صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الفتاوى الكبرى - ابن تيمية ]
الكتاب : الفتاوى الكبرى
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
الناشر : دار المعرفة - بيروت
الطبعة الأولى ، 1386
تحقيق : حسنين محمد مخلوف
عدد الأجزاء : 5

106 - 752 - سئل : ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولم يصل ولم يقم بشيء من الفرائض وأنه لم يضره ويدخل الجنة وأنه قد حرم جسمه على النار ؟ وفي رجل يقول : أطلب حاجتي من الله ومنك : فهل هذا باطل أم لا ؟ وهل يجوز هذا القول أم لا ؟
أجاب : الحمد لله إن من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من الفواحش والظلم والشرك والافك : فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة المسلمين ولا يغني عنه التكلم بالشهادتين
وإن قال : أنا أقر بوجوب ذلك علي وأعلم أنه فرض وأن من تركه كان مستحقا لذم الله وعقابه لكني لا أفعل ذلك : فهذا أيضا مستحق للعقوبة في الدنيا والآخرة باتفاق المسلمين ويجب أن يصلي الصلوات الخمس باتفاق العلماء وأكثر العلماء يقولون : يؤمر بالصلاة فإن لم يصل وإلا قتل فإذا أصر على الجحود حتى قتل كان كافرا باتفاق الأئمة لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين
ومن قال : إن كل من تكلم بالشهادتين ولم يؤد الفرائض ولم يجتنب المحارم : يدخل الجنة ولا يعذب أحد منهم بالنار : فهو كافر مرتد يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل بل الذين يتكلمون بالشهادتين أصناف منهم منافقون في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين } الآية وقال تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } الآية
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ] فبين النبي صلى الله عليه و سلم أن الذي يؤخر الصلاة وينقرها منافق فكيف بمن لا يصلي ؟ ! ! وقد قال تعالى : { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون } قال العلماء : الساهون عنها : الذين يؤخرونها عن وقتها والذين يفرطون في واجباتها فإذا كان هؤلاء المصلون الويل لهم فكيف بمن لا يصلي ؟
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ أنه يعرف أمته بأنهم غر محجلون من آثار الوضوء ] وإنما تكون الغرة والتحجيل لمن توضأ وصلى فابيض وجهه بالوضوء وأبيضت يداه ورجلاه بالوضوء فصلى أغر محجلا فمن لم يتوضأ ولم يصل لم يكن أغر ولا محجلا فلا يكون عليه سيما المسلمين التي هي الرنك للنبي صلى الله عليه و سلم مثل الرنك الذي يعرف به المقدم أصحابه ولا يكن هذا من أمة محمد صلى الله عليه و سلم وثبت في الصحيح [ أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا آثار السجود ] فمن لم يكن من أهل السجود للواحد المعبود الغفور الودود ذو العرش المجيد : أكلته النار وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة ] وقال : [ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ] وقال : [ أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة ]
ولا ينبغي للعبد أن يقول : ما شاء الله وشاء فلان ومالي إلا الله وفلان وأطلب حاجتي من الله ثم من فلان كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد : ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ] وقال له رجل : ما شاء الله وشئت فقال : أجعلتني لله ندا ؟ ! بل ما شاء الله وحده والله أعلم وصلى الله على محمد

(3/478)


107 - 753 - مسألة : ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم في الحلاج الحسين ابن منصور هل كان صديقا ؟ أو زنديقا ؟ وهل كان وليا لله متقيا له ؟ أم كان له حال رحماني ؟ أو من أهل السحر والخزعبلات ؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين ؟ أو قتل مظلوما ؟ أفتونا مأجورين ؟
أجاب : شيخ الاسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية قدس الله روحه :
الحمد لله رب العالمين الحلاج قتل على الزندقة التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره والأمر الذي ثبت عليه بما يوجب القتل باتفاق المسلمين ومن قال إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد وأما جاهل ضال والذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر وبعضه يوجب قتله فضلا عن جميعه ولم يكن من أولياء الله المتقين بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات : بعضها شيطاني وبعضها نفساني وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه فلبس الحق بالباطل
وكان قد ذهب إلى بلاد الهند وتعلم أنواعا من السحر وصنف كتابا في السحر معروفا وهو موجود إلى اليوم وكان له أقوال شيطانية ومخاريق بهتانية
وقد جمع العلماء أخباره في كتب كثيرة أرخوها الذين كانوا في زمنه والذين نقلوا عنهم مثل أبي علي الحطي ذكره في تاريخ بغداد والحافظ أبو بكر الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة في تاريخ بغداد وأبو يوسف القزويني صنف مجلدا في أخباره وأبو الفرج بن الجوزي له فيه مصنف سماه رفع اللجاج في أخبار الحلاج وبسط ذكره في تاريخه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية أن كثيرا من المشايخ ذموه وأنكروا عليه ولم يعدوه من مشايخ الطريق وأكثرهم حط عليه وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد ولم يقتل في حياة الجنيد بل قتل بعد موت الجنيد فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومئتين
والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة وقدموا به إلى بغداد راكبا على جمل ينادى عليه : هذا داعي القرامطة ! وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر والزندقة واعترف به : مثل أنه ذكر في كتاب له : من فاته الحج فإنه يبني في داره بيتا ويطوف به كما يطوف بالبيت ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها وقد أجزأه ذلك عن الحج فقالوا له : أنت قلت هذا ؟ قال نعم فقالوا له : من أين لك هذا ؟ قال ذكره الحسن البصري في كتاب الصلاة فقال له القاضي أبو عمر : تكذب يا زنديق ! أنا قرأت هذا الكتاب وليس هذا فيه فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوه ويفتوا بما يجب عليه فاتفقوا على وجوب قتله
لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة هل تقبل توبته فلا يقتل ؟ أم يقتل لأنه لا يعلم صدقه فإنه ما زال يظهر ذلك ؟ فأفتى طائفة بأنه يستتاب فلا يقتل وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وأن أظهر التوبة فإن كان صادقا في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا وكان الحد تطهيرا له كما لو تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لا بد من إقامة الحد عليهم : فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم ومن كان كاذبا في التوبة كان قتله عقوبة له
فإن كان الحلاج وقت قتله تاب في الباطن فإن الله ينفعه بتلك التوبة وإن كان كاذبا فإنه قتل كافرا
ولما قتل لم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله وأن رجله انقطع ماؤها أو غير ذلك فإنه كاذب وهذه الأمور لا يحكيها إلا جاهل أو منافق وإنما وضعها الزنادقة وأعداء الإسلام حتى يقول قائلهم : إن شرع محمد بن عبد الله يقتل أولياء الله حتى يسمعوا أمثال هذه الهذيانات وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون وقتل من أصحابهم وأصحاب نبينا صلى الله عليه و سلم والتابعين وغيرهم من الصالحين من لا يحصى عددهم إلا الله قتلوا بسيوف الفجار والكفار والظلمة وغيرهم ولم يكتب دم أحدهم اسم الله والدم أيضا نجس فلا يجوز أن يكتب به اسم الله تعالى فهل الحلاج خير من هؤلاء ودمه أطهر من دمائهم ؟ ! ! وقد جزغ وقت القتل وأظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك منه ولو عاش افتتن به كثير من الجهال لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية وأحوال شيطانية
ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية والنفسانية والبهتانية وأما أولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه ولهذا لم يذكره القشيري في مشائخ رسالته وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها وكان الشيخ أبو يعقوب النهرجوري قد زوجه بابنته فلما اطلع على زندقته نزعها منه وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر ويقول : كنت معه فسمع قارئا يقرأ القرآن فقال : أقدر أن أصنف مثل هذا القرآن أو نحو هذا من الكلام
كان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه فيظهر عند أهل السنة أنه سني وعند أهل الشيعة أنه شيعي ويلبس لباس الزهادة تارة ولباس الأجناد تارة
وكان من مخاريقه أنه بعث بعض أصحابه إلى مكان في البرية يخبأ فيه شيئا من الفاكهة والحلوى ثم يجيء بجماعة من أهل الدنيا إلى قريب من ذلك المكان فيقول لهم : ما تشتهون أن آتيكم به من هذه البرية فيشتهي أحدهم فاكهة أو حلاوة فيقول : امكثوا ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتي بما خبأ أو ببعضه فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له ! ! وكان صاحب سيما وشياطين تخدمه أحيانا كانوا معه على جبل أبي قبيس فطلبوا منه حلاوة فذهب إلى مكان قريب منهم وجاء بصحن حلوى فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن حمله شيطان من تلك البقعة
ومثل هذا يحصل كثيرا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني ونحن نعرف كثيرا من هؤلاء في زمننا وغير زماننا : مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق فيجيء من الهوى إلى طاعة البيت الذي فيه الناس فيدخل وهم يرونه ويجيء بالليل إلى باب الصغير فيعبر منه هو ورفقته وهو من أفجر الناس
وآخر كان بالشويك في قرية يقال لها : الشاهدة يطير في الهوى إلى رأس الجبل والناس يرونه وكان شيطان يحمله كان يقطع الطريق وأكثرهم شيوخ الشر يقال لأحدهم البوي أي المخبث ينصبون له حركات في ليلة مظلمة ويصنعون خبزا على سبيل القربات فلا يذكرون الله ولا يكون عندهم من يذكر الله ولا كتاب فيه ذكر الله ثم يصعد ذلك البوي في الهوى وهم يرونه ويسمعون خطابه للشيطان وخطاب الشيطان له ومن ضحك أو شرق بالخبز ضربه الدف ولا يرون من يضرب به
ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه ويأمرهم بأن يقربوا له بقرا وخيلا وغير ذلك وأن يخنقوها خنقا ولا يذكرون اسم الله عليها فإذا فعلوا قضى حاجتهم
وشيخ آخر أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال لهم الحوارات وكان يقول : يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان فيقول لي : فلان ! إن فلانا نذر لك نذرا وغدا يأتيك به وأنا قضيت حاجته لأجلك فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر ويكاشفه هذا الشيخ الكافر قال : وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن أقول حتى أغيب عن عقلي وإذ باللاذن في يدي أو في فمي وأنا لا أدري من وضعه ! ! قال : وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور فلما تاب هذا الشيخ وصار يصلي ويصوم ويجتنب المحارم ذهب الكلب الأسود وذهب التغيير فلا يؤتى بلاذن ولا غيره
وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراءه فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك المصروع ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة وكان أحيانا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة فيطلب الشيخ من شياطينه تينا فيحضرونه له فيطلب أصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب
وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة فجاءته الشياطين أغرته وقالوا له : نحن نسقط عنك الصلاة ونحضر لك ما تريد فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان
فكل من خرج عن الكتاب والسنة وكان له حال من مكاشفة أو تأثير فإنه صاحب حال نفساني أو شيطاني وإن لم يكن له حال بل هو يتشبه بأصحاب الأحوال فهو صاحب محال بهتاني وعامة أصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطاني والحال البهتاني كما قال تعالى : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم }
والحلاج كان من أئمة هؤلاء أهل الحال الشيطاني والحال البهتاني وهؤلاء ظوائف كثيرة
فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام مثل الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين ومثل الكهان الذين هم بأرض الهند والترك وغيرهم
ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء بعد الموت فيكلمهم ويقضي ديونه ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا فإنهم تأتيهم تلك الصورة التي كانت في الحياة وهو شيطان يتمثل في صورته فيظنونه إياه
وكثير ممن يستغيث بالمشائخ فيقول : يا سيدي فلان ! أو يا شيخ فلان ! أقض حاجتي فيرى صورة ذلك الشيخ تخاطبه ويقول : أنا أقضي حاجتك وأطيب قلبك فيقضي حاجته أو يدفع عنه عدوه ويكون ذلك شيطانا تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعى غيره
وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم أحدهم كان خائفا من الأرمن والآخر كان خائفا من التتر فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهوى وقد رفعت عنه عدوه فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا ولا دفعت عنكم شيئا وإنما هذا الشيطان تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشائخ مع أصحابهم يستغيث أحدهم بالشيخ فيرى الشيخ قد جاء وقضى حاجته ويقول ذلك الشيخ : إني لم أعلم بهذا فيعرف أن ذلك كان شيطانا وقد قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لي أنه استغاث بهما كان يعتقدهما وأنهما أتياه في الهوى وقالا له طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ونفعل ونصنع قلت له : فهل كان من ذلك شيء ؟ فقال : لا فكان هذا مما دله على أنهما شيطانان فإن الشياطين وإن كان يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق فإنهم يكذبون أضعاف ذلك كما كانت الجن يخبرون الكهان
ولهذا من اعتمد على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكبر من صدقه كشيخ يقال له : الشياح توبناه وجددنا إسلامه كان له قرين من الجن يقال له : عنتر يخبره بأشياء فيصدق تارة ويكذب تارة فلما ذكرت له أنك تعبد شيطانا من دون الله اعترف بأنه يقول له : يا عنتر ! لا سبحانك إنك إله قذر وتاب من ذلك في قصة مشهورة
وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة وقد انقاد له طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشف الله لهم وذلك أن القرين كان تارة يقول له : أنا رسول الله ويذكر أشياء تنافي حال الرسول فشهد عليه أنه قال : إن الرسول يأتيني ويقول لي كذا وكذا من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان وإن الذي يراه شيطانا ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي صلى الله عليه و سلم بل يأتيه في صورة منكرة ويذكر عنه أنه يخضع له ويبيح له أن يتناول المسكر وأمورا أخرى وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك رسول الله ومثل هذا كثير
ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان فكلما بعدوا عن الله ورسوله صلى الله عليه و سلم وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان فيطيرون في الهواء والشيطان طار بهم ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه صرعتهم ومنهم من يحظر طعاما وإداما وملأ الإبريق ماء من الهوى والشياطين فعلت ذلك فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم
ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن لم يعرف طريق المحق من المبطل والتبس عليه الأمر والحال كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وإنما هم كذابون وقد قال صلى الله عليه و سلم : [ لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله ]
وأعظم الدجاجلة فتنة الدجال الكبير الذي يقتله عيسى بن مريم : فإنه ما خلق الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من
فتنته وأمر المسلمين أن يستعيذوا من فتنته في صلاتهم وقد ثبت أنه يقول للسماء : أمطري : فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت وأنه يقتل رجلا مؤمنا ثم يقول له قم فيقوم فيقول أنا ربك فيقول له كذبت بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيقتله مرتين فيريد أن يقتله في الثالثة فلا يسلطه الله عليه وهو يدعي الإلهية وقد [ بين له النبي صلى الله عليه و سلم ثلاث علامات تنافي ما يدعيه : أحدها : أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور والثاني : أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ والثالثة قوله : واعلموا أن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت ]
فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعي النبوة ومنهم من يكذب بغير ادعاء النبوة كما قال صلى الله عليه و سلم : [ يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم ]
فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب ولكن إذا قيل : هل تاب قبل الموت أم لا ؟ قال : الله أعلم فلا يقول ما ليس له به علم ولكن ظهر عنه من الأقوال والأعمال ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين والله أعلم به

(3/480)


108 - 754 - مسألة : عن المعز معد بن تميم الذي بنى القاهرة والقصرين : هل كان شريفا فاطميا ؟ وهل كان هو وأولاده معصومين ؟ وأنهم أصحاب العلم الباطن وإن كانوا ليسوا أشرافا : فما الحجة على القول بذلك ؟ وإن كانوا على خلاف الشريعة : فهل هم بغاة أم لا ؟ وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين يحتج بقولهم ؟ ولتبسطوا القول في ذلك
الجواب : الحمد لله أما القول بأنه هو أو أحد من أولاده أو نحوهم كانوا معصومين من الذنوب والخطأ كما يدعيه الرافضة في الاثني عشرة فهذا القول شر من قول الرافضة بكثير فإن الرافضة ادعن ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة : كعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال وأنه من أقوال أهل الإفك والبهتان فإن العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء عليهم السلام
بل كان من سوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويترك ولا تجب طاعة من سوى الأنبياء والرسل في كل ما يقول ولا يجب على الخلق اتباعه والإيمان به في كل ما يأمر به ويخبر به ولا تكون مخالفته في ذلك كفرا بخلاف الأنبياء بل إذا خالفه غيره من نظرائه وجب على المجتهد النظر في قوليهما وأيهما كان أشبه بالكتاب والسنة تابعه كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فأمر عند التنازع بالرد إلى الله وإلى الرسول إذ المعصوم لا يقول إلا حقا ومن علم أنه قال الحق في موارد النزاع وجب اتباعه كما لو ذكر آية من كتاب الله تعالى أو حديثا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقصد به قطع النزاع
أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول التي لا تصلح إلا له كما قال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وقال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وقال تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } وقال تعالى : { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } وقال : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } وقال تعالى : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } وقال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقال تعالى : { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم } وأمثال هذه في القرآن كثير بين فيه سعادة من آمن بالرسل واتبعهم وأطاعهم وشقاوة من لم فلو كان غير الرسول معصوما فيما يأمر به وينهي عنه لكان حكمه في ذلك حكم الرسول والنبي المبعوث إلى الخلق رسول إليهم بخلاف من لم يبعث إليهم فمن كان آمرا ناهيا للخلق : من إمام وعالم وشيخ وأولي أمر غيرهؤلاء من أهل البيت أو غيرهم وكان معصوما : كان بمنزلة الرسول في ذلك وكان من أطاعه وجبت له الجنة ومن عصاه وجبت له النار كما يقوله القائلون بعصمة علي أوغيره من الأئمة بل من أطاعه يكون مؤمنا ومن عصاه يكون كافرا وكان هؤلاء كأنبياء بني إسرائيل فلا يصح حينئذ قول النبي صلى الله عليه و سلم : لا نبي بعدي وفي السنن عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ العلماء ورثة الأنبياء أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر ] فغاية العلماء من الأئمة وغيرهم من هذه الأمة أن يكونوا ورثة أنبياء
وأيضا فقد ثبت بالنصوص الصحيحة والاجماع أن النبي صلى الله عليه و سلم قال للصديق في تأول رؤيا عبرها : أصبت بعضا وأخطأت بعضا وقال الصديق : أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وغضب مرة على رجل فقال له أبو بردة : دعني أضرب عنقه فقال له : أكنت فاعلا ؟ ! قال : نعم فقال : ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولهذا اتفق الأئمة على أن من سب نبيا قتل ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سب سبه بل يفصل في ذلك فإن من قذف أم النبي صلى الله عليه و سلم قتل مسلما كان أو كافرا : لأنه قدح في نسبه ولو قذف غير أم النبي صلى الله عليه و سلم ممن لم يعلم براءتها لم يقتل
وكذلك عمر بن الخطاب كان يقر على نفسه في مواضع بمثل هذه فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبين له الحق في خلاف ما قال ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم ويقول في مواضع : والله ما يدري عمر أصاب الحق أو أخطأه ويقول : امرأة أصابت ورجل أخطأ ومع هذا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ] وفي الترمذي : [ لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ] وقال : [ إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ] فإذا كان المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه بأنه ليس بمعصوم فكيف بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته ؟ !
فإن أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة وأعظم طاعة لله ورسوله من سائرهم وأولى بمعرفة الحق واتباعه منهم وقد ثبت بالنقل المتواتر الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ] روي ذلك عنه من نحو ثمانين وجها وقال علي رضي الله عنه : لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري والأقوال المأثورة عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة [ كثيرة ]
بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبي صلى الله عليه و سلم وقد وجد لعلي وغيره من الصحابة من ذلك أكثر مما وجد لعمر وكان الشافعي رضي الله عنه يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه بقول علي فصنف كتاب
اختلاف علي وعبد الله بن مسعود وبين فيه مسائل كثيرة تركت من قولهما لمجيء السنة بخلافها وصنف بعده محمد بن نصر الثوري كتابا أكبر من ذلك كما ترك من قول علي رضي الله عنه أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا فإنها تعتد أبعد الأجلين ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك وهو أنها إذا وضعت حملها حلت لما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم : أن سبيعة الأسلمية كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال : ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا فسألت النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك ؟ فقال : كذب أبو السنابل حللت فانكحي فكذب النبي من قال هذه الفتيا وكذلك المفوضة التي تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهر قال فيها علي وابن عباس إنها لا مهر لها وأفتى فيها ابن مسعود وغيره إن لها مهر المثل فقام رجل من أشجع فقال : تشهد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه ومثل هذا كثير
وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضا في العلم والفتيا كما يخاف سائر أهل العلم بعضهم بعضا ولو كانوا معصومين لكانت مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيرا مما يفعله ويرجع علي رضي الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه وكان يقول :
( لئن عجزت عجزة لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر )
( وأجبر الرأي النسيب المنتثر )
وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب وله فتاوى رجع بعضها عن بعض كقوله في أمهات الأولاد فإن له فيها قولين :
أحدهما : المنع من بيعهن
والثاني : إباحة ذلك والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان إلا أن يكون أحدهما ناسخا للآخر كما في قول النبي صلى الله عليه و سلم السنة استقرت فلا يرد عليها بعده نسخ إذ لا نبي بعده
وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ولا يطلب هذا الأمر وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين أن لايذهب إليهم لا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال معهم
وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين ولكنه رضي الله عنه قال ما رآه مصلحة والرأي يصيب ويخطئ والمعصوم ليس لأحد أن يخالف معصوما آخر إلا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم أن شريعتها واحدة وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع
والمقصود أن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهور لهم بالإيمان والتقوى والجنة هو في غاية الضلال والجهالة ولم يقل هذا القول من له في الأمة لسان صدق بل ولا من له عقل محمودا
فكيف تكون العصمة في ذرية عبد الله بن ميمون القداح مع شهرة النفاق والكذب والضلال ؟ ! وهب أن الأمر ليس كذلك : فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك وأكثرهم ظلما وانتهاكا للمحرمات وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات وأعظم إظهارا للبدع المخالفة للكتاب والسنة وإعانة لأهل النفاق والبدعة
وقد اتفق أهل العلم على أن دولة بني أمية وبني العباس أقرب إلى الله ورسوله من دولتهم وأعظم علما وإيمانا من دولتهم وأقل بدعا وفجورا من بدعتهم وأن خليفة الدولتين أطوع لله ررسوله من خلفاء دولتهم ولم يكن في خلفاء الدولتين من يجوز أن يقال فيه أنه معصوم فكيف يدعي العصمة من ظهرت عنه الفواحش والمنكرات والظلم والبغي والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق ؟ ! فهم من أفسق الناس ومن أكفر الناس وما يدعي العصمة في النفاق والفسوق إلا جاهل مبسوط الجهل أو زنديق يقول بلاعلم
ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم بالإيمان والتقوى أو بصحة النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم وقد قال الله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } وقال تعالى : { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقال عن أخوة يوسف : { وما شهدنا إلا بما علمنا } وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم ولا ثبوت إيمانهم وتقواهم فإن غاية ما يزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام والتزام شرائعه وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا في الباطن إن قد عرف في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق قال الله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } وقال تعالى : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وقال تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فإذا قدر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في أيمانهم نزاع مشهور فالشاهد لهم بالإيمان شاهد لهم بما لا يعلمه إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم
وكذلك النسب قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف : من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم
وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه فإنهم ذكروا بطلان نسبهم وكذلك ابن الجوزي وأبو شامة وغيرهم من أهل العلم بذلك حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كما صنف القاضي أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وذكر أنهم من ذرية المجوس وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية علي أو نبوته فهم أكفر من هؤلاء وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المعتمد فصلا طويلا في شرح زندقتهم وكفرهم وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية قال : ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض
وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على علي غيره بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله : يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة فهذه مقالة المعتزلة في حقهم فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة ؟ ! ! والرافضة الأمامية - مع أنهم من أجهل الخلق وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة نعم - يعلمون أن مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شر من مقالة الغالبة الذين يعتقدون إلهية علي رضي الله عنه وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف
وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف وكان في بعضهم من البدعة والعلم ما فيه فلم يقدح الناس في نسب أحد من أولئك كما قدحوا في نسب هؤلاء ولا نسبوهم إلى الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء وقد قام من ولد علي طوائف من ولد الحسن وولد الحسين كمحمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن وأمثالهما ولم يطعن أحد لا من أعدائهم ولا من غير أعدائهم لافي نسبهم ولافي إسلامهم وكذلك الداعي القائم بطبرستان وغيره من العلويين وكذلك بنو حمود الذين تغلبوا بالأندلس مدة وأمثال هؤلاء لم يقدح أحد في نسبهم ولا في إسلامهم وقد قتل جماعة من الطالبين من على الخلافة لا سيما في الدولة العباسية وحبس طائفة كموسى بن جعفر وغيره ولم يقدح أعداؤهم في نسبهم ولا دينهم
وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم يمكنه ذلك فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلماء
وهؤلاء بنو عبيد القداح ما زالت علماء الأمة المأمونون علما ودينا يقدحون في نسبهم ودينهم لا يذمونهم بالرفض والتشيع فإن لهم في هذا شركاء كثيرين بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية ومن جنسهم الخرمية المحمرة وأمثالهم من الكفار المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ولا ريب أن اتباع هؤلاء باطل وقد وصف العلماء أئمة هذا القول بأنهم الذين ابتدعوه ووضعوه وذكروا ما بنوا عليه مذاهبهم وأنهم أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة فوضعوا لهم السابق والتاليوالأساسوالحجج والدعاوي وأمثال ذلك من المراتب وترتيب الدعوة سبع درجات آخرها البلاغ الأكبر والناموس الأعظم مما ليس هذا موضع تفصيل ذلك
وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان فأقل ما في شهادته أنه شاهد بلا علم قاف ما ليس له به علم وذلك حرام باتفاق الأمة بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم : دليل على بطلان نسبهم الفاطمي فإن من يكون من أقارب النبي صلى الله عليه و سلم القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب ولا بني أمية : من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام فضلا عن أن يكون معاديا كمعاداة هؤلاء بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنا وظاهرا معادين لهؤلاء إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله وهذا مما يدل على كفرهم وكذبهم في نسبهم

(3/487)


فصل
وأما سؤال القائل إنهم أصحاب العلم الباطن فدعواهم التي ادعوها من العلم الباطن هو أعظم حجة ودليل على أنهم زنادقة منافقون لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا باليوم الآخر فإن هذا العلم الباطن الذي ادعوه هو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضا فإن مضمونه أن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين في الأوامر والنواهي والأخبار
أما الأوامر فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا صلى الله عليه و سلم أمرهم بالصلوات المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق
وأما النواهي فإن الله تعالى حرم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون كما حرم الخمر ونكاح ذوات المحارم والربا والميسر وغير ذلك فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه يعرفه المسلمون ولكن هذا باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الاسماعيلية الذين انتسبوا إلى محمد بن اسماعيل بن جعفر الذين يقولون أنهم معصومون وأنهم أصحاب العلم الباطن كقولهم : الصلاة معرفة أسرارنا لا هذه الصلوات ذات الركوع والسجود والقراءة والصيام كتمان أسرارنا ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح والحج زيارة شيوخنا المقدسين
وأمثال ذلك وهؤلاء المدعون للباطن لا يوجبون هذه العبادات ولا يحرمون هذه المحرمات بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ونكاح الأمهات والبنات وغير ذلك من المنكرات ومعلوم أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى فمن يكون هكذا كيف يكون معصوما ؟ ! !
وأما الأخبار فإنهم لا يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين ولا بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة بل ولا بما ذكرته من أسماء الله وصفاته بل أخبارهم التي يتبعونها اتباع المتفلسفة المشائين التابعين لأرسطو ويريدون أن يجمعوا بين ما أخبر به الرسل وما يقوله هؤلاء كما فعل أصحاب رسائل اخوان الصفا وهم على طريقة هؤلاء العبيد بين ذرية عبيد الله بن ميمون القداح فهل ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين أو اليهود أو النصارى : أن ما يقوله أصحاب رسائل إخوان الصفا مخالف للملل الثلاث وإن كان في ذلك من العلوم الرياضية والطبيعية وبعض المنطقية والالهية وعلوم الأخلاق والسياسة والمنزل : ما لا ينكر فإن في ذلك من مخالفة الرسل فيما أخبرت به وأمرت به والتكذيب بكثير مما جاءت به وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف بملة من الملل فهؤلاء خارجون عن الملل الثلاث
ومن أكاذيبهم وزعمهم : أن هذه الرسائل من كلام جعفر بن محمد الصادق والعلماء يعلمون أنها إنما وضعت بعد المائة الثالثة زمان بناء القاهرة وقد ذكر واضعها فيها ما حدث في الإسلام من استيلاء النصارى على سواحل الشام ونحو ذلك من الحوادث التي حدثت بعد المائة الثالثة وجعفر بن محمد - رضي الله عنه - توفي سنة ثمان وأربعين ومائة قبل بناء القاهرة بأكثر من مائتي سنة إذ القاهرة بنيت حول الستين وثلاثمائة كما في تاريخ الجامع الأزهر ويقال : إن ابتداء بنائها سنة ثمان وخمسين وأنه في سنة اثنين وستين قدم معد بن تميم من المغرب واستوطنها
ومما يبين هذا أن المتفلسفة الذين يعلم خروجهم من دين الإسلام كانوا من اتباع مبشر بن فاتك أحد أمرائهم وأبي علي بن الهيثم اللذين كانا في دولة الحاكم نازلين قريبا من الجامع الأزهر وابن سينا وابنه وأخوه كانوا من أتباعهما : قال ابن سينا : وقرأت من الفلسفة وكنت أسمع أبي وأخي يذكران العقل والنفس وكان وجوده على عهد الحاكم وقد علم الناس من سيرة الحاكم ما علموه وما فعله هشكين الدرزي بأمره من دعوة الناس إلى عبادته ومقاتلته أهل مصر على ذلك ثم ذهابه إلى الشام حتى أضل وادي التيم بن ثعلبة والزندقة والنفاق فيهم إلى اليوم وعندهم كتب الحاكم وقد أخذتها منهم وقرأت ما فيها من عبادتهم الحاكم وإسقاطه عنهم الصلاة والزكاة والصيام والحج وتسمية المسلمين الموجبين لهذه الواجبات المحرمين لما حرم الله ورسوله بالحشوية إلى أمثال ذلك من أنواع النفاق التي لا تكاد تحصى
وبالجملة فعلم الباطن الذي يدعون مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر بل هو جامع لكل كفر لكنهم فيه على درجات فليسوا مستوين في الكفر إذ هو عندهم سبع طبقات كل طبقة يخاطبون بها طائفة من الناس بحسب بعدهم من الدين وقربهم منه
ولهم ألقاب وترتيبات ركبوها من مذهب المجوس والفلاسفة والرافضة مثل قولهم : السابق والتالي جعلوهما بازآء العقل و النفس كالذي يذكره الفلاسفة وبإزاء النور والظلمة كالذي يذكره المجوس وهم ينتمون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر ويدعون أنه هو السابع ويتكلمون في الباطن والأساس والحجة والباب وغير ذلك مما يطول وصفهم
ومن وصاياهم في الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم أنهم يدخلون على المسلمين من باب التشيع وذلك لعلمهم بأن الشيعة من أجهل الطوائف وأضعفها عقلا وعلما وأبعدها عن دين الاسلام علما وعملا ولهذا دخلت الزنادقة على الإسلام من باب المتشيعة قديما وحديثا كما دخل الكفار المحاربون مدائن الإسلام بغداد بمعاونة الشيعة كما جرى لهم في دولة الترك الكفار ببغداد وحلب وغيرهما بل كما جرى بتغير المسلمين مع النصارى وغيرهم فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة فإن رأوه قابلا نقلوه إلى الطعن في علي وغيره ثم نقلوه إلى القدح في نبينا وسائر الأنبياء وقالوا : إن الأنبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم وكانوا قوما أذكياء فضلاء قالوا بأغراضهم الدنيوية بما وضعوه من النواميس الشرعية ثم قدحوا في المسيح ونسبوه إلى يوسف النجار وجعلوه ضعيف الرأي حيث تمكن عدوه منه حتى صلبه فيوافقون
اليهود في القدح في المسيح لكن هم شر من اليهود فإنهم يقدحون في الأنبياء وأما موسى ومحمد فيعظمون أمرهما لتمكنهما وقهر عدوهما ويدعون أنهما أظهرا ما أظهرا من الكتاب لذب العامة وان لذلك أسرارا باطنة من عرفها صار من الكمل البالغين
ويقولون إن الله أحل كل ما نشتهيه من الفواحش والمنكرات وأخذ أموال الناس بكل طريق ولم يجب علينا شيء مما يجب على العامة : من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك إذ البالغ عندهم قد عرف أنه لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب
وفيإثبات واجب الوجود المبدع للعالم على قولين لأئمتهم تنكره وتزعم أن المشائين من الفلاسفة في نزاع إلا في واجب الوجود ويستهينون بذكر الله واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم رسوله في أسفله وأمثال ذلك من كفرهم كثير وذوو الدعوة التي كانت مشهورة والاسماعيلية الذين كانوا على هذا المذهب بقلاع الألموت وغيرها في بلاد خراسان وبأرض اليمن وجبال الشام وغير ذلك : كانوا على مذهب العبيديين المسؤول عنهم وابن الصباح الذي كان رأس الاسماعيلية وكان الغزالي يناظر أصحابه لما كان قدم إلى مصر في دولة المستنصر وكان أطولهم مدة وتلقى عنه أسرارهم
وفي دولة المستنصر كانت فتنة البساسري في المائة الخامسة سنة خمسين وأربعمائة لما جاهد البساسري خارجا عن طاعة الخليفة القائم بأمر الله العباسي واتفق مع المستنصر العبيدي وذهب يحشر إلى العراق وأظهروا في بلاد الشام والعراق شعار الرافضة كما كانوا قد أظهروها بأرض مصر وقتلوا طوائف من علماء المسلمين وشيوخهم كما كان سلفهم قتلوا قبل ذلك بالمغرب طوائف وأذنوا على المنابر : حي على خير العمل حتى جاء الترك السلاجقة الذين كانوا ملوك المسلمين فهزموهم وطردوهم إلى مصر وكان من أواخرهم الشهيد نور الدين محمود الذي فتح أكثر الشام واستنقذه من أيدي النصارى ثم بعث عسكره إلى مصر لما استنجدوه على الافرنج وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين الذي فتح مصر فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية وأظهر فيها شرائع الاسلام حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام
وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقتل كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال صاحب عبد الغني بن سعيد وامتنع من رواية الحديث خوفا أن يقتلوه وكان ينادون بين القصرين : من لعن وسب فله دينار واردب وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة بل يتكلم فيها بالكفر الصريح وكان لهم مدرسة بقرب المشهد الذي بنوه ونسبوه إلى الحسين وليس فيه الحسين ولا شيء منه : باتفاق العلماء وكانوا لا يدرسون في مدرستهم علوم المسلمين بل المنطق والطبيعة والإلهي ونحو ذلك من مقالات الفلاسفة وبنو أرصادا على الجبال وغير الجبال يرصدون فيها الكواكب يبعدونها ويسبحونها ويستنزلون روحانياتها التي هي شياطين تتنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام ونحو ذلك
والمعز بن تميم بن معد أول من دخل القاهرة منهم في ذلك فصنف كلاما معروفا عند اتباعه وليس هذا المعز بن باديس فإن ذاك كان مسلما من أهل السنة وكان رجلا من ملوك المغرب وهذا بعد ذاك بمدة ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان حتى قالت فيها العلماء : إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب
والقرامطة الخارجين بأرض العراق الذين كانوا سلفا لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب ثم جاؤوا من المغرب إلى مصر فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة وهم أعظم كفرا وردة من كفر اتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين فإن أولئك لم يقولوا في الإلهية والربوبية والشرائع ما قاله أئمة هؤلاء ولهذا يميز بين قبورهم وقبور المسلمين كما يميز بين قبور المسلمين والكفار فإن قبورهم موجهة إلى غير القبلة
وإذا أصاب الخيل مغل أتوا بها إلى قبورهم كما يأتون بها إلى قبور الكفار وهذه عادة معروفة للخيل إذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور النصارى بدمشق وإن كانوا بمساكن الاسماعيلية والنصيرية ونحوهما ذهبوا بها إلى قبورهم وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى أو لهؤلاء العبيديين الذين قد يتسمون بالأشراف وليسوا من الأشراف ولا يذهبون بالخيل إلى قبور الأنبياء والصالحين
ولا إلى قبور عموم المسلمين وهذا أمر مجرد معلوم عند الجند وعلمائهم وقد ذكر سبب ذلك : أن الكفار يعاقبون في قبورهم فتسمع أصواتهم البهائم كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بذلك أن الكفار يعذبون في قبورهم ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم : أنه كان راكبا على بغلته فمر بقبور فحادت به كادت تلقيه فقال : هذه أصوات يهود تعذب في قبورها فإن البهائم إذا سمعت ذلك الصوت المنكر أوجب لها من الحرارة ما يذهب المغل وكان الجهال يظنون أن تمشية الخيل عند قبور هؤلاء لدينهم وفضلهم فلما تبين لهم أنهم يمشونها عند قبور اليهود والنصارى والنصيرية ونحوهم دون قبور الأنبياء والصالحين وذكر العلماء أنهم لا يمشونها عند قبر من يعرف بالدين بمصر والشام وغيرها إنما يمشونها عند قبور الفجار والكفار تبين بذلك ما كان مشتبها
ومن علم حوادث الإسلام وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين : علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للاسلام الذي بعث الله به رسوله أعظم من عداوة التتار وأن علم الباطن الذي كانوا يدعون حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمدا بل إبطال جميع المرسلين وأنهم لا يقروه بما جاء به الرسول عن الله ولا من خبره ولا من أمره وأن لهم قصدا مؤكدا في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته واتباع عترته وأنهم في معاداة الاسلام بل وسائر الملل : أعظم من اليهود والنصارى فإن اليهود والنصارى يقرون بأصل الجمل التي جاءت بها الرسل : كإثبات الصانع والرسل والشرائع واليوم الآخر ولكن يكذبون بعض الكتب والرسل كما قال الله سبحانه : { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا }
وأما هؤلاء القرامطة فإنهم في الباطن كافرون بجميع الكتب والرسل يخفون ذلك ويكتمونه عن غير من يثقون به لا يظهرونه كما يظهر أهل الكتاب دينهم لأنهم لو أظهروه لنفر عنهم جماهير أهل الأرض من المسلمين وغيرهم وهم يفرقون بين مقالتهم ومقالة الجمهور بل الرافضة الذين ليسوا زنادقة كفارا يفرقون بين مقالتها ومقالة الجمهور ويرون كتمان مذهبهم واستعمال التقية وقد لا يكون من الرافضة من له نسب صحيح مسلما في الباطن ولا يكون زنديقا لكن يكون جاهلا مبتدعا وإذا كان هؤلاء مع صحة نسبهم وإسلامهم يكتمون ما هم عليه من البدعة والهوى لكن جمهور الناس يخالفونهم : فكيف بالقرامطة الباطنية الذين يكفرهم أهل الملل كلها من المسلمين واليهود والنصارى
وإنما يقرب منهم الفلاسفة المشاؤون أصحاب أرسطو فإن بينهم وبين القرامطة مقاربة كبيرة
ولهذا يوجد فضلاء القرامضة في الباطن متفلسفة : كسنان الذي كان بالشام والطوسي الذي كان وزيرا لهم بالألموت ثم صار منجما لهؤلاء وملك الكفار وصنف شرح الاشارات لابن سينا وهو الذي أشار على ملك الكفار بقتل الخليفة وصار عند الكفار الترك هو المقدم على الذين يسمونهم الداسميدية فهؤلاء وأمثالهم يعلمون أن ما يظهره القرامطة من الدين والكرامات ونحو ذلك أنه باطل لكن يكون أحدهم متفلسفا ويدخل معهم لموافقتهم له على ما هو فيه من الإقرار بالرسل والشرائع في الظاهر وتأويل ذلك بأمور يعلم بالاضطرار أنها مخالفة لما جاءت به الرسل
فإن المتفلسفة متأولون ما أخبرت به الرسل من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر بالنفي والتعطيل الذي يوافق مذهبهم وأما الشرائع العملية فلا ينفونها كما ينفيها القرامطة بل يوجبونها على العامة ويوجبون بعضها على الخاصة أو لا يوجبون ذلك ويقولون إن الرسل فيما أخبروا به وأمروا به لم يأتوا بحقائق الأمور ولكن أتوا بأمر فيه صلاح العامة وإن كان هو كذبا في الحقيقة
ولهذا اختار كل مبطل أن يأتي بمخاريق لقصد صلاح العامة كما فعل ابن التومرت الملقب بالمهدي ومذهبه في الصفات مذهب الفلاسفة لأنه كان مثلها في الجملة ولم يكن منافقا مكذبا للرسل معطلا للشرائع ولا يجعل للشريعة العملية باطنا يخالف ظاهرها بل كان فيه نوع من رأي الجهمية الموافق لرأي الفلاسفة ونوع من رأي الخوارج الذين يرون السيف ويكفرون بالذنب
فهؤلاء القرامطة هم في الباطن والحقيقة أكفر من اليهود والنصارى وأما في الظاهر فيدعون الإسلام بل وإيصال النسب إلى العترة النبوية وعلم الباطن الذي لا يوجد عند الأنبياء والأولياء وان أمامهم معصوم فهم فى الظاهر من أعظم الناس دعوى بحقائق الإيمان وفي الباطن من أكفر الناس بالرحمن بمنزلة من ادعى النبوة من الكذابين قال تعالى : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } وهؤلاء قد يدعون هذا وهذا
فإن الذي يضاهي الرسول الصادق لا يخلو : إما أن يدعي مثل دعوته فيقول : إن الله أرسلني وأنزل علي وكذب على الله أو يدعي أنه يوحى إليه ولا يسمي موحيه كما يقول : قيل لي ونوديت وخوطبت ونحو ذلك ويكون كاذبا فيكون هذا قد حذف الفاعل أو لا يدعي واحدا من الأمرين لكنه يدعي أنه يمكنه أنه يأتي بما أتى به الرسول ووجه القسمة أن ما يدعيه في مضاهاة الرسول : إما أن يضيفه إلى الله أو إلى نفسه أو لا يضيفه إلى أحد
فهؤلاء في دعواهم مثل الرسول هم أكفر من اليهود والنصارى فكيف بالقرامطة الذين يكذبون على الله أعظم مما فعل مسيلمة وألحدوا في أسماء الله وآياته أعظم مما فعل مسيلمة وحاربوا الله ورسوله أعظم مما فعل مسيلمة وبسط حالهم يطول لكن هذه الأوراق لا تسع أكثر من هذا
وهذا الذي ذكرته حال أئمتهم وقادتهم العالمين بحقيقة قولهم ولا ريب أنه قد انضم إليهم من الشيعة والرافضة من لا يكون في الباطن عالما بحقيقة باطنهم ولا موافقا لهم على ذلك فيكون من أتباع الزنادقة المرتدين الموالي لهم الناصر لهم بمنزلة اتباع الاتحادية الذين يوالونهم ويعظمونهم وينصرونهم ولا يعرفون حقيقة قولهم في وحدة الوجود وأن الخالق هو المخلوق فمن كان مسلما في الباطن وهو جاهل معظم لقول ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم من أهل الاتحاد فهو منهم وكذا من كان معظما للقائلين بمذهب الحلول والاتحاد فإن نسبة هؤلاء إلى الجهمية كنسبة أولئك إلى الرافضة والجهمية ولكن القرامطة أكفر من الاتحادية بكثير ولهذا كان أحسن حال عوامهم أن يكونوا رافضة جهمية وأما الاتحادية ففي عوامهم من ليس برافضي ولا جهمي صريح ولكن لا يفهم كلامهم ويعتقد أن كلامهم كلام الأولياء المحققين وبسط هذا الجواب له مواضع غير هذا والله أعلم

(3/495)


109 - 755 - مسألة : ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين وأعانهم على إظهار الحق المبين واخماد شغب المبطلين في النصيرية القائلين باستحلال الخمر وتناسخ الأرواح وقدم العالم وانكار البعث والنشور والجنة والنار في غير الحياة الدنيا وبأن الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي : علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة فذكر هذه الأسماء الخمسة على رأيهم يجزيهم عن الغسل من الجنابة والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمسة وواجباتها وبأن الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعدونهم في كتبهم ويضيق هذا الموضع عن إبرازهم وبأن إلههم الذي خلق السموات والأرض هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو عندهم الاله في السماء والامام في الأرض فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أن يؤنس خلقه وعبيده ليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه
وبأن النصيري عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم ويزوجونه من نسائهم حتى يخاطبه معلمه وحقيقة الخطاب عندهم أن يحلفوه على كتمان دينه ومعرفة مشائخه وأكابر أهل مذهبه وعلى أن لا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ربه وإمامه بظهوره في أنواره وأدواره فيعرفه انتقال الاسم والمعنى في كل حين وزمان فالاسم عندهم في أول الناس آدم والمعنى هو شيث والاسم يعقوب والمعنى هو يوسف ويستدلون على هذه الصورة كما يزعمون بما في القرآن العظيم حكاية عن يعقوب ويوسف - عليهما الصلاة والسلام - فيقولون : أما يعقوب فإنه كان الاسم فما قدر أن يتعدى منزلته فقال : { سوف أستغفر لكم ربي } وأما يوسف فكان المعنى المطلوب فقال : { لا تثريب عليكم اليوم } فلم يعلق الأمر بغيره لأنه علم أنه الاله المتصرف ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو المعنى ويقولون : يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره وهل ترد الشمس إلا لربها ؟ ! ويجعلون سليمان هو الاسم وآصف هو المعنى القادر المقتدر ويقولون : سليمان عجز عن إحضار عرش بلقيس وقدر عليه آصف لأن سليمان كان الصورة وآصف كان المعنى القادر المقتدر وقد قال قائلهم :
( هابيل شيث يوسف يوشع آصف شمعون الصفا حيدر )
ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقولون : محمد هو الاسم وعلي هو المعنى ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا فمن حقيقة الخطاب في الدين عندهم أن عليا هو الرب وأن محمدا هو الحجاب وأن سلمان هو الباب وأنشد بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه في شهور السنة سبع مائة فقال :
( أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين )
( ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين )
( ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين )
ويقولون إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال وكذلك الخمسة الأيتام والإثنا عشر نقيبا وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة من كتبهم الخبيثة وأنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور أبدا سرمدا على الدوام والاستمرار ويقولون : إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ويليه في رتبة الأبليسية أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان - رضي الله عنهم أجمعين وشرفهم وأعلى رتبهم عن أقوال الملحدين وانتحال أنواع الضالين والمفسدين - فلا يزالون موجودين في كل وقت دائما حسبما ذكر من الترتيب ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة
وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام [ وهم ] معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم ومن عامة الناس أيضا فى هذا الزمان لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت إستيلاء الافرنج المخذولين على البلاد الساحلية فلما جاءت أيام الاسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم والابتلاء بهم كثير جدا
فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوج منهم ؟ وهل يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا ؟ وما حكم الجبن المعمول من انفحة ذبيحتهم وما حكم أوانيهم وملابسهم ؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم ؟ أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من رجال المسلمين الكفاة وهل يأثم إذا أخر طردهم ؟ أم يجوز له التمهل مع أن في عزمه ذلك ؟ وإذا استخدمهم وأقطعهم أو لم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المال عليهم وإذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى فأخره ولي الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين أو أرصده لذلك
هل يجوز له فعل هذه الصور ؟ أم يجب عليه ؟ وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة وأموالهم حلال أم لا ؟ وإذا جاهدهم ولي الأمر أيده الله تعالى بإخماد باطلهم وقطعهم من حصون المسلمين وحذر أهل الإسلام من مناكحتهم وأكل ذبائحهم وألزمهم بالصوم والصلاة ومنعهم من إظهار دينهم الباطل وهم الذين يلونه من الكفار هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدي والترصد لقتال التتار في بلادهم وهدم بلاد سيبس وديار الافرنج على أهلها ؟ أم هذا أفضل من كونه يجاهد النصيرية المذكورين مرابطا ويكون أجر من رابط في الثغور على ساحل البحر خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكبر أجرا ؟ وهل يجب على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن يشهر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم وإظهار الإسلام بينهم فلعل الله تعالى أن يهدي بعضهم إلى الإسلام وأن يجعل من ذريتهم وأولادهم مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم أم يجوز التغافل عنهم والاهمال ؟ وما قدر المجتهد على ذلك والمجاهد فيه والمرابط له والملازم عليه ؟ ولتبسطوا القول في ذلك مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى انه على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل
فأجاب شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية : الحمد لله رب العالمين هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى ؟ بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه و سلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد صلى الله عليه و سلم ولا بملة من الملل السالفة بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها يدعون أنها علم الباطن من جنس ما ذكر من السائل وما غير هذا الجنس فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الالحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه إذ مقصودهم إنكار الايمان وشرائع الاسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل ومن جنس قولهم : إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم والصيام المفروض كتاب أسرارهم وحج البيت العتيق زيارة شيوخهم وأن { يدا أبي لهب } هما أبو بكر وعمر وان { النبإ العظيم } والإمام المبين هو علي بن أبي طالب : ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والالحاد الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام وما ذكره السائل في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء في وصفهم
ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم وهم دائما مع كل عدو للمسلمين فهم مع النصارى على المسلمين ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فتحها معاوية بن أبي سفيان إلى أثناء المائة الرابعة
فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها فاستولى النصارى على الساحل ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى كنور الدين الشهيد وصلاح الدين وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم وفتحوا أيضا أرض مصر فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي سنة واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية
ثم أن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين لا بمعاونتهم ومؤازرتهم فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو النصير الطوسي كان وزيرا لهم بالألموت وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء
ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يسمون الملاحدة وتارة يسمون القرامطة وتارة يسمون الباطنية وتارة يسمون الاسماعيلية وتارة يسمون النصيرية وتارة يسمون الخرمية وتارة يسمون المحرمة وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه إما لنسب وأما لمذهب وإما لبلد وإما لغير ذلك
وشرح مقاصدهم يطول وهم كما قال العلماء فيهم : ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين لا بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولا بشيء من كتب الله المنزلة لا التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ولا يقرون بأن للعالم خالقا خلقه ولا بأن له دينا أمر به ولا أن له دارا يجزي الناس فيها على أعمالهم على هذه الدار
وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الالهيين وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور ويضمون إلى ذلك الرفض
ويحتجون لذلك من كلام النبوات : إما بقول مكذوب ينقلونه كما ينقلون عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : أول ما خلق الله العقل والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ؟ ولفظه إن الله لما خلق العقل فقال له : أقبل فأقبل فقال له : أدبر فأدبر فيحرفون لفظه فيقولون أول ما خلق الله العقل ليوافقوا قول المتفلسفة أتباع أرسطو في أن أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل وإما بلفظ ثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم فإنهم من أئمتهم
وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين ؟ وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم فإن هؤلاء لهم في إظهار دعوتهم الملعونة التي يسمونها الدعوة الهادية درجات متعددة ويسمون النهاية البلاغ الأكبر والناموس الأعظم ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالى والاستهزاء به وبمن يقر به حتى قد يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رجله وفيه أيضا جحد شرائعه ودينه وما جاء به الأنبياء ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن في طلبها ومنهم من أساء في طلبها حتى قتل ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول ويجعلون المسيح من القسم الثاني وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج ومن تحليل نكاح ذوات المحارم وسائر الفواحش : ما يطول وصفه ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم
وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم ولا يتزوج منهم امرأة ولا تباح ذبائحهم
وأما الجبن المعمول بأنفحتهم ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر أنفحة الميتة وكأنفحة ذبيحة المجوس وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم أنهم لا يذكون الذبائح فمذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا ينجس ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أن هذا الجبن نجس لأن الأنفحة عند هؤلاء نجسة لأن لبن الميتة وانفحتها عندهم نجس ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم أكلوا جبن المجوس وأصحاب القول الثاني نقلوا أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين
وأما أوانيهم وملابسهم فكأواني المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة والصحيح في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها فإن ذبائحهم ميتة فلا بد أن يصيب أوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فتنجس بذلك فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها وقد توضأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جرة نصرانية فما شك فى نجاسته لم يحكم بنجاسته بالشك
ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم فإن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه صلى الله عليه و سلم عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبي ونحوه وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة
تخالف دين الإسلام لكن يسرون ذلك فقال الله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفار والإلحاد
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم : فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذي يكون في العسكر فإن المخامر قد يكون له غرض : إما مع أمير العسكر وإما مع العدو وهؤلاء مع الملة نبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها وخاصتها وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته
والواجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ولا في غير ثغر فإن ضررهم في الثغر أشد وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الاسلام وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلما فكيف بمن يغش المسلمين كلهم ؟ ! !
ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه بل أي وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك
وأما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وإما أجرة المثل لأنهم عوقدوا على ذلك فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى وإن كان فاسدا وجبت أجرة المثل وإن لم يكن استخدامهم من جنس الاجارة اللازمة فهي من جنس الجعالة الجائزة لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا يستحقون إلا قيمة عملهم فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم لكن دماؤهم وأموالهم مباحة
وإذأ أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم فإن مالهم يكون فيء لبيت المال لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من حمل السلاح ولا أن يكونوا من المقاتلة ويلزمون شرائع الاسلام : من الصلوات الخمس وقراءة القرآن ويترك بينهم من يعلمهم دين الاسلام ويحال بينهم وبين معلمهم
فإن أبا بكر الصديق رضى الله عنه وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاؤوا إليه قال لهم الصديق : اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية قالوا : يا خليفة رسول الله ! هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية ؟ قال : تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ونقسم ما أصبنا من أموالكم وتردون ما أصبتم من أموالنا وتنزع منكم الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب الخيل وتتركون تتبعون أذناب الابل حتى يري الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا بعد ردتكم فوافقه الصحابة على ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له : هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على الله يعني هم شهداء فلا دية لهم فاتفقوا على قول عمر في ذلك
وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء والذي تنازعوا فيه تنازع فيه العلماء فمذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن كما اتفقوا عليه آخرا وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى هو القول الأول فهذا الذي فعله الصحابة بأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الاسلام يفعل بمن أظهر الاسلام والتهمة ظاهرة فيه فيمنع أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدرع التي تلبسها المقاتلة ولا يترك في الجند من يكون يهوديا ولا نصرانيا ويلزمون شرائع الاسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ومن كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم وسير إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور فأما أن يهديه الله تعالى وأما أن يموت على نفاقه من غير مضرة للمسلمين
ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين والصديق وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين وحفظ رأس المال مقدم على الربح
وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب
ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله به ورسوله ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى : وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين
والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الامكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى : فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم : كما قال الله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال أبو هريرة كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الاسلام فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الامكان فمن هداه الله سعد في الدنيا والآخرة ومن لم يهتد كف الله ضرره عن غيره
ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : هو أفضل الأعمال كما قال صلى الله عليه و سلم : [ رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى ] وفي الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله عز و جل للمجاهدين في سبيله ] وقال صلى الله عليه و سلم : [ رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ] ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم } والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

(3/503)


756 - 110 - سئل : عن الدرزية و النصيرية : ما حكمهم ؟
أجاب : هؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم بل ولا يقرون بالجزية فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين
فأما النصيرية فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير وكان من الغلاة الذين يقولون : إن عليا إله وهم ينشدون :
( أشهد إن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين )
( ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين )
( ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين )
وأما الدرزية فأتباع هشتكين الدرزي وكان من موالي الحاكم أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلاهية الحاكم ويسمونه الباري العلام ويحلفون به وهم من الاسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبدالله وهم أعظم كفرا من الغالية يقولون بقدم العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الاسلام ومحرماته وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله أو مجوسا وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ويظهروا التشيع نفاقا والله أعلم

(3/513)


757 - 111 - مسألة : في طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية ثم أجمعوا على رجل واختلفت أقوالهم فيه فمنهم من يزعم أنه إله ومنهم من يزعم أنه نبي مرسل ومنهم من ادعى أنه محمد بن الحسن يعنون المهدي وأمروا من وجده بالسجود له وأعلنوا بالكفر بذلك وسب الصحابة وأظهروا الخروج عن الطاعة وعزموا على المحاربة فهل يجب قتالهم وقتل مقاتلتهم وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا ؟
الجواب : الحمد لله هؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع الإسلام فإن النصيرية من أعظم الناس كفرا بدون أتباعهم لمثل هذا الدجال فكيف إذا اتبعوا مثل هذا الدجال وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة تقتل مقاتلهم وتغنم أموالهم وسبي الذرية فيه نزاع لكن أكثر العلماء على أنه تسبى الصغار من أولاد المرتدين وهذا هو الذي دلت عليه سيرة الصديق في قتال المرتدين
وكذلك قد تنازع العلماء في استرقاق المرتد وطائفة تقول أنها تسترق كقول أبي حنيفة وطائفة تقول لا تسترق كقول الشافعي وأحمد والمعروف عن الصحابة هو الأول وأنه تسترق منهن المرتدات نساء المرتدين فإن الحنفية التي تسرى بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه أم ابنه محمد بن الحنفية من سبي بني حنيفة المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه والصحابة لما بعث خالد بن الوليد في قتالهم
والنصيرية لا يكتمون أمرهم بل هم معروفون عند جميع المسلمين لا يصلون الصلوات الخمس ولا يصومون شهر رمضان ولا يحجون البيت ولا يؤدون الزكاة ولا يقرون بوجوب ذلك ويستحلون الخمر وغيرها من المحرمات ويعتقدون أن الإله علي بن أبي طالب ويقولون :
( نشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين )
( ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين )
( ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين )
وأما إذا لم يظهروا الرفض وأن هذا الكذاب هو المهدي المنتظر وامتنعوا فإنهم يقاتلون أيضا لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وكما يقاتل المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فهؤلاء يقاتلون ما داموا ممتنعين ولا تسبى ذراريهم ولا تغنم أموالهم التي لم يستعينوا بها على القتال وأما ما استعانوا به على قتال المسلمين من خيل وسلاح وغير ذلك ففي أخذه نزاع بين العلماء وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه نهب عسكره ما في عسكر الخوارج فإن رأى ولي الأمر أن يستبيح ما في عسكرهم من المال كان هذا سائغا
هذا ما داموا ممتنعين فإن قدر عليهم فإنه يجب أن يفرق شملهم ويحسم مادة شرهم وإلزامهم شرائع الإسلام وقتل من أصر على الردة منهم وأما قتل من أظهر الإسلام وأبطن كفرا منه وهو المنافق الذي تسميه الفقهاء الزنديق فأكثر الفقهاء على أنه يقتل وإن تاب كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة والشافعي
ومن كان داعيا منهم إلى الضلال لا ينكف شره إلا بقتله قتل أيضا وإن أظهر التوبة وإن لم يحكم بكفره كأئمة الرفض الذين يضلون الناس كما قتل المسلمون غيلان القدري والجعد بن درهم وأمثالهما من الدعاة فهذا الدجال يقتل مطلقا والله أعلم

(3/513)


758 - 112 - سئل : عن رجل لعن اليهود ولعن دينه وسب التوراة : فهل يجوز لمسلم أن يسب كتابهم أم لا ؟
أجاب : الحمد لله ليس لأحد أن يلعن التوراة بل من أطلق لعن التوراة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن كان ممن يعرف أنها منزلة من عند الله وأنه يجب الايمان بها : فهذا يقتل بشتمه لها ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء
وأما إن لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس به في ذلك فإنهم ملعونون هم ودينهم وكذلك إن سب التوراة التي عندهم بما يبين أن قصده ذكر تحريفها مثل أن يقال نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر : فهذا الكلام ونحوه حق لا شيء على قائله والله أعلم

(3/515)


113 - 759 - سئل : عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ؟
الجواب : الحمد لله كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم فهو خير من كل من كفر به وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه و سلم لا مخالف له لم يكن كافرا به ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه و سلم

(3/516)


114 - 760 - سئل : عن رجل قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ] وقال آخر : إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا الحديث وإذا فعل غير ذلك ولم يبال ما نقص من دينه وزاد في دنياه لم يدخل في ضمن هذا الحديث قال له ناقل الحديث : أنا لو فعلت كل ما لا يليق وقلت لا إله إلا الله : دخلت الجنة ولم أدخل النار ؟
فأجاب رحمه الله : الحمد لله رب العالمين من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الانسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين : فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار وهم كثيرون بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويتصدقون ولكن لا يتقبل منهم قال الله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } وقال تعالى : { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } وقال تعالى : { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } وقال تعالى : { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير } إلى قوله { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا }
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ] ولمسلم [ وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ] وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ]
ولكن إن قال : لا إله إلا الله خالصا صادقا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا يخلد في النار إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم لكن من دخلها من فساق أهل القبلة من أهل السرقة والزنا وشرب الخمر وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم وغير هؤلاء فإنهم إذا عذبوا فيها عذبهم على قدر ذنوبهم كما جاء في الأحاديث الصحيحة [ منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حقويه ] ومكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا أخرجوا بعد ذلك كالحمم فيلقون في نهر يقال له الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ويدخلون الجنة مكتوب على رقابهم هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار وتفصيل هذه المسألة في غير هذا الموضع والله أعلم

(3/516)


115 - 761 - سئل : عن رجل حبس خصما له عليه دين بحكم الشرع فحضر إليه رجل يشفع فيه فلم يقبل شفاعته فتخاصما بسبب ذلك فشهد الشافع على الرجل لأنه صدر منه كلام يقتضي الكفر خاف الرجل غائلة ذلك فأحضر إلى حاكم شافعي وادعى عليه رجل من المسلمين بأنه تلفظ بما قيل عنه وسأل حكم الشرع في ذلك فقال الحاكم للخصم عن ذلك فلم يعترف فلقن أن يعترف ليتم له الحكم بصحة إسلامه وحقن دمه فاعترف بأن ذلك صدر منه جاهلا بما يترتب عليه ثم أسلم ونطق بالشهادتين وتاب واستغفر الله تعالى ثم سأل الحاكم المذكور أن يحكم له بإسلامه وحقن دمه وتوبته وبقاء ماله عليه فأجابه الى سؤاله وحكم بإسلامه وحقن دمه وبقاء ماله عليه وقبول توبته وعزره تعزير مثله وحكم بسقوط تعزير ثان عنه وقضى بموجب ذلك كله ثم نفذ ذلك حاكم آخر حنفي : فهل الحكم المذكور صحيح في جميع ما حكم له به أم لا ؟ وهل يفتقر حكم الشافعي إلى حضور خصم من جهة بيت المال أم لا ؟ وهل لأحد أن يتعرض بما صدر منه من أخذ ماله أو شيء منه بعد إسلامه أم لا ؟ وهل يحل لحاكم آخر بعد الحكم والتنفيذ المذكورين أن يحكم في ماله بخلاف الحكم الأول وتنفيذه أم لا ؟ وهل ثياب ولي الأمر على منع من يتعرض إليه بأخذ ماله أو شيء منه بما ذكر أم لا ؟
الجواب : الحمد لله نعم الحكم المذكور صحيح وكذلك تنفيذه وليس لبيت المال في مال مثل هذا حق باتفاق المسلمين ولا يفتقر الحكم بإسلامه وعصمة ماله إلى حضور خصم من جهة بيت المال فإن ذلك لا يتوقف على الحكم إذ الأئمة متفقون على أن المرتد إذا أسلم عصم بإسلامه دمه وماله وإن لم يحكم بذلك حاكم ولا كلام لولي بيت المال في مال من أسلم بعد ردته بل مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد أيضا في المشهور عنه أن من شهدت عليه بينة بالردة فانكر وتشهد الشهادتين المعتبرتين حكم بإسلامه ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه فكيف إذا لم يشهد عليه عدل ؟ فإنه من هذه الصورة لا يفتقر الحكم بعصمة دمه وماله إلى إقراره باتفاق المسلمين :
ولا يحتاج عصمة دم مثل هذا إلى أن يقر ثم يسلم بعد إخراجه إلى ذلك فقد يكون فيه الزام له بالكذب على نفسه أنه كفر ولهذا لا يجوز أن يبنى على مثل هذا الإقرار حكم الإقرار الصحيح فإنه قد علم أنه لقن الإقرار وأنه مكره عليه في المعنى فإنه إنما فعله خوف القتل ولو قدر أن كفر المرتد كفر سب فليس في الحكام بمذهب الأئمة الأربعة من يحكم بأن ماله لبيت المال بعد إسلامه إنما يحكم من يحكم بقتله لكونه يقتل حدا عندهم على المشهور ومن قال يقتل لزندقته فإن مذهبه أنه لا يؤخذ بمثل هذا الإقرار
وأيضا فمال الزنديق عند أكثر من قال بذلك لورثته من المسلمين فإن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه و سلم كانوا إذا ماتوا ورثهم المسلمون مع الجزم بنفاقهم كعبد الله بن أبي وأمثاله ممن ورثهم ورثتهم الذين يعلمون بنفاقهم ولم يتوارث أحد من الصحابة غير الميراث منافق والمنافق هو الزنديق في اصطلاح الفقهاء الذين تكلموا في توبة الزنديق
وأيضا فحكم الحاكم إذا نفذ في دمه الذي قد يكون فيه نزاع نفذ في ماله بطريق الأولى إذ ليس في الأمة من يقول يؤخذ ماله ولا يباح دمه فلو قيل بهذا كان خلاف الإجماع فإذا لم يتوقف الحكم بعصمة دمه على دعوى من جهة ولي الأمر فماله أولى
وقد تبين أن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال غير ممكن من وجوه :
أحدها : أنه لم يثبت عليه ما يبيح دمه : لا ببينة ولا بإقرار متعين ولكن بإقرار قصد به عصمة ماله ودعمه من جنس الدعوى على الخصم المسخر
الثاني : أن الحكم بعصمة دمه وماله واجب في مذهب الشافعي والجمهور وإن لم يقر بل هو واجب بالاجماع مع عدم البينة والاقرار
الثالث : أن الحكم صحيح بلا ريب
الرابع : أنه لو كان حكم مجتهد فيه لزال ذلك بتنفيذ المنفذ له
الخامس : أنه ليس في الحكام من الحكم بمال هذا لبيت المال ولو ثبت عليه الكفر ثم الاسلام ولو كان الكفر سبا فكيف إذا لم يثبت عليه ؟ ! أم كيف إذا حكم بعصمة ماله ؟ ! بل مذهب مالك وأحمد الذي يستند إليها في مثل هذه من أبعد المذاهب عن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال الأن مثل هذا الإقرار عندهم قرار تلجئة لا يلتفت إليه ولما عرف من مذهبهما في الساب والله أعلم

(3/517)


حد السرقة

(3/520)


116 - 762 - مسألة : في رجل سرق بيته مرارا ثم وجد بعد ذلك في بيته مملوك بعد أن أغلق بابه فأخذ فأقر أنه دخل البيت مختلسا مرارا عديدة ولم يقر أنه أخذ شيئا : فهل يلزمه ما عدم لهم من البيت ؟ وما الحكم فيه ؟
الجواب : هذا العبد يعاقب باتفاق المسلمين على ما ثبت عليه من دخول البيت ويعاقب أيضا عند كثير من العلماء فإذا أقر بما تبين أنه أخذ المال : مثل أن يدل على موضع المال أو على من أعطاه إياه ونحو ذلك : أخذ المال وأعطي لصاحبه إن كان موجودا وغرمه إن كان تالفا
وينبغي للمعاقب له أن يحتال عليه بما يقر به كما يفعل الحذاق من القضاة والولاة بمن يظهر لهم فجوره حتى يعترف وأقل ما في ذلك أن يشهد عليهم برد اليمين على المدعي فإذا حلف رب المال حينئذ حكم لرب المال إذا حلف وأما الحكم لرب المال بيمينه بما ظهر من اللوث والأمارات التي يغلب على الظن صدق المدعي فهذا فيه اجتهاده وأما في النفوس فالحكم بذلك مذهب أكثر العلماء كالشافعي وأحمد والله أعلم

(3/520)


117 - 763 - مسألة : في رجل له مملوك ذكر أنه سرق له قماشا وذكر الغلام أنه أودعه ؟ عند سيده القديم [ في ] منديل : فهل يقبل قوله في ذلك ؟ وما يلزم في ذلك
الجواب : لا يؤخذ بمجرد قول الغلام باتفاق المسلمين سواء كان الحاكم بينهما والي الحرب أو قاضي الحكم بل الذي عليه جمهور الفقهاء في المتهم بسرقة ونحوها أن ينظر في المتهم : فإما أن يكون معروفا بالفجور وإما أن يكون مجهول الحال
فإن كان معروفا بالبر لم يجز مطالبته ولا عقوبته وهل يحلف ؟ على قولين للعلماء ومنهم من قال : يعزر من رماه بالتهمة
وإما أن يكون مجهول الحال فإنه يحبس حتى يكشف أمره قيل : يحبس شهرا وقيل : إجتهاد ولي الأمر لما في السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حبس في تهمة ] وإن كان قد يكون الرجل معروفا بالفجور المناسب للتهمة فقال طائفة من الفقهاء : يضربه الوالي دون القاضي وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعي والإمام أحمد ومن الفقهاء من قال : لا يضرب وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه أمر الزبير بن العوام أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان النبي صلى الله عليه و سلم قد عاهدهم عليه وقال له : أين كنز حيي بن أخطب ؟ فقال : يا محمد ! أذهبته النفقات والحروب فقال : المال كثير والعهد قريب من هذا وقال للزبير : دونك هذا فمسه الزبير بشيء من العذاب فدلهم على المال
وأما إذا ادعى أنه استودع المال فهذا أخف فإن كان معروفا بالخير لما يجز إلزامه بالمال باتفاق المسلمين بل يحلف المدعى عليه سواء كان الحاكم واليا أو قاضيا

(3/520)


118 - 764 - مسألة : فيما يتعلق بالتهم في المسروقات في ولايته فإن ترك الفحص في ذلك ضاعت الأموال وطمعت الفساق وإن وكله إلى غيره ممن هو تحت يده غلب على ظنه أنه يظلم فيها أو يتحقق أنه لا يفي بالمقصود في ذلك ؟ وإن أقدم وسأل أو أمسك المتهومين وعاقبهم خاف الله تعالى في إقدامه على أمر مشكوك فيه ؟ وهو يسأل ضابطا في هذه الصورة وفي أمر قاطع الطريق ؟
الجواب : أما التهم في السرقة وقطع الطريق ونحو ذلك فليس له أن يفوضها إلى من يغلب على ظنه أنه يظلم فيها مع إمكان أن يقيم فيها من العدول ما يقدر عليه وذلك أن الناس في التهم ثلاثة أصناف :
صنف : معروف عند الناس بالدين والورع وأنه ليس من أهل التهم فهذا لا يحبس ولا يضرب بل ولا يستحلف في أحد قولي العلماء بل يؤدب من يتهمه فيما ذكره كثير منهم
والثاني : من يكون مجهول الحال لا يعرف ببر ولا فجور فهذا يحبس حتى يكشف عن حاله وقد قيل : يحبس شهرا وقيل : يحبس بحسب اجتهاد ولي الأمر والأصل في ذلك ما روى أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم حبس في تهمة وقد نص على ذلك الأئمة وذلك أن هذه بمنزلة ما لو ادعى عليه مدع فإنه يحضر مجلس ولي الأمر الحاكم بينهما وإن كان في ذلك تعويقه عن أشغاله فكذلك تعويق هذا إلى أن يعلم أمره ثم إذا سأل عنه ووجد بارا أطلق
وإن وجد فاجرا كان من :
الصنف الثالث : وهو الفاجر الذي قد عرف منه السرقة قبل ذلك أو عرف بأسباب السرقة : مثل أن يكون معروفا بالقمار والفواحش التي لا تتأتى إلا بالمال وليس له مال ونحو ذلك فهذا لوث في التهمة ولهذا قالت طائفة من العلماء أن مثل هذا يمتحن بالضرب يضربه الوالي والقاضي - كما قال أشهب صاحب مالك وغيره - حتى يقر بالمال وقالت طائفة : يضربه الوالي دون القاضي كما قال ذلك طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد كما ذكره القاضيان الماوردي والقاضي أبو يعلى في كتابيهما في الأحكام السلطانية وهو قول طائفة من المالكية كما ذكره الطرسوسي وغيره
ثم المتولي له أن يقصد بضربه مع تقريره عتوبته على فجوره المعروف فيكون تعزيرا وتقريرا وليس على المتولي أن يرسل جميع المتهومين حتى يأتي أرباب الأموال بالبينة على من سرق بل قد أنزل على نبيه في قصة كانت تهمة في سرقة قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } إلى آخر الآيات وكان سبب ذلك أن قوما يقال لهم بنو أبيرق سرقوا لبعض الأنصار طعاما ودرعين فجاء صاحب المال يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء قوم يزكون المتهمين بالباطل فكان النبي صلى الله عليه و سلم ظن صدق المزكيين فلام صاحب المال : فأنزل الله هذه الآية ولم يقل النبي صلى الله عليه و سلم لصاحب المال : أقم البينة ولا حلف المتهمين لأن أولئك المتهمين كانوا معروفين بالشر وظهرت الريبة عليهم
وهكذا حكم النبي صلى الله عليه و سلم بالقسامة في الدماء إذا كان هناك لوث يغلب على الظن صدق المدعين فإن هذه الأمور من الحدود في المصالح العامة ليست من الحقوق الخاصة فلولا القاسمة في الدماء لأفضى إلى سفك الدماء فيقتل الرجل عدوه خفية ولا يمكن أولياء المقتول إقامة البينة واليمين على القاتل والسارق والقاطع سهلة فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين وقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه ] هذا فيما لا يمكن من المدعي حجة غير الدعوى فإنه لا يعطى بها شيئا ولكن يحلف المدعى عليه فأما إذا أقام شاهدا بالمال فإن النبي صلى الله عليه و سلم قد حكم في المال بشاهد ويمين وهو قول فقهاء الحجاز وأهل الحديث كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وإذا كان في دعوى الدم لوث فقد قال النبي صلى الله عليه و سلم للمدعين : أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم
كذلك أمر قطاع الطريق وأمر اللصوص وهو من المصالح العامة التي ليست من الحقوق الخاصة فإن الناس لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم في المساكن والطرقات إلا بما يزجرهم في قطع هؤلاء ولا يزجرهم أن يحلف كل منهم ولهذا اتفق الفقهاء على أن قاطع الطريق لأخذ المال يقتل حتما وقتله حد لله وليس قتله مفوضا إلى أولياء المقتول قالوا : لأن هذا لم يقتله لغرض خاص معه إنما قتله لأجل المال فلا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره فقتله مصلحة عامة فعلى الإمام أن يقيم ذلك
وكذلك السارق ليس غرضه في مال معين وإنما غرضه أخذ مال هذا ومال هذا كذلك كان قطعه حقا واجبا لله ليس لرب المال بل رب المال يأخذ ماله وتقطع يد السارق حتى لو قال صاحب المال : أنا أعطيه مالي لم يسقط عنه القطع كما قال صفوان للنبي صلى الله عليه و سلم : أنا أهبه ردائي فقال النبي صلى الله عليه و سلم : فهلا فعلت قبل أن تأتي به وقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ] وقال للزبير بن العوام إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع
ومما يشبه هذا من ظهر عنده مال يجب عليه إحضاره كالمدين إذا ظهر أنه غيب ماله وأصر على الحبس وكمن عنده أمانة ولم يردها إلى مستحقها ظهر كذبه فإنه لا يحلف لكن يضرب حتى يحضر المال الذي يجب إحضاره أو يعرف مكانه كما قال النبي صلى الله عليه و سلم للزبير بن العوام عام خيبر في عم حيي بن أخطب وكان النبي صلى الله عليه و سلم صالحهم على أن له الذهب والفضة فقال لهذا الرجل : أين كنز حيي بن أخطب ؟ فقال : يا محمد ! أذهبته النفقات والحروب فقال : المال كثير والعهد أحدث من هذا ثم قال : دونك هذا فمسه بشيء من العذاب فدلهم عليه في خربة هناك فهذا لما قال أذهبته النفقات والحروب والعادة تكذبه في ذلك لم يلتفت إليه بل أمر بعقوبته حتى دلهم على المال فكذلك من أخذ من أموال الناس وادعى ذهابها دعوى تكذبه فيها العادة كان هذا حكمه

(3/521)


119 - 765 - مسألة : فيمن كان له ذهب مخيط في ثوبه فأعطاه للغسال نسيانا فلما رده الغسال إليه بعد غسله وجد مكان الذهب مفتقا ولم يجده : فما الحكم فيه ؟
الجواب : إما أن يحلف المدعى عليه بما يبريه وإما أن يحلف المدعي أنه أخذ الذهب بغير حق ويضمنه فإن كان الغسال معروفا بالفجور وظهرت الريبة بظهور الفتق جاز ضربه وتعزيره والله أعلم

(3/525)


حد قطاع الطريق

(3/525)


766 - 120 - مسألة : في أقوام يقطعون الطريق على المسلمين ويقتلون من يمانعهم عن ماله ويفجرون بحريم المسلمين ويعذبون كل من يمسكونه من المسلمين من ذكر وأنثى حتى يدلهم على شيء من أموال المسلمين ثم الإمام بلغه خبرهم فأمر السلطان بعض الناس أن يروحوا إليهم ويمنعوهم من قتل المسلمين وأخذ أموالهم فخرجوا عليه وقاتلوا المسيرين إليهم وامتنعوا من طاعة السلطان فهل يحل قتالهم أم لا ؟ وهل إذا أخذ السلطان من مالهم شيئا وباعه على المسلمين يحل لأحد أن يشتريه ؟
الجواب : الحمد لله نعم : يحل قتال هؤلاء بل يجب وإذا أخذ السلطان من أموالهم بأزاء ما أخذوه من أموال المسلمين ولم يعرف مستحقه جاز الشراء منه وإن كانوا أخذوا شيئا من أموال المسلمين ففي أخذ أموالهم خلاف بين الفقهاء وإذا قلد السلطان أحد القولين بطريقة ساغ له ذلك

(3/525)


767 - 121 - مسألة : عن المفسدين في الأرض الذين يستحلون أموال الناس ودمائهم : مثل السارق وقاطع الطريق : هل للانسان أن يعطيهم شيئا من ماله ؟ أو يقاتلهم ؟ وهل إذا قتل رجل أحدا منهم : فهل يكون ممن ينسب إلى النفاق ؟ وهل عليه إثم في قتل من طلب قتله ؟
أجاب : أجمع المسلمون على جواز مقاتلة قطاع الطريق وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من قتل دون ماله فهو شهيد ]
فالقطاع : إذا طلبوا مال المعصوم لم يجب عليه أن يعطيهم شيئا باتفاق الأئمة بل يدفعهم بالأسهل فالأسهل فإن لم يندفعوا إلا بالقتال فله أن يقاتلهم فإن قتل كان شهيدا وإن قتل واحدا منهم على هذا الوجه كان دمه هدرا وكذلك إذا طلبوا دمه كان له أن يدفعهم ولو بالقتل إجماعا لكن الدفع عن المال لا يجب بل يجوز له أن يعطيهم المال ولا يقاتلهم وأما الدفع عن النفس ففي وجوبه قولان هما روايتان عن أحمد

(3/525)


122 - 768 - مسألة : في تاجر نصب عليه جماعة وأخذوا مبلغا فحملهم لولي الأمر وعاقبهم حتى أقروا بالمال وهم محبوسون على المال ولم يعطوه شيئا وهم مصرون على أنهم لا يعطونه شيئا ؟
الجواب : الحمد لله هؤلاء من كان المال بيده وامتنع من اعطائه فإنه يضرب حتى يؤدي المال الذي بيده لغيره ومن كان قد غيب المال وجحد موضعه فإنه يضرب حتى يدل على موضعه ومن كان متهما لا يعرف هل معه من المال شيء أم لا فإنه يجوز ضربه معاقبة له على ما فعل من الكذب والظلم ويقرر مع ذلك على المال أين هو ويطلب منه إحضاره والله أعلم

(3/526)


123 - 769 - سئل : عن ثلاثة من اللصوص أخذ إثنان منهم جمالا والثالث قتل الجمال : هل يقتل الثلاثة ؟
الجواب : إذا كان الثلاثة حرامية اجتمعوا ليأخذوا المال بالمحاربة قتل الثلاثة وإن كان الذي باشر القتل واحدا منهم والله أعلم

(3/526)


124 - 770 - مسألة : في عسكر نزلوا مكانا باتوا فيه فجاء أناس سرقوا لهم قماشا فلحقوا السارق فضربه أحدهم بالسيف ثم حمل إلى مقدم العسكر ثم مات بعد ذلك ؟
الجواب : إذا كان هذا هو الطريق في استرجاع ما مع السارق لم يلزم الضارب شيء فقد روى ابن عمر أن لصا دخل داره فقام إليه بالسيف فلولا أنهم ردوه عنه لضربه بالسيف وفي الصحيحين [ من قتل دون ماله فهو شهيد ]

(3/527)


125 - 771 - مسألة : في رجل له ملك وهو واقع فأعلموه بوقوعه فأبى أن ينقضه ثم وقع على صغير فهشمه هل يضمن أو لا ؟
الجواب : هذا يجب الضمان عليه في أحد قولي العلماء لأنه مفرط في عدم إزالة هذا الضرر والضمان على المالك الرشيد الحاضر أو وكيله إن كان غائبا أو وليه إن كان محجورا عليه ووجوب الضمان في مثل هذا هو مذهب أبي حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي والواجب نصف الدية والارش فيما لا تقدير فيه ويجب ذلك على عاقلة هؤلاء إن أمكن وإلا فعليهم في أصح قولي العلماء

(3/527)


كتاب الجهاد

(3/529)


772 - 1 - مسألة : في الحديث وهو : حرس ليلة على ساحل البحر أفضل من عمل رجل فى أهله ألف سنة وفي سكنى مكة والبيت المقدس والمدينة المنورة على نية العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والسكنى بدمياط واسكندرية وطرابلس على نية الرباط أيهم أفضل
الجواب : الحمد لله بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة وما أعلم في هذا نزاعا من أهل العلم وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة وذلك لأن الرباط من جنس الجهاد والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج كما قال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله }
وفي الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ أنه سئل أي الأعمال أفضل قال : إيمان بالله ورسوله قيل : ثم ماذا ؟ قال : ثم جهاد في سبيله قيل : ثم ماذا ؟ قال : ثم حج مبرور ]
وقد روى : [ غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجة ]
وقد روى مسلم في صحيحه : عن سلمان الفارسى أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان ]
وفي السنن عن عثمان عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ]
وهذا قاله عثمان على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر أنه قال لهم ذلك تبليغا للسنة
وقال أبو هريرة : لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود
وفضائل الرباط الحرس في سبيل الله كثيرة لا تسعها هذه الورقة والله أعلم

(3/531)


2 - 773 - مسألة : في بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم ؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا ؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا ؟
الجواب : الحمد لله دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه وإلا استحبت ولم تجب ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم
وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان ليست بمنزلة دار السلم التي يجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه

(3/532)


3 - 774 - مسألة : في رجل جندي وهو يريد أن لا يخدم ؟
الجواب : إذا كان للمسلمين به منفعة وهو قادر عليها لم ينبغ له أن يترك ذلك لغير مصلحة راجحة على المسلمين بل كونه مقدما في الجهاد الذي يحبه الله ورسوله أفضل من التطوع بالعبادة كصلاة التطوع والحج التطوع والصيام التطوع والله أعلم

(3/533)


775 - 4 - مسألة : إذا دخل التتار الشام ونهبوا أموال النصارى والمسلمين ثم نهب المسلمون التتار وسلبوا القتلى منهم فهل المأخوذ من أموالهم وسلبهم حلال أم لا ؟
الجواب : كل ما أخذ من التتار يخمس ويباح الانتفاع به

(3/533)


776 - 5 - مسألة : فيمن سبي من دار الحرب دون البلوغ وشروه النصارى وكبر الصبي وتزوج وجاءه أولاد نصارى ومات هو وقامت البينة أنه أسر دون البلوغ لكنهم ما علموا من سباه هل السابي له كتابي أم مسلم فهل يلحق أولاده بالمسلمين أم لا ؟
الجواب : أما إن كان السابي له مسلما حكم بإسلام الطفل وإذا كان السابي له كافرا ولم تقم حجة بأحدهما لم يحكم بإسلامه وأولاده تبع له في كلا الوجهين والله أعلم

(3/533)


6 - 777 - مسألة : ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين وأعانهم على بيان الحق المبين وكشف غمرات الجاهلين والزائغين في : هؤلاء التتار الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة وقد تكلموا بالشهادتين وانتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر فهل يجب قتالهم أم لا ؟
وما الحجة على قتالهم وما مذاهب العلماء في ذلك ؟ وما حكم من كان معهم ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين الأمراء وغيرهم ؟ وما حكم من قد أخرجوه معهم مكرها ؟
وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والنصوص ونحو ذلك وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون والمقاتلون لهم مسلمون وكلاهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما وفي قول من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون وما الواجب على جماعة المسلمين من أهل العلم والدين وأهل القتال وأهل الأموال في أمرهم
أفتونا في ذلك بأجوبة مبسوطة شافية فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين بل على أكثرهم تارة لعدم العلم بأحوالهم وتارة لعدم العلم بحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم في مثلهم والله الميسر لكل خير بقدرته ورحمته إنه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل ؟
الجواب : الحمد لله رب العالمين نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين وهذا مبني على أصلين :
أحدهما : المعرفة بحالهم والثاني : معرفة حكم الله في مثلهم
فأما الأول : فكل من باشر القوم بعلم حالهم ومن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة وأخبار الصادقين ونحن نذكر جل أمورهم بعد أن نبين الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول :
كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا على الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة وكذلل إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون
وكذلك إن أظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع سلف الأمة وأئمتها مثل : أن يظهروا الإلحاد في أسماء الله وآياته أو التكذبب بأسماء الله وصفاته أو التكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التي توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور
قال الله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله
وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } وهذه الآية نزلت في أهل الطائف وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا لكن كانوا يتعاملون بالربا فأنزل الله هذه الآية وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقي من الربا وقال : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } وقد قرئ { فأذنوا } و { أذنوا } وكلا المعنيين صحيح والربا آخر المحرمات في القرآن وهو ما يوجد بتراضي المتعاملين فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التي هي أسبق تحريما وأعظم تحريما
وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه و سلم الأحاديث بقتال الخوارج وهي متواترة عند أهل العلم بالحديث
قال الإمام أحمد : صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه وقد رواها مسلم في صحيحه وروى البخاري منها ثلاثة أوجه : حديث علي وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وفي السنن والمسانيد طرق أخر متعددة
وقد قال صلى الله عليه و سلم في صفتهم : [ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد ]
وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمن معه من الصحابة واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين فإن الصحابة كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف : قوم قاتلوا مع علي رضي الله عنه وقوم قاتلوا مع من قاتل وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا الواحدة من الطائفتين
وأما الخوارج فلم يكن فيهم أحد من الصحابة ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة
وفي الصحيح : عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ]
وفي لفظ : أدنى الطائفتين إلى الحق
فبهذا الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه وأن تلك المارقة التي مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين بل أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتال هذه المارقة وأكد الأمر بقتالها ولم يأمر بقتال إحدى الطائفتين كما أمر بقتال هذه بل قد ثبت عنه في الصحيح : من حديث أبي بكرة أنه قال للحسن : [ إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين ]
فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال وقد بويع له واختار الأصلح وحض الدماء مع نزوله عن الأمر فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن ويثني عليه بترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه
والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان : منهم من يرى قتال علي يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي وكذلك يجعل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم وهم متفقون على أن الصحابة ليسوا فساقا بل هم عدول فقالوا : إن أهل البغي عدول مع قتالهم وهم مخطئون خطأ المجتهدين في الفروع وخالفت في ذلك طائفة كابن عقيل وغيره
فذهبوا إلى تفسيق أهل البغي وهؤلاء نظروا إلى من عدوه من أهل البغي في زمنهم فرأوهم فساقا ولا ريب أنهم لا يدخلون الصحابة في ذلك وإنما يفسق الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ونحوهم كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من الخوارج والروافض وليس ذلك من مذهب الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة ولا يقولون أن أموالهم معصومة كما كانت وما كان ثابتا بعينه رد إلى صاحبه وما أتلف في حال القتال لم يضمن حتى أن جمهور العلماء يقولون لا يضمن لا هؤلاء ولا هؤلاء
كما قال الزهري : وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم في حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة على وجهين في مذهب أحمد يجوز والمنع قول الشافعي والرخصة قول أبي حنيفة واختلفوا في قتل أسيرهم واتباع مدبرهم والتذفيف على جريحهم إذا كان لهم فئة يلجأون إليها فجوز ذلك أبو حنيفة ومنعه الشافعي وهو المشهور في مذهب أحمد وفي مذهبه وجه أنه يتبع مدبرهم من أول القتال وأما إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يذفف على جريح كما رواه سعيد وغيره عن مروان بن الحكم قال : خرج صارخ لعله يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن
فمن سلك هذه الطريقة فقد يتوهم أن هؤلاء التتار من أهل البغي المتأولين ويحكم فيهم بمثل هذه الأحكام كما أدخل من أدخل في هذا الحكم مانعي الزكاة والخوارج وسنبين فساد هذا التوهم إن شاء الله تعالى
والطريقة الثانية أن قتال مانعي الزكاة والخوارج ونحوهم : ليس كقتال أهل الجمل وصفين وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو مذهب أهل المدينة : كمالك وغيره ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع حتى في الأموال فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج
وقد نص أحمد في رواية أبي طالب في حرورية كان لهم سهم في قرية فخرجوا يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون فأرضهم فيء للمسلمين فيقسم خمسه على خمسة وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين فجعل أحمد الأرض التي للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار وبالجملة فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا وسيرة علي رضي الله عنه تفرق بين هذا وهذا فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله صلى الله عليه و سلم وفرح بذلك ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من
كراهته والذم عليه ما ظهر وقال في أهل الجمل وغيرهم : إخواننا بغوا علينا طهرهم السيف وصلى على قتلى الطائفتين
وأما الخوارج ففي الصحيحين : عن علي بن أبي طالب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ ستخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ]
وفي صحيح مسلم : عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلا صيامهم بشيء يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان محمد نبيهم لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض ] قال : فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء لقوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرج الناس فسيروا على اسم الله
قال : فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب رئيسا فقال لهم : ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من حقوقها فإني أناشدكم كما ناشدوكم يوم حروراء فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وسحرهم الناس برماحهم
قال : وأقبل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي : التمسوا فيه المخدع فالتمسوه فلم يجدوه فقام على سيفه حتى أتى ناسا قد أقبل بعضهم على بعض قال : أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر ثم قال : صدق الله وبلغ رسوله
قال : فقام إليه عبيدة السلماني فقال : يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو أسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له أيضا
فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم وإنما تنازعوا في تكفيرهم على تكفيرهم على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد وفي مذهب الشافعي أيضا نزاع في كفرهم ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى :
أحدهما : أنهم بغاة
والثاني : أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداء وقتل أميرهم واتباع مدبرهم ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل كما أن مذهبه في مانعي الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على روايتين وهذا كله مما يبين أن قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال علي الخوارج ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفارا كالمرتدين عن أصل الإسلام
وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين بل هو نوع ثالث وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم وممن قاتلهم الصحابة مع إقرارهم الشهادتين والصلاة وغير ذلك مانعوا الزكاة كما في الصحيحين : عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر : يا خليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ]
فقال له أبو بكر : ألم يقل لك إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاتلتهم على منعها قال عمر : فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق
وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله
وقد حكى عنهم أنهم قالوا : إن الله أمر نبيه لأخذ الزكاة بقوله : { خذ من أموالهم صدقة } وقد تسقط بموته
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتال الذين لا ينتهون عن شرب الخمر
وأما الأصل الآخر وهو معرفة أحوالهم : فقد علم أن هؤلاء القوم جاروا على الشام في المرة الأولى عام تسعة وتسعين وأعطوا الناس الأمان وقرأوه على المنبر بدمشق ومع هذا فقد سلبوا من ذراري المسلمين ما يقال أنه مائة ألف أو يزيد عليه وفعلوا ببيت المقدس وبجبل الصالحية ونابلس وحمص وداريا وغير ذلك من القتل والسبي ما لا يعلمه إلا الله حتى يقال أنهم سبوا من المسلمين قريبا من مائة ألف وجعلوا يفجرون بخيار نساء المسلمين في المساجد وغيرها : كالمسجد الأقصى والأموي وغيره وجعلوا الجامع الذي بالعقيبة دكا وقد شاهدنا عسكر القوم فرأينا جمهورهم لا يصلون ولم نر في عسكرهم مؤذنا ولا إماما
وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله ولم يكن معهم في دولتهم إلا من كان من شر الخلق إما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام في الباطن وإما من هو من شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحادية ونحوهم
وأما من هو أفجر الناس وأفسقهم وهم في بلادهم مع تمكنهم لا يحجون البيت العتيق وإن كان فيهم من يصلي ويصوم فليس الغالب عليهم إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة وهم يقاتلون على ملك جنكزخان فمن دخل في طاعتهم جعلوه وليا لهم وإن كان كافرا ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وإن كان من خيار المسلمين ولا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى
كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام وهو يخاطب رسل المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون فقال : هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله : محمد وجنكزخان فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين أن يسوي بين رسول الله أكرم الخلق عليه وسيد ولد آدم وخاتم المرسلين وبين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفرا وفسادا وعدوانا من جنس بختنصر وأمثاله
وذلك أن اعتقاد هؤلاء التتار كان في جنكزخان عظيما فإنهم يعتقدون أنه ابن الله من جنس ما يعتقده النصارى في المسيح ويقولون : ان الشمس حبلت أمه وأنها كانت في خيمة فنزلت الشمس من كوة الخيمة فدخلت فيها حتى حبلت ومعلوم عند كل
ذي دين أن هذا كذب
وهذا دليل على أنه ولد زنا وأن أمه زنت فكتمت زناها وارهت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنا وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنه لهم وشرعه بظنه وهو حتى يقولوا لما عندهم من المال هذا رزق جنكزخان ويشكرونه على أكلهم وشربهم وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادي لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين
فهذا وأمثاله من مقدميهم كان غايته بعد الاسلام أن يجعل محمدا بمنزلة هذا الملعون ومعلوم أن مسيلمة الكذاب كان أقل ضررا على المسلمين من هذا وادعى أنه شريك محمد في الرسالة وبهذا استحل الصحابة قتاله وقتال أصحابه المرتدين فكيف بمن كان فيما يظهره من الإسلام يجعل محمدا كجنكزخان وإلا فهم مع إظهارهم للاسلام يعظمون أمر جنكزخان على المسلمين المتبعة لشريعة القرآن ولا يقاتلون أولئك المتبعين لما سنه جنكزخان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم
أولئك الكفار يبذلون له الطاعة والانقياد ويحملون إليه الأموال ويقرون له بالنيابة ولا يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن طاعة الإمام للإمام وهم يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة ويطلبون من المسلمين الطاعة لهم وبذل الأموال والدخول فيما وضعه لهم ذلك الملك الكافر المشرك المشابه لفرعون أو النمروذ ونحوهما بل هو أعظم فسادا في الأرض منهما
قال الله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين }
وهذا الكافر علا في الأرض يستضعف أهل الملل كلهم من المسلمين واليهود والنصارى ومن خالفه من المشركين بقتل الرجال وسبي الحريم ويأخذ الأموال ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ويرد الناس عما كانوا عليه من سلك الأنبياء والمرسلين إلى أن يدخلوا فيما ابتدعه من سنته الجاهلية وشريعته الكفرية فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية لا بحكم الله ورسوله
وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح دين المسلمين وهذا القول فاش غالب فيهم حتى في فقهائهم وعبادهم لا سيما الجهمية من الإتحادية الفرعونية ونحوهم فإنه غلبت عليهم الفلسفة وهذا مذهب كثير من المتفلسفة أو أكثرهم وعلى هذا كثير من النصارى أو أكثرهم وكثير من اليهود أيضا
بل لو قال القائل : إن غاب خواص العلماء منهم والعباد على هذا المذهب لما أبعد
وقد رأيت من ذلك وسمعت ما لا يتسع به هذا الموضع ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الاسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه و سلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب كما قال تعالى : { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا }
واليهود والنصارى داخلون في ذلك وكذلك المتفلسفة يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومن تفلسف من اليهود والنصارى يبقى كفره من وجهين
وهؤلاء أكثر وزرائهم الذين يصدرون عن رأيه غايته أن يكون من هذا الضرب فإنه كان يهوديا متفلسفا ثم انتسب إلى الإسلام مع ما فيه من اليهودية والتفلسف وضم إلى ذلك الرفض فهذا هو أعظم من عندهم من ذوي الأقلام وذاك أعظم من كان عندهم من ذوي السيف فليعتبر المؤمن بهذا

(3/534)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية