صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ درء التعارض - ابن تيمية ]
الكتاب : درء تعارض العقل والنقل
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
الناشر : دار الكنوز الأدبية - الرياض ، 1391
تحقيق : محمد رشاد سالم
عدد الأجزاء : 10

حدوث العالم والأجسام
قال الرازي : ( البرهان الثاني : كل جسم متناهي القدر وكل متناهي القدر محدث ) وقرر الثانية بأن ( متناهي القدر يجوز كونه أزيد وأنقص فاختصاصه له دونهما لمرجح مختار وإلا فقد ترجح الممكن لا عن المرجح وفعل المختار محدث )

(1/426)


معارضة الأرموي
قال الأرموي : ( ولقائل أن يمنع لزوم الترجيح لا لمرجح )

(1/426)


تعليق ابن تيمية
قلت : مضمونه أنه يقول : لانسلم أنه لم يكن المرجح للقدر مختارا لزم الترجيح بلا مرجح بل قد يكون أمرا مستلزما للقدر فإن المرحج أعم من أن يكون مختارا أو غير مختار فإذا قدر المرجح أمرا مستلزما لذلك القدر إما أمر قائم به أو أمر منفصل عنه حصل المرجح للقدر وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذا إذا ذكرنا اعتراضات الآمدي على هذا

(1/426)


البرهان الثالث للرازي
قال الرازي : ( البرهان الثالث : لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز معين لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك والأزلي يمتنع زواله لما تقدم فامتنعت الحركة عليه وقد ثبت جوازها )

(1/426)


معارضة الأرموي له
قال الأرموي : ( ولقائل أن يقول : معنى الأزلي الدائم لا إلى أول فيكون معنى قولنا : لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز معين أنه لو كان الجسم دائما لا إلى أول لكان حصوله في حيز واحد معين دائما وهو معنى السكون وهذا ممنوع بل دائما يكون حصوله في موضع معين إما عينا وإما على البدل : أي يكون في كل وقت في حيز معين غير الذي كان حاصلا فيه قبله ) انتهى

(1/426)


تعليق ابن تيمية
قلت : مضمون هذا الاعتراض : أن المشار إليه بأنه هنا أو هناك لا يستلزم حيزا معينا يمتنع انتقاله عنه غاية ما يقال : إنه لا بد من حيز أما كونه واحدا بعينه في جميع الأوقات فلا وإذا استلزم نوع الحيز لا عينه أمكن كونه تارة في هذا وتارة في هذا
يوضح هذا : أن هذا الحكم لازم للجسم سواء قدر أزليا أو محدثا فإن الجسم المحدث لا بد له من حيز أيضا مع إمكان انتقاله عنه
فإن قال : لا بد للجسم من حيز معين يكون فيه إذ المطلق لا وجود به في الخارج فإذا كان أزليا امتنع زواله بخلاف المحدث
قيل : ليس الحيز أمرا وجوديا بل هو تقدير المكان ولو قدر وجودي فكونه فيه نسبة وإضافة ليس أمرا وجوديا أزليا
وأيضا فيقال : مضمون هذا الكلام : لو كان أزليا لزم أن يكون ساكنا لا يتحرك عن حيزه لأن الموجود الأزلي لا يزول
فيقال : إن لم يكن السكون وجوديا بطل الدليل وإن كان وجوديا فأنت لم تقم دليلا على إمكان زوال السكون الوجودي الأزلي وإنما أقمت الحجة على أن جنس الجسم يقبل الحركة ومعلوم أنه إذا كان كل جسم يقبل الحركة وغيرها من الصفات كالطعم واللون والقدرة والعلم وغير ذلك ثم قدر أن في هذه الصفات الوجودية ما هو أزلي قديم لوجوب قدم ما يوجبه لم يلزم إمكان زوال هذه الصفة التي وجب قدم ما يوجبها فإن ما وجب قدم موجبه وجب قدمه وامتنع حدوثه ضرورة
فإن قيل : نحن نشاهد حركة الفلك فامتنع أن يقال : لم يزل ساكنا
قيل : أولا : ليس الكلام في حدوث الفلك بعينه بل في حدوث كل جسم فإذا قدر جسم أزلي ساكن غير الفلك لم يكن فيما ذكره ولا في حركة الفلك دليل على حدوثه لا سيما عند من يقول القديم الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا كما يقوله كثير من النظار من الهشامية والكرامة وغيرهم
وقيل : ثانيا : الفلك - وإن كان متحركا - فحيزه واحد لم يخرج عن ذلك الحيز وحركته وضعية ليست حركة مكانية تتضمن نقله من حيز إلى حيز وحينئذ فقوله ( وقد ثبت جواز الحركة ) إن أراد به الحركة المكانية كان ممنوعا وإن أراد غيرها كالحركة الوضعية لم يلزم من ذلك جواز انتقاله من هذا الحيز إلى غيره
وقد سبق الآمدي إلى هذا الاعتراض فإنه قال في الأعتراض على المقدمة الأولى : ( الأزل ليس هو عبارة عن زمان مخصوص ووقت مقدر حتى يقال بحصول الجسم في الحيز فيه بل الأزل لا معنى له غير كون الشيء لا أول له والأزل على هذا يكون صادقا على ذلك الشيء في كل وقت يفرض كون ذلك الشيء فيه فقول القائل : ( الجسم في الأزل موصوف بكذا ) أي في حالة كونه متصفا بالأزلية وما من وقت يفرض ذلك الجسم فيه إلا وهو موصوف بالأزلية وأي وقت قدر حصول ذلك الجسم فيه وهو في حيز معين لم يلزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز المعين أزليا لأن نسبة حصوله في ذلك الحيز المعين كنسبة حصولة في ذلك الوقت المعين وما لزم من كون الجسم الازلي لا يخلو عن وقت معين أن يكون كونه في الوقت المعين أزليا فكذلك الحصول في الحيز المعين ) قال : ( وفيه دقة مع ظهوره )
قلت : ويوضح فساد هذه الحجة أن قوله : ( كل جسم يجب اختصاصه بحيز معين لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك ) يجاب عنه بأن يقال : أتريد به أنه يجب اختصاصه بحيز معين مطلقا أو يجب اختصاصه بحيز معين حين الإشارة إليه ؟ أما الأول فباطل فليس كل مشار إليه إشارة حسية يجب اختصاصه دائما بحيز معين فإنه ما من جسم إلا وهو يقبل الإشارة الحسية مع العلم بأنا نشاهد كثيرا من الأجسام تتحول عن أحيازها وأمكنتها
فإن قال : ( بل يجب أن يكون حين الإشارة إليه له حيز معين ) فهذا حق لكن الإشارة إليه ممكنة في كل وقت فالاختصاص بمعين يجب أن يكون في كل وقت أما كونه في كل الأوقات لا يكون إلا في ذلك المعين لا في غيره فلا والأزلي : هو الذي لم يزل فليس بعض الأوقات أخص به من بعض حتى يقال : يكون في ذلك الوقت المعين في حيز معين بل يجوز أن يكون في وقت في هذا الحيز وفي وقت آخر في حيز آخر وتمام ذلك ما تقدم ذكره من أن الأزل ليس شيئا معينا حتى يطلب له حيز معين بل هو عبارة عن عدم الأول

(1/426)


البرهان الرابع
ثم ذكر الرازي البرهان الرابع والخامس وليس متعلقين بهذا المكان ومضمون الرابع : أن ( كل ماسوى الواحد ممكن بذاته وكل ممكن بذاته فهو مفتقر إلى المؤثر والمؤثر لا يؤثر إلا في الحادث لا في الباقي سواء كان تأثيره فيه في حال حدوثها أو حال عدمه لأن التأثير في الباقي من باب تحصيل الحاصل )
( والمقدمة الأولى من هذه الحجة مبنية على وتوحيد الفلاسفة وهو نفي التركيب وأن كل مركب فهو مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره وهو في غاية الضعف كما بسط في غير موضع
والثانية مبنية على أن علة الافتقار هي الحدوث لا الإمكان )

(1/428)


تعليق ابن تيمية
قلت : إنه إن أريد بذلك الحدوث مثلا دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا صحيح وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرا إلى الفاعل فهذا باطل وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى المؤثر أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن مفتقرا فهذا باطل وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلا على الافتقار إلى المؤثر وشرطا في الافتقار إلى المؤثر
وإنما النزاع في مسألتين : أحدهما : أن الواجب بغيره هل يصح كونه مفعولا لمن يقول : الفلك قديم معلول ممكن فهذا مما ينكره جماهير العقلاء ويقولون : لا يمكن مقارنته لفاعله أزلا وأبدا ويقولون : الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا معدوما تارة وموجودا أخرى فنفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لا يحتاج إلى علة فليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل وهو باطل باتفاق العلماء بل من الأحكام ما هو لازم للذوات لايمكن أن يكون مفارقا للذوات ولا يفتقر إلى علة وكون كل ما سوى الله فقيرا إليه محتاجا إليه دائما هو من هذا الباب فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله كما أن الغنى والصمدية أمر لازم لذات الله
وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط أو هو دائما مفتقر إليه ؟ على قولين للنظار
وكثير من أهل الكلام المتلقى عن جهم وأبي الهذيل يقولون : إنه لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في حال البقاء وهذا في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية القائلين بأن افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثها بل افتقاره إليه في حال بقائه أزلا وأبدا وكلا القولين باطل
وهو في أكثر كتبه ينصر خلاف ذلك ولكن نحن نقرر أن كل ما سوى الواجب فهو محدث وأن التأثير لا يكون إلا في حادث وأن الحدوث والإمكان متلازمان وهو قول جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة وإنما أثبت ممكنا ليس بحادث طائفة من متأخري الفلاسفة كابن سينا و الرازي فلزمهم إشكالات لا محيص عنها - مع أنهم في كتبهم المنطقية يوافقون أرسطو وسلفهم - وهو أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا وقد أنكر ابن رشد قولهم بأن الشيء الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يكون قديما أزليا وقال : ( لم يقل بهذا أحد من الفلاسفة قبل ابن سينا
قلت : و ابن سينا ذكر في الشفاء في مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا فتناقضى في ذلك تناقضا في غير هذا الموضع
وقد أورد هو على هذه الحجة معارضة مركبة تستلزم فساد إحدى المقدمتين وهي المعارضة بكونه تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة فإن علمه إن كان واجبا لذاته وذاته واجبة أيضا فقد وجد واجبان وبطلت المقدمة الأولى وإن كان ممكنا كان واجبا بغيره لوجوب ذاته ولزم كون الأثر والمؤثر دائمين وبطلت المقدمة الثانية ولم يجب عن هذه المعارضة بل قال : ( وأما الجواب عن كونه عالما بالعلم قادرا بالقدرة فصعب )
وقد اعترض الأرموي على ما ذكره في المقدمتين أما الأولى فإن الرازي قال : ( لو وجد واجبان وجوبا ذاتيا لتشاركا في الوجوب الذاتي وتباينا بالتعيين فيلزم تركبهما مما به المشاركة والمباينة وكل مركب مفتقر إلى غيره لافتقاره إلى جزئه وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته )
قال الأرموي : ( ولقائل أن يقول : قد يكون الوجوب والتعيين وصفين عرضيين للماهية البسيطة )
قلت : تقدم الكلام على هذا في التركيب وذكر ما استدلوا به على امتناع كونه عرضيا فإن الوصف العرضي يحتاج إلى سبب منفصل عن الذات فيكون وجوب الواجب مفتقرا إلى شيء غير الواجب وأيضا فيكون وجوب الواجب وصفا عرضيا وهو ظاهر الفساد وأيضا التفريق في الصفات اللازمة للحقيقة بين الذاتي والعرضي تحكم محض
ولكن لقائل أن يقول : قول القائل : تشاركا في الوجوب الذاتي أتعني به تشاركهما في مطلق الوجوب أو أن أحدهما شارك الآخر في الوجوب الذي يخصه ؟
فإن أراد الأول قيل له : وكذلك قد اشتركا في مطلق التعين فإن هذا واجب وهذا واجب وهذا معين وهذا معين والمعينات مشتركة في مسمى التعين كما أن الواجبات مشتركة في مسمى الوجوب والموجودات مشتركة في مسمى الوجود والماهيات مشتركة في مسمى الماهية والحقائق مشتركة في مسمى الحقيقة وكذلك سائر الأسماء العامة المطلقة الكلية وحينئذ فلم يتباينا في مطلق التعيين كما لم يتباينا في مطلق الوجوب
وإن قال : اشتركا في عين الوجوب
قيل : هذا ممتنع كما أن اشتراكهما في عين التعين ممتنع
وإن جاء لقائل أن يقول : هذا شارك هذا في نفس وجوبه الذي يخصه لجاز لآخر أن يقول : إن هذا شارك هذا في نفس تعينه الذي يخصه وإنما المستدل أخذ الوجوب مطلقا وأخذ التعين مقيدا وكان الواجب أن يسوي بينهما في الإطلاق والتعيين إذ هما متلازمان فإن وجوب هذا ملازم لعينه ووجوب هذا ملازم لعينه فيمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر
ولو عكس عاكس قوله لكان قوله مثل قوله بأن يقول : اشتركا في التعين الذاتي فإن لكل منهما تعينا ذاتيا وتباينا في الوجوب فإن لكل منهما وجوبا يخصه ومعلوم أن هذا فاسد فكذلك نظيره
وفي الجملة فالصفات المتلازمة لا يكون بعضها أخص من بعض فإذا قدر إنسانان فكل منهما له إنسانا تخصه وحيوانية تخصه وناطقية تخصه وهي متلازمة لا توجد إنسانيته دون ناطقيته ولا ناطقيته دون إنسانيته ولا توجد واحدة منهما دون عينه المعينة وإن وجد إنسانية أخرى وناطقية أخرى فتلك نظير إنسانيته وناطقيته ليست هي هي بعينها كما أن هذا الإنسان نظير هذا الإنسان ليس هو إياه بعينه إلا أن يراد بلفظ العين النوع كما يقال لمن عمل مثل ما يعمل غيره : هذا عمل فلان بعينه فالمقصود أنه ذلك النوع بعينه ليس المقصود أنه ذلك العمل المشخص الذي قام بذات ذلك الفاعل فإنه مخالف للحس فقد تبين أن الموجودين والواجبين ونحو ذلك لم تركب أحدهما من مشارك ومميز بل ليس فيه إلا وصف مختص به تميز به عن غيره وإن كانت صفاته بعضها يشابه فيها غيره وبعضها يخالف فيها غيره
فإذا قيل : لو قدر واجبان أو موجودان إن إنسانان لكان أحدهما يشابه الآخر في الوجوب أو الوجود أو الإنسانية لكان صحيحا ولكان يمكن ذلك أنه يشابهه في الحقيقة كما يمكن أن يخالفه
ثم هب أن كلا منهم فيه ما يشارك به غيره وما يتميز به عنه فقوله : ( إنه مركب مما به الاشتراك والامتياز ) إن عنى بذلك أنه موصوف بالأمرين فصحيح وإن عنى أن هناك أجزاء تركبت ذاته منها فهذا باطل كقول من يقول : إن الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية فإنه لا ريب أنه موصوف بهما وأما كون الإنسان المعين له أجزاء تركب منها فهذا باطل كما تقدم
ولو سلم أن مثل هذا يسمى تركيبا فقوله : ( كل مركب مفتقر إلى غيره ) يدخل فيه ما ركبه المركب كالأجسام المركبة من مفرداتها من الأغذية والأدوية والأشربة ونحو ذلك ويدخل فيه ما يقبل تفريق أجزائه كالإنسان والحيوان النبات ويدخل فيه ما يتميز بعض جوانبه عن بعض ويدخل فيه الموصوف بصفات لازمة له وهذا هو الذي أراده هنا
فيقال له : حينئذ يكون المراد أن كل ما كان له صفة لازمة له فلابد في ثبوته من الصفة اللازمة له وهذا حق وهب أنك سميت هذا تركيبا فليس ذلك ممتنعا في واجب الوجود بل هو الحق الذي لا يمكنه نقيضه
قولك : ( المركب مفتقر إلى غيره ) معناه أن الموصوف بصفة لازمة له لا يكون موجودا بدون صفته اللازمة له لكن سميته مركبا وسميت صفته اللازمة له جزءا وغيرا وسميت استلزامه إياها افتقارا فقولك بعد هذا ( كل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ) معناه : أن كل مستلزم لصفة لازمة له لا يكون موجودا بنفسه بل بشيء مباين له ومعلوم أن هذا باطل وذلك لأن المعلوم أن ما كانت ذاته تقبل الوجود والعدم فلا يكون موجودا بنفسه بلا لا بد له من واجب بنفسه يبدعه وهذا حق فهو مفتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجودا له يبدعه وهذا هو الغير الذي يفتقر إليه الممكن وكل ما افتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجودا بنفسه قطعا أما إذا أريد بالغير الصفة اللازمة وأريد بالافتقار التلازم فمن أين يقال : إن كل ما استلزم صفة لازمة له لا يكون موجودا بنفسه بل يفتقر إلى مبدع مباين له ؟
وقد ذكرنا مثل هذا في غير موضع وبينا أن لفظ ( الجزء ) و ( الغير ) و ( الافتقار ) و ( التركيب ) ألفاظ مجملة موها بها على الناس فإذا فسر مرادهم بها ظهر فساده وليس هذا المقام مقام بسط هذا
ونحن هذا البرهان عندنا صحيح وهو أن كل ماسوى الله ممكن وكل ممكن فهو مفتقر إلى المؤثر لأن المؤثر لا يؤثر إلا في حال حدوثه لكن يقرر ذلك بمقدمات لم يذكرها الرازي هنا كما بسط في موصع آخر
وأما الجواب عن المعارضة بكون الرب عالما قادرا فجوابه : أن الواجب بذاته يراد به الذات الواجبة بفسها المبدعة لكل ما سواها وهذا واحد ويراد به : الموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم
وعلى هذا : فالذات واجبة والصفات واجبة ولا محذور في تعداد الواجب بهذا التفسير كما لا محذور في تعدد القديم إذا أريد به ما لا أول لوجوده وسواء كان ذاتا أوصفه لذات القديم بخلاف ما إذا أريد بالقديم الخالقة لكل شيء فهذا واحد لا إله إلا هو وقد يراد بالواجب الموجود بنفسه القائم بنفسه وعلى هذا : فالذات واجبة دون الصفات
وعلى هذا : فإذا قال القائل : الذات مؤثرة في الصفات والمؤثر والأثر ذاتان قيل له : لفظ التأثير مجمل أتعني بالتأثير هنا : كونه أبدع الصفات وفعلها أم تعني به كون ذاته مستلزما لها ؟ فالأول ممنوع في الصفات والثاني مسلم والتأثير في المبدعات هو بالمعنى الأول لا بالمعنى الثاني بل قد بينا في غير هذا الموضع : أنه يمنع أن يكون مع الله شيء من المبدعات قديم بقدمه

(1/429)


البرهان الخامس
قال الرازي في البرهان الخامس : ( لو كان الجسم قديما لكان قدمه : إما أن يكون عين كونه جسما وإما مغايرا لكونه جسما والقسمان باطلان فبطل القول بكون الجسم قديما
إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قدم الجسم عين كونه جسما لأنه لو كان كذلك لكان العلم بكونه جسما علما بكونه قديما فكما أن العلم بكونه جسما ضروري لزم أن يكون العلم بكونه قديما ضروريا ولما بطل ذلك فسد هذا القسم
وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قدم الجسم زائدا على كونه جسما لأن ذلك الزائد : إن كان قديما لزم أن يكون قدمه زائدا عليه ولزم التسلسل وإن كان حادثا فكل حادث فله أول وكل قديم فلا أول له فلو كان قدم القديم عبارة عن ذلك الحادث للزم أن يكون ذلك الشيء له أول وأن لا يكون له أول وهو محال )
ثم قال : ( فإن عارضوا بكونه حادثا قلنا : الحادث عبارة عن مجموع الوجود الحاصل في الحال والعدم السابق ولا يبعد حصول العلم بالوجود الحاصل مع الجهل بالعدم السابق بخلاف القديم فإنه لا معنى له إلا نفس وجوده فظهر الفرق )
ثم قال : وهذا وجه جدلي فيه مباحثات دقيقة )
قال : ( وليكن هذا آخر كلامنا في شرح دلائل حدوث الأجسام )

(1/433)


معارضة الأرموي
قلت : قال الأرموي : ( لقائل أن يقول : ضعف الأصل والجواب لايخفى )

(1/434)


تعليق ابن تيمية
قلت : قد بين في غير هذا الموضع فساد مثل هذه الحجة من وجوه وهي مبنية على أن القديم : هل هو قديم بقدم أم لا ؟ فمذهب ابن كلاب و الأشعري - في أحد قوليه - وطائفة من الصفاتية : أنه قديم بقدم ومذهب الأشعري - في القول الآخر - و القاضي أبي بكر و القاضي أبي يعلى و أبي علي بن أبي موسى و أبي المعالي الجويني وغيرهم : ليس كذلك وهم متنازعون في البقاء فقول الأشعري وطائفة معه : أنه باق ببقاء وهو قول الشريف و أبي علي بن أبي موسى وطائفة وقول القاضي أبي بكر وطائفة كالقاضي أبي يعلى نفى ذلك
وحقيقة الأمر : أن النزاع في هذه المسألة اعتباري لفظي كما قد بسط في غير هذا الموضع وهو متعلق بمسائل الصفات : هل هي زائدة على الذات أم لا ؟ وحقيقة الأمر : أن الذات أن أريد بها الذات الموجودة بالخارج فتلك مستلزمة لصفاتها يمتنع وجودها بدون تلك الصفات وإذا قدر عدم اللازم لزم عدم الملزوم فلا يمكن فرض الذات الموجودة في الخارج منفكة عن لوازمها حتى يقال : هي زائدة أو ليست زائدة لكن يقدر ذلك تقديرا في الذهن وهو القسم الثاني فإذا أريد بالذات ما يقدر في النفس مجردا عن الصفات فلا ريب أن الصفات زائدة على هذه الذات المقدرة في النفس ومن قال من متكلمة أهل السنة : ( إن الصفات زائدة على الذات ) فتحقيق قوله أنها زائدة على ما أثبته المنازعون من الذات فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات ونحن نثبت صفاتها زائدة على أثبتوه هم لا أنا نجعل في الخارج ذاتا قائمة بنفسها ونجعل الصفات زائدة عليها فإن الحي الذي يمتنع أن لا يكون إلا حيا كيف تكون له ذات مجردة عن الحياة ؟ وكذلك ما لا يكون إلا عليما قديرا كيف تكون ذاته مجردة عن العلم والقدرة ؟
والذين فرقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا : القيام بالنفس والقدم - ونحو ذلك من الصفات النفسية - بخلاف العلم والقدرة فإنهم نظروا إلى ما لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره فجعلوه من النفسية وما يمكن تقديرها بدونه فجعلوه معنويا ولا ريب أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه ليس قائما بنفسه بخلاف ما يقدر أنه عالم فإنه يمكن ذاته بدون العلم
وهذا التقدير عاد إلى ماقدروه في أنفسهم وإلا ففي نفس الأمر جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية فهو عالم بنفسه وذاته وهو عالم بالعلم وهو قادر بنفسه وذاته وهو قادر بالقدرة فله علم لازم لنفسه وقدرة لازمة لنفسه وليس ذلك خارجا عن مسمى اسم نفسه
وعلى كل تقدير فالاستدلال على حدوث الأجسام بهذه الحجة في غاية الضعف كما اعترفوا هم به فإن ما ذكروه يوجب أن لا يكون في الوجود شيء قديم سواء قدر أنه جسم أو غير جسم فإنه يقال : لو كان الرب - رب العالمين - قديما لكان قدمه إما أن يكون عين كونه ربا وإما زائدا على ذلك والأمران باطلان فبطل كونه قديما
أما الأول : فلأنه لو كان كذلك لكان العلم بكونه ربا أو واجب الوجود أو نحو ذلك علما بكونه قديما وهذا باطل
وأما الثاني : فلأن ذلك الزائد إن كان قديما يلزم أن يكون قدمه زائدا عليه ولزم التسلسل وإن كان حادثا كان للقديم أول فما كان جوابا عن مواضع الإجماع كان جوابا في مورد النزاع وإن كان العلم بكونه رب العالمين يستلزم العلم بقدمه لكن ليس العلم بنفس الربوبية هو العلم بنفس القدم بل قد يقوم العلم الأول بالنفس مع ذهولها عن الثاني وقد يشك الشاك في قدمه مع العلم بأنه ربه ويخطر له أن للرب ربا حتى يتبين له فساد ذلك وقد ذكر النبي صلى الله عليه و سلم ذلك في الحديث الصحيح في قوله : [ إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ فيقول : الله فيقول : فمن خلق الله ؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته ] وقد بسطت هذا في موضع آخر كما سيأتي إن شاء الله
والمقصود هنا : أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد بين أصحاب المعظمون له ضعفها بل هو نفسه أيضا بين ضعفها في كتب أخرى مثل المطالب العالية وهي آخر ما صنفه وجمع فيها غاية علومه و المباحث المشرقية وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها
وقد بسط الكلام على هذا في مواضع وبين كلام السلف والأئمة في هذا الموضع كالإمام أحمد وغيره وكلام النظار الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وغيره وأن القائل إذا قال : عبدت الله ودعوت الله وقال : الله خالق كل شيء ونحو ذلك فاسمه تعالى يتناول الذات والصفات ليست الصفات خارجة عن مسمى اسمه ولا زائدة على ذلك بل هي داخلة في مسمى اسمه ولهذا قال أحمد فيما صفنه في الرد على الجهمية نفاة الصفات : ( قالوا : إذا قلتم الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره قلتم بقول النصارى
فقال لا نقول : الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ولكن الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد ) فبين أحمد أنا لا نعطف صفاته على مسمى اسمه العطف المشعر بالمغايرة بل ننطق بما يبين أن صفاته داخلة في مسمى اسمه
ولما ناظره الجهمية في محنته المشهورة فقال له عبد الرحمن بن إسحاق القاضي : ما تقول في القرآن : أهو الله أم غير الله ؟ يعني إن قلت ( هو الله ) فهذا باطل وإن قلت : ( غير الله ) فما كان غير الله فهو مخلوق
فأجابه أحمد بالمعارضة بالعلم فقال : ما تقول في علم الله : أهو الله أم غير الله ؟ فقال : أقول في كلامه ما أقوله في علمه وسائر صفاته وبين ذلك في رده على الجهمية : بأنا لا نطلق لفظ الغير نفيا ولا إثباتا إذ كان لفظا مجملا يراد بغير الشيء ما بيانه وصارت مفارقته له ويراد بغيره ما أمكن تصوره بدون تصوره ويراد به غير ذلك
وعلم الله وكلامه ليس غير الذات بالمعنى الأول وهو غيرها بالمعنى الثاني ولكن كونه ليس غير الله بالمعنى الأول فعلى إطلاقه وأما كونه غير الله بالمعنى الثاني ففيه تفصيل فإن أريد بتصوره معرفته المعرفة الواجبة الممكنة في حق العبد فلا يعرفه هذه المعرفة من لم يعرف أنه حي عليم قادر متكلم فلا يمكن تصوره ومعرفته بدون صفاته فلا تكون مغايرة لمسمى اسمه وإن أريد أصل التصور وهو الشعور به من بعض الوجوه فقد يشعر به من لا يخطر له حينئذ أنه حي ولا عليم ولا متكلم فتكون صفاته مغايرة له بالاعتبار الثاني
وأجاب أحمد أيضا بأن الله لم يسم كلامه غيرا ولا قال : إنه ليس بغير يعني والقائل إذا قال : ماكان غير الله أو سوى الله فهو مخلوق فإن احتج على ذلك بالسمع فلا بد أن يكون مندرجا هذا اللفظ في كلام الشارع وليس كذلك وإن احتج بالعقل فالعقل إنما يدل على خلق الأمور المباينة له وأما صفاته القائمة بذاته فليست مخلوقة والذي يجعلون كلامه مخلوقا يقولون : هو بائن عنه والعقل يعلم أن كلام المتكلم ليس ببائن عنه
وبهذا التفصيل يظهر أيضا الخلل فيما ذكروه من الفرق بين الصفات الذاتية والمعنوية بأن الذاتية لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديرها بخلاف المعنوية فإنه يقال لهم : أم تعنون بتقدير الذات في الذهن أو تصور الذات أو نحو ذلك من الألفاظ ؟ أتعنون به اصل الشعور والتصور والمعرفة ولو من بعض الوجوه أم تريدون به التصور والمعرفة والشعور الواجب أو الممكن أو التام ؟ فإن عنيتم الأول فما من صفة تذكر إلا يمكن أن يشعر الإنسان بالذات مع عدم شعوره بها وقد يذكر العبد ربه ولا يخطر له حينئذ كونه قديما أزليا ولا باقيا أبديا ولا واجب الوجود بنفسه ولا قائما بنفسه ولا غير ذلك وكذلك قد يخطر له ما يشاهده من الأجسام ولا يخطر له كونه متحيزا أو غير متحيز
وإن عنيتم الثاني فمعلوم أن الإنسان لا يكون عارفا بالله المعرفة الواجبة في الشرع ولا المعرفة التي تمكن بني آدم ولا المعرفة التامة حتى يعلم أنه حي عليم قدير وممتنع لمن يكون عارفا بأن الله متصف بذلك إذا خطر بباله ذاته وهذه الصفات : أن يمكن تقدير ذاته موجودة في الخارج بدون هذه الصفات كما يمتنع أن يقدر ذاته موجودة في الخارج بدون أن تكون قديمة واجبة الوجود قائمة بنفسها فجميع صفاته تعالى اللازمة لذاته يمتنع مع تصور الصفة والموصوف والمعرفة بلزوم الصفة للموصوف يمتنع أن يقدر إمكان وجود الذات بدون الصفات اللازمة لها مع العلم باللزوم وإن قدر عدم العلم باللزوم أو عدم خطور الصفات اللازمة بالبال فيمكن خطور الذات بالبال بدون شيء من هذه الصفات وإذا علم لزوم بعض الصفات دون بعض فما علم لزومه لايمكن تقدير وجود الذات دونه وما لا يعلم لزومه أمكن الذهن أن يقدر وجوده دون وجود تلك الصفة التي لم يعلم لزومها لكن هذا الإمكان معناه عدم العلم بالامتناع لا العلم بالإمكان في الخارج إذ كل ما لم يعلم الإنسان عدمه فهو ممكن عنده إمكانا ذهنيا بمعنى عدم علمه بامتناعه لا إمكانا خارجيا بمعنى أنه يعلم إمكانه في الخارج
وفرق بين العلم بالإمكان وعدم العلم بالامتناع وكثير من الناس يشتبه عليه هذا بهذا فإذا تصور ما لا يعلم امتناعه أو سئل عنه قال : هذا ممكن وهذا غير ممتنع وهذا لو فرض وجوده لم يكن من فرضه محال
وإذا قيل له : قولك ( إنه لو فرض وجوده لم يلزم منه محال ) قضية كلية وسلب عام فمن أين علمت أنه لا يلزم من فرض وجوده محال والنافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل ؟ وهل علمت ذلك بالضرورة المشتركة بين العقلاء أم بنظر مشترك أم بضرورة اختصصت بها أم بنظر اختصصت به ؟ فإن كان بالضرورة المشتركة وجب أن يشركك نظراؤك من العقلاء في ذلك وليس الأمر كذلك عندهم وإن كان بنظر مشترك فإين الدليل الذي تشترك فيه أنت وهم ؟ وإن كان بضرورة مختصة أو نظر مختص فهذا أيضا باطل لوجهين أحدهما : أنك تدعي أن هذا مما يشترك فيه العقلاء ويلزمهم موافقتك فيه وتدعي أنهم إذا ناظروك كانوا منقطعين معك بهذه الحجة وذلك يمنع دعواك الإختصاص بعلم ذلك والثاني : أن اختصاصك بعلم ذلك ضرورة أو نظرا إنما يكون لاختصاصك بما يوجب تخصيصك بذلك كمن خص بنبوة أو تجربة أو نحو ذلك مما ينفرد به وأنت لست كذلك فيما تدعي إمكانه ولا تدعي اختصاصك بالعلم بإمكانه وإن ادعيت ذلك لم يلزم غيرك موافقتك في ذلك إن لم تقم عليه دليلا يوجب موافقتك سواء كان سمعيا أو عقليا وأنت تدعي أن هذا من العلوم المشتركة العقلية وهذه الأمور لبسطها موضع آخر
والمقصود هنا التنبيه على هذا الأصل الذي نشأ منه التنازع أو الاشتباه في مسأئل الصفات من هذا الوجه وتفريق هؤلاء المتلكمين في الصفات اللازمة للموصوف بين ما سموها نفسية وذاتية وما سموها معنوية يشبه تفريق المنطقيين في الصفات اللازمة بين ما سموه ذاتيا مقوما داخلا في الحقيقة وما سموه عرضيا خارجا عن الذات مع كونه لازما لها وتفريقهم في ذلك بين لازم الماهية ولازم وجود الماهية كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع
وبين أن هذه الفروق إنما تعود عند الحقيقة إلى الفرق بين ما يتصور في الأذهان وهو الذي قد يسمى ماهية وبين ما يوجد في الأعيان وهو الذي قد يسمى وجودها وأن ما يتصور في النفس من المعاني ويعبر عنه بالألفاظ : له لفظ دل عليه بالمطابقة هو الدال على تلك الماهية وله جزء من المعنى هو جزء تلك الماهية واللفظ المذكور دال عليه بالتضمن وله معنى يلزمه خارج عنه فهو اللازم لتلك الماهية الخارج عنها واللفظ يدل عليه باللالتزام وتلك الماهية التي في الذهن هي بحسب ما يتصوره الذهن من الصفات الموصوف تكثر تارة وتقل تارة وتكون تارة مجملة وتارة مفصلة وأما الصفات اللازمة للموصوف في الخارج فكلها لازمة له لا تقوم ذاته مع عدم شيء منها وليس منها شيء يسبق الوصوف في الوجود العيني كما قد يزعمونه من أن الذاتي يسبق الموصوف في الذهن والخارج وتلك الصفات هي أجزاء الماهية المتصورة في الذهن كما أن لفظ كل صفة جزء من تلك الألفاظ إذا قلت : جسم حساس نام مغتذ متحرك بالإرادة ناطق وأما الموصوف الموجود في الخارج كالإنسان فصفاته قائمة به حالة فيه ليست أجزاء الحقيقة الموجودة في الخارج سابقة عليها سبق الجزء على الكل كما يتوهمه من يتوهمه من هؤلاء الغالطين كما قد بسط في موضعه
وقول هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة ( إنها زائدة على حقيقة الموصوف ( يشبه قول أولئك ( إن الصفات اللازمة العرضية خارجة عن حقيقة الموصوف ) وكلا الأمرين منه تلبيس واشتباه حاد بسببه كثير من النظار الأذكياء وكثر بينهم النزاع والجدال والقيل والقال وبسط هذا له موضع آخر
وإنما المقصود هنا التنبيه على ذلك والله أعلم وأحكم وإن كان قد بسط الكلام على ضعفها في غير هذا الموضع مع أن هذا الذي ذكره مستوعب لما ذكره غيره من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم في ذلك

(1/434)


طريقة الآمدي في الاستدلال على حدوث العالم
وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة حدوث العالم على شيء من هذه الطرق بل بين ضعفها واحتج بما هو مثلها أو دونها في الضعف وهو أن الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين فنكون حادثة وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث وهذا الدليل مبني على مقدمتين : على أن كل عرض في زمان فهو لايبقى زمانين وجمهور العقلاء يقولون : إن هذا مخالف للحس والضرورة وعلى امتناع حوادث لا أول لها وقد عرف الكلام في ذلك والوجوه التي ضعف بها الآمدي ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق كثير منها ما ذكره الأرموي وهو متقدم على الأرموي
فإما أن يكون الأرموي رأى كلامه وأنه صحيح فوافقه وإما أن يكون وافق الخاطر الخاطر كما يوافق الحافر الحافر أو أن يكون الآرموي و الآمدي أخذا ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره وهذا الاحتمال أرجح فإن هذين وأمثالهما وقفوا على كتبه التي فيها هذه الحجج مع أن تضعيفها مما سبق هؤلاء إليه كثير من النظار ومن تكلم من النظار ينظر ما تكلم به من قبله فإما أن يكون أخذه عنه أو تشابهت قلوبهم
وبكل حال فهما - مع الرازي ونحوه - من أفضل بني جنسهم من المتأخرين فاتفاقهما دليل على قوة هذه المعارضات لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من نفسه يعرف بها الحق من الباطل في ذلك بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لأن كثيرا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام فإذا رأى هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم أن نفس النظار مختلفون في هذه المسالك وأن هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها وعلى القدح فيها استقر أمرهم وكذلك غيرهم قدح فيها كأبي حامد الغزالي وغيره وليس هذا موضع استقصاء ذكر من قدح في ذلك وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية ويعارض بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها

(1/439)


مسلك الآمدي على إثبات حدوث الأجسام
فأما المسلك الأول الذي ذكره الرازي فقال الآمدي : ( المسلك السادس لبعض المتأخرين من أصحابنا في الدلالة على إثبات حدوث الأجسام وهو أنه لو كانت الأجسام أزلية لكانت في الأزل : إما أن تكون متحركة أو ساكنة ) وساق المسلك إلى آخره ثم قال : ( وفيه وفي تقريره نظر وذلك أن القائل يقول : إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك الحيز أو لا تكون كذلك فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه فإنه ليس متحركا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان في حيز آخر وليس ساكنا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه وإن كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمرا وجوديا ولا محيص عنه
فإن قيل : الكلام إنما هو في الجسم في الزمن الثاني والجسم في الزمن الثاني ليس يخلو عن الحركة والسكون بالتقسير المذكور فهو ظاهر الإحالة فإنه إذا كان الكلام في الجسم إنما هو في الزمن الثاني من وجود الجسم فالزمن الثاني ليس هو حالة الأزلية وعند ذلك لا يلزم أن يكون الجسم أزلا لا يخلو عن الحركة والسكون )
قال : ( وإن سلمنا الحصر فلم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية ؟ وما ذكروه من الوجه الأول في الدلالة فإنما يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص أزلية وليس كذلك بل المعنى يكون الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة لا أول لها وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من آحاد الحركات المشخصة حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون جملة آحادها أزلية بمعنى أنها متعاقبة إلى غير النهاية )
قال : ( وما ذكروه في الوجه الثاني باطل أيضا فإن كل واحدة من الحركات الدورية وإن كانت مسبوقة بعدم لا بداية له فمعنى اجتماع الأعدام السابقة على كل واحدة من الحركات في الأزل : أنه لا أول لتلك الأعدام ولا بداية ومع ذلك فالعدم السابق على كل حركة وإن كان لا بداية له فيقارنه وجود حركات قبل الحركة المفروضة لا نهاية لها على جهة التعاقب ) أي : يعاقبه وجود حركات لا نهاية لها قبل الحركة المفروضة ( وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق وعلى هذا فيكون الكلام في العدم السابق على حركة حركة وعلى هذا فحصول شيء من الموجودات الأزلية مع هذه الأعدام أزلا على هذا النوع لا يكون ممتنعا إذ ليس في مقارنة للمسبوق على ما عرف )
قال : ( وفيه دقة فليتأمل )

(1/440)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذا هو الاعتراض الذي ذكره الأرموي وقد ذكره غيرهما والظاهر أن الأرموي تلقى هذا عن الآمدي وهم يقولون : اجتماع الأعدام لا معنى له سوى أنها مشتركة في عدم البداية والأولية وحينئذ فعدم كل حركة يمكن أن يقارنه وجود أخرى وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق وهذا الذي قالوه صحيح لكن قد يقال : هذا الاعتراض إنما يصح لو كان احتج بأن في ذلك مقارنة السابق للمسبوق فقط وهو لم يحتج إلا بأن العدمات تجتمع في الأزل وليس معها شيء من الموجودات إذ كان معها موجود لكان هذا الموجود مقارنا لتلك العدمات المجتمعة منها عدمه فاقترن السابق والمسبوق فعمدته اجتماعها في الأزل
وقد قالوا له : إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا فهو ممنوع لأنه من من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها وهو يقول : أنا لم أعن باجتماعهما في حين حادث ليلزمني انتهاء واحد منها وإنما قلت : هي مجتمعة في الأزل
وفصل الخطاب أن يقال : العدم ليس بشيء وليس لعدم هذه الحركة حقيقة ثابتة مغايرة لعدم الأخرى حتى يقال : إن أعدامها اجتمعت في الأزل أو لم تجتمع بل معنى حدوث كل منها أنهاكانت بعد أن لم تكن وكون الحوادث كلها مشتركة في أنها لم تكن لا يوجب أن يكون عدم كونها حقائق متغايرة ثابتة في الأزل
يوضح ذلك أن يقال : أتعني بكونها مسبوقية بالعدم أن جنسها مسبوق بالعدم أو كل واحد منها مسبوق بالعدم ؟ أما الأول فهو محل النزاع وأما الثاني فإذا قدر أن كل واحد كان بعد أن لم يكن - والجنس لم يزل كائنا - لم يجز أن يقال : الجنس كائن بعد أن لم يكن ولا يلزم من كون كل من أفراده مسبوقا بعدم أن يكون الجنس مسبوقا بالعدم إلا إذا ثبت حدوث الجنس وهو محل النزاع وعدم الحوادث هو نوع واحد ينقضي بحسب الحدوث فكلما حدث حادث انقضى من ذلك العدم ذلك الحادث ولم ينقض عدم غيره فالأزلي حينئذ عدم أعيان الحوادث كما أن الأزلي عند من يقول بأنه لا أول لها هو جنس الحوادث فجنس وجودها أزلي وعدم كل من أعيانها أزلي ولا منافاة بين هذا وهذا إلا أن يثبت وجوب البداية وهو محل النزاع

(1/441)


إيراد أحد المتكلمين الدليل على وجه آخر
وبهذا يظهر الجواب عما ذكره بعضهم في تقرير هذا الوجه فإن بعضهم لما رأى ما أوردوه على ما ذكره الرازي حرر الدليل على وجه آخر فقال : القول بكون كل من الحركات الجزئية مسبوقا بأخرى لا إلى أول يستلزم المحال فيكون محالا
بيان الأول : أن كل واحد منه من حيث إنه حادث يقتضي أن يكون مسبوقا بعدم أزلي لأن كل حادث مسبوق بعدم أزلي فهذا يقتضي أن تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل ومن حيث إنه ما من جنس يفرض إلا وجب أن يكون فرد منها موجودا يقتضي ألا تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل وإلا لزم أن يكون السابق مقارنا للمسبوق ولا شك أن اجتماعهما في الأزل وعدم اجتماعهما فيه متناقضان فالمستلزم له محال
فيقال لمن احتج بهذا الوجه : العدم الأزلي السابق على كل من الحوادث إن جعلته شيئا ثابتا في الأزل متميزا عن عدم الحادث الآخر فهذا ممنوع فإن العدم الأزلي لا امتياز فيه أصلا ولا يعقل حتى يقال : إن هناك أعداما ولكن إذا حدث حادث علم أنه انقضى عدمه الداخل في ذلك النوع الشامل لها وليس شمول جنس الموجودات لها كشمول جنس العدم للمعدومات فإن الموجودات لها امتياز في الخارج فشخص هذا الموجود متميز في الخارج عن شخص الآخر وأما العدم فليس بشيء أصلا في الخارج ولا امتياز فيه بوجه من الوجوه
ولكن هذا الدليل قد بني على قول من يقول : المعدوم شيء ولا يبعد أن يكون الرازي أخذ هذا الوجه من المعتزلة القائلين بهذا فإنهم يثبتون المعدوم شيئا فيكون هذا الحادث في حال عدمه شيئا وهذا الحادث في حال عدمه شيئا وحينئذ فللحوادث أعدام متميزة ثابتة في الأزل
وهؤلاء القائلون بهذا يقولون ذلك في كل معدوم ممكن سواء حدث أو لم يحدث فإذا قال القائل : ( للحوادث أعدام أزلية ثابتة في الأزل متميزة ) لم يتوجه إلا على قول هؤلاء وهذا القول قد عرف فساده وبتقدير تسليمه فيجاب عنه بما ذكره هؤلاء وهو أن اجتماعه في الأزل بمعنى غير انتفاء البداية ممتنع وعدم البداية ليس أمرا موجودا حتى يعقل فيه اجتماع
وعلى هذا فيقال : لا نسلم أن الأزل شيء مستقر أو شيء موجود وليس للأزل حد محدود حتى يعقل فيه اجتماع بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء وما لا ابتداء له فهو أزلي وما لا انتهاء له فهو أبدي وما من حين يقدر موجودا إلا وليس هو الأزل ففي كل حين بعضهما موجود وبعضها معدوم فوجود البعض مقارن لقدم البعض دائما وحينئذ فاجتماعها في الأزل معناه اشتراكهما في أن كل واحد ليس له أول وعدم اجتماعها فيه معناه أنه لم يزل في كل حين واحد منها موجودا وعدمه زائلا ولا تناقض بين اشتراكها في عدم الابتداء ووجود أشخاصها دائم إلا إذا قيل : يمتنع جنس الحوادث الدائمة
وقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي و الأرموي في الوجه الأول
قال : فإن قلت : الأزلي الحركة الكلية بمعنى أن كل فرد منها مسبوق بالآخر لا إلى أول لا أفرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير
ثم قال : قلت : فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالأزلي غير موجود في الخارح لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي
ولقائل أن يقول : هذا غلط نشأ من الإجمال الذي لفظ الكلي وذلك أنه إنما يمتنع وجود الكلي في الخارج مطلقا إذا كان مجردا عن أفراده كوجود إنسان مطلق وحيوان مطلق وحركة مطلقة لا تختص بمتحرك ولا بجهة ولون مطلق لا يكون أبيض ولا أسود ولا غير ذلك من الألوان المعينة فإذا قدر حركة مطلقة لا تختص بمتحرك معين كا ن وجودها في الخارج ممتنعا وأما الحركات المتعاقبة فوجود الكلي فيها هو وجود تلك الأفراد كما إذا وجد عدة أناسى فوجود الإنسان الكلي هو وجود أشخاصه ولا يحتاج أن يثبت للكلي في الخارج وجودا غير وجود أشخاصه بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده
ومعلوم إنه إذا أريد بوجود الكلي في الخارج وجود أشخاصه لا ينازع فيه أحد من العقلاء وإن كانوا قد يتنازعون في أن الكلي المطلق لا بشرط وهو الطبيعي : هل هو موجود في الخارج أم لا ؟ وحيئنذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئا بعد شيء فكل فرد مسبوق بالغير وليس هذا الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضهم شيئا فشيئا بمسبوق بالغير
وإن شئت قلت : لا نسلم أن الكلي لا يوجد في الخارج ولكن نسلم أنه لا يوجد في الخارج كليا وهذا هو الكلي الطبيعي وهو المطلق لا بشرط كمسمى الإنسان لا بشرط فإنه يوجد في الخارج لكن معينا مشخصا وتوجد أفراده إما مجتمعة وإما متعاقبة كتعاقب الحوادث المستقبلة فوجود الحركات المعينة كوجود سائر الأشياء المعينة ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية والمحكوم عليه بالأزلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئا فشيئا لا يوجد مجتمعا
فإن قال القائل ( مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع كما يوجد من أفراد الإنسان ) فقد صدق وإن قال ( إنه لا يوجد شيئا فشيئا ) فهذا ممنوع وم قال ذلك لزمه أن لا يوجد في الخارج حركة أصلا لا متناهية ولا غير متناهية وهذا مخالف للحس والعقل وقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع وتكلم في وجود الحركة بكلام له وقد نقله عنه الرازي وغيره وقد تكلمنا عليه وبينا فساده فيما سيأتي إن شاء الله
قال الآمدي : ( وباقي الوجوه في الدلالة ما ذكرناه في امتناع حوادث غير متناهية في إثبات واجب الوجود وقد ذكرت فلا حاجة إلى إعادتها )
وهو قد ذكر قبل ذلك في امتناع ما لا يتناهى أربعة طرق فزيفها واختار طريقا خامسا الأول : التطبيق وهو أن يقدر جملة ( فلو كا ما قبلها لا نهاية له فلو فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة ولتكن الزيادة عشرة مثلا فالجملة الأولى : إما أن تكون مساوية لنفسها مع فرض الزيادة عليها أو أزيد أو أنقص والقول المساواة والزيادة محال فإن الشيء لا يكون مع غيره كهو لا مع غيره ولا أزيد وإن كانت الجملة الأولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية فمن المعلوم أن التفاوت بينهما إنما هو بأمر متناه وعند ذلك فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو زيادة المتناهي على المتناهي
ومحال أن يحصل بين ما ليس بمتناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين
وأيضا فإنه إذا كانت إحدى الجملتين أزيد من الأخرى بأمر متناه فليطبق بين الطرفين الآخرين بأن تأخذ من الطرف الأخير من إحدى الجملتين عدوا مفروضا ومن الأخرى مثله وهلم جرا فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية فيلزم منه مساواة الانقص للأزيد في كلا طرفيه : وهو محال وإن قصرت الجملة الناقصة في الطرف الذي لانهاية له فقد تناهت والزائدة إنما زادت على الناقصة بأمر متناه وكل ما زاد على المتناهي بأمر متناه فهو متناه )
قال : ( وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة وعلى قواعد المتكلمين )
أما الفلاسفة فإنهم قضوا بأن كل ما له ترتيب وضعي كالأبعاد والامتدادات أو الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معا كالعلل والمعلولات فالقول بعدم النهاية فيه مستحيل وما سوى وذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل وسواء كانت آحاده موجودة معا كالنفوس بعد مفارقة الأبدان أو هي على التعاقب والتجدد كالأزمنة والحركات الدورية فإن ما ذكروه - وإن استمر لهم فيما قضوا فيه بالنهاية - فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية وعند ذلك فلا بد من بطلان أحد الأمرين : إما الدليل إن كان اعتقادهم عدم النهاية حقا وإما اعتقاد عدم النهاية إن كان الدليل حقا لاستحالة الجمع )
قال : ( وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلولات والأزمنة والحركات قدح في الجمع وهو قوله : إن ما لا ترتيب له وضعا ولا آحاده موجودة معا - وإن كان ترتيبه طبيعيا - فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق وفرض الزيادة والنقصان فيه بخلاف مقابله لأن المحصل يعلم أن الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الأضلاع وفيما له الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معا ليس إلا من جهة إفضائه إلى وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليس بمتناهيين وذلك إنما يمكن بفرض زيادة على ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد المفروض أو وحدة ما من العدد المفروض وعند ذلك فلا يخفى إمكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات والنفوس الإنسانية المفارقة لأبدانها وجواز فرض الزيادة عليها بالتوهم مما هو من نوعها وإذ ذاك فالحدود المستعملة في القياس المذكور في محل الاستدلال بعينها مستعملة في صورة الإلزام مع اتحاد صورة القياسية من غير فرق
وأيضا فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود الحساب مثلا لا نهاية لأعدادها وإن كانت الأوائل أكثر من الثواني بأمر متناه وهذه الأمور - وإن كانت تقديرية ذهنية - فلا خفاء أن وضع القياس المذكور فيها على نحو وضعه في الأمور الموجودة بالفعل فلا تتوهمن الفرق واقعا من مجرد هذا الاختلاف
والقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الأخرى لابد وأن تكون له نسبة إلى الثاني غير مسلم ولا يلزم من قبول المتناهي لنسبة المتناهي إليه قبول غير المتناهى لنسبة المتناهى إليه )

(1/442)


حول إبطال القول بعدم النهاية
قال : ( وأما المتكلم فله في إبطال القول بعدم النهاية طرق الأول : ما أسلفناه من الطريقة المذكورة ويلزم عليه ما ذكرناه ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف من ضرورة اعتقاد عدم النهاية فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم لذلك غير أن المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات الله تعالى ومقدوراته مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية فيها )
قال : ( وما يقال : من أن المعني بكون المعلومات والمقدورات غير متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح أن يعلم وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ما يصح أن يوجد وما يصح أن يعلم ويوجد غير متناه لكنه من قبيل التقديرات الوهمية والتجويزات الإمكانية وذلك مما لا يمتنع كونه غير متناه بخلاف الأمور الوجودية والحقائق العينية فلا أثر له في القدح أيضا فإن هذه الأمور - وإن لم تكن من موجودات الأعيان غير أنها متحققة في الأذهان ولا يخفى أن نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو استعماله فيما له وجود عيني )

(1/445)


تعليق ابن تيمية
قلت : التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره و الآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثرا والتحقيق أن ما ذكروه من الوصف متوحه في القدرة فإن تعلقها بالمعدوم من باب التجويز بخلاف العلم فإن فساد تعلقه بالمعدوم ليس من باب التجويز فإن المعدوم هنا معلوم للعالم ليس المراد بذلك أن ثم صفة تصلح أن يعلم بها المعدوم إذا وجد بل هو معلوم قبل وجوده بخلاف القدرة فإن تعلقها بالمعدوم معناه أنها صفة صلاحة لتعلق المعدوم إذا وجد
قلت : وأيضا فإن قول القائل : المعني بكون المعلومات والمقدروات غير متناهية هو صلاحية العلم والقدرة للتعلق وهو وإن سلم في القدرة فلا يسلم في العلم فإن الكلام ليس هو في إمكان العلم بها بل في العلم الذي يقال إنه علم موجود أزلي متعلق بما لا نهاية له وهذا أمر موجود
وعن هذه الشبهة صار طائفة من النظار إلى استرسال العلم على آحاد نوع العرض كما قاله أبو المعالي وحكي ذلك عن أبي الحسين البصري و داود الجواربي
قال أبو المعالي : ( الأجسام جنس واحد والأعراض أجناسها محصورة وأفراد الجنس غير محصورة ) قال : ( فلا يجوز وجود أجناس لا تتناهى لأنه يجب حينئذ وجود ما لا يتناهى في العلم والدليل دال على نفي النهاية في هذا وهذا ) قال : ( وأما آحاد الأعراض فإن العلم يسترسل عليها استرسالا وأما الجواب بصلاحية التعلق فهو جواب الشهرستاني ونحوه )

(1/446)


الثاني
قال : ( الطريق الثاني - يعني في بيان امتناع ما لا نهاية له - قوله : لو وجد أعداد لا نهاية لها لم تخل : إما أن تكون شفعا أو وترا أو شفعا ووترا معا أو لا شفعا ولا وترا فإن كانت شفعا فهي تصير وترا بزيادة واحد وإن كانت وترا فهي تصير شفعا بزيادة واحد وإعواز الواحد لما لا يتناهى محال وإن كانت شفعا ووترا فهو محال لأن الشفع ما يقبل الانقسام بمتساويين والوتر غير قابل لذلك والعدد الواحد لا يكون قابلا وغير قابل له معا وإن لم يكن شفعا ولاوترا فيلزم منه وجود واسطة بين النفي والإثبات وهو محال وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدد لا نهاية له فالقول به محال )
قال : ( وهو محال من النمط الأول في الفساد لوجهين : الأول : قد نسلم استحالة الشفعية أو الوترية فيما لا نهاية له والقول بأن ما لا يتناهى لا يعوزه الواحد الذي به يصير شفعا إن كان وترا أو وترا إن كان شفعا فدعوى مجردة ومحض استبعاد لا دليل عليه
الوجه الثاني : أنه يلزم عليه عقود الحساب ومعلومات الله تعالى ومقدوراته فإنها غير متناهية إمكانا مع إمكان إجراء الدليل المذكور فيها )

(1/447)


تعليق ابن تيمية
قلت : ولقائل أن يقول : أما الوجه الأول فضعيف فإن كون ما لا يتناهى معوزا للواحد كالمعلوم فساده بالضرورة بل يمكن أن يقال : ما لا يتناهى لا يمكن أن يكون لا شفعا ولاوترا لأن الشفع والوتر نوعا جنس العدد المحصور الذي له طرفان : مبدأ ومنتهى فأما إذا قدر ما لا مبدأ ولا منتهى له فليس عددا محصورا فلا يكون شفعا ولا وترا كما يقولوه المسلمون وغيرهم من أهل الملل فيما يحدثه الله تعالى في المستقبل من نعيم الجنة : إنه لا شفع ولا وتر
وهذا أيضا قول الفلاسفة الطبيعية والإلهية : إن ما لا نهاية له لا يكون شفعا ولا وترا وذلك أن ما لا نهاية له ليس طرفان والشفع : ما يقبل الانقسام بقسمين متساويين وهذا إنما يعقل فيما له طرفان منتهيان وإذا لم يمكن أن يكون شفعا لم يمكن أن يكون وترا
وأما عقود الحساب فالمقدر منها في الذهن محصور متناه وما لا يتناهى لا تقدره الأذهان بل كل مايضعفه الذهن من عقود الحساب فهو متناه والمراتب في نفسها متناهية ولكن إحدى المرتبتين لو وجدت أفرادها في الخارج لكانت أكثر من الأولى وليس ذلك تفاوتا في أمور موجودة ولا في الأذهان ولا في الأعيان

(1/447)


الثالث
قال أبو الحسن الآمدي : ( الطريق الثالث : أنه لو وجد أعداد لا نهاية لها فكل واحد منها محصور بالوجود فالجملة محصورة بالوجود وما لا يتناهى لا ينحصر بحاصر )
قال : ( وهو أيضا فاسد لثلاثة أوجه :
الأول : لا نسلم أن الوجود زائد على الموجود حتى يقال : يكون الوجود حاصرا له بل الوجود هو ذات الموجود وعينه على ما يأتي
الثاني : وإن كان زائدا على كل واحد من آحاد الجملة فلا نسلم كونه حاصرا بل عارض مقارن لكل واحد من الآحاد والمعارض المقارن للشيء لايكون حاصرا له
الثالث : سلمنا أن الوجود حاصر لكل واحد من آحاد الجملة ولكن لا نسلم أن الحكم على الآحاد يكون حكما على الجملة ولهذا يصدق أن يقال لكل واحد من آحاد الجملة : إنه جزء الجملة ولا يصدق على الجملة أنها جزء الجملة )

(1/448)


تعليق ابن تيمية
ولقائل أن يقول : في إفساد هذا الوجه أيضا : قول القائل ( إنه محصور في الوجود ) أيريد به أن هناك سورا موجودا حصر ما يتناهى أو ما لا يتناهى بين طرفيه أم يريد به أنه موصوف بكونه موجودا ؟ فإن أراد الأول فهو باطل فإنه ليس للموجودات شيء خارج عن الموجودات يحصرها سواء قيل : إنها متناهية أو غير متناهية وإن قيل : إن كل واحد مما لا يتناهى من الموجودات فهو موجود فهذا حق
فإذا سمى المسمى هذا حصرا كان هذا إطلاقا لفظيا وكان قوله حينئذ ( ما لا يتناهى لا يكون محصورا ) بمنزلة قوله ( لا يكون موجودا ) وهذا محل النزاع فقد غير العبارة وصادر على المطلوب ثم ما لا يتناهى في المستقبل موجود باتفاق أهل الملل وعامة الفلاسفة ولم ينازع في ذلك إلا من شذ كالجهم وأبي الهذيل ونحوهما ممن هو مسبوق بإجماع المسلمين محجوج بالكتاب والسنة مخصوم بالأدلة العقلية مع مخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين وهو مع هذا محصور بالوجود كما أن ما لا يتناهى في الماضي محصور بالوجود لكنهم يفرقون بأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل ومنازعوهم يقولون : الماضي دخل ثم خرج فصارا جميعا معدومين والمستقبل لم يدخل في الوجود وهة تفريق صوري حقيقته أن الماضي كان وحصل والمستقبل لم يحصل بعد
فيقال لهم : ولم قلتم : إن كل ما حصل وكان يمتنع أن يكون دائما لم يزل ؟ وهو وإن كان متناهيا من الجانب الذي يلينا فالمستقبل أيضا متناه في هذا الواجب وإنما الكلام في الطرفين الآخرين
وأيضا فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها فهي الآن معدومة كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة فلا هذا موجود ولا هذا موجود الآن وكلاهما له وجود في غير هذا الوقت ذاك في الماضي وهذا في المستقبل وكون الشيء ماضيا ومستقبلا أمر إضافي بالنسبة إلى ما يقدر متأخرا عن الماضي ومتقدما على المستقبل وإلا فكل ماض قد كان مستقبلا وكل مستقبل سيكون ماضيا كما أن كل حاضر قد كان مستقبلا وسيصير ماضيا

(1/448)


الرابع
قال الآمدي : ( الطريق الرابع : أنه لو وجد ما لا يتناهى فما من وقت يقدر إلا وهو متناه في ذلك الوقت وانتهاء ما لا يتناهى محال )
قال : ( وهو أيضا غير سديد فإن الانتهاء من أحد الطرفين - وهو الأخير - وإن سلمه الخصم فلا يوجب النهاية في الطرف الآخر ثم يلزم عليه عقود الحساب ونعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار فإنه وإن كان متناهيا من طرف الابتداء فغير متناه إمكانا في طرف الاستقبال )

(1/449)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذا الوجه من جنس الوجه السادس الذي ذكره الرازي وهو أنه : ( لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية كان وجود اليوم موقوفا على انقضاء ما لا نهاية له وانقضاء ما لا نهاية له محال والموقوف على المحال محال )
وقد اعترض عليه الأرموي بما اعترض به هو وغيره بأن انقضاء ما لا نهاية له محال
وأما انقضاء ما لا بداية له ففيه النزاع وهو من جنس جواب الآمدي فإن الانتهاء الذي يسلمه الخصم هو من أحد الطرفين دون الآخر والآخر هو الابتداء وقد تقدم ذلك

(1/449)


كلام آخر للآمدي
ثم قال الآمدي : ( والأقرب في ذلك أن يقال : لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية وكل واحد منها ممكنا على ما وقع به الفرض فهي : إما متعاقبة وإما معا فإن كانت متعاقبة فقد قيل : إن ذلك محال لوجوه ثلاثة
الأول : أن كل واحد منها يكون مسبوقا بالعدم والجملة مجموع الآحاد فالجملة مسبوقة بالعدم وكل جملة مسبوقة بالعدم فلوجودها أول تنتهي إليه وكل ما لوجوده أول ينتهي إليه فالقول غير متناه محال
الثاني : أن كل واحد منها يكون مشروطا في وجوده علته قبله ولا يوجد حتى توجد علته وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها وهلم جرا
فإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود فلا وجود لواحد منها وهذا كما إذا قيل : لا أعطيك درهما إلا وقبله درهم فإنه لما كان إعطاء الدرهم مشروطا بإعطاء درهم قبله وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير النهاية كان الإعطاء محالا
الثالث : هو أن القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد عدمها في معلولها وتأثير المعدوم في الموجود محال )
قال : ( وهذه الحجج مما لا مثبت لها
أما الأولى فلأنه لا يلزم من سبق على كل واحد من الآحاد سبقه على الجملة فإن الحكم على الآحاد لا يلزم أن يكون حكما على الجملة كما سبق تحقيقه
وأما الثاني فإنما يلزم أن لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في الوجود غير موجود كما في المثال المذكور وأما إن كان موجودا فلا يلزم امتناع وجود المشروط والقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع فلا تقبل الدعوى به من غير دليل
وأما الثالثة فإنما تلزم أيضا أن لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد عدم علته وليس كذلك بل معناه : وجود المعلول متراخيا عن وجود علته مع بقاء علته موجودة إلى حال وجوده وبقائه موجودا بعد عدم علته وكذلك في كل علة مع معلولها وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود ولا أن تكون العلل والمعلولات موجودة معا وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار )
قال : ( والأقرب في ذلك أن يقال : لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة وعند ذلك فلا يخلو : إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل أو لا وجود لشيء منها في الأزل فإن كان الأول ممتنع لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم والحادث مسبوق بالعدم فلو كان شيء منها في الأزل لكن مسبوقا بالعدم ضرروة كونه حادثا وغير حادث ضرورة كونه أزليا وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على سبق غيره عليه وهو المطلوب )

(1/450)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذا الوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الرازي حيث قال : ( إما أن يقال : حصل في الأزل شيء من هذه الحركات أو لم يحصل فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه الحركات وجب أن يكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول وهو المطلوب وإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات فتلك الحركة الحاصلة في الأزل إن لم تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات وهو المطلوب وإن كانت مسبوقة بغيرها لزم أن يكون الأول مسبوقا بغيره وهو محال )
وقد اعترض أبو الثناء الأرموي على هذا بأنه ( ليس من الحركات الجزئية أزليا بل كل واحدة منها حادثة وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها فلا يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول )
وبيان هذا الاعتراض - فيما ذكره الآمدي - أن يقال : قوله : ( إما ان يقال بوجود شيء منها في الأزل أو لا وجود لشيء منها في الأزل ) جوابه : أنه ليس شيء بعينه موجودا في الأزل ولكن الجنس لم يزل متعاقبا وحيئنذ يندفع ما ذكره على التقديرين : أما الأول فإنه قال : لو كان شيء منها موجودا في الأزل لكان مسبوقا بالعدم غير مسبوق بالعدم وهذا إنما يلزم إذا قيل في واحد من الحوادث المتعاقبة : إنه قديم أزلي وهذا لا يقوله عاقل
وأما التقدير الثاني : فقوله : ( وإن كان الثاني فقول القائل : العلل والمعلولات المتعاقبة أو غيرها من الحوادث المتعاقبة تكون مسبوقة بالعدم ) إنما يلزم إذا قيل : إن جنسها ليس بقديم ولا أزلي وهذا محل النزاع
وحقيقة الأمر أن قول القائل : ( إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل أولا وجود لشيء منها في الأزل ) معناه : إما أن شيئا منها قديم أزلي أو ليس شيء منها قديما أزليا وهذا اللفظ محتمل فإن أراد به أن واحدا من الحوادث المتعاقبة يكون قديما أزليا فهذا لا يقولونه وإن أراد أن جنسها لم يزل يحدث شيئا بعد شيء وأنه لا أول للجنس بل الجنس قديم أزلي فهذا هو الذي يقولون وحينئذ فلا يلزم من نفي الأزلية عن واحد نفيها عن الجنس
وذلك أن معنى الأزل ليس هو شيئا له ابتداء محدود حتى يقال : هل حصل شيء منها في ذلك المبدأ المحدود ؟ بل معنى الأزل هو معنى القدم ومعناه : ما لا ابتداء لوجوده ولا يقدر الذهن غاية إلا كان قبل تلك الغاية فإذا قال القائل : ( هل وجد شيء من هذه الحوادث في الأزل ) كان معناه : هل منها قديم لا أول لوجوده لم يزل موجودا ؟
والمثبت لذلك إنما يقول : لم يزل الجنس موجودا شيئا بعد شيء كما يقوله المسلمون وجمهور الناس غيرهم في الأبد فيقولون : إنه لا يزال جنس الحوادث يحدث شيئا بعد شيء فلو قال القائل : ( الحوادث المنقضية لا تكون أبدية ولاتكون فيما لا يزال لأنه إما أن يوجد شيء منها في الأبد أو لا وجود لشيء منها في الأبد فإن كان الأول فهو ممتنع لأن الأبدي لا يكون منقضيا بل لا يزال موجودا وإن كان الثاني فجملة المنقضيات ملحوقة بالعدم وما كان ملحوقا بالعدم لم يكن أبديا لأن الأبدي هو ما لا يلحقه العدم كما أن الأزلي ما لا يسبقه العدم ) كان الجواب عن قول هذا القائل بأن يقال : الأبدي هو جنس الحوادث المنقضية لا واحد واحد منها والجنس لا يلحقه العدم وإن لحق آحاده كما قال تعالى { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } ( ص : 54 ) وقال تعالى : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) فالدائم : هو الجنس وكذلك الذي لا نفاد له هو الجنس لا كل واحد من أعيان الرزق والمأكولات

(1/451)


قول آخر عن الآمدي
وقد أورد الآمدي على نفسه سؤالا وأجاب عنه فقال : ( قولكم : إن لم يوجد شيء منها في الأزل فلها أول وبداية فنقول : لا يلزم من كون كل واحد من العلل والمعلولات غير موجود في الأزل أن تكون الجملة غير أزلية فإنه لا يلزم من الحكم على الآحاد أن يكون حكما على الجملة بل جاز أن يكون كل واحد من أحاد الجملة غير أزلي والجملة أزلية بمعنى تعاقب آحادها إلى غير النهاية ) وقال في الجواب عن هذا : ( قلنا إذا كان كل واحد من الآحاد لا وجود له في الأزل وهو بعض الجملة فليس بعض من أبعاض الجملة يكون موجودا في الأزل وإذا لم يكن شيء من الأبعاض موجودا في الأزل فالجملة غير موجودة في الأزل فإنه لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها )

(1/452)


تعليق ابن تيمية
قلت : ولقائل أن يقول : قوله : ( لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها ) أيعني به وجود أبعاضها معها ؟ أو وجود أبعاضها ولو كانت متعاقبة ؟
أما الأول فلا يصح لأن ما فرض متعاقبا لايمكن أن تكون أبعاضه موجودة معه وليس له وجود مجتمع في زمن واحد حتى يمكن اجتماع أبعاضه معه بل وجود أبعاضه - وهو متعاقب مع جملته - جمع بين النقيضين
وإن عنى به وجود ابعضاها كيفما كان فيقال له : هذا صحيح والمنتفي إنما هو وجود شيء من أبعاضها في الأزل ولا يلزم من انتفاء كون الواحد من أبعاضها قديما أزليا أن لا يكون موجودا فإذا كان وجود الجملة موقوفا على وجود أبعاضها فوجود أبعاض المتعاقب ممكن وإن قال : ( إن وجود الجنس المتعاقب الذي هو قديم أزلي أبدي موقوف على كون الواحد من آحاده قديما أزليا أو أبديا ) فهذا محل النزاع
فتبين أن الجواب فيه مغلطة وحقيقة الجواب أنه يجب الحكم على الجملة بما يحكم به على أفرادها وقد بين هو وغيره فساد هذا الجواب فإنه إذا لم يكن بعض الجملة أزليا كان ذلك سلبا للأزلية عن أفراد الجنس ونفي الأزلية هو لحدوث فيصير معنى الكلام : إذا كان كل واحد من الأفراد أو الأبعاض المتعاقبة حادثا وجب أن يكون الجنس المتعاقب حادثا وقد عرف فساد هذا الكلام
و أبو الحسن الآمدي وغيره أدخلوا هذه المقدمة - أعني منع العلل المتعاقبة - في إثبات واجب الوجود ولا حاجة بهم إليها وهي مبنية على مقدمتين إحداهما : أن العلة قد تتقدم المعلول وقد ذكر هو في كتابه المسمى بـ ( دقائق الحقائق ) نقيض ما ذكره هنا في كتابه المسمى ( أبكار الأفكار ) وذكر في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة التي تقدمت حكايتها عنه وقال فيها : إن كانت العلل والمعلولات غير متناهية فإما أن تكون متعاقبة أو معا لا جائز أن يقال بالأول إذ قد بينا امتناع الافتراق بين العلة والمعلول فيما تقدم )
والذي قاله فيما تقدم هو أن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة لمعلوله ولا كون المعلول معلولا إلى سبق العدم فإن ما كان من المعلولات الوجودية مسبوقا بالعدم : إما أن يكون وجوده بإيجاد العلة له في حال وجوده أو في حال عدمه لا جائز أن يكون ذلك له في حال عدمه لامتناع اجتماع الوجود والعدم فلم يبق إلا أن يكون موجودا له في حال وجوده لا بمعنى أنه أوجد بعد وجوده بل بمعنى أن ما قدر له من الوجود غير مستغن عن العلة بل يستند إليها ولولاها لما كان وإذا ذاك الفرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق بالعدم

(1/453)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذه الحجة هي حجة ابن سينا وأمثاله على أن المعلول يكون مع العلة في الزمان وهي حجة فسادة وبتقدير صحتها لا تنفع الآمدي في هذا المقام فإن الناس لهم في مقارنة المعولل لعلته والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال :

(1/454)


الأقوال في مقارنة المعلول لعلته الثانية
قيل : يجب أن يقارن الأثر ولتأثيره بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه وهذا قول هؤلاء الدهرية القائلين بأن العالم قديم عن موجب قديم وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة وأعظمها تناقضا فإنه إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء فإن العلة التامة إذا كانت تسلتزم مقارنة معلولها لها في الزمان وكان الرب علة تامة في الأزل - لزم أن يقارنه كل معلول وكل ما سواه معلول له : إما بواسطة وإما بغير واسطة فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء
وأيضا فما يحدث من الحوادث بعد ذلك يفتقر إلى علة تامة مقارنة له فيلزم تسلسل علل أو تمام علل ومعلولات في آن واحد وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء وإن قدر أن الرب لم يكن علة تامة في الأزل بطل قولهم
وقيل : بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام كما يقوله أكثر أهل الكلام ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثرا تاما بعد أن لم يكن مؤثرا تاما بدون سبب حادث أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام
وهذا قول كثير من أهل الكلام منهم من يقول : القادر يرجح أحد المقدورين بلا مرجح
ومنهم من يقول : بل يرجح بالإرادة القديمة الأزلية
ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول : بل يرجح مع كون الرجحان أولى لا مع وجوبه وهو قول محمود الخوارزمي من الأولين وهو قول محمد بن الهيثم الكرامي وغيره من الآخرين فإن الكرامية مع الأشعرية والكلابية يقولون : المرجح هو الإرادة القديمة الأزلية ويقولون : إن الإرادة لا توجب المراد لكن منهم من يقول : من شأن الإرادة أن ترجح بلا مزية للترجيح بل مع تساوي الأمرين كما تقوله الأشعرية : ومنهم من يقول : ترجيح أولوية الترجيح وهذا قول الكرامية
والقول الثالث : أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه لا معه في الزمان ولا متراخيا عنه كما قال تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب لأنه مسبوق بوجود التأثير ليس زمنه زمن التأثير والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له وهذا قول أكثر أهل الإثبات
وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان فإن هذا لا بد منه وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول الذي هو الأثر
ومن الناس من فرق بين التأثير القادر المختار وتأثير العلة الموجبة فزعم أن الأول لا يكون إلا مع تراخي الأثر والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الأثر للمؤثر
وهذا أيضا غلط فإن الأدلة الدالة توجب التسوية لو قدر أنه يمكن أن يكون المؤثر غير قادر مختار فكيف إذا كان ذلك ممتنعا ؟
وكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولا معلولا إلا بعد عدمه هو من القضايا الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين وكل هؤلاء يقولون : ما كان معلولا يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم
وممن قال ذلك أرسطو وأتباعه حتى ابن سينا وأمثاله صرحوا بذلك لكن ابن سينا تناقض مع ذلك فزعم أن الفلك هو قديم أزلي مع كونه ممكنا يقبل الوجود والعدم وهذا مخالف لما صرح به هو وصرح به أئمته وسائر العقلاء وهو مما أنكره عليه ابن رشد الحفيد وبين أن هذا مخالف لما صرح به أرسطو وسائر الفلاسفة وأن هذا لم يقله أحد قبله
وأرسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب وممكن ولا يقول : إن الأول موجب بذاته للعالم بل هذا قول ابن سينا وأمثاله وهو - وإن كان أقرب إلى الحق مع فساده وتناقضه - فليس هو قول سلفه بل قول أرسطو وأتباعه : إن الأول إنما افتقر إليه الفلك لكونه يتحرك للتشبه به لا لكون الأول علة فاعلة له
وحقيقة قول أرسطو وأتباعه : أن ما كان واجب الوجود فإنه يكون مفتقرا إلى غيره فيكون جسما مركبا حاملا للأعراض فإن الفلك عندهم واجب بذاته وهو كذلك كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا الموضع وبين ما وقع من الغلط في نقل مذاهبهم وأن أتباعهم صاروا يحسنون مذاهبهم فمنهم من يجعل الأول محدثا للحركة بالأمر وليس هذا قولهم فإن الأول عندهم لا شعور له بحركة ولا إرادة وإنما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به فهو يحركه كتحريك الإمام للمؤتم به أو المعشوق لعاشقه لا تحريك الآمر لمأموره كما يزعمه ابن رشد وغيره
ومنهم من يقول : بل هو علة مبدعة فاعلة للأفلاك كما يقوله ابن سينا وأتباعه وليس هذا أيضا قولهم
ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا وأتباعه وليس هذا أيضا قولهم
ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا كأبي حامد الغزالي و الرازي و الآمدي وغيرهم ويذكرون ما ذكره ابن سينا من حججه كما ذكره الآمدي في هذا الموضع حيث قال : ( إن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة إلى سبق العدم لأن تأثير العلة في المعلول إنما هو في حال وجود المعلول )
فيقال لهم : ليس في هذا ما يدل على أن المعلول يجوز أن يكون قديما أزليا غير مسبوق بالعدم بل قولكم : ( وإذ ذاك فلا فرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق ) دعوى مجردة
فتبين أن ما ذكره الآمدي وغيره من امتناع الافتراق بين العلة والمعلول في الزمن ووجوب مقارنتهما في الزمن من أضعف الحجج بل ما ذكره لا يدل على جواز الإقتران فضلا عن أن يدل على وجوب الاقتران بل غاية ما ذكره أن سبق العدم ليس بشرط في إيجاد العلة ولا يلزم من كونه ليس بشرط وجوب الاقتران بل قد يقال بجواز الاقتران وجواز التأخير
وحينئذ فلقائل أن يقول : هذا الذي ذكرته وإن كان باطلا كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين فيه أن للناس في هذا المقام ثلاثة أقوال :
قيل : يجوز أن يقارن المعلول العلة في الزمان فيقترن الأثر بالمؤثر في الزمان كما يقوله ابن سينا ومتابعوه
وقيل : بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر وتأثيره كما يقوله أكثر المتكلمين
وقيل : بل الأثر يتعقب التأثير ولا يكون معه في الزمان ولا يكون متراخيا عنه وهذا هو الصواب كما قال تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) لهذا يقال : طلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق فالعتق والطلاق عقب التطليق والإعتاق لا يقترن به ولا يتأخر عنه
وبين أن من قال باقتران الأثر بالمؤثر كما يقوله هؤلاء المتفلسفة فإن ذلك يستلزم أن لا يكون لشيء من الحوادث فاعل ويستلزم أن لا يحدث شيء في العالم ومن قال بالتراخي فقوله يستلزم أن المؤثر التام لا يستلزم الأثر بل يحدث الحادث بلا سبب حادث وهذا مبسوط في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن هذا الجواب الذي ذكره هو مأخوذ من كلام ابن سينا وهو مع فساده غايته أن المعلول يجوز أن يقارن وجوده وجود العلة لا يجب أن يكون مسبوقا بالعدم مع وجود العلة وليس في هذا بيان أنه يمتنع تأخر وجوده عن وجود العلة
والأقسام الممكنة ثلاثة : إما أن يقال بوجوب المقارنة أو بوجوب التأخر أو بجواز الأمرين وما ذكرته لا يدل على شيء من ذلك ولو دل فإنما يدل على جواز الاقتران لا على وجوبه وأنت فيما ذكرته هناك جوزت تأخر المعلول فلا منافاة بين الأمرين
وذلك أن غاية ما ذكرته أن المؤثر - أي : المعلول الذي هو المصنوع المفعول - إما أن تكون تأثيراته قديمة كواجب الوجود وذلك لا ينفي أن يكون التأثير به هو الأحداث فإن فاعل هذه الحادثات تأثيره فيها في حال الوجود مع كونها محدثة فليس كون التأثير فيها في حال وجودها مما ينفي أنه لا بد أن تكون محدثة
وقولك : ( إذا كان التأثير فيها في حال وجودها فلا فرق بينه أن يكون وجودها مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق ) دعوى مجردة لاستواء الحالين والعقلاء يعلمون - بضرورة عقلهم - أن المبدع الفاعل لا يعقل أن يبدع القديم الأزلي الذي لم يزل موجودا وإنما يعقل إبداع ما لم يكن ثم كان بل العقلاء متفقون على أن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثا بعد عدمه ولا يكون قديما أزليا
وهذا مما اتفق عليه الفلاسفة مع سائر العقلاء وقد صرح به أرسطو وجميع أتباعه حتى ابن سينا وأتباعه ولكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا فادعوا في موضع آخر أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قد يكون قديما أزليا ومن قبله من الفلاسفة - حتى الفارابي - لم يدعو ذلك ولا تناقضوا وقد حكينا أقوالهم في غير هذا الموضع
وأما المقدمة الثانية التي بنوا عليها امتناع العلل المتعاقبة فهي مبينة على امتناع حوادث لا أول لها والمتفلسف لا يقول بذلك فلم يمكنهم أن يجعلوها مقدمة في إثبات واجب الوجود
والتحقيق أنه لا يحتاج إليها بل ولا يحتاج في إثبات واجب الوجود إلى هذه الطريقة كما قد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع
وهؤلاء تجدهم - مع كثرة كلامهم في النظريات والعقليات وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها وأشرفها وأسناها - لا يحققون ما هو المقصود منه بل لا يحققون ما هو المعلوم لجماهير الخلائق وإن أثبتوه طولوا فيه الطريق مع إمكان تقصيرها بل قد يورثون الناس شكا فيما هو معلوم لهم بالفطرة الضرورية
والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بإفسادها وتغييرها قال تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } ( الروم : 30 - 32 )
وفي الصحيحين [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قالوا : يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير ؟ فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين ]
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ يقول الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ]
فالإقرار بالخالق سبحانه وتعالى والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم أزلي كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب فبراهينه وأدلته متعددة جدا ليس هذا موضعها وهؤلاء عامة ما يذكرونه من الطرق : إما أن يكون فيه خلل وإما أن يكون طويلا كثير التعب والغالب عليهم الأول

(1/454)


إثبات الرازي للصانع
فالرازي أثبت الصانع بخمسة مسالك وهي كلها مبنية علىمقدمة واحدة
( الأول )
الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له وهذا طريق المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي - بناء على أن أجسام العالم محدثه وكل محدث فله محدث

(1/459)


تعليق ابن تيمية
أما المقدمة الأولي فقد تبين كلامهم فيها ومناقضة بعضهم بعضا وأنهم التزموا لأجلها : إما جحد صفات الله وأفعاله القائمة به وإما جحد بعض ذلك وأنهم اشترطوا في خلق الله تعالى للعالم ما ينافي خلق العالم فسلطوا عليهم أهل الملل والفلاسفة جميعا
وأما الثاني فهي أظهر وأعرف وأبده في العقول من أن تحتاج إلي بيان فبنوها على أن كل محدث فهو ممكن الوجود وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها مع أن القول بافتقار المحدث إلى المحدث أبين وأظهر في العقل من القول بافتقار الممكن إلى المؤثر الموجود فبتقدير بيانهم للمقدمتين يكونون قد طولوا وداروا بالعقول دورة تبعد على العقول معرفة الله تعالى والإقرار بثبوته وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود فكانوا كما قيل لبعض الناس : أين أذنك ؟ فرفع يده وأدارها على رأسه ومدها وتمطى وقال : هذه أذني وكان يمكنه أن يشير إليها بالطريق المستقيم القريب ويقول : هذه أذني وهو كما قيل :
( أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء )
وهو نظير ما يذكر عن يعقوب بن إسحاق الكندي فيما حكاه عنه السيرافي من قوله : هذا من باب فقد عدم الوجود وفقد عدم الوجود هو الوجود فكيف وقد ذكروا في افتقار الممكن إلى الواجب بنفسه مع ظهوره وبيانه كما قد بيناه في غير هذا الموضع : ما هو نقيض المقصود : من التعليم والبيان : وتحرير الأدلة والبراهين وقد تكلمنا على تقرير ما يتعلق بهذا المقام في غير هذا الموضع

(1/459)


الثاني
قال الرازي : ( المسلك الثاني : الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع سبحانه وتعالى وهو عمدة الفلاسفة قالوا : الأجسام ممكنة وكل ممكن فل بد له من مؤثر أما بيان كونها ممكنة فبالطريق المذكورة في مسألة الحدوث وأما بيان أن الممكن لا بد له من مؤثر فبالطريق المذكورة هنا )

(1/460)


تعليق ابن تيمية
قلت : وهذه الطريقة هي طريقةابن سينا وأمثاله من المتفلسفة وليست طريقة أرسطو والقدماء من الفلاسفة وابن سينا كان يعجب بهذه الطريقة ويقول : إنه أثبت واجب الوجود من نفس الوجود من غير احتياج إلى الاستدلال بالحركة كما فعل أسلافه الفلاسفة ولا ريب أن طريقته تثبت وجودا واجبا لكن لم تثبت أنه مغاير للأفلاك إلا ببيان إمكان الأجسام كما ذكره الرازي عنهم وإمكان الأجسام هو مبني على توحيدهم المبني على نفي صفات الله تعالى كما تقدم التنبيه عليه وهو من أفسد الكلام كما قد بين ذلك في غير موضع
ومن طريقهم دخل القائلون بوحدة الوجود وغيرهم من أهل الإلحاد القائلين بالحلول والإتحاد كصاحب الفصوص وأمثاله الذين حقيقة قولهم : تعطيل الصانع بالكلية والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الإلهية

(1/460)


الثالث
قال : ( المسلك الثالث : الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة و قديمة أو ممكنة وحادثة )
قال : ( وتقريره أن يقال : اختصاص كل جسم بما له من الصفات : إما أن يكون لجسميته أو لما يكون حالا في الجسمية أو لما يكون محلا لها أو لما لا يكون حالا فيها ولا محلا لها وهذا القسم الأخير : إما أن يكون جسما أو جسمانيا أولا جسما ولا جسمانيا وتبطل كل هذه الأقسام سوى القسم الأخير بما مر تقريره في إثبات المسلك الأول في مسألة حدوث العالم )

(1/460)


تعليق ابن تيمية
قلت : وهذا هو القول بتماثل الأجسام وأن تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصص والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد و الرازي نفسه قد بين بطلان ذلك في غير موضع وهذا الذي أحال عليه ليس فيه إلا أن الجسم لا يكون اختصاصه بالحيز واجبا بل جائزا وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر الصفات
وما ذكره من الدليل لا يصح وذلك أنه قال : ( اختصاصه بذلك إن كان واجبا ) : فإما أن يكون الوجوب لنفس الجسمية أولأمر للجسمية أو لأمر الجسمية عرضت له أو لأمر غير عارض لها ولا معروض لها والأول يوجب اشتراك الأجسام في تلك الصفة وإن كان لعارض : فإما أن يكون ممتنع الزوال وهو اللازم أو ممكن الزوال وهو العارض فإن العرض في اصطلاحهم أعم من العرض فإن كان ممتنع الزوال : فإن كان الامتناع لنفس الجسمية عاد الإشكال الأول وإن كان لغيرها أفضى للتسلسل وإن كان لمعروض الجسمية لم يصح لأن المعقول من الجسمية الذهاب في الجهات فلو كان في محل لكن ذلك المحل يجب أن يكون ذاهبا في الجهات فيكون محل الجسمية جسما لأنه إن لم يكن ذاهبا في الجهات لم يكن له اختصاص بالحيز فلا يعقل حصول الجسم المختص بالحيز في محل غير مختص بالحيز وإذا كان محله ذاهبا في الجهات كان جسما وحينئذ فالقول في اختصاصه بذلك الحال فيه كالقول في الحيز لا يجوز أن يكون للجسمية أو لوازمها بل لأمر عارض ممكن الزوال فيكون ذلك الحيز ممكن الزوال وهو المقصود )
قلت : ولقائل أن يقول : هذا الدليل مبني على تماثل الأجسام وأكثر العقلاء على خلافه وقد قرر الرازي في موضع آخر أنها مختلفة لا متماثلة وهو مبني أيضا على الكلام في الصورة والمادة ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسط الكلام فيه لكن يبين فساده ببيان موضع المنع في مقدماته
قوله : ( إن كان الامتناع لغير الجسمية أفضى إلى التسلسل ) ممنوع فإن الأجسام إذا كانت مشتركة في مسمى الجسمية وقد اختص بعضها بصفات أخرى لم يجب في ذلك التسلسل كما في سائر الأمور التي تشترك في شيء وتفترق في شيء فالمقادير والحيوانات إذا اشتركت في مسمى القدر والحيوانية واختص بعضها عن بعض بشيء آخر لازم له لم يلزم التسلسل سواء قيل بتماثل الأجسام أو اختلافها فإنه إن قيل باختلافها كانت ذات كل واحد موصوفة بصفات لازمة لها لا توجد في الآخر كسائر الحقائق المختلفة وإن قيل بتماثلها كتماثل أفراد النوع فالموجب لوجود كل فرد من تلك الأفراد هو الموجب لصفاته اللازمة له لا تفتقر صفاته اللازمة له إلى موجب غير الموجب لذاته وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين فيه فساد ما يقوله المنطقيون : من أن اختلاف أفراد النوع إنما هو بسبب المادة القابلة ونحو ذلك فإنهم بنوه على أن للحقيقة الموجودة في الخارج سببا غير سبب وجودها وهذا غلط لا يستريب فيه من فهمه مع أنه لاحاجة بنا هنا إلى هذا بل نقول : مجرد اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسما أو متحيزا أو موصوفا أو مقدرا أو غير ذلك لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة له وليس إذا احتاج اختصاصه بالحيز إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم أن يكون ذلك المخصص له مخصص آخر بل المشاهد خلاف ذلك فإن اختصاص الأجسام المشهودة بأحيازها ليس للجسمية المشتركة بل لأمر يخصها هو من لوازمها بمعنى أن المقتضي لذاتها هو المقتضى لذلك اللازم
وأيضا فقوله : ( إن كان الامتناع لمعروض الجسمية فهو محال ) ممنوع
وقوله : ( لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ذهاب في الجهات )
يقال له : محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات كما أن محل التحيز هو المتحيز ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل العريض العميق ومحل المقدار هو المقدر وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض وهذا في كل ما يوصف بصفة فمحل الصفة هو الموصوف وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من الأعراض محلها الأعيان القائمة بنفسها فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في الجهات التي هي الطول والعرض والعمق مثلا كان محلها هو الشيء الممتد في الجهات الذي هو الطويل العريض العميق وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز ويكون ذلك المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضي لاختصاصه بما اختص به من الصفات اللازمة وهو مستلزم لذلك كما هو مستلزم للامتداد في الجهات فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد وجنس الأعراض والصفات فالجسم المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة ومستلزم للصفات المعينة التي يقال : إنها لازمة له حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل حقيقته فالموجب لها هو الموجب لحقيقته وهذا مطرد في كل ما يقدر من المواصفات المستلزمة لصفاتها كالحيوانية والناطقية للإنسان وكذلك الإغتذاء والنمو للحيوان والنبات مثلا فإن كون النبات ناميا متغذيا هو صفة لازمة له لعموم كونه جسما ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها بل حقيقته مستلزمة لنموه وأغتذائه وهذه الصفات أقرب إلى أن تكون داخلة في حقيقته من كونه ممتدا في الجهات وإن كان ذلك أيضا لازما له فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها وفي أنها حاملة لتلك الصفات وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض فمن يقول بتماثل الجواهر والأجسام يقول : إن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من التحيزية والمقدارية وتوابعها وسائر الصفات عارضة لها تفتقر إلى سبب غير الذات
ومن يقول باختلافها يقول : بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز كالموصوفية للموصوف واللونية للملون والعرضية للعرض والقيام بالنفس للقائمات بأنفسها ونحو ذلك ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه : لم يكن أحدهما مثلا للآخر وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض : لم يكن أحدهما مثلا للآخر وإذا اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا ولهذا حيزا ومكانا ولهذا حيزا ومكانا : كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر والمكان للمتمكن والحيز للمتحيز فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل فاشتراكهما فيما هو دونه في ذلك أولى بعدم التماثل والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع
والمقصود هنا : التنبيه على مجامع ما أثبتوا به الصانع

(1/461)


الرابع
قال الرازي : ( المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع تعالى مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانا فإذا كانت تلك التركيبات أعراضا حادثة والعبد غير قادر عليه فلا بد من فاعل آخر ثم من ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة هنا ومن استدل على ذلك بالإمكان أو القياس على حدوث الذوات فكذلك يقول أيضا في حدوث الصفات )
قال : ( والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال لحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك )

(1/464)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن وهي التي جاءت بها الرسل وكان عليها سلف الأمة وأئمتها وجماهير العقلاء من الآدميين فإن الله سبحانه يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب والمطر والنبات والحيوان وغير ذلك من الحوادث ويذكر في آياته خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ونحو ذلك لكن القائلون بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم يسمون هذا استدلالا بحدوث الصفات بناء على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها بل الجواهر والأجسام التي كانت موجودة قبل ذلك لم تزل من حين حدوثها بتقدير حوادثها ولا تزال موجودة وإنما تغيرت صفاتها بتقدير حدوثها كان تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون وكما تتغير ألوانه وكما تتغير أشكاله وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم
وحقيقة قول هؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم : أن الرب لم يزل معطلا لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئا بل إنما تحدث صفات تقوم بها ويدعون أن هذا قول أهل الملل : الأنبياء وأتباعهم وبينهم وبين الفلاسفة في مثل هذا نزاع أخطأ فيه كل من الفرقين فإن الفلاسفة يقولون بإثبات المادة والصورة ويجعلون المادة والصورة جوهرين وهؤلاء يقولون : ليست الصورة إلا عرضا قائما بجسم
والتحقيق : أن المادة والصورة لفظ يقع على معان كالمادة والصورة الصناعية والطبيعية والكلية والأولية
فالأول : مثل الفضة إذا جعلت درهما وخاتما وسبيكة والخشب إذا جعل كرسيا واللبن والحجر إذا جعل بيتا والغزل إذا نسج ثوبا ونحو ذلك فلا ريب أن المادة هنا التي يسمونها الهيولى : هي أجسام قائمة بنفسها وأن الصورة أعراض قائمة بها فتحول الفضة من صورة إلى صورة هو تحولها من شكل إلى شكل مع أن حقيقتها لم تتغير أصلا
وبهذا يظهر لك خطأ قول القائل : إن من أثبت افتقار المحدث إلى الفاعل بالقياس على حدوث الذوات قال هنا كذلك وهذه الطريقة طريقة أبي علي و أبي هاشم ومن وافقهما
فيقال : هؤلاء إنما قاسوا على افتقار الكتابة إلى كاتب والبناء إلى بان ونحو ذلك ومعلوم أن البناء والكاتب لم يبدع جسما وإنما أحدث في الأجسام تأليفا خاصا وهو عرض من الأعراض فكيف يجعل مثل هذا محدثا للذوات ويجعل الذي خلق الإنسان من نطفة والشجرة من نواة إنما أحدث الصفات ؟ لكن المعتزلة لا يقولون : إن الجسم يحدث جسما وإنما يحدث عرضا
والثاني : من معاني المادة والصورة : هي الطبيعية وهي صورة الحيوانات والنباتات والمعادن ونحو ذلك فهذه إن أريد بالصورة فيها نفس الشكل الذي لها فهو عرض قائم بجسم وليس هذا مراد الفلاسفة وإن أريد بالصورة نفس هذا الجسم المتصور فلا ريب أنه جوهر محسوس قائم بنفسه
ومن قال : ( إن هذا عرض قائم بجوهر ) من أهل الكلام فقد غلط وحينئذ فيقول المتفلسف : إن هذه الصورة قائمة بالمادة والهيولى إن أراد بذلك ما خلق منه الإنسان كالمني - وهو لم يرد ذلك - فلا ريب أن ذاك جسم آخر فسد واستحال وليس هو الآن موجودا بل ذاك صورة وهذا صورة والله تعالى خلق إحداهما من الأخرى وإن أراد أن هنا جوهرا بنفسه غير هذا الجسم المشهود الذي هو صورة وأن هذا الجسم المشهود - الذي هو صورة - قائم بذلك الجوهر العقلي فهذا من خيالاتهم الفاسدة
ومن هنا تعرف قولهم في الهيولى الكلية حيث ادعوا أن بين أجسام العالم جوهرا قائما بنفسه تشترك في الأجسام ومن تصور الأمور وعرف ما يقول علم أنه ليس بين هذا الجسم المعين وهذا الجسم المعين قدر مشترك موجود في الخارج أصلا بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه المتناولة لذاته وصفاته ولكن يشتركان في المقدارية وغيرها من الأحكام اللازمة للأجسام وعلم أن اتصال الجسم بعد انفصاله هو نوع من التفرق والتفرق والاجتماع هما من الأعراض التي يوصف بها الجسم فالإتصال والإنفصال عرضان والقابل لهما نفس الجسم الذي يكون متصلا تارة ومنفصلا تارة أخرى كما يكون مجتمعا تارة ومفترقا أخرى ومتحركا تارة وساكنا أخرى وهذا مبسوط في غير هذا الموضع

(1/464)


الخامس
قال الرازي : ( والطريقة الخامسة - وهي عند التحقيق عائدة إلى الطرق الأربع - وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى )

(1/466)


تعليق ابن تيمية
قلت : والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم هو الحق الموافق لصريح المعقول وأن ما بينه من الآيات والدلائل والبراهين العقلية في إثبات الصانع سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله هو فوق نهاية العقول وأن خيار ما عند حذاق الأولين والآخرين من الفلاسفة والمتكلمين هو بعض ما فيه لكنهم يلبسون الحق بالباطل فلا يأتون به على وجهه كما أن طريقة الاستدلال بحدوث المحدثات على إثبات الصانع الخالق هي طريقة فطرية ضرورية وهي خيار ما عندهم بل ليس عندهم طريقة صحيحة غيرها لكنهم أدخلوا فيها من الاختلال والفساد ما يعرفه أهل التحقيق والانتقاد الذي آتاهم الله الهدى والسداد
وقد بسط الكلام على هذه المطالب في غير الموضع

(1/466)


بسم الله الرحمن الرحيم : فصل
وأما ما تكلموا به في وجود واجب الوجود وتحيرهم فيه هل وجوده حقيقة أو زائد على حقيقته ؟ وفي صفاته وأفعاله ؟ فهذا بحر واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع
وقد اعترف الرازي بحيرته في مسائل الذات والصفات والأفعال وهو تارة يقول بقول هؤلاء وتارة يقول بقول هؤلاء والآمدي متوقف في مسائل الوجود والذات ونحو ذلك مع أنه لم يذكر دليلا على إثبات واجب الوجود البتة فإنه ظن أن الطرق المذكورة ترجع إلى الاستدلال بالإمكان على المرجع الموجب فلم يسلك في إثبات واجب الوجود إلا هذه الطريقة التي هي طريقة ابن سينا لكن ابن سينا وأتباعه قرروها أحسن من تقرير الآمدي فإن أولئك أثبتوا أثبتوا واجب الوجود بالبرهان العقلي الذي لا ريب فيه لكن احتجوا على مغايرته للموجودات المحسوسة بطريقتهم المبنية على نفي الصفات وهي باطلة

(2/3)


كلام الآمدي في الأبكار في أثبات واجب الوجود
وأما الآمدي فلم يقرر إثبات واجب الوجود بحال بل قال في كتاب أبكار الأفكار في أعظم مسائل الكتاب وهي مسألة إثبات واجب الوجود : مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين القول بوجوب وجود وجوده لذاته لا لغيره وكل ما سواه فمتوقف في وجوده عليه خلافا لطائفة شاذة من الباطنية ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية ونتحققه من الأمور الحسية فإنه إما أن يكون واجبا لذاته أو لا يكون واجبا لذاته فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فك موجود لا يكون واجبا لذاته فهو ممكن لذاته لأنه لو كان ممتنعا لذاته لما كان موجودا وإذا كان ممكنا فالوجود والعدم عليه جائزان عند ذلك فإما أن يكون في وجوده مفتقرا إلى مرجح أو غير مفتقر إليه فإن لم يكن مفتقرا إلى المرجح فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح وهو ممتنع وإن افتقر إلى المرجح فذلك المرجح إما واجب لذاته أو لغيره فإن كان الأول فهو مطلوب وإن كان الثاني فذلك الغير إما أن يكون معلولا لمعلوله أو لغيره فإن كان الأول فيلزم أن يكون كل واحد منهما مقوما للآخر ويلزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما مقوما لمقوم نفسه فيكون كل فليحج منهما مقوما لنفسه لأن مقوم المقوم مقوم وذلك يوجب جعل كل واحد من الممكنين متقوما بنفسه والمقوم بنفسه لا يكون ممكنا وهو خلاف الفرض ولأن التقويم إضافة بين المقوم والمقوم فيستدعى المغايرة بينهما ولا مغايرة بين الشيء ونفسه وإن كان الثاني : وهو أن يكون ذلك الغير معلولا للغير فالكلام في ذلك الغير كالكلام في الأول وعند ذلك فإما أن يقف الأمر على موجود هو مبدأ الموجودات غير مفتقر في وجوده إلى غيره أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فهو ممتنع
ثم ذكر الأدلة المتقدمة على إبطال التسلسل وبين فسادها كلها كما تقدم حكاية قوله واختار الحجة المذكورة عنه التي حكيناها فقال وإن كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معا فلا يخفى أن النظر إلى الجملة غير النظر إلى كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد وعند ذلك فالجملة موجودة وهي إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لا جائز أن تكون واجبة وإلا لما كانت آحادها ممكنة وقد قيل : إنها ممكنة كما سبق وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح والمرجح إما أن يكون داخلا فيها أو خارجا عنها لا جائز أن يقال بالأول فإن المرجح للجملة للجملة مرجح لآحادها يلزم أن يكون مرجحا لنفسه ضرورة كونه من الآحاد ويخرج بذلك عن أن يكون ممكنا وهو خلاف الفرض وأن يكون مرجحا لعلته لكونه من الآحاد وفيه جعل العلة معلولا والمعلول علة وهو دور ممتنع وأن كان المرجح خارجا عنها فهو إما ممكن أو واجب فإن كان ممكنا فهو من الجملة وهو خلاف الفرض فلم يبق إلا أن يكون واجبا لذاته وهو المطلوب
قلت : فهذه الطريقة التي ذكرها لم يذكر غيرها في إثبات الصانع ثم أورد على نفسه أسئلة كثيرة منها قول المعترض : لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي مع إشعاره بالحصر صحته في غير المتناهي سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وأنه ممكن ولكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية وعند ذلك فلا يلزم أن يكون معللا بغير علة الآحاد سلمنا أنه زائد على الآحاد ولكن ما لمانع أن يكون مترجحا بآحاد الداخلة فيه لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من الآحاد بالآخر إلى غير النهاية وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة ولا أن يكون المرجح للجملة مرجح لنفسه ولا لعلته
ثم قال في الجواب : قولهم : لا نسلم أن مفهوم الجملة زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية قلنا : إن أردتم أن مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة وإن أردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الأعداد فلا خفاء بكونه زائدا على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب قولهم : ما لمانع من أن يكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه ؟ قلنا : إما ان يقال : تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها أو بواحد منها فإن كان بواحد منها فالحال الذي ألزمناه حاصل وإن كان بمجموع الآحاد فهو نفس الجملة المرفوضة و فيه ترجح الشيء بنفسه و هو محال

(2/3)


تعليق ابن تيمية
فهذا ما ذكره في كتابه المشهور بأبكار الأفكار المصنف في الكلام وليس في هذا تعرض لإبطال علل ومعلولات ممكنة مجتمعة لا نهاية لها ولكن فيه إثبات واجب الوجود خارجا عنها وقد ذهب طائفة من أهل الكلام كأصحاب معمر إلى إثبات معان لانهاية لها مجتمعة وهي الخلق وهي شرط في الحدوث
ثم إنه في كتابه المسمى بدقائق الحقائق في الفلسفة ذكر هذه الحجة وزاد فيها إبطال إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها ولكنه اعتراض عليها باعتراض وذكر أنه لا جواب له عنه فبقيت حجته على إثبات واجب الوجود موقوفة على هذا الجواب
فقال بعد أن ذكر ما ذكره هنا الجملة إما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة أو ممكنة إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار كل واحد إلى علته وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من إطلاق الوجوب وعدم الإمكان عليها بمعنى أنها غير مفتقرة إلى أمر خارج عن ذاتها وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض فتوهم ساقط فإنه إذا قيل إن الجملة غير ممكنة فقد بينا في المنطقيات أن كل ما ليس بممكن بالمعنى الخاص فإما واجب بذاته وإما ممتنع لا جائز أن يقال بالامتناع وإلا لما كانت موجودة بقي أن تكون واجبة بذاتها وإذا كانت الجملة هي مجموع آحادها وكل واحد من الآحاد ممكن فالجملة أيضا ممكنة بذاتها والواجب باعتبار ذاته يستحيل أن يكون ممكنا باعتبار ذاته وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح لضرورة كونها موجودة والمرجح فإما أن يكون ممكنا أو واجبا لا جائز أن يكون ممكنا إذ هو من الجملة ثم يلزم أن يكون مرجحا لنفسه لكونه مرجحا للجملة والمرجح للجملة مرجح لآحادها وهو من آحادها وذلك محال ثم يلزم أن يكون علة علته وهو دور ممتنع وإن كان واجبا لذاته غير مفتقر إلى علة في وجوده فإما أن يكون علة للجملة أو لبعضها فإن كان علة للجملة لزم أن يكون علة لكل واحد من آحادها إذ الجملة هي مجموع الآحاد وهو محال من جهة إفضائه إلى كون كل واحد من آحاد الجملة المفروضة معللا بعلتين وهي العلة الواجبة الوجود وما قيل إنه علة له من آحاد الجملة وإن كان علة لبعض منها لا يكون معلولا لغيره فهو خلاف الفرض
وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدم النهاية فهو محال كيف وكل علل ومعلولات قيل باستنادها إلى علة لا علة لها فالقول بكونها غير متناهية محال وجمع بين متناقضين وهو القول بأن ما من علة إلا ولها علة والقول بانتهاء العلل والمعلولات إلى علة لا علة لها
فإذا قد اتضح بما مهدنا امتناع كون العلل والمعلولات غير متناهية وإن القول بان لا نهاية لها محال
ثم قال : ولقائل أن يقول : إثبات الجملة لما لا يتناهى وإن كان غير مسلم لكن ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية على ما قيل
قال : وهذا إشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله
قلت : فهذا استدلاله على واجب الوجود لم يذكر في كتبه غيره وأما حدوث العالم فأبطل طرق الناس وبناه على أن الجسم لا يخلو من الأعراض الحادثة إذ العرض لا يبقى زمانين واستدل على امتناع حوادث لا أول لها بعد ان أبطل وجوه غيره بالوجه الذي تقدم وتقدم ما فيه من الضعف الذي بينه الأرموي وغيره ثم إذا ثبت حدوث العالم فإنه لم يستدل بالحدوث على المحدث إلا بطريقة الذين بنوا ذلك على الإمكان وهو ان ذلك يتضمن التخصيص المفتقر إلى مخصص لأنه ترجيح لأحد طرفي الممكن فهو لا يستدل بالحدوث على المحدث إلا بناء على أن ذلك ممكن يفتقر إلى واجب ولا يجعل الممكن دالا على الواجب إلا بناء على نفي التسلسل والتسلسل قد أورد عليه السؤال الذي قال إنه لا جواب له عنه
وكل هذه المقدمات التي ذكرها لا يفتقر إثبات الصانع إليها وبتقدير افتقاره إليها فأبطال التسلسل ممكن فتتم تلك المقدمات وذلك أن إثبات الصانع لا يفتقر إلى حدوث الأجسام كما تقدم بل نفس ما يشهد حدوثه من الحوادث يغنى عن ذلك والعلم بأن الحادث يفتقر إلى المحدث هو من أبين العلوم الضرورية وهو أبين من افتقار الممكن إلى المرجح فلا يحتاج أن يقرر ذلك بان الحدوث ممكن أو أنه كان يمكن حدوثه على غير ذلك الوجه فتخصيصه بوجه دون وجه ممكن جائز الطرفين فيحتاج إلى مرجح مخصص بأحدهما
وهذه الطريقة يسلكها من متأخري أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم على ذلك
من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم
وقد نبهنا على أنها وإن كانت صحيحة فإنها تطويل بلا فائدة فيه واستدلال على الأظهر بالأخفى وعلى الأقوى بالأضعف كما لا يحد الشيء بما هو أخفى منه وإن كان الحد مطابقا للمحدود مطردا منعكسا يحصل به التمييز مع أن الحد والاستدلال بالأخفى قد يكون فيه منفعة من وجوه أخرى مثل من حصلت له شبهة أو معاندة في الأمر الجلي فيبين له بغيره لكون ذلك أظهر عنده فإن الظهور والخفاء أمر نسبي إضافي مثل من يكون من شانه الاستخفاف بالأمور الواضحة البينة فإذا كان الكلام طويلا مستغلقاها به وعظمة كما يوجد في جنس هؤلاء إلى غير ذلك من الفوائد لكن ليس هذا مما يتوقف العلم والبيان عليه مطلقا وهذا هو المقصود هنا وهؤلاء كثيرا ما يغلطون فيظنون أن المطلوب لا يمكن معرفته إلا بما ذكروه من الحد والدليل وبسبب هذا الغلط يضل من يضل حتى يتوهم أن ذلك الطريق المعين إذا بطل انسد باب المعرفة
ولهذا لما بني الآمدي وغيره على هذه الطريقة التي تعود إلى طريقة الإمكان وبنوا طريقة الإمكان على نفي التسلسل حصل ما حصل فكان مثل هؤلاء مثل من عمد إلى أمراء المسلمين وجندهم الشجعان الذين يدفعون العدو ويقاتلونهم فقطعهم ومنعهم الرزق الذي به يجاهدون وتركوا واحدا ظنا أنه يكفي في قتال العدو وهو أضعف الجماعة وأعجزهم ثم أنهم مع هذا قطعوا رزقه الذي به يستعين فلم يبق بإزاء العدو أحد
ومثل نهر كبير كدجلة والفرات كان عليه عدة جسور فقطعها كلها ولم يترك إلا واحد طويلا بعيدا ضعيفا ثم إنه خرقه في أثنائه حتى انقطع الطريق ولم يبق لأحد طريق إلى العبور وهو مع هذا يستعمل الناس في الآلات التي يصنع بها الجسور ويشعر الناس أنه لا يمكن أحدا أن يعبر إلا بما يصنعه
أو مثل رجل كان لمدينته أسوار متداخلة سور خلف سور كل سور منه يحفظ المدينة فعمد المتولي فهدم تلك الأسوار كلها وترك سورا هو أضعفها وأطولها وأصعبها حفظا ثم إنه مع ذلك خرق منه ناحية يدخل منها العدو فلم يبق للمدينة سور يحفظها
فيقال إن إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدلال بالحدوث على المحدث وهذا يكفى فيه حدوث الإنسان نفسه أو حدوث ما يشاهد من المحدثات كالنبات والحيوان وغير ذلك ثم إنه يعلم بالضرورة أن المحدث لا بد من محدث وإذا قدر أنه أثبت الصانع بحدوث العالم لزم أن المحدث لا بد من محدث ثم إذا قدر أنه استدل بطريقة الإمكان إما ابتداء وإما مع طريقة الحدوث فالعلم بأن الممكن يفتقر إلى الواجب علم ضروري لا يفتقر إلى نفي التسلسل

(2/5)


إبطال التسلسل
وأيضا فإبطال التسلسل له طرق كثيرة وذلك أنه يمكن أن يقال فيه وجوه :
الوجه الأول
أحدها : أن الموجودات بأسرها إما أن تكون واجبة الوجود أو ممكنة الوجود أو ممتنعة الوجود والأقسام الثلاثة باطلة فلزم أن يكون بعضها واجبا وبعضها ممكنا
أما الثالث فهو باطل لأن ما وجد لا يكون ممتنع الوجود
والثاني : باطل أيضا لأن ممكن الوجود هو الذي وجوده وعدمه وما كان كذلك لم يوجد إلا بغيره فلو كان مجموع الموجودات ممكنة لافتقرت الموجودات كلها إلى غيرها وما ليس بموجود فهو معدوم والمعدوم لا يفعل الموجود بالضرورة
والأول باطل أيضا لأنا نشاهد ما يحدث بعد أن لم يكن كالحيوان والنبات والمعدن والسحاب والأمطار
والحادث عدم ووجد أخرى فلا يكون ممتنعا لأن الممتنع لا يوجد ولا واجبا بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يعدم فثبت أنه ممكن وثبت أن في الموجودات ما هو ممكن بنفسه وأنه ليس كلها ممكنا فثبت أن فيها موجودا ليس بممكن والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب بنفسه فإن الموجود إما أن يكون وجوده بنفسه وهو الواجب أو بغيره وهو الممكن ولا يجوز أن يكون ممتنع لأن الممتنع هو الذي لا يجوز أن يوجد فيمتنع أن يكون في الوجود ممتنع
فتبين أن في الموجودات واجبا وممكنا وليس فيها ممتنع وإن شئت قلت : إما أن يقبل من جهة نفسه العدم وهو الممكن أو لا يقبل العدم وهو الواجب بنفسه وإن شئت قلت إما أن يفتقر إلى غيره وهو الممكن أو لا يفتقر وهو الواجب
وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة وليس كلها ممكنا ولا كلها واجبا تعين أن فيها واجبا وفيها ممكنا

(2/8)


الوجه الثاني
أن يقال كل ممكن بنفسه لا يوجد إلا بموجب يجب به وجوده لأنه إذا لم يحصل ما به يجب وجوده ممكنا قابلا للوجود والعدم فلا يوجد وما به يجب وجوده لا يكون ممكنا لأن الممكن لا يجب به شيء لافتقاره إلى غيره فالمفتقر إلى الممكن مفتقر إليه وإلى ما به وجب الممكن وإذا كان الممكن وحده لا يجب به شيء علم افتقار الممكن إلى واجب بنفسه

(2/8)


الوجه الثالث
أن يقال : طبيعة الإمكان سواء فرضت الممكنات متناهية أو غير متناهية لا يوجب الوجود بنفسها فإن ما كان كذلك لم يكن ممكنا فلا بد للمكن من حيث هو ممكن من موجود ليس بممكن والمراد بالممكن في هذه المواضع الممكن الإمكان الخاص وهو الذي يقبل الوجود والعدم فيكون الواجب والممتنع قسيميه فأما إذا أريد به الممكن الإمكان العام وهو قسيم الممتنع فكل موجود فهو ممكن بالإمكان العام
ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره وليس كل موجود وجد بنفسه لأن منها المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها
فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وما هو موجود بغيره

(2/9)


الوجه الرابع
أن يقال الموجودات ليست كلها موجودة بغيرها لأن الغير إن كان معدوما امتنع أن يكون الموجود موجودا بما ليس بموجود وإن كان الغير موجودا كان الموجود خارجا عن جملة الموجودات
وإذا لم تكن الموجودات كلها موجودة بغيرها : فإما أن تكون كلها أو كل منها موجودا بنفسه وإما أن لا يكون والأول ممتنع لأن المحدثات التي يشهد حدوثها يعلم بالضرورة أنها ليست موجودة بنفسها وإذا لم تكن كلها موجودة بغيرها ولا كلها موجودة بنفسها تعين أن منها ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بغيره وهذا لك أن تعتبره في كل فرد فرد من الموجودات وفي المجموع فتقول : يمتنع في كل فرد من الموجودات أن يكون موجودا بغير موجود لأنه إذا كان كل واحد من الموجودات موجودا بغير موجود لزم أن يكون كل من الموجودات موجودا بمعدوم وهذا ممتنع وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجودا بنفسه وإما أن يكون موجودا بمعدوم وهذا ممتنع وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجودا بنفسه وإما أن يكون موجودا بوجود غيره وإما أن يكون منها ما هو موجود بنفسه ومنها ما هو موجود بوجود غيره
والأول ممتنع لوجود الحوادث التي لا توجد بأنفسها
والثاني ممتنع لأن كل واحد واحد من الموجودات إذا كان موجودا بوجود غيره والغير من الموجودات التي لا توجد إلا بموجود غيرها لم يكن فيها إلا ما هو مفتقر محتاج إلى الغير وما كان بنفسه مفتقرا محتاجا إلى الغير ولم يوجد إلا بوجود ذلك الغير وما كان في نفسه لا يوجد إلا بغيره فأولى أن لا يكون بنفسه مبدعا لغيره فيلزم أن لا يكون في الموجودات ما هو موجود بنفسه ولا ما هو فاعل لغيره فيلزم حينئذ أن لا يوجد شيء من الموجودات لأن الموجود إما موجود بنفسه وإما بوجود غيره وهذا إنما لزم لما قدر أن كل موجود موجود بغيره فتعين أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وهو المطلوب
وأما إذا اعتبرت ذلك في المجموع فمجموع الموجود لا يكون واجبا بنفسه لأن من أجزائه ما هو ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن والمجموع يتوقف عليه والمتوقف على الممكن لا يكون واجبا بنفسه ولا يكون المجموع مفتقرا إلى غيره المباين له فإن ذلك لا يكون إلا معدوما والموجود لا يكون مفتقرا إلى فاعل معدوم ليس بموجود فضلا عن مجموع الموجود فتعين أن يكون المجموع مفتقرا إلى ما هو داخل في المجموع وذلك البعض لا يكون إلا واجبا بنفسه إذ لم يكن واجبا بنفسه لكان ممكنا مفتقرا إلى غيره فيكون مجموع كل واحد من الموجودات مفتقرا إلى غيره وذلك الغير مجموع الممكنات ليس مفتقرا إلى ما هو بعض الممكنات فإن مجموعهما أعظم من بعضها وذلك البعض يشرك لمجموع في الفقر والإحتياج إلى الغير ففيه ما فيها من الإحتياج والفقر إلى الغير مع أن المجموع أعظم منه فإذا كانت الأجزاء كلها فقيرة محتاجة و المجموع محتاجا فقيرا أمتنع أن يكون شيء من الأجزاء بالمجموع وحده فضلا عن أن يكون بجزء آخر فضلا عن أن يكون المجموع الذي كل أجزائه فقراء بواحد من تلك الأجزاء الفقراء وهذا كله بين ضروري لا يستريب فيه من تصوره ويمكن تصوير هذه المواد على وجوه أخرى

(2/9)


فصل
وكذلك يمكن تصوير هذه الأدلة في مادة الحدوث بأن يقال : الموجودات إما أن تكون كلها حادثة وهو ممتنع لأن الحوادث لا بد من فاعل وذلك معلوم بالضرورة ومحدث الموجودات كلها لا يكون معدوما وذلك أيضا معلوم بالضرورة وما خرج عن الموجودات لا يكون إلا معدوما فلو كانت الموجودات كلها محدثة للزم : إما حدوثها بلا محدث وإما حدوثها معدوم وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة فثبت أنه لا بد في الوجود من موجود قديم وليس كل موجود قديما بالضرورة الحسية فثبت أن الموجودات تنقسم إلى قديم ومحدث
وهاتان المقدمتان وهو أن كل حادث فلا بد من محدث وأن المحدث للموجود لا يكون إلا موجودا مع انهما معلومتان بالضرورة فإن كثيرا من أهل الكلام أخذوا يقررون ذلك بأدلة نظرية ويحتجون على ذلك بأدلة وهي وإن كانت صحيحة لكن النتيجة أبين عند العقل من المقدمات فيصير كمن يحج الأجلى بالأخفى وهذا وإن كان قد يذمه كثير من الناس مطلقا فقد ينتفع به في مواضع مثل عناد المناظر ومنازعته في المقدمة الجلية دون ما هو أخفى منها ومثل حصول العلم بذلك من الطرق الدقيقة الخفية الطويلة لمن يرى أن حصول العلم له بمثل هذه الطرق أعظم عنده وأحب إليه وأنه إذا خوطب بالأدلة الواضحة المعروفة للعامة لم يكن مزية على العامة ولمن يقصد بمخاطبته بمثل ذلك أن مثل هذه الطرق معروف معلوم عندنا لم ندعه عجزا وجهلا وإنما أعرضنا عنه استغناء عنه بما هو خير منه واشتغالا بما هو أنفع من تطويل لا يحتاج إليه إلى أمثال ذلك من المقاصد
فأما كون الحادث لا بد له من محدث فهي ضرورية عند جماهير العلماء وكثير من متكلمة المعتزلة ومن اتبعهم جعلوه نظريا كما سيأتي ذكره بعد هذا
وأما كون المعدوم لا يكون فاعلا للموجودات فهو أظهر من ذلك ولذلك اعترف بكونه ضروريا من استدل على أن المحدث لا بد له من محدث موجود والممكن لا بد له من مؤثر موجود كالرازي وغيره

(2/10)


كلام الرازي في إثبات وجود الله
قال الرازي : أما كون المؤثر موجودا فإنه لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر منفي والحكم بالاكتفاء المؤثر المنفي حكم بعدم الإحتياج إلى المؤثر
قال : والعلم بذلك ضروري ولا يتصور في هذا المقام الاستدلال بالكلام المشهور من أن المعدوم لا تميز فيه فلا يمكن استناد الأثر إليه لأنه يتوجه عليه شكوك معروفة
قال : والجواب عنها وإن كان ممكنا إلا أن العلم بفساد استناد الأثر الموجود إلى المؤثر المعدوم أظهر كثيرا من العلم بذلك والدليل والأجوبة عن الأسولة التي تورد عليه وإيضاح الواضح لا يزيده إلا خفاء
قال : وقول القائل : هب أن المؤثر ليس بمعدوم فلم يجب أن يكون موجودا ؟ قلنا : لا واسطة بين الوجود والعدم وقول القائل : الماهية تقتضي الإمكان لا بشرط الوجود ولا العدم فهو متوسط بين الوجود والعدم قلنا : نحن لا ندعي أن كل حقيقة فهي إما الوجود وإما العدم حتى يلزم من كون الماهية مغايرة لهما فساد ذلك الحصر بل ندعي أن العقل يحكم على كل حقيقة من الحقائق التي لا نهاية لها أنها لا تخلو عن وصفي الوجود والعدم وإذا كان كذلك فكون الماهية مغايرة للوجود والعدم لا يقدح في قولنا : إنه لا واسطة بين الوجود والعدم

(2/11)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذا السؤال والجواب عنه لا يحتاج إليه مع علمنا الضروري بأن المؤثر في الموجود لا يكون إلا موجودا وهذا قد سبقه إليه غير واحد من النظار

(2/12)


كلام الجويني في الإرشاد
كأبي المعالي الجويني فإنه قال في الإرشاد : فإن قال قائل : قد دللتم فيما قدمتم على العلم بالصانع فيم تنكروه على من يقدر الصانع عدما قلنا : العدم عندنا نفي محض وليس المعدوم على صفة من صفات الإثبات ولا فرق بين نفي الصانع وبين تقدير الصانع منفيا من كل وجه بل نفي الصانع وإن كان باطلا بالدليل القاطع فالقول به غير متناقض في نفسه والمصير إلى إثبات صانع منفي متناقض وإنما يلزم القول بالصانع المعدوم المعتزلة حيث أثبتوا للمعدوم صفات الإثبات وقضوا بأن المعدوم على خصائص الأجناس
قال : والوجه أن لا نعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات وليس بمثابة التحيز للجوهر فإن التحيز صفة زائدة على ذات الجوهر وجود الجوهر عندنا نفسه من غير تقدير مزيد
قال : والأئمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات والعلم به علم بالذات
قال الكيا الهراسي الطبري : إذا قلنا الباري موجود فوجوده ذاته هذا بالاتفاق من أصحابنا القائلين بالأحوال والنافين لها إلا على رأي المعتزلة الذين قالوا : المعدوم شيء

(2/12)


كلام أبي القاسم الأنصاري
وقال أبو القاسم الأنصاري شارح الإرشاد والقاضي أبو بكر : وإن أثبت الأحوال فلم يجعل الوجود حالا فإن العلم به علم بالذات وعند أبي هاشم ومتبعيه الوجود من الأحوال وهو من أثر كون الفاعل قادرا
قال وما قاله إمام الحرمين : من أن الأئمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات فإنما قالوا ذلك لما بيناه من ان صفة النفس عندهم تفيد ما تفيده النفس فلا فرق بين وجود الجوهر وتحيزه وهكذا قال الكيا : الوجود بمنزلة التحيز للجوهر فإن التحيز للجوهر نفس الجوهر خالف أبا المعالي
قال ومن الدليل على وجود الصانع أنه موصوف بالصفات القائمة به كالحياة والقدرة والعلم ونحوها وهذه الصفات مشروطة بوجود محلها وقد يكون الشيء موجودا ولا يكون مختصا بهذه الصفات ويستحيل الاختصاص بهذه الصفات من غير تحقق وجود
قال ومما يحقق ما قلناه قيام الدليل القاطع على أنه فاعل ومن شرط الفاعل أن يكون موجودا

(2/12)


تعليق ابن تيمية
قلت : هذا الثاني هو ما ذكره أبو المعالي فإن إثبات الصانع إثبات لوجوده وإلا فصانع منتف كنفي الصانع وأما الأول فهو وإن كان صحيحا لكن النتيجة أبين من المقدمات فإن العلم بأن الصانع لا يكون إلا موجودا أبين من كون ما تقوم به الصفة لا يكون إلا موجودا وكلاهما معلوم بالضرورة لكن الفاعل الذي يبدع غيره أحق بالوجود وكما أن الوجود من محل الصفة فإن محل الصفة قد يكون جمادا وقد يكون حيوانا وقد يكون قادرا وقد يكون عاجزا والصفة وإن كانت مفتقرة إلى محل وجودي فهو من باب الأفتقار إلى المحل القابل وأما المفعول المفتقر إلى الفاعل فهو من باب الافتقار إلى الفاعل
ومعلوم أن الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل أقوى من الحاجة إلى القابل فيما له قابل وأيضا فإن القابل شرط في المقبول لا يجب تقدمه عليه بل يجوز اقترانهما بخلاف الفاعل فإنه لا يجوز أن يقارن المفعول بل لا بد من تقدمه عليه ولهذا اتفق العقلاء على أنه لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر لا بمعنى كونه علة فاعلة ولا بغير ذلك من المعاني وأما كون كل من الشيئين شرطا للآخر فإنه يجوز وهذا هو الدور المعي وذاك هو الدور القبلي وقد بسط هذا في غير الموضع وبين ما دخل على الفلاسفة من الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة الفاعلة بل قد يجعلون ذلك كله علة إذ العلة عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون وجود المعلول والقابل الذي قد يسمى مادة وهيولى مع الصورة وهما علتا حقيقة الشيء في نفسه سواء قيل إن حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ذلك أو قيل هي هي كما هو المعروف عن متكلمي أهل السنة
والمقصود هنا أن الدليل لما دل على أنه لا بد من موجود واجب بنفسه أي لا يكون له فاعل يوجده : لا علة فاعلة ولاما يسمى فاعلا غير ذلك صاروا يطلقون عليه الواجب بنفسه ثم أخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني فأرادوا إثباته كلها فصاروا ينفون الصفات وينفون أن يكون له حقيقة موصوفة بالوجود لئلا تكون الذات متعلقة بصفة فلا تكون واجبة بنفسها ومعلوم أن كون الذات مستلزمة لصفة كمال يمتنع تحققها بدونها لا يوجب افتقارها إلى فاعل أو علة فاعلة ولكن غاية ما فيه أن تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة مشروطة بالذات وأن تكون الصفة إذا قيل بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف فإذا قيل : هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره لم يلزم أن يكون ذلك الغير فاعلا ولا علة فاعلة بل إذا قدر أنه يطلق عليه غير فإنما هو شرط من المشروط وكون الذات مشروطة بالصفة اللازمة لها والصفة مشروطة بالذات لا يمنع أن يكون الجميع واجبا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع
والمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون محلها موجودا فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجودا بطريق الأولى
وأيضا فيقال : الحوادث المشهودة لا بد لها من محدث إذ المحدث من حيث هو محدث وكل ما يقدر محدثا سواء قدر متناهيا أو غير متناه لا يوجد بنفسه بل لا بد له من فاعل ليس بمحدث والعلم بذلك ضروري إذ طبيعة الحدث تقتقي الإفتقار إلى فاعل فلا بد لكل ما يقدر محدثا من فاعل فيمتنع أن يكون فاعل كل المحدثات محدثا فوجب أن يكون قديما
وأيضا فالمحدث مفتقر إلى محدث كامل مستقل بالفعل إذ ما ليس مستقلا بالفعل مفتقر إلى غيره فلا يكون هو وحده الفاعل بل الفاعل هو وذلك الغير فلا يكون وحده فاعلا للمحدث ثم ذلك الغير إن كان محدثا فلا بد له من فاعل أيضا فلا بد للمحدثات من فاعل مستقل بالفعل مستغن عن جميع محدثاته والعقل يعلم ضرورة افتقار المحدث إلى المحدث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة أبلغ من علمه بافتقار الممكن إلى الواجب الموجب له فلا يحتاج أن يقال في ذلك أن المحدث يتخصص بزمان دون زمان أو بقدر دون قدر ولا بد للتخصيص مكن مخصص فإن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث أبين في العقل وأبده له
ولهذا قال تعالى { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } الطور 35
قال جبير بن مطعم : لما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرؤها أحسست بفؤادي قد انصدع
وقال { أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } الواقعة 58 - 59 إذ كان كل من القسمين : وهو كونهم خلقوا من غير خالق وكونهم خلقوا أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم يحدث من غير محدث وأنه لم يحدث نفسه فلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث وأن محدثه ليس هو إياه علما ضروريا ثبت بالضرورة أن له محدثا خالقا غيره وكل ما يقدر فيه انه مخلوق فهو كذلك
والخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير وإذا علمت أن الممكن لا بد له من مرجح يجب به وإلا لم يكن موجودا بل يبقى معدوما على أصح القولين أو مترددا بين الوجود والعدم على الآخر فالمحدث لا بد له من فاعل يستغن به المفعول فيكون به وإلا بقي مفتقرا إلى غيره وإذا قدر محدثه أيضا فهو أيضا محدث لم يستغن به لأن ذلك المحدث مفتقر إلى غيره فالمفتقر إليه مفتقر إلى ذلك الغير الذي هو الأول مفتقر إليه بطريق الأولى فلا توجد الحوادث إلا بفاعل غني عن غيره وكل محدث مفتقر إلى غيره فلا توجد الحوادث إلا بفاعل قديم غير محدث فهذه طرق متعددة يثبت بها الموجود الواجب بنفسه القديم

(2/13)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية