سل تعطه وفى المسند عن جابر بن عبد الله قال من قال حين ينادى المنادى اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضاء لا سخط بعده استجاب الله له دعوته
وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وقال الترمذى حديث حسن

(1/348)


وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء قلما ترد على داع دعوته عند حصول النداء والصف فى سبيل الله رواه أبو داود
وفى المسند والترمذى وغيرهما عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه
قال أبى قلت يا رسول الله إنى أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتى قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت وان زدت فهو خير لك قلت الثلثين قال ما شئت وان زدت فهو خير لك قلت أجعل لك صلاتى كلها قال إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك وفى لفظ إذا تكفى همك ويغفر ذنبك
وقول السائل أجعل لك من صلاتى يعنى من دعائى فإن الصلاة فى اللغة هى الدعاء قال تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم
وقال النبى اللهم صل على آل أبى أوفى وقالت إمرأة صل على يارسول الله وعلى زوجى فقال صلى الله عليك وعلى زوجك
فيكون مقصود السائل أى يارسول الله ان لى دعاء أدعو به أستجلب به

(1/349)


الخير وأستدفع به الشر فكم أجعل لك من الدعاء قال ما شئت فلما انتهى الى قوله اجعل لك صلاتى كلها قال اذا تكفى همك ويغفر ذنبك وفى الرواية الأخرى اذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك وهذا غاية ما يدعو به الإنسان من جلب الخيرات ودفع المضرات فإن الدعاء فيه تحصيل المطلوب واندفاع المرهوب كما بسط ذلك فى مواضعه
برنامج
وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية البدعية فينبغى اتباع ذلك والمراتب فى هذا الباب ثلاث
إحداها أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول يا سيدى فلان أغثنى أو أنا أستجير بك أو أستغيث بك أو انصرنى على عدوى ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله والمستغيث بالمخلوقات قد يقضى الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له فى صورة الذى استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به وانما هو شيطان دخله وأغواه لما اشرك بالله كما يتكلم الشيطان فى الأصنام وفى المصروع وغير ذلك ومثل هذا واقع كثيرا فى زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه فى قوم استغاثوا بى أو بغيرى وذكروا أنه أتى شخص على صورتى أو صورة غيرى وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من بركة الاستغاثة بى أو بغيرى وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى فى الصدر الأول من القرون الماضية كما ثبت ذلك فهذا أشرك بالله نعوذ بالله من ذلك

(1/350)


وأعظم من ذلك أن يقول اغفر لى وتب على كما يفعله طائفة من الجهال المشركين
وأعظم من ذلك أن يسجد لقبره ويصلى اليه ويرى الصلاة أفضل من استقبال القبلة حتى يقول بعضهم هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام
وأعظم من ذلك أن يرى السفر اليه من جنس الحج حتى يقول إن السفر اليه مرات يعدل حجة وغلاتهم يقولون الزيارة اليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة ونحو ذلك فهذا شرك بهم وان كان يقع كثير من الناس فى بعضه
الثانية أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لى أو ادع لنا ربك أو إسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة وان كان السلام على أهل القبور جائزا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبى يعلم أصحابه اذا زاروا القبور أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وانا ان شاء الله بكم لاحقون يغفر الله لنا ولكم نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم
وروى أبو عمر بن عبد البر عن النبى أنه قال ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام

(1/351)


وفى سنن أبى داود عن النبى أنه قال ما من مسلم يسلم على إلا رد الله على روحى حتى أرد عليه السلام لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات لا دعاء ولا غيره وفى موطأ مالك أن ابن عمر كان يقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبة ثم ينصرف وعن عبد الله بن دينار قال رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبى فيصلى على النبى ويدعو لأبى بكر وعمر وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبى صلى الله عليه و سلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى لا يدعون مستقبلى الحجرة وإن كان قد وقع فى بعض ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية والعامة من لا اعتبار بهم فلم يذهب الى ذلك امام متبع فى قوله ولا من له فى الأمة لسان صدق عام ومذهب الأئمة الأربعة مالك وأبى حنيفة والشافعى وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبى وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة واختلفوا فى وقت السلام عليه فقال الثلاثة مالك والشافعى وأحمد يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه وقال أبو حنيفة لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء بإتفاقهم ثم فى مذهبه قولان

(1/352)


قيل يستدير الحجرة وقيل يجعلها عن يساره
فهذا نزاعهم فى وقت السلام وأما فى وقت الدعاء فلم يتنازعوا فى أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة
والحكاية التى تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة فأمره بذلك وقال هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم كذب على مالك ليس لها إسناد معروف وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات فى كتب أصحابه كما ذكره اسماعيل بن اسحاق القاضى وغيره مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلى الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك وذكر أنه من البدع التى لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان وقال لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها
ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك فإن الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعا لكانوا هم أعلم بذلك وكانوا أسبق اليه ممن بعدهم والداعى يدعو الله وحده وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت فى صحيح مسلم وغيره عن أبى مرثد

(1/353)


الغنوى أن النبى صلى الله عليه و سلم قال لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها
فلا يجوز أن يصلى الى شىء من القبور لا قبور الأنبياء ولا غيرهم لهذا الحديث الصحيح
ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة الى القبر بل هذا من البدع المحدثة وكذلك قصد شىء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز كما أنه لا يجوز أن يصلى مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى
فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك ولا يجوز أن يشكى اليه شىء من مصائب الدنيا والدين ولو جاز أن يشكى اليه ذلك فى حياته فإن ذلك فى حياته لا يفضى الى الشرك وهذا يفضى الى الشرك لأنه فى حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له فى ذلك من الأجر والثواب وبعد الموت ليس مكلفا بل ما يفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك كما أن موسى يصلى فى قبره وكما صلى الأنبياء خلف النبى ليلة المعراج ببيت المقدس وتسبيح أهل الجنة والملائكة فهم يمتعون بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره لهم ليس هو من باب التكليف الذى يمتحن به العباد
وحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر فى ذلك شيئا بل ما جعله الله فاعلا له هو يفعله وإن لم يسأله العبد كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به وهم انما

(1/354)


يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق كما قال سبحانه وتعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون فهم لا يعملون إلا بأمره سبحانه وتعالى
ولا يلزم من جواز الشىء فى حياته جوازه بعد موته فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل مسجدا ولما دفن فيه حرم ان يتخذ مسجدا كما فى الصحيحين عنه أنه قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لابرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا
وفى صحيح مسلم وغيره عنه أنه قال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وقد كان فى حياته يصلى خلفه وذلك من أفضل الأعمال ولا يجوز بعد موته أن يصلى الرجل خلف قبره وكذلك فى حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتى وأن يقضى ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته وأمثال ذلك كثير
وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل زرت قبر رسول الله لأن هذا اللفظ لم يرد والأحاديث المروية فى زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب وهذا اللفظ صار مشتركا فى عرف المتأخرين يراد به الزيارة البدعية التى فى معنى الشرك كالذى يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به أو يسأل الله عنده

(1/355)


و الزيارة الشرعية هى أن يزوره لله تعالى للدعاء له والسلام عليه كما يصلى على جنازته
فهذا الثانى هو المشروع ولكن كثير من الناس لا يقصد بالزيارة إلا المعنى الأول فكره مالك أن يقول زرت قبره لما فيه من إيهام المعنى الفاسد الذى يقصده أهل البدع والشرك
الثالثة أن يقال أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذى تقدم عن أبى حنيفة وأبى يوسف وغيرهما أنه منهى عنه
وتقدم أيضا أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة بل عدلوا عنه الى التوسل بدعاء العباس وغيره
وقد تبين ما فى لفظ التوسل من الإشتراك بين ما كانت الصحابة تفعله وبين مالم يكونوا يفعلونه فان لفظ التوسل والتوجه فى عرف الصحابة ولغتهم هو التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته
ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن وان كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبى أنه قال إذا اعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور أو فاستعينوا بأهل القبور فهذا الحديث كذب مفترى على النبى بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك ولا يوجد فى شىء من كتب الحديث المعتمدة

(1/356)


وقد قال تعالى وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع وقد نهى النبى عما هو أقرب من ذلك عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن أهله تحذيرا من التشبه بهم فان ذلك أصل عبادة الأوثان كما قال تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا
ولا يغوث ويعوق ونسرا فإن هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما تقدم ذكر ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف فمن فهم معنى قوله إياك نعبد واياك نستعين عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة الا الله وحده وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستغاثة لا تكون الا بالله والتوكل لا يكون الا عليه وما النصر إلا من عند الله فالنصر المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله وفى هذا القدر كفاية لمن هداه الله والله أعلم
وهذا الذى نهى عنه النبى من هذا الشرك هو كذلك وفى شرائع غيره من الأنبياء ففى التوراة أن موسى عليه السلام نهى بنى اسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله وذلك أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد وإن تنوعت شرائعهم
كما فى الصحيح عن أبى هريرة عن النبى أنه قال إنا معشر الأنبياء ديننا واحد

(1/357)


وقد قال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه وقال تعالى يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم
وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون
فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون وقال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون
منيبين اليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين
من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وهذا هو دين الإسلام الذى لا يقبل الله دينا غيره من الأولين والآخرين كما قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع

(1/358)


فصل
وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله وما نهى الله عنه ورسوله فى حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله عز و جل وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين وأفضل الأولين والآخرين وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاها عند الله تبارك وتعالى تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به ولا يتخذ قبره وثنا يعبد ولا يدعى من دون الله لا فى حياته ولا فى مماته
ولا يجوز لأحد أن يستغيث باحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول يا سيدى فلانا أغثنى وانصرنى وادفع عنى أو أنا فى حسبك ونحو ذلك بل كل هذا من الشرك الذى حرم الله ورسوله وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان ويغويهم فتتصور الشياطين فى صورة ذلك المستغاث به وكخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان وبعض ذلك صدق لكن لابد أن يكون فى ذلك ما هو كذب بل الكذب أغلب عليه من الصدق

(1/359)


وقد تقضى الشياطين بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذى جاء من الغيب حتى فعل ذلك أو يظن أن الله تعالى صور ملكا على صورته فعل ذلك ويقول أحدهم هذا سر الشيخ وحاله وانما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به كما تدخل الشياطين فى الأصنام وتكلم عابديها وتقضى بعض حوائجهم كما كان ذلك فى أصنام مشركى العرب وهو اليوم موجود فى المشركين من الترك والهند وغيرهم وأعرف من ذلك وقائع كثيرة فى أقوام استغاثوا بى وبغيرى فى حال غيبتنا عنهم فرأونى أو ذاك الآخر الذى استغاثوا به قد جئنا فى الهواء ودفعنا عنهم ولما حدثونى بذلك بينت لهم أن ذلك انما هو شيطان تصور بصورتى وصورة غيرى من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم فى الإستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين وهذا من أكبر الأسباب التى بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان
وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس يرون أيضا من يأتى على صورة ذلك الشيخ النصرانى الذى استغاثوا به فيقضى بعض حوائجهم
وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت النبى غاية أحدهم أن يجرى له بعض هذه الأمور أو يحكى لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل ومن هؤلاء من يأتى الى قبر الشيخ

(1/360)


الذى يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله من الشياطين وهذا من أعظم الأسباب التى عبدت بها الأوثان
وقد قال الخليل عليه السلام واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام
ب انهن أضللن كثيرا من الناس كما قال نوح عليه السلام ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيرا من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب
منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين
ومنهم من جعلها ثماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر
ومنهم من جعلها لأجل الجن
ومنهم من جعلها لأجل الملائكة فالمعبود لهم فى قصدهم انما هو الملائكة والأنبياء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم فى نفس الأمر يعبدون الشياطين فهى التى تقصد من الإنس أن يعبدوها وتظهر لهم ما يدعوهم الى ذلك كما قال تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون
قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون
وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو

(1/361)


الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرفوه أنهم الجن
وقد يطلب الشيطان المتمثل له فى صورة الإنسان أن يسجد له أو أن يفعل به الفاحشة أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر أو أن يقرب لهم الميتة وأكثرهم لا يعرفون ذلك بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة واما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس وأولئك جن تمثلت بصور الإنس أو رؤيت فى غير صور الإنس وقال تعالى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال أعوذ بعظيم هذا الوادى من سفهائه وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سببا لطغيان الجن وقالت الإنس تستعيذ بنا
وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هى تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك فى بعض الأمور وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد الا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا

(1/362)


ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق ولبئس ما شرو به أنفسهم لو كانوا يعلمون
وكثير من هؤلاء يطير فى الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به الى مكة وغيرها ويكون مع ذلك زنديقا يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله ويستحل المحارم التى حرمها الله ورسوله وانما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله فارقته تلك الشياطين وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات وأنا أعرف من هؤلاء عددا كثيرا بالشام ومصر والحجاز واليمن وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم
وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية الى أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها فحيث قوى الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية والشخص الواحد الذى يجتمع فيه هذا وهذا الذى تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال
والمشركون الذين لم يدخلوا فى الإسلام مثل البخشية والطونية والبدى

(1/363)


ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخطأ وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم فى الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذى يغنى لهم به يمشى فى الهواء ويضرب رأس أحدهم اذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدا يضرب له ويطوف الإناء الذى يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله ويكون أحدهم فى مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه طعاما يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتى به وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركا أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم وعند التتار من هذا أنواع كثيرة
وأما الداخلون فى الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول بل دعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضى الشيطان ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين مع نوع جهل يحمل أحدهم فيوقف بعرفات مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت بمزدلفة ولا يطوف طواف الإفاضة ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات الأولياء ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان به
فإن مثل هذا الحج ليس مشروعا ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ومن ظن أن هذا عبادة وكرامة لأولياء الله فهو ضال جاهل
ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا فإنهم أجل

(1/364)


قدرا من ذلك وقد جرت هذه القضية لبعض من حمل هو وطائفة معه من الإسكندرية الى عرفة فرأى ملائكة تنزل وتكتب أسماء الحجاج فقال هل كتبتمونى قالوا أنت لم تحج كما حج الناس أنت لم تتعب ولم تحرم ولم يحصل لك من الحج الذى يثاب الناس عليه ما حصل للحجاج وكان بعض الشيوخ قد طلب منه بعض هؤلاء أن يحج معهم فى الهواء فقال لهم هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله
ودين الإسلام مبنى على أصلين على أن يعبد الله وحده ولا يشرك به شىء وعلى أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه وهذان هما حقيقة قولنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فالإله هو الذى تألهه القلوب عبادة وإستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء واجلالا واكراما والله عز و جل له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف الا الله ولا يطاع إلا الله
والرسول صلى الله عليه و سلم هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والرسول صلى الله عليه و سلم واسطة بين الله وبين خلقه فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده وتحليله وتحريمه وسائر ما بلغه من كلامه وأما فى إجابة الدعاء وكشف البلاء والهداية والإغناء فالله تعالى هو الذى يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ونجواهم وهو سبحانه قادر على

(1/365)


إنزال النعم وإزالة الضر والسقم من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم والأسباب التى بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها فهو مسبب الأسباب وهو الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شان فأهل السموات يسألونه وأهل الأرض يسألونه وهو سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا عن سمع كلام هذا ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم بل يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ولا يبرمه إلحاح الملحين بل يجب الإلحاح فى الدعاء
وقد كان الصحابه رضوان الله عليهم إذا سألوا النبى صلى الله عليه و سلم عن الأحكام أمر رسول الله بإجابتهم كما قال تعالى يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كثير الى غير ذلك من مسائلهم
فلما سألوه عنه سبحانه وتعالى قال وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فلم يقل سبحانه فقل بل قال تعالى فإنى قريب أجيب دعوة الداع
فهو قريب من عباده كما قال النبى فى الحديث لما كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر والدعاء فقال أيها الناس اربعوا على أنفسكم

(1/366)


فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه أقرب الى أحدكم من عنق راحلته
وقال النبى إذا قام أحدكم الى صلاته فلا يبصقن قبل وجهه فان الله قبل وجهه ولا عن يمينه فان عن يمينه ملكا ولكن عن يساره أو تحت قدمه وهذا الحديث فى الصحيح من غير وجه
وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ليس فى مخلوقاته شىء من ذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته وهو سبحانه غنى عن العرش وعن سائر المخلوقات لا يفتقر الى شىء من مخلوقاته بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش
وقد جعل تعالى العالم طبقات ولم يجعل أعلاه مفتقرا الى أسفله فالسماء لا تفتقر الى الهواء والهواء لا يفتقر الى الأرض فالعلى الأعلى رب السموات والأرض وما بينهما الذى وصف نفسه بقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر الى شىء بحمل أو غير حمل بل هو الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الذى كل ما سواه مفتقر اليه وهو مستغن عن كل ما سواه
وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع قد بين فيه التوحيد الذى بعث الله به رسوله قولا وعملا فالتوحيد القولى مثل سورة الإخلاص قل هو الله أحد والتوحيد العملى قل يا أيها الكافرون ولهذا كان النبى

(1/367)


صلى الله عليه و سلم يقرأ بهاتين السورتين فى ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ذلك و
قد كان أيضا يقرأ فى ركعتى الفجر وركعتى الطواف قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية وفى الركعة الثانية بقوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون
فإن هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام وفيهما الإيمان القولى والعملى فقوله تعالى آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل الى ابراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط الى آخرها يتضمن الإيمان القولى والإسلام وقوله قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الآية الى آخرها يتضمن الإسلام والإيمان العملى فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام والإيمان وهما فى هاتين الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم
فهذا آخر السؤال والجواب الذى أحببت ايراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه من المقاصد المهمة والقواعد النافعة فى هذا الباب مع الإختصار فإن التوحيد هو سر القرآن ولب الإيمان وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد فى مصالح المعاش والمعاد والله أعلم

(1/368)


قال شيخ الإسلام
فى قول القائل أسألك بحق السائلين عليك وما فى معناه
الجواب
أما قول القائل أسألك بحق السائلين عليك فإنه قد روى فى حديث عن النبى رواه ابن ماجه لكن لا يقوم بإسناده حجة وان صح هذا عن النبى كان معناه أن حق السائلين على الله أن يجيبهم وحق العابدين له أن يثيبهم وهو كتب ذلك على نفسه كما قال وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه كقول القائلين ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك وكدعاء الثلاثة الذين أووا الى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التى وعدهم أن يثيبهم عليها

(1/369)


ولما كان الشيخ فى قاعة الترسيم
دخل الى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذى كان عليه ابراهيم والمسيح
فقالوا له نحن نعمل مثل ما تعملون أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك فقال لهم وأى من فعل ذلك ففيه شبه منكم وهذا ما هو دين ابراهيم الذى كان عليه فإن الدين الذى كان عليه ابراهيم عليه السلام أن لا نعبد الا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكا ولا شمسا ولا قمرا ولا كوكبا ولا نشرك معه نبيا من الأنبياء ولا صالحا ان كل من فى السموات والأرض الا آت الرحمن عبدا
وأن الأمور التى لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل انزال المطر وانبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا
الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم

(1/370)


ونصدقهم فى جميع ما جاءوا به ونطيعهم كما قال نوح وصالح وهود وشعيب أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده والطاعة لهم فإن طاعتهم من طاعة الله فلو كفر أحد بنبى من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبى وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافرا حتى يؤمن بذلك الكتاب وكذلك الملائكة واليوم الآخر فلما سمعوا ذلك منه قالوا الدين الذى ذكرته خير من الدين الذى نحن وهؤلاء عليه ثم إنصرفوا من عنده

(1/371)


سئل رحمه الله
عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك
فأجاب أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الإنحناء كالركوع أيضا كما قالوا للنبى صلى الله عليه و سلم الرجل منا يلقى أخاه أينحنى له قال لا ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبى فقال ما هذا يا معاذ قال يا رسول الله رأيتهم فى الشام يسجدون لاساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال كذبوا عليهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها يا معاذ أنه لا ينبغى السجود إلا لله وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينا فهو ضال مفتر بل يبين له وأن هذا ليس بدين ولا قربة فإن أصر علىذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل
وأما اذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه

(1/372)


أو حبسه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذى يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثرالعلماء فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره ولكن عليه مع ذلك أن يكرههه بقلبه ويحرص على الإمتناع منه بحسب الإمكان ومن علم الله منه الصدق أعانه الله تعالى وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك وذهب طائفة الى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال ويروى ذلك عن إبن عباس ونحوه قالوا إنما التقية باللسان وهو الرواية الآخرى عن أحمد
وأما فعل ذلك لاجل فضول الرياسة والمال فلا وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى جائزا والله أعلم

(1/373)


وسئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو العباس
أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى
عن النهوض والقيام الدي يعتاده الناس من الاكرام عند قوم شخص معين معتبر هل يجوز أو لا وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتآذى باطنا وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت وأيضا المصادفات في المحافل وغيرها وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض هل يجوز ذلك أم يحرم فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعا ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أن لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنا بذلك دائما هل يأثم على ذلك أم لا وإذا قال سجدت لله هل يصح ذلك أم لا
فأجاب الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما يفعله كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك لم يكن شخص أحب إليهم من البي وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته

(1/374)


لذلك ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له كما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قام لعكرمة وقال لأنصار لما قدم سعد بن معاذ قوموا إلى سيدكم وكان قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه
والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عيه وسلم فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى وهدى خير القرون إلى ما هو دونه وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد
وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن
وإذا كان من عادة الناس اكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا أعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار فإن ذلك أن يقوموا له وهو قادا ليس هو أن يقوموا المجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت إليه وقمت له والقائم للقادم سواه في القيام بخلاف القائم للقاعد
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي لما صلى بهم قاعدا

(1/375)


في مرضه صلوا قياما أمرهم بالقعود وقال لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود
وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب الامكان فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما

(1/376)


فصل
وأما الإنحناء عند التحية فينهي عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله الله عليه وسلم أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحنى له قال لا ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز و جل وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا كما في قصة يوسف وخروا له سجدا وقال يا أبيت هذا تأويل رؤياي من قبل وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه

(1/377)


وقال شيخ الإسلام
فصل كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله فيسمون بعضهم عبد الكعبة كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة واسم عبد شمس بن عبد مناف وبعضهم عبد الات وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله
ونظير تسمية النصارى عبد المسيح فغير النبي ذلك وعبدهم لله وحده فسمى جماعات من أصحابه عبد الله وعبد الرحمن كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا وكما سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزة فسماه عبد الرحمن وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم
ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغلية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في المشائخ فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس أو غلام ابن

(1/378)


الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح وفي نفوس المشركين من آلهتم رجاء وخشية وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية وعامة ما سمى به النبي عبد الله وعبد الرحمن كما قال تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى فإن هذين الإسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى
وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن والأحد والواحد والقادر والكريم والملك والحق وقد ثبت في صحيح مسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي قال أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة وكان من شعار أصحاب رسول الله معه في الحروب يا بني عبد الرحمن يا بني عبد الله يا بني

(1/379)


عبيد الله كما قالوا ذلك يوم بدر وحنين والفتح والطائف فكان شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله

(1/380)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وعلى آله وسلم تسليما
قاعدة أولية
أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان بالله ورسوله وعند الرسول هو وحى الله اليه كما قال

(2/1)


خاتم الأنبياء أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم واموالهم الا بحقها وقال الله تعالى له قل إن ضللت فانما أضل على نفسى وان اهتديت فبما يوحى الى ربى وقال ووجدك ضالا فهدى وقال نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين

(2/2)


فأخبر انه كان قبله من الغافلين وقال وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا وفى صحيح البخارى فى خطبة عمر لما توفى النبى كلام معناه أن الله هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوا به فإنكم
وتقرير الحجة فى القرآن بالرسل كثير كقوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك الى قوله وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى امها رسولا الاية وقوله كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير وقوله وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى اذا جاءوها

(2/3)


فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم الآية وقوله يا معشر الجن والإنس الآية
ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على الأبواب اذا جمعوا فيها أصناف العلم ابتدءوها بأصل العلم والإيمان كما ابتدأ البخارى صحيحه ببدىء الوحى ونزوله فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولا ثم اتبعه بكتاب الإيمان الذى هو الإقرار بما جاء به ثم بكتاب العلم الذى هو معرفة ماجاء به فرتبه الترتيب الحقيقى وكذلك الإمام أبو محمد الدارمى صاحب المسند ابتدأ كتابه بدلائل النبوة وذكر فى ذلك طرفا صالحا وهذان الرجلان أفضل بكثير من مسلم والترمذى ونحوهما ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظم هذين ونحوهما لأنهم فقهاء فى الحديث أصولا وفروعا
ولما كان أصل العلم والهدى هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة كان ذكره طريق الهداية بالرسالة التى هى القرآن وما جاءت به الرسل كثيرا جدا كقوله ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين وقوله هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وقوله إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم وقوله وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وقوله كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وقوله فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولايشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى وقوله وإنك

(2/4)


لتهدى الى صراط مستقيم صراط الله وقال تعالى وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله
فيعلم أن آيات الله والرسول تمنع الكفر وهذا كثير
وكذلك ذكره حصول الهداية والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن كقوله هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب الآية ثم ذم الذين كفروا والذين نافقوا وقوله والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
فحكم على النوع كله والأمة الإنسانية جميعها بالخسارة والسفول إلى الغاية إلا المؤمنين الصالحين
وكذلك جعل أهل الجنة هم أهل الإيمان وأهل النار هم أهل الكفر فيما شاء الله من الآيات حتى صار ذلك معلوما علما شائعا متواترا اضطراريا من دين الرسول عند كل من بلغته رسالته
وربط السعادة مع إصلاح العمل به فى مثل قوله ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وقوله ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا
وأحبط الأعمال الصالحة بزواله فى مثل قوله والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة وقوله والذين كفروا أعمالهم كرماد وقوله مثل ما ينفقون

(2/5)


فى هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم الآية وقوله وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ونحو ذلك كثير
وذكر حال جميع الأمم المهتدية أنهم كذلك فى قوله إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا الآية
ولهذا أمر أهل العقل بتدبره وأهل السمع بسمعه فدعا فيه الى التدبر والتفكير والتذكر والعقل والفهم والى الإستماع والإبصار والإصغاء والتأثر بالوجل والبكاء وغير ذلك وهذا باب واسع
ولما كان الإقرار بالصانع فطريا كما قال صلى الله عليه و سلم كل مولود يولد على الفطرة الحديث فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله والإنابة اليه وهو معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو الذى يعرف ويعبد وقد بسطت هذا المعنى فى غير هذا الموضع
وكان المقصود بالدعوة وصول العباد الى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لاشريك له والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح فإن القلب هو الملك والأعضاء جنوده وهو المضغة الذى اذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد وانما ذلك بعلمه وحاله كان هذا الأصل الذى هو عبادة الله بمعرفته ومحبته هو أصل الدعوة فى القرآن فقال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

(2/6)


وقال فى صدر البقرة بعد أن صنف الخلق ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق فقال بعد ذلك يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون وذكر آلاءه التى تتضمن نعمته وقدرته ثم اتبع ذلك بتقريره النبوة بقوله وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه حيث قررت الربوبية ثم الرسالة ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية فى نظره فى القضايا العقليات أولا من تقرير الربوبية ثم تقرير النبوة ثم تلقى السمعيات من النبوة كما هى الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة والكرامية والكلابية والأشعرية ومن سلك هذه الطريق فى إثبات الصانع أولا بناء على حدوث العالم ثم اثبات صفاته نفيا واثباتا بالقياس العقلى على ما بينهم فيه من اتفاق واختلاف إما فى المسائل واما فى الدلائل ثم بعد ذلك يتكلمون فى السمعيات من المعاد والثواب والعقاب والخلافة والتفضيل والإيمان بطريق مجمل
وانما عمدة الكلام عندهم ومعظمه هو تلك القضايا التى يسمونها العقليات وهى أصول دينهم وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التى بنوا عليها ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة
وهم قسمان
قسم بنوا على هذه العقليات القياسية الأصول العلمية دون العملية كالأشعرية

(2/7)


وقسم بنوا عليها الأصول العلمية والعملية كالمعتزلة حتى أن هؤلاء يأخذون القدر المشترك فى الأفعال بين الله وبين عباده فما حسن من الله حسن من العبد وما قبح من العبد قبح من الله ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال ولاشك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامى وردهم لما جاء به الكتاب والسنة
والآخرون لما شاركوهم فى بعض ذلك لحقهم من الذم والعيب بقدر ما وافقوهم فيه وهو موافقتهم فى كثير من دلائلهم التى يزعمون أنهم يقررون بها أصول الدين والإيمان وفى طائفة من مسائلهم التى يخالفون بها السنن والآثار وما عليه أهل العقل والدين
وليس الغرض هنا تفصيل أحوالهم فإنا قد كتبنا فيه أشياء فى غير هذا الموضع
وإنما الغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت فى أصول الدين وفروعه فى الدلائل والمسائل بأكمل المناهج
والمتكلم يظن أنه بطريقته التى انفرد بها قد وافق طريقة القرآن تارة فى إثبات الربوبية وتارة فى إثبات الوحدانية وتارة فى إثبات النبوة وتارة فى إثبات المعاد وهو مخطئ فى كثير من ذلك أو أكثره مثل هذا الموضع
فإنه قد أخطأ المتكلم فى ظنه أن طريقة القرآن توافق طريقته من وجوه

(2/8)


منها أن إثبات الصانع فى القرآن بنفس آياته التى يستلزم العلم بها العلم به كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتياج الى قياس كلى يقال فيه وكل محدث فلابد له من محدث أو كل ممكن فلابد له من مرجح أوكل حركة فلابد لها من علة غائية أو فاعلية ومن غير احتياج الى أن يقال سبب الإفتقار الى الصانع هل هو الحدوث فقط كما تقوله المعتزلة أو الامكان كما يقوله الجمهور حتى يرتبون عليه أن الثانى حال باقية مفتقر الى الصانع على القول الثانى الصحيح دون الأول فإنى قد بسطت هذا الموضع فى غير هذا المكان وبينت ما هو الحق من أن نفس الذوات المخلوقة مفتقرة الى الصانع وأن فقرها وحاجتها اليه وصف ذاتى لهذه الموجودات المخلوقة كما أن الغنى وصف ذاتى للرب الخالق وأنه لاعلة لهذا الافتقار غير نفس الماهية وعين الإنية كما أنه لاعلة لغناه غير نفس ذاته
فلك أن تقول لاعلة لفقرها وغناه إذ ليس لكل أمر علة فكما لا علة لوجوده وغناه لاعلة لعدمها إذا لم يشأكونها ولا لفقرها إليه اذا شاء كونها وان شئت أن تقول علة هذا الفقر وهذا الغنى نفس الذات وعين الحقيقة
ويدل على ذلك أن الإنسان يعلم فقر نفسه وحاجتها الى خالقه من غير أن يخطر بباله أنها ممكنة والممكن الذى يقبل الوجود والعدم أو أنها محدثة والمحدث المسبوق بالعدم بل قد يشك فى قدمها أو يعتقده وهو يعلم فقرها وحاجتها الى بارئها فلو لم يكن للفقر الى الصانع علة إلا الإمكان أو

(2/9)


الحدوث لما جاز العلم بالفقر إليه حتى تعلم هذه العلة اذ لادليل عندهم على الحاجة الى المؤثر إلا هذا
وحينئذ فالعلم بنفس الذوات المفتقرة والإينات المضطرة توجب العلم بحاجتها الى بارئها وفقرها اليه ولهذا سماها الله آيات فهذان مقامان
أحدهما أنها مفتقرة الى المؤثر الموجب أو المحدث لهاتين العلتين
الثانى أن كل مفتقر الى المؤثر الموجب أو المحدث فلابد له منه وهو كلام صحيح فى نفسه لكن ليس الطريق مفتقرا اليه وفيه طول وعقبات تبعد المقصود
أما المقام الأول فالعلم بفقرها غير مفتقر الى دليل على ذلك من امكان أو حدوث
وأما الثانى فإن كونها مفتقرة اليه غير مفتقر إلى أن يستدل عليه بقياس كلى من أن كل ممكن فلابد له من موجب وكل محدث فلابد له من محدث لأنها آية له يمتنع أن تكون دونه أو أن تكون غير آية له
والقلب بفطرته يعلم ذلك وإن لم يخطر بقلبه وصف الإمكان والحدوث
والنكتة أن وصف الإمكان والحدوث لايجب أن يعتبره القلب لا فى فقر ذواتها ولا فى أنها آية لباريها وإن كانا وصفين ثابتين وهما أيضا دليل صحيح لكن أعيان الممكنات آية لعين خالقها الذى ليس كمثله شئ بحيث لايمكن أن يقع شركة فيه

(2/10)


وأما قولنا كل ممكن فله مرجح وكل محدث فله محدث فإنما يدل على محدث ومرجح وهو وصف كلى يقبل الشركة ولهذا القياس العقلى لايدل على تعيين وانما يدل على الكلى المطلق فلابد اذا من التعيين فالقياس دليل على وصفية مطلقة كلية
وأيضا فإذا استدل على الصانع بوصف إمكانها أو حدوثها أو هما جميعا لم يفتقر ذلك إلى قياس كلى بأن يقال وكل محدث فلابد له من محدث أو كل ممكن فلابد له من مرجح فضلا عن تقرير هاتين المقدمتين بل علم القلب بافتقار هذا الممكن وهذا المحدث كعلمه بافتقار هذا الممكن وهذا المحدث فليس العلم بحكم المعينات مستفادا من العلم الكلى الشامل لها بل قد يكون العلم بحكم المعين فى العقل قبل العلم بالحكم الكلى العام كما أن العلم بأن العشرة ضعف الخمسة ليس موقوفا على العلم بأن كل عدد له نصفية فهو ضعف نصفيه وعلى هذا جاء قوله أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون قال جبير بن مطعم لما سمعتها أحسست بفؤادى قد تصدع وهو استفهام إنكار يقول أؤجدوا من غير مبدع فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكون ويعلمون أنهم لم يكونوا نفوسهم وعلمهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة بنفسه لايحتاج أن يستدل عليه بأن كل كائن محدث أو كل ممكن لايوجد بنفسه ولا يوجد من غير موجد وان كانت هذه القضية العامة النوعية صادقة لكن العلم بتلك المعينة الخاصة إن لم يكن سابقا لها فليس متأخرا عنها ولا دونها فى الجلاء

(2/11)


وقد بسطت هذا المعنى فى غير هذا الموضع وذكرت دعوة الأنبياء عليهم السلام أنه جاء بالطريق الفطرية كقولهم أفى الله شك فاطر السموات والأرض وقول موسى رب السموات والأرض وقوله فى القرآن اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذى جعل لكم الأرض فراشا بين أن نفس هذه الذوات آية لله كما أشرنا إليه أولا من غير حاجة إلى ذينك المقامين ولما وبخهم بين حاجتهم الى الخالق بنفوسهم من غير أن تحتاج إلى مقدمة كلية هم فيها وسائر أفرادها سواء بل هم أوضح وهذا المعنى قررته مبسوطا فى غير هذا
الوجه الثانى فى مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية ان الله أمر بعبادته التى هى كمال النفوس وصلاحها وغايتها ونهايتها لم يقتصر على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية فلا وافقوا لا فى الوسائل ولا فى المقاصد فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا إلى أنها فطرية قريبة موصلة إلى عين المقصود وتلك قياسية بعيدة ولا توصل الا إلى نوع المقصود لا إلى عينه
وأما المقاصد فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له فجمع بين قوتى الإنسان العلمية والعملية الحسية والحركية الإرادية الإدراكية والإعتمادية القولية والعملية حيث قال اعبدوا ربكم فالعبادة لابد فيها من معرفته والإنابة اليه والتذلل له والإفتقار اليه وهذا هو المقصود والطريقة الكلامية إنما تفيد مجرد الإقرار والإعتراف بوجوده

(2/12)


وهذا اذا حصل من غير عبادة وانابة كان وبالا على صاحبه وشقاء له كما جاء فى الحديث أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه كإبليس اللعين فإنه معترف بربه مقر بوجوده لكن لما لم يعبده كان رأس الأشقياء وكل من شقى فباتباعه له كما قال لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين
فلا بد أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه مع أنه معترف بالرب مقر بوجوده وانما أبى واستكبر عن الطاعة والعبادة والقوة العلمية مع العملية بمنزلة الفاعل والغاية ولهذا قيل العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر والمراد بالعمل هنا عمل القلب الذى هو انابته الى الله وخشيته له حتى يكون عابدا له
فالرسل والكتب المنزلة أمرت بهذا وأوجبته بل هو رأس الدعوة ومقصودها وأصلها والطريقة السماعية العملية الصوتية المنحرفة توافق على المقصود العملى لكن لابعلم بل بصوت مجرد أو بشعر مهيج أو بوصف حب مجمل فكما أن الطريقة الكلامية فيها علم ناقص بلا عمل فهذه الطريقة فيها عمل ناقص بلا علم والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين
ففاتحة دعوة الرسل الأمر بالعبادة قال تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم وقال أمرت أن أقاتل

(2/13)


الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وذلك يتضمن الإقرار به وعبادته وحده فإن الإله هو المعبود ولم يقل حتى يشهدوا أن لارب إلا الله فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له التى لها خلق الخلق وبها أمروا
وكذلك قوله لمعاذ إنك تأتى قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال نوح عليه السلام أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون وكذلك الرسل فى سورة الأعراف وغيرها
وقال ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال للرسل جميعا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون وقال تعالى لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وقال إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شيء وقال قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد وقال فى الفاتحة إياك نعبد وإياك نستعين وقال فاعبده وتوكل عليه وقال فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا وقال وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء

(2/14)


وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
فصل فى تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل
وذلك ببيان وتحرير أصل العلم والإيمان كما قد كتبته أولا فى بيان أصل العلم الإلهى والذى أكتبه هنا بيان الفرق بين المنهاج النبوى الإيمانى العلمى الصلاحى والمنهاج الصابئ الفلسفى وما تشعب عنه من المنهاج الكلامى والعبادى المخالف لسبيل الأنبياء وسنتهم
وذلك أن الأنبياء عليهم السلام دعوا الناس إلى عبادة الله أولا بالقلب واللسان وعبادته متضمنة لمعرفته وذكره
فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله وذلك فطرى كما قد قررته فى غير هذا الموضع فى موضعين أو ثلاثة وبينت أن أصل العلم الإلهي فطرى ضرورى وأنه أشد رسوخا فى النفوس من مبدإ العلم الرياضى كقولنا ان الواحد نصف الاثنين ومبدأ العلم الطبيعى كقولنا ان الجسم

(2/15)


لايكون فى مكانين لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة وبسط هذا له موضع غير هذا وانما الغرض هنا أن الله سبحانه لما كان هو الأول الذى خلق الكائنات والآخر الذى إليه تصير الحادثات فهو الأصل الجامع فالعلم به أصل كل علم وجامعه وذكره أصل كل كلام وجامعه والعمل له أصل كل عمل وجامعه وليس للخلق صلاح إلا فى معرفة ربهم وعبادته وإذا حصل لهم ذلك فما سواه إما فضل نافع واما فضول غير نافعة واما أمر مضر
ثم من العلم به تتشعب أنواع العلوم ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة والقلب بعبادته والإستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق واعتصم بالدليل الهادى والبرهان الوثيق فلا يزال إما فى زيادة العلم والإيمان وإما فى السلامة عن الجهل والكفر وبهذا جاءت النصوص الإلهية فى أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات الى النور وضرب مثل المؤمن وهو المقر بربه علما وعملا بالحى والبصير والسميع والنور والظل وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور وقالوا فى الوسواس الخناس هو الذى اذا ذكر الله خنس واذا غفل عن ذكر الله وسوس

(2/16)


فتبين بذلك أن ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذى هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق وظلم وقال الله تعالى ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وقال انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وقال ومن يعتصم بالله فقد هدى الى صراط مستقيم ونحو ذلك من النصوص
وفى الدعاء الذى علمه الإمام احمد لبعض أصحابه يا دليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين واجعلنى من عبادك الصالحين ولهذا كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على أن الله يسمى دليلا ومنع ابن عقيل وكثير من أصحاب الأشعري أن يسمى دليلا لاعتقادهم أن الدليل هو ما يستدل به وأن الله هو الدال وهذا الذى قالوه بحسب ماغلب فى عرف استعمالهم من الفرق بين الدال والدليل وجوابه من وجهين
أحدهما أن الدليل معدول عن الدال وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة فكل دليل دال وليس كل دال دليلا وليس هو من أسماء الآلات التى يفعل بها فإن فعيل ليس من أبنية الآلات كمفعل ومفعال وانما سمى ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة باعتبار أنها تدل من يستدل بها كما يخبر عنها بأنها تهدى وترشد وتعرف وتعلم وتقول وتجيب وتحكم وتفتى وتقص وتشهد وان لم يكن لها فى ذلك قصد وارادة ولا حس وادراك كما هو مشهور فى الكلام العربى وغيره فما ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له فى كلام العرب

(2/17)


الثانى أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التى يفعل بها فقد قال الله تعالى فيما روى عنه نبيه فى عبده المحبوب فبى يسمع وبى يبصر وبى يعقل وبى ينطق وبى يبطش وبى يسعى والمسلم يقول استعنت بالله واعتصمت به
وإذا كان ما سوى الله من الموجودات الأعيان والصفات يستدل بها سواء كانت حية أو لم تكن بل ويستدل بالمعدوم فلأن يستدل بالحى القيوم أولى وأحرى على أن الذى فى الدعاء المأثور يادليل الحيارى دلنى على طريق الصادقين واجعلنى من عبادك الصالحين يقتضى أن تسميته دليلا باعتبار أنه دال لعباده لابمجرد أنه يستدل به كما قد يستدل بمالا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان والأقوال والأفعال
ومن أسمائه الهادى وقد جاء أيضا البرهان ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال عرفت الأشياء بربى ولم أعرف ربى بالأشياء وقال بعضهم هو الدليل لى على كل شئ وان كان كل شئ لئلا يعذبنى عليه دليلا وقيل لابن عباس بماذا عرفت ربك فقال من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره فى التباس خارجا عن المنهاج ظاعنا فى الإعوجاج عرفته بما عرف به نفسه ووصفته بما وصف به نفسه فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعربف الله وهو نور الإيمان وأن وصف اللسان حصل بكلام الله وهو نور القرآن

(2/18)


وقال آخر للشيخ ... قالوا ائتنا ببراهين فقلت لهم ... أنى يقوم على البرهان برهان ...
وقال الشيخ العارف للمتكلم اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فأجابه بأنه ضرورى
وقال الشيخ اسماعيل الكورانى للشيخ المتكلم أنتم تقولون ان الله يعرف بالدليل ونحن نقول انه تعرف الينا فعرفناه يعنى أنه تعرف بنفسه وبفضله مع أن كلام هذين الشخين فيه اشارة الى الطريقة العبادية وقد تكلمت عليها فى غير هذا الموضع
فإذا كان الحق الحى القيوم الذى هو رب كل شئ ومليكه ومؤصل كل أصل ومسبب كل سبب وعلة هو الدليل والبرهان والأول والأصل الذى يستدل به العبد ويفزع اليه ويرد جميع الأواخر اليه فى العلم كان ذلك سبيل الهدى وطريقه كما أن الأعمال والحركات لما كان الله مصدرها واليه مرجعها كان المتوكل عليه فى عمله القائل أنه لاحول ولا قوة الا بالله مؤيدا منصورا
فجماع الأمر أن الله هو الهادى وهو النصير وكفى بربك هاديا ونصيرا وكل علم فلابد له من هداية وكل عمل فلابد له من قوة فالواجب

(2/19)


أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولايستهدى العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه
والعبد لما كان مخلوقا مربوبا مفطورا مصنوعا عاد فى علمه وعمله إلى خالقه وفاطره وربه وصانعه فصار ذلك ترتيبا مطابقا للحق وتأليفا موافقا للحقيقة إذ بناء الفرع على الأصل وتقديم الأصل على الفرع هو الحق فهذه الطريقة الصحيحة الموافقة لفطرة الله وخلقته ولكتابه وسنته
وقد ثبت فى صحيح مسلم عن عامر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا قام إلى صلاة الليل يقول اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم
وأما الطريقة الفلسفية الكلامية فإنهم ابتدءوا بنفوسهم فجعلوها هى الأصل الذى يفرعون عليه والأساس الذى يبنون عليه فتكلموا فى ادراكهم للعلم أنه تارة يكون بالحس وتارة بالعقل وتارة بهما
وجعلوا العلوم الحسية والبديهية ونحوها هى الأصل الذى لايحصل علم الا بها ثم زعموا أنهم انما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم من الأمور الطبيعية والحسابية والأخلاق فجعلوا هذه الثلاثة هى الاصول

(2/20)


التى يبنون عليها سائر العلوم ولهذا يمثلون ذلك فى أصول العلم والكلام بأن الواحد نصف الإثنين وان الجسم لايكون فى مكانين وان الضدين كالسواد والبياض لايجتمعان فهذان الفنان متفق عليهما وأما الأخلاق مثل استحسان العلم والعدل والعفة والشجاعة فجمهور الفلاسفة والمتكلمين يجعلونها من الأصول لكنها من الأصول العامة ومنهم من لا يجعلها من الأصول بل يجعلها من الفروع التى تفتقر الى دليل وهو قول غالب المتكلمة المنتصرين للسنة فى تأويل القدر فكان الذي أصلوه واتفقوا عليه من المعارف أمر قليل الفائدة نزر الجدوى وهو الأمور السفلية
ثم اذا صعدوا من هذه المقدمات والدلائل الى الامور العلوية فلهم طريقان
أما المتكلمة المتبعون للنبوات فغرضهم فى الغالب انما هو اثبات صانع العالم والصفات التى بها تثبت النبوة على طريقهم ثم أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات وهى الكتاب والسنة والاجماع وفروع ذلك
وأما المتفلسفة فهم فى الغالب يتوسعون فى الأمور الطبيعية ولوازمها ثم يصعدون الى الافلاك وأحوالها ثم المتألهون منهم يصعدون الى واجب

(2/21)


الوجود والى العقول والنفوس ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداء من جهة أن الوجود لابد فيه من واجب وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد أما المقاصد فان حاصلها بعد التعب الكثير والسلامة خير قليل فهى لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ثم انه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا
وأما الوسائل فان هذه الطرق كثيرة المقدمات ينقطع السالكون فيها كثيرا قبل الوصول ومقدماتها فى الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها وإما خفية لا يدركها الا الأذكياء
ولهذا لا يتفق منهم اثنان رئيسان على جميع مقدمات دليل الا نادرا فكل رئيس من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين له طريقة فى الإستدلال تخالف طريقة الرئيس الآخر بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما فى طريقة الآخر ويعتقد كل منهما أن الله لا يعرف إلا بطريقته وان كان جمهور أهل الملة بل عامة السلف يخالفونه فيها
مثال أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف الا بإثبات حدوث العالم ثم الاستدلال بذلك على محدثه ثم لهم فى إثبات حدوثه طرق فأكثرهم يستدلون بحدوث الاعراض وهى صفات الاجسام ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم يعتقدون أن اثبات الصانع والنبوة لا يمكن الا بعد اعتقاد

(2/22)


أن العبد هو المحدث لافعاله والا انتقض الدليل ونحو ذلك من الاصول التى يخالفهم فيها جمهور المسلمين
وجمهور هؤلاء المتكلمين المستدلين على حدوث الاجسام بحدوث الحركات يجعلون هذا هو الدليل على نفى ما دل عليه ظاهر السمعيات من أن الله يجىء وينزل ونحو ذلك والمعتزلة وغيرهم يجعلون هذا هو الدليل على ان الله ليس له صفة لا علم ولا قدرة ولا عزة ولا رحمة ولا غير ذلك لان ذلك بزعمهم أعراض تدل على حدوث الموصوف
وأكثر المصنفين فى الفلسفة كابن سينا يبتدىء بالمنطق ثم الطبيعى والرياضى أو لا يذكره ثم ينتقل الى ما عنده من الإلهي وتجد المصنفين فى الكلام يبتدءون بمقدماته فى الكلام فى النظر والعلم والدليل وهو من جنس المنطق ثم ينتقلون الى حدوث العالم واثبات محدثه
ومنهم من ينتقل الى تقسيم المعلومات الى الموجود والمعدوم وينظر فى الوجود وأقسامه كما قد يفعله الفيلسوف فى أول العلم الإلهى
فأما الانبياء فأول دعوتهم شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله

(2/23)


وقد اعترف الغزالى بأن طريق الصوفية هو الغاية لانهم يطهرون قلوبهم مما سوى الله ويملئونه بذكر الله وهذا مبدأ دعوة الرسول لكن الصوفى الذى ليس معه الأثارة النبوية مفصلة يستفيد بها ايمانا مجملا بخلاف صاحب الاثارة النبوية فان المعرفة عنده مفصلة فتدبر طرق العلم والعمل ليتميز لك طريق أهل السنة والايمان من طريق أهل البدعة والنفاق وطريق العلم والعرفان من طريق الجهل والنكران

(2/24)


وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
فصل
قد تكلم طائفة من المتكلمة والمتفلسفة والمتصوفة فى قيام الممكنات والمحدثات بالواجب القديم وهذا المعنى حق فان الله رب كل شىء ومليكه لكن يستشهدون على ذلك بقوله كل شىء هالك الا وجهه ويقولون ان معنى الآية أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك أو هو عدم محض ونفى صرف وانما له الوجود من جهة ربه فهو هالك باعتبار ذاته موجود بوجه ربه أى من جهته هو موجود
ثم منهم من قد يخرج منها الى مذهب الجهمية الإتحادية والحلولية فيقول إن ذلك الوجه هو وجود الكائنات ووجه الله هو وجوده فيكون وجوده وجود الكائنات لا يميز بين الوجود الواجب والوجود الممكن كما هو قول ابن عربى وابن سبعين ونحوهما وهو لازم لمن جعل وجوده وجودا مطلقا لا يتميز بحقيقة تخصه سواء جعله وجودا مطلقا بشرط الإطلاق كما يزعم ابن سينا ونحوه من المتفلسفة أو جعله وجودا مطلقا لا بشرط كما يقوله الإتحادية

(2/25)


وهم يسلمون من القواعد العقلية مما هو يعلم بضرورة العقل ما يوجب أن يكون الموجود بشرط الاطلاق إنما وجوده فى الاذهان لا فى الاعيان كالحيوان المطلق بشرط الاطلاق والانسان المطلق بشرط الاطلاق ونحو ذلك وأن المطلق لا بشرط ليس له حقيقة غير الوجود العينى والذهنى ليس فى الاعيان الموجودة وجود مطلق سوى أعيانها كما ليس فى هذا الانسان وهذا الانسان انسان مطلق وراء هذا الانسان فيكون وجود الرب على الاول ذهنى وعلى الثانى نفس وجود المخلوقات وقول الجهمية من المتقدمين والمتأخرين لا يخرج عن هذين القولين وهو حقيقة التعطيل لكن هم يثبتونه أيضا فيجمعون بين النفى والاثبات فيبقون فى الحيرة ولهذا يجعلون الحيرة منتهى المعرفة ويروون عن النبى حديثا مكذوبا عليه أعلمكم بالله أشدكم حيرة وأنه قال اللهم زدنى فيك تحيرا ويجمعون بين النقيضين ملتزمين لذلك
وهذا قول القرامطة الباطنية والاتحادية وهو لازم لقول الفلاسفة والمعتزلة وان لم يصرح هؤلاء بالتزامه بخلاف الباطنية والاتحادية من المتصوفة فانهم يصرحون بالتزامه ويذكرون ذلك عن الحلاج والمقصود هنا ان يقال أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق فهذا كفر صريح باتفاق أهل الايمان وهو من أبطل الباطل فى بديهة عقل كل انسان وان كان منتحلوه يزعمون انه غاية التحقيق والعرفان وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع

(2/26)


وأما كون المخلوق لا وجود له الا من الخالق سبحانه فهذا حق ثم جميع الكائنات هو خالقها وربها ومليكها لا يكون شىء الا بقدرته ومشيئته وخلقه هو خالق كل شىء سبحانه وتعالى
لكن الكلام هنا فى تفسير الآية بهذا فإن المعانى تنقسم الى حق وباطل
فالباطل لا يجوز ان يفسر به كلام الله
والحق ان كان هو الذى دل عليه القرآن فسر به والا فليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة كالمناسبة التى بين الرؤيا والتعبير وان كانت خارجة عن وجوه دلالة اللفظ كما تفعله القرامطة والباطنية اذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية فلابد ان يكون اللفظ مستعملا فى ذلك المعنى بحيث قد دل على المعنى به لا يكتفي فى ذلك بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى اذ الالفاظ التى يصلح وضعها للمعانى ولم توضع لها لا يحصى عددها الا الله وهذا عند من يعتبر المناسبة بين اللفظ والمعنى كقول طائفة من أهل الكلام والبيان واما عند من لا يعتبر المناسبة فكل لفظ يصلح وضعه لكل معنى لا سيما اذا علم أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه فحمله على غير ذلك لمجرد المناسبة كذب على الله
ثم ان كان مخالفا لما علم من الشريعة فهو دأب القرامطة وان لم يكن مخالفا فهو حال كثير من جهال الوعاظ والمتصوفة الذين يقولون باشارات لا يدل اللفظ

(2/27)


عليها نصا ولا قياسا وأما أرباب الاشارات الذين يثبتون ما دل اللفظ عليه ويجعلون المعنى المشار اليه مفهوما من جهة القياس والاعتبار فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار وهذا حق اذا كان قياسا صحيحا لا فاسدا واعتبارا مستقيما لا منحرفا
وإذا كان المقصود هنا الكلام فى تفسير الآية تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين من أن المعنى كل شىء هالك الا ما أريد به وجهه هو أحسن من ذلك التفسير المحدث بل لا يجوز تفسير الآية بذلك التفسير المحدث وهذا يبين بوجوه بعضها يشير الى الرجحان وبعضها يشير الى البطلان
الأول أنه لم يقل كل شىء هالك الا من جهته الا من وجهه ولكن قال الا وجهه وهذا يقتضى ان ثم اشياء تهلك الا وجهه فان اريد بوجهه وجوده اقتضى ان كل ما سوى وجوده هالك فيقتضى ان تكون المخلوقات هالكة وليس الأمر كذلك وهو ايضا على قول الاتحادية فانه عندهم ما ثم الا وجود واحد فلا يصح أن يقال كلما سوى وجوده هالك اذ ما ثم شىء يخبر عنه بانه سوى وجوده اذ أصل مذهبهم نفى السوى والغير فى نفس الامر
وهذا يتم بالوجه الثانى وهو انه اذا قيل المراد بالهالك الممكن الذى لا وجود له من جهته فيكون المعنى كل شىء ليس وجوده من نفسه الا هو
قيل استعمال لفظ الهالك فى الشىء الموجود المخلوق لأجل ان وجوده من ربه لا من نفسه لا يعرف فى اللغة لا حقيقة ولا مجازا

(2/28)


والقرآن قد فرق فى اسم الهلاك بين شىء وشىء فقال تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وقال تعالى ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وقال تعالى وهم ينهون عنه وينؤن عنه وان يهلكون الا أنفسهم وما يشعرون وقال تعالى وقالوا ما هى الا حياتنا الدنيا نموت ونحى وما يهلكنا الا الدهر وقال تعالى وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون وقال تعالى وكم أهلنا قبلهم قبلهم من قرن وقال وان من قرية الا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة وقال وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وقال وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وقالت الملائكة انا مهلكوا اهل هذه القرية وقال ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين
فهذه الآيات تقتضى ان الهلاك استحالة وفساد فى الشىء الموجود كما سنبينه لا أنه يعنى انه ليس وجوده من نفسه اذ جميع المخلوقات تشترك في هذا
الوجه الثالث أن يقال على هذا التقدير يكون المعنى أن كل ما سواه ممكن قابل للعدم ليس وجوده من نفسه وهذا المعنى ليس هو الذى يقصدونه وإنما مقصودهم أن كلما سواه فوجوده منه وبين المعنيين فرق واضح فان الخبر عن الشىء بأنه ممكن قابل العدم ليس وجوده من نفسه غير الخبر عنه بانه موجود وإن وجوده من الله

(2/29)


الوجه الرابع أن يقال إذا كان المراد أن كلما سواه ممكن والضمير عائد إلى واجب الوجود الى الله الذى خلق الكائنات كان هذا من باب إيضاح الواضح فإنه من المعلوم أن كلما سوى واجب الوجود فهو ممكن وأن كلما هو مخلوق له فهو ممكن
الوجه الخامس أن يقال اسم الوجه فى الكتاب والسنة إنما يذكر فى سياق العبادة له والعمل له والتوجه إليه فهو مذكور فى تقرير ألوهيته وعبادته وطاعته لا فى تقرير وحدانية كونه خالقا وربا وذلك المعنى هو العلة الغائية وهذا هو العلة الفاعلية والعلة الغائية هى المقصودة التى هى أعلى وأشرف بل هى علة فاعلية للعلة الفاعلية ولهذا قدمت فى مثل قوله إياك نعبد وإياك نستعين وفى مثل قوله فاعبده وتوكل عليه وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى وقال تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا وقال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه
وإذا كان كذلك كان حمل اسم الوجه فى هذه الآية على ما يدل عليه فى سائر الآيات أولى من حمله على ما يدل عليه لفظ الوجه فى شىء من الكتاب والسنة بل هذا هو الواجب دون ذاك لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب والكتاب قد ورد بغيره حيث ذكر
الوجه السادس أن اسم الهلاك يراد به الفساد وخروجه عما يقصد به

(2/30)


ويراد وهذا مناسب لما لا يكون لله فإنه فاسد لا ينتفع به فى الحقيقة بل هو خارج عما يجب قصده وإرادته قال تعالى وهم ينهون عنه وينؤن عنه وان يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون أخبر أنهم يهلكون أنفسهم بنهيهم عن الرسول ونأيهم عنه ومعلوم أن من نآ عن اتباع الرسول ونهى غيره عنه وهو الكافر فإن هلاكه بكفره هو حصول العذاب المكروه له دون النعيم المقصود وقال تعالى إن امرؤ هلك وقال

(2/31)


وقال قدس الله روحه
فصل
ثم يقال هذا أيضا يقتضى أن كلا منهما ليس واجبا بنفسه غنيا قيوما بل مفتقرا إلى غيره فى ذاته وصفاته كما كان مفتقرا إليه فى مفعولاته وذلك أنه إذا كان كل منهما مفتقرا الى الآخر فى مفعولاته عاجزا عن الإنفراد بها إذ الإشتراك مستلزم لذلك كما تقدم فإما أن يكون قابلا للقدرة على الإستقلال بحيث يمكن ذلك فيه أو لا يمكن
والثانى ممتنع لأنه لو امتنع أن يكون الشىء مقدورا ممكنا لواحد لامتنع أن يكون مقدورا ممكنا لاثنين فإن حال الشىء فى كونه مقدورا ممكنا لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده فإذا امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لواحد امتنع أن يكون مفعولا مقدورا لاثنين وإذا جاز أن يكون مفعولا مقدورا عليه لاثنين وهو ممكن جاز أن يكون أيضا لواحد وهذا بين إذا كان الإمكان والامتناع لمعنى فى الممكن المفعول المقدور عليه إذ صفات ذاته لا تختلف فى الحال
وكذلك إذا كان لمعنى فى القادر فإن القدرة القائمة باثنين لا تمتنع أن تقوم

(2/32)


بواحد بل إمكان ذلك معلوم ببديهة العقل بل من المعلوم ببديهة العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها كلما كان محلها متحدا مجتمعا كان أكمل لها من أن يكون متعددا متفرقا
ولهذا كان الاجتماع والاشتراك فى الخلق بأن يوجب لها من القوة والقدرة ما لا يحصل لها اذا تفرقت وانفردت وان كانت احداها باقية بل الأشخاص والأعضاء وغيرها من الاجسام المتفرقة قد قام بكل منها قدرة فاذا قدر اتحادها واجتماعها كانت تلك القدرة أقوى وأكمل لانه حصل لها من الاتحاد والاجتماع بحسب الإمكان ما لم يكن حين الافتراق والتعداد
وهذا يبين أن القدرة القائمة باثنين اذا قدر أن ذينك الإثنين كانا شيئا واحدا تكون القدرة أكمل فكيف لا تكون مساوية للقدرة القائمة بمحلين واذا كان من المعلوم أن المحلين المتباينين الذين قام بهما قدرتان اذا قدر أنهما محل واحد وأن القدرتين قامتا به لم تنقص القدرة بذلك بل تزيد علم أن المفعول الممكن المقدور عليه لقادرين منفصلين اذا قدر أنهما بعينهما قادر واحد قد قام به ما قام بهما لم ينقص بذلك بل يزيد فعلم أنه يمكن أن يكون كل منهما قابلا للقدرة على الإستقلال وأن ذلك ممكن فيه فتبين أنه من الممكن فى المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما قادرا عليه بل من الممكن أن يكونا شيئا واحدا قادرا عليه فتبين أن كلا منهما يمكن أن يكون أكمل مما هو عليه وأن يكون بصفة أخرى

(2/33)


اذا كان يمكن فى كل منهما أن تتغير ذاته وصفاته ومعلوم أنه هو لا يمكن أن يكمل نفسه وحده ويغيرها اذ التقدير أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل عنه فأن يكون عاجزا عن تكميل نفسه وتغييرها أولى
واذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل وهو لا يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه بل يكون فيه امكان وافتقار الىغيره والتقدير أنه واجب الوجود بنفسه غير واجب الوجود بنفسه فيكون واجبا ممكنا
وهذا تناقض اذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية فى حقيقة ذاته وصفاته لا يكون فى شىء من ذاته وصفاته مفتقرا الى غيره إذ ذلك كله داخل فى مسمى ذاته بل ويجب أن لا يكون مفتقرا الى غيره فى شىء من أفعاله ومفعولاته
فإن أفعاله القائمة به داخلة فى مسمى نفسه وافتقاره الى غيره فى بعض المفعولات يوجب افتقاره فى فعله وصفته القائمة به إذ مفعوله صدر عن ذلك فلو كانت ذاته كاملة غنية لم تفتقر إلى غيره فى فعلها فافتقاره الى غيره بوجه من الوجوه دليل عدم غناه وعلى حاجته إلى الغير وذلك هو الإمكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه
ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين كان الاستقلال بالفعل من خصائص

(2/34)


رب العالمين وكان التنزه عن شريك فى الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين فليس فى المخلوقات ما هو مستقل بشئ من المفعولات وليس فيها ما هو وحده علة قائمة وليس فيها ما هو مستغنيا عن الشريك فى شىء من المفعولات بل لا يكون فى العالم شىء موجود عن بعض الأسباب إلا بمشاركة سبب آخر له
فيكون وإن سمى علة علة مقتضية سببية لا علة تامة ويكون كل منهما شرطا للآخر كما أنه ليس فى العالم سبب إلا وله مانع يمنعه من الفعل فكل ما فى المخلوق مما يسمى علة أو سببا أو قادرا أو فاعلا أو مدبرا فله شريك هو له كالشرط وله معارض هو له مانع وضد وقد قال سبحانه ومن كل شىء خلقنا زوجين والزوج يراد به النظير المماثل والضد المخالف وهو الند
فما من مخلوق الا له شريك وند
والرب سبحانه وحده هو الذى لا شريك له ولا ند بل ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن
ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك لأن ذلك يقتضى الإستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك الا لله وحده ولهذا وان نازع بعض الناس فى كون العلة تكون ذات أوصاف وادعى أن العلة لا تكون الا ذات وصف واحد فإن أكثر الناس خالفوا فى ذلك وقالوا يجوز أن تكون ذات أوصاف بل قيل لا تكون فى المخلوق

(2/35)


علة ذات وصف واحد أو ليس فى المخلوق ما يكون وحده علة ولا يكون فى المخلوق علة الا ماكان مركبا من أمرين فصاعدا
فليس فى المخلوق واحد يصدر عنه شىء فضلا عن أن يقال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بل لا يصدر من المخلوق شيء الا عن اثنين فصاعدا وأما الواحد الذى لا يفعل وحده فليس الا الله
فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له والوحدانية مستلزمة للكمال والكمال مستلزمة لها والاشتراك مستلزم للنقصان والنقصان مستلزم له
وكذلك الوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير والقيام بنفسه ووجوبه بنفسه وهذه الأمور من الغنى والوجوب بالنفس والقيام بالنفس مستلزمة للوحدانية والمشاركة مستلزمة للفقر الى الغير والإمكان بالنفس وعدم القيام بالنفس
وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام بالنفس مستلزم للإشتراك وهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها وهى من دلائل إمكان المخلوقات المشهودات وفقرها وأنها من بدئه فهى من أدلة إثبات الصانع لأن ما فيها من الإفتراق والتعداد والإشتراك يوجب افتقارها وامكانها والممكن المفتقر لابد له من واجب غنى بنفسه وإلا لم يوجد
ولو فرض تسلسل الممكنات المفتقرات فهى بمجموعها ممكنة والممكن قد علم

(2/36)


بالاضطرار أنه يفتقر فى وجوده الى غيره فكل ما يعلم أنه ممكن فقير فانه يعلم أنه فقير أيضا فى وجوده الى غيره فلا بد من غنى بنفسه واجب الوجود بنفسه والا لم يوجد ما هو فقير ممكن بحال
وهذه المعانى تدل على توحيد الربوبية وعلى توحيد الالهية وهوالتوحيد الواجب الكامل الذى جاء به القرآن لوجوه
قد ذكرنا منها ماذكرنا فىغير هذا الموضع مثل أن المتحركات لا بد لها من حركة ارادية ولابد للإرادة من مراد لنفسه وذلك هو الآله والمخلوق يمتنع أن يكون مراد لنفسه كما يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه فاذا امتنع أن يكون فاعلان بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسهما
وأيضا فالآله الذى هو المراد لنفسه إن لم يكن ربا امتنع أن يكون معبود لنفسه ومن لا يكون ربا خالقا لايكون مدعوا مطلوبا منه مراد الغيره فلأن لايكون معبودا مرادا لنفسه من باب الأولى فاثبات الالهية يوجب اثبات الربوبية ونفى الربوبية يوجب نفى الالهية إذ الإلهية هى الغاية وهى مستلزمة للبداية كاستلزام العلة الغائية للفاعلية وكل واحد من وحدانية الربوبية والالهية وإن كان معلوما بالفطرة الضرورية البديهية وبالشريعة النبوية الالهية فهو أيضا معلوم بالأمثال الضرورية التى هى المقاييس العقلية لكن المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية

(2/37)


وهذا مما لم ينازع فى أصله أحد من بنى آدم وانما نازعوا فى بعض تفاصيله كنزاع المجوس والثنوية والطبيعية والقدرية وأمثالهم من ضلال المتفلسفة والمعتزلة ومن يدخل فيهم وأما توحيد الالهية فهو الشرك العام الغالب الذى دخل من أقر أنه لا خالق الا الله ولا رب غيره من أصناف المشركين كما قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون كما قد بسطنا هذا فى غير هذا الموضع

(2/38)


وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله
فصل
قاعدة
قد كتبت ما يتعلق بها فى الكراس الذى قبل هذا
أصل الإثبات والنفى والحب والبغض هو شعور النفس بالوجود والعدم والملائمة والمنافرة فإذا شعرت بثبوت ذات شىء أو صفاته اعتقدت ثبوته وصدقت بذلك ثم إن كانت صفات كمال اعتقدت اجلاله واكرامه صدقت ومدحته وأثنت عليه
وإذا شعرت بانتفائه أو انتفاء صفات الكمال عنه اعتقدت انتفاء ذلك
وإن لم تشعر لا بثبوت ولا انتفاء لم تعتقد واحد منهما ولم تصدق ولم تكذب وربما اعتقدت الإنتفاء اذا لم تشعر بالثبوت وان لم تشعر أيضا بالعدم وبين الشعور بالعدم وعدم الشعر بالوجود فرقان بين وهى منزلة الجهل الذى يؤتى منها أكثر الناس الذين يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه والذى من جهل شيئا عاداه

(2/39)


ثم اذا اعتقدت الإنتفاء كذبت بالثبوت وذمته وطعنت فيه هذا اذا كان ما استشعرت وجوده أو عدمه محمودا وأما أن كان مذموما كان الأمر بالعكس وكذلك إذا شعرت بما يلائمها أحبته وأرادته وان شعرت بما ينافيها أبغضته وكرهته وان لم تشعر بواحد منهما أو شعرت بما ليس بملائم ولا مناف فلا محبة ولا بغضة وربما أبغضت مالم يكن منافيا اذ لم يكن ملائما
وبين الشعور بالمنافى وعدم الشعور بالملائم فرق بين لكن هذا محمود فإن ما لم يلائم الإنسان فلا فائدة له فيه ولا منفعة فيكون الميل اليه من باب العبث والمضرة
فينبغى الإعراض عنه لأنه لا فائدة فيه ومالا فائدة فيه فالميل اليه مضرة ثم يتبع الحب للشخص أو العمل الصلاة عليه والثناء عليه كما يتبع البغض اللعنة له والطعن عليه وما لم يكن محبوبا ولامبغضا لا يتبعه ثناء ولا دعاء ولا طعن ولا لعن
ولما كان فى نفس الأمر وجود محبوب مألوه كان أصل السعادة الإيمان بذلك وأصل الإيمان قول القلب الذى هو التصديق وعمل القلب الذى هوالمحبة على سبيل الخضوع إذ لا ملائمة لأرواح العباد أتم من ملائمة إلهها الذى هو الله الذى لا اله الا هو
ولما كان الإيمان جامعا لهذين المعنيين وكان تعبير من عبر عنه بمجرد

(2/40)


التصديق ناقصا قاصرا انقسم الأمة الى ثلاث فرق
فالجامعون حققوا كلا معنييه من القول التصديقى والعمل الإرادي وفريقان فقدوا أحد المعنيين
فالكلاميون غالب نظرهم وقولهم فى الثبوت والانتفاء والوجود والعدم والقضايا التصديقية فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر
والصوفيون غالب طلبهم وعملهم فى المحبة والبغضة والإرادة والكراهة والحركات العملية فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة
وأما أهل العلم والإيمان فجامعون بين الأمرين بين التصديق العلمى والعمل الحبى ثم ان تصديقهم عن علم وعملهم وحبهم عن علم فسلموا من آفتى منحرفة المتكلمة والمتصوفة وحصلوا ما فات كل واحدة منهما من النقص فإن كلا المنحرفين له مفسدتان
أحداهما القول بلا علم ان كان متكلما والعمل بلا علم إن كان متصوفا وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة
والثانى فوت المتكلم العمل وفوت المتصوف القول والكلام
وأهل السنة الباطنة والظاهرة كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرا بعلم وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقا

(2/41)


الباقون على الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
فإن منحرفة أهل الكلام فيهم شبه اليهود ومنحرفة أهل التصوف فيهم شبه النصارى ولهذا غلب على الأولين جانب الحروف وما يدل عليه من العلم والإعتقاد وعلى الآخرين جانب الأصوات وما يثيره من الوجد والحركة ومن تمام ذلك أن الله أمر نبيه أن يدعوإلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتى هى أحسن
وهذه الطرق الثلاثة هى النافعة فى العلم والعمل وتشبه مايذكره أهل المنطق من البرهان والخطابة والجدل بقى الشعر والسفسطة التى هى الكذب المموه فنفى الله ذلك بقوله هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون الى آخر السورة فذكر الأفاكين وهم المسفسطون وذكر الشعراء
وكذلك أبو بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب لما قال له يا خليفة رسول الله تألف الناس فأخذ بلحيته وقال يا ابن الخطاب أجبارا فى الجاهلية خوارا فى الاسلام علام أتألفهم أعلى حديث مفترى أم على شعر مفتعل فذكر الحديث المفترى والشعر المفتعل كما ذكرالله الأفاكين والشعراء وكان الإفك فى القوة الخبرية والشعر فى القوة العملية الطلبية فتلك ضلال وهذه غواية

(2/42)


ولهذا يقترن أحدهما بالآخر كثيرا فىمثل المليين من الرهبان وفاسدى الفقراء وغيرهم ثم لما كان الشعر مستفادا من الشعور فهو يفيد إشعار النفس بما يحركها وإن لم يكن صدقا بل يورث محبة أو نفرة أو رغبة أو رهبة لما فيه من التخييل وهذا خاصة الشعر فلذلك وصفهم بأنهم يتبعهم الغاوون
والغى اتباع الشهوات لأنه يحرك الناس حركة الشهوة والنفرة والفرح والحزن بلا علم وهذا هو الغى بخلاف الإفك فإن فيه إضلالا فى العلم بحيث يوجب اعتقاد الشىء على خلاف ماهو به وإذا كانت النفس تتحرك تارة عن تصديق وإيمان وتارة عن شعر والثانى مذموم إلا ما استثنى منه قال تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغى له ان هو الا ذكر وقرآن مبين فالذكر خلاف الشعر فإنه حق وعلم يذكره القلب وذاك شعر يحرك النفس فقط
ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة الإعتياض بسماع القصائد والأشعار عن سماع القرآن والذكر فإنه يعطيهم مجرد حركة حب أو غيره من غير أن يكون ذلك تابعا لعلم وتصديق ولهذا يؤثره من يؤثره على سماع القرآن ويعتل بأن القرآن حق نزل من حق والنفوس تحب الباطل وذلك لأن القول الصدق والحق يعطى علما واعتقادا بحملة القلب والنفوس المبطلة لا تحب الحق ولهذا أثره باطل يتفشى من النفس فإنه فرع لا أصل له ولكن له تأثير فى النفس من جهة التحريك والإزعاج والتأثير لا من جهة التصديق والعلم

(2/43)


والمعرفة ولهذا يسمون القول حاديا لأنه يحدوا النفوس أى يبعثها ويسوقها كما يحدو حادى العيس
وأما الحكمة والموعظة الحسنة والجدل الاحسن فإنه يعطى التصديق والعمل فهو نافع منفعة عظيمة
وانما قلت إن هذه الثلاثة تشبه من بعض الوجوه الاقيسة الثلاثة التى هى البرهانية والخطابية والجدلية وليست هى بل أكمل من وجوه كثيرة لوجوه
أحدها أن التى فى القرآن تجمع نوعى العلم والعمل الخبر والطلب على أكمل الوجوه بخلاف الاقيسة المنطقية
وذلك أن القياس العقلى المنطقى انما فائدته مجرد التصديق فى القضايا الخبرية سواء تبع ذلك عمل أو لم يتبعه فإن كانت مواد القياس يقينية كان برهانا سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن وهو يفيد اليقين وان كانت مشهورة أو مقبولة سمى خطابة سواء كانت أو لم تكن وذلك يفيد الإعتقاد والتصديق الذى هو بين اليقين والظن ليس أنه يفيد الظن دون اليقين اذ ليس فى كونها مشهورة ما يمنع أن تكون يقينية مفيدة لليقين وفرق بين مالايجب أن يفيد اليقين وما يمنع افادة اليقين فالمشهورة من حيث هى مشهورة تفيد التصديق والإقناع والاعتقاد هم ان عرف أنها

(2/44)


يقينية أفادت اليقين أيضا وإن عرف أنها غير يقينية لم تفد إلا الظن وإن لم تشعر النفس بواحد منهما بقى اعتقادا مجردا لا يثبت له اليقين ولا ينفى عنه وأما الحكمة فى القرآن فهى معرفة الحق وقوله والعمل به كما كتبت تفسيرها فى غير هذا الموضع والموعظة الحسنة تجمع التصديق بالخبر والطاعة للأمر ولهذا يجىء الوعظ فى القرآن مرادا به الأمر والنهى بترغيب وترهيب كقوله ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به وقوله يعظكم الله أن تعودوا لمثله وقوله فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة أى يتعظون بها فينتبهون وينزجرون
وكذلك الجدل الأحسن يجمع الجدل للتصديق وللطاعة
الوجه الثانى ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر بأن يقال الناس ثلاثة أقسام إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل واما أن لا يعترف به فهذا يجادل بالتى هى أحسن لأن الجدال فى مظنة الإغضاب فإذا كان بالتى هى أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل
الوجه الثالث أن كلام الله لا يشتمل الا على حق يقين لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان بكون المقدمة مشهورة أو مسلمة غير

(2/45)


يقينية بل اذا ضرب الله مثلا مشتملا على مقدمة مشهورة أو مسلمة فلا بد وأن تكون يقينية فأما الاكتفاء بمجرد تسليم المنازع من غير أن تكون المقدمة صادقة أو بمجرد كونها مشهورة وان لم تكن صادقة فمثل هذه المقدمة لا يشتمل عليها كلام الله الذى كله حق وصدق وهو أصدق الكلام وأحسن الحديث
فصاحب الحكمة يدعى بالمقدمات الصادقة سواء كانت مشهورة أو مسلمة أو لم تكن لما فيه من ادراك الدق واتباع الحق
وصاحب الموعظة يدعى من المقدمات الصادقة بالمشهورة لأنه قد لا يفهم الخفية من الحق ولا ينازع فى المشهورة
وصاحب الجدل يدعى بما يسلمه من المقدمات الصادقة مشهورة كانت أو لم تكن اذ قد لا ينقاد الى ما لا يسلمه هذا فأنه نافع جدا
ومن هنا يقولون الحدود الذاتية عسرة وادراك الصفات
سواء كان جليا أو خفيا وينقاد لما يسلمه سواء كان جليا أو خفيا فهذا هذا
وليس الأمر كما يتوهمه الجهال الضلال من الكفار المتفلسفة وبعض المتكلمة من كون القرآن جاء بالطريقة الخطابية وعرى عن البرهانية أو اشتمل على قليل منها بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة البرهانية وتكون تارة خطابية وتارة جدلية مع كونها برهانية
والأقيسة العقلية التى اشتمل عليها القرآن هى الغاية فى دعوة الخلق إلى الله كما قال ولقد صرفنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل فى أول سبحان وآخرها وسورة الكهف والمثل هو القياس ولهذا اشتمل القرآن

(2/46)


على خلاصة الطرق الصحيحة التى توجد فى كلام جميع العقلاء من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم ونزه الله عما يوجد فى كلامهم من الطرق الفاسدة ويوجد فيه من الطرق الصحيحة ما لا يوجد في كلام البشر بحال
الوجه الرابع أن هنا نكتة ينبغى التفطن لها فإنها نافعة وذلك أن المقدمة المذكورة فى القياس الذى هو مثل لها وصف ذاتى ووصف إضافى
فالوصف الذاتى لها أن تكون مطابقة فتكون صدقا أولا تكون مطابقة فتكون كذبا وجميع المقدمات المذكورة فى أمثال القرآن هى صدق والحمد لله رب العالمين
وأما الوصف الإضافى فكونها معلومة عند زيد أو مظنونة أو مسلمة أو غير مسلمة فهذا أمر لا ينضبط فرب مقدمة هى يقينية عند شخص قد علمها وهى مجهولة فضلا عن أن تكون مظنونة عند من لم يعلمها فكون المقدمة يقينية أو غير يقينية أو مشهورة أو غير مشهورة أو مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية واضافية لها تعرض بحسب شعور الانسان بها
ولهذا تنقلب المظنونة بل المجهولة فى حقه يقينية معلومة والممنوعة مسلمة بل والمسلمة ممنوعة والقرآن كلام الله الذى أنذر به جميع الخلق لم يخاطب به واحدا بعينه حتى يخاطب بما هو عنده يقينى من المقدمات أو مشهور أو مسلم فمقدمات الأمثال فيه اعتبر فيها الصفة الذاتية وهى كونها صدقا وحقا

(2/47)


يجب قبوله وأما جهة التصديق فتتعدد وتتنوع اذ قد يكون لهذا من طرق التصديق بتلك المقدمة ما ليس لعمرو مثل أن يكون هذا يعلمها بالإحساس والروية وهذا يعلمها بالسماع والتواتر كآيات الرسول وقصة أهل الفيل وغير ذلك
فما كان جهة تصديقه عاما للناس أمكن ذكره جهة التصديق به كآيات الربوبية المعلومة بالإحساس دائما وما كان جهة تصديقه متنوعا أحيل كل قوم على الطريق التى يصدقون بها
وقد يقال فى مثل هذا ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن فإن مخاطبة المعين قد يعلم بها ما هو عنده يقينى أو مشهور من اليقين أو مسلم منه
وبهذا يتبين لك أن تقسيم المنطقيين لمقدمات القياس الى المستيقن والمشهور والمسلم ليس ذلك وصفا لازما للقضية بل هو بحسب ما اتفق للمصدق بها وربما انقلب الأمر عنده ويظهر لك من هذا أنما يشهدون عليه أنه ليس بيقينى أو ليس مشهورا وليس بمسلم ليست الشهادة صحيحة إذ سلب ذلك انما يصح فى حق قوم معينين لا فى حق جميع البشر
وكذلك الشهادة عليه بأنه يقينى أو مشهور أو مسلم انما هو فى حق من ثبت له هذا الوصف
وأيضا القياس حق ثابت لا يتبدل وما يقول هؤلاء بتغير ويتبدل

(2/48)


ولا يستمر اللهم إلا في الأمور التى قضت سنة الله باشتراك الناس فيها من الحسابيات والطبيعيات
وهذا الفنان ليسا مقصود الدعوة النبوية ولا معرفتهما شرطا فى السعادة ولا محصلا لها وإنما المقصود الفن الإلهي ومقدمات القياس فيه هى من القسم الأول الذى تختلف فيه أحكام المقدمات بالنسب والاضافة فتدبر هذا فإنه خالص نافع عظيم القدر يوضح هذا الفصل أن القرآن وإن كان كلام الله فإن الله أضافه الى الرسول المبلغ له من الملك والبشر فأضافه إلى الملك فى قوله فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس إلى قوله إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين فهذا جبرائيل فإن هذه صفاته لا صفات محمد ثم قال وما صاحبكم بمجنون أضافه إلينا إمتنانا علينا بأنه صاحبنا كما قال والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بظنين فهو محمد أى بمتهم وعلى القراءة الأخرى ببخيل
وزعم بعض المتفلسفة أنه جبرائيل أيضا وهو العقل الفاعل الفائض وهومن تحريف الكلم عن مواضعه فإن صفات جبرائيل تقدمت وإنما هذا وصف محمد ثم قال وما هو بقول شيطان رجيم لما أثبت أنه قول

(2/49)


الملك نفى أن يكون قول الشيطان كما قال فى الشعراء نزل به الروح الأمين على قلبك الى قوله وما تنزلت به الشياطين وما ينبغى لهم وما يستطيعون إلى قوله هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون
وأضافه إلى الرسول البشرى فى قوله فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين فنفى عنه أن يكون قول شاعر أو كاهن وهما من البشر كما ذكر فى آخر الشعراء أن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم كالكهنة الذين يلقون إليهم السمع وأن الشعراء يتبعهم الغاوون
فهذان الصنفان اللذان قد يشتبهان بالرسول من البشر لما نفاهما علم أن الرسول الكريم هو المصطفى من البشر فإن الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس كما أنه فى سورة التكوير لما كان الشيطان قد يشبه بالملك فنفى أن يكون قول شيطان رجيم علم أن الرسول المذكور هوالمصطفى من الملائكة
وفى إضافته إلى هذا الرسول تارة والى هذا تارة دليل على أنه اضافة بلاغ وأداء لا اضافة احداث لشىء منه أو انشاء كما يقوله بعض المبتدعة الأشعرية من أن حروفه ابتداء جبرائيل أو محمد مضاهاة منهم فى نصف قولهم لمن قال انه قول البشر من مشركى العرب ممن يزعم أنه أنشأه

(2/50)


بفضله وقوة نفسه ومن المتفلسفة الذين يزعمون أن المعانى والحروف تأليفه لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء
فالكاهن مستمد من الشياطين والشعراء يتبعهم الغاوون وكلاهما فى لفظه وزن هذا سجع وهذا نظم وكلاهما له معان من وحى الشياطين كما قال النبى أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه وقال همزه المؤتة ونفثة الشعر ونفخة الكبر وقوله تعالى وما هو بقول شيطان رجيم ينفى الأمرين كما أنه فى السورة الأخرى قال وما هو بقول شاعر وماهو بقول كاهن وكذلك قال فى الشعراء وما تنزلت به الشياطين مطلقا
ثم ذكر علامة من تنزل عليه الشياطين بأنه أفاك أثيم وأن الشعراء يتبعهم الغاوون فظاهر القرآن ليس فيه أن الشعراء تتنزل عليهم الشياطين الا اذا كان أحدهم كذابا أثيما فالكذاب فى قوله وخبره والأثيم فى فعله وأمره
وذاك والله أعلم لأن الشعر يكون من الشيطان تارة ويكون من النفس أخرى كما أنه إذا كان حقا يكون من روح القدس كما قال النبى لما دعا لحسان بن ثابت اللهم أيده بروح القدس وقال إهجهم وهاجهم وجبرائيل معك فلما نفى قسم الشيطان نفى قسم النفس ولهذا قال يتبعهم الغاوون والغى اتباع الشهوات التى هى هوى النفوس

(2/51)


ولهذا قال أبو حيان ما كان من نفسك فأحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فانهها عنه وما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه فهذا والله أعلم سبب ذلك وأما التقسيم الى الكاهن والشاعر من جهة المعنى فهو والله اعلم لأن الكلام نوعان خبر وانشاء والكاهن يخبر بالغيوب مخلطا فيه الصدق بالكذب لا يأتون بالحق محضا واذا ألقى الشيطان فى أمنية أحدهم شيئا فى القلب لم ينسخ منه بل أكثرهم كاذبون كما قال تعالى وكما بينه النبى فى حديث الكهان لما قال إنهم يزيدون فى الكلمة مائة كذبة بخلاف الرسول والنبى والمحدث كما فى قراءة ابن عباس وغيره فإن الله ينسخ ما يلقى الشيطان
والقراءة العامة ليس فيها المحدث إذ يجوز أن يقر على بعض الخطأ ويدخل الشيطان فى أمنيته بعض ما يلقيه فلا ينسخ بخلاف الرسول والنبى فإنه لا بد من نسخ ما يلقى الشيطان وأن يحكم الله آياته لأنه حق والمحدث مأمور بأن يعرض ما يحدثه على ما جاء به الرسول
ولهذا ألقى الشيطان لعمر وهو محدث فى قصة الحديبية وقصة موت النبى وقصة اختلافه وحكيم بن حزام فى سورة الفرقان فأزاله عنه نور النبوة

(2/52)


وأما الشاعر فشأنه التحريك للنفوس فهو من باب الأمر الخاص المرغب فلهذا قيل فيهم يتبعهم الغاوون فضررهم فى الأعمال لا فى الاعتقادات وأولئك ضررهم فى الاعتقادات ويتبعها الأعمال ولهذا قال أفاك أثيم
ومعنى الكهانة والشعر موجود فى كثير من المتفلسفة والمتصوفة والمتكلمة والمتفقهة والعامة والمتفقرة الخارجين عن الشريعة الذين يتكلمون بالغيوب عن كهانة ويحركون النفوس بالشعر ونحوه وهم من أتباع المتنبئين الكذابين لهم مادة من الشياطين كما قد رأيناه كثيرا فى أنواع من هذه الطوائف وغيرها لمن نور الله صدره وقذف فى قلبه من نوره

(2/53)


وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه
فصل
ثم إن المنحرفين المشابهين للصائبة إما مجردة وإما منحرفة إلى يهودية أو نصرانية من أهل المنطق والقياس الطالبين للعلم والكلام ومن أهل العمل والوجد الطالبين للمعرفة والحال أهل الحروف وأهل الأصوات سلكوا فى أصل العلم الإلهي طريقين كل منهم سلك طريقا وقد يسلك بعضهم هذا فى وقت وهذا فى وقت وربما جمع بعضهم بين الطريقين
واكثرهم لا يعلمون أن الله اليه طريق إلا أحد هذين كما يذكره جماعات مثل ابن الخطيب ومن نحا نحوه بل مثل أبى حامد لما حصر الطرق فى الكلام والفلسفة الذى هو النظر والقياس أو فى التصوف والعبادة الذى هو العمل والوجد ولم يذكر غير هؤلاء الأصناف الثلاثة بل أبو حامد لما ذكر فى المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال أحواله فى طرق العلم وأحوال العالم وذكر أن أول ما عرض له ما يعترض طريقهم وهو السفسطة بشبهها المعروفة وذكر أنه أعضل به هذا الداء قريبا من شهرين هو فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال حتى شفى

(2/54)


الله عنه ذلك المرض وعادت النفس الى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن وتبين ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله فى الصدر وذلك النور هو مفتاح أكبر المعارف قال فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق رحمة الله الواسعة ثم قال انحصرت طرق الطالبين عندى فى أربع فرق
المتكلمون وهم يدعون أنهم أهل الرأى والنظر
والباطنية وهم يدعون أنهم أصحاب التعلم والمخصصون بالإقتباس من الإمام المعصوم
والفلاسفة وهم يدعون أنهم أصحاب المنطق والبرهان والصوفية ويدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المكاشفة والمشاهدة فقلت فى نفسى الحق لا يعدو هذه الاصناف الاربعة فهؤلاء هم السالكون سبل طريق الحق فإن سد الحق عنهم فلا يبقى فى درك الحق مطمع ثم ذكر أن مقصود الكلام وفائدته الذب عن السنة بالجدل لا تحقيق الحقائق وأن ما عليه الباطنية باطل وأن الفلسفة بعضها حق وبعضها كفر والحق منها لا يفى بالمقصود
ثم ذكر أنه أقبل بهمته على طريق الصوفية وعلم أنها لا تحصل إلا بعلم

(2/55)


وعمل فابتدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبى طالب المكى وكتب الحارث المحاسبى والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلى وأبى يزيد حتى طلع على كنة مقاصدهم العلمية ثم إنه علم يقينا أنهم أصحاب أحوال لا أصحاب أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصله ولم يبق إلا مالا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك
قال وكان قد حصل معى من العلوم التى مارستها والمسالك التى سلكتها فى التفتيش عن صنفى العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقينى بالله وبالنبوة وباليوم الآخر وهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت فى نفسى بالله لا بدليل معين مجرد بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها وكان قد ظهر عندى أنه لا مطمع فى سعادة الآخرة إلا بالتقوى وذكر أنه تخلى عشر سنين الى أن قال انكشف لى فى أثناء هذه الخلوات أمور لايمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر الذى أذكره لينتفع به أنى علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هوخير منه لم يجدوا إليه سبيلا

(2/56)


فإن جميع حركاتهم وسكناتهم فى ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من مشكاة نور النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الارض نور يستضاء به
وبالجملة فماذا يقول القائلون فى طريق طهارتها وهى أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله ومفتاحها إستغراق القلب بذكر الله قلت يستفاد من كلامه ان أساس الطريق هى شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله كما قررته غير مرة وهذا أول الإسلام الذى جعله هو النهاية وبينت الفرق بين طريق الأنبياء وطريق الفلاسفة والمتكلمين لكن هو لم يعرف طريقة أهل السنة والحديث من العارفين فلهذا لم يذكرها وهى الطريقة المحمدية المحضة الشاهدة على جميع الطرق والسهروردى الحلبى المقتول سلك النظر والتأله جميعا لكن هذا صابئى محض فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ما وافق فلسفته بخلاف ذينك وأمثالهما
ثم منهم من لا يعرف إلا طريقة النظر والقياس ابتداء كجمهور المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وبعض الحنبلية
ومنهم من لا يعرف ابتداء إلا طريقة الرياضة والتجرد والتصوف ككثير من الصوفية والفقراء الذين وقعوا فى الاتحاد والتأله المطلق مثل عبد الله الفارسى والعفيف التلمسانى ونحوهما ومنهم من قد يجمع كالصدر القونوى ونحوه

(2/57)


والغالب عليهم عالم التوهم فتارة يتوهمون ماله حقيقة وتارة يتوهمون مالا حقيقة له كتوهم إلهية البشر وتوهم النصارى وتوهم المنتظر وتوهم الغوث المقيم بمكة أنه بواسطته يدبر أمرالسماء والارض ولهذا يقول التلمسانى ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل
ولهذا أصيب صاحب الخلوة بثلاث توهمات
أحدها أن يعتقد فى نفسه أنه أكمل الناس استعدادا
والثانى أن يتوهم فى شيخه أنه أكمل من على وجه الارض
والثالث أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب وأكثر اعتماده على القوة الوهمية فقد تعمل الاوهام أعمالا لكنها باطلة كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية نظرا أو عملا بل سلكوا الصابئية
ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه أكثر الاحمدية واليونسية والحريرية وكثير من العدوية وأصحاب الاوحد الكرمانى وخلق كثير من المتصوفة والمتفقرة بأرض المشرق ولهذا تغلب عليهم الإباحة فلا يؤمنون بواجبات الشريعة ومحرماتها وهم إذا تألهوا فى تأله مطلق لا يعرفون من هو الههم بالمعرفة القلبية وإن حققه عارفوهم الزنادقة جعلوه الوجود المطلق
ومنهم من يتأله الصالحين من البشر وقبورهم ونحو ذلك فتارة يضاهؤن المشركين وتارة يضاهؤن

(2/58)


النصارى وتارة يضاهؤن الصابئين وتارة يضاهؤن المعطلة الفرعونية ونحوهم من الدهرية وهم من الصابئين لكن كفار فى الاصل
والخالص منهم يعبد الله وحده لكن أكثر ما يعبده بغير الشريعة القرآنية المحمدية فهم منحرفون إما عن شهادة أن لا إله الا الله واما عن شهادة أن محمدا رسول الله وقد كتبته فى غير هذا
وكل واحد من طريقى النظر والتجرد طريق فيه منفعة عظيمة وفائدة جسيمة بل كل منهما واجب لا بد منه ولا تتم السعادة الا به والقرآن كله يدعو الى النظر والاعتبار والتفكر والى التزكية والزهد والعبادة وقد ذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية والقوة الإرادية العملية فى غير موضع كقوله هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فالهدى كمال العلم ودين الحق كمال العمل كقوله أولى الأيدى والأبصار وقوله كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه وقوله آمنوا وعملوا الصالحات وقوله اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح وفى خطبة النبى ان خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد لكن النظر النافع أن يكون فى دليل فإن النظر فى غير دليل لا يفيد العلم بالمدلول عليه والدليل هو الموصل الى المطلوب والمرشد الى المقصود والدليل التام هو الرسالة والصنائع
وكذلك العبادة التامة فعل ما أمر به العبد وما جاءت به الرسل وقد وقع

(2/59)


الخطأ فى الطريقين من حيث أخذ كل منهما أو مجموعهما مجردا فى الإبتداء عن الإيمان بالله وبرسوله
بل إقتصر فيهما على مجرد ما يحصله نظر القلب وذوقه الموافق لما جاءت به الرسل تارة والمخالف لما جاءت به أخرى فى مجرد النظر العقلى ومجرد العبادات العقلية أو الصعود عن ذلك الى النظر الملى والعبادات الملية والواجب أنه لابد فى كل واحد من النظر والعمل من أن يوجد فيه العقلى والملى والشرعى فلما قصروا وقع كل من الفريقين إما فى الضلال وإما فى الغواية وإما فيهما
وحاصلهم إما الجهل البسيط أو الكفر البسيط أو الجهل المركب أو الكفر المركب مع الجهل والظلم
وذلك أن طريقة أهل النظر والقياس مدارها على مقدمة لابد منها فى كل قياس يسلكه الآدميون وهى مقدمة كلية جامعة تتناول المطلوب وتتناول غيره بمعنى أنها لاتمنع غيره من الدخول وإن لم يكن له وجود فى الخارج فهى تتناول المطلوب لخاصيته بل بالقدر المشترك بينه وبين غيره والمطلوب بها هوالله تعالى فلم يصلوا اليه الا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره من القضا يا الإيجابية والسلبية
والمشترك بينه وبين غيره لا يعرف بخصوصه اصلا فلم يعرفوا الله

(2/60)


بل لما اعتقدوا فيه القدر المشترك صاروا مشركين به وحكموا على القدر المشترك بأحكام سلبية أو ايجابية فإنها تصح فى الجملة لأن ما انتفى عن المعنى العام المشترك انتفى عن الخاص المميز وليس ما انتفى عن الخاص المميز انتفى عن العام فما نفيته عن الحيوان أو عن النبى انتفى عن الإنسان والرسول وليس ما نفيته عن الإنسان أو الرسول انتفى عن الحيوان أو النبى
ولهذا كان قوله لا نبى بعدى ينفى الرسول وكذلك ما ثبت للمعنى المشترك بصفة العموم ثبت للخاص وما ثبت له بصفة الإطلاق لم يجب أن يثبت للخاص فإذا ثبت حكم لكل نبى دخل فيه الرسول وأما اذا ثبت للنبى مطلقا لم يجب أن يثبت للرسول وقد تتألف من مجموع القضايا السلبية والإيجابية أمور لا تصدق الا عليه ولا يصح أن يوصف بها غيره كما اذا وصف نبى بمجموع صفات لا توجد فى غيره
لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون اياه وأما عينه فلا يعرف بمجموع تلك القضايا الكلية فلا يحصل للعقل من القياس فى الرب الا العلم بالسلب والعدم إذا كان القياس صحيحا ولهذا جاءت الأمثال المضروبة فى القرآن وهى المقاييس العقلية دالة على النفى فى مثل قوله ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم الآية ومثل قوله ضرب الله مثلا رجلين الآيات وقوله يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله الآية وقوله قل لو كان معه آلهة كما يقولون الآية وقوله ما اتخذ الله

(2/61)


من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض وأمثال ذلك من الأمثال وهى القياسات التى مضمونها نفى الملزوم لانتفاء لازمه أو نحو ذلك
ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة والكلام فى جانب الربوبية إنما هى المعارف السلبية ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل من القياس بل تعدوا ذلك فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد مثل نفى الصفات النبوية الخبرية بل ونفى الفلاسفة والمعتزلة للصفات التى يثبتها متكلموا أهل الإثبات ويسمونها الصفات العقلية لإثباتهم إياها بالقياس العقلى ومعلوم أن العقل لاينفى بالقياس إلا القدر المشترك الذى هو مدلول القضية الكلية التى لابد منها فى القياس مثل أن ينفى الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الإسم والقدر المشترك فى المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى فينفون المعنى المشترك المطلق على صفات الحق وصفات الخلق تبعا لانتفاء ما يختص به االخلق فيعطلون كما أن أهل التمثيل يثبتون مايختص به الخلق تبعا للقدر المشترك وكلاهما قياس خطأ
ففى هذه الصفات بل وفى الذوات ثلاث اعتبارات
أحدها ما تختص به ذات الرب وصفاته
والثانى ما يختص به المخلوق وصفاته

(2/62)


والثالث المعنى المطلق الجامع فاستعمال القياس الجامع فى نفى الأول خطأ وكذلك استعماله فى إثبات الثانى وأما استعماله فى إثبات الثالث فيحتاج الى ادراك العقل لثبوت المعنى الجامع الكلى وهذا أصل القياس والدليل فإن لم يعرف العقل بنفسه أو بواسطة قياس آخر ثبوت هذا وإلا لم يستقم القياس
وكذلك فى معارفهم الثبوتية لا يأتون إلا بمعانى مطلقة مجملة مثل ثبوت الوجود ووجوب الوجود أو كونه ربا أو صانعا أو أولا أو مبدأ أو قديما ونحو ذلك من المعانى الكلية التى لا يعلم بها خصوص الرب تعالى اذ القياس لا يدل على الخصوص فإنه اذا استدل بأن كل ممكن فلا بد له من موجب وبأن كل محدث فلا بد له من محدث كان مدلول هذا القياس أمرا عاما وقد بسطت هذا فى غير هذا الموضع
وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل لا اله الا الله إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرد الله الله ويعتقدون أن ذلك أفضل وأكمل كما فعله كثير منهم وربما اقتصر بعضهم على هو هو أو على قوله لا هو الا هو لأن هذا الذكر المبتدع الذى هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقا ليس فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم
فقد ينضم الى ذلك اعتقاد صاحبه أنه لا وجود إلا هو كما يصرح به بعضهم ويقول لا هو الاهو أو لا موجود الا هو وهذا عند الاتحادية

(2/63)


أجود من قول لا اله الا الله لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعونى القرمطى حتى يقول بعضهم لا اله الا الله ذكر العابدين والله الله ذكر العارفين و هو ذكر المحققين ويجعل ذكره يا من لا هو الا هو واذا قال الله الله انما يفيد مجرد ثبوته فقد ينضم الى ذلك نفى غيره لا نفى الهية غيره فيقع صاحبه فى وحدة الوجود وربما انتفى شهود القلب للسوى اذا كان فى مقام الفناء فهذا قريب أما اعتقاد أن وجود الكائنات هى هو فهذا هو الضلال
ويضمون الى ذلك نوعا من التصفية مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام والشراب والرياسة والخلوة وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة والعبادة المطلقة فيصلون أيضا الى تأله مطلق ومعرفة مطلقة بثبوت الرب ووجوده ونحو ذلك من نحو ما يصل اليه أرباب القياس
ثم قد تتوارى هذه المعرفة والعلم بملابسة الأمور الطبيعية من الطعام والاجتماع بالناس فإن سببها انما هو ذلك التجرد فإذا زال زال ولهذا قيل كل حال أعطاكه الجوع فإنه يذهب بالشبع كما قد تتوارى معرفة الأولى المطلقة بغفلة القلب عن تلك المقاييس النظرية ولا ريب أن القياس يفضى الى معرفة بحسب مقتضاه وأن الرياضة والتأله يفضى الى معرفة بحسب مقتضاه لكن معرفة إلى بسبب قد يثبت وقد يزول وكثيرا ما يفضى الى الاتحاد والحلول والإباحة وذلك لأنهم يجردون التأله عما لابد منه من صالح البشر فإذا احتاجوا اليها أعرضوا عن التأله
فهم إما آلهة عند نفوسهم واما زنادقة أو فساق ولهذا حدثنى الشيخ

(2/64)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية