صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الصارم المسلول - ابن تيمية ]
الكتاب : الصارم المسلول على شاتم الرسول
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
الناشر : دار ابن حزم - بيروت
الطبعة الأولى ، 1417
تحقيق : محمد عبد الله عمر الحلواني , محمد كبير أحمد شودري
عدد الأجزاء : 3

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى اله وصحبه وسلم قال شيخنا وسيدنا الامام العلامة القدوة الزاهد العابد الورع الكامل شيخ الاسلام مفتي الفرق ناصر السنة قامع البدعة سيد الفقهاء والحفاظ تقي الدين ابو العباس احمد بن شيخنا الامام العلامة مفتي المسلمين شهاب الدين ابي المحاسن عبد الحليم بن الامام العلامة شيخ الاسلام مجد الدين ابي البركات عبد السلام بن عبد الله بن ابي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني جزاه الله عن نصر دينه ونصر سنة نبيه عليه السلام خيرا الحمد لله الهادي النصير فنعم النصير ونعم الهاد الذي يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ويبين له سبل الرشاد كما هدى الذين امنو لما اختلف فيه من الحق وجمع لهم الهدى والسداد والذي ينصر رسله والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد كما وعده في كتابه وهو الصادق الذي لايخلف الميعاد واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة تقيم وجه صاحبها للدين حنيفة وتبرئه من الإلحاد واشهد ان محمدا عبده ورسوله افضل المرسلين واكرم العباد ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره اهل الشرك والعناد ورفع له ذكره فلا يذكره الا ذكر معه كما في الاذان والتشهد والخطب والمجامع والاعياد وكبت محاده واهلك مشاقه وكفاه المستهزئين به ذوي الاحقاد وبتر شانئه ولعن مؤذيه في الدنيا والاخرة وجعل هوانه بالمرصاد واختصه على اخوانه المرسلين بخصائص تفوق التعداد فله الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود ولواء الحمد الذي تحته كل حماد وعلى اله افضل الصلوات واعلاها واكملها وانماها كما يحب سبحانه ان يصلى عليه وكما امر وكما ينبغي ان يصلى على سيد البشر والسلام على النبي ورحمة الله وبركاته افضل تحية واحسنها واولاها وابركها واطيبها وازكاها صلاة وسلاما دائمين الى يوم التناد باقيين بعد ذلك ابدا رزقا من الله ما له من نفاد اما بعد فان الله تعالى هدانا بنبيه محمد واخرجنا به من الظلمات الى النور واتانا ببركة رسالته ويمن سفارته خير الدنيا والاخرة وكان من ربه بالمنزلة العليا التي تقاصرت العقول والالسنة عن معرفتها ونعتها وصارت غايتها من ذلك بعد التناهي في العلم والبيان الرجوع الى عيها وصمتها فاقتضاني لحادث حدث ادنى ماله من الحق علينا بله ما اوجب الله من تعزيزه ونصره بكل طريق وايثاره بالنفس والمال في كل موطن وحفظه وحمايته من كل موذ وان كان الله قد اغنى رسوله عن نصر الخلق ولكن ليبلوا بعضكم ببعض وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ليحق الجزاء على الاعمال كما سبق في ام الكتاب ان اذكر ما شرع من العقوبة لمن سب النبي من مسلم وكافر وتوابع ذلك ذكرا يتضمن الحكم والدليل ونقل ما حضرني في ذلك من الاقاويل وارداف القول بحظه من التعليل وبيان ما يجب ان يكون عليه التعويل فاما ما يقدره الله عليه من العقوبات فلا يكاد يأتي عليه التفصيل وانما المقصد هنا بيان الحكم الشرعي الذي يفتى به المفتي ويقضي به القاضي ويجب على كل واحد من الائمة والامة القيام بما امكن منه والله هو الهادي الى سواء السبيل وقد رتبته على اربع مسائل المسالة الاولى في ان الساب يقتل سواء كان مسلما او كافرا المسالة الثانية انه يتعين قتله وان كان ذميا فلا يجوز المن عليه ولا مفاداته المسالة الثالثة في حكمه اذا تاب المسالة الرابعة في بيان السب وما ليس بسب والفرق بينه وبين الكفر المسألة الاولى ان من سب النبي من مسلم او كافر فانه يجب قتله
هذا مذهب عليه عامة أهل العلم قال ابن المنذر : [ أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي صلى الله عليه و سلم القتل ] و ممن قاله مالك و الليث و أحمد و إسحاق و هو مذهب الشافعي قال : و حكي عن النعمان لا يقتل يعني الذي هم عليه من الشرك : أعظم

(1/9)


و قد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي صلى الله عليه و سلم القتل كما أن حد من سب غيره الجلد و هذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة و التابعين أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي صلى الله عليه و سلم يجب قتله إذا كان مسلما و كذلك قيده القاضي عياض فقال : أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين و سابه و كذلك حكي عن غير واحد الإجماع على قتله و تكفيره
و قال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام : [ أجمع المسلمون على أن من سب رسوله الله صلى الله عليه و سلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز و جل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز و جل : أنه كافر بذلك و إن مقرا بكل ما أنزل الله
قال الخطابي : [ لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله ]
و قال محمد بن سحنون : [ أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه و سلم و المتنقص له كافر و الوعيد جار عليه بعذاب الله له و حكمه عند الأمة القتل و من شك في كفره و عذابه كفر ]

(1/9)


و تحرير القول فيه : إن الساب إن كان مسلما فإنه يكفر و يقتل بغير خلاف و هو مذهب الأئمة الأربعة و غيرهم و قد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه و غيره و إن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك و أهل المدينة و سيأتي حكاية ألفاظهم و هو مذهب أحمد و فقهاء الحديث
و قد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة قال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : [ كل من شتم النبي صلى الله عليه و سلم أو تنقصه ـ مسلما كان أو كافراـ فعليه القتل و أرى أن يقتل و لا يستتاب ] قال : و سمعت أبا عبد الله يقول : [ كل من نقض العهد و أحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد و الذمة و كذلك قال أبو الصفراء : سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه و سلم ماذا عليه ؟ قال : إذا قامت البينة عليه يقتل من شتم النبي صلى الله عليه و سلم مسلما كان أو كافرا ] رواهما الخلال
و قال في رواية عبد الله و أبي طالب و قد سئل عن شتم النبي صلى الله عليه و سلم قال :
يقتل قيل له : فيه أحاديث ؟ قال : نعم أحاديث منها : حديث الأعمى الذي قتل المرأة قال : سمعتها تشتم النبي صلى الله عليه و سلم و حديث حصين أن ابن عمر قال : [ من شتم النبي صلى الله عليه و سلم قتل ] و كان عمر بن عبد العزيز يقول : يقتل و ذلك أنه من شتم النبي صلى الله عليه و سلم فهو مرتد عن الإسلام و لا يشتم مسلم النبي صلى الله عليه و سلم زاد عبد الله : سألت أبي عمن شتم النبي صلى الله عليه و سلم يستتاب ؟ قال : قد وجب عليه القتل و لا يستتاب لأن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله عليه و سلم و لم يستتبه رواهما أبو بكر في [ الشافي ] و في رواية أبي طالب : سئل أحمد عمن شتم النبي صلى الله عليه و سلم قال : يقتل قد نقض العهد
و قال حرب : سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه و سلم قال : يقتل إذا شتم النبي صلى الله عليه و سلم رواهما الخلال و قد نص على هذا في غير هذه الجوابات
فأقواله كلها نص في وجوب قتله و في أنه قد نقض العهد و ليس عنه في هذا اختلاف

(1/10)


و كذلك ذكر عامة أصحابه متقدمهم و متأخرهم لم يختلفوا في ذلك إلا أن القاضي في المجرد ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها و فيها ضرر على المسلمين و آحادهم في نفس أو مال و هي :
الإعانة على قتال المسلمين و قتل المسلم أو المسلمة و قطع الطريق عليهم و أن يؤوي للمشركين جاسوسا و أن يعين عليهم بدلالة مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين و أن يزني بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح و أن يفتن مسلما عن دينه
قال : فعليه الكف عن هذا شرط أو لم يشرط فإن خالف انتقض عهده و ذكر نصوص أحمد في بعضها مثل نصه في الزنا بالمسلمة و في التجسس للمشركين و قتل المسلم و إن كان عبدا كما ذكره الخرقي ثم ذكر نصه في قذف المسلم على أنه لا ينتقض عهده بل يحد حد القذف قال : فتخرج المسألة على روايتين ثم قال : [ و في معنى هذه الأشياء ذكر الله و كتابه و دينه و رسوله بما لا ينبغي ] فهذه أربعة أشياء الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها ليس ذكرها شرطا في صحة العقد فإن أتوا واحدة منها نقضوا الأمان سواء كان مشروطا في العهد أو لم يكن و كذلك قال في [ الخلاف ] بعد ما ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال و الأقوال
قال : [ و فيه رواية أخرى لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية و جري أحكامنا عليهم ]
ثم ذكر نصه على أن الذمي إذا قذف المسلم يضرب قال : [ فلم يجعله ناقضا للعهد بقذف المسلم مع ما فيه من الضرر عليه بهتك عرضه ]
و تبع القاضي جماعة من أصحابه و من بعدهم ـ مثل الشريف أبي جعفر و آبن عقيل و أبي الخطاب و الحلواني ـ فذكروا أنه لا خلاف في أنهم إذا امتنعوا من أداء الجزية و التزام أحكام الملة انتقض عهدهم و ذكروا في جميع هذه الأفعال و الأقوال التي فيها ضرر على المسلمين و آحادهم في نفس أو مال أو فيها غضاضة على المسلمين في دينهم مثل سب الرسول و ما مثله روايتين أحداهما : ينتقض العهد بذلك و الأخرى : لا ينتقض عهده و تقام في حدود ذلك مع أنهم كلهم متفقون على أن المذهب انتقاض العهد بذلك
ثم إن القاضي و الأكثرين لم يعدوا قذف المسلم من الأمور المضرة الناقضة مع أن الرواية المخرجة إنما خرجت من نصه في القذف
و أما أبو الخطاب و من تبعه فنقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف كما نقلوا حكم القذف إليها حتى حكوا في افتقاد العهد بالقذف روايتين :
ثم إن هؤلاء كلهم و سائر الأصحاب ذكروا مسألة سب النبي صلى الله عليه و سلم في موضع آخر و ذكروا أن سابه يقتل و إن كاب ذميا و أن عهده ينتقض و ذكروا نصوص أحمد من غير خلاف في المذهب إلا أن الحلواني قال : [ و يحتمل أن لا يقتل من سب الله و رسوله إذا كان ذميا ]
و سلك القاضي أبو الحسين في نواقص العهد طريقة ثانية توافق قولهم هذا فقال : [ أما الثمانية التي فيها ضرر على المسلمين و آحادهم في مال أو نفس فإنها تنقض العهد في أصح الروايتين ] و أما ما فيه إدخال غضاضة و نقص على الإسلام ـ و هي ذكر الله و كتابه و دينه و رسوله بما لا ينبغي ـ فإنه ينقض العهد نص عليه و لم يخرج في هذه رواية أخرى كما ذكرها أولئك في أحد الموضعين و هذا أقرب من تلك الطريقة و على الرواية التي تقول [ لا ينقض العهد بذلك ] فإنما [ ذلك ] إذا لم يكن مشروطا عليه في العقد فأما إن كان مشروطا ففيه وجهان أحدهما : ينتقض قاله الخرقي
و قال أبو الحسن الأمدي : [ و هو الصحيح في كل ما شرط عليهم تركه ]
صحح قول الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم و الثاني : لا ينتقض قاله القاضي و غيره صرح أبو الحسن بذلك هنا كما ذكره الجماعة فيما إذا أظهروا دينهم و خالفوا هيئتهم من غير إضرار كإظهار الأصوات بكتابهم و التشبه بالمسلمين مع أن هذه الأشياء كلها يجب عليهم تركها بخوصها
و هاتان الطريقتان ضعيفتان و الذي عليه عامة المتقدمين من أصحابنا و من تبعهم من المتأخرين إقرار نصوص أحمد على حالها فقد نص في مسائل سب الله و رسوله على انتقاض العهد في غير موضع و على أنه يقتل و كذلك فيمن جس على المسلمين أو زنى بمسلمة على انتقاض عهده و قتله في غير موضع و كذلك نقله الخرقي فيمن قتل مسلما و قطع الطريق أولى و قد نص أحمد على أن قذف المسلم و سحره لا يكون نقضا لعهد في غير موضع هذا هو الواجب لأن تخريج حكم المسألتين إلى الأخرى و جعل المسألتين على روايتين ـ مع و جود الفرق بينهما نصا و استدلالا أو مع وجود معنى يجوز أن يكون مستندا للفرق ـ غير جائز و هذا كذلك
و كذلك قد وافقنا على انتقاض العهد بسب النبي صلى الله عليه و سلم جماعة لم يوافقوا على الإنتقاض ببعض هذه الأمور

(1/11)


و أما الشافعي فالمنصوص عنه نفسه أن عهده ينتقض بسب النبي صلى الله عليه و سلم و أنه يقتل هكذا حكاه ابن المنذر و الخطابي و غيرهما
و المنصوص عنه في [ الأم ] أنه قال : [ إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب و ذكر الشروط إلى أن قال : و على أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه و سلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين و جميع المسلمين و نقض ما أعطي عليه الأمان و حل لأمير المؤمنين ماله و دمه كما تحل أموال أهل الحرب و دماؤهم و على أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنا أو آسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورة المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده و أحل دمه و ماله و إن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم ] أ ه
ثم قال : [ فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فبها و إن لم يرضها فلا عقد له و لا جزية ]
ثم قال : [ و أيهم فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد و أسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا و كذاك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد ]
و إن فعل مما و صفنا و شرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم و لكنه قال : [ أتوب و أعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده ] عوقب و لم يقتل إلا أن يقول فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول يعاقب عليه و لا يقتل ]
قال : [ فإن فعل أو قال ما وصفنا و شرط أنه يحل دمه فظفر به فامتنع من أن يقول : [ أسلم أو أعطي جزية ] قتل و أخذ ماله فيئا ]
و نص في [ الأم ] أيضا أن العهد لا ينتقض بقطع الطريق و لا بقتل المسلم و لا بالزنا بالمسلمة و لا بالتجسس بل يحد فيما فيه الحد و يعاقب عقوبة منكلة فيما فيه العقوبة و لا يقتل إلا أن يجب عليه القتل
قال : [ و لا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار و الامتناع بذلك ]
قال : و لو قال : [ أؤدي الجزية و لا أقر بحكم ] نبذ إليه و لم يقاتل على ذلك مكانه و قيل : قد تقدم لك أمان بأدائك للجزية و إقرارك بها و قد أجلناك في أن تخرج من بلاد الإسلام ثم إذا خرج فبلغ مأمنه قتل إن قدر عليه
فعلى كلامه المأثور عنه يفرق بين ما فيه غضاضة على الإسلام و بين الضرر بالفعل أو يقال : يقتل الذمي بسبه و إن لم ينقض عهده كما سيأتي إن شاء الله تعالى

(1/13)


و أما أصحابه فذكروا ـ فيما إذا ذكر الله أو كتابه أو رسوله بسوء ـ وجهين : أحدهما : ينقض عهده بذلك سواء شرط عليهم تركه أو لم يشرط بمنزلة ما إذا قاتلوا المسلمين و امتنعوا من التزام الحكم كطريقة أبي الحسين من أصحابنا و هذه طريقة أبي إسحاق المروزي
و منهم من خص سب رسول الله صلى الله عليه و سلم وحده أنه يوجب القتل
و الثاني : أن السب كالأفعال التي على المسلمين فيها ضرر من قتل المسلم و الزنا بالمسلمة و الجس و ما ذكر معه و ذكروا في تلك الأمور وجهين : أحدهما : أنه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بفعلها وجهان و الثاني : لم ينتقض العهد بفعلها مطلقا
و منهم من حكى هذه الوجوه أقوالا و هي أقوال مشار إليها فيجوز أن تسمى أقوالا و وجوها هذه طريقة العراقيين وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها لا شرط انتقاض العهد بفعلها كما ذكره أصحابنا
و أما الخراسانيون فقالوا : المراد بالاشتراط هنا شرط انتقاض العهد بفعلها لا شرط تركها قالوا : لأن الترك موجب لنفس العقد و لذلك ذكروا في تلك الخصال المضرة ثلاثة أوجه أحدها : ينتقض بفعلها و الثاني : لا ينتقض و الثالث : إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض و إلا فلا
و منهم من قال : إن شرط نقض وجها واحدا و إن لم يشرط فوجهان و حسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هذا فقالوا حكاية عنهم : إن لم يجر شرط لم ينتقض العهد و إن جرى فوجهان و يلزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنه إن لم يجر شرط الانتقاض بهذه الأشياء لم ينتقض بها وجها واحدا و إن صرح بشرط تركها انتقض و هذا غلط عليهم و الذي نصروه في كتب الخلاف أن سب النبي صلى الله عليه و سلم ينقض العهد و يوجب القتل كما ذكرناه عن الشافعي نفسه

(1/15)


و أما أبو حنيفة و أصحابه فقالوا : لا ينتقض العهد بالسب و لا يقتل الذمي بذلك لكن يعزر على إظهار ذلك كما يعزر على إظهار المنكرات التي ليس لهم فعلها من إظهار أصواتهم بكتابهم و نحو ذلك و حكاه الطحاوي عن الثوري و من أصولهم أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل و الجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله و كذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك و يحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك و يسمونه القتل سياسة و كان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تغلظت بالتكرار و شرع القتل في جنسها و لهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي صلى الله عليه و سلم من أهل الذمة و إن أسلم بعد أخذه و قالوا : يقتل سياسة و هذا متوجه على أصولهم

(1/16)


و الدلائل على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله و وجوب قتله و قتل المسلم إذا أتى ذلك : الكتاب و السنة و إجماع الصحابة و التابعين و الاعتبار
أما الكتاب فيستنبط ذلك منه من مواضع :

(1/16)


أحدها : قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون } [ التوبة : 29 ]
فأمرنا بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية و هم صاغرون و لا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطائهم الجزية و معلوم أن إعطاء الجزية من حين بذلها و التزامها إلى حين تسليمها و إقباضها فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء و وجب الكف عنهم إلى أن يقبضوناها فيتم الإعطاء فمتى لم يلتزموها أو التزموها أولا و امتنعوا من تسليمها ثانيا لم يكونوا معطين للجزية لأن حقيقة الإعطاء لم توجد و إذا كان الصغار حالا لهم في جميع المدة فمن المعلوم أن من أظهر سب نبينا في وجوهنا و شتم ربنا على رؤوس الملأ منا و طعن في ديننا في مجامعنا فليس بصاغر لأن الصاغر الذليل الحقير و هذا فعل متعزز مراغم بل هذا غاية ما يكون من الإذلال لنا و الإهانة
قال أهل اللغة : الصغار الذل و الضيم يقال : صغر الرجل ـ بالكسر ـ يصغر ـ بالفتح ـ صغرا و صغرا و الصاغر : الراضي بالضيم و لا يخفى على المتأمل أن إظهار السب و الشتم لدين الأمة التي اكتسبت شرف الدنيا و الآخرة ليس فعل راض بالذل و الهوان و هذا ظاهر لا خفاء به
و إذا كان قتالهم واجبا علينا إلا أن يكونوا صاغرين و ليسوا بصاغرين كان القتال مأمورا به و كل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتل إذا قدرنا عليه
و أيضا فإنا لو كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد لهم عهد الذمة بدونها و لو عقد لهم عقدا فاسدا فيبقون على الإباحة
و لا يقال فيهم : فهم يحسبون أنهم معاهدون فتصير لهم شبهة أمان و شبهة الأمان كحقيقته فإن من تكلم بكلام يحسبه الكافر أمانا كان في حقه أمانا و إن لم يقصده المسلم
لأنا نقول : لا يخفى عليهم أنا لم نرض بأن يكونوا تحت أيدينا مع إظهار شتم ديننا و سب نبينا و هم يدرون أنا لا نعاهد ذميا على مثل هذه الحال فدعواهم أنهم اعتقدوا أنا عاهدناهم على مثل هذا ـ مع اشتراطنا عليهم أن يكونوا صاغرين تجري عليهم أحكام الملة ـ دعوى كاذبة فلا يلتفت إليها
و أيضا فإن الذين عاهدوهم أول مرة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل عمر و قد علمنا أنه يمتنع أن يعاهدهم عهدا خلاف ما أمر الله به في كتابه
و أيضا فإنا سنذكر شروط عمر و أنها تضمنت أن من أظهر الطعن في ديننا حل دمه و ماله
الموضع الثاني : قوله تعالى : { كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ـ إلى قوله ـ و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } [ التوبة : 12 ]
نفى سبحانه أن يكون لمشرك عهد ممن كان النبي صلى الله عليه و سلم قد عاهدهم إلا قوما ذكرهم فإنه جعل لهم عهدا ما داموا مستقيمين لنا فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيما و معلوم أن مجاهرتنا بالشتيمة و الوقيعة في ربنا و نبينا و كتابنا و ديننا يقدح في الاستقامة كما تقدح مجاهرتنا بالمحاربة في العهد بل ذلك أشد علينا إن كنا مؤمنين فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا و أموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا و لا يجهر في ديارنا بشيء من أذى الله و رسوله فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقدح في أهون الأمرين كيف يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما ؟
يوضح ذلك قوله تعالى : { كيف و إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا و لا ذمة } [ التوبة : 8 ] أي كيف يكون لهم عهد و لو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم و بينهم و لا العهد الذي بينكم و بينهم ؟ فعلم أن من كانت حاله أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا و بينه من العهد لم يكن له عهد و من جاهرنا بالطعن في ديننا كان ذلك دليلا على أنه لو ظهر لم يرقب العهد الذي بيننا و بينه فإنه إذا كان مع وجود العهد و الذلة يفعل هذا فكيف يكون مع العزة و القدرة ؟ و هذا بخلاف من لم يظهره لنا مثل هذا الكلام فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد لو ظهر
و هذه الآية و إن كانت في أهل الهدنة الذين يقيمون في دارهم فإن معناها ثابت في أهل الذمة المقيمين في دارنا بطريق الأولى
الموضع الثالث : قوله تعالى : { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر } [ التوبة : 12 ] و هذه الآية تدل من وجوه
أحدها : أن مجرد نكث الأيمان مقتض للمقاتلة و إنما ذكر الطعن في الدين و أفرده بالذكر تخصيصا له بالذكر و بيانا لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال و لهذا يغلظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين كما سنذكره إن شاء الله تعالى أو يكون ذكره على سبيل التوضيح و بيان سبب القتال فإن الطعن في الدين هو الذي يجب أن يكون داعيا إلى قتالهم لتكون كلمة الله هي العليا و أما مجرد نكث اليمين فقد يقاتل لأجله شجاعة و حمية و رياء أو يكون ذكر الطعن في الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية بقوله تعالى : { فقاتلوا أئمة الكفر } و بقوله تعالى : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول و هم بدأوكم أول مرة أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم } [ التوبة : 13 ـ 14 ]
فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين جاز أن يؤمن و يعاهد و أما من طعن في الدين فإنه يتعين قتاله و هذه كانت سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه كان يهدر دماء من آذى الله و رسوله و طعن في الدين و إن أمسك عن غيره و إذا كان نقض العهد وحده موجبا للقتال و إن تجرد عن الطعن علم أن الطعن في الدين إما سبب آخر أو سبب مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة و إلا كان ذكره ضائعا
فإن قيل : هذا يفيد أن من نكث عهده و طعن في الدين يجب قتاله أما من طعن في الدين فقط فلم تتعرض الآية له بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا الحكم لأن الحكم المعلق بصفتين لا يجب وجوده عند وجود إحداهما
فإن قيل : هذا يفيد أن من نكث عهده و طعن في الدين يجب قتاله أما من طعن في الدين فقط فلم تتعرض الآية له بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا الحكم لأن الحكم المعلق بصفتين لا يجب وجوده عند وجود إحداهما
قلنا : لا ريب أنه لا بد أن يكون لكل صفة تأثير في الحكم و إلا فالوصف العديم التأثير لا يجوز تعليق الحكم به كمن قال : [ من زنى و أكل جلد ] ثم قد يكون كل صفة مستقلة بالتأثير لو انفردت كما يقال : يقتل هذا لأنه مرتد زان و قد يكون مجموع الجزاء مرتبا على المجموع و لكل وصف تأثير في البعض كما قال : { و الذين لا يدعون مع الله ألها آخر } [ الفرقان : 68 ] الآية و قد تكون تلك الصفات متلازمة كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثرا على سبيل الاستقلال أو الاشتراك فيذكر إيضاحا و بيانا للموجب كما يقال : كفروا بالله و برسوله و عصى الله و رسوله و قد يكون بعضها مستلزما للبعض من غير عكس كما قال : { إن الذين يكفرون بآيات الله و يقتلون النبيين بغير حق } [ آل عمران : 21 ] الآية و هذه الآية من أي الأقسام فرضت كان فيها دلالة لأن أقصى ما يقال إن نقض العهد هو المبيح للقتال و الطعن في الدين مؤكد له و موجب له
فنقول : إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا و بينه عهد و يوجبه فأن يوجب قتال من بيننا و بينه ذمة و هو ملتزم للصغار أولى و سيأتي تقرير ذلك على أن المعاهد له أن يظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا و الذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئا من دينه الباطل و إن لم يؤذنا فحاله أشد و أهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ذمة فلو فرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد لم يكن الذمي كذلك
الوجه الثاني : أن الذمي إذا سب الرسول أو سب الله أو عاب الإسلام علانية فقد نكث يمينه و طعن في ديننا لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك و يؤدب عليه فعلم أنه لم يعاهد عليه لأنا لو عاهدناه عليه ثم فعله لم تجز عقوبته و إذا كنا قد عاهدناه على أن لا يطعن في ديننا ثم يطعن في ديننا فقد نكث في دينه من بعد عهده و طعن في ديننا فيجب قتله بنص الآية و هذه دلالة قوية حسنة لأن المنازع يسلم لنا أنه ممنوع من ذلك بالعهد الذي بيننا و بينه
لكن نقول : ليس إظهار كل ما منع منه نقض عهده كإظهار الخمر و الخنزير و نحو ذلك فنقول : قد وجد منه شيئان : ما منعه منه العهد و طعن في الدين بخلاف أولئك فإنه لم يوجد منهم إلا فعل ما هم ممنوعون منه بالعهد فقط و القرآن يوجب قتل من نكث يمينه من بعد عهده و طعن في الدين و لا يمكن أن يقال [ لم ينكث ] لأن النكث هو مخالفة العهد فمتى خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من نكث الحبل و هو نقض قواه و نكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة كما يحصل بنقض جميع القوى لكن قد بقي من قواه ما يستمسك الحبل به و قد يهن بالكلية
و هذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا و قد شعث العهد حتى تبيح عقوبتهم كما أن بعض الشروط في البيع و النكاح و نحوهما قد يبطل البيع بالكلية كما وصفه بأنه فرس فظهر بعيرا و قد يبيح الفسخ كالإخلال بالرهن و الضمين هذا عند من يفرق في المخالفة و أما من قال [ ينتقض العهد بجميع المخالفات ] فلأمر ظاهر على قوله و على التقديرين قد اقتضى العقد : أن لا يظهروا شيئا من عيب ديننا و أنهم متى أظهروه فقد نكثوا و طعنوا في الدين فيدخلون في عموم الآية لفظا و معنى و مثل هذا العموم يبلغ درجة النص

(1/16)


الوجه الثالث : أنه سماهم أئمة الكفر لطعنهم في الدين و أوقع الظاهر موقع المضمر لأن قوله { أئمة الكفر } إما أن يعني به الذين نكثوا أو أطعنوا أو بعضهم و الثاني لا يجوز لأن الفعل الموجب للقتال صدر من جميعهم فلا يجوز تخصيص بعضهم بالجزاء إذ العلة يجب طردها إلا لمانع و لا مانع و لأنه علل ذلك ثانيا بأنهم بلا أيمان لهم و ذلك يشمل جميع الناكثين الطاعنين و لأن النكث و الطعن وصف مشتق مناسب لوجوب القتال و قد رتب عليه بحرف الفاء ترتيب الجزاء على شرطه و ذلك نص في أن ذلك الفعل هو الموجب للثاني فثبت أنه عنى الجميع فليزم أن الجميع أئمة كفر و إمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه و إنما صار إماما في الكفر لأجل الطعن فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك و هو مناسب لأن الطعن في الدين [ لأن ] يعيبه و يذمه و يدعو إلى خلاف و هذا شأن الإمام فثبت أن كل طاعن في الدين فهو إمام في الكفر
فإذا طعن الذمي في الدين فهو إمام في الكفر فيجب قتاله لقوله تعالى : { فقاتلوا أئمة الكفر } و لا يمين له لأنه عاهدنا على أن لا يظهر عيب الدين و خالف و اليمين هنا المراد بها العهود لا القسم بالله فيما ذكره المفسرون و هو كذلك فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يقاسمهم بالله عام الحديبية و إنما عاقدهم عقدا و نسخة الكتاب معروفة ليس فيها قسم و هذا لأن اليمين يقال : إنما سميت بذلك لأن المعاهدين يمد كل منها يمينه إلى الآخر ثم غلبت حتى صار مجرد الكلام بالعهد يسمى يمينا و يقال سميت يمينا لأن اليمين هي القوة و الشدة كما قال الله تعالى : { لأخذنا منه باليمين } [ الحاقة : 45 ] فلما كان الحلف معقودا مشددا سمي يمينا فاسم اليمين جامع للعقد الذي بين العبد و بين ربه و إن كان نذرا و منه قول النبي صلى الله عليه و سلم : [ النذر حلفة ] و قوله : [ كفارة النذر كفارة اليمين ] و قول جماعة من الصحابة للذي نذر اللجاج و الغضب :
كفر يمينك و للعهد الذي بين المخلوقين و منه قوله تعالى : { و لا تنفضوا الأيمان بعد توكيده } [ النحل : 91 ] و النهي عن نقض العهود و إن لم يكن فيها قسم و قال تعالى : { و من أوفى بما عاهد عليه الله } [ الفتح : 10 ] و إنما لفظ العهد [ بايعناك على أن لا نفر ] و ليس فيه قسم و قد سماهم معاهدين لله و قال تعالى : { و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام } [ النساء : 1 ] قالوا : معناه يتعاهدون و يتعاقدون لأن كل واحد من المعاهدين إنما عاهده بأمانة الله و كفالته و شهادته فثبت أن كل من طعن في ديننا بعد أن عاهدناه عهدا يقتضي أن لا يفعل ذلك فهو إمام في الكفر لا يمين له و فيجب قتله بنص الآية و بهذا يظهر الفرق بينه و بين الناكث الذي ليس بإمام و هو من خالف شيء مما صولحوا عليه من غير الطعن في الدين

(1/21)


الوجه الرابع : أنه قال تعالى : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول و هم بداوكم أول مرة } [ التوبة : 13 ] فجعل همهم بإخراج الرسول الله صلى الله عليه و سلم من المحضضات على قتالهم و ما ذاك إلا لما فيه من الأذى و سبه أغلظ من الهم بإخراجه بدليل أنه صلى الله عليه و سلم عفا عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه و لم يعف عمن سبه فالذمي إذا أظهر سبه فقد نكث عهده و فعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول و بدأ بالأذى فيجب قتاله
الوجه الخامس : قوله تعالى : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم و يخزهم و ينصركم عليهم و يشف صدور قوم مؤمنين و يذهب غيظ قلوبهم و يتوب الله على من يشاء و الله عليم حكيم } [ التوبة : 14 ـ 15 ]

(1/23)


أمر سبحانه بقتال الناكثين الطاعنين في الدين و ضمن لنا ـ إن فعلنا ذلك ـ أن يعذبهم بأيدينا و يخزيهم و ينصرنا عليهم و يشفي صدور المؤمنين الذين تأذوا من نقضهم و طعنهم و أن يذهب غيظ قلوبهم لأنه رتب ذلك على قتالنا ترتيب الجزاء على الشرط و التقدير : إن تقاتلوهم يكن هذا كله فدل على أن الناكث الطاعن مستحق هذا كله و إلا فالكفار يدالون علينا المرة و ندال عليهم الآخرى و إن كانت العاقبة للمتقين و هذا تصديق ما جاء في الحديث [ ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو ] و التعذيب بأيدينا هو القتل فيكون الناكث الطاعن مستحقا للقتل و الساب لرسول الله صلى الله عليه و سلم ناكث طاعن كما تقدم فيستحق القتل و إنما ذكر سبحانه النصر عليهم و أنه يتوب من بعد ذلك على من يشاء لأن الكلام في قتال الطائفة الممتنعة فأما الواحد المستحق للقتل فلا ينقسم حتى فيه { يعذبه الله و يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } على أن قوله { من يشاء } يجوز أن يكون عائدا إلى من لم يطعن بنفسه و إنما أقر الطاعن فسميت الفئة طاعنة لذلك و عند التمييز فبعضهم دون بعضهم مباشر و لا يلزم من التوبة على الرده التوبة على المباشر ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم أهدر عام الفتح دم الذين باشروا الهجاء و لم يهدر دم الذين سمعوه و أهدر دم بني بكر و لم يهدر الذين أعاروهم السلاح

(1/24)


الوجه السادس : أن قوله تعالى : { و يشف صدور قوم مؤمنين و يذهب غيظ قلوبهم } [ التوبة : 15 ] دليل على أن شفاء الصدور من ألم النكث و الطعن و ذهاب الغيظ الحاصل في صدور المؤمنين من ذلك أمر مقصود للشارع مطلوب الحصول و أن ذلك يحصل إذا جاهدوا كما جاء في الحديث المرفوع : [ عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الله يدفع الله به عن النفوس الهم و الغم ]

(1/25)


لا ريب أن من أظهر الرسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الذمة و شتمه فإنه يغيظ المؤمنين و يؤلمهم أكثر مما لو سفك دماء بعضهم و أخذ أموالهم فإن هذا يثير الغضب لله و الحمية له و لرسوله و هذا القدر لا يهيج في قلب المؤمن غيظا أعظم منه بل المؤمن المسدد لا يغضب هذا الغضب إلا الله و الشارع يطلب شفاء صدور المؤمنين و ذهاب غيظ قلوبهم و هذا إنما يحصل بقتل الساب لأوجه :
أحدها : أن تعزيزه و تأديبه يذهب غيظ قلوبهم إذا شتم واحدا من المسلمين أو فعل نحو ذلك فلو أذهب غيظ قلوبهم إذا شتم الرسول لكان غيظهم من شتمه مثل غيظهم من شتم واحد منهم و هذا باطل
الثاني : أن شتمه أعظم عندهم من أن يؤخذ بعض دمائهم ثم لو قتل واحدا منهم لم يشف صدورهم إلا قتله فإن لا تشفى صدورهم إلا بقتل الساب [ أولى و أحرى ]
الثالث : أن الله تعالى جعل قتالهم هو السبب في حصول الشفاء و الأصل عدم سبب آخر يحصله فيجب أن يكون القتل و القتال هو الشافي لصدور المؤمنين من مثل هذا
الرابع : أن النبي صلى الله عليه و سلم لما فتحت مكة و أراد أن يشفي صدور خزاعة ـ و هم القوم المؤمنون ـ من بني بكر الذين قاتلوهم مكنهم منهم نصف النهار أو أكثر مع أمانة لسائر الناس فلو كان الشفاء صدورهم و ذهاب غيظ قلوبهم يحصل بدون القتل للذين نكثوا و طعنوا لما فعل ذلك مع أمانه للناس

(1/25)


الموضع الرابع : قوله سبحانه : { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم } [ التوبة : 62 ] فإنه يدل على أن أذى النبي صلى الله عليه و سلم محاددة لله و لرسوله لأنه قال هذه الآية عقب قوله تعالى : { و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن } الآية [ التوبة : 61 ] ثم قال : { يحلفون بالله لكم ليرضوكم و الله و رسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فلو لم يكونوا بهذا الأذى محادين لم يحسن أن يوعدوا بأن للمحاد نار جهنم لأن يمكن حينئذ أن يقال : قد علموا أن للمحاد نار جهنم لكنهم لم يحادوا و إنما آذوا فلا يكون في الآية و عيد لهم فعلم أن هذا الفعل لا بد أن يندرج في عموم المحادة ليكون و عيد المحاد و عيدا له و يلتئم الكلام
و يدل على ذلك أيضا ما روى الحاكم في صحيحه بإسناد صحيح [ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان في ظل حجرة من حجره و عنده نفر من المسلمين فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعين شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلمه فقال : علام تشتمني أنت و فلان و فلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله و اعتذروا إليه ] فأنزل الله تعالى : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفوا له كما يحلفون لكم و يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } [ المجادلة : 18 ] ثم قال بعد ذلك : { إن الذين يحادون الله و رسوله } فعلم أن هذا داخل في المحادة
و في رواية أخرى صحيحة أنه نزل قوله { يحلفون لكم لترضوا عنهم } [ التوبة : 96 ]
و قد قال : { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } [ التوبة : 62 ] ثم قال عقبه : { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فثبت أن هؤلاء الشاتمين محادون و سيأتي ـ إن شاء الله ـ زيادة في ذلك
و إذا كان الأذى محادة لله و رسوله فقد قال تعالى : { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز } [ المجادلة : 21 ] و الأذل : أبلغ من الذليل و لا يكون أذل حتى يخاف على نفسه و ماله إن أظهر المحادة لأنه إن كان دمه و ماله معصما لا يستباح فليس بأذل يدل عليه قوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله و حبل من الناس } [ آل عمران : 112 ] فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد فعلم أن من له عهد و حبل لا ذلة عليه و إن كانت عليه المسكنة فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة و قد جعل المخادعين في الأذلين فلا يكون لهم عهد إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه الآية و هذا ظاهر فإن الأذل هو الذي ليس له قوة يمتنع بها ممن أراده بسوء فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره و منعه بأذل فثبت أن المحاد لله و لرسوله لا يكون له عهد يعصمه و المؤذي للنبي صلى الله عليه و سلم محاد فالمؤذي للنبي ليس له عهد يعصم دمه و هو المقصود
و أيضا فإنه قال تعالى : { إن الذين يحادون الله و رسوله كتبوا كما كتب الذين من قبلهم } [ المجادلة : 5 ] و الكبت : إذلال و الخزي و الصرع قال الخليل : الكبت هو الصرع على الوجه و قال النضر بن شميل و ابن قتيبة : هو الغيظ و الحزن و هو في الأشقاق الأكبر من كبده كأن الغيظ و الحزن أصاب كبده كما يقال : أحرق الحزن و العداوة كبده و قال أهل التفسير : كتبوا أهلكوا و أخزوا و حزنوا فثبت أن المحادة أن مكبوت مخزى ممتل غيظا و حزنا هالك و هذا إنما يتم إذا خاف إن أظهر المحاداة أن يقتل و إلا فمن أمكنه إظهار المحادة و هو آمن على دمه و ماله فليس بمكبوت بل مسرور جذلان و لأنه قال : { كتبوا كما كتب الذين من قبلهم } و الذين من قبلهم ممن حاد الرسل و حاد رسول الله إنما كتبه الله بأن أهلكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين و الكبت و إن كان يحصل منه نصيب لكل من لم ينل غرضه كما قال سبحانه : { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } [ آل عمران : 127 ] لكن قوله تعالى : { كما كبت الذين الذين من قبلهم } يعني محادي الرسل دليل على الهلاك أو كتم الأذى بيبين ذلك أن المنافقين هم من المحادين فهم مكبوتون بموتهم بغيظم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قتلوا فيجب أن يكون كل محاد كذلك

(1/26)


و أيضا فقوله تعالى : { كتب الله لأغلبن أنا و رسلي } [ المجادلة 21 ] عقب قوله : { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين } دليل على أن المحادة مغالبة و معاداة حتى يكون أحد المتحادين غالبا و الآخر مغلوبا و إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم فعلم أن المحاد ليس بمسالم و الغلبة للرسل بالحجة و القهر فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه و من لم يؤمر بالحرب ملك عدوه و هذا أحسن من قول من قال : [ إن الغلبة للمحارب بالنصر و لغير المحارب بالحجة فعلم أن هؤلاء المحادين محاربون مغلوبون ]
و أيضا فإن المحادة من المشاقة لأن المحادة من الحد و الفصل و البينونة و كذلك المشاقة من الشق و هو لهذا المعنى فهما جميعا بمعنى المقاطعة و المفاصلة و لهذا يقال : إنما سميت بذلك لأن كل واحد من المحادين و المتشاقين في حد و شق من الآخر و ذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حاد بعضهم بعضا فلا حبل لمحاد لله و لرسوله
و أيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فإن الله سبحانه قال : { فاضربوا فوق الأعناق و اضربوا منهم كل بنان و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب } [ الأنفال : 13 ] فأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم و محادتهم فكل من حاد و شاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة
و أيضا فإنه تعالى قال : { و لولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب النار و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله } [ الحشر : 4 ] و التعذيب هنا ـ و الله أعلم القتل لأنهم قد عذبوا بما دون ذلك من الإجلاء و أخذ الأموال فيجب تعذيب من شاق الله تعالى و رسوله و من أظهر المحادة فقد شاق الله و رسوله بخلاف من كتمها فإنه ليس بمحاد و لا مشاق
و هذه الطريقة أقوى في الدلالة يقال : هو محاد و إن لم يكن مشاقا و لهذا جعل جزاء المحاد مطلقا أن يكون مكتوبا كما كبت من قبله و أن يكون في الأذلين و جعل جزاء المشاق القتل و التعذيب في الدنيا و لن يكونا مكبوتا كما كبت من قبله في الأذلين إلا لم يمكنه إظهار محادته فعلى هذا تكون المحادة أعم و لهذا ذكر أهل التفسير في قوله تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } الآية [ المجادلة : 22 ] إنها نزلت فيمن قتل [ من ] المسلمين أقاربه في الجهاد و فيمن أراد أن يقتل [ من ] تعرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم بالأذى من كافر أو منافق قريب له فعلم أن المحاد يعم المشاق و غيره
و يدل على ذلك أنه قال سبحانه : { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم } الآيات إلى قوله { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } و إنما نزلت في المنافقين الذين تولوا اليهود المغضوب عليهم و كان أولئك اليهود أهل عهد من النبي صلى الله عليه و سلم ثم إن الله سبحانه بين أن المؤمنين لا يوادون من حاد الله و رسوله و لا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود و إن كانوا أهل ذمة لأنه سبب النزول و ذلك يقتضي أن أهل الكتاب محادون لله و رسوله و إن كانوا معاهدين و يدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم و الكافر و إن كان له عهد و ذمة و على هذا التقدير يقال : عوهدوا على أن يظهروا المحادة و لا يعلنوا بها بالإجماع كما تقدم و كما سيأتي فإذا أظهروا صاروا محادين لا عهد لهم مظهرين للمحادة و هؤلاء مشاقون فيستحقون خزي الدنيا من القتل و نحوه و عذاب الآخرة

(1/28)


فإن قيل : إذا كان كل يهودي محادا لله و رسوله فمن المعلوم أن العهد يثبت لهم مع التهود و ذلك ينفض ما قدمتم من أن المحاد لا عهد له
قيل : من سلك هذه الطريقة قال : المحاد لا عهد له مع إظهار المحادة فأما إذا لم يظهر لنا المحادة فقد أعطيناه العهد و قوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله و حبل من الناس } [ آل عمران : 112 ] يقتضي أن الذلة تلزمه فلا تزول إلا بحبل من الله و حبل من الناس و حبل المسلمين معه على أن لا يظهر المحادة بالإتفاق فليس معه حبل مطلق بل حبل مقيد فهذا الحبل لا يمنعه أن يكون أذل فعل ما لم يعاهد عليه أو يقول صاحب هذا المسلك : الذلة لازمة لهم كل حال كما أطلقت في سورة البقرة و قوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله } يجوز أن يكون تفسيرا للذلة أي ضربت عليهم أنهم أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا إلا بحبل من الناس فالحبل لا يرفع الذلة و إنما يرفع بعض موجباتها و هو القتل فإن من كان لا يعصم دمه إلا بعهد فهو ذليل و إن عصم دمه بالعهد لكن هذا التقدير تضعف الدلالة الأولى من المحدة و الطريقة الأولى أجود كما تقدم و في زيادة تقريرها طول
الموضع الخامس : قوله سبحانه : { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة } [ الأحزاب : 57 ] و هذه الآية توجب قتل من آذى الله و رسوله كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره و العهد لا يعصم من ذلك لأنا لم نعاهدهم على أن يؤذوا الله و رسوله
و يوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم [ من لكعب بن الأشراف فإنه قد آذى الله و رسوله ] فندب المسلمين إلى يهودي كان معاهدا لأجل أنه آذى الله و رسوله فدل ذلك على أنه لا يوصف كل ذمي بأنه يؤذي الله و رسوله و إلا لم يكن فرق بينه و بين غيره و لا غيره و لا يصح أن يقال : اليهود ملعونون في الدنيا و الآخرة مع إقرارهم على ما يوجب ذلك لأنا لم نقرهم على إظهار أذى الله و رسوله و إنما أقررناهم على أن يفعلوا بينهم كما هو من دينهم

(1/30)


و أما الآيات الدالات على كفر الشاتم و قتله أو على أحدهما إذا لم يكن معاهدا و إن كان مظهرا للإسلام ـ فكثيرة مع أن هذا مجمع عليه كما تقدم حكاية الإجماع عن غير واحد
منها قوله تعالى : { و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل : أذن خير لكم } إلى قوله : { و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } [ التوبة : 61 ] إلى قوله : { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله و لرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة فيجب أن يكون داخلا فيه و لولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفا إذ أمكن أن يقال : إنه ليس بمحاد و دل ذلك على أن الإيذاء و المحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدا فيها و لم يقل [ هي جزاؤه ] و بين الكلامين فرق بل المحادة هي المعاداة و المشاقة و ذلك كفر و محاربة فهو أغلظ من مجرد الكفر فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله عليه و سلم كافرا عدوا لله و رسوله محاربا لله و رسوله لأن المحادة اشتقاقها من المباينة بأن يصير كل واحد منهما في حد كما قيل [ المشاقة : أن يصير كل منهما في شق و المعاداة : أن يصير كل منهما في عداوة ]
[ إذا كان من يواد المحاد ليس بمؤمن فكيف بالمحاد نفسه ]
و في الحديث أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه و سلم فقال : [ من يكفيني عدوي ] و هذا ظاهر قد تقدم تقريره و حينئذ فيكون كافرا حلال الدم لقوله تعالى : { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين } [ المجادلة : 20 ] و لو كان مؤمنا معصوما لم يكن أذل لقوله تعالى : { و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين } [ المنافقون : 8 ] و قوله تعالى : { كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } [ المجادلة : 5 ] و المؤمن لا يكبت كما كبت مكذبوا الرسل قط و لأنه قد قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } الآية [ المجادلة : 22 ] فإذا كان من يواد المحاد ليس بمؤمن فكيف بالمحاد نفسه ؟ و قد قيل : إن من سبب نزولها أن أبا قحافة شتم النبي صلى الله عليه و سلم فأراد الصديق قتله
أو أن ابن أبي تنقص النبي صلى الله عليه و سلم فستأذن ابنه النبي صلى الله عليه و سلم في قتله لذلك فثبت أن المحاد كافر حلال الدم

(1/32)


و أيضا فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين و بين المحادين لله و رسوله و المعادين لله و رسوله فقال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم } الآية [ المجادلة : 22 ] و قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة } [ الممتحنة : 1 ] فعلم أنهم ليسوا من المؤمنين
و أيضا فإنه قال سبحانه : { و لولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله فإن الله شديد العقاب } [ الحشر : 4 ] فجعل سبب استحقاقهم العذاب في الدنيا و لعذاب النار في الآخرة مشاقة الله و رسوله و المؤذي للنبي صلى الله عليه و سلم مشاق لله و رسوله كما تقدم و العذاب هنا هو الإهلاك بعذاب من عنده أو بأيدينا و إلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذهاب الأموال و فراق الأوطان
و قال سبحانه : { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فأضربوا فوق الأعناق و آضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله } [ الأنفال : 12 ، 13 ] فجعل إلقاء الرعب في قلوبهم و الأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم لله و رسوله فكل من شاق الله و رسوله يستوجب ذلك

(1/33)


قال مجاهد : [ هو أذن ] يقولون : سنقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا
و قال الوالبي عن ابن عباس : [ يعني أنه يسمع من كل أحد ]
قال بعض أهل التفسير : [ كان رجال من المنافقين يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم و يقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس : بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا فإنما محمد أذن سامعة ] فأنزل الله هذه الآية [ التوبة : 61 ]
و قال ابن اسحاق : كان نبتل بن الحارث الذي قال النبي صلى الله عليه و سلم فيه : [ من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث ] ينم حديث النبي إلى المنافقين فقيل له : لا تفعل فقال : إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا عليه فأنزل الله هذه الآية [ التوبة : 61 ]
و قولهم [ أذن ] قالوا : ليتبينوا أن كلامهم مقبول عنده فأخبر الله أنه لا يصدق إلا المؤمنين و إنما يسمع الخبر فإذا حلفوا له فعفا عنهم كان ذلك لأنه أذن خير لا لأنه صدقهم
قال سفيان بن عيينة : [ أذن خير يقبل منكم ما أظهرتم من الخبر و من القول و لا يؤاخذكم بما في قلوبكم و يدع سرائركم إلى الله تعالى و ربما تضمنت هذه الكلمة نوع استهزاء و استخفاف ] فإن قيل : فقد روى نعيم بن حماد [ قال ] [ حدثنا محمد بن ثورعن يونس عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم لا تجعل لفاجر و لفاسق عندي يدا و لا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } ]
قال سفيان : يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان رواه أبو أحمد العسكري و ظاهر هذا أن كل فاسق لا يبغي مودته فهو محاد لله و رسوله مع أن هؤلاء ليسوا منافقين النفاق المبيح للدم

(1/34)


قيل : المؤمن الذي يحب الله و رسوله ليس على الإطلاق بكافر و لا منافق و إن كانت له ذنوب كثيرة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لنعمان و قد جلد في الخمر غير مرة [ إنه يحب الله و رسوله ] لأن مطلق المجادة يقتضي مطلق المقاطعة و المصارمة و المعاداة و المؤمن ليس كذلك لكن قد يقع اسم النفاق على من أتى بشعبة من شعبه و لهذا قالوا : [ كفر دون كفر ] و [ ظلم دون ظلم ] و [ فسق دون فسق ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم [ كفر بالله تبرؤ من نسب و إن دق ] و [ من حلف بغير الله فقد أشرك ] و [ آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب و إذا وعد خلف و إذا آئتمن خان ]
قال ابن أبي ملكية : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كلهم يخاف النفاق على نفسه
فوجه هذا الحديث أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم عنى بالفاجر المنافق فلا ينقض الاستدلال
أو يكون عنى كل فاجر لأن الفجور مظنة النفاق فما من فاجر إلا يخاف فجوره صادرا عن مرض في القلب أو موجبا له فإن المعاصي بريد الكفر فإذا أحب الفاسق فقد يكون محبا لمنافق فحقيقة الإيمان بالله و اليوم الآخر أن لا يواد من أظهر من الأفعال ما يخاف معها أن يكون محادا لله و رسوله فلا ينقض الاستدلال أيضا
أو أن تكون الكبائر من شعب المحادة لله و رسوله فيكون مرتكبها محادا من وجه و إن كان مواليا لله و رسوله من وجه آخر و يناله من الذلة و الكبت بقدر قسطه من المحادة كما قال الحسن : [ و إن طقطقت بهم البغال و هملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه ] فالعاصي يناله من الذلة و الكبت بحسب معصيته و إن كان له من عزة الإيمان بحسب إيمانه كما يناله من الذم و العقوبة

(1/35)


و حقيقة الإيمان أن لا يواد المؤمن من حاد الله بوجه من وجوه المودة المطلقة و قد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها و بغض من أساء إليها فإذا اصطنع الفاجر إليه يدا أحبه المحبة التي جبلت القلوب عليها فيصير موادا له مع أن حقيقة الإيمان توجب عدم مودته من ذلك الوجه و إن كان معه من أصل الإيمان ما يستوجب به أصل المودة التي تستوجب أن يحض بها دون الكافر و المنافق و على هذا فلا ينتقض الاستدلال أيضا لأن من آذى النبي صلى الله عليه و سلم فإنه أظهر حقيقة المحادة و رأسها الذي يوجب جميع أنواع المحادة فاستوجب الجزاء المطلق و هو جزاء الكافرين كما أن من أظهر النفاق و رأسه استوجب ذلك و إن لم يستوجبه من أظهر شعبة من شعبه و الله سبحانه أعلم
الدليل الثاني : قوله سبحانه : { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل : استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون و لئن سألتهم ليقولن : إنما كنا نخوض و نلعب قل : أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم طائفة بأنهم كانوا مجرمين } [ التوبة : 64 ـ 66 ] و هذا نص في أن الاسهتزاء بالله و بآياته و برسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى و قد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه و سلم جادا أو هازلا فقد كفر
و قد روي عن رجال من العلم ـ منهم ابن عمر و محمد بن كعب و زيد بن أسلم و قتادة ـ دخل حديث بعضهم في بعض أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا و لا أكذب ألسنا و لا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه القراء فقال له عوف بن مالك : كذبت و لكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه و سلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد ارتحل و ركب ناقته فقال : يا رسول الله إنما كنا نلعب و نتحدث حديث الركب نقطع به عنا [ ء ] الطريق قال ابن عمر : كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم و إن الحجارة لتنكب رجليه و هو يقول : إنما كنا نخوض و نلعب فيقول له رسول الله صلى الله عليه و سلم { أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون } ما يلتفت إليه و لا يزيده عليه و قال مجاهد : قال رجل من المنافقين : يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا و كذا و ما يدريه ما الغيب فأنزل الله عز و جل هذه الآية
و قال معمر عن قتادة : بينا النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك و ركب من المنافقينيسيون بين يديه فقالوا : أيظن هذا أن يفتح قصور الروم و حصونها ؟ فأطلع الله نبيه صلى الله عليه و سلم على ما قالوا فقال النبي صلى الله عليه و سلم [ علي بهؤلاء النفر ] فدعا بهم فقال : أقلتم كذا و كذا ؟ فحلفوا ما كنا إلا نخوض و نلعب و قال معمر : قال الكلبي : كان رجل منهم لم يماثلهم في الحديث يسير عائبا لهم فنزلت : { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } [ التوبة : 66 ] فسمي طائفة و هو واحد
فهؤلاء لما تنقصوا النبي صلى الله عليه و سلم حيث عابوه و العلماء من أصحابه و استهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك و إن قالوه استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك ؟ و إنما لم يقم الحد عليهم لكون جهاد المنافقين لم يكن قد أمر به إذ ذاك بل كان مأمورا بأن يدع أذاهم و لأنه كان له أن يعفو عمن تنقصه و آذاه
الدليل الثالث : قوله سبحانه : { و منهم من يلزمك في الصدقات } [ التوبة : 58 ] و اللمز : العيب و الطعن قال مجاهد : يتهمك [ و ] يزريك و قال عطاء : يغتابك و قال تعالى : { و منهم الذين يؤذون النبي } الآية [ التوبة : 61 ] و ذلك يدل على أن كل من لمزه أو آذاه كان منهم لأن [ الذين ] و [ من ] اسمان موصولان و هما من صيغ العموم و الآية و إن كانت نزلت بسبب لمز قوم و إيذاء آخرين فحكمها عام كسائر الآيات اللواتي نزلن على أسباب و ليس بين الناس خلاف نعلمه أنها تعم الشخص الذي نزلت بسببه و من كان حاله كحاله و لكن إذا كان اللفظ أعم من ذلك السبب فقد قيل : إنه يقتصر على سببه و الذي عليه جماهير الناس أنه يجب الأخذ بعموم القول ما لم يقم دليل بوجوب القصر على السبب كما هو مقرر في موضعه
و أيضا فإن كونه منهم حكم متعلق بلفظ مشتق من اللمز و الأذى و هو مناسب لكونه منهم فيكون ما منه الاشتقاق هو علة لذلك الحكم فيجب اطراده
و أيضا فإن الله سبحانه و إن كان قد علم منهم النفاق قيل هذا القول لكن لم يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه بل قال : { و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم } [ التوبة : 101 ] ثم إنه ابتلى الناس بأمور تميز بين المؤمنين و المنافقين كما قال سبحانه : { و ليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن المنافقين } [ العنكبوت : 11 ] و قال تعالى : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } [ آل عمران : 179 ]

(1/37)


و ذلك لأن الإيمان و النفاق أصله في القلب و إنما الذي يظهر من القول و الفعل فرع له دليل عليه فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه فلما أخبر سبحانه أن الذين يلزمون النبي صلى الله عليه و سلم و الذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق و فرع له و معلوم أنه إذا حصل فرع الشيء و دليله حصل أصله المدلول عليه فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقا سواء كان منافقا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون هذا القول دليلا للنبي صلى الله عليه و سلم على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم و إن لم يكن دليلا من غيرهم ؟
قلنا : إذا كان دليلا للنبي صلى الله عليه و سلم الذي يمكن أن يغنيه الله بوحيه عن الاستدلال فأن يكون دليلا فأن يكون دليلا لمن لا يمكنه معرفة البواطن أولى و أحرى
و أيضا لو لم تكن الدلالة مطردة في حق كل من صدر منه ذلك القول لم يكن في الآية زجر لغيرهم أن يقول مثل هذا القول و لا كان في الآية تعظيم لذلك القول بعينه فإن الدلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه و إن كانت أمرا مباحا كما لو قيل : من المنافقين صاحب الجمل الأحمر و صاحب الثوب الأسود و نحو ذلك فلما دل القرآن على ذم عين هذا القول و الوعيد لصاحبه علم أنه لم تقصد به الدلالة على المنافقين بأعيانهم فقط بل هو دليل على نوع من المنافقين
و أيضا فإن هذا القول مناسب للنفاق : فإن لمز النبي صلى الله عليه و سلم و أذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا و أنه أولى به من نفسه و أنه لا يقول إلا الحق و لا يحكم إلا بالعدل و أن طاعته لله و أنه يجب على جميع الخلق تعزيره و توقيره و إذا كان دليلا على النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق
و أيضا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما أن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفرا و الأول باطل لأن الله يسبحانه قد ذكر في القرآن أنواع العصاة من الزاني و القاذف و السارق و المطفف و الخائن و لم يجعل ذلك دليلا على نفاق معين و لا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا لا لمجرد كونها معصية لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلا على النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك و إلا كان ترجيحا بلا مرجح فثبت أنه لابد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلا على النفاق و كل ما كان كذلك فهو كفر

(1/40)


و أيضا فإن الله كما ذكر بعض الأقوال التي جعلهم بها من المنافقين و هو قوله تعالى : { ائذن لي و لا تفتني } قال في عقب ذلك { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله و اليوم الآخر } إلى قوله : { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر و ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } [ التوبة : 45 ] فجعل ذلك علامة مطردة على عدم الإيمان و على الريب مع أنه رغبة عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد استنفاره و إظهار من القاعد أنه معذور بالقعود و حاصله عدم إرادة الجهاد فلمزه و أذاه أولى أن يكون دليلا مطردا لأن الأول خذلان له و هذا محاربة له و هذا ظاهر

(1/41)


و إذا ثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه و سلم أو آذاه منهم فالضمير عائد إلى المنافقين و الكافرين لأنه سبحانه لما قال : { انفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } [ التوبة : 41 ] قال : { لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لاتبعوك و لكن بعدت عليهم الشقة و سيحلفون بالله } [ التوبة : 42 ] و هذا الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور و هم الذين حلفوا { لو استطعنا لخرجنا معكم } و هؤلاء هم المنافقون بلا ريب و لا خلاف ثم أعاد الضمير إليهم إلى قوله : { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله و برسوله } [ التوبة : 54 ] فثبت أن هؤلاء الذين أضمروا كفروا بالله و رسوله و قد جعل منهم من يلمز و منهم من يؤذي و كذلك قوله : { و ما هم منكم } إخراج لهم عن الإيمان
و قد نطق القرآن بكفر المنافقين في غير موضع و جعلهم أسوأ حالا من الكافرين و أنهم في الدرك الأسفل من النار و أنهم يوم القيامة يقولون للذين آمنوا : { انظرونا نقتبس من نوركم } الآية إلى قوله : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا } [ الحديد : 15 ] و أمر نبيه في آخر الأمر بأن لا يصلي على أحد منهم و أخبر أنه لن يغفر لهم و أمره بجهادهم و الإغلاظ عليهم و أخبر أنه إن لم ينتهوا ليغرين الله نبيه بهم حتى يقتلوا في كل موضع

(1/42)


الدليل الرابع على ذلك أيضا : قوله سبحانه و تعالى : { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما } [ النساء : 65 ] أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه في الخصومات التي بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقا من حكمه بل يسلموا لحكمه ظاهرا و باطنا و قال ذلك : { الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله و إلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } فبين سبحانه أن من دعي إلى التحاكم إلى كتاب الله و إلى رسوله فصد عن رسوله كان منافقا و قال سبحانه : { و يقولون آمنا بالله و بالرسول و أطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك و ما أولئك بالمؤمنين و إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون و إن يكن لهم الحق ياتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم و رسوله ؟ بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله و رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا و أطعنا } [ النور : 47 ـ 51 ] فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول و أعرض عن حكمه فهو من المنافقين و ليس بمؤمن و أن المؤمن هو الذي يقول : سمعنا و أطعنا فإذا كان النفاق يثبت و يزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول و إرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض و قد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقص و السب و نحوه ؟

(1/42)


و يؤيد ذلك ما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن دحيم في تفسيره حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقضى للمحق على المبطل فقال المقضي عليه : لا أرضى فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق فذهبا إليه فقال الذي قضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقضى لي عليه فقال أبو بكر : فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه و سلم فأبى صاحبه أن يرضى و قال : نأتي عمر بن الخطاب فأتياه فقال المقضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى ثم أتينا أبا بكر الصديق فقال : أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه و سلم فأبى أن يرضى فسأله عمر فقال كذلك فدخل عمر منزله فخرج و السيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله فأنزل الله تبارك و تعالى : { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ـ الأية } [ النساء : 65 ]
و هذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار
قال ابن دحيم : [ حدثنا الجوزجاني حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلان فقضي لأحدهما فقال الذي قضي عليه : ردنا إلى عمر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم نعم انطلقوا إلى عمر ] فانطلقا فلما اتيا عمر قال الذي قضي له : يا ابن الخطاب إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قضى لي و إن هذا قال : ردنا إلى عمر : فردنا إليك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر : أكذلك ؟ للذي قضي عليه قال : نعم فقال عمر : مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما فخرج مشتملا على سيفه فضرب الذي قال [ ردنا إلى عمر ] فقتله و أدبر الأخر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله قتل عمر صاحبي و لولا ما أعجزته لقتلني فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ما كنت أظن أن عمر يجتريء على قتل مؤمن ] فأنزل الله تعالى : { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } فبرأالله عمر من قتله
و قد رويت هذه القصة من غير هذين الوجهين قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل : ما أكتب حديث ابن لهيعة إلا للاعتبار و الاستدلال و قد كتبت حديث هذا الرجل بهذاغ المعنى كأني أستدل به مع غيره يشده لا أنه حجة إذا انفرد
الدليل الخامس مما استدل به العلماء على ذلك : قوله سبحانه تعالى : { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الأخرة و أعد لهم عذابا مهينا و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب : 58 ] و دلالتها من وجوه :

(1/43)


أحدها : أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته فمن ىذاه فقد آذى الله تعالى و قد جاء ذلك منصوصا عنه و من آذى الله فهو كافر حلال الدم يبين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله و رسوله و إرضاء الله و رسوله و طاعة الله و رسوله شيئا واحدا فقال تعالى : { قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله } الآية [ التوبة : 24 ] و قال تعالى : { و أطيعوا الله و الرسول } [ آل عمران : 132 ] في مواضع متعددة و قال تعالى : { و الله و رسوله أحق أن يرضوه } [ التوبة : 62 ] فوحد الضمير و قال أيضا : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } [ الفتح : 10 ] و قال أيضا : { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله و الرسول } [ الأنفال : ! ]
و جعل شقاق الله و رسوله و محادة الله و رسوله و أذى الله و رسوله و معصية الله و رسوله شيئا واحدا فقال : { ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاقق الله و رسوله } [ الأنفال : 13 ] و قال { إن الذين يحادون الله و رسوله } [ المجادلة : 20 ] و قال تعالى : { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } [ التوبة : 63 ] و قال : { و من يعص الله و رسوله } الآية [ النساء : 14 ]

(1/45)


و في هذا و غيره بيان لتلازم الحقين و أن جهة حرمة الله تعالى و رسوله جهة واحدة فمن آذى الرسول فقد آذى الله و من أطاعه فقد أطاع الله لأن الأمة لا يصلون ما بينهم و بين ربهم إلا بواسطة الرسول ليس لأحد منهم طريق غيره و لا سبب سواه و قد أقامه الله مقام نفسه في أمره و نهيه و إخباره و بيانه فلا يجوز أن يفرق بين الله و رسوله في شيء من هذه الأمور
و ثانيها : أنه فرق بين أذى الله و رسوله و بين أذى المؤمنين و المؤمنات فجعل على هذا أنه احتمل { بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب : 58 ] وجعل على ذلك اللعنة في الدينا و الآخرة و أعد له العذاب المهين و معلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم و فيه الجلد و ليس فوق ذلك إلا الكفر و القتل
الثالث : أنه ذكر لعنهم في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا و اللعن : الإبعاد عن الرحمة و من طرده عن رحمته في الدنيا و الآخرة لا يكون إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات و لا يكون مباح الدم لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله فلا يثبت في حقه
و يؤيد ذلك قوله : { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجارونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا } [ الأحزاب : 61 ] فإن أخذهم و تقتيلهم و الله أعلم بيان صفة لعنهم و ذكر لحكمه فلا موضع له من الإعراب و ليس بحال ثانية لأنهم إذا جاوروه ملعونين و لم يظهر أثر لعنهم في الدنيا لم يكن في ذلك و عيد لهم بل تلك اللعنة ثابتة قبل هذا الوعيد و بعده فلا بد أن يكون هذا الأخذ و التقتيل من آثار اللعنة التي وعدوها فيثبت في حق من لعنة الله في الدنيا و الآخرة
ويؤيده قول النبي صلى الله عليه و سلم [ لعن المؤمن كقتله ] متفق عليه فإذا كان الله قد لعن هذا في الدنيا و الآخرة فهو كقتله فعلم أن قتله مباح
قيل : و اللعن إنما يستوجبه من هو كافر لكن هذا جيدا على الإطلاق
و يؤيده قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا } [ النساء : 52 ] و لو كان معصوم الدم يجب على المسلمين نصره و لكان له نصير
يوضح ذلك أنه قد نزل في شأن ابن الأشرف و كان من لعنته أن قتل لأنه كان يؤذي الله و رسوله
و اعلم أنه لا يرد على هذا أنه قد لعن من لا يجوز قتله لوجوه :
أحدها : أن هذا قيل فيه [ لعنة الله في الدنيا و الآخرة ] فبين أنه سبحانه أقصاه عن رحمته في الدارين و سائر الملعونين إنما قيل فيهم [ لعنة الله ] أو [ عليه لعنة الله ] و ذلك يحصل بإقصائه عن الرحمة في وقت من الأوقات و فرق بين من لعنه الله أو عليه لعنة مؤبدة عامة و من لعنه لعنا مطلقا

(1/46)


الثاني : أن سائرالذين لعنهم الله في كتابه ـ مثل الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب و مثل الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و مثل من يقتل مؤمنا متعمدا ـ إما كافر أو مباح الدم بخلاف بعض من لعن في السنة

(1/47)


الثالث : أن هذه الصيغة خبر عن لعنة الله و لهذا عطف عليه { و أعد لهم عذابا مهينا } و عامة الملعونين الذين لا يقتلون أو لا يكفرون إنما لعنوا بصيغة الدعاء مثل قوله صلى الله عليه و سلم : [ لعن الله من غير منار الأرض ] و [ و لعن الله السارق ] و [ لعن الله آكل الربا و مأكله ] و نحو ذلك
لكن الذي يرد على هذا قوله تعالى : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم } [ النور : 23 ] فإن هذه الآية ذكر لعنتهم في الدنيا و الآخرة مع أن مجرد القذف ليس بكفر و لا يبيح الدم
و الجواب عن هذه الآية من طريقين مجمل و مفصل
أما المجمل فهو أن قذف المؤمن المجرد هو نوع من أذاه و إذا كان كذبا فهو بهتان عظيم كما قال سبحانه : { و لولا إذ سمعتموه قلتم : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا تسبحانك هذا بهتان عظيم } [ النور : 16 ]

(1/48)


و القرآن قد نص على الفرق بين أذى الله و رسوله و بين أذى المؤمنين فقال تعالى : { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب : 58 ] فلا يجوز أن يكون مجرد أذى المؤمنين بغير حق موجبا للعنة الله في الدنيا و الآخرة و للعذاب المهين إذ لو كان كذلك لم يفرق بين أذى الله و رسوله و بين أذى المؤمنين و لم يخصص مؤذي الله و رسوله باللعنة المذكورة و يجعل جراء مؤذي المؤمنين أنه احتمل بهتانا و إثما مبينا كما قال في موضع آخر : { و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا } [ النساء : 112 ] كيف و العليم الحكيم إذا توعد على الخطيئة زاجرا عنها فلا بد أن يذكر أقصى ما يخاف على صاحبها فإذا ذكر خطيئتين إحداهما أكبر من الأخرى متوعدا عليهما زاجرا عنهما ثم ذكر في إحداهما جزاء عنها و ذكر في الأخرى ما هو دون ذلك ثم ذكر هذه الخطيئة في موضع آخر متوعدا عليها بالعذاب الأدنى بعينه علم أن جزاء الكبرى لا يستوجب بتلك التي هي أدنى منها
فهذا دليل يبين لك أن لعنة الله في الدنيا و الآخرة و إعداده العذاب المهين لا يستوجبه مجرد القذف الذي ليس فيه أذى الله و رسوله و هذا كاف في اطراد الدلالة و سلامتها عن النقص
و أما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه :
أحدهما : أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة في قول كثير من أهل العلم
فروى هشيم عن العوام بن خوشب حدثنا شيخ من بني كاهل قال : فسر ابن عباس سورة النور فلما أتى على هذه الآية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } إلى آخر الآية [ النور : 23 ] قال : هذه في شأن عائشة و أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة و هي مبهمة ليس فيها توبة و من قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ : { و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } إلى قوله : { إلا الذين تابوا من بعد ذلك و اصلحوا } [ النور : 5 ] فجعل لهؤلاء توبة و لم يجعل لأولئك توبة قال : فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر
و قال أبو سعيد الأشج : حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات } نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة و اللعنة في المنافقين عامة

(1/48)


فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة و أمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه و سلم و عيبته فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى الدياثة و إظهار لفساد فراشه فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيما و لهذا جوز له الشارع أمن يقذفها إذا زنت و درأ الحد عنه باللعان و لم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال و لعل ما يلحق بعض الناس و الخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف و لهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالأمة و الذمية و لها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما ألحقه من العار بولدها و زوجها المحصنين
و الرواية الأخرى عنه ـ و هو قول الأكثرين ـ إنه لا حد عليه لأنه أذى لهما لا قذف لهما و الحد التام إنما يجب بالقذف و في جانب النبي صلى الله عليه و سلم أذاه كقذفه و من يقصد عيب النبي صلى الله عليه و سلم بعيب أزواجه فهو منافق و هذا معنى قول ابن عباس [ اللعنة في المنافقين عامة ]
و قد وافق ابن عباس على هذا جماعة فروى الإمام أحمد و الأشج عن خصيف قال : سألت سعيد بن خبير فقلت : الزنا أشد أو قذف المحصنة ؟ قال : لا بل الزنا قال : قلت : و إن الله تعالى يقول : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة } [ النور : 23 ] فقال : إنما كان هذا في عائشة خاصة
و روى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة } [ النور : 23 ] قال : هذه لأمهات المؤمنين خاصة
و روى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال : هن نساء النبي صلى الله عليه و سلم
و قال معمر عن الكلبي : إنما عني بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه و سلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال تعالى أو يتوب و وجه هذا ما تقدم من أن لعنة الله في الدنيا و الآخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون اللام في قوله : { المحصنات الغافلات المؤمنات } لتعريف المعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه و سلم لأن الكلام في قصة الإفك و وقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو تقصير اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك
و يؤيد هذا القول أن الله سبحانه و تعالى رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات و قال في أول السورة : { و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } الآية [ النور : 4 ] فرتب الجلد و رد الشهادة و الفسق على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات و ذلك ـ و الله أعلم ـ لأن أزواج النبي صلى الله عليه و سلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين و هن أزواج نبيه في الدنيا و الآخرة و عوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان و لأن الله سبحانه قال في قصة عائشة : { و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } [ النور : 11 ] فتخصصه بتولي كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم و قال : { و لولا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا و الآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } [ النور : 14 ] فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف و إنما يمس متولي كبره فقط و قال هنا : { و لهم عذاب عظيم } فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين و يعيب بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم و تولى كبر الإفك و هذه صفة المنافق ابن أبي

(1/50)


و اعلم أنه علي هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضا موافقة لتلك الآية لأنه لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه و سلم فلعن صاحبه في الدنيا و الآخرة و لهذا قال ابن عباس : [ ليس فيها توبة ] لأن مؤذي النبي صلى الله عليه و سلم لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاما جديدا و على هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه و سلم أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة فإنه ما لعنت امرأة نبي قط

(1/52)


و مما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه و سلم ما خرجاه في الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة قالت : فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن المسلول قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ و هو على المنبر : يل معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا و لقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا و ما يدخل على أهلي إلا معي ] فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه و إن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة ـ و هو سيد الخزرج و كان قبل ذلك رجلا صالحا و لكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد بن معاذ : لعمر الله لا تقتله و لا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير ـ و هو ابن عم سعد بن معاذ ـ فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت : فثار الحيان الأوس و الخزرج حتى هموا أن يقتتلوا و رسول الله صلى الله عليه و سلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخفضهم حتى سكتوا و سكت
و في رواية أخرى صحيحة قالت لما ذكر من شأني الذي ذكر و ما علمت به قام رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطيبا و ما علمت به فتشهد و حمد الله و أثنى عليه بما هو أهله أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي و أيم الله ما علمت على أهلي سوءا قط و أبنوهم بمن و الله ما علمت عليه من سوء قط و لا دخل بيتي قط إلا و أنا حاضر و لا كنت في سفر إلا غاب معي فقام سعد ابن معاذ فقال : يا رسول الله مرني أن أضرب أعناقهم
فقوله [ من يعذرني ] أي : من ينصفني و يقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من أذاه في أهل بيتي و الله لهم فثبت أنه صلى الله عليه و سلم قد تأذى بذلك تأذيا استعذر منه و قال المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية : [ مرنا نضرب أعناقهم فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم ] و لم ينكر النبي صلى الله عليه و سلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم و قوله : إنك معذور إذا فعلت ذلك

(1/53)


بقي أن يقال : فقد كان من أهل الإفك مسطح و حسان و حمنة و لم يرموا بنفاق و لم يقتل النبي صلى الله عليه و سلم أحدا بذلك السبب بل قد اختلف في جلدهم
و جوابه : أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبي صلى الله عليه و سلم و لم يظهر منهم دليل على أذاه بخلاف ابن أبي الذي إنما كان قصده أذاه لم يكن إذ ذاك قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هن أزواج له في الآخرة و كان وقوع ذلك من أزواجه ممكنا في العقل و لذلك توقف النبي صلى الله عليه و سلم في القصة حتى استشار عليا و زيدا و حتى سأل بريرة فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبي صلى الله عليه و سلم لإمكان أن يطلق المرأة المقذوفة فأما بعد أن ثبت أنهن أزواجه في الآخرة و أنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال و لا يجوز ـ مع ذلك ـ أن تقع منهن فاحشة لأن في ذلك جواز أن يقيم الرسول مع امرأة بغي و أن تكون أم المؤمنين موسومة بذلك و هذا باطل و لهذا قال سبحانه : { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين } [ النور : 17 ] و سنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب كلام الفقهاء فيمن قذف نساءه و أنه معدود من أذاه
الوجه الثاني : أن الآية عامة قال الضحاك : قوله تعالى : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } [ النور : 23 ] يعني به أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة و يقول آخرون : يعني أزواج المؤمنين عامة
و قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : قذف المحصنات من الموجبات ثم قرأ : { إن الذين يرمون المحصنات } الآية [ النور : 23 ] و عن عمرو بن قيس قال : قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رواهما الأشج و هذا قول كثير من الناس و وجه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه و ليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم داخل في العموم و ليس هو من السبب و لأنه لفظ جمع و السبب في واحدة و لأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك و علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه و الفرق بين الآيتين أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد و رد الشهادة و التفسيق و هنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه و هي اللعنة في الدارين و العذاب العظيم

(1/54)


و روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير وجه و عن أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر و في لفظ في الصحيح [ قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ] و كان بعضهم يتأول على ذلك قوله : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات }
ثم اختلف هؤلاء :
فقال أبو حمزة الثمالي : بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم و بين رسول الله صلى الله صلى الله عليه و سلم عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة و قالوا : إنما خرجت تفجر فعلى هذا يكون فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان و يقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر الناس عن الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف و على هذا فمن فعل ذلك فهو كافر و هو بمنزلة من سب النبي صلى الله عليه و سلم
و قوله : [ إنها نزلت زمن العهد ] يعني ـ و الله أعلم ـ أنه عنى بها مثل أولئك المشركين المعاهدين و إلا فهذه الآية نزلت ليالي الإفك و كان الإفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق و الهدنة كانت بعد ذلك بسنتين
و منهم من أجراها على ظاهرها و عمومها لأن سبب نزولها قذف عائشة و كان فيمن قذفها مؤمن و منافق و سبب النزول لابد أن يندرج في العموم و لأنه لا موجب لتخصيصها

(1/55)


و الجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا : { لعنوا في الدنيا ة الآخرة } [ النور : 23 ] على بناء الفعل للمفعول و لم يسم اللاعن و قال هناك : { لعنهم الله في الدنيا و الآخرة } [ الأحزاب : 57 ] و إذا لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة و الناس و جاز أن يلعنهم الله في وقت و يلعنهم بعض خلقه و جاز أت يتولى الله لعنه بعضهم و هو من كان قذفه طعنا في الدين و يتولى خلقه لعنه الآخرين و إذا كان اللاعن مخلوقا فلعنته قد تكون بمعنى الدعاء عليهم و قد تكون بمعنى أنهم يبعدون عن رحمة الله
و يؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا و قال الزوج في الخامسة : [ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ] فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن يلعنه الله كما أمر الله رسوله أن يباهل من حاجة في المسيح بعد ما جاءه من العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يلعن به القاذف و مما يلعن به أن يجلد و أن ترد شهادته و يفسق فإنه عقوبة له و إقصاء له عن مواطن الأمن و القبول و هي من رحمة الله و هذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في الدنيا و الآخرة فإن الله توجب زوال النصر عنه من كل وجه و بعده عن أسباب الرحمة في الدارين ز

(1/56)


و مما يؤيد الفرق أنه قال هنا : { و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب : 57 ] و لم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار كقوله تعالى : { الذين يبخلون و يأمرون الناس بالبخل و يكتمون ما آتاهم الله من فضله و اعتدنا للكافرين عذابا مهينا } [ النساء : 37 ] و قوله : { فباؤا بغضب على غضب و للكافرين عذاب مهين } [ البقرة : 90 ] و قوله : { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين } [ آل عمران : 178 ] و قوله : { و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين } [ الحج : 57 ] و قوله : { و إذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين } [ الجاثية : 9 ] و قوله : { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين } [ المجادلة : 16 ] و أما قوله تعالى : { و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها و له عذاب مهين } [ النساء : 14 ] فهي و الله أعلم فيمن جحد الفرائض و استخف بها على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له

(1/57)


و أما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين في قوله : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } [ الأنفال : 68 ] و قوله : { و لولا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا الآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } [ النور : 14 ] و في المحارب : { ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم } [ المائدة : 33 ] و في القاتل : { و غضب الله عليه و لعنه و أعد له عذابا عظيما } [ النساء : 93 ] و قوله : { و لا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتنزل قدم بعد ثبوتها و تذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله و لكم عذاب عظيم } [ النحل : 94 ] و قد قال سبحانه : { و من يهن الله فما له من مكرم } [ الحج : 18 ] و ذلك لأن الإهانة إذلال و تحقير و خزي و ذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب الرجل الكريم و لا يهان

(1/57)


فلما قال في هذه الأية : { و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب : 57 ] علم أنه من جنس العذاب الذي توعد به الكفار و المنافقين و لما قال هنالك : { و لهم عذاب عظيم } [ البقرة : 7 ] جاز أن تكون من جنس العذاب في قوله : { لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } [ النور : 14 ]
و مما يبين الفرق أيضا أنه سبحانه و تعالى قال هنا : { و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب : 57 ] و العذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لا بد أن يدخلوها و ما هم منها بمخرجين و أهل الكبائر من الؤمنين يجوز أن لا يدخلوها إذا غفر الله لهم و إذا دخلوها فغنهم يخرجون منها و لو بعد حين
قال سبحانه : { و اتقوا النار التي أعدت للكافرين } [ آل عمران : 131 ] فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا و أن يتقوا الله و أن يتقوا النار التي أعدت للكافرين فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا و فعلوا المعاصي مع أنها معدة للكفار لا لهم و كذلك جاء في الحديث [ أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون ] [ و أما أقوام لهم ذنوب يصيبهم سفع من نار ثم يخرجهم الله منها ] و هذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء و الضراء و إن كان يدخلها الأبناء بعمل آبائهم و يدخلها قوم بالشفاعة و قوم بالرحمة و ينشىء الله فضل منها خلقا آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها و ذلك لأن الشيء إنما يعد لمن يستوجبه و يستحقه و لمن هو أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره بطريق التتبع أو لسبب آخر

(1/58)


الدليل السادس : قوله سبحانه : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون } [ الحجرات : 2 ] أي : حذر أن تحبط أعمالكم أو خشية أن تحبط أعمالكم أو كراهة أن تحبط أو منع أن تحبط هذا تقدير البصريين و تقدير الكوفيين لئلا تحبط
فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته و عن الجهر له كجهر بعضهم لبعض لأن هذا الرفع و الجهر قد يفضي إلى حبوط العمل و صاحبه لا يشعر فإنه علل نهيهم عن الجهر و تركهم له بطلب سلامة العمل عن الحبوط و بين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل و انعقاد سبب ذلك و ما يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب و العمل يحبط بالكفر قال سبحانه : { و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فألئك حبطت أعمالهم } [ البقرة : 217 ] و قال تعالى : { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } [ المائدة : 5 ] و قال : { و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام : 88 ] و قال : { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] و قال : { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم } [ محمد : 9 ] و قال : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } [ محمد : 28 ] كما أن الكفر إذا قارنه عمل لم يقبل لقوله تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين } [ المائدة : 27 ] و قوله : { الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } [ محمد : 1 ] و قوله : { و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله و برسوله } [ التوبة : 54 ] و هذا ظاهر و لا يحبط الأعمال غير الكفر لأن من مات على الإيمان فإنه لا بد أن يدخل الجنة و يخرج من النار إن دخلها و لو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط و لأن الأعمال غنما يحبطها ما ينافيها و لا ينافي الأعمال مطلقا إلا الكفر و هذا معروف من أصول أهل السنة نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى } [ البقرة : 264 ] و لهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر
فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي و الجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه و هو لا يشعر و يحبط عمله بذلك و أنه مظنة لذلك و سبب فيه فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزيز و التوقير و التشريف و التعظيم و الإكرام و الإجلال و لما رفع الصوت قد يشتمل على أذى له و استخفاف به و إن لم يقصد الرافع ذلك فإذا كان الأذى و الاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرا فالأذى و الاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى
الدليل السابع على ذلك : قوله سبحانه : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] أمر من خالف أمره أن يحذر الفتنة و الفتنة : الردة و الكفر قال سبحانه : { و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [ البقرة : 193 ] و قال : { و الفتنة أكبر من القتل } [ البقرة : 217 ] و قال : { و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها } [ الأحزاب : 14 ] و قال : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } [ النحل : 110 ]
قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد : نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم في ثلاثة و ثلاثين موضعا ثم جعل يتلو : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة } الآية [ النور : 63 ] و جعل يكررها و يقول : و ما الفتنة ؟ الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه و جعل يتلو هذه الآية : { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } [ النساء : 65 ]
و قال أبو طالب المشكاني و قيل له : إن قوما يدعون الحديث و يذهبون إلى رأي سفيان ـ فقال : [ أعجب لقوم سمعوا الحديث و عرفوا الإسناد و صحته يدعونه و يذهبون إلى رأي سفيان و غيره ! قال الله : { فاليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور : 63 ] و تدري ما الفتنة ؟ الكفر قال الله تعالى : { و الفتنة أكبر من القتل } [ البقرة : 217 ] فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و تغلبهم أهواؤهم إلى الرأي ] فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر و الشرك أو من العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر أو العذاب الأليم و معلوم أن إقضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما قد يقترن [ به ] من استخفاف بحق الأمر كما فعل إبليس فكيف لما هو أغلظ من ذلك كالسب و الانتقاص و نحوه ؟
و هذا باب واسع مع أنه بحمد الله مجمع عليه لكن إذا تعددت الدلالات تعاضدت على غلظ كفر الساب و عظم عقوبته و ظهر أن ترك الاحترام للرسول و سوء الأدب معه مما يخاف الكفر المحبط كان ذلك أبلغ فيما قصدنا له
و مما ينبغي أن يتفطن له أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره و ضعف أثره من الشر و المكروه ذكره الخطابي و غيره و هو كما قال و استقراء موارده يدل على ذلك مثل قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } [ آل عمران : 111 ] و قوله : { و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } [ البقرة : 222 ]
و فبما يؤثر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ القر بؤس و الحر أذى ] و قيل لبعض النسوة العربيات : القر أشد أم الحر ؟ فقالت : من يجعل البؤس كالأذى ؟ و البؤس خلاف النعيم و هو ما يشقي البدن و يضره بخلاف الأذى فإنه لا يبلغ ذلك و لهذا قال : { إن الذين يؤذون الله و رسوله } [ الأحزاب : 57 ]
و قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله : [ يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ] و قال : [ ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له ولدا و شريكا و هو يعافيهم و يرزقهم ]
و قد قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله : [ يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ] و قال سبحانه في كتابه : { و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا } [ آل عمران : 176 ] فبين أن الخلق لا يضرونه سبحانه بكفرهم و لكن يؤذونه تبارك و تعالى إذا سبوا مقلب الأمور و جعلوا له سبحانه ولدا أو شريكا و آذوا رسله و عباده المؤمنين ثم إن الأذى لا يضر المؤذي إذا تعلق بحق الرسول فقد رأيت عظم موقعه و بيانه أن صاحبه من أعظم الناس كفرا و أشدهم عقوبة فتبين بذلك أن قليل ما يؤذيه يكفر به صاحبه و يحل دمه
و لا يرد على هذا قوله تعالى : { لا تدخلوا بيوت النبي ـ إلى قوله ـ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم } [ الأحزاب : 53 ] فإن المؤذي له هنا إطالتهم الجلوس في المنزل و استئناسهم للحديث لا أنهم آذوا النبي صلى الله عليه و سلم
و الفعل إذا آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه و لم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه و يكون معصية كرفع الصوت فوق صوته فأما إذا قصد أذاه و كان مما يؤذيه و صاحبه يعلم أنه يؤذيه و أقدم عليه مع استحضار هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر و حبوط العمل و الله سبحانه أعلم

(1/59)


الدليل الثامن على ذلك : أن الله سبحانه قال : { و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } [ الأحزاب : 53 ] فحرم على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه و جعله عظيما عند الله تعظيما لحرمته و قد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس : [ لو قد توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوجت عائشة ] ثم إن من نكح أزواجه أو سراريه فإن عقوبته القتل جزاء له بما انتهك من حرمته فالشاتم له أولى
و الدليل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه [ عن زهير عن عفان عن حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولد النبي صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي : [ اذهب فاضرب عنقه ] ] فأتاه علي فإذا هو ركي يتبرد فقال له علي : اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي ثم أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر
فهذا الرجل أمر النبي صلى الله عليه و سلم بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته و لم يأمر بإقامة حد الزنا لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة بل إن كان محصنا رجم و إن كان غير محصن جلد و لا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر فلما أمر النبي صلى الله عليه و سلم بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته و لعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رأياه يباشر هذه المرأة أو شهدا بنحو ذلك فأمر بقتله فلما تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه أو أنه بعث عليا ليرى القصة فإن كان ما بلغه عنه حقا قتله و لهذا قال في هذه القصة او غيرها :
[ أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ]
و يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم تزوج قيلة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث و مات قبل أن يدخل بها و قبل أن تقدم عليه و قيل : إنه خيرها بين أن يضرب عليها الحجاب و تحرم على المؤمنين و بين أن يطلقها فتنكح من شاءت فاختارت النكاح قالوا : فلما مات النبي صلى الله عليه و سلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت فبلغ أبا بكر فقال : لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما فقال عمر : ما هي من أمهات المؤمنين و لا دخل بها و لا ضرب عليها الحجاب و قيل : إنها ارتدت فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم بارتدادها
فوجه الدلالة أن الصديق رضي الله عنه عزم على تحريقها و تحريق من تزوجها لما رأى أنها من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه فكف عنها لذلك فعلم أنهم كانوا يرون قتل من استحل حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم
و لا يقال : إن ذلك حد الزنا لأنها كانت محرمة عليه و من تزوج ذات محرم حد الزنا أو قتل لوجهين :
أحدهما : أن حد الزنا الرجم
الثاني : أن ذلك الحد يفتقر إلى ثبوت الوطء ببينة أو إقرار فلما أراد تحريق البيت مع جواز ألا يكون غشيها علم أن ذلك عقوبة ما انتهكه من حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/63)


و أما السنة فأحاديث :

(1/65)


الحديث الأول : ما رواه الشعبي عن علي أن اليهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه و سلم و تقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأظل رسول الله صلى الله عليه و سلم دمها
هكذا رواه أبو داود في سننه و ابن بطة في سننه
و هو من جملة ما استدل به الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله و قال : ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال : [ كان رجل من المسلمين ـ أعني أعمى ـ يأوي إلى امرأة يهودية فكانت تطعمه و تحسن إليه فكانت لا تزال تشتم النبي صلى الله عليه و سلم و تؤذيه فلما كان ليلة من الليالي خنقها فماتت فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فنشد الناس في أمرها فقام الأعمى فذكر أمرها فأطل النبي صلى الله عليه و سلم دمها
و هذا الحديث جيد فإن الشعبي رأى عليا و روى عنه حديث شراحة الهمدانية و كان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة و هو كوفي فقد ثبت لقاؤه فيكون الحديث متصلا ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي فهو حجة وفاقا لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلا إلا صحيحا ثم هو من أعلم الناس بحديث علي و أعلمهم بثقات أصحابه
و له شاهد حديث ابن عباس الذي يأتي : فإن القصة إما أن تكون واحدة أو يكون المعنى واحدا و قد عمل به عوام أهل العلم و جاء ما يوافقه عن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و مثل هذا المرسل لم يتردد الفقهاء في الاحتجاج به

(1/65)


و هذا الحديث نص في جواز قتلها لأجل شتم النبي صلى الله عليه و سلم و دليل على قتل الرجل الذمي و قتل المسلم و المسلمة إذا سبا بطريق الأولى لأن هذه المرأة كانت موادعة مهادنة لأن النبي صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة وادع جميع اليهود الذين كانوا بها موادعة مطلقة و لم يضرب عليهم جزية و هذا مشروع عند أهل العلم بمنزلة المتواتر بينهم حتى قال الشافعي : [ لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما نزل المدينة وادع اليهود كافة على غير جزية ] و هو كما قال الشافعي

(1/66)


و ذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود و هم بنو قينقاع و بنو النضير و بنو قريظة
و كان بنو قينقاع و النضير حلفاء الخزرج و كانت قريظة حلفاء الأوس فلما قدم النبي صلى الله عليه و سلم هادنهم و وادعهم مع إقراره لهم و لمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم و عهدهم الذي كانوا عليه حتى إنه عاهد اليهود على إذا حارب ثم نقض العهد بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة
قال محمد بن إسحاق يعني في أول ما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة [ و كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم كتابا بين المهاجرين و الأنصار وادع فيه يهود و عاهدهم و أقرهم على دينهم و أموالهم و اشترط عليهم و شرط لهم

(1/66)


قال ابن إسحاق : حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال كتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمدالنبي بين المسلمين و المؤمنين من قريش و يثرب و من تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم أنهم أمة واحدة دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى يفدون عانيهم بالمعروف و القسط بين المؤمنين و بنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى و كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين ثم ذكر لبطون الأنصار بني الحارث و بني ساعدة و بني جشم و بني عمرو بن عوف و بني الأوس و بني النبيت مثل هذا الشرط
ثم قال : و إن المؤمنين لا يتركون مفرحا منهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل و لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه إلى أن قال : و إن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم فإن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس و إنه من تبعنا من يهود فإن له النصر و الأسوة غير مظلومين و لا متناصر [ ين ] عليهم و إن سلم المؤمنين واحدة إلى أن قال : و إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين و إن ليهود بني عوف ذمة من المؤمنين لليهود دينهم و للمسلمين دينهم مواليهم و أنفسهم إلا من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه و أهل بيته و إن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف و إن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف و إن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف و إن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف و إن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف و إن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه و أهل بيته و إن لحقه بطن من ثعلبة مثله و إن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف و إن موالي ثعلبة كأنفسهم و إن بطانة يهود كأنفسهم ثم يقول فيها : و إن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم و إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله و إلى محمد صلى الله عليه و سلم و إن يهود الأوس و مواليهم و أنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة و فيها أشياء أخر و هذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم
روى مسلم في صحيحه عن جابر قال : [ كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل أن يتوالى رجل مسلم بغير إذنه ]
و قد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود فإنه له النصر و معنى الاتباع مسالمته و ترك محاربته لا الاتباع في الدين كما بينه في أثناء الصحيفة فكل من أقام بالمدينة و مخالفيها غير محارب من يهود دخل في هذا
ثم بين أن ليهود كل بطن من الأنصار ذمة من المؤمنين و لم يكن بالمدينة أحد من اليهود إلا و له حلف إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج و كان بنو قينقاع ـ و هم المجاورون بالمدينة و هم رهط عبد الله بن سلام ـ حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي رهم البطن الذين بدىء بهم في هذه الصحيفة

(1/67)


قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و حاربوا فيما بين بدر واحد فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نزلوا على حكمه فقام عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ حين أمكنه الله منهم فقال : يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ أرسلني ] و غضب حتى إن لوجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ظلالا و قال : [ ويحك أرسلني ] فقال : و الله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر و ثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر و الأسود تحصدهم في غداة واحدة ؟ إني و الله لامرؤ أخشى الدوائر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ هم لك ]
و أما النضير و قريظة فكانوا خارجا من المدينة و عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أشهر من أن يخفى على عالم
و هذه المقتولة ـ و الله أعلم ـ كانت من قينقاع لأن ظاهر القصة أنها كانت بالمدينة و سواء كانت منهم أو من غيرهم فإنها كانت ذمية لأنه لم يكن بالمدينة من اليهود إلا ذمي فإن اليهود كانوا ثلاثة أصناف و كلهم مهاهد
و قال الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر عن الحارث بن الفضيل عن محمد بن كعب القرظي قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وادعته يهود كلها فكتب بينه و بينها كتابا و ألحق رسول الله صلى الله عليه و سلم كل قوم بحلفائهم و جعل بينه و بينهم أمانا و شرط عليهم شروطا فكان فيما شرط أن لا يظاهروا عليه عدوا فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحاب بدر و قدم المدينة بغت يهود و قطعت ما كان بينها و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم من العهد فأرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم فجمهعم ثم قال : [ يا معشر يهود أسلموا فو الله إنكم لتعلمون أني رسول الله قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش ] فقالوا : يا محمد لا يغرنك من لقيت إنك لقيت أقواما أغمارا وإنا و الله أصحاب الحرب و لئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا

(1/69)


ثم ذكر حصارهم و إجلاءهم إلى أذرعات و هم بنو قينقاع الذين كانوا بالمدينة
فقد ذكر ابن كعب مثل ما في الصحيفة و بين أنه عاهد جميع اليهود و هذا مما لا نعلم فيه ترددا بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه و سلم و من تأمل الأحاديث المأثورة و السيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة

(1/70)


و إنما ذكرنا هذا لأن بعض المصنفين في الخلاف قال : [ يحتمل أن هذه المرأة ما كانت ذمية ]
و قائل هذا ممن ليس له بالسنة كثير علم و إنما يعلم منها في الغالب ما يعلمه العامة ثم إنه أبطل هذا الاحتمال فقال : [ لو لم تكن ذمية لم يكن للإهدار معنى فإذا نقل السب و الإهدار تعلق الجم بالزنا و القطع بالسرقة ] و هذا صحيح و ذلك أن في نفس الحديث ما يبين أنها كانت ذمية من وجهين :

(1/70)


أحدهما أنه قال : إن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه و سلم فخنقها رجل فأبطل دمها فرتب علي رضي الله عنه إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء يدل على العلية و إن كان ذلك في اللفظ الصحابي كما لو قال : [ زنا ماعز فرجم ] و نحو ذلك إذ لا فرق فيما يرويه الصحابي عن النبي صلى الله عليه و سلم من أمر و نهي و حكم و تعليل في الاحتجاج به أن يحكي لفظ النبي صلى الله عليه و سلم أو يحكى بلفظه معنى [ كلام ] النبي صلى الله عليه و سلم فإذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا أو نهانا عن كذا أو حكم بكذا أو فعل كذا لأجل كذا كان حجة لأنه لا يقدم على ذلك إلا بعد أن يعلم الذي يجوز له معه أن ينقله و تطرق الخطأ إلى مثل ذلك لا يلتفت إليه كتطرق النسيان و السهو في الرواية و هذا يقرر في موضعه
و مما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما ذكر له أنها قتلت نشذ الناس في أمرها فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها و هو صلى الله عليه و سلم إذا حكم بأمر عقب حكاية حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك الحكم لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث و لا سبب إلا ما حكي له و هو مناسب فتجب الإضافة إليه
الوجه الثاني : أن نشد النبي صلى الله عليه و سلم الناس في أمرها ثم إبطال دليل دمها على أنها كانت معصومة و أن دمها كان قد انعقد سبب ضمانه و كان مضمونا لو لم يبطله النبي صلى الله عليه و سلم لأنها لو كانت حربية لم ينشد الناس فيها و لم يحتج أن يبطل دمها و يهدره لأن الإبطال و الإهدار لا يكون إلا لدم قد انعقد له سبب الضمان ألا ترى أنه لما رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه أنكر قتلها و نهى عن قتل النساء و لم يهدره فإنه إذا كان في نفسه باطلا هدرا و المسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمون بل هو هدر لم يكن لإبطاله و إهداره وجه و هذا و لله الحمد ظاهر
فإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم قد عاهد المعاهدين اليهود عهدا بغير ضرب جزية عليهم ثم إنه أهدر دم يهودية من اليهود الذين ضربت عليهم الجزية و الزموا أحكام العلة لأجل ذلك أولى و أحرى و لو لم يكن قتلها جائزا ليبين للرجل قبح ما فعل فإنه قد قال صلى الله عليه و سلم : [ من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة ] و لأوجب ضمانها أو الكفارة [ كفارة قتل المعصوم ] فلما أهدر دمها علم أنه كان مباحا

(1/71)


الحديث الثاني : ما روى إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن عثمان الشحام عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه و سلم و تقع فيه فينهاها فلا تنتهي و يزجرها فلا تنزجر فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه و سلم و تشتمه فأخذ المغول فوضعه في بطنها و اتكأ عليها فقتلها فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فجمع الناس فقال : [ أنشد رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام ] قال : فقام الأعمى يتخطى الناس و هو يتدلدل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك و تقع فيك فأنهاها فلا تنتهي و أزجرها فلا تنزجر و لي منها ابنان مثل اللؤلؤتين و كانت بي رفيقة فلما كان البارحة جعلت تشتمك و تقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها و اتكأت عليه حتى قتلها فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ ألا اشهدوا أن دمها هدر ] رواه أبو داود النسائي
و المغول ـ بالغين المعجمة ـ قال الخطابي : شبيه المشمل نصلة دقيق ماض و كذلك قال غيره : هو سيف رقيق له قفا يكون غمده كالسوط و المشمل : السيف القصير سمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل أي يغطيه بثوبه و اشتقاق المغول من غاله الشيء و اغتياله إذا أخذه من حيث لم يدر و هذا الحديث مما استدل به الإمام أحمد و في رواية عبد الله قال : حدثنا روح حدثنا عثمان الشحام حدثنا عكرمة مولى ابن عباس أن رجلا أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه و سلم فقتلها فسأله عنها فقال : يل رسول الله إنها كانت تشتمك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ ألا إن دم فلانة هدر ]
فهذه القصة يمكن أن تكون هي الأولى و يدل عليه كلام الإمام أحمد لأنه قيل له في رواية عبد الله : في قتل الذمي إذا سب أحاديث ؟ قال : نعم منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة قال : سمعها تشتم النبي صلى الله عليه و سلم ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين و يكون قد خنقها و بعج بطنها بالمغول : أو يكون كيفية القتل غير محفوظ في إحدى الروايتين

(1/72)


و يؤيد ذلك أن وقوع قصتين مثل هذه لأعميين كل منهما كانت المرأة تحسن إليه و تكرر الشتم و كلاهما قتلها وحدة و كلاهما نشد رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها الناس بعيد في العادة و على هذا التقدير فالمقتولة يهودية كما جاء مفسرا في تلك الرواية و هذا قول القاضي أبي يعلى و غيره استدلوا بهذا الحديث على قتل الذمي و نقضه العهد و جعلوا الحديثين حكاية واقعة واحدة
و يمكن أن تكون هذه القصة غير تلك قال الخطابي : [ فيه بيان أن ساب النبي صلى الله عليه و سلم يقتل و ذلك أن السب منها لرسول الله صلى الله عليه و سلم ارتداد عن الدين و هذا دليل على أنه أعتقد أنها مسلمة و ليس في الحديث دليل على ذلك بل الظاهر أنها كافرة و كان العهد لها بملك المسلم إياها فإن رقيق المسلمين ممن يجوز استرقاقه لهم حكم أهل الذمة و هم أشد في ذلك من المعاهدين أو بتزوج المسلم بها فإن أزواج المسلمين من أهل الكتاب لهم حكم أهل الذمة في العصمة لأن مثل هذا السب الدائم لا يفعله مسلم الإ عن ردة و اختيار دين غير الإسلام و لو كانت مرتدة منتقلة إلى غير الإسلام لم يقرها سيدها على ذلك أياما طويلة و لم يكتف بمجرد نهيها عن السب بل يطلب منها تجديد الإسلام لا سيما إن كان يطوها فإن وطء المرتدة لا يجوز و الأصل عدم تغير حالها و أنها كانت باقية على دينها و مع ذلك إن الرجل لم يقل كفرت و لا ارتدت و إنما ذكر مجرد السب و الشتم فعلم أنه لم يصدر منها قدر زائد على السب و الشتم من انتقال من دين أو نحو ذلك
و هذه المرأة إما أن تكون زوجة لهذا الرجل أو مملوكة له و على التقديرين فلو لم يكن قتلها حائزا لبين النبي صلى الله عليه و سلم له أن قتلها كان محرما و أن دمها كان معصوما و لأوجب عليه الكفارة بقتل المعصوم و الدية إن لم تكن مملوكة له فلما قال : [ اشهدوا أن دمها هدر ] ـ و الهدر الذي لا يضمن بقود و لا دية و لا كفارة ـ علم أنه كان مباحا مع كونها ذمية فعلم أن السب أباح دمها لا سيما و النبي صلى الله عليه و سلم إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السب فعلم أنه الموجب لذلك و القصة ظاهرة الدلالة في ذلك

(1/73)


الحديث الثالث : ما احتج به الشافعي : على أن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه و سلم قتل و برئت منه الذمة و هو قصة كعب بن الأشرف اليهودي
قال الخطابي : قال الشافعي : [ يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه و سلم و تبرأ منه الذمة ] و احتج في ذلك بخبر ابن الأشرف و قال الشافعي في الأم : [ لم يكن بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم و لا قربه أحد من مشركي أهل الكتاب إلا يهود أهل المدينة و كانوا حلفاء الأنصار و لم تكن الأنصار أجمعت أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم إسلاما فوادعت يهود رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر و لا فعل حتى كانت وقعة بدر فتكلم بعضها بعداوته و التحريض عليه فقتل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم ]
و القصة مشهورة مسفيضة و قد رواها عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ؟ ] فقام محمد بن مسلمة فقال : أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم قال : فإذن لي أن أقول شيئا قال : قل قال : فأتاه و ذكره ما بينهم قال : إن هذا الرجل قد أراد الصدفة و عنانا فلما سمعه قال : و أيضا و الله لتملنه قال : إنا قد تبعناه الآن و نكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره قال : و قد أردت أن تسلفني سلفا قال : فما ترهنوني ؟ نساءكم قال : أنت أجمل العرب ؟ أنرهنك نساءنا ؟ قال : ترهنوني أولادكم قال : يسب ابن أحدنا فيقال : رهنت في و سقين من تمر و لمن نرهنك اللأمة يعني السلاح قال : نعم و واعده أن يأتيه بالحرب و أتى أبا عبس بن جبر و عباد بن بشر فجاؤا فدعوه ليلا فنزل إليهم قال سفيان : قال غير عمرو : قالت له امرأته : إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال : إنما هذا محمد و رضيعه أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب قال محمد : إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال : فلما نزل نزل و هو متوشح قالوا : نجد منك ريح الطيب قال : نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال : أفتأذن لي أن أشم منه ؟ قال : نعم فشم ثم قال : أتأذن لي أن أدعو ؟ قال : فاستمكن منه ثم قال : دونكم فقتلوه متفق عليه
و روى ابن أبي أويس عن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن لا يعين عليه و لا يقاتله ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلنا لمعادة النبي صلى الله عليه و سلم فكان أول ما خزع خزع عنه قوله :
( أذاهب أنت لم تحلل بمرفثة ... و تارك أنت أم الفضل بالحرم ؟ )
في أبيات يهجوه بها فعند ذلك ندب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى قتله و هذا محفوظ عن أبي أويس رواه الخطابي و غيره و قال : قوله [ خزع ] معناه قطع عهده و في رواية غير الخطابي [ فخزع منه هجاؤه له بقتله ] و الخزع : القطع يقال : خزع فلان عن أصحابه يخزع خزعا أي انقطع و تخلف و منه سميت خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم و أقاموا بمكة فعلى اللفظ الأول يكون التقدير أن قوله خزعة عن النبي صلى الله عليه و سلم أي أول غضاضة عنه بنقض العهد و على الثاني قيل : معناه قطع هجاء للنبي صلى الله عليه و سلم منه بمعنى أنه نقض عهده و ذمته و قيل : معناه خزع من النبي صلى الله عليه و سلم هجاء : أي نال منه و شعث منه و وضع منه
و ذكر أهل المغازي و التفسير مثل محمد بن إسحاق أن كعب بن الأشرف كان موادعا للنبي صلى الله عليه و سلم في جملة من وادعه من يهود المدينة و كان عربيا من بني طي و كانت أمه من بني النضير قالوا : فلما قتل أهل بدر شق ذلك عليه و ذهب إلى مكة و رثاهم لقريش و فضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } [ النساء : 51 ]
ثم رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها رسول الله صلى الله عليه و سلم و شبب بنساء المسلمين حتى قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله و رسوله ؟ ] و ذكر قصة مبسوطة
و قال الواقدي : حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان و معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك و إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر و ذكر القصة إلى قتله قال : ففزعت يهود و من معها من المشركين فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم حين أصبحوا فقالوا : قد طرق صاحبنا الليلة و هو سيد من ساداتنا قتل غيلة بلا جرم و لا حدث علمناه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل و لكنه نال منا الأذى و هجانا بالشعر و لم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف ] و دعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه فكتبوا بينهم تحت العذق في دار رملة بنت الحارث فحذرت يهود و خافت و ذلت من يوم قتل ابن الأشرف

(1/74)


و الاستدلال بقتل كعب بن الأشرف من وجهين :
أحدهما : أنه كان معاهدا مهادنا و هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي و السير و هم عندهم من العلم العام الذي يستغنى فيه عن نقل الخاصة
و مما لا ريب فيه عند أهل العلم ما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه و سلم عاهد لما قدم المدينة جميع أصناف اليهود : بني قينقاع و النضير و قريظة ثم نقضت بنو قينقاع عهده فحاربهم ثم نقض عهده كعب بن الأشرف من بني النضير و أمرهم ظاهر في أنهم كانوا مصالحين للنبي صلى الله عليه و سلم و إنما نقضوا العهد لما خرج إليهم يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري و كان ذلك بعد مقتل كعب ابن الأشرف و قد ذكرنا الرواية الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهدا للنبي صلى الله عليه و سلم ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم جعله ناقضا للعهد بهجائه و أذاه بلسانه خاصة
و الدليل على أنه إنما نقض العهد بذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من لكعب ابن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ؟ ] فعلل ندب الناس له بأذاه و الأذى المطلق هو باللسان كما قال تعالى : { و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا } [ آل عمران : 186 ] و قال تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } [ آل عمران : 111 ] و قال : { و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن } [ التوبة : 61 ] و قال : { لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا } الآية [ الأحزاب : 69 ] و قال : { و لا مستأذنين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي } إلى قوله : { و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } الآية [ الأحزاب : 53 ] ثم ذكر الصلاة عليه و التسليم خبرا و أمرا و ذلك من أعمال اللسان ثم قال : { إن الذين يؤذون الله و رسوله } إلى قوله : { و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات } [ الأحزاب : 58 ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما يروي عن ربه تبارك و تعالى : [ يؤذيني ابن آدم يسب الدهر و أنا الدهر ] و هذا كثير
و قد تقدم أن الآذى اسم لقليل الشر و خفيف المكروه بخلاف الضرر فلذلك أطلق على القول لأنه لا يضر المؤذي في الحقيقة
و أيضا فإنه جعل مطلق أذى الله تعالى و رسوله موجبا لقتل رجل معاهد و معلوم أن سب الله و سب رسوله أذى لله و لرسوله و إذا رتب الوصف على الحكم بحرف الفاء دل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم و لا سيما إذا كان مناسبا و ذلك يدل على أن الله و رسوله علة لندب المسلمين إلى قتل من يفعل ذلك من المعاهدين و هذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله و رسوله و السب من أذى الله و رسوله باتفاق المسلمين بل هو أخص أنواع الأذى
و أيضا فقد قدمنا في حديث جابر أن أول ما نقض به العهد قصيدته التي أنشأها بعد رجوعه إلى المدينة يهجو بها رسول الله صلى الله عليه و سلم و أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ عندما هجاه بهذه القصيدة ـ ندب إلى قتله و هذا وحده دليل على أنه إنما نقض العهد بالهجاء لا بذهابه إلى مكة
و ما ذكره الواقدي عن أشياخه يوضح ذلك و يؤيده و إن كان الواقدي لا يحتج به إذا انفرد لكن لا ريب في علمه بالمغازي و استعلام كثير من تفاصيلها من جهته و لم نذكر عنه إلا ما أسندناه عن غيره
فقوله : [ لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل و لكنه نال منا الأذى و هجانا بالشعر و لم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف ] نص في أنه إنما انتقض عهد ابن الأشرف بالهجاء و نحوه و أن من فعل هذا من المعاهدين فقد استحق السيف و حديث لجابر المسند من الطريقين يوافق هذا و عليه العمدة في الاحتجاج و أيضا فإنه لما ذهب إلى مكة و رجع إلى المدينة لم يندب النبي صلى الله عليه و سلم المسلمين إلى قتله فلما بلغه عنه الهجاء ندبهم إلى قتله و الحكم الحادث يضاف إلى السبب الحادث فعلم أن ذلك الهجاء و الأذى الذي كان بعد قفوله من مكة موجب لنقض عهده و لقتله و إذا كان هذا في المهادن الذي لا يؤدي جزية فما الظن الذي يعطي الجزية و يلتزم أحكام الملة ؟
فإن قيل : إن ابن الأشرف كان قد أتى بغير السب و الهجاء
فروى الإمام أحمد قال : حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما قدم كعب ابن الأشرف مكة قالت قريش : ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا و نحن أهل الحجيج و أهل السدانة و أهل السقاية قال : أنتم خير قال : فنزلت فيهم : { إن شانئك هو الأبتر } [ الكوثر : 3 ] قال : و أنزلت فيه : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } إلى قوله { نصيرا } [ النساء : 52 ]
و قال : حدثنا عبد الرزاق قال : قال معمر : أخبرني أيوب عن عكرمة أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه و سلم و أمرهم أن يغزوه و قال لهم إنا معكم فقالوا : إنكم أهل كتاب و هو صاحب كتاب و لا نأمن أن يكون مكرا منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين و آمن بهما ففعل ثم قالوا له : أنحن أهدى أم محمد ؟ نحن نصل الرحم و نقري الضيف و نطوف بالبيت و ننحر الكوماء و نسقي اللبن على الماء و محمد قطع رحمه و خرج من بلده قال بل أنتم خير و أهدى قال : فنزلت فيهم : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } [ النساء : 51 ]
و قال : حدثنا عبد الرزاق حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال : إن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم عليهم : ديننا خير أم دين محمد ؟ قال : اعرضوا علي دينكم قالوا : نعمر بيت ربنا و ننحر الكوماء و نسقي الحاج الماء و نصل الرحم و نقري الضيف قال : دينكم خير من دين محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية
قال موسى بن عقبة عن الزهري كان كعب بن الأشرف اليهودي ـ و هو أحد بني النضير أو هو فيهم ـ قد آذى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالهجاء و ركب إلى قريش فقدم عليهم فاستعان بهم على رسول الله فقال أبو سفيان أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد و أصحابه ؟ و أينا أهدى في رأيك و أقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء و نسقي اللبن على الماء و نطعم ما هبت الشمال قال ابن الأشرف : أنتم أهدى منهم سبيلا ثم خرج مقبلا حتى أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه و سلم معلنا بعداوة رسول الله صلى الله عليه و سلم و بهجائه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من لنا من ابن الأشرف ؟ قد استعلن بعداوتنا و هجائنا و قد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا و قد أخبرني الله بذلك ثم قدم على أخبث ما ينتظر قريشا أن تقدم فيقاتلنا معهم ] ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم على المسلمين ما أنزل فيه و إن كان لذلك و الله أعلم قال الله عز و جل : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } إلى قوله { سبيلا } [ النساء : 51 ] و آيات معها فيه و في قريش
و ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت ] فقال له محمد بن مسلمة : أنا يا رسول الله أقتله و ذكر القصة في قتله إلى آخرها ثم قال : فقتل الله ابن الأشرف بعداوته لله و رسوله و هجائه إياه و تأليبه عليه قريشا و إعلانه بذلك
و قال محمد بن إسحاق : كان من حديث كعب بن الأشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر و قدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة و عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله تعالى و قتل من قتل من المشركين
كما حدثني عبد الله ابن المغيث بن أبي بردة الظفري و عبد الله بن أبي بكر و عاصم بن عمر بن قتادة و صالح بن أبي أمامة بن سهل كل واحد قد حدثني بعض حديثه قالوا : كان كعب بن الأشرف من طيء ثم أحد بني نبهان و كانت أمه من بني النضير فقال حين بلغه : أحق هذا الذي يروون أن محمدا قتل هؤلاء الذين سمى هذان الرجلان ؟ ـ يعني زيدا و عبد الله بن رواحة ـ فهؤلاء أشراف العرب و ملوك الناس و الله لئن كان محمد أصحاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة و نزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي و عنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية فأنزلته و أكرمته و جعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه و سلم و ينشد الأشعار و يبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر و ذكر شعرا و ما رد عليه حسان و غيره ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ كما [ حدثني عبد الله بن أبي المغيث ـ : من لي بابن الأشرف ؟ ] فقال محمد بن مسلمة : أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله و ذكر القصة
و قال الواقدي : حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان و معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك و إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله فكل قد حدثني منه بطائفة فكان الذي اجتمعوا لنا عليه قالوا : ابن الأشرف كان شاعرا و كان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و يحرض عليهم كفار قريش في شعره و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة و أهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الخلقة و الحصون و منهم حلفاء للحيين جميعا الأوس و الخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم و موادعتهم و كان الرجل يكون مسلما و أبوه مشركا فكان المشركون و اليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه أذى شديدا فأمر الله نبيه و المسلمين بالصبر على ذلك و العفو عنهم و فيهم أنزل : { و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران : 186 ] و فيهم أنزل الله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب } الآية [ البقرة : 109 ] فلما أبى ابن الأشرف أن يمسك عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه و سلم و إيذاء المسلمين و قد بلغ منهم فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل المشركين و أسر من أسر منهم و رأى الأسرى مقرنين كبت و ذل ثم قال لقومه : ويلكم ! و الله لبطن الأرض خير لكم اليوم هؤلاء سراة قد قتلوا و أسروا فما عندكم ؟ قالوا : عداوته ما حيينا قال : و ما أنتم و قد وطئ قومه و أصابهم ؟ و لكني أخرج إلى قريش فأخصها و أبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم فخرج حتى قدم مكة و وضع رحله عند أبي وداعة بن أبي صبرة السهمي و تحته عاتكة بنت أسد بن أبي العيص فجعل يرثي قريشا و ذكر ما رثاهم به من الشعر و ما أجابه به حسان فأخبره بنزول كعب على من نزل فقال حسان فذكر شعرا هجا به أهل البيت الذين نزل فيهم قال : فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله و قالت : ما لنا و لهذا اليهودي ؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان ؟ فتحول فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم حسان فقال : ابن الأشرف نزل على فلان فلا يزال يهجوهم حتى نبذ رحله فلما لم يجد مأوى قدم المدينة فلما بلغ النبي صلى الله عليه و سلم قدوم ابن الأشرف قال : [ اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في اعلانه الشر و قوله الأشعار ] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من لي من ابن الأشرف فقد آذاني ؟ ] فقال محمد بن مسلمة : أنا به يا رسول الله و أنا أقتله قال : فافعل و ذكر الحديث

(1/77)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية