صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ شرح العمدة - ابن تيمية ]
الكتاب : شرح العمدة في الفقه
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
الناشر : مكتبة العبيكان - الرياض
الطبعة الأولى ، 1413
تحقيق : د. سعود صالح العطيشان
عدد الأجزاء : 4

شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام ابن تيمية

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الحمد لله العليم الحكيم الغفور الرحيم العظيم الحليم الجواد الكريم الذي عم بريته فضله العميم ووسع خليقته إحسانه القديم وهدى صفوته إلى صراطه المستقيم ونهج شرعته على المنهج القويم ووسع كل شيء رحمة وعلما على الإجمال والتقسيم ودبر كل شيء قدرة وحكما بالتقدير والتعليم ووسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم أحمده حمدا يكافئ نعمه ويوافي مزيد التكريم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالآيات والذكر الحكيم ففتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وهدى به من الجهل الصميم صلى اله عليه وعلى آله أفضل صلاة وتسليم
أما بعد فقد تكررت مسألة بعض أصحابنا وصدقت رغبته في شرح كتاب العمدة تأليف الإمام الأوحد شيخ الإسلام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رضي الله عنه وأرضاه وجعل أعلى الفردوس متبوءه ومثواه شرحا يفسر مسائلها ويقرب دلائلها ويفرع قواعدها ويتم مقاصدها متوسطا بين الإيجاز والإطناب والإخلال والإسهاب فاستخرت الله تعالى وأجمعت ذلك راجيا من الله سبحانه تحقيق محمود الأمل وإخلاص صالح العمل والإعانة على الإبانة والهداية إلى الدارية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

(1/59)


كتاب الطهارة
باب أحكام المياه
مسألة 8 خلق الماء طهورا يطهر من الأحداث والنجاسات
الطهور هو ما يتطهر به مثل الفطور والسحور والوجور فأما الطهور فمصدر طهر الشيء وطهر طهارة وطهرا وطهورا ليس الطهور هو الطاهر ولا مبالغة فيه وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم لما سئل عن ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميته وقال جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا أي مطهرة وهذه صفة للماء دون غيره من المائعات فلذلك طهر غيره ودفع النجاسة عن نفسه والحدث هو معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف والنجاسة هي أعيان مستخبثة في الشرع يمتنع المصلي من استصحابها وهي في الأصل مصدر نجس الشيء ينجس نجاسة فهو نجس ويقال نجس الشيء ينجس نجسا ثم سمي الشيء النجس نجاسة ونجسا فلا يثنى ولا يجمع إلا أن يريد الأنواع والماء يطهر من الحدث والنجاسة لقوله تعالى 8 وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله تعالى 8 وينزل عليكم من

(1/60)


8 - السماء ماء ليطهركم به وقوله في آية الوضوء 8 فلم تجدوا ماء فتيمموا وتطهر النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه بالماء مشهور وأجمعت الأمة على ذلك
مسألة
ولا تحصل الطهارة بمائع غيره
أما طهارة الحدث فهي كالاجماع لان الله تعالى أمر بالتيمم عند عدم الماء وقال النبي صلى الله عليه و سلم الصعيد الطيب طهور المسلم إذا لم يجد الماء عشر سنين إلا في النبيذ نبيذ التمر فإن بعض العلماء أجاز الوضوء به في الجملة على تفصيل لهم لما روى ابن مسعود قال كنت مع النبي صلى الله عليه و سلم ليلة لقي الجن فقال أمعك ماء قلت لا قال فما في هذه الاداوة قلت نبيذ قال أرنيها تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ ثم صلى رواه الإمام أحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي وهذا الحديث قد ضعفه جماعة من الحفاظ ثم إن صح فلعله كان ماء قد طرح فيه تمرات تزيل ملوحته بدليل قوله تمرة طيبة وماء طهور ثم هو منسوخ بآية

(1/61)


المائدة التي فرض فيها اليمم عند عدم الماء فإن قصة الجن كانت بمكة في أول الإسلام وأما نجاسة الخبث فعنه ما يدل على أن تزال بكل مائع طاهر يزيل كالخل ونحوه وهو قول أبي حنيفة لان المقصود هو زوال النجاسة ولذلك يحصل بصوب الغمام وبفعل المجنون وبدون النية وظاهر المذهب كما ذكره الشيخ لان النبي صلى الله عليه و سلم أمر بالماء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وفي دم الحيض وغسل آنية المجوس ولان الطهارة بالماء يجوز أن تكون تعبدا فلا يلحق به غيره كطهارة الحدث ولان الماء ألطف وأنفذ في الأعماق مع أنه ليس له في نفسه طعم ولا لون ولا ريح يبقى بعد زوال النجاسة وهو مخلوق للطهارة دون غيره من المائعات فإنها خلقت للآكل وللدهان وغير ذلك وأعمها وجودا وهو طهور يدفع النجاسة عن نفسه ولا يتنجس في وروده عليها إلى غير ذلك من الصفات التي اختص بها فلا يجوز إلحاق غيره به
مسألة فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جاريا لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه وما سوى ذلك يتنجس بمخالطته النجاسة
أما الماء الدائم فظاهر المذهب أنه لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه إذا كان كثيرا إلا أن يظهر فيه طعم النجاسة أو لونها أو ريحها وأن القليل ينجس

(1/62)


بالملاقاة وعنه رواية أخرى أن الجميع لا ينجس إلا بالتغير لما روى أبو سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الماء طهورا لا ينجسه شيء وفي رواية أنه يستقى لك من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها محائض النساء ولحوم الكلاب وعذر الناس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الماء طهور لا ينجسه شيء رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن قال الإمام أحمد هو حديث صحيح
والصحيح الأول لما روى عبدالله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلا من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث

(1/63)


رواه الائمة الخمسة ولفظ ابن ماجة وأحمد في رواية لم ينجسه شيء قال الترمذي حديث حسن فلو كان القليل لا يحمل الخبث ولا يتنجس لم يكن لتقديره فائدة وصح عنه أنه صلى الله عليه و سلم نهى عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه ونهى عن اغتسال الجنب فيه وأمر المستيقظ من نوم الليل ألا يغمس يده فيه وأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب فيه وهذا كله يدل على أن القليل تؤثر فيه النجاسة ولانه لقلته قد تبقى النجاسة فيه غير مستهلكة فيفضي استعماله إلى استعمالها وقوله صلى الله عليه و سلم لا ينجسه شيء يريد والله أعلم أن ذات الماء لا تنقلب نجسة بالملاقاة فرقا بينه وبين المائعات حيث تنقلب نجسة بوقوع النجاسة فيها لانه طهور يطهر غيره فنفسه أولى فأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله كما يحرم استعمال الثوب الملطخ بالدم والبول فإذا زال التغير كان كزوال النجاسة عن الثوب ولهذا السبب كان سائر المائعات غير الماء

(1/64)


ينجس بوقوع النجاسة فيه قليلا كان أو كثيرا في المشهور من المذهب وعنه اعتبار القلتين فيها كالماء وعنه اعتبارها فيما أصله الماء منها كخل التمر دون ما ليس أصله الماء كالعصير وحد الكثير هو القلتان في جميع النجاسات على إحدى الروايتين كما ذكره الشيخ واختاره أبو الخطاب وابن عقيل وأكثر متأخري أصحابنا على ظاهر حديث ابن عمر والرواية الاخرى أن البول من الآدمي والعذرة الرطبة خاصة ينجسان الماء إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه كالمصانع التي بطريق مكة وأكثر نصوص أحمد على هذا وهو قول أكثر المتقدمين من أصحابنا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن الرسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه رواه الجماعة وقال الخلال وجدنا

(1/65)


باسناد صحيح عن علي أنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم أن ينزحوها وأما الماء الجاري فعن أحمد ما يدل على روايتين إحداهما أنه كالدائم إذا كانت عين النجاسة في جريه منه تبلغ قلتين ولم تتغير فهي طاهرة وإن نقصت عنها فهي نجسه وإن كانت النجاسة واقعة بكل جرية تمر عليها ولم تتغير إن بلغت قلتين فهي طاهرة وإلا فهي نجسة والجرية ما تحاذي النجاسة من فوقها وتحتها وعن يمينها وعن شمالها ما بين جانبي النهر فأما ما أمامها فهو طاهر لانها لم تلحقه وكذلك ما وراءها لانها لم تصل اليه وإن اجتمعت الجريات كلها وفيها جرية طاهرة تبلغ قلتين فالجميع طاهر ما لم يتغير وإلا فهو نجس في المشهور وعلى قولنا إن ضم القليل إلى القليل أو الكثير النجس يوجب طهارة الجميع إذا زال التغير فهنا كذلك
وقال ابن عقيل متى بلغ المجموع هنا قلتين وكانت النجاسة في جرية منه فهو طاهر لانه ماء واحد وقال السامري إن كانت الجرية التي فيها النجاسة قلتين أو مجموع المتقدم والمتأخر قلتين فهو طاهر وإلا فلا
وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور اصحابنا لعموم حديث القلتين وقياسا للجاري على الدائم والرواية الاخرى أن الجاري لا ينجس إلا بالتغير قليلا كان أو كثيرا اختاره الشيخ وغيره وهو أظهر لان النبي صلى الله

(1/66)


عليه وسلم قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه وفي لفظ يتوضأ منه ومفهومه جواز ذلك في الجاري مطلقا وكذلك قوله لا يغتسل احدكم في الماء الدائم وهو جنب ومفهومه جواز الاغتسال في الجاري وإن استدبر الجرية وكذلك نهيه صلى الله عليه و سلم أن يبال في الراكد ومفهومه الإذن في البول في الماء الجاري ولو ينجسه لم يأذن فيه وكذلك حديث بئر بضاعة عام ومفهوم حديث القلتين لا يعارض هذا لان قوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث دليل على أن ما دون القلتين بخلاف ذلك وإذا فرقنا بين جاريه وواقفه حصلت المخالفة لا سيما وسبب الحديث هو السؤال عن الماء الراكد ولان القليل الواقف إنما ينجس والله أعلم لضعفه عن استهلاك النجاسة والجاري لقوة جريانه يحيلها ويدفعها إذا ورد عليها فكان كالكثير
مسألة
والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي القلة هي الجب والخابية سميت بذلك لانها تقل باليد والتقدير بقلال هجر هكذا رواه الشافعي والدارقطني في حديث مرسل إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر

(1/67)


وهي قلال معروفة عندهم كانوا يعتبرون بها الاشياء وهي أكثر القلال وأشهرها على عهد النبي صلى الله عليه و سلم قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث المعراج ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل أذان الفيلة وأما قلال هجر فقال ابن جريج رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشياء فأثبتنا الشيء احتياطا وجعلناه نصفا لانه أقصى ما يطلق عليه اسم شيء منكر فصارت القلتان خمس قرب بقرب الحجاز وقرب الحجاز كبار معلومة تسع القربة منها نحو مائة رطل كذا نقله الذين حددوا الماء بالقرب وإنما يقال ذلك بعد التجربة فصارت القلتان خمسمائة رطل بالعراقي ورطل العراق الذي يعتبر به الفقهاء تسعون مثقالا فيكون مائة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم فإذا حسبت ذلك برطل دمشق وهو ستمائة درهم كانت القلتان مائة وسبعة أرطال وسبع رطل
وعنه رواية أخرى أنها أربعمائة رطل لان يحيى بن عقيل قال رأيت

(1/68)


قلال هجر وأظن كل قلة تأخذ قربتين والاول أحوط فإن الثاني إنما أخبر عن ظن وهذا التحديد تقريب في الصحيح من الوجهين وقيل من الروايتين فلو نقص الماء نقصا يسيرا لم يؤثر لان تقدير القلال بالقرب إنما كان عن رأي وحساب يقبل الزيادة والنقص وتقدير القرب بالارطال تقريب فإن القرب وغيرها من أوعية الماء لا تكاد تتساوى على التحقيق إذ لا يقصد كيل الماء ووزنه غالبا في تطهير الماء فإذا كان الماء كثيرا يبلغ قلتين فإنما ينجس بالتغير فإذا زال التغير طهر لان الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها كالخمر إذا زالت عنه الشدة المسكرة صار حلالا طاهرا أو كالثوب النجس إذا غسل طهر وذلك بثلاثة اشياء أحدها ان يزول بنفسه فيطهر في أصح الروايتين والثانية لا يطهر لان النجاسة بحالها لم تزل ولم تستهلك والصحيح الاول لانها تستهلك بمرور الزمان عليها الثاني أن ينزح الماء ويزول تغيره وهو قلتان فصاعدا لان بالنزح زالت النجاسة فإن لم يزل تغيره حتى نقص عن القلتين كان حينئذ نجسا بالملاقاة فلا يطهر بزوال تغيره بعد ذلك الثالث أن يضم اليه قلتا ماء طهور جملة أو متتابعا بحسب العادة بصب او إجراء من عين أو نهر أو نبع ويزول تغيره فيطهر سواء اختلط الماء ان أو لم يختلطا بأن يكون أحدهما صافيا والآخر كدرا لانهما قلتان أضيفتا إلى مائع نجس ولم يغيرهما كان الجميع طاهرا كما لو أضيفتا إلى خمر أو دم وأما الماء القليل فسواء كان متغيرا أو لم يكن لا يطهر حتى يضم إليه قلتا ماء طهور ويزول تغيره لان نجاسته تكون بملاقاة القليل للنجاسة

(1/69)


فإذا كان المضاف إليه كثيرا دفع النجاسة عن نفسه وعما يرد عليه فأما إن أضيف إلى الكثير المتغير أو الى القليل ما دون القلتين وزال تغيره لم يطهر في ظاهر المذهب وقيل يطهر فيهما وقيل يطهر في الصورة الاولى دون الثانية فاما إن طرح فيه تراب فقطع تغيره لم يطهر ولا يجب غسل جوانب النهر في أصح الروايتين
فصل
فإن تغير بعض الماء الكثير بالنجاسة لم تنجس بقيته إذا بلغ قلتين في أصح الوجهين وقال ابن عقيل ينجس لانه ماء واحد وإذا لم يتغير الماء الكثير بالنجاسة وكانت مستهلكة فيه كالبول والخمر جاز استعمال جميعه ولم يجب أن يبقى قدرها وإن كانت النجاسة قائمة فيه وهو قدر القلتين فاغترفت منه في إناء فهو طهور وإن كان أكثر من قلتين جاز التناول من جميع جوانبه سواء كان بينه وبين النجاسة قلتان أو لا وسواء في نجاسته ما يدركه الطرف وما لا يدركه إذا تيقن وصوله إلى الماء في المشهور من المذهب ولو سقطت عذرة أو قطعة ميتة في ماء يسير فانتضح منه بسقوطها شيء فهو نجس وإذا شك هل ما وقعت فيه النجاسة قلتان أو انقص فهو نجس في أصح الوجهين

(1/70)


مسألة
وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور أو خالطه فغلب على اسمه أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته
أما اذا طبخ فيه كماء الباقلي المغلي فإنه قد صار أدما ومرقة ليس بماء حقيقة ولا اسما وأما اذا خالطه فغلب على اسمه أما بأن سلب الماء رقته وجريانه فتصير صبغا وحبرا إن كان كثيفا او تكون أجزاؤه أكثر من أجزاء الماء إن كان لطيفا حتى يقال حل فيه ماء أو ماء ورد فيه ماء فهذا لم تنف فيه حقيقة ولا اسما وإن غير طعمه أو لونه أو ريحه سلبه التطهير أيضا في أشهر الروايتين لأنه ليس بماء مطلق
والرواية الاخرى هو باق على تطهيره وكذلك على هذه أن غير صفاته الثلاث في أشهر الطريقين وعنه أنه طهور إذا لم يجد المطلق هكذا حكى بعض أصحابنا ثلاث روايات وحكى السامري طريقين أحدهما أن الروايتين على الإطلاق والثانية أن الروايتين فيما إذا عدم الماء المطلق فقط وهي طريقة ابن أبي موسى وعلى الاولى في التغير اليسير ثلاثة أوجه أحدها

(1/71)


انه كالكثير والثاني في الفرق بين الرائحة وغيرها والثالث العفو عنه مطلقا وهو اصح
فصل
فأما إن تغير بما لا يمكن صونه عنه فهو باق على طهوريته كالماء المتغير بالطحلب وورق الأشجار المنجابة فيه وما يحمله المد من الغثاء وما ينبت فيه وكذلك ان تغير بطول مكثه وكذلك ما تغير بمجاريه كالقار والنفط لان هذا التغير لا يمكن صون الماء عنه وهو من فعل الله ابتداء فأشبه التغير الذي خلق الله عليه الماء حتى لو طرحت فيه هذه الاشياء عمدا سلبته التطهير إلا الملح المنعقد من الماء لانه ماء فهو كذوب الثلج والبرد وفي التراب وجهان لكونه طهورا في الجملة
وإن تغير بطاهر لا يخالطه كالخشب والادهان وقطع الكافور فهو باق على طهوريته في اشهر الوجهين ولا أثر لما غير الماء في محل التطهير مثل ان يكون على بدن المغتسل زعفران أو سدر أو خطمي فتغير به لان النبي صلى الله عليه و سلم أمر بغسل المحرم وغسل ابنته بماء وسدر وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر ولان هذا تدعو اليه الحاجة

(1/72)


فصل
وأما المستعمل في رفع الحدث فهو طاهر في ظاهر المذهب لما روى جابر قال جاءني رسول الله صلى الله عليه و سلم وأا مريض لا أعقل فتوضأ وصب وضوءه علي متفق عليه
وفي الصحيح أيضا عن المسور بن مخرمه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ولان بدن المحدث طاهر فلا ينجس الماء بملاقاته كسائر الطاهرات ودليل طهارته ما روى الجماعة عن أبي هريرة قال لقيني رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا جنب فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال أين كنت يا أبا هريرة فقال كنت جنبا فقال سبحان الله إن المؤمن لا ينجس وهو مع طهارته غير مطهر في المشهور أيضا لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب قالوا يا أبا

(1/73)


هريرة كيف يفعل قال يتناوله تناولا رواه مسلم ولو كان الغسل فيه يجزئ ولا يغير الماء لم ينه عنه ولأن الصحابة ما زالوا تضيق بهم المياه في اسفارهم فيتوضؤون ولا يجمعون مياه وضوئهم ولو كانت مطهرة لجمعوها ولأنه مستعمل لإزالة مانع من الصلاة فانتقل حكم المنع إليه كالمستعمل في إزالة النجاسة وما دام الماء يجري على بدن المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال فليس بمستعمل حتى ينفصل
فإن انتقل من عضو إلى عضو لا يتصل به مثل أن يعصر الجنب شعر رأسه على لمعة من بدنه أو يمسح المحدث رأسه ببل يده بعد غسلها فهو مستعمل في إحدى الروايتين كما لو انفصل الى غير محل التطهير مثل أن يمسح رأسه ببل يأخذه من لحيته أو يعصر شعره في كفه ثم يرده على اللمعة وفي الاخرى ليس بمستعمل وهو أصح لما روت الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه و سلم مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه رواه احمد وأبو داود وعن ابن عباس قال اغتسل رسول الله صلى الله عليه و سلم من جنابة فلما خرج رأى لمعة على منكبه الايسر لم يصبها الماء فعصر شعره عليها رواه احمد وابن ماجة

(1/74)


ولانه ما زال يتنقل في مواضع التطهير فأشبه انتقاله إلى محل متصل وإن اغتمس الجنب في ماء يسير بنية الطهارة صار الماء مستعملا ولم يرتفع حدثه لنهي النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك والنهي يقتضي الفساد وهل يصير مستعملا بانفصاله أول جزء منه أو بملاقاة اول جزء منه على وجهين انسبهما بكلامه الاول وصار هنا مستعملا قبل انفصال جميع البدن بخلاف ما إذا اغتسل لا يصير حتى ينفصل كما أن الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس حتى ينفصل وإذا وردت على قليله نجسته ولو لم ينو الاغتسال حتى انغمس كان كمن صب عليه الماء فترتفع الجنابة ويصير مستعملا في وجه وفي وجه لا يرتفع إلا عن أول جزء منفصل وإذا غمس المتوضئ يده في الإناء بعد غسل وجهه ولم ينو غسلها فيه لم يصر

(1/75)


مستعملا وقيل يصير مستعملا كما لو اغترف بها الجنب بعد النية والصحيح الاول لان عبد الله بن زيد لما توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه و سلم اغترف بيده من الإناء بعد غسل وجهه وقال هكذا كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذلك الجنب في رواية والرواية الاخرى الفرق للعسر والمشقة في الوضوء ولان الاثر جاء فيه وإذا كان الانغماس في ماء كثير لم يغيره كالنجاسة واولى
ولو جمع حتى بلغ قلتين كان كالماء القليل النجس إذا جمع إلى مثله حتى بلغ قلتين لا يصير طهورا في ظاهر المذهب
فصل
فأما المستعمل في طهر مستحب كغسل الجمعة وتجديد الوضوء فهو طهور في أظهر الروايتين لانه لم يزل مانعا وفي الاخرى هو غير مطهر لانه مستعمل في طهارة شرعية فأشبه الاول وعلى هذا إذا قلنا إن وطء الذمية لا يجوز حتى تغتسل من الحيض وهو إحدى الروايتين فاغتسلت كان ذلك الماء مستعملا لانه أزال المانع وقيل لا يكون مستعملا لانه ليس بعبادة
وإذا غسل رأسه بدلا عن المسح ففي المسألة وجهان فأما فضل الطهور وهو ما تبقى في الإناء فهو طهور سواء كان المتطهر رجلا أو امرأة لما روى

(1/76)


ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه و سلم من صحفة فأراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يتوضأ منه فقلت يا رسول الله إني كنت جنبا فقال إن الماء لا يجنب رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح لكن إذا خلت بالطهارة منه امرأة لم يجز للرجل أن يتطهر به في وضوء ولا غسل في أشهر الروايتين
لما روى الحكم بن عمرو الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الخمسة وقال الترمذي هذا

(1/77)


حديث حسن قال أحمد أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يقولون إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه ويحمل توضؤ النبي صلى الله عليه و سلم بفضل وضوء ميمونه على أنها لم تخل به توفيقا بين الحديثين وإن تعارضا فحديث المنع أولى لانه حاضر ولانه ناقل عن الاصل فيكون أولى من المبقي على الاصل لان الاصل الحل فالحضر بعده فإن كان الحل بعده لزم البعد مرتين وإن كان الحل قبل الحظر لزم مرة واحدة
والخلوة لا يشاركها الرجل سواء شاهدها او لم يشاهدها في إحدى الروايتين لعموم الحديث خصص منه حال المشاركة لقول عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد تختلف

(1/78)


أيدينا فيه من الجنابة متفق عليه وقال عبد الله بن سرجس اغتسلا جمعيا هي هكذا وأنت هكذا فإذا خلت به فلا تقربه والرواية الاخرى ألا تشاهد عند الطهارة وهي أصح لان النبي صلى الله عليه و سلم توضأ بفضل ميمونة
ومتى شاهدتها امرأة أو صبي مميز أو كافر فهو كالرجل عند الشريف أبي جعفر وغيره كخلوة النكاح
وقال القاضي يختص بالرجل المسلم لان الحكم يختص به بخلاف خلوة النكاح وهل يختص ذلك بفضل طهارة الحدث أو يعم طهارتي الحدث والخبث على وجهين وكذلك هل للرجل استعماله في الخبث على وجهين وفيما خلت به الكافرة وجهان فأما ما خلا به خنثى مشكل فلا

(1/79)


بأس به ولا يؤثر التطهير من الماء الكثير في أصح الوجهين
فأما فضل طهور الرجل للمرأة فلا بأس به في المنصوص المشهور وقيل تمنع منه ولا بأس بشربه في اصح الروايتين ويكره في الاخرى إذا خلت به
فأما المستعمل في غير الحدث فلا بأس به إلا ما غمس القائم من نوم الليل يده فيه قبل غسلها ثلاثا ففي بقاء طهوريته روايتان فإن قلنا يؤثر فسواء غمسها قبل نية غسلها أو بعده في المشهور وقيل لا يؤثر إلا بعد نية غسلها وقيل بعد نية الوضوء نوى غسلها او لم ينوه وحد هذه اليد الى الكوع وفي غمس اليسير كالاصبع والاصبعين وجهان وفي غمس من ليس من أهل الطهارة الشرعية كالكافر والمجنون والصبي غير المميز وجهان ولا يؤثر الغمس في الكثير نص عليه بل يصح وضوؤه فيه ويجزئ عن غسلهما

(1/80)


وكذلك ما لو وقف تحت انبوب او ميزاب فتوضأ ولم ينقل الماء بيده فأما اذا نقله بيده او صبه فيهما من الإناء صبا وتوضأ قبل غسلهما فهل يجزئه عن غسلهما ويصح وضوؤه على روايتين ويجوز استعمال هذا الماء فيما تستعمل فيه المياه الطاهرة في أشهر الوجهين وفي الآخر يراق بكل حال وإذا لم يجد إلا هذا الماء على القول بأنه غير طهور توضأ به وتيمم والمنفصل من اليد المغسولة كالمغتسل به في رفع الحدث إن قيل بوجوبه وإلا فكالمستحب
فصل
ولا يكره المسخن بالشمس في المنصوص المشهور وقال التميمي وحفيده رزق الله يكره لانه روى عن عمر لا تغتسلوا بالمشمس فإنه يورث البرص وليس بشيء لان الناس ما زالوا يستعملونه ولم يعلم أن

(1/81)


أحدا برص ولان ذلك لو صح لم يفرق بين ما قصد بتشميسه وما لم يقصد والاثر ان صح فلعل عمر بلغه ذلك فنهى عنه كما نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن تأبير النخل وقال ما أراه يغني شيئا ثم قال أنتم أعلم بأمر دنياكم لان المرجع في ذلك الى العادة وكذلك المسخن بالنار إلا أن يكون شديد الحرارة يمنع غسباغ الوضوء
لان النبي صلى الله عليه و سلم أذن في دخول الحمام بالأرز إلا أن يكون الوقود نجسا فيكره في اصح الروايتين لاحتمال وصول بعض اجزاء النجاسة الى الماء فإن كان بينهما حاجز حصين كره ايضا في احد الوجهين لان سخونته إنما كانت باستعمال النجاسة وايقادها هل هو مكروه أو محرم على وجهين وفي كراهة الاغتسال والتوضؤ من ماء زمزم روايتان وأما إزالة النجاسة به فتكره قولا واحدا

(1/82)


مسألة وإذا شك في طهارة الماء أو غيره أو نجاسته بنى على اليقين
يعني إذا تيقن الطهارة ثم شك هل تنجس أم لا بنى على ما تيقنه من طهارته وكذلك إذا تيقن النجاسة وكذلك البدن والثوب والأرض وجميع الأعيان وهذه قاعدة ممهدة في الشرع وهي استصحاب الحال المعلومة وإطراح الشك ولذلك لم يكره التوضؤ بماء سقايات الأسواق والحياض الموروده وكذلك إذا تيقن الحدث أو الطهارة وشك في زواله بنى على المستيقن فإذا شك في عدد الركعات أو الأطواف أو الطلقات بنى على اليقين وهو الأقل وكذلك إذا شك في حياة الرجل وموته لتوريثه بنى على يقين الحياة وإذا شك في خلق الجنين وقت موت مورثه بنى على اليقين وهو العدم وفروع هذا الأصل كثيرة جدا والسبب في ذلك أن الشيء إذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر إلى زوالها وحدوث الأخرى وبقاء الثانية وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد الإبقاء فيكون البقاء أيسر من الحدوث فيكون أكثر والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب فإن أخبره مخبر بنجاسته لم يجب أن يقبل منه حتى يبين السبب فيقبل سواء كان رجلا أو امرأة مستورا أو معروفا بالعدالة بخلاف الفاسق وخبر الصبي كشهادته
مسألة وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما تيقن به غسلها
لأنه اشتبه الطاهر بالنجس فوجب اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة إما

(1/83)


بالغسل او اليقين كما لو اشتبه المذكى بالميت ولانا قد تيقنا النجاسة فلا يزول حكمها إلا بيقين الطهارة بناء على اليقين فعلى هذا إن كان رآها على يديه او على ثوبه الملبوس غسل ما يمكن رؤيته وإن رآها على أحد كميه غسل الكمين وإن رآها على بقعة غسلها جميعها فأما إذا تيقن أنها اصابت موضعا بعينه وشك هل أصابت غيره لم يجب أن يغسل إلا ما تيقن نجاسته
وقد نبه الشيخ رحمه الله تعالى على أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس اجتنبهما جميعا وهذا ظاهر المذهب وقال جماعة من أصحابنا يتحرى إذا كانت أواني الماء الطهور اكثر والاول أصح لما تقدم ويلزمه أن يعدم الطهور بخلطه بالنجس أو بإراقتهما في إحدى الروايتين وهذا إذا لم يكن محتاجا اليه للشرب ونحوه فإنه حينئذ لا يريقه ويجب التحري للاكل والشرب في اصح الروايتين ولا يلزمه غسل ما أصاب ه اذا وجد الماء في اصح الوجهين
مسألة
وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما
لانه أمكنه تأدية فرضه بيقين من غير ضرر فاشبه ما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها ثم إن شاء توضأ من كل واحد منهما وضوءا كاملا

(1/84)


وان شاء غسل العضو من هذا ثم من هذا ثم يصلي صلاة واحدة في اصح الوجهين هذا إذا لم يكن محتاجا الى احدهما للشرب فإن كان محتاجا اليه توضأ بما يرى أنه المطهر والا بأيهما شاء ويتيمم في الصورتين
مسألة
وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في ثوب بعد ثوب بعدد النجس وزاد صلاة
لانه إذا صلى صلاة زائدة على عدد النجس تيقن أنه صلى في ثوب طاهر ولم تتعد اليه النجاسة بخلاف الاواني ولا يجزئه أن يتحرى كالقبلة للعلة التي تقدمت لان القبلة يغلب اشتباهها وعليها دلائل منصوبة وإصابة عين الكعبة لا يحصل بالتكرار وسواء قلت النجاسة أو كثرت في المشهور وقال ابن عقيل إذا كثرت ولم يعلم عددها أجزا التحري وهذا التكرار في المياه والثياب إنما يجزئ اذا لم يكن طاهرا بيقين فأما مع وجوده فلا يجزئ إلا به لانه لا بد من الجزم بالنية إذا أمكن إلا أن يتوضأ بغرفة من هذا وغرفة من هذا
مسألة وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعا إحداهن بالتراب
أما الكلب والخنزير فلا يختلف المذهب في نجاستهما وفي وجوب غسل الاناء من نجاستهما سبعا إحداهن بالتراب لما روى أو هريرة أن رسول

(1/85)


الله صلى الله عليه و سلم قال إذا شرب الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا رواه الجماعة ولمسلم طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ولمسلم أيضا إذا ولغ الكلب في اناء احدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار
فلما امر بإراقة الاناء وسمي الغسل طهورا دل على النجاسة إذا الطهارة الواجبة في عين البدن لا تكون إلا عن نجاسة وعنه أنه يجب غسلها ثمانيا لما روى عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب رواه مسلم وغيره والصحيح أنه عد التراب ثامنة وإن لم تكن غسله كما قال تعالى ثلاثة رابعهم كلبهم يحقق ذلك ان اهل اللغة قالوا اذا كان اسم فاعل على العدد من غير جنس المفعول يجعله زائدا كما قال الله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم وإن كان من جنسه جعله أحدهم لقوله ثاني اثنين فلما قال سبع مرات علم ان

(1/86)


التراب سماه ثامنا لانه من غير الجنس وإلا قال فاغسلوه ثمانيا وعفروه الثامنة كما روى أبو داود في حديث أبي هريرة اذا ولغ الكلب في الاناء فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب
واذا ثبت هذا الحكم في الكلب فالخنزير الذي لا يباح اقتناؤه والانتفاع به اصلا ونص عليه القرآن أولى وله ان يستعمل التراب في اي غسله شاء فإن كان المحل يتضرر بالتراب لم يجب استعماله في اصح الوجهين
ويجزئ موضع التراب الاشنان والصابون ونحوهما في أقوى الوجوه
وقيل لا يجزئ مطلقا وقيل لا يجزئ إلا عند عدم التراب واما الغسلة الثامنة فلا تجزئ بدل التراب في الاصح ويجب التسبيع والتراب في جميع نجاسات الكلب من الريق والعرق والبول وغيرها وكذلك في جميع موارد نجاسته التي لا تتضرر بالتراب في المشهور وقيل عنه لا يجب التراب إلا في الاناء خاصة واما سائر الحيوانات فعلى قسمين احدهما ما يؤكل لحمه فهذا طاهر وكذلك ما لا يؤكل لحمه لشرفه وهو الانسان سواء كان مسلما او كافرا ولا يكره سؤره في ظاهر المذهب وعنه يكره سؤر الكافر والثاني ما لا يؤكل لحمه وهو ضربان احدهما ما هو طواف علينا كالهر وما دونها في الخلقة مثل الحية والفأرة والعقرب وشبه ذلك فهذا لا يكره سؤره الا ما تولد من النجاسات كدود النجاسة والقروح فإنه يكون نجسا لنجاسة اصله لما روت كبشة بنت كعب بن مالك أنها سكبت وضوءا لابي قتادة

(1/87)


الانصاري فجاءت هرة فأصغى لها الاناء حتى شربت منه وقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواه اصحاب السنن وقال الترميذي حديث حسن صحيح
وعن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوضأ بفضلها رواه ابو داود
ومما ينبني على ذلك أنه إذا خرجت الهرة أو الفأرة أو الحية من مائع يسير لم تنجسه في المنصوص وقيل تنجسه لملاقاة دبرها والاول أصح لان من عادة الحيوان جمع دبره إذا دخل الماء خوفا من دخوله فيه فلا يتحقق التنجيس واذا اكلت نجاسة ثم ولغت في ماء يسير فقيل طاهر وقيل هو نجس إلا أن تغيب غيبة يمكن أنها وردت فيها ماء يطهر فاها وقيل نجس إلا أن تلغوا بعد الاكل بزمن يزول فيه أثر النجاسة بالريق

(1/88)


والضرب الثاني من المحرم ما ليس بطواف وهو نوعان احدهما الوحشي وهو سباع البهائم وجوارح الطير وما يأكل الجيف مثل الفهد والنمر والغراب الابقع والبازي والصقر فهذا نجس في اشهر الروايتين وفي الاخرى هو طاهر لما روى جابر قال قيل يا رسول الله أنتوضأ بما افضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع كلها رواه الشافعي والدارقطني ولان الاصل في الاعيان الطهارة ويفارق الكلب بجواز اقتنائه مطلقا وجواز بيعه ووجه المشهور حديث ابن عمر المتقدم في القلتين لما سئل صلى الله عليه و سلم عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب
ولو كانت اسؤرها طاهرة لم يكن للتحديد فائدة ولا يقال لعله اراد اذا بالت فيه لان الغالب انها انما ترده للشرب والبول فيه نادر فلا يجوز حمل اللفظ العام على الصور القليلة ثم انه لم يستفصل ولو كان الحكم يختلف لبينه ايضا فإنه صلى الله عليه و سلم لما علل طهارة الهر بأنها من الطوافين علينا علم ان المقتضى لنجاستها قائم وهو كونها محرمة لكن عارضة مشقة الاحتراز منها فطهرت لذلك لانه لما علل طهارتها بالطواف وجب التعليل به وعند المخالف انها طهرت لانها حيوان لا يحرم اقتناؤه وليس للطواف اثر عنده

(1/89)


ولان تحريم الاكل يقتضي كونه خبيثا لقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ويقتضي نجاسته الا ما قام عليه الدليل بدليل الميتة والدم ولحم الخنزير ونهيه صلى الله عليه و سلم عن جلود السباع يؤيد ذلك أو لانه حيوان حرم لا لحرمته ليس بطواف فكان نجسا كالكلب والخنزير والحديث المتقدم ضعيف لا تقوم به حجة والثاني الانسى وهو البغل والحمار ففيه روايتان وجههما ما تقدم ورواية ثالثة انه مشكوك فيه لتعارض دليل الطهارة والنجاسة فيتوضأ بسؤره ويتيمم والطهارة هنا اقوى لان فيها معنى الطواف وهو انه لا يمكن الاحتراز منها غالبا
مسألة
ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية
في هذه المسألة روايات إحداهن أنه لا يجب العدد بل يجزئ ان تكاثر النجاسة بالماء حتى تزول لان النبي صلى الله عليه و سلم قال للمستحاضة واغسلي عنك الدم وصلي وقال لابي ثعلبة في آنية المجوس إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء وقالت اسماء بنت ابي بكر جاءت امراة الىالنبي صلى الله عليه و سلم فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به فقال تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه متفق عليه

(1/90)


وكذلك في غير هذه الاحاديث امر بغسل النجاسة ولو كان العدد واجبا لذكره في جواب السائل عن التطهير لانه وقت حاجة ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولان المقصود إزالة النجاسة فاذا زالت لم يجب الزيادة كغسل الطيب عن بدن المحرم والرواية الثانية يجب ان تغسل ثلاث مرات كما اختاره الشيخ لان النبي صلى الله عليه و سلم امر القائم من نوم الليل ان يغسل يده ثلاثا معللا بتوهم النجاسة فوجوب الثلاث مع تحققها اولى واكتفى في الاستنجاء بثلاثة احجار فالاجتزاء بثلاث غسلات اولى
وروي عن عائشة ان النبي صلى الله عليه و سلم كان يغسل مقعدته ثلاثا قال ابن عمر فعلناه فوجدناه دواء وطهورا رواه ابن ماجة والرواية الثالثة انه يجب التسبيع في جميع النجاسات وهي اختيار اكثر اصحابنا لان النبي صلى الله عليه و سلم امر بذلك في نجاسة الكلب فوجب إلحاق سائر النجاسات بها لانها في معناها يحقق ذلك ان الحكم لا يختص بمورد النص بل قد اتفقوا على انه يلحق به الثوب والبدن وغيرهما وكذلك الحقنا بالريق العرق والبول والخنزير
وايضا فإنه اذا وجب التسبيع في الكلب مع انه مختلف في نجاسته ومرخص في الانتفاع به ففي النجاسات المجمع عليها وجاء التغليظ بها والوعيد بقوله تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه مع انها لا تزول غالبا الا بالسبع

(1/91)


وايضا فإن التسبيع في نجاسة الكلب إما ان يكون تعبدا او انه مظنة للإزالة غالبا فعلق الحكم به كالعدد في الاستجمار لئلا يتوهم حصول الازالة بدونها مع بقاء النجاسة وكذلك جعلها الغاية في غسل الميت ولغير ذلك من الاسباب ومهما فرض من ذلك فالنجاسات كلها سواء
ويؤيد ذلك انا لما الحقنا غير الحجر به في باب الاستنجاء اشترطنا العدد فإذا الحقنا المزيل بالمزيل في العدد فكذلك المزال بالمزال واما الاحاديث المطلقة فلعله صلى الله عليه و سلم ترك ذكر العدد اكتفاء بالتنبيه عليه بالولوغ او بجهة اخرى فانها قضايا اعيان او لعلمه بأنها لا تزال في تلك الوقائع الا بالتسبيع او لعل ذلك كان قبل فرض العدد في غسل الولوغ ولا يمكن ان يقال الاحاديث مطلقة بعده لانه يلزم منه التغيير مرتين والاجتزاء بثلاثة احجار لانها محففة وهي لا تمنع النجاسة بخلاف الماء فإنه يمنع النجاسة وكذلك لا يحصل الانقاء بدون السبع في الغالب
وعنه رواية رابعة يجب السبع فيما عدا السبيلين فإنه يجزئ فيهما ثلاث لما تقدم والفرق بينهما تكرر نجاسة السبيلين ومشقة السبع فيهما وكذلك اكتفى فيهما بالجامد وعنه يجب التسبيع في السبيلين وفيما عدا البدن فأما سائر البدن فلا عدد لان البدن يشق التسبيع فيه لكثرة ملاقاته النجاسة تارة منه وتارة من غيره بخلاف غيره وبخلاف السبيلين فإن نجاستهما مغلظة كما تقدم ولذلك نجست كثير الماء في رواية

(1/92)


وهل يشترط التراب او ما يقوم مقامه على القول بالتسبيع على وجهين احدهما يشترط قاله الخرقي وغيره كنجاسة الكلب
وروت ام قيس بنت محصن قالت سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الثوب يصيبه دم الحيض قال حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر رواه الخمسة الا الترمذي فأمر بالسدر مع الماء ونحن نجيز غير التراب من الجامدات على الصحيح والثاني لا يشترط وهو اشهر لما روى ابو هريرة ان خولة بنت يسار قالت يا رسول الله ليس لي الا ثوب واحد وأنا احيض فيه قال فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه قالت يا رسول الله ان لم يخرج اثره قال يكفيك الماء ولا يضرك اثره رواه احمد وابو داود

(1/93)


وعامة الاحاديث امر فيها بالماء فقط لا سيما الاستنجاء فإنه نقل عنه قولا وفعلا ونقل عنه دلك يده بالتراب بعده وهو سنة فكيف ترك نقل التدلك بالتراب وهو واجب لكن هذا يقتضي السقوط في نجاسة السبيل ولان استعمال التراب فيه مشقة عظيمة لا سيما ونحن نشترط طهارته بخلاف العدد فإن النجاسة غالبا لا تزول إلا به وولوغ الكلب يقال فيه لزوجة لا تزول غالبا إلا به
مسألة
وإن كانت على الارض فصبة واحدة تذهب بعينها لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم صبوا على بول الاعرابي ذنوبا من ماء
النجاسة على الارض تفارق ما على المنقولات من ثلاثة أوجه احدها انه لا يشترط فيها عدد سواء كان فيها كلب او غيره والثاني انه لايشترط انفصال الغسالة عن موضع النجاسة والثالث ان الغسالة طاهرة اذا لم تتغير وذلك للحديث الذي ذكره وهو ما رواه الجماعة عن ابي هريرة ان اعرابيا بال في المسجد فقال النبي صلى الله عليه و سلم صبوا على بوله سجلا من ماء او ذنوبا من ماء

(1/94)


وقد روي انهم حفروا التراب فألقوه والقوا مكانه ماء من وجه مرسل ووجه منكر ولم يصححوه ولان التراب النجس لو كان قد اخرج لم يحتج الى تطهير الطاهر
وابو هريرة شهد القصة ولم يذكر ذلك فاذا ثبت انهم قد صبوا على المبال الماء فلولا انه قد طهره وانفصل طاهرا لكان ذلك تكثيرا للنجاسة ولان الارض وما اتصل بها من البناء والاجرنة لو لم تطهر الا بانفصال الماء عنها وتكرار غسلها مع نجاسة المنفصل قبل المرة الاخرة لافضى ذلك الى انتشار النجاسة وامتناع إزالتها بالكلية اذ غالب الارض لا مصرف عندها وما عنده مصرف فنادر والنادر ملحق بالغالب بخلاف ما يمكن نقله وتحويله

(1/95)


الى المصارف وعنه ان النجاسة اذا كانت بولا قائما لم تنشف لا بد من انفصال الماء عنها وانه يكون نجسا بخلاف ما نشف وما في معناه من الجامد لان الناشف قد جف والاول هو المذهب
فصل
اذا كان مورد النجاسة لم تنتشر بها كالاواني كفى مرور الماء عليها بعد ازالة العين وان كان قد تشربها كالثياب والطنافس فلا بد من استخراجها بالعصر وشبهه من الفرك والتنقل في كل مرة ولا يكفي تجفيفه عن العصر في اصح الوجهين
ولو بقي بعد المبالغة والاستقصاء اثر لون او ريح لم يضر لقوله صلى الله عليه و سلم في الحديث المتقدم ولا يضرك اثره والريح قد يعبق عن مجاورة لا مخالطة فهو بالعفو اولى من اللون واذا غمس المحل النجس في ماء كثير او ملئ بماء كثير لكثرة لم يحتسب غسله حتى ينفصل الماء عنه في المنصوص كما لو كان الماء قليلا وقد ورد عليه وقيل اذاعولج في الماء بما يليق به من عصر ونحوه حتى يتبدل عليه الماء فتلك غسله لحصول مقصود الانفصال وعلى هذا ما يحتاج الى العدد يجب اخراجه من الماء سبع مرات على الاول ويكفي تبديل الماء عليه سبع مرات على الثاني

(1/96)


وان غمسه في ماء قليل نجسه ولم يطهر ولم يحتسب غسله كما لو القته ريح وكما لو اغتسل فيه الجنب فأما ان ترك الثوب النجس في وعاء ثم صب عليه الماء وعصره كان غسلة يبني عليها ويطهر المحل بذلك كما لو صب عليه في غير اناء وكما لو اخذ الماء بفمه لتطهير نجاسة فيه ثم مجة وهذا لان الماء اذا ورد على النجاسة لم يحكم بنجاسته حتى ينفصل كما لا يحكم باستعماله ما دام على العضو ولا تزول طهوريته بتغيره بالطاهر على البدن حتى ينفصل لان الماء طهور فما دام يتطهر به فطهوريته باقية
فصل
المنفصل قبل طهارة المحل هو نجس سواء كان متغيرا او لم يكن بخلاف المتصل فإنه إن لم يتغير لم يحكم بتنجيسه حتى ينفصل وان تغير فتأثيره باق مع نجاسته فأما المنفصل بعد طهارة النجس فنجس ايضا عند ابن حامد والصحيح انه طاهر وهو طهور ايضا في اقوى الوجهين وان انتضح من المنفصل شيء قبل تكميل السبع فيما يعتبر فيه فقيل يجب تسبيعه وقيل يجب غسله بعدد ما بقي بعد انفصاله فيغسل من الاولى ست وهذا اصح والله اعلم

(1/97)


فصل
ما لا يمكن غسله لا يطهر كالتراب اذا اختلط به رميم الموتى وفتات الروث فأما ما يقع بالماء النجس كاللحم والحب فهل يمكن تطهيره بغسل الحب وغلي اللحم والتجفيف في كل مرة على روايتين فأما اللبن المنقوع بالمائع النجس كالخمر والبول فإنه يصب عليه الماء حتى يداخل اجزاءه ويصير طينا ويذهب اثر النجاسة فان لم يداخله طهر ظاهره دون باطنه فإن كانت فيه اعيان النجاسة كروث ورميم لم يطهر الا ان يطبخ بالنار فيغسل فيطهر ظاهره لان النار اكلت النجاسة والماء ازال الاثر ولا يطهر باطنه لان الماء لم يصل اليه الا ان يسحق سحقا ناعما فيخلص اليه الماء حينئذ وكذلك المائعات كالخل ونحوه لا يطهر لان النجاسة لا تزايلها الا الماء فإن النجاسة تفارقه كما تقدم وإلا الادهان مثل الزيت والشيرج ونحوهما فإنه يطهر بالغسل على احد الوجهين وذلك بأ يصب عليه الماء الحار ويفتح في اسفل الوعاء ثقب يخرج منه الماء والا الزئبق فإنه لا يقوى شيء من النجاسات على مداخلته لقوته وتماسكه فاشبه الجامدات
مسألة
ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح
وذلك لما روت ام قيس بنت محصن الاسدية انها اتت بابن لها لم يأكل الطعام الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/98)


يؤتي بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله متفق عليهما وعن علي بن ابي طالب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة وهذا ما لم يطعما فإذا اطعما غسلا جميعا رواه احمد وابو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن
وعن ابي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قال النبي صلى الله عليه و سلم يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة وقد قيل ان الغلام يبول رزقا مستلقيا

(1/99)


على ظهره فينشر نجاسته فتعظم المشقة بغسلها فإذا أكل الطعام قوي واشتد ظهره فقعد فيقل انتشار نجاسته والجارية لا يجاوز بولها محلها وقيل اشياء اخر منها ان الغلام يحمل على الايدي عادة بخلاف الجارية ومنها ان مزاجه حار فبوله رقيق بخلاف الانثى فإنها شديدة الرطوبة والنضح ان يعم الماء النجاسة وان لم يجر عنها
ومعنى اكله الطعام ان يشتهيه للاغتذاء به بخلاف ما يحنكه وقت الولادة ويلعقه من الاشربة نحوها
مسألة
وكذلك المذي
وهو ماء رقيق يخرج لابتداء الشهوة اذا تحركت وبتفكر او نظر او مس وبعد فتورها من غير احساس به وظاهر المذهب انه نجس وعنه انه طاهر اختاره ابو الخطاب في خلافه لما روى سهل بن حنيف قال كنت القى من المذي شدة وكنت اكثر من الاغتسال فسألت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يجزيك من ذلك الوضوء فقلت يا رسول الله كيف اصنع بما يصيب ثوبي قال يكفيك ان تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى انه اصابه رواه ابو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح

(1/100)


وأحمد ولفظه فتمسح بدل قوله فتنضح به والاثرم ولفظه يجزئك ان تأخذ حفنة من ماء فترش عليه فلم يأمره بغسل فرجه منه ولو كان واجبا لامره ويحمل الامر بالنضح وبالغسل في حديث علي على الاستحباب ولانه جزء من المني اذا يخرج بسبب الشهوة من مخرج المني لكنه لم يستحكم بكمال الشهوة والاول هو المشهور لكن يكفي نضح المحل منه في احدى الروايتين كما ذكره الشيخ للحديث المذكور وحمله على هذا اولى من حمله وسكوته عن غسله على مجرد الاستحباب فإن الاصل في الامر الوجوب لا سيما في مثل هذا وسكوته عن غسل الفرج منه قد يكون لعلم المستمع فإنه كان عالما بنجاسته ولكن سأل عن موجب خروجه وعن كيفية التطهر منه ولانه متردد بين المني لانه جزء منه وبين البول لكونه لم يكمل وهو مما يشق التحرز منه فاجرا فيه النضح كبول الغلام والاخرى لا يجزئ الا الغسل لما روي عن علي قال كنت رجلا مذاء فاستحييت ان اسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمرت المقداد فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ واذا امر بغسل الذكر فكذلك سائر المحال

(1/101)


والنضح ينبغي ان يكون في غير مخرجه فأما مخرجه ففي قدر ما يجب غسله منه ثلاث روايات احداهن يجب الاستنجاء منه كالبول اختارها الخلال لانه نجس فاشبه سائر النجاسات ولان في حديث علي عن النبي صلى الله عليه و سلم في المذي الوضوء وفي المني الغسل قال الترمذي حديث حسن صحيح وكذلك حديث سهل لم يذكر الا الوضوء الثانية يجب غسل جميع الذكر ما اصابه منه وما لم يصبه لحديث علي يغسل ذكره الثالثة يغسل جميع الذكر والانثيين اختارها ابو بكر والقاضي
لما روي عن علي قال كنت مذاء فاستحييت ان اسال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمكان ابنته فامرت المقداد فسأله فقال يغسل ذكره وانثييه ويتوضأ رواه احمد وابو داود فإن قيل يرويه هشام بن عروة عن ابيه عن علي وهو لم يدركه قلنا مرسله احد اجلاء الفقهاء السبعة رواه ليبين الحكم المذكور فيه وهذا من اقوى المراسيل وقد روى عبد الله بن سعد قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الماء يكون بعد الماء

(1/102)


فقال ذاك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وانثييك وتوضا رواه ابو داود
ولانه خارج بشهوة فجاز أن يجب بغسله اكثر من محله كالمنى وذلك لان الانثيين وعاؤه فغسلهما يقطعه ويزيل اثره
مسألة
ولا يطهر شيء من النجاسات بالمسح ولا يعفى عنه الا اسفل الخف والحذاء فإنه يجزئ دلكه بالارض في احدى الروايات وفي الاخرى لا يجزئ كسائر الملبوسات والثالثة يجزئ في غير الغائط والبول لغلظهما ووجه الاولى وهي اصح قوله اذا وطئ احدكم بنعله الاذى فإن التراب له طهور رواه ابو داود

(1/103)


ولانه محل يتكرر اصابة النجاسة له فأجزا فيه المسح كالسبيلين وكذلك خرج في طهارتهما طهارة السبيلين بالاستجمار وجهان وذيول الثياب يتوجه فيها الجواز لحديث ام سلمة وكذلك لا تزول النجاسة بالشمس والريح والاستحالة في المشهور وفي الجميع وجه قوي
مسألة
ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه وهو ما لا يفحش في النفس
النجاسات على قسمين ما يبطل الصلاة قليلها وكثيرها وما يعفى عن يسيرها
اما المذي فيعفى عنه في اقوى الروايتين لان البلوى تعم به ويشق

(1/104)


التحرز منه فهو كالدم بل اولى للاختلاف في نجاسته والاجتزاء عنه بنضحه وكذلك المني اذا قلنا بنجاسته واما الودي فلا يعفى عنه في المشهور عنه كالبول واما الدم فيعفى عن يسيره رواية واحدة وكذلك القيح والمدة والصديد وماء القروح ان كان متغيرا فهو كالقيح والا فهو طاهر كالعرق قال احمد القيح والصديد والمدة عندي اسهل من الدم الذي فيه شك يعني في نجاسته وسئل القيح والدم عندك سواء فقال الدم لم يختلف الناس فيه والقيح قد اختلف الناس فيه
قال البخاري بزق عبد الله بن ابي اوفى دما فمضى في صلاته وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم ولم يتوضا وحكى احمد ان ابا هريرة ادخل اصبعه في انفه فخرج عليها دم فلم يتوضا وعن جابر ابن عبدالله انه سئل عن رجل يصلي فامتخط فخرج من مخاطه شيء

(1/105)


من دم قال لا بأس بذلك يتم صلاته ولان الله سبحانه حرم الدم المسفوح خاصة لان اللحم لا يكاد يخلو من دم فأباحة للمشقة فلان يبيح ملاقاته في الصلاة أولى لان الانسان لا يكاد يخلو من دماميل وجروح وقروح فرخص في ترك غسلها
والمعفو عنه دم الادمي ودم البق والبراغيث إن قيل بنجاسته ودم الحيوان المأكول فأما المحرم الذى له نفس سائله فلا يعفى عن دمه لان التحرز منه يمكن وهو مغلظ لكون لبنه نجسا وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم انه خلع نعليه في الصلاة وعلل بأن فيهما دم حلمة وكذلك دم الحيضة وما خرج من السبيلين لا يعفى عنه في اصح الوجهين لانه يغلظ بخروجه من السبيل ولذلك ينقض قليله الوضوء والتحرز منه ممكن واما قدر اليسير فعنه ما دون شبر في شبر وعنه ما دون قدر الكف وعنه القطرة والقطرتان وقيل عنه مادون ذراع في ذراع والمشهور عنه ما يفحش في النفس لان ابن عباس قال في الدم اذا كان فاحشا اعاد
ولان التقدير مرجعه العرف اذا لم يقدر في الشرع ولا في اللغة قال الخلال الذي استقر عليه قوله ان الفاحش ما يستفحشه كل انسان في نفسه
وهذا هو ظاهر المذهب الا ان يكون قطرة او قطرتين فيعفى عنه بكل

(1/106)


حال لان العفو عنه لدفع المشقة فإذا لم يستفحشه شق عليه غسله واذا استفحشه هان عليه غسله قال ابن عقيل الاعتبار بالفاحش في نفوس اكثر الناس واوساطهم ومما يعفى عنه اثر الاستجمار ان لم نقل بطهارته وبول ما يؤكل لحمه وروثه إن قلنا بنجاسته كدمه المختلف فيه ولمشقة الاحتراز منه
وكذلك يعفى عن يسير ريق الحيوانات المحرمة وعرقها إذا قلنا بنجاستها في إحدى الروايتين وفي الاخرى لا يعفى كريق الكلب والخنزير وعرقهما والفرق بينهما ان هذه الحيوانات يباح اقتناؤها مطلقا ويشق معه التحرز من ريقها وعرقها وقد اختلف في نجاستها وركب النبي صلى الله عليه و سلم حمارا ويعفى عن يسير بول الخفاش في إحدى الروايتين لانه في وقت النبي صلى الله عليه و سلم والى وقتنا لا يسلم الناس منه في المساجد ولا من الصلاة عليه ولا يعفى عن يسير النبيذ المختلف فيه في اصح الروايتين كالمجمع عليه فإنه رواية واحدة قال ابن عقيل وفي العفو عن يسير القيء روايتان وكذلك ذكر ان يسير القيء يعفى عنه
وكذلك كلما لا ينقض الوضوء خروجه كيسير الدود والحصى والخارج من غير الفرجين لا يجب غسل موضعه كما لا يجب التوضؤ منه وذكر القاضي في العفو عن أرواث البغل والحمار والسباع روايتين أقواهما أنه لا

(1/107)


يعفى واما الذي لا يعفى عن يسيره فكالبول والغائط والخمر والميتة لقول النبي صلى الله عليه و سلم تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه وقوله إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ولان هذه نجاسات مغلظة في أنفسها ولا يعم الابتلاء بها وليس في نجاستها اختلاف فلا وجه للعفو عنها مع ان الاختلاف فيها لا اثر له على الاصح
فصل في بيان النجاسات وهي اما حيوان او جماد اما الحيوان فقد تقدم ذكره وما تحلل من ظاهره مثل ريقه ودمعه وعرقه فهو مثله وأما روث غير المأكول وبوله فهو نجس بكل حال الا ما لا نفس له سائلة فإن روثه وبوله وجميع رطوباته طاهرة وكذلك لبن غير المأكول كالحمر لا يجوز شربه للتداوي ولا غير سواء قلنا بطهارة ظاهرة او لا إلا لبن الآدمي فإنه ظاهر
وأما الشعر فحكمه حكم ميتته في ظاهر المذهب وعنه انه طاهر مطلقا والقيء نجس لان النبي صلى الله عليه و سلم قاء فتوضأ وسواء أريد

(1/108)


غسل يده او الوضوء الشرعي لانه لا يكون إلا عن نجاسة
فأما بلغم المعدة فطاهر في أقوى الروايتين كبلغم الرأس وفي الاخرى هو نجس كالقيء والبيض واللبن في أحد الوجهين وفي الآخر كالولد
وأما المني فكاللبن مطلقا واما الجماد فالميتة وقد ذكرها في الآنية والدم كله نجس وكذلك المدة والقيح والصديد وماء القروح المتغير على ما ذكرناه من العفو عن يسيره الا الدماء المأكولة كالكبد والطحال وما بقي على اللحم بعد السفح ودم السمك رواية واحدة والا الدماء التي ليست سائلة كدم الذباب والبق والبراغيث في أقوى الروايتين إلا دم الشهيد ما دام عليه لان الشارع أمر بإبقائه عليه مع كثرته فلو حمله مصل لم تبطل صلاته
وإلا العلقة في وجه كالطحال والمني والصحيح انها نجسة وسواء استحالت عن مني او عن بيض والمائعات المسكرة كلها نجسة لان الله سماها رجسا والرجس هو القذر والنجس الذي يجب اجتنابه وامر باجتنابها مطلقا وهو يعم الشرب والمس وغير ذلك وامر بإراقتها ولعن النبي صلى الله عليه و سلم عينها فهي كالدم واولى لامتيازها عليه بالحد وغيره

(1/109)


ولا يجوز القصد الى تخليها فإن خللت لم تطهر في المنصوص المشهور لما روى انس ان النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن الخمر تتخذ خلا قال لا رواه مسلم وغيره
وعنه ايضا أن ابا طلحة سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال اهرقها قال أفلا نجعلها خلا قال لا رواه احمد وأبو داود وقيل عنه تطهر وقيل بنقلها من مكان الى مكان دون القاء شيء فيها فأما ان ابتدأ الله قلبها طهرت وان امسكها كذلك سواء ليتخذ العصير للخل او للخمر في المشهور وقيل ان اتخذه للخمر ثم امسكه حتى تخلل لم تطهر والاول اصح لقول عمر لا تأكل خلا من خمر افسدت حتى يبدأ الله بفسادها وذلك حين طاب الخل ولا بأس على امرئ اصاب خلا من اهل الكتاب ان يبتاعه ما لم يعلم انهم تعمدوا إفسادها رواه سعيد
مسألة ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر
وأما المني فأشهر الروايتين انه طاهر لما روت عائشة قالت كنت افرك المني من ثوب رسول صلى الله عليه و سلم ثم يذهب فيصلي فيه

(1/110)


رواه الجماعة إلا البخاري ولو كان نجسا لم يجزئ فركه كسائر النجاسات والرواية الاخرى هو نجس يجزئ فركه لهذا الحديث لان الفرك انما يدل على خفة النجاسة كالدم ولهذا يجزئ مسح رطبه على هذه الرواية نص عليه ذكره القاضي كفرك يابسة وان كان مفهوم كلام اكثر اصحابنا انه لا يجزئ الا الفرك كقول ابي حنيفة فإنه خلاف المذهب
ويختص الفرك بمني الرجل لانه ابيض غليظ يذهب الفرك والمسح بأكثره بخلاف مني المرأة فإن الفرك والمسح لا يؤثر فيه طائلا وانما يجب الغسل أو المسح أو الفرك في كثيره فأما يسيره يعفى عنه كالدم وأولى وإذا استبه موضع الجنابة فرك الثوب كله أو غسل ما رأى وفرك ما لم ير وهذا مشروع على الرواية الاولى استحبابا والاولى اشهر لان الاصل في النجاسة وجوب الغسل ولان اثر ابن عباس سئل عن المني يصيب الثوب فقال امطه عنك ولو باذخر او خرقه فإنما هو بمنزلة المخاط أو البزاق ونحوه عن

(1/111)


سعد ابن ابي وقاص وقد روى حديث ابن عباس مرفوعا
وأما الرطوبة التي في فرج المرأة فطاهر في اقوى الروايتين واما بول ما يؤكل لحمه وروثه فطاهر في ظاهر المذهب لما روي عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال لا بأس ببول ما أكل لحمه رواه الدارقطني واحتج به احمد في رواية عبد الله وقال ابو بكر عبد العزيز ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ولما اخرجا في الصحيحين عن انس بن مالك ان رهطا من عكل أو قال من عرينه قدموا فاجتووا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بلقاح وامرهم ان يشربوا من ابوالها والبانها رواه الجماعة ولم يأمرهم بغسل افواههم وما يصيبهم منه مع انهم أعراب معتادون شربه

(1/112)


حديثو عهد بجاهلية وساقه مع اللبن سياقة واحدة وكل هذا يدل على طهارته وصح عنه انه اذن في الصلاة في مرابض الغنم ولم يأمر بحائل وطاف على بعيره واذن لام سلمة بالطواف على بعير وكان الاعرابي يدخل بعيره في المسجد وينتجه فيه ولو كانت ارواثها نجسة مع ان عادة البهائم الا تمتنع من البول في بقعة دون بقعة لوجب صيانة المسجد عن ذلك ولما سألته الجن الزاد لهم ولدوابهم قال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم قال النبي صلى الله عليه و سلم لا تستنجوا بها فإنها زاد إخوانكم من الجن
فلو كان قد أباح لهم الروث النجس لم يكن في صيانته عن نجاسة مثله معنى وقال ابو بكر بن الاشج كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلون وخروء البعير في ثيابهم

(1/113)


باب الآنية
مسألة
لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة
هذا التحريم يستوي فيه الرجال والنساء بخلاف التحلي فإنه يختص بالرجال ويباح لهم منه أشياء مستثناه وكل ما يلبس فهو من باب الحلية سواء كان سلاحا أو لباسا وما لم يلبس فهو من باب الآنية مثل المكحلة والمحبرة والمرود والإبريق والاصل في ذلك ما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه
وفي لفظ لمسلم إن الذي يأكل او يشرب في آنية الذهب والفضة وعن حذيفة بن اليمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا بشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة متفق عليه
فنهى صلى الله عليه و سلم عن الاكل والشرب لانهما أغلب الافعال وفي التطهير منها والاستمداد والاكتمال والاستصباح ونحو ذلك لان ذلك

(1/114)


مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور
وكذلك يحرم اتخاذها في المشهور من الروايتين فلا يجوز صنعتها ولا استصياغها ولا اقتناؤها ولا التجارة فيها لانه متخذ على هيئة محرمة الاستعمال فكان كالطنبور وآلات اللهو ولان اتخاذها يدعو الى استعمالها غالبا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالاجنبية ولا تصح الطهارة منها في اصح الوجهين اختاره ابو بكر وسواء اغترف منها او اغتمس فيها لانه اتى بالعبادة على الوجه المحرم فأشبه الصلاة في الدار المغصوبة فعلى هذا إن جعلها مصبا لما ينفصل عنه حين التوضؤ فوجهان اصحهما عدم الصحة وفي الثاني يصح اختاره الخرقي وغيره لان التحريم لا يرجع الى نفس العبادة ولا الى شرط من شرائط وجوبها وادائها فأشبهه التوضؤ في المكان المغصوب والصلاة بخاتم ذهب لان الآنية ليست من الوضوء ولا من شروطه بخلاف البقعة والسترة في الصلاة والمال في الحج

(1/115)


مسألة
وحكم الضبب بهما حكمهما إلا ان يكون يسيره من الفضة
الضبة ثلاثة اقسام أحدها الكثيرة فحرام مطلقا لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم رواه الدارقطني
وقال ابن عقيل يباح الكثير للحاجة وثانيها اليسير للحاجة كتشعيب التاج وشعيرة السكين فيباح إجماعا وقد روى البخاري عن انس ان قدح النبي صلى الله عليه و سلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة
ولانه إنما قصد به الاصلاح ودفع الحاجة دون الزينة والحلية ولا يباشرها بالاستعمال الا أن يحتاج الى ذلك كلحس الطعام ويباشر بها الشرب إذا كانت في موضعه فإن لم يحتج اليه فهو منهي عنه نهي تحريم في اصح الوجهين وفي الاخر نهي تنزيه ومعنى الحاجة ان تكون الضبة مما يحتاج اليها سواء كانت من فضة او نحاس او حديد فتباح

(1/116)


فأما إن احتيج الى نفس الفضة بأن لا يقوم غيرها مقامها فتباح وإن كان كثيرا ولو كان من الذهب وثالثها اليسير لغير حاجة كحلقة الإناء فيحرم في المنصوص لما ذكرنا ولان ابن عمر كان يكره الإناء فيه حلقة من فضة
وقيل يباح مطلقا وقيل يباح منه ما لم يباشرها بالاستعمال كرأس المكحلة وتحلية الدواة والمقلمة وأما المضبب بالذهب فحرام مطلقا لما روت اسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصلح من الذهب شيء ولا خر بصيصه رواه احمد وهي مثل عين الجرادة فأما يسيره في اللباس ففيه وجهان يومي اليهما وقيل يباح حلية السلاح دون حلية اللباس وقد أومأ إليه أيضا

(1/117)


مسألة
ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها
سواء كانت ثمينة مثل الياقوت والبلور والعقيق او غير ثمينة كالخزف والخشب والصفر والحديد والجلود
لان النبي صلى الله عليه و سلم واصحابه كانت عادتهم استعمال اسقية الادم وآنية البرام والخشب ونحوها ولا يكره شيء منها إلا الصفر والنحاس والرصاص في احد الوجهين اختاره ابو الفرج المقدسي لان ذلك يؤثر عن عبدالله بن عمر ولان الماء قد يتغير فيها ويقال إن الملائكة تكره ريحها والآخر لا يكره وهو المشهور لان عبد الله بن زيد قال اتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه البخاري وكذلك الثمين الذي يفوت قيمة النقدين فإن أدلة الاباحة تعمه والنهي اختص النقدين ولا يشبههما
لان الثمين لا يعرفه إلا خواص الناس ولا يسمح الناس باتخاذه آنية فلا يحصل سرف ولا فخر ولا خيلاء وإن فرض ذلك كان المحرم نفس الفخر والخيلاء كما إذا حصل في المباحات والطاعات وأما الاعيان فإنما تحرم إذا كانت فضة غالبة كذلك ولهذا لما حرم الحرير ابيح ما كان أغلى قيمة منه من الكتان ونحوه

(1/118)


مسألة
ويجوز استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها
أما الاواني التي استعملوها ففيها ثلاث روايات أحدها يباح مطلقا لما روى جابر بن عبدالله قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فنصيب آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها فلا يعيب ذلك عليها رواه احمد وأبو داود
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه توضأوا من مزادة مشركة وروى انس أن يهوديا دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم الى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه رواه احمد والثانية تكره لما روى ابو ثعلبة الخشني قال قلت يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال إن وجدتم غيرها فلا

(1/119)


تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا متفق عله ولانهم لا يجتنبون النجاسة لا سيما الخمر لاستحلالهم إياها فالظاهر أن أوانيهم لا تسلم من ذلك
وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم دع ما يريبك الى ما لا يريبك قال الترمذي حديث حسن صحيح والرواية الثالثة أن من لا تباح ذبيحته كالمجوس والمشركين أو من يكثر استعمال النجاسة كالنصارى المتظاهرين بالخمر والخنزير لا تباح أوانيهم وتباح آنية من سواهم لكن في كراهتها الخلاف المتقدم والصحيح أنها لا تكره وهذا اختيار القاضي وأكثر اصحابنا من يجعل هذا التفصيل هو المذهب قولا واحدا لحديث أبي ثعلبة المتقدم حملا له على من يكثر استعمال النجاسة وحملا لغيره على غير ذلك كما جاء مفسرا فيما رواه ابو داود عن ابي ثعلبة قال قلت يا رسول الله ان ارضنا ارض اهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بأنيتهم وقدورهم قال إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا قال آدم بن الزبرقان سمعت الشعبي قال غزوت مع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فكنا إذا انتهينا الى اهل قرية

(1/120)


فإن كانوا اهل كتاب اكلنا من طعامهم وشربنا من شرابهم وإن كانوا غير أهل كتاب انتفعنا بآنيتهم وغسلناها وعلى هذه الرواية لا يؤكل من طعام هؤلاء إلا الفاكهة ونحوها مما لم يصنعوه في آنيتهم نص عليه وتكون آسارهم نسجة ذكرها القاضي وغيره وذلك لان من تكون ذبيحته نجسة او من هو مشهور باستعمال النجاسة لا تسلم آنيته المستعملة من ذلك إلا على احتمال نادر لا يلتفت إليه وما لم يستعملوه او شك في استعماله فهو على أصل الطهارة وأما الثياب فما لم يعلم أنهم استعملوه لا تكره قولا واحدا سواء نسجوه او حملوه كالآنية لان عامة الثياب والآنية التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه كانت من نسج الكفار وصنعتهم وما لبسوه ففي كراهته روايتان إلا أن يكون مما يلي العورة كالسراويل والازر ففي جواز استعماله روايتان
فأما ثياب المجوس ونحوهم كآنيتهم كما تقدم في أحد الوجهين وفي الآخر هي كثياب غيرهم من اهل الكتاب
مسألة
وصوف الميتة وشعرها طاهر
وكذلك الوبر والريش على ظاهر المذهب وعنه ما يدل على نجاسته لانه جزء من الحيوان فيتنجس بالموت كغيره والصحيح الاول لان حياته من جنس النبات وهو النمو والاغتذاء ولهذا لا ينجس المحل بمفارقتها بدليل

(1/121)


الزرع إذا يبس والبيض المتصلب في جوف الميتة بخلاف حياة الجلد واللحم فإنهما بالإحساس والحركة الإرادية وهذه التي ينجس المحل بمفارقتها ولهذا يجوز أخذه حال الحياة بخلاف غيره من الاجزاء
ولان النبي صلى الله عليه و سلم قال ما ابين من البهيمة وهي حية فهو ميت فلو كان جزء منها لكان ميتا بالابانة وقد أجمع الناس على جواز الانتفاع بالمجزوز وإذا نتف الريش والشعر فهل يطهر بالغسل اسفله المترطب بالنجاسة على وجهين
مسألة
وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس
هذا أشهر الروايتين وفي الاخرى الدباغ مطهر في الجملة لما روى ابن عباس قال تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا إنها ميتة فقال إنما حرم أكلها

(1/122)


رواه الجماعة الا البخاري والنسائي لم يذكر فيه يالدباغ
وعنه ايضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أيما إهاب دبغ فقد طهر رواه مسلم ووجه الاولى ما روى عبد الله بن عكيم قال كتب الينا رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل وفاته بشهر لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح

(1/123)


وقد استقر الحكم بعد ذلك على وقال احمد ما اصلح اسناده وفي لفظ الدراقطني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهذا ناسخ لغيره لانه متأخر ومشعر بنهي بعد رخصة لا سيمعا وفي حديث ابن عباس إنما حرم أكلها وقد استقر الحكم بعد ذلك على تحريم الادهان بودكها ويدل على تقدمه ما روت سودة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت ماتت شاة فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنا رواه البخاري وهذا إنما يكون في اكثر من شهر وعن سلمة بن المحبق انه كان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك فأتى على بيت فراء فيه قربة معلقة فسأل الشراب فقيل

(1/124)


إنها ميتة فقال ذكاتها دباغها وهذا قبل وفاته بأكثر من سنة فلو كان رخصة أخرى بعد النهي لزم النسخ مرتين وقيل الاهاب اسم للجلد قبل الدباغ لان هذا لم يعلم من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه رخصة ولا عادة الناس الانتفاع به
فصل
وإذا قلنا بتطهير الدباغ فهل يكون كالحياة او كالذكاة على وجهين أحدهما انه كالحياة لانه يحفظ الصحة على الجلد ويصلحه للانتفاع كالحياة فعلى هذا يطهر جلد ما كان طاهرا في الحياة كالهر وما دونها في الخلقة وكذلك جلد ما سوى الكلب والخنزير في رواية
والوجه الثاني أنه كالذكاة فلا يطهر إلا ما تطهره الذكاة وهذا أصح كما سبق من قوله دباغها ذكاتها ولما روت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت رواه احمد وابو داود وابن

(1/125)


ماجة والنسائي ولفظه انه سئل عن جلود الميتة فقال دباغها ذكاتها فقد شبه الدباغ بالذكاة وحكم المشبه مثل المشبه به او دونه ولانه صلى الله عليه و سلم نهى عن جلود السباع ولا تكاد تستعمل الا مدبوغة ولم يفصل وهذا مبنى على ان الذكاة لاجل الماكول فأما غير المأكول فلا يطهر جلده بالذكاة لانه ذبح غير مشروع فلم يفد طهارة الجلد كذبح المحرم الصيد والذبح في غير الحلق واللبة ولانه ذبح لا يفيد حل اللحم فلم يفد طهارة الجلد كذبح المجوسي والمرتد وهذا لان التنجيس لو كان لمجرد احتقان الرطوبات في الجلد وإزالته مشروعة بكل طريق لم يفرق بين ذابح وذبح ومذبح ومذبح والذي يدل على ان ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده لا بذكاة ولا بدباغ ما روى ابو المليح بن اسامة عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن جلود السباع رواه احمد وابو داود والنسائي والترمذي وزاد أن تفترش

(1/126)


وعن معاوية بن ابي سفيان قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن جلود النمور ان يركب عليها رواه احمد وابو داود وفي لفظ لاحمد نهى عن لبس صوف النمور وعن المقدام بن معدي يكرب قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مياثر النمور رواه احمد والنسائي وعن المقدام انه قال لمعاوية انشدك الله هل تعلم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها قال نعم رواه احمد وابو داود والنسائي وعن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر رواه ابو داود وهذه الاحاديث نصوص في أنها لا تباح بذكاة ولا دباغ

(1/127)


فصل
ولا بد فيما يدبغ به ان يكون منشفا للرطوبة منقيا للخبث عن الجلد حتى لو نقع الجلد بعده في الماء لم يفسد سواء كان ملحا او قرظا او شبا او غير ذلك ولا بد من طهارته وهل يجب غسل الجلد بعد الدبغ على وجهين ويجوز بيع الجلد المدبوغ ولا يباح اكله إذا كان من حيوان مأكول في اقوى الوجهين ويباح استعماله في اليابسات مع القول بنجاسته في إحدى الروايتين وفي الاخرى لا يباح وهو الاظهر للنهي عن ذلك فأما قبل الدباغ فلا ينتفع به قولا واحدا كما لا يلبس جلد الكلب والخنزير وان دبغ
مسالة
وكذلك عظامها
عظم الميتة نجس وكذلك قرنها وضفرها وحافرها وعصبها في المشهور من المذهب وقيل هو كالشعر لانه ليس فيه رطوبات تنجسه ولانه لا يحس ولا يألم فيكون كالشعر والظاهر الاول لان النبي صلى الله عليه و سلم كتب الى جهينة لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب

(1/128)


ولانه فيه حياة الحيوان بدليل قوله تعالى من يحيي العظام وهي رميم ولان العصب يحس ويألم وكذلك الضرس وذلك دليل الحياة
وأما ما لا يحس منه مثل القرن والظفر والسن إذا طال فإنما هو لمفارقة الحياة ما طال وقد كان مقتضى القياس نجاسته لكن منع من ذلك اتصاله بالجملة تبعا لها ودفعا للمشقة بتنجيس ذلك كما قلنا فيما حشي على العقب وبسط على الانامل وسائر ما يموت من اللحم ولم ينفصل فإذا انفصل او مات الاصل زال المانع فطهر على السبب وتعليل نجاسة اللحم باحتقان الرطوبات فيه قد تقدم الجواب عنه
مسألة
وكل ميتة نجسة إلا الآدمي
أما نجاسة الحيوان بالموت في الجملة فإجماع وقد دل على ذلك قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وذلك يعم أكلها والانتفاع بها وغير ذلك لما روى جابر بن عبد الله انه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه رواه الجماعة

(1/129)


والكلام في فصلين في أجزاء الميتة وفي اجناسها أما أجزاؤها فاللحم نجس وكذلك الجلد وقد تقدم القول في العظم والشعر وأما ما لا يموت بموتها كالبيض واللبن فإنه لا ينجس بالموت لكن هل ينجس بنجاسة وعائه أما البيض فإذا كان قد تصلب قشره فهو طاهر مباح لانه لا يصل اليه شيء من النجاسة كما لو غمس في ماء نجس وكما لو طبخ في خمر أو ماء نجس وكذلك لو سلقه في ماء ملح أو مر لم يتغير طعمه وقال ابن عقيل هو طاهر مباح وان لم يتصلب لان جمودها وغشاءها الذي هو كالجلد مع لينه يمنع نفوذ النجاسة اليها
كما لو وقعت في مائع نجس والمشهور انها تتنجس إذا لم تتصلب لانها في النمور والحاجز غير حصين فلا ينفك غالبا من ان يشرب اجزاء عقيب الموت قبل ذهاب حرارة الحياة واما اللبن والإنفحة فطاهر في احدى الروايتين لان الصحابة فتحوا بلاد المجوس وأكلوا من جبنهم مع علمهم بنجاسة ذبائحهم وأن الجبن إنما يصنع بالإنفحة وان اللبن لم ينجس بالموت إذا لا حياة فيه ولا بملاقاة وعائه لان الملاقاة في الباطن لا حكم لها اذ الحكم بالتنجيس إنما يتسلط على الاجسام الظاهرة
ولذلك لم ينجس المني والنجاسة تخرج من مخرج المني وعلى هذه الرواية فجلد الإنفحة نجس كجلد الضرع وإنما الكلام فيما فيهما والرواية الاخرى هما نجس وهي المنصورة ولانه مائع في وعاء نجس فأشبه ما لو أعيد في

(1/130)


الضرع بعد الحلب او حلبت في اناء نجس وما عللوا به ينتقض بالمخ في العظم فانه نجس وأما المني والنجاسة فميز له اللبن الخارج في الحياة لانه لو نجس ما خلق طاهرا في الباطن بما يلاقيه لنجس ابدا بخلاف ما بعد الموت فإنه خروجه نادر كما لو خرج المني والنجاسة بعد الموت
وما ذكر عن الصحابة لا يصح لانهم وإن اكلوا من جبن بلاد فارس فلانة كان بينهم يهود ونصارى يذبحون لهم فحينئذ لا تتحقق نجاسة الجبن ولهذا كتب ابو موسى الاشعري الى عمر يذكر ان المجوس لما رأوا أن المسلمين لا يشترون جبنهم وإنما يشترون جبن اهل الكتاب عمد المجوس وصلبوا على الجبن كما يصلب اهل الكتاب ليشترى جبنهم فكتب اليه عمر ما تبين لكم انه من صنعتهم فلا تأكلوه وما لم يتبين لكم فكلوه ولا تحرموا على انفسكم ما أحل الله لكم رواه عبد الملك بن حبيب
وقال قد تورع عمرو بن مسعود وابن عباس في خاصة انفسهم من اكل الجبن الا ما ايقنوا انه من جبن المسلمين أو اهل الكتاب خيفة ان يكون من جبن المجوس وقيل لابن عمر انا نخاف ان يجبن الجبن بإنفحة الميتة فقال ما علمت انه ميتة فلا تأكل وأما اجناس الميت فكل ميت نجس الا ما يباح اكله ميتا وما ليس له دم سائل وما حرم لشرفه وقد استثناها الشيخ رحمه الله كذلك لعموم الآية والقياس سواء كان طاهرا في الحياة او نجسا لكن يبقى نجسا لسببين كما حرم السببين

(1/131)


أما الانسان فلا ينجس في ظاهر المذهب وعنه رواية اخرى ينجس لعموم الآية ووقع زنجي في بئر زمزم فمات فأمر ابن عباس بها تنزح رواه الدارقطني ولانه ذو نفس سائلة لا تباح ميتته فنجس بالموت كالشاة والاول اصح لان النبي صلى الله عليه و سلم قال المؤمن لا ينجس متفق عليه وفي لفظ الدارقطني المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا وروى الدارقطني ايضا عن النبي صلى الله عليه و سلم ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه فإنه ليس بنجس
ولان ذلك منقول عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة في قضايا متعددة ولم يعرف لهم مخالف ولانه آدمي مسلم فلم ينجس بالموت كالشهيد فإنه

(1/132)


مسلم على القولين ولانه لو نجس لم يطهر بالغسل ولان الموجب لطهارته شرفه وكذلك لا حيا ولا ميتا وان قلنا ينجس بالموت بحسب اعضائه بالانفصال كسائر الحيوان فاما الشعر فهو طاهر في اصح الروايتن لانه ليس بمحل للحياة وفي رواية اخرى انه نجس بناء على انه من الجملة كاليد سواء جز او تساقط بخلاف شعر المأكول فإنه لما احتيج اليه كان جزه كتذكية
وهذا ضعيف كما سبق ويطهر بالغسل في اصح الروايتين ولا ينجس الشهيد كما لا ينجس دمه وان قلنا لا ينجس بالموت فكذلك اعضاؤه على الاصح وقيل تنجس وان لم ينجس في الجملة لان الحرمة انما تثبت لها اذا كانت تابعة وهو ضعيف لان حرمة الاعضاء كحرمة الجملة وهذا يختص بالمسلم واما الكافر فينجس على الروايتين لان المقتفي للطهارة من الاثر والقياس مفقود فيه وسبب التنجيس موجود فعمل عمله وعموم كلام بعض اصحابنا يقتفي التسوية كما في الحياة

(1/133)


مسألة
وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته
اما السمك اذا مات بمفارقة الماء فهو حلال طاهر بالاجماع وكذلك اذا مات في الماء حتف انفه وهو الطافي في ظاهر المذهب وقد خرج فيه وجه انه حرام وليس بشيء ومع ذلك فهو طاهر ايضا لان دمه طاهر كالجراد هو طاهر وان قلنا لا يحل ان مات فيه بغير سبب لانه ليست له نفس سائلة وما عدا السمك مما يباح ففيه ثلاث روايات أحدها ان جميعه يباح بلا ذكاة لعموم الحديث فعلى هذا لا ينجس الماء لموته فيه
والثانية لا يباح منه الا السمك لانه هو الميتة المعروفة بدليل قوله احل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والثالثة ان ما لا يعيش الا في الماء فهو كالسمك وما يعيش في البر لا يباح الا بالتذكية وهو ظاهر المذهب كما ذكره الشيخ رحمه الله لما روى ابو هريرة قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله انا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا منه عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح ولان ما لا يعيش الا في الماء لا يمكن تذكيته غالبا فأشبه السمك بخلاف ما يعيش في البر

(1/134)


فأما حيوان البحر المحرم كالضفدع والتمساح على المشهور والكوسج اذا قلنا بتحريمه فهو نجس بالموت وينجس الماء القليل كما ينجس غيره من المائعات
مسألة
وما لا نفس له سائله إذا لم يكن متولدا من النجاسات
النفس هي دمه ومنه سميت النفساء لجريان نفسها يقال نفست المرأة اذا حاضت ونفست اذا ولدت ومنه قول الشاعر ... تسيل على حد الظبات نفوسها ... وليس على غير الظبات تسيل ...
وهو قسمان أحدهما المتولد من النجاسة مثل صراصير الكنيف فهو نجس حيا وميتا لانه متولد من نجس فكان نجسا كالكلب والثاني ما هو متولد من طاهر كالذباب والبق والعقرب والقمل والبراغيث والديدان والسرطان سواء لم يكن له دم او كان له دما غير مسفوح فهذا لا ينجس بالموت ولا ينجس المائع اذا وقع فيه لما روى ابو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا وقع الذباب في شراب احدكم فليغمسه كله ثم

(1/135)


فإن في احد جناحية شفاء وفي الاخر داء رواه البخاري
فأمر بغمسه مع علمه بأنه يموت بالغمس غالبا لا سيما في الاشياء الحارة فلو كان ينجس الشراب لم يأمر بإفساده وقد روى الدارقطني عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوءه وقد روي عن عمر ومعاذ وابي الدرداء وابن مسعود وابي امامة انهم كانوا يقتلون القمل في الصلاة ومنهم من كان يدفنه في المسجد ولو كان نجسا لصانوا صلاتهم عن حمل النجاسة ومسجدهم عن دفن النجاسة فيه ولانه ليس له دم سائل فأشبه دود الخل والباقلا
فصل
إذا مات في الماء ما يشك فيه هل له نفس سائلة فهو طاهر في أظهر الوجهين فأما الوزغ فهو نجس في المنصوص من الوجهين والله اعلم

(1/136)


مسألة
يستحب لمن اراد دخول الخلاء ان يقول بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم
وذلك لما روي عن علي ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل احدكم الخلاء ان يقول بسم الله رواه ابن ماجه والترمذي وعن انس قال كان النبي صلى الله عليه و سلم اذا دخل الخلاء قال اللهم اين اعوذ بك من الخبث والخبائث رواه الجماعة وفي لفظ للبخاري اذا اراد ان يدخل
وعن زيد بن ارقم ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن هذه الحشوش محتضرة فاذا دخل احدكم فليقل اللهم اين اعوذ بك من الخبث

(1/137)


والخبائث رواه ابو داود وابن ماجة وعن ابي امامة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يعجز أحدكم اذا دخل مرفقه ان يقول اللهم اين اعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم رواه ابن ماجة الحشوش جمع حش وهي في الاصل البساتين كانوا يقضون الحاجة فيها ثم سمي موضع قضاء الحاجة حشا والمحتضرة التي تحضرها الشياطين ولذلك امر بذكر الله والاستعاذة قبل الدخول
والخبث بسكون الباء قال ابو عبيد وابن الانباري وغيرهما قالوا وهو الشر والخبائث الشياطين فكأنه استعاذ من الشر ومن اهل الشر وقال الخطابي انما هو الخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة استعاذ

(1/138)


من ذكرانهم وإناثهم والاول أقوى لان فعيل اذا كان صفة جمع على فعلا مثله ظريف وظرفا وكريم وكرما وإنما يجمع على فعل إذا كان اسما مثل رغيف ورغف ونذير ونذر ولانه اكثر معنى والنجس بالكسر والسكون اتباع لما قبله ولو افردته لفتحته والمخبث ذو الاصحاب الخبثاء وهو ايضا الذي يعلم غيره الخبث
مسألة
وإذا خرج قال غفرانك الحمد الله الذي اذهب عني الاذى وعافاني
لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا خرج من الخلاء قال غفرانك رواه الخمسة الا النسائي قال الترمذي حديث حسن غريب وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي اذهب عني الاذى وعافاني رواه ابن ماجة وذكره الامام احمد ولان الخلاء مضنة الغفلة والوسواس فاستحب الاستغفار عقيبه
مسألة
ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج
وهذا عكس دخول المسجد لان اليمنى احق بالتقديم الى الاماكن الطيبة

(1/139)


واحق بالتأخير عن الاذى ومحل الاذى وكذلك قدمت في الانتعال دون النزع لانه صيانة لها وهذا فيما يشترك فيه العضوان فأما ما يختص بأحدهما فإنه يفعل باليمين ان كان من باب الكرامة كالاكل والشرب وبالشمال إن كان من باب إزالة الاذى كالاستنجاء والسواك
مسألة
ولا يدخله بشيء فيه اسم الله إلا من حاجة
لما روى انس قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا دخل الخلاء نزع خاتمه رواه اصحاب السنن وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب وكان نقش خاتمه محمد رسول الله فإن كان معه دراهم او كتاب او خاتم فيه ذكر اسم الله وخاف عليه استصحبه وستره واحترز من سقوطه

(1/140)


وان كان خاتما ادار فصه الى باطن كفه فإن دخل بشيء فيه اسم الله من غير حاجة كره لانه يصان عنه ذكر الله تعالى باللسان فعما كتب عليه اسمه اولى بدليل المحدث يمنع من مس المصحف دون تلاوة القرآن
مسألة ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى
لما روى سراقة بن مالك قال علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا اتينا الخلاء ان نتوكأ على اليسرى وننصب اليمنى رواه الطبراني في معجمه ولان ذلك اسهل لخروج الحدث
فصل
ولا يتكلم لما روى ابن عمر أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه و سلم يبول فسلم عليه فلم يرد عليه رواه الجماعة الا البخاري وعن ابي

(1/141)


سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عوراتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه احمد وابو داود وابن ماجة
وعن ابن عمر أن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يبول فسلم عليه الرجل فرد عليه السلام فلما جاوزه ناداه النبي صلى الله عليه و سلم فقال انما حملني على الرد عليك خشية ان تذهب فتقول اني سلمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يرد علي فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإنك ان تفعل لا أرد عليك رواه الشافعي وهذا يدل على ان الكلام هنا مكروه وانه يجوز لعذر واذا عطس حمد الله بقلبه في اشهر الروايتين والاخرى يحمده بلسانه خفية لعموم الامر به ولانه كلام لحاجة والاول اولى لان النبي صلى الله عليه و سلم لم يرد السلام مع تأكده وتعلق حق الانسان به فغيره اولى
وحكى الامام احمد ان ابن عباس كان يكره ذكر الله على خلائه ويشدد فيه وذكر الله سبحانه اعظم من غيره من الكلام فلا يقاس به

(1/142)


مسألة
وإن كان في الفضاء ابعد واستتر
أما أنه يبعد فلما روى جابر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى رواه ابن ماجة وعن المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه و سلم في سفر فأتى حاجته فأبعد في المذهب حتى توارى عني رواه الجماعة واما الاستتار بما يمكنه من هدف حائط او حائش نخل او كثيب رمل فلما روى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من اتى الغائط فليستتر فإن لم يجد الا ان يجمع كثيبا من رمل فليستديره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج رواه الامام احمد وابو داود وابن ماجة وسنذكر حديث ابن جعفر وغيره ولان ذلك جهده في ستر العورة المأمور بها ولهذا كره ان يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض لان كشف العورة إنما أبيح للحاجة فيقدر بقدرها وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم

(1/143)


أنه كان اذا اراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض رواه ابو داود والترمذي واحتج به الامام احمد
مسألة
وارتاد موضعا رخوا
لما روى ابو موسى قال مال رسول الله صلى الله عليه و سلم الى دمث في جنب حائط فبال ثم قال كان بنو اسرائيل اذا بال احدهم فأصابه شيء من بوله يتبعه فيقرضه بالمقاريض وقال اذا اراد احدكم ان يبول فليرتد لبوله ولا يقضي حاجته في المستحم ثم يتوضأ او يغتسل فيه لانه يورث الوسواس وربما اصابه شيء منها ولذلك يكره الاستنجاء في كل موضع

(1/144)


نجس الا المكان المعد للاستنجاء خاصة ويكره البول في الماء الدائم وان كثر وبلغ حدا لا يمكن نزحه لعموم النهي عن ذلك
ولان فتح هذا الباب يفضي الى كثرة البول فيغيره وهي الموارد المذكورة في حديث معاذ وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اتقوا الملاعن الثلاث ان يقعد احدكم في ظل يستظل فيه او في طريق او في نقع ماء رواه احمد
وأما الجاري فيكره فيه التغوط لبقاء اثره
فأما البول فلا يكره إلا أن تكون الجرية قليلة وتحتها مستعمل يصيبه بيقين لمفهوم النهي عن البول في الماء الدائم ولا يكره البول في الآنية

(1/145)


للحاجة لما روي عن عائشة قالت يقولون إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أوصى الى علي لقد دعا بالطست ليبول فيها فانخنثت نفسه وما اشعر فإلى من اوصى رواه النسائي وعن اميمة بنت رقيقة قالت كان للنبي صلى الله عليه و سلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل رواه النسائي وأبو داود
ولا يكره البول قائما لعذر ويكره مع عدم العذر اذا خاف ان ترى عورته او يصيبه البول فإن أمن ذلك لم يكره في المنصوص من الوجهين لما روى حذيفة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم اتى سباطة قوم فبال قائما رواه الجماعة وفي الآخر يكره لما روي عن عائشة قالت من حدثكم أن

(1/146)


رسول الله صلى الله عليه و سلم بال قائما فلا تصدقوه ما كان يبول الا جالسا رواه احمد وابن ماجة والنسائي والترمذي وقال هو احسن حديث في هذا الباب واصح وهذا يدل على ان الغالب عليه كان الجلوس وان بوله قائما كان لعذر إما لانه لم يتمكن من الجلوس في السباطة او لوجع كان به لما روى ابو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم بال قائما من جرح كان بمأبضه أي تحت ركبته قال الشافعي كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما فترى لعله كان به إذ ذاك وجع الصلب ولكن قد رويت الرخصة عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وابي هريرة وابن عمر وسهل بن سعد وانس ولان الاصل الإباحة فمن ادعى الكراهة فعليه الدليل

(1/147)


مسألة
ولا يستقبل شمسا ولا قمرا
وذلك لان بهما يستضئ اهل الارض فينبغي احترامهما وقد ورد ان اسماء الله مكتوبه عليهما وهذا على سبيل التنزيه فإن كان بينهما حائل فلا بأس3
وكذلك يكره ان يستقبل الريح خشية ان يرجع عليه رشاش بوله
مسألة
ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ويجوز ذلك في البنيان
هذا هو المنصور عند الاصحاب وانه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان وعنه يحرم فيهما اختاره ابو بكر لما روى ابو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا جلس احدكم لحاجته فلا

(1/148)


يستقبل القبلة ولا يستدبرها رواه احمد ومسلم
وعن ابي ايوب الانصاري عن البني صلى الله عليه و سلم قال إذا اتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا او غربوا قال ابو ايوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله متفق عليه وعنه يحرم الاستقبال فيهما دون الاستدبار لما روى ابن عمر قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه و سلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة متفق عليه فهذا يبيح الاستدبار فيبقى الاستقبال على ظاهر النهي
ووجه الاول حديث ابن عمر المذكور وعن عراك بن مالك ان عائشة قالت ذكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم ان ناسا كرهوا ان يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال اوقد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة رواه احمد وابن ماجة وروى ابو داود عن مروان الاصفر قال رأيت ابن عمر اناخ راحلته مستقبل القبلة يبول اليها فقلت يا ابا الرحمن اليس قد نهي عن

(1/149)


هذا قال انما هذا في الفضاء فاذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس
وعلى هذا يحمل ما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم ان تستقبل القبلة ببول فرايته قبل ان يقبض بعام يستقبلها رواه احمد وابو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن غريب وقال البخاري هذا حديث حسن صحيح وقد قيل في وجه الفرق ان كشف العورة محظور في الاصل وانما يباح لحجة فاذا لم يكن بين يديه او قريبا منه شيء يستره كان افحش وجهه القبلة اشرف الجهات فصينت عنه وعلى هذا نقول ان الجلوس في الصحراء في وهد او وراء جدار او بعير كما بين البنيان وان الجلوس على سطوح الوديان ولا سترة لها كالفضاء
مسألة
فإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره الى راسه ثم ينتره ثلاثا
يعني يمسح من اصل الذكر تحت الانثيين الى رأسه وينتر الذكر يفعل

(1/150)


ذلك ثلاثا لما روى عيسى بن يزداد عن ابيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا بال احدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات رواه احمد وابن ماجة وقال ابو الشعثاء اذا بلت فاسمح اسفل ذكرك ولانه بالمسح والنتر يسترخي ما اذ عساه يبقى ويخشى عودته بعد الاستنجاء وان احتاج الى نحنهة او مشي خطوات لذلك فعل وقد احسن
وقيل بل يكره لانه وسواس وبدعة وقال احمد اذا توضأت فضع يدك على سفلتك ثم اسلت ما ثم حتى ينزل ولا تجعل ذلك من همك ولا تلتفت الى ظنك وان استنجى عقب انقطاع البول جاز ولا يطيل

(1/151)


المقام لغير حاجة لان المقام فيه لغير حاجة مكروه لانه محتضر الشياطين وموضع ابداء العورة ويقال عن لقمان الحكيم ان اطالة الجلوس يدمي الكبد ويورث البواسير
مسألة
ولا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بها
أما مس الذكر باليمين فمنهي عنه في كل حال لما روى ابو قتادة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يمسكن احدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه متفق عليه وكذلك الاستنجاء باليمين ولان سلمان الفارسي قيل له لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال سليمان اجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط او بول او ان نستنجئ باليمين او ان نستنجئ بأقل من ثلاثة احجار أو ان نستنجي برجيع او بعظم رواه مسلم وغيره ولا يستعين بيمينه في ذلك الا ان يحتاج الى ذلك اما مسح الدبر فلا حاجة فيه الى الاستعانة باليمين
واما مسح القبل فيستغنى عنها بأن يقصد الاستجمار بجدار او موضع ناب او حجر ضخم ونحو ذلك مما لا يحتاج الى امساكه فإن اضطر الى الحجارة الصغار او الحرث ونحوها جعل الحجر بين عقبيه او بين اصابعه ان

(1/152)


امكن وتناول ذكره بشماله فمسحه بها فإن شق عليه ذلك فله الاستعانة باليمين كما له ان يستعين بها في صب الماء وكما لو كان اقطع اليسرى وهل يمسك ذكره بشماله والحجر بيمينه او بالعكس على وجهين اصحهما الاول وبكل حال تكون اليسرى هي المتحركة لأن الاستجمار انما يحصل بالحركة ولو استتنجى بيمينه صح مع الكراهة
مسألة
ثم يستجمر وترا ثم يستنجي بالماء
هذا هو الافضل لان عائشة رضي الله عنها قالت مرن ازواجكن ان يتبعوا الحجارة الماء من اثر الغائظ والبول فإني استحييهم كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفعله احتج به احمد في رواية حنبل وروى ايضا في كتاب الناسخ والمنسوخ ان ناسا من الانصار كانوا يتبعون الاستنجاء بالحجارة الماء فنزلت فيه رجال ولان الغسل بعد تجفيف النجاسة ابلغ في

(1/153)


التنضيف فصار كالغسل بعد الحت والفرك في غير ذلك ولانه ابعد من مس الاذى باليد المحوج الى تكلف تطهيرها
وانما يستحب الايتاء في الاستجمار لما اخرجا في الصحيحين عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من استجمر فليوتر وان قطع عن شفع جاز لان في رواية ابي داود وابن ماجة من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج وان اقتصر على احدهما فالماء افضل في ظاهر المذهب وعنه انه يكره الاستنجاء من غير استجمار لان فيه مباشرة النجاسة بيده ونشرها من غير حاجة ولان الاقتصار على الحجر يجزئ بالاجماع من غير كراهة والماء قد انكره بعض السلف والاول اصح لان الماء يطهر المحل ويزيل الاثر والحجر يخفف وكان قياسها على سائر البدن يقضي الا يجزئ الا الماء وانما اجزأت الاحجار رخصة فاذا استعمل الطهور كان افضل والمباشرة باليد لغرض صحيح وهو الازالة كما في سائر المواضع ثم في الحجر يبقى اثر النجاسة ويدوم فإن لم يكره الحجر فلا اقل من ان يكون مفضولا وما نقل عن بعض الصحابة من انكار الماء فهو الله اعلم انكار على من يستعمله معتقدا لوجوبه ولا يرى الاحجار مجزئة لانهم شاهدوا من الناس محافظة على الماء لم يكن في اول الاسلام فخافوا التعمق في الدين كما قد يبتلى به بعض الناس

(1/154)


ولهذا قال سعد بن ابي وقاص لم يلحقون في دينكم ما ليس منه يرى احدكم ان حقا عليه ان يغسل ذكره اذا بال فان لم يحمل على هذا فلا وجه له فقد اخرجا في الصحيحين عن انس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدخل الخلاء فاحمل انا وغلام نحوي اداوه من ماء وعنزة فيستنجي بالماء وقصة اهل قباء مشهورة ويستحب للمستنجي ان يدلك يده بالارض لما روى ابو هريرة قال كان النبي صلى الله عليه و سلم اذا اتى الخلاء اتيته بماء في تورا او ركوة فاستنجي ثم مسح يده بالارض رواه داود وابن ماجة

(1/155)


فصل
والاولى ان يبدا الرجل بالقبل لانه اذا بدا بالدبر ربما اصابت نجاسة القبل يده واصابت دبره في حالة غسله والمرأة تتخير في أحد الوجهين لتوازنهما في حقها والثاني تبدا بالدبر لان نجاسته افحش واعسر ازالة فتبدأ بها لئلا ينجس القبل بها وقد طهر والثيب والبكر فيه سواء الا ان البكر يخرج بولها فوق الفرج والعذرة تمنع نزول البول اليه واما الثيب فيمكن نزول البول في فرجها والمنصوص من الوجهين انه لا يجب تطهير باطن فرجها لما فيه من المشقة كداخل العينين
والآخر يجب فعلى هذا ان لم يتحقق نزول شيء من البول اليه لم يجب شيء وان تحققنا فهل يجب غسله بالماء لان النجاسة تعدت المخرج او يكتفي فيه بالحجر للمشقة في ذلك وانه معتاد على وجهين اصحهما اجزاء الحجر
مسألة
وان اقتصر على الاستجمار اجزاءه اذا لم تتعد النجاسة موضع الحاجة
اما اذا لم تتعد النجاسة موضع الحاجة فإنه يجزئه الاستجمار اذا انقى واكمل العدد سواء في ذلك جميع ما يستنجى منه من البول والمذي والودي والدم وغير ذلك

(1/156)


وانما يجزى بشرطين احدهما الانقاء لانه هو المقصود وعلامة ذل الا يبقى في المحل شيء يزيله الحجر والثاني ثلاث مسحات لما تقدم من حديث سلمان ولما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال اذا ذهب احدكم الى الغائط فليستطب بثلاثة احجار فإنها تجزئ عنه رواه ابو داود فعلق الاجزاء بها ونهى عما دونها وهذا اجماع من الامة ان الاقتصار على الاحجار يجزئ من غير كراهة واما اذا تعدت موضع الحاجة فلا يجزئه الا الماء لان الاصل ان يجب ازالة النجاسة بالماء وانما رخص في الاستجمار لتكرار النجاسة على المخرج ومشقة ايجاب الغسل فاذا تعدت عن المخرج المعتاد خرجت عن حد الرخصة فوجب غسلها كنجاسة سائر البدن وحد ذلك ان ينتشر الغائط الى نصف باطن الالية فاكثر وينتشر البول الى نصف الحشفة فاكثر فاما والرمة بأنهما طعام الجن ودليل على الحكم يعم الحجارة وغيرها والا لنهي الناس عنها سوى الاحجار عموما
وقد روى الدارقطني عن طاووس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا اتى احدكم البراز فليستطب بثلاثة احجار او ثلاثة اعواد او ثلاث حثيات من تراب ثم ليقل الحمد لله الذي اذهب عني ما يؤذيني وامسك

(1/157)


علي ما ينفعني وهو مرسل حسن الشرط الاول ان يكون جامدا لان المائع ان كان مطهرا فذلك غسل واستنجاء وان لم يكن مطهرا أماع النجاسة ونشرها وحينئذ لا يجزئه الا الماء لان النجاسة انتشرت عن المخرج المعتاد والثاني ان يكون طاهرا فلا يجوز بجلد ميتة ولا بروث نجس ولا عظم نجس ولا حجر نجس لان النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الاستنجاء بالروث والعظم في حديث ابن مسعود وابي هريرة وسلمان وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف ورويفع بن ثابت وقد تقدم اكثرها وذلك يعم العظم الطاهر والنجس والروث الطاهر والنجس اما الطاهر فقد علله بأنه زاد اخواننا من الجن ففي النجس منه لا عله له الا النجاسة لا سيما الروثة وكسائر الركس والنجس وهما

(1/158)


بمعنى واحد ولا يقال الجميع زاد الجن لانه قد بين انما زادهم كل عظم ذكر اسم الله عليه
ولانه اذا استجمر بشيء نجس اورث المحل نجاسة غير نجاسته وما سوى نجاسته لا يجزئ الاستجمار فيها وكذلك لو خالف واستنجى بالنجس لم يجزئه الاستجمار ثانيا وتعين الماء وقيل يجزئ لان هذه النجاسة مائعة لنجاسة المحل ولا يقال المقصود الانقاء من نجاسة المستنجي به غير حاصل الثالث ان يكون منقيا لان الانقاء هو مقصود الاستجمار فلا يجزئ بزجاج ولا فحم رخو ولا حجر املس الرابع ان لا يكون محترما مثل الطعام ولا يجوز الاستنجاء به سواء في ذلك طعام الانس والجن وعلف دواب الانس والجن
لما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم ان الجن سألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في ايديكم اوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد اخوانكم وعن ابي هريرة رضي الله عنه ان كان يحمل مع رسول الله صلى الله عليه و سلم اداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو يتبعه قال أبغني احجارا استنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة فاتيته باحجار احملها في طرف ثوبي حتى وضعتها الى جنبه ثم انصرفت حتى اذا فرغ مشيت معه
فقلت ما بال العظم والروثة فقال هما من طعام الجن وانه اتاني وقد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم الا يمروا بعظم ولا

(1/159)


بروثة الا وجدوا عليها طعاما رواه البخاري فبين له صلى الله عليه و سلم ما هو طعام الجن ونهانا عنه وتبرأ ممن يستنجئ به فبما هو طعامنا اولى وكذلك ما مكتوب فيه اسم الله تعالى او شيء من الحديث والفقه سواء كان ورقا او حجرا او اديما لان حرمته اعظم من حرمة علف دواب الجن وكذلك ايضا ما هو متصل بحيوان كيده وذنبه وريشه وصوفه وكذلك يد نفسه سواء في ذلك الحيوان الطاهر والنجس الآدمي وغيره ولان الحيوان محترم فاشبه المطعوم واذا كان قد نهى عن الاستنجاء بعلف الدواب فالنهي عن الاستنجاء بها اولى ولا يجوز الاستنجاء بهذه الاشياء لان الاستنجاء رخصة فلا يباح بمحرم كالقصر في سفر المعصية وقد روى الدارقطني ان النبي صلى الله عليه و سلم نهى ان يستنجى بروث او عظم وقال انهما لا يطهران وقال اسناد صحيح فإن استنجي بها فهل يجزئه اعادة الاستنجاء او يتعين الماء على وجهين
فإن قيل قد نهي عن الاستنجاء باليمين وقد قلتم يجزئ قلنا اليد ليست شرطا في الاستنجاء وانما جاءت لانه لا يمكنه الاستنجاء بغيرها حتى لو استغنى عنها بأن يقعد في ماء جار حتى ينقى المحل حصلت الطهارة وكذلك لو استنجى بيد اجنبي فقد اثم واجزاه واما المستنجى به فهو شرط في الاستنجاء كالماء في الطهارة والتراب في التيمم فان كان محرما لعينه كان كالوضوء بالماء النجس وان كان لحق الغير كان كالمتوضئ بالماء المغصوب او اشد لانه رخصة
فصل
والاستنجاء واجب لكل خارج من السبيلين فلو صلى بدونه لم تصح الصلاة لما روى عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بقبرين فقال

(1/160)


انهما يعذبان وما يعذبان في كبير اما احدهما فكان لا يستتر من بوله واما الاخر فكان بمشي بالنميمة رواه الجماعة سواء كان الخارج نادرا او معتادا رطبا او يابسا كالروث والبول والدود والحصى والمذي ولان خروج الخارج من هذا المحل مظنة استصحاب الرطوبة النجسة فعلق الحكم به وان تخلفت عن الحكم في آحاد الصور
وقال كذلك اعتبر العدد وان زالت الرطوبة بدونه الا الريح فان الامام احمد قال ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا سنة رسولة انما عليه الوضوء
فقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من استنجى من الريح فليس منا رواه الطبراني وابو حفص العكبري ولان الريح ليس لها جرم

(1/161)


لا صق يزال ولا هي مظنة استجلاب رطوبة يمكن ازالتها واما الخارج الطاهر فيجب الاستنجاء منه في المشهور كما يجب من يسير الدم والقيح وان عفي عنه في غير هذا الموضع لان خروجه من السبيل يورث تغليظا ولان الاستنجاء من المني فعل النبي صلى الله عليه و سلم واصحابه على الدوام ولا اعلم اخلالهم به بحال
فصل
والافضل في الاستجمار ان يمر حجرا من مقدم صفحته اليمنى الى مؤخرها ثم يديرها على اليسرى حتى يرجع الى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى الى مؤخرها ثم يديره على اليمنى حتى يرجع به الى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لان العدد معتبر في ازالة هذه النجاسة فاستوعب المحل في كل مرة منه كالعدد في ولوغ الكلب
وما روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم اولا يجد احدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة رواه الدارقطني وقال اسناد حسن محمول على الابتداء بهذه المواضع لانه قد جاء بلفظ اخر عنه أنه

(1/162)


كان يقبل بواحد ويدبر بآخر ويحلق بالثالث فإن مسح على كل جهة مسحة فوجهان
فصل
السنة ان يستنجي قبل الوضوء فان اخره الى بعده اجزاه في احدى الروايتين لانها نجاسة فصح الوضوء قبل ازالتها كما لو كانت على البدن فعلى هذا اذا توضأ استفاد بذلك مس المصحف ولبس الخفين ويستمر وضوؤه اذا لم يمس فرجه
والرواية الاخرى لا يصح وضوؤه وهي اشهر لان في حديث المذي يغسل ذكره ثم يتوضأ رواه النسائي ولان النبي صلى الله عليه و سلم واصحابه لم ينقل عنهم انهم يتوضؤون الا بعد الاستنجاء وفعله اذا خرج امتثالا للامر فحكمه حكم ذلك الامر ولانهما محلان وجب غسلهما بسبب واحد في بدن واحد فكان الترتيب بينهما مشروعا كمحال الوضوء فاما التيمم فقال ابن حامد هو كالوضوء وقال القاضي لا يجزئه وان قلنا يجزئ الوضوء

(1/163)


لانه مبيح للصلاة ليس برافع للحدث والاستباحة قبل الاستنجاء لا تحصل فيكون كالتيمم قبل الوقت فعلى هذا لو كانت النجاسة في غير المخرج لم يجز في وجه كذلك وقيل يجزئ لانه استباح الصلاة من غيرها فاشبه ما لو كانت على الثوب
فصل
يستحب اذا توضأ ان ينضح فرجه بالماء ليقطع عنه الوسواس بخروج البول نص عليه لما روى سفيان بن الحكم او الحكم بن سفيان قال رايت النبي صلى الله عليه و سلم توضأ ثم نضح فرجه رواه احمد وابو داود وابن ماجة والنسائي
وعن زيد بن حارثة ان النبي صلى الله عليه و سلم اتاه جبريل عليه السلام في اول ما اوحي اليه فعلمه الوضوء والصلاة فلما فرغ من الوضوء اخذ

(1/164)


غرفة من ماء فنضح بها فرجه رواه احمد والدارقطني وابن ماجة ولفظه علمني جبريل الوضوء وامرني ان انضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء وهذا في المستنجي بالماء فأما المستجمر فتنجسه ان قلنا ان المحل نجس وان قلنا هو طاهر فهو مكروه نص عليه

(1/165)


باب الوضوء
مسألة
لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا ان ينويه لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى
يعني ان يقصد بغسل الاعضاء رفع حدثه وهو المانع مما تشترط له الطهارة بقصد او استباحة عبادة لا تستباح الا بالوضوء وهي الصلاة والطواف ومس المصحف فاما ان غسل اعضاءه ليبردها بالماء او يزيل عنها نجاسة او ليعلم غيره لم يرفع حدثه وكذلك النية تشترط في الغسل والتيمم لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى رواه الجماعة
ولانها عبادة مأمور بها فافتقرت الى نية كسائر العبادات فانه يجب عليه ان ينوي العبادة المأمور بها وان يخلصها لله لقوله وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ولا يقال هي شرط للصلاة فاشبهت طهارة الخبث والاستتار والاستقبال لان الوضوء عبادة في نفسه وشرط للصلاة ولان ازالة النجاسة من باب المتروك ولهذا لا يحتاج الى عمل اصلا بخلاف طهارة الحدث ولذلك اختصت بالماء واما الاستقبال والاستتار فانهما يوجدان في جميع الصلاة مثل وجودهما قبلها فنية الصلاة تنتظمهما بخلاف التوضؤ
ولذلك اذا حلف لا يتطهر وهو متطهر لم يحنث بالاستدامة واذا حلف لا يستتر وهو مستتر ولا يستقبل القبلة وهو مستقبلها فاستدام ذلك حنث

(1/166)


فصل
ومحل النية القلب فلو سبق لسانه بغير ما قصده كان الاعتبار بما قصد ولو قصد مع الوضوء التبرد او غيره لم يضره كما لو قصد تعليم غيره او قصد مع الصلاة تعليمها ويستحب تقديم النية على غسل اليد لانه اول المسنونات ويجب تقديمها على الوجه والمضمضة والاستنشاق ولانه اول الواجبات ويجوز تقديمها عليه بالزمن اليسير كالصلاة ويجب استصحاب حكمها الى اخر الوضوء
والافضل ان يستصحب ذكرها ايضا كما قلنا في الصلاة وغيرها ومعنى الاستدامة ان لا يفسخها بأن ينوي قطع الوضوء او ينوي بالغسل تبردا او تنظفا من النجاسة ويعزب عن نية الوضوء فان فسخها بطلت في اقوى الوجهين كما تبطل الصلاة والصيام فان افرد كل عضو بنيته بأن يقصد غسله في وضوئه جاز ولم يبطل ما غسله بالفسخ كما لو نوى ابطالها بعد فراغها في الصحيح المشهور
مسألة
ثم يقول بسم الله
لما روى عن يعقوب بن سلمة الليثي عن ابيه عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن

(1/167)


لم يذكر اسم الله عليه رواه احمد وابو داود وابن ماجة
وعن سعيد بن زيد وابي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله رواهما احمد وابن ماجة ولان ذكر اسم الله مشروع في اول الافعال العادية كالاكل والشرب والنوم ودخول المنزل والخلاء فلان يشرع

(1/168)


في اول العبادات اولى والمسنون التسمية هذا احدى الروايتين عن الامام احمد قال الخلال الذي استقرت عليه الروايات انه لا بأس به يعني اذا ترك التسمية وهي اختيار الخرقي وغيره لان الاحاديث فيها ليست قوية
وقال احمد ليس يثبت فيها حديث ولا اعلم فيها حديثا له اسناد جيد
وقال الحسن بن محمد ضعف ابو عبدالله الحديث في التسمية وقال اقوى شيء فيه حديث كثير عن ربيح يعني حديث ابي سعيد ثم ذكر رباحا اي من هو ومن ابو ثفال يعني الذي يروي حديث سعيد بن زيد وقال البخاري في حديث ابي هريرة لا يعرف لسلمة سماع

(1/169)


من ابي هريرة ولا ليعقوب سماع من ابيه ولو صحت حملت على الذكر بالقلب وهو النية وكذلك قال ربيعة لما ذكرنا من الاحاديث
والرواية الاخرى انها واجبة اختارها ابو بكر والقاضي واصحابه وكثير من اصحابنا بل اكثرهم لما ذكرنا من الاحاديث
قال ابو اسحاق الجوزجاني قال ابن ابي شيبة ثبت لنا عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال لا وضوء لمن لم يسم وتضعيف احمد لها محمول على احد الوجهين اما انها لا تثبت عنده اولا لعدم علمه بحال الراوي ثم علمه فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب ولهذا اشار الى انه لا يعرف رباحا ولا ابا ثفال وهكذا تجئ عنه كثيرا الاشارة الى انه لم يثبت عنده ثم زال ثبوتها فان النفي سابق على الاثبات واما انه اشار الى انه لم يثبت على طريقة تصحيح المحدثين
فان الاحاديث تنقسم الى صحيح وحسن وضعيف واشار الى انه ليس بثابت اي ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ الثقة عن مثله وذلك لا ينفي ان يكون حسنا وهو حجة ومن تأمل الحافظ الامام علم انه لم يوهن

(1/170)


الحديث وانما بين مرتبته في الجملة انه دون الاحاديث الصحيحة الثابتة وكذلك قال في موضع آخر احسنها حديث ابي سعيد ولو لم يكن فيها حسن لم يقل فيها احسنها وهذا معنى احتجاج احمد بالحديث الضعيف وقوله ربما اخذنا بالحديث الضعيف وغير ذلك من كلامه يعني به الحسن
فاما ما رواه متهم او مغفل فليس بحجة اصلا ويبين ذلك وجوه احدها ان البخاري اشار في حديث ابي هريرة الى انه لا يعرف السماع في رجاله وهذا غير واجب في العمل بل العنعنة مع امكان اللقاء ما لم يعلم ان الراوي مدلس وثانيها انه قد تعددت طرقه وكثرت مخارجه وهذا مما يشد بعضه بعضا ويغلب علىالظن ان له اصلا وروي ايضا مرسلا رواه سعيد عن مكحول عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال اذا تطهر الرجل وذكر اسم الله طهر جسده كله واذا لم يذكر اسم الله لم يطهر منه الا مكان الوضوء
وهذا وان احتج به على ان التسمية ليست واجبة فإنه دليل على وجوبها لان الطهارة الشرعية التي تطهر الجسد كله حتى تصح الصلاة ومس المصحف بجميع البدن فاذا لم تحصل الشرعية جعلت الطهارة الحسية وهي مقتصرة على محلها كما لو لم ينو

(1/171)


وروى الدراوردي ثنا محمد بن ابي حميد عن عمر بن يزيد ان رجلا توضأ ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه و سلم فكأن النبي صلى الله عليه و سلم اعرض عنه وقال له تطهر فرجع فتوضأ ثم اجتهد فجاء فسلم فأعرض عنه وقال ارجع فتطهر فلقي الرجل عليا فاخبره بذلك فقال له علي هل سميت الله حين وضعت يدك في وضوئك فقال لا والله فقال ارجع فسمي الله في وضوئك فرجع فسمى الله على وضوئه ثم رجع الى النبي صلى الله عليه و سلم فسلم عليه فرد عليه واقبل عليه بوجهه ثم قال اذا وضع احدكم طهوره فليسم الله رواه الجوزجاني عن نعيم بن حماد عنه وثالثها ان تضعيفه اما من جهة ارسال او جهل راو وهذا غير قادح على احدى الروايتين وعلى الاخرى وهي قول من لا يحتج بالمرسل نقول اذا عمل به جماهير اهل العلم وارسله من اخذ العلم عن غير رجال المرسل الاول او روي مثله عن الصحابة او وافقة ظاهر القرآن فهو حجة وهذا الحديث قد اعتضد باكثر ذلك فإن عامة اهل العلم عملوا به في شرع التسمية في الوضوء ولولا هذا الحديث لم يكن لذلك اصل وانما اختلفوا في صفة شرعها هل هو ايجاب او ندب وروي من وجوه متباينة مسندا ومرسلا ولعلك تجد

(1/172)


في كثير من المسائل ليس معهم احاديث مثل هذه ورابعها ان الامام احمد قال احسنها يعني احاديث هذا الباب حديث ابي سعيد وكذلك قال اسحاق بن راهويه وقد سئل اي حديث اصح في التسمية فذكر حديث ابي سعيد وقال البخاري احسن حديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد
وهذه العبارة وان كانوا انما يقصدون بها بيان ان الاثر اقوى شيء في هذا الباب فلولا ان اسانيدها متقاربة لما قالوا ذلك وحملها على الذكر بالقلب او على تأكيد الاستحباب خلاف مدلول الكلام وظاهره وانما يصار اليه لموجب ولا موجب هنا واذا قلنا بوجوبها فانها تسقط بالسهو على احدى الروايتين كالذبيحة واولى فان قلنا تسقط سمى متى ذكرها وان قلنا لا تسقط لغا ما فعله قبلها وهذا على المشهور وهو انها تجب في اول الوضوء قبل غسل الوجه وقال الشيخ ابو الفرج متى سمى اجزاءه

(1/173)


مسألة
ويغسل كفيه ثلاثا
هذا مسنون لكل متوضىء سواء ان تحقق طهارتها او شك في ذلك وهي من جملة الوضوء حتى لو غسلها قبل الوضوء استحب له اعادة غسلها بعد النية وكذلك الذي يوضئ الميت يستحب له ان يغسل كفيه كلما وضأه نص عليه وذلك لان الذين وضأوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكروا انه كان يبدأ فيغسل كفيه ثلاثا ولان اليد الة لنقل الماء فاستحب تطهيرها تحقيقا لطهارتهما وتنظيفا لهما وادخالا لغسلهما في حيز العبادة ولو انه على سبيل التجديد
فاما ان كان المتوضئ قد قام من نوم الليل كان غسلهما اوكد حتى يكره تركه وهو واجب في احدى الروايتين قال القاضي واصحابه لا عن حدث ولا عن نجس لكن تعبد اختارها ابو بكر واكثر اصحابنا لما روى ابو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اذا استيقظ احدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري اين باتت يده متفق عليه الا ان البخاري لم يذكر العدد ومقتضى الامر الايجاب لا سيما وغسل اليد مستحب مطلقا فلما خص به هذه الحال دل على وجوبه وهذا يختص بنوم الليل دون نوم النهار لان المبيت انما يكون بالليل فعلى هذا لو استيقظ المحبوس ولم يدر ليل هو ام نهار لم يلزمه غسلهما ومن

(1/174)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية