صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر
المؤلف : عبد الرزاق البيطار
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إن أحلى ما تحلت به تيجان الرسائل، وأعلى ما تجلت به مظاهر المقاصد والوسائل، وأبهى ما رقمه البنان، من بديع المعاني والبيان، وأشهر ما فاهت به الأقلام، وفاحت به نوافح مسك الختام، إهداء تسليم تفوح فوائح المسك من طيب نشره، وتلوح لوائح الإقبال من وجوه بشره، وتبتسم ثغور الأماني من شمائل شموله، وتتنسم نسمات التهاني من إقباله وقبوله. وإسداء تحيات يعبق شذاها، ويشرف نورها وضياها، تفوق الشموس نورا، وتروق الخواطر منها سرورا، نقدم ذلك ونهديه ونظهره ونبديه، لحضرة ذوي المهابة والفخار والعلو والاقتدار، الجامعين بين المتاجر والمفاخر، الحائزين لجمال الأول والآخر، القاطنين بخير البلاد، القائمين بمصالح العباد، مصابيح الدنيا وبهجتها، وكواكب البلاد وتحفتها، حماة حرم يجبى إليه الثمرات، وزينة محل تقضى به الحاجات، عين أعيان المكاسب والتجارة، وزين أبناء المطالب والإشارة، نعني بذلك فلانا وفلانا، أسبغ الله عليهم سوابغ الإنعام، وأسبل عليهم حلل الجود والإكرام، وأصلح لهم الأحوال، وبلغهم الأماني والآمال، وبسط لهم الأرزاق، وحباهم بلطفه الخلاق. أما بعد بسط كف الرجاء، ومد سواعد القصد والالتجاء، بدعوات مقرونة بالإنابة، ليس لها حاجب عن أبواب الإجابة، فمما يعرض عليكم وينهى بعد السلام إليكم، أنه قد وصل إلينا رقيمكم المكنون المحتوي على الدر المصون، فشممنا منه نفحات مكية حرمية، ونسيمات سحرية بهية، فتعطرنا بطيب مسكها الأذفر، وتطيبنا بعبير عنبرها الأزهر. وذكرتم أنه بذلتم المجهود في طلب المقصود، إلى آخره.
وله غير ذلك كثير، وحاله وفضله شهير، ولم يزل يملي ويفيد ويقرر ويعيد، حتى قطفت يد الأجل نواره، وأطفأت رياح المنية أنواره. وذلك يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة ست عشرة ومائتين وألف، ورثاه الشيخ إسماعيل الزرقاني بقوله:
تداولت الأيام بالعسر واليسر ... وتلك شؤون الحق في مطلق الدهر
فكيف أرى قلبي على فقد ألفه ... حزينا ودمع العين من فيضه يجري
فقال لنا في سيد الخلق أسوة ... فقد دمعت عيناه حزنا كما تدري
وهذا الذي أمسى حليف ضريحه ... إلى فضله تصبو الأنام مدى العمر
إمام له فضل الرواية والحجا ... فمن نقله يملي ومن عقله يقري
قوى فهمه صارت بنور معيدها ... ترى من مبادي الحال عاقبة الأمر
عتبت على الأيام في نثر عقدها ... وقد غاب من أثنائه معدن الدر
فقالت ومالي ذاك حبر موفق ... أحب لقاء الله أسرع للأجر
تلقته أملاك النعيم تحفه ... وتنقله من ورد نهر إلى قصر
إلى أن يرى وجه العزيز مكانه ... ويبقى حميدا في الترقي مع البشر
بمقعد صدق صار عند مليكه ... فيا مصطفاه فزت مرتفع القدر
الشيخ مصطفى العقباوي المالكي الأزهري وهو منسوب لمنية عقبة
الأجل العلامة والفاضل الفهامة، نخبة الأنام وحسن الليالي والأيام، حضر إلى الأزهر صغيرا ولازم السيد حسن البقلي ثم الشيخ محمد العقاد المالكي ثم الشيخ محمدا عبادة العدوي ملازمة كلية، حتى مهر في العلوم المعقولات والمنقولات، وحضر دروس أشياخ العصر كالشيخ الدردير والشيخ محمد البيلي والشيخ الأمير وغيرهم. وتصدر لإلقاء الدروس وانتفع به الطلبة، واشتهر فضله، وكان إنسانا حسن الأخلاق مقبلا على الإفادة والاستفادة، لا يتداخل إلا فيما يعنيه، ويأتيه من بلدته ما يكفيه، قانعا متورعا متواضعا. ومن مناقبه أنه كان يحب إفادة العوام، حتى أنه كان إذا ركب مع المكاري يعلمه عقائد التوحيد وفرائض الصلاة، إلى أن توفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، ولم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى.
الشيخ مصطفى بن محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الصفوي القلعاوي الشافعي

(2/169)


الأستاذ العلامة والملاذ الفهامة، المهذب الفقيه والمحبب النبيه. ولد في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائة وألف، وتفقه على الشيخ الملوي والسحيمي والحراوي والحفني، ولازم الشيخ أحمد العروسي وانتفع عليه، وأذن له في الفتيا عن لسانه، وجمع من تقريراته واقتطف من تحقيقاته، وألف وصنف، وكتب حاشية على ابن قاسم الغزي على أبي شجاع في الفقه، وحاشية على شرح المطول للسعد التفتازاني على التلخيص، وشرح شرح السمرقندي على الرسالة العضدية في علم الوضع، وله منظومة في آداب البحث وشرحها، ومنظومة لمتن التهذيب في المنطق وشرحها، وديوان شعر سماه: إتحاف الناظرين في مدح سيد المرسلين، وعدة من الرسائل في معضلات المسائل، وغير ذلك. ولم يزل على حالته الرضية وصنعته السنية، إلى أن تمرض أياما، ثم توفي ليلة السبت السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاثين ومائتين وألف، وصلي عليه في الأزهر ودفن في زاوية الشيخ سراج الدين البلقيني.
الشيخ مصطفى بن حسين بن علي بن محمد بن حسين بن محمد بن عثمان الحلبي الحنفي الوفائي
أبو الصفا صفي الدين العالم العارف الصوفي الفاضل الدين الزاهد العابد، التقي البركة المسند الأديب، جمال المشايخ زينة المرشدين.
مولده في حلب سنة أربعين ومائة وألف في سادس محرم، وقرأ على والده شيخ تكية الشيخ أبي بكر خارج حلب، وعلى الشيخ أبي التوفيق حسين شرف الدين وانتفع به وتأدب بآدابه وأخذ عنه، وسمع شعره وديوانه الذي جمعه من لفظه، وأخذ عنه آداب الطريق وسمع عنه الكثير من الفرائد والفنون، وأجازه وخلفه مكانه، وكان من المشايخ الأجلاء والعلماء المشهورين الفضلاء، وقرأ على غير والده، وأخذ على جماعة منهم أبو المحاسن يوسف بن الحسين بن يوسف الدمشقي الحسيني النقيب والمفتي بحلب، وأسمعه المسلسل بالأولية حديث الرحمة في التكية المذكورة في تربة الأستاذ الشيخ أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وهو أول حديث سمعه منه بشرطه، وقرأ عليه أوائل ثبته وأجاز له بالإجازة العامة وكتب له بخطه، وسمع عليه كتابه الذي ألفه بمناقب الشيخ، وترجمته، المسمى مورد أهل الصفا في ترجمة الشيخ أبي بكر بن أبي الوفا، وسمع الأولية من أبي عبد الكريم بن أحمد الشراباتي وأبي محمد عبد الوهاب بن أحمد المصري الأزهري البشاري نزيل حلب، وأبي عبد الله علاء الدين بن محمد بن محمد الطيب المغربي الفاسي المالكي لما قدم حلب، وأبي الفتوح نور الدين علي بن مصطفى بن علي الدباغ الميقاتي الحلبي، وهو أول حديث سمعه منهم وأجازوه به وبجميع ما تجوز لهم روايته غير مرة. وأخذ الطريقة الشاذلية عن عبد الوهاب، والطريقة الوفائية عن والده، وبقية الطرائق عن شيوخه بأسانيدهم، وجل انتفاعه على والده وبه تخرج. ولما مات والده سنة ست وخمسين ومائة وألف جلس مكانه في التكية شيخا، وقام مقامه ولازمه المريدون وأبناء الطريق، وأقبل عليه الناس، واستقام في التكية المذكورة شيخا مبجلا محترما، وكان كثير الديانة وافر الحرمة، يلازم قراءة الأوراد السحرية والعشائية، وينفق ما يدخل عليه، وكان يميل في ملبسه ومأكله إلى الترفه، وحج ودخل دمشق، ولما دخل خليل أفندي المرادي حلب سنة خمس ومائتين وألف، أجتمع به وأخذ عنه واستجازه، وسمع من لفظه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وهو أول حديث سمعه منه في المجلس الذي أجتمع به كما رأيت ذلك بخطه، وتوفي رحمه الله بعد ذلك بمدة قليلة.
الشيخ مصطفى المعروف لدى أهالي الشام بالدرويش مصطفى
العالم العامل، والكامل الفضائل، قد انفرد في عصره، وأجمع على تقدمه جميع أهل مصره، قد استوى على أوج المراتب العالية، واحتوى على أعلا الشمائل السامية، وكانت شيوخ دمشق الشام، تعترف له بالعلم والعمل ورفعة المقام، والزهد والورع والقناعة وعدم الطمع، ولم يزل يعلو مقامه ويزكو احترامه، إلى أن تم أجله وانقطع من الدنيا أمله، وذلك سنة ألف ومائتين وعشرين، ودفن بسفح قاسيون بين الأفاضل والصالحين، وقبره معروف يزوره ويتبرك به العلماء والأكابر، وإن كثيرا من أهل الشام، يقصده للزيارة وطلب المرام!!
السيد مصطفى بن خليل الدمشقي الحنفي الشهير بقزيها، أمين فتوى الشام

(2/170)


الإمام الذي فضائله أشهر من أن تذكر، وفرائده أجل من أن تحصى أو تحصر، اشتغل بطلب العلم وإتقان القرآن العزيز، من حين أن دخل في سن التمييز، وتفقه على العلماء والسادة الأعيان الفضلاء، كالشيخ سعيد الحلبي، والسيد محمد عابدين، وأخذ الحديث على المرحوم الشيخ عبد الرحمن الكزبري وغيرهم، وأتقن الفنون غاية الإتقان، كالنحو والصرف والمعاني والبيان، وتبحر في المعقول والمنقول، والفروع والأصول، وولي أمانة فتوى دمشق الشام، في أيام مفتيها حسين أفندي المرادي المولى الهمام، وكانت وفاته في شهر ذي القعدة الحرام، سنة سبع وخمسين ومائتين وألف، ودفن في باب الصغير رحمه الله تعالى.
السيد مصطفى بن السيد محمد المغربي الجزائري المالكي
الفاضل الإمام والكامل الهمام، كعبة الأفاضل ومعدن الفضائل، من رفع الله به قدر المواعظ والزواجر، وأترع به حياض النواهي والأوامر، وعمر بمتين كمالاته القلوب وغمرها، وجمع الخواطر بحسين جمالاته وجبرها، وخشعت لمعالي عباراته الأسماع والأبصار، واطمأنت لعرفانه القلوب عن الأغيار، وعم إرشاده الآفاق، وانتشر ذكره في الأقطار وفاق. وفي سنة ست ومائتين وألف اختط قريته المعروفة بالقيطنة بوادي الحمام، ونشر بها الطريقة القادرية بعد أن طوي بساط ذكرها، وأحياها بعد أن اندرست معالم قدرها، فأخذها الناس عنه، وتلقوها بكمال القبول منه. ولم يزل على زهده وعبادته، وتقواه وطاعته إلى أن جاءه الأجل المحتوم، ونزل به القضاء المحتوم، فتوفي في برقات عند ماء يعرف هناك بعين غزالة، سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف، وقبره هناك ظاهر مشهور، عليه الجلالة، والوقار، ومناقبه معروفة مشهورة، وكثيرة مذكورة.
الشيخ مصطفى بن محمد الحلبي الأصل الدمشقي
الصوفي الشافعي الدسوقي طريقه
ولد بدمشق وأخذ عن علمائها الكرامة، وساداتها الجهابذة الأعلام، واشتغل بطريقة الصوفية ناهجا منهج السادة الدسوقية، وكان له من الكرامات وخوارق العادات، واقعات كثيرة، ومشاهدات شهيرة، ومنها أنه رؤي قبل موته بيوم يمشي على الماء ولم يبتل، ومنه إخباره بمجيء الدولة المصرية إلى الشام قبل أن يكون لأحد خبر في ذلك، توفي في قرية البويضة قرية من قرى دمشق الشام، غرة ربيع الثاني سنة خمسين ومائتين وألف، ودفن بها وقبره هناك معروف.
الشيخ مصطفى بن سليمان البرقاوي بن محمد مزهر
النابلسي البرقاوي مولدا الدمشقي إقامة
قدم دمشق سنة تسعين ومائة وألف وبها استقام، أخذ عن علمائها السادة الأعلام، منهم الشهاب أحمد العطار، والشيخ محمد الكزبري، والشيخ مصطفى السيوطي، وتولى قضاء الحنابلة مدة ثلاثين سنة، مات رحمه الله نهار الجمعة الساد عشر من ذي القعدة الحرام سنة خمسين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الصغير.
الشيخ مصطفى المرحومي الشافعي المصري الأزهري
الإمام العالمة الرحلة الفهامة، المعمر المتقدم، ولد بمحلة المرحوم بالمنوفية وقرأ القرآن وحفظه وجوده، وحضر إلى مصر وحفظ المتون وتفقه على الأشياخ المتقدمين، كالدفري والمدابغي والشيخ علي قايتباي والملوي والحفني وغيرهم، ومهر في المعقول والمنقول، وأملى الدروس بالأزهر وجامع أزبك وانتفع به الناس، وكان يتردد إلى بيوت بعض الأعيان ويحبونه ويكرمونه ويستفيدون من فوائده ونوادره، وكان له حافظة واستحضار للمناسبات والأشعار واللطائف، لا يمل حديثه ومفاكهته، توفي رحمه الله تعالى سنة سبع ومائتين وألف.
الشيخ مصطفى بن صادق أفندي اللازجي الحنفي

(2/171)


الوحيد المكرم والنبيه المفخم، ولد سنة أربع وسبعين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده، وحفظ القرآن وبعض المتون في صغره، وحفظ البرجلي والشاهدي، ومهر في اللغة التركية، وتفقه على أبيه وقرأ عليه علم الصرف، وحضر على بعض الأشياخ، ولازم الشيخ محمد الفرماوي وأخذ عنه النحو وقرأ عليه مختصر السعد وغيره برواق الجبرت بالأزهر، ثم تصدر للإفادة والمطالعة لطلبة الأتراك المجاورين برواق الأروام، وليس له تاجا وفراجة، وعمل له مجلس وعظ على كرسي بالجامع المؤيدي وذلك قبل نبات لحيته، وكان وسيما جسيما بهي الطلعة أبيض اللون رابي البدن، فاجتمع لسماع وعظه ومشاهدة ذاته كثير من الناس من أبناء العرب والأتراك والأمراء والأجناد، فيقرر لهم بالعربي والتركي بفصاحة وطلاقة لسان، وممن كان يحضره علي آغا مستحفظان، وهام فيه وأحبه وصار يتردد إليه كثيرا، ويذهب هو أيضا إلى داره كثيرا كما قيل في المعنى:
بروحي واعظا كالبدر حسنا ... بديع ملاحة ساجي اللواحظ
ولا عجب به إن همت وجدا ... فكم قد هام ذو وجد بواعظ
ووقع له بعد ذلك محن عظيمة، وهموم شديدة جسيمة، ثم أخذ همه في التلاشي حتى غار ما حياته، وانفلق عن الفتح باب قبره عند مماته، وهو مقتبل الشبيبة سنة سبع ومائتين وألف رحمه الله.
السيد مصطفي الدمنهوري الشافعي المصري الأزهري
العمدة الفاضل والتحرير الكامل، الفقيه العلامة، والهمام الفهامة، تفقه على أشياخ العصر وتمهر في المعقولات، ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي ملازمة كلية واشتهر بنسبته إليه، ولما ولي مشيخة الأزهر صار المترجم عنده هو صاحب الحل والعقد في القضايا والمهمات والمراسلات عند الأكابر والأعيان، وكان عائلا ذكيا، وفيه ملكة واستحضار جيد للفروع الفقهية، وكان يكتب على الفتاوي على لسان شيخه المذكور ويتحرى الصواب، وعبارته سلسة جيدة، وكان له شغف بكتب التاريخ وسير المتقدمين، واقتنى كتبا في ذلك مثل كتاب السلوك والخطط للمقريزي وأجزاء من تاريخ العيني والسخاوي وغير ذلك، ولم يزل حتى ركب يوما بغلته وذهب لبعض أشغاله، فلما كان بخطة الموسكي قابله خيال فرنساوي يركض قليلا على فرسه، فجفلت بغلة السيد مصطفى المذكورة وألقته من على ظهرها إلى الأرض، وصادف حافر فرس الفرنساوي إذنه فرض صماخه، فلم ينطق ولم يتحرك فرفعوه في تابوت إلى منزله، ومات من ليلته رحمه الله تعالى، سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف من الهجرة النبوية.
الشيخ مصطفى بن محيي الدين بن مصطفى نجا الشافعي الشاذلي
شاب نشأ عل كمال الطاعة، وعالم قد اعتزل عن الابتداع والإضاعة، فلا ريب أنه البحر الزاخر والحبر الباهي الباهر، شمس فضائله لم يصبها كسوف، وقمر معارفه لم تلمسه يد خسوف، إن نثر فما أزاهر الرياض غب المزن الهاطل، أو نظم فما جواهر العقود تحلت بها الأجياد العواطل.

(2/172)


ولد ليلة السابع والعشرين من رمضان المبارك سنة تسع وستين ومائتين وألف، وبعد سن التمييز أخذ في تعلم القرآن العزيز، ثم طلب العلم في بيروت البهية، على جماعة من العلماء ذوي مقامات سنية، فاجتهد في الطلب وجد في نوال الأرب، إلى أن فاق أمثاله ونال آماله، ثم توجه إلى مصر بقصد المجاورة في أزهرها الشريف فلم يتيسر له ذلك، بل عاد إلى وظنه بيروت وانكب على الطلب والتحصيل مع الجد والاجتهاد والتفرغ للعبادة حسب المراد، ولم يزل على هذا الحال سالكا مسلك الفضل والكمال، إلى أن توفي والده وذهب عنه مساعده، فاحتاج إلى تعاطي الأسباب، فتعاطى التجارة بالعطارة، وأخذ الطريقة الشاذلية عن المرشد الكامل والهمام الفاضل، الشيخ علي نور الدين بن يشرط المغربي التونسي، أدام الله وجوده وأغدق علينا وعليه إحسانه وجوده، فاشتغل بالطريق فوق العادة وبذل في الطاعة جده واجتهاده، ولازم الإخوان في مسائه وصباحه، وسلك مسالك نجحه وفلاحه، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخدمه المريدين بالحظ الأوفر. وفي سنة أربع وثلاثمائة وألف أجازه إجازة عامة، وأذن له بتلقين الذكر وهو لهذا العهد يقيم الحضر في داره، وقد أخذ عنه كثيرون فأوضح لهم الطريقة وعلمهم كيفية السلوك إلى الحقيقة، ودعاهم إلى التمسك بالسنة والكتاب وعرفهم الفرق بين الخطأ والصواب، ومن نظمه يرد على من زعم أن التمسك بالحقيقة يغني عن اتباع الشريعة قوله:
عجبا لمن يعصي أوامر ربه ... ويقول لست بمذنب من عجبه
ويرى خلاف الشرع تحقيقا ولا ... ينقاد جهلا بالطريق لحزبه
ويقول إني مطلق من قيده ... فدع المقيد هائما في حجبه
ويظن مع أهل الضلال بأنه ... عرف الهدى ودرى نهاية دربه
وبأنه ممن يحب الله قد ... فازوا وقد سلكوا مسالك قربه
هيهات هيهات المحب حقيقة ... والله لا يعصي أوامر حبه
والمهتدون العارفون بربهم ... لا يجهلون وليس فيهم ما به
فاترك مصاحبة الذي هو مثله ... تلقي الأمان من الزمان وحربه
واصحب إذا رمت الهدى من يقتدي ... بالمصطفى هادي الورى وبصحبه
فالأجرب المغرور تلتزم النهي ... عنه التجنب خيفة من خطبه
وأخو الفطانة ليس يسلك مسلكا ... حتى يميز سهله. من صعبه
وله أبيات لطيفة وقصائد طريقه، وموشحات حسنة وتوسلات مستحسنة، وقدود تقال على الأذكار، ألطف من نسمات الأسحار، وله شرح على الصلاة الجليلة الممزوجة المنسوبة إلى القطب الكبير، سيدي العارف بالله عبد السلام بن بشيش سماه كشف الأسرار، لتنوير الأفكار، وله منظومة سماها الاستغاثة السنية برجال أهل سلسلة الطريق الشاذلية العلية، وأولها قوله:
بك يستجير العبد من هفواته ... يا واحدا في ذاته وصفاته
حفظنا الله وإياه من الآثام، ورزقنا وإياه حسن الختام.
الشيخ معروف التكريتي العراقي الخالدي النقشبندي
صاحب السكر والمحو والجذب والصحو، والأحوال الغريبة والصفات العجيبة، كان فقيها عابدا ومرشدا زاهدا، بارعا في العلوم دقيق النظر في المنطوق منها والمفهوم، وقد أخذ عن حضرة مولانا خالد، وتخلف عنه خلافة عامة، فاشتغل بالطريق والإرشاد، وسلك منهج الصواب والسداد، وكان حسن الأخلاق عالي المذاق، لطيف العبارة جميل الإشارة، ولم يزل يترقى على معراج الكمال إلى أن طلبته المنية لدار الجمال، وذلك سنة ألف ومائتين وخمسين تقريبا.
الشيخ منصور بن عمار بن كثير السلمي
الخراساني الصوفي الدمشقي

(2/173)


كان مسرفا على نفسه ثم تاب، وكان سبب توبته أنه وجد في الطريق رقعة مكتوبة بسم الله الرحمن الرحيم، فلم يجد لها موضعا يضعها فيه فأكلها فرأى في المنام قائلا يقول له: قد فتح الله عليك باب الحكمة لاحترامك للرقعة، فقال من نومه نادما على أفعاله تائبا من وقوعه في أوحاله، مقبلا على مولاه معرضا عما سواه، ففتح الله عليه أبواب القبول وسهل له أسباب الوصول، ومنحه من العلوم الإلهية والتجليات العرفانية، ما أثبت له الفضيلة وحقق له الشمائل الجميلة، وفضل الله واسع لا راد له ولا مانع، قال بعضهم: رأيت في المنام منصور بن عمار بعد موته وكان في أول أمره قد أسرف على نفسه، فقلت له ما فعل الله بك؟ قال أوقفني بي يديه وقال لي أنت الذي كنت تزهد الناس في الدنيا وترغبهم في الآخرة، فقلت قد كان ذلك وأنت يا رب أعلم، ولكن وعزتك وجلالك، ما جلست مجلسا إلا وبدأت بالثناء وثنيت بالصلاة والسلام على نبيك ورسولك، وثلثت بالنصيحة لعبادك، فقال الله تعالى صدق، ضعوا له كرسيا في سمائي يمجدني كما كان يمجدني في أرضي انتهى، وفضله معروف وكماله موصوف غني عن البيان، مات رحمه الله في دمشق ودفن بها سنة ألف ومائتين و....
الشيخ منصور بن مصطفى بن منصور بن صالح
ابن زين الدين السرميني الحلبي الحنفي
العالم المتقن الفاضل المحدث الأصولي الزاهد العابد التقي النقي، مولده سنة ست وثلاثين ومائة وألف بسرمين من أعمال حلب ونشأ بحلب، ودخلها صغيرا وقرأ القرآن العظيم وبعض المقدمات من الفقه والعربية وغيرها على أبي محمد عبد الوهاب بن أحمد المصري نزيل حلب وأبي عبد الله محمد بن محمد التافلاني المغربي، وأخذ الطريقة القادرية عن أبي بكر تقي الدين بن أحمد القادري الحلبي، وارتحل إلى حماه، وقرأ بها على البدر حسن بن كديمة وأبي محمد عبد الله الحواط، ثم ارتحل إلى مصر واشتغل بالتحصيل والأخذ وقرأ على علمائها في غالب الفنون، منهم بو المكارم محمد نجم الدين بن سالم بن أحمد الحفناوي وجل انتفاعه به وعليه، وأخوه الجمال يوسف وأبو العباس أحمد بن عبد الفتاح الملوي وأبو محمد الحسن المدابغي والشهاب أحمد الجوهري وعفيف الدين عبد الله بن محمد الشبراوي ونور الدين علي العمروسي وأبو عبد الله محمد بن محمد البليدي المالكي وأبو الصفا خليل المالكي، وأبو محمد عبد الكريم الزيات وأبو داوود سليمان الزيات وأبو السخا عطية الله الأجهوري والسراج عمر الشنواني وأبو الحسن علي الصعيدي، وأبو الروج عيسى البراوي والشمس محمد الفارسكوري وأبو عبد الله العشماوي وغيرهم. وحج ولقي هناك عام حجه أبا الإرشاد مصطفى بن كمال الدين بن علي البكري الصديقي الدمشقي، وأخذ عنه الطرائق وغيرها وانتفع بدعواته ونفحاته وارتفع بأنظاره ولمحاته، وأخذ بالمدينة المنورة على أبي البقاء محمد حياه بن إبراهيم السندي، واستقام بمصر عدة سنين وتفرق وتنبل ودرس بها، وأقرأ بعض العلوم واشتهر أمره وراج حاله حتى شهد بفضله مشايخه، وبعدها دخل حلب، ومنها قدم إلى دمشق فرغب أهلها به وصال عادة مشايخ الطرق، ولزمه جماعة وأخذوا عنه، وأقبل عليه الناس واشتهر واستقام بدمشق بعياله نحو عشرين سنة، وفي أثناء المدة كان يأتي إلى حلب لزيارة أحبابه وأقاربه، رأيت بخط خليل أفندي المرادي صاحب التاريخ قال: وكان والدي اشترى المكان المبني تجاه باب جيرون بالجامع الأموي وجعله وقفا على المترجم، ومن بعده على من يصير خليفة بعده من المشايخ البكرية الخلوتية، وكان القاضي بالحكم سليمان بن أحمد الخطيب المحاسني الحنفي، وألف وهو بدمشق رسالة في البسملة سماها كشف الستور المسدلة عن أوجه أسرار البسملة، وجعلها باسم والدي وكتب له عليها، وشرح الأبيات الثلاثة التي مطلعها:
عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافا لأرباب الصدور تصدرا

(2/174)


وسماه كشف اللثام والستور عن مخدارات أرباب الصدور، وفي سنة إحدى ومائتين وألف. اشترى دار بني الطيبي بحلب الكائنة بمحلة الفرافرة، وجعلها زاوية للأذكار والتوحيد بعد أن وقفها، وكان يقيم الذكر بها في الأسبوع مرة، ويقري ويفيد ويدرس ويختلي في كل عام أربعين يوما، ومن جملة من أخذ عنه واستجاره خليل أفندي المرادي سنة ألف ومائتين وخمس، وانتفع به وبعلومه، وكان حسن المحاضرة قوي الحافظة نبوي الأخلاق لطيف المذاكرة، توفي سنة ألف ومائتين ونحو العشرة.
الشيخ موسى السرسي الشافعي الأزهري
العمدة العلامة والنحرير الفهامة، الأصولي الفقيه والمنطقي النحوي النبيه، أصله من سرس الليانة، بالمنوفية، وحضر إلى الأزهر ولازم الاستفادة وحضور الأشياخ من الطبقة الثانية، كالشيخ عطية الأجهوري والشيخ عيسى البراري والشيخ محمد الفرماوي، ومهر وأنجب في المعقولات والمنقولات، وأقرأ الدروس وأفاد الطلبة، ولازم الشيخ حسن الكفراوي مدة ورافقه في الإفتاء والقضايا، ثم لازم الشيخ أحمد العروسي وصار من خاصة ملازميه وتخلق بأخلاقه، وألزم أولاده بحضور دروسه المعقولية وغيرها دون غيره، لحسن إلقائه وجودة تفهيمه وتقريره، واشتهر ذكره وراش جناحه وراج أمره، بانتسابه للشيخ المذكور، واشترى أملاكا واقتنى عقارا بمصر وببلده سرس ومنوف ومزارع وطواحين ومعاصر، وأقبلت عليه الدنيا إقبالا كاملا. وكان حلو المفاكهة حسن المعاشرة، عذب الكلام مهذب النفس جميل الأخلاق. ودودا قليل الادعاء، محبا لإخوانه، مستحضرا للفروع الفقهية، وكان يكتب على غالب الفتاوي عن لسان الشيخ العروسي ويعتمده في التقول والأجوبة عن المسائل الغامضة والفروع المشكلة. ولم يزل مشتغلا بشأنه حتى تمرض وتوفي يوم السبت أواخر جمادى الثانية سنة تسع عشرة ومائتين وألف.
الشيخ موسى البشبيشي الشافعي الأزهري
إما فقيه وهمام كامل نبيه، قد استوى في عصره على أوج السيادة، وانفرد في عصره بالانقطاع للإفادة، وكان فاضلا علامة كاملا فهامة، نحويا منطقيا فرضيا، تقيا نقيا رضيا، نشأ في الجامع الأصغر من صغره، ولازم الأشياخ ومجالسهم إلى كبره، حتى شهد له كل إنسان أنه عين العلماء الأعيان، وأجاز كل من العلامة الصعيدي المصيلحي والدردير والشويهي والصبان، وغيرهم من السادات ذوي المعارف والإتقان، فمهر وأنجب بين العلماء، وصار معدودا من القادة الفضلاء، ودرس في الفقه والمعقول، وأفاد في أنواع الفروع والأصول، وكان كثير الملازمة للعلامة العروسي الهمام، وقد أخذ عنه جل المراد والمرام، وكان مهذبا في نفسه متواضعا مقتصدا في ملبسه ومأكله، عفيفا قانعا، لطيف المعاشرة والكلام، حسن السيرة بين الأنام، لا تمل مجالسته ولا تسأم مفاكهته، ولم يزل منقطعا للعلم والإفادة مقبلا على شأنه فوق العادة، إلى أن جذبته يد الأجل إلى الأماني والأمل، وذلك سنة ألف ومائتين وسنتين.
الشيخ موسى البندنيجي الخالدي النقشبندي
العالم العامل، والمرشد الكامل، نخبة الفضلاء. وزبدة النبلاء، نشأ من صغره على الطاعة والكمال وتقوى الله ذي الإكرام والجلال، إلى أن صار بين الناس آية، وخفق له بين العلماء أعظم راية، وكان ملازما للتقوى والعبادة والورع والزهادة، وكان من خلفاء سيدنا ومولانا خالد قدس الله سره، فدار في البلاد وأرشد العباد، إلى أن أقبل على ربه على أحسن حال، مرتديا برداء التقوى والجمال، وذلك بعد الألف والمائتين والأربعين.
الشيخ موسى الجبوري البغدادي النقشبندي الخالدي

(2/175)


الفقيه الصوفي الكامل والنبيه العالم العامل، والولي المرشد العارف بالله، والمقبل عليه والمعرض عما سوه، ذو الأنفاس والشمائل القدسية والبركات والنفحات الأنسية، فإنه كان ممن شهد بكماله الخاص والعام، وكان في الإرشاد وتدريس العلوم والوعظ إماما وأي إمام، إذا جلس للتذكير تسابق الناس إليه وجلسوا حوله وبين يديه، فما تجد غير مطرق باك ومتواجد متباك، وصارخ ملء فيه، ومضطرب كأن الموت يوافيه، وليس السيان كالخبر ولا من غاب كمن حضر، كان قد أخذ أولا عن عبيد الله الحيدري خليفة مولانا خالد، ثم بعد أن ذاق كؤوس العرفان، واستوى على سرير الكشف والوجدان، خلفه مولانا خالد خلافة مطلقة، وأذن له بالإرشاد في الجانب الغربي من مدينة بغداد، فأخذ عنه العلماء الأفاضل والسادة القادة الأماثل، وكان مشهورا بكل كمال، معروفا بفضائل الأحوال، ولم يزل يترقى في معاريج الفضائل، ويتقلب على فراش المعارف ناهلا أعذب المناهل، إلى أن توفي في ذلك الحبر المكين سنة ألف ومائتين وست وأربعين.
الشيخ موسى بن المرحوم عمر بن عبد الفتاح
ابن محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الجليل السباعي الحمصي عالم شاعر، وناظم ناثر، قد فاق في عصره أقرانه، مع زهد وتقوى وصيانة وديانة، فلذا كان ممن يعتمد عليه، ويشار في حل المشكلات والمعضلات إليه، على أنه من بيت قد تأسس على العلم والتقوى، وحسن العمل في السر والنجوى، فهو الحبر الذي فاق بصفاته الأوائل، والبحر المتموج بجواهر الفضائل، الجامع شمل الكمال بعد شتاته، والواضع في جسد المجد روح حياته، فلا ريب أنها تضحك ببكاء أقلامه الطروس، ويرى في صورة خطوطه حظوظ النفوس.
ولد في مدينة حمص سنة ألف ومائة وإحدى وتسعين، ونشأ بها إلى أن توفي والده، ذهب إلى مصر في نية طلب العلم في الجامع الأزهر والمقام الأنور، فقرأ على علمائها وطلب على فضلائها، ثم رجع إلى الشام وكمل طلبه على علمائها الأعلام، وفي سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين سافر إلى بلده حمص، ومرض بداء البطن، وتوفي في تلك السنة ودفن في مقابر بني السباعي بالقرب من حضرة سيدي خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، ومن بديع نظامه وفصيح كلامه، معارضا بانت سعاد يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صدت سعاد وما للحال تحويل ... وليس لي في سواها قط مأمول
وكيف لا وفؤادي صار مرتعها ... ولم يرعني بها قال ولا قيل
لم أخش في حبها عذلا لذي عذل ... ولا لواش وفيها القلب مكبول
فكم لحاني لاح في الهوى سفها ... فقلت اقصر فلي في ذاك تنويل
الله أكبر كم في الحب من بطل ... لقد علاه اكتئاب وهو مذبول
بمن غدت فتنة بين الورى وسمت ... والفرع منها بجنح الليل مسدول
أضحت فريدة حسن جل مبدعها ... إلى الملا ما بهذا القول تبديل
ترمي بلا قوس نبلا من لواحظها ... تصطاد أسد الشرى والسيف مسلول
مليحة ما بدت يوما لعاشقها ... إلا اعترى جسمه سقم وتنحيل
عذراء يقصر مدحي عن لطافتها ... هيهات هيهات تحصيها الأقاويل
مكحولة كحلت بالسحر ثم لها ... على العذارى بهذا الكحل تفضيل
حكت معاطفها السمر الرشاق وقد ... حازت جمالا ومنها الطرف مكحول
رعبوبة من سناها النور مبتهج ... وما لها في الورى شكل وتمثيل
ما في المشارق تلقى مثل بهجتها ... تزري الغصون ومنها النور مدلول
تبسمت فشكى لي البرق قلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
يفوح من خالها المسك الشميم ومن ... بسامها عنبر بالراح معلول
تميل تختال من عجب على مرج ... من ضوء مبسهما ضاءت قناديل
والصدغ واويه الأسماء قد رقمت ... على الغواني لها في ذاك تطويل
وإن وجنتها شبه العقيق وقد ... سما على رأسها تاج وإكليل
لا في العقيق ولا في المشرقين لها ... مثل كما ثبتت فيها الأقاويل

(2/176)


تركية تركت جسمي بها شبحا ... والقلب ذاب وكم بيني لها ميل
مكية الخال والتوشيم ذات سنا ... وعطرها أبدا بالمسك مجبول
يا ربة الثغر والنهدين رق إلى ... صب براه الجوى والدمع مهطول
مليكة الحسن رفقا وارحمي دنفا ... له بكى في بحور الشعر تفعيل
وهبتك يا سعاد الروح فانتصفي ... من مغرم ضره في الحب تسويل
أنهي لخصرك ما لاقيت من سقم ... عسى برقته تنقى الأهاويل
تيهي بذا عجبا فالناس قد خضعت ... إلى حماك وفيك دمعهم لولو
ما دعد ما زينب ما هند ما جمل ... الحسن حسنك فيه القلب متبول
أنت المنى ثم سؤلي فانعمي كرما ... إلى الكئيب الذي في الحب مهزول
لبست حلة حسن يا سعاد وقد ... لبست ثوب الضنى والجسم منحول
إن لم تجودي لصب مسه قلق ... فلي بمدح رسول الله تأهيل
الفاتح الخاتم المفضال شافعنا ... خير النبيين من بالشرع مرسول
قد جاءنا بالهدى والفتح تم به ... عن الخلائق قد زالت أباطيل
طه الحبيب الذي نار الوجود به ... وجاءه من لدى مولاه تنزيل
نبي صدق بدين الحق قام وفي ... كفيه سيف لقمع الشرك مسلول
حتى غدا الكفر مخذولا لسطوته ... ومس أعداءه ذل وتنكيل
يا صفوة الحق حقق ما أؤمله ... فباب جودك في الدارين مسؤول
وقل لصب غدا في الحب ذا سقم ... ادخل نعيما به الإحسان مبذول
موسى السباعي له الآمال فيك إذا ... دنا الرحيل وعمته الأهاويل
صلى عليك الذي أعطاك منزلة ... علياء خادمها في الخلق جبريل
والآل والصحب من في الحرب كان لهم ... فتح ونصر وتأييد وتفضيل
وله قصائد كثيرة ومدائح شهيرة، توفي كما تقدم في حمص سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين ودفن في مدفن بني السباعي بالقرب من سيدنا خالد ابن الوليد رضي الله عنه.
ناشد راشد باشا والي ولاية سورية الجليلة الوالي المعظم والكبير المكرم، ذو الشان الرفيع والمقام البديع، والصولة السامية والدولة النامية، تعين واليا على الشام وعلى جميع البلاد السورية ذات الاهتمام، وذلك بعد موت المرحوم أحمد حمدي باشا، غير ن سلفه كان ممدوحا بتمام العفة، ولركون وعدم الميل إلى الخفة، ولذلك كان الجميع يثني عليه بكل ثناء رفيع. وأما دولة الوزير المترجم فكان عند العموم دون من تقدم، ولذلك في آخر مدته كثر الكلام في حق حضرته، فكتب أهل بيروت إلى الدولة العلية يسترحمون بطلب وال عليهم وانفصالهم عن ولاية الأحكام الدمشقية، وتفاقم أمر الطلب إلى أن كادوا يبلغون الأرب، فتغيظ الوالي المترجم، إلى أن وقع بداء ذات الرئة ودام بهذا المرض خمسة وعشرين يوما، فتسامع الخبر بين الناس أن الذات الشاهانية لم تسمح بقسم الولاية فتروح الوالي المذكور وكاد أن يبرأ من مرضه، فلما كان اليوم الخامس والعشرون من مرضه دخل عليه بعض خدمته وأخبره بقرار قسم الولاية، وتوجه وال مخصوص إلى بيروت وما يتبعها فعاوده المرض بشدة قوية، ولم يمض عليه ساعات حتى زارته المنية، وذلك يوم السبت المبارك التاسع عشر من شهر رجب الحرام سنة خمس وثلاثمائة وألف، ودفن في تربة العارف الله سيدي الشيخ محيي الدين العربي الكائنة في سفح قاسيون في جامع السليمية بجانب قبر العارف بالله السيد عبد القادر الجزائري، قدس الله سره، وعمره يزيد عن سبعين سنة، رحمة الله عليه وعلينا.
حرف النون
الشيخ ناصر بن عيسى بن ناصر الدين الإدلبي الشافعي

(2/177)


العالم العامل الفقيه، والكامل الفاضل النبيه، ولد في إدلب الصغرى سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف، وقرأ بها على أبي الثناء محمود بن حماد ومصطفى بن سمية وأبي عبد الرحمن بن علي الجوهري المفتي، وحضر دروس أبي مدين شعيب بن إسماعيل الكيالي وأخيه الزين عمر الكيالي، ودخل حلب واستوطنها، وقرأ بها على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري، ومصطفى بن عبد القادر الملقي وغيرهم، ودرس بجامع بانقوسا وجامع الحدادين وجامع المشاطية، ولزمه جماعة وأتقنوا عليه، ولازم القراءة والتدريس مع التقوى إلى أن انفرد في مصره وفاق فضله لدى أهل عصره، وفي سنة ألف ومائتين وخمس اجتمع به في حلب خليل أفندي المرادي مفتي دمشق وشهد بفضله وإتقانه في العلوم والفنون ولم أقف على تاريخ وفاته.
السيد نعمان أفندي أبو البركات خير الدين بن محمود
الألومي مفتي السادة الحنفية ببغداد دار السلام
عمدة الأفاضل الأكارم، ونخبة الأماثل ذوي المكارم، من تحلى بملابس العلم والأدب، وتولى عن كل ما اعتقاده يوجب اللوم والعطب، فهو العلم الفاضل المفرد، والشهم الكامل الأوحد الأمجد، من ل كلامه على علو مقامه، ونظامه ونثره على سموه واحترامه.
ولد يوم الجمعة ثاني عشر شهر محرم الحرام سنة اثنتين وخمسين بعد المائتين والألف، وقد أرخ ولادته الشاعر المجيد، والناظم الوحيد، المنلا عبد الحميد:
بدا الكوكب الدري والقمر الذي ... محاسنه للشمس أضحت تسامت
فلا عجب إن فاح كالمسك عرفه ... فها هو من بيت النبوة نابت
له ثبت الحق الصريح من العلا ... وتاريخه: حق لنعمان ثابت
قرأ بعد تمييزه القرآن وأتقنه، ثم حفظ المتون المستحسنة، وحضر دروس العلماء الأعلام، ولازم الإقبال على الاستفادة ملازمة النجم للظلام، إلى أن ارتقى مقامه واستوى على عرش القبول كلامه، وسرت في الناس فضائله واشتهرت مناقبه وشمائله، وأجلسته معارفه على وجوه الأماني، وقصده الطالبون من قاص وداني، ومن أحسن ما جمعه وألفه، ووضعه في قالب التحرير وصنفه، كتابه المسمى بجلاء العينين في محاكمة الأحمدين، فإن كتاب جلا العين من الغين، وأزال عن محيا الحق الشك والرين، فهو القول الفصل العاري من الهذيان والهذل، ولعمري أن من دقق النظر فيه وجال في مناهج ظواهره وخوافيه، عرف أنه حكم وعدل، واعترف بأنه عن طريق الصواب ما عدل، ونصر قول السنة والكتاب، وماز القشر من اللباب، نفع الله العموم بعلومه ورفع راية منثوره ومنظومه، وقد صنف جملة صالحة من التصانيف وحرر زبرا نافعة من التآليف منها إكمال حاشية القطر لوالده، والشقائق، ورسالة في الفقه، وله نثر ونظم يزري باللؤلؤ النجم، وكتب في المواعظ دروسا مفيدة ومجالس عديدة حميدة، وله مجانسة الجليس، بالوعظ والتدريس:
بوعظ قد تلين له قلوب ... وزجر قد تلين به الصخور
تفرد في الفحول بقوارع وعظه ... وأذاب القلوب بزواجر لفظه:
إذا ما رقى للوعظ ذروة منبر ... لخطبته فالكل مصغ ومنصت
فصيح عن الشرع الإلهي ناطق ... وعن كل مذموم من القول صامت
وحينما ألف كتابه غالية المواعظ، ومصباح المتعظ وقبس الواعظ، وذكر في أوله حضرة ذي الشوكة والسلطان، أمير المؤمنين المعظم عبد الحميد خان، وقد مدحه بهذه الأبيات البديعة، الدالة على ملكته الرفيعة:
بمولانا أمير المؤمنينا ... لقد سرت قلوب العالمينا
وفي ظل الإله هم أقاموا ... وظل الله يؤوي القائلينا
أنام الكل في ظل ظليل ... فكان لجمعهم كهفا أمينا
وأصناف الرعية قد تراءت ... بأنواع المعارف عارفينا
مليك ليس يشبهه مليك ... فلا تطلب له ملكا قرينا
ملاذ الخلق في الدنيا جميعا ... وسيدنا إمام المسلمينا
عياذ الناس سلطان البرايا ... وخاقان الخلائق أجمعينا
خليفة ربنا قد صار حقا ... فكان لتخته السامي مزينا
وقد أحيا مآثر لن تضاهي ... ومهد ملكه للساكنينا

(2/178)


وقد عمت أياديه البرايا ... وأدب في الفلاة المارقينا
أدام الله دولته علينا ... وأيدنا به دنيا ودينا
وأبقى ذاته العلياء فينا ... وأعطانا به فتحا مبينا
وملكه أقاصي الأرض طرا ... شمائلها البعيدة واليمينا
وأبقى عبده المولى حميدا ... حميد العيش دهرا الداهرينا
وأيد جنده الباري بنصر ... وفتح كائن حينا فحينا
ولم يزل على درج الكمال يترقى، وهو في كل يوم بالنسبة لما قبله أتقن وأتقى، إلى أن أشاعت المنية أخباره وأذاعت أنه سكن في الجنان داره، وذلك في شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وسبعة عشر، وذلك في مدينة بغداد، دار السعادة والإسعاد، ودفن في مقبرة أبيه، رحمة الله علينا وعليه.
حرف الهاء
السيد هاشم بن السيد محمد بن السيد فائز بن السيد أحمد عز الدين بن السيد
إبراهيم الرفاعي قدس سره
الشيخ الكامل والإمام الفاضل، قد ترجمه صاحب تنوير الأبصار في طبقات السادة الرفاعية الأخيار، فقال: ولد السيد هاشم صاحب الترجمة بكويت البصرة وشب في حجر والده، وخلف والده بعد مماته في مشيخة الطريق العلية الرفاعية، وكان على جانب عظيم من الزهد والصلاح والتقوى، وله كرامات وخوارق كثيرة، ووالده كان من أكابر العارفين المعتقدين في الديار العراقية، ومرقده في كويت البصرة، مزار الخواص والعوام، والمترجم سار سيرته وسلك طريقته، وهو من بيت المجد والبركة، توفي رحمه الله عام اثنين وسبعين ومائتين وألف، وقبره في الكويت معروف يزار انتهى ملخصا.
هاشم بن عبد الرحمن بن سعدي بن عبد الرحمن
بن يحيى ابن عبد الرحمن بن تاج الدين عبد الوهاب الحنفي الكناني البعلي الشهير بالناجي ولد بدمشق الشام ونشأ بها وكان من علمائها وفضلائها، وزهادها وعبادها وأعيانها وذوي شانها، أخذ عن المشايخ العظام والسادة الجهابذة الفخام وكانت له اليد العلية والشهرة السنية في فقه السادة الحنفية، وقد تخرج على يديه الكثير من ذوي الفضل الشهير، وولي أمانة الفتوى النعمانية بدمشق المحمية.
مات ثالث عشر رمضان المبارك سنة أربع وستين ومائتين وألف في مرض الهواء الأصفر. وكان له في قلوب الناس اعتقاد عظيم وجاه جسيم، وتولى أمانة فتوى الشام أيام مفتيها حسين أفندي المرادي، وكان مشهورا بالعبادة والصلاح، وشيخ الطريقة الخلوتية في الديار الدمشقية، وكان ملازما على إقامة الأذكار، إلى أن دعاه الله لدار كرامته في دار الكرامة والقرار.
هبة الله بن محمد بن يحيى
بن عبد الرحمن بن تاج الدين بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن موسى ابن عبده البعلي، مفتي بعلبك الدمشقي الشهير بالتاجي المولى الهمام فخر الأنام، وصدر العلماء الأعلام، الفقيه الشهير، والمحدث الكبير، فقيه مذهب النعمان ونبيه ذوي المعارف والشان.

(2/179)


ولد في دمشق في تاسع عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، ونشأ بها واشتغل في طلب العلوم على جماعة منهم سعد الدين العيني ولد سنة 1030 وتوفي سنة 1174 والسيد مصطفى الأيوبي ولد بدمشق سنة 1135 وتوفي بمكة سنة 1205 وعطية الأجهوري البصير المتوفي سنة 1191 والملوي المتوفي سنة 1181 وطه بن مهنا الجبريني الحلبي المتوفي سنة 1174 وأسعد بن عبد الرحمن المجلد سنة 1174 ومحمد حياة السندي المتوفي سنة 1160 وعبد الكريم بن أحمد الشرباتي علامة حلب المتوفي سنة 1176 وعمر الطحلاوي مفتي المالكية بمصر المتوفي سنة 1181 وصالح بن إبراهيم بن سليمان الجينيني المتوفي سنة 1170 والشهاب المنيني المتوفي سنة 1172 وأحمد ابن عبد المنعم الدمنهوري المتوفي سنة 1192 وأبو الفتح محمد بن محمد العجلوني الجعفري المتوفي سنة 1193 والشيخ علي السليمي الصالحي المتوفي سنة 1200 والسيد علي بالبدري شيخ القراءة بمصر المتوفي سنة 1190 وإبراهيم الحلبي محشي الدر المختار المتوفي سنة 1190 وعلي الصعيدي المتوفي سنة 1189 وموسى المحاسني خطيب جامع بني أمية المتوفي سنة 1173 وأحمد الجوهري المتوفي سنة 1181 والجد الشمس محمد بن عبد الحي الداوودي المتوفي سنة 1168 والسيد الشريف محمد أبو السعود ابن العلامة اسكندر مفتي الحنفية في الديار المصرية المتوفي سنة 1172 وغيرهم ممن يطول ذكرهم، وقد أخذ عنه الجم الغفير والعدد الكثير.
ومات في عشرين من ذي القعدة الحرام سنة أربع وعشرين ومائتين وألف، وله مؤلفات كثيرة منها حاشيته على الأشباه والنظائر لابن نجيم.
ومن نظمه مهنئا جناب الفاضل المحترم خليل أفندي المرادي بإفتاء دمشق الشام، ومؤرخا ذلك، فقال:
سقيا لدهر كل هتان به ... جاء البشير موافيا بمرادي
هذي الأماني التي بلغتها ... رغما على الأعداء والحساد
وافت عروسا في نحور عقدها ... نظم القلائد من ذري الأجداد
وتبسمت عن ثغر روض مسرة ... فلذا الصوادح غردت بسداد
وأتت ورائه صدر فضل قد سما ... حيث السماء وقبله القصاد
تسعى على هام السماك أبية ... منقادة للسيد المجواد
الشهم مولانا الهمام ومن له ... في كل علم يقتفيه أياد
من قد رقى رتب المعالي سيدا ... فكسا الفخار برود مجد وداد
وغذى لبان الفضل من زمن به ... غصن النبوة مثمر بجياد
در البلاغة من جواهر لفظه ... يزري بعقد فصاحة لإياد
منه استعار السحب فضل أنامل ... فسقي بها جوادي مدى الآباد
فهو الكريم بن الكريم بن الكريم هو الخليل هو السري مرادي
نجل السراة ومن هم كهف الأنا ... م وملجأ المحتاج والوراد
أعلام علم للورى وهدى وإر ... شاد وحلم سادة أمجاد
مولاي يا فرد الوجود فضائلا ... وشمائلا يا أوحد الآحاد
رحماك إني عن علاك مقصر ... فانعم بعفو منك لإبعاد
إذ لا يزيد الشمس كثرة مدحها ... والدر لا يلغو بنظم شاد
فاليكها بنت اغتراب خانها ... فكر تردى من صدا أبعاد
جاءت تهني للوحيد بمنصب الفتوى التي شرفت يبيت مراد
فلها الهنا ولها المنى ولها السنا ... بالعالم الصنديد خير عماد
لما غدا الإفتاء يبغي كفؤه ... أرخ له مفتي الشآم مرادي
قسما بلطف مالك لفؤادي ... وبما لوالده جميل أياد
إني لبست من السرور ملابسا ... أزهو بها في الجمع والأعياد
لا زلت ترفل في حبور مسرة ... تهني بك الفتيا مدى الآباد
الشيخ هداية الله الإربيلي الشافعي النقشبندي الخالدي

(2/180)


العالم الفاضل العامل، والمرشد الهمام الكامل، ذو الهمم العلية والعلوم الربانية، والشمائل العلية والفضائل السنية، والسيادة المذكورة والعبادة المشهورة. نشأ من أول زمنه في طاعة الله ولم يعول من صغره على غير طاعة مولاه، ثم سلك الطريقة العلية النقشبندية على يد الإمام والقطب الهمام، سيدي مولانا خالد شيخ الحضرة قدس الله سره، ثم إنه بعد الكمال خلقه ذلك السيد المفضال، خلافة عامة، ولم يزل مجتهدا في العلم والطريق إلى أن اختار الآخرة على الأولى.
وكان الشيخ المترجم حين سلوكه من طلبة العلم، فقال له حضرة مولانا خالد بعد أن خلقه سيأتي عليك زمان تحتاج فيه إلى تدريس العلوم النقلية والعقلية، وإن لم تدرس فإنهم يخرجونك من وطنك، فأمره بقراءة الورقة الأولى من كل كتاب معد للتدريس، فقرأ ذلك على حضرة مولانا المذكور، ثم أجازه بجميع العلوم النقلية والعقلية وتدريس كتبها الدقيقة، وبعد وفاة حضرة مولانا خالد بمدة طويلة وزمان بعيد، ظهر سر هذه القضية وهو أن محمد باشا الكردي متصرف راوندز، استولى بطغيانه على أربيل ونواحيها، وكانت له محبة عظيمة بالعلم والعلماء، ولما تمكن في أربيل مدة طويلة، قال: إن كل من جلس في مسجد أو زاوية من أهل العلم ولم يدرس فليخرج من هذه البلدة لأني أريد العلم ولا حاجة لي بالطريقة، فشرع الشيخ هداية الله المشار إليه بتدريس العلوم منقولها ومعقولها على وجه التحقيق، بحيث انكب عليه أهل العلم للاستفادة وأنوه أفواجا أفواجا، لأنهم رأوا عنده من التحقيق والتدقيق ما لم يشاهدوه عند العلماء الراسخين في العلوم والتدريس فتعجب الناس من ذلك لأنه لم يدرس مدة عمره ولم يقرأ من العلوم إلا شيئا يسيرا جدا، وإنما كان اشتغاله بالإرشاد، فسمع الباشا المذكور وأتى إلى خدمته وطلب الدعاء منه والعفو عنه، وبقي الشيخ المشار إليه يرشد ويدرس إلى أن توفي في بغداد ودفن بجانب الشيخ يحيى المزوري سنة ألف ومائتين وزيادة على الخمسين رحمه الله.
الشيخ هداية الله بن هبة الله بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن تاج الدين
البعلي المعروف بمفتي بعلبك الدمشقي الحنفي
ولد بدمشق، وطلب بها وصرا من علمائها، واشتهر بالعلم والفضل والصلاح، والعبادة والتقوى والفلاح، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف.
حرف الواو
الشيخ وهبة المشهور بأبي العظام
كان من أهل الأحوال، وله كرامات شهيرة تدل على أنه من كمل الرجال، وهو مقصود للزيارة من كل مكان، ومعدود من أهل الكرامة والولاية والشان، وللناس به اعتقاد عظيم، يقصدونه لدى كل مهم وخطب جسيم. نقل أن السبب في تكنيته بأبي العظام، أنه انقطع في الأودية والجبال نحو سبعة أعوام، وهو حامل للعظام على الدوام، فلذا كني بها بين الأنام، ثم بعدها رجع إلى حاله، ولبس أثواب بهائه وكماله، وانتفع الناس بأطواره، وسلموا له بديع أوطاره، ولو أرادنا أن نحصي ما له من الكرامات الكبار، لخرجنا عن منهج المقصود من الإيجاز والاختصار، توفي سنة اثنتين وأربعين بعد المائتين والألف، ودفن في قرية القسطل ذات الجمال واللطف التابعة لقضاء النبك، وقبره ظاهر مشهور وعليه قبة مجللة بالبهاء والنور، رحمة الله تعالى عليه ورضوانه، وجوده وبره وإحسانه.
حرف الياء
الشيخ ياسين النابلسي الحنفي فاضل إمام، وعالم عامل همام. ولد سنة ألف ومائتين، ونشأ على الجد في الطلب إلى أن بلغ المنى والأرب، ولازم النسك والعبادة وصار من ذوي القدر والسيادة، وذلك بعد أن قدم دمشق واستوطنها، وقرأ على فضلائها وعلمائها واجلائها، وكان له اليد العليا في العلوم من منطوق ومفهوم. مات بدمشق سنة ستين ومائتين وألف، ودفن بقاسيون قرب مغارة الجوعية رحمه الله تعالى.
الشيخ يحيى أفندي أبو النصر
بن الشيخ عبد الغني بن الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر بن محمد السلاوي نسبة إلى مدينة سلا في المغرب كذا قرر في ترجمة جده الشيخ أحمد السلاوي

(2/181)


ولد في الديار المصرية، وبلغ مبلغا من العلوم الأدبية، وأتقن صناعة الشعر وأحسنه، وكان يذكر عند مذاكرته في أنواع الأدب من كل شيء أحسنه، وفي سنة ثلاثمائة وألف شرف إلى الشام، وكنت اجتمع به في أكثر الأوقات والأيام، فصيح اللسان ذو معرفة وإتقان، وكان مشتغلا بنظم قصائد تسعة وعشرين، من كل حرف من حروف الهجاء قصيدة، على طرز قصائد صفي الدين أبي المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن أبي القاسم الحلي التي سماها درر النحور في امتداح الملك المنصور، فكان يتلو علينا من أبياتها، ويفكهنا بسكر نباتها، وقد تخلص بكل قصيدة إلى مديح الحضرة المعظمة السلطانية الحميدية، وقد سماها بالعصر الجديد، جمع بها جواهر الآثار، ودقائق المعاني الأبكار، وبعد مدة سافر إلى الأستانة العيلة، وقدمها للسدة السنية الملوكانية، فأحسن إليه برتبة محترمة، وخدمة في دائرة المعارف العمومية الجليلة، ولم يزل مكبا على الاشتغال بالأدب، وآثاره مقبولة تألفها الطباع، وتلتذ بها الأسماع، ومن نظمه البديع وشعره الرفيع، قوله:
أعد الحديث عن الأماني الحفد ... واغتم مسالمة الليالي العود
وأدر كؤوس الراح فيها للهنا ... أيدي الصبا منها صحيفة عسجد
طورا تطوف بها الشموس وتارة ... تسعى بها الأقمار حول الوقد
من كل وضاح الجبين أغر ذي ... شمم وعز بالشباب معربد
يلقاك ملتحف الوقار كلاهما ... بادي المشيخة في حداثة أمرد
يغدو بأصناف المسرة لاهيا ... يوما ويوما بالمقيم المقعد
لا تبصر العينان منه لذي نهى ... إلا خلال ممجد ومسود
إن قال كان الرأي منه مسددا ... أو صال كان الخصم غير مسدد
ومنها:
وخضيبة الكفين مزر قدها ... هيفا بأعطاف الغصون الميد
نشوانة بالحسن تعبث بالنهى ... عبث الحوادث بالوليد المبتدي
تلقاك في ديباجتين منوطة ... من فوق ضاف بالعبير مقرمد
أقسى مساسا من فؤاد معذبي ... وأرق من قلب حزين المكمد
ما بين طلعة بدر تم مشرق ... زاهي الجبين وليل شعر أجعد
فتاكة فتانة مأسورها ... لا يفتدي وقتيلها لا يستدي
إن أقبلت فتنت وإن ولت سبت ... مهج الأراقم دون نيل المقصد
تدني وتبعد بالذي تومي به ... لأخي العفاف وللبغي الأنكد
فتظنها من ثم غير عصية ... وتخالها من ههنا كالعضلد
وتروضها كخليستين عروبة ... غض المساس وحيزبون علكد
لا ينقضي من حبها وطر ولا ... يدنو لها بالغي عزم مجرد
وهي قصيدة طويلة تزيد على المائة وثلاثين بيتا وتخلص بها لمديح السيد أحمد الرفاعي قدس الله تعالى سره. وله قصائد كثيرة وأشعار شهيرة. ولقد اجتمعت به في الآستانة عام ألف وثلاثمائة وسبعة، فوجدته قد تغير عن حاله، وتبدل الجلال عن جماله، وغلب عليه الجفا بعد ما كان عليه من الوداد والوفا، واللطف والصفا، فسبحان من لا تغيره الأزمان، ولا يحكم عليه وقت ولا أوان.
الشيخ يحيى الجابي المدني
ترجمه صاحب اللئالي الثمينة في أعيان شعراء المدينة، فقال: الأديب الذي كنهور ذهنه بالمحاسن هامي، وألفاظه تسكر الأسماع كابنة العنب ولا ينكر السكر من الجامي فكل بيت من أبياته راووق مدام وكل لفظ منها زهر كمام، كلل برشح غمام، ومع ذلك فهو في الفضل سامي المقام، وفي المجد بالغ همام، حاوي شمائل كالنسيم رقة، وكالمسك تشتهي الروح شمه ونشقه، وجامع أدب شذي النفحة بهي اللمحة، فمن نظمه البهج وشعره الأرج هذه القصيدة، وأرسلها من الروم مبثا بها ما حواه صدره من سر الغرام المكتوم:
على وادي النقا، قف لي صباحا ... وحي الريم والغرر الصباحا
وعانق لي بسح الدمع بانا ... بسوح من العقيق لديه ساحا
ومرغ لي الخدود على تراب ... تشم به عبير المسك فاحا
وغض الصوت في نجواك واخفض ... جناح الذل منك عسى نجاحا

(2/182)


وأم الجانب الغربي منه ... سقى الله رباه والبطاحا
وسل عن جيرة في سفح سلع ... وقبل القول قبل لي المراحا
بهم خز يشي حبرا برتني ... بروق ظباه دع عنك الرماحا
لروحي من صداه غذا وراح ... غدا يجلو الصدا عنها وراحا
ترى الأوتار ناطقة فصاحا ... إذا غنى بنغمتها فصاحا
به معنى فهمناه فهمنا ... فلاح سنا فشاهدنا فلاحا
فشاهد ساعة وارجع سريعا ... وحاذر يستميلك أن تصاحا
فإن حشاي مما في فؤادي ... يئن أنين من ذاق السلاحا
وذلك إن بازا لي تصدى ... فأظهر لي الصداقة والمزاحا
فلما أن رآني مطمئنا ... أظن مزاجه الماء القراحا
غزا بالبابلي على غزالي ... فطار به وكان له جناحا
ولو بارزت لم يبرز لحربي ... ولكن خفت ارتكب الجناحا
فقلت تعجبا سبحان ربي ... فقنعني ومن قنع استراحا
ولي نفس أبت ذلا لمن لا ... يراعيها ولو ماتت جراحا
ولا حكم على ملك بعنف ... خصوصا من يرى قتلي مباحا
فحسبي أن محبوبي بقلبي ... وإني في الهوى أهوى الملاحا
وسلم لي على قمري العلالي ... وندماني غبوقا واصطباحا
وجمع الصحب بلغهم سلامي ... لعل الله يجمعنا صحاحا
وكرر لي السلام على عقيق ... كذوب مكرر يسقي الأقاحا
وتعرف يا عقيق الروح مني ... لمن في لحن قولي القصد لاحا
وله:
باتت تسامرني حمامة روضة ... فوق الغضا بين الغدير وزرعه
تبكي على إلف لها بترنم ... من أجل تسكين الفؤاد وروعه
فشربت من ذاك الغدير تلذذا ... وطربت من ذاك الهدير ورجعه
وأجبتها بي مثل ما بك كلنا ... نبكي على ذكر الحبيب وربعه
لكن ما مثلي ومثلك واحد ... لا والذي سمع الدعاء بسمعه
إن الذي أهواه بدر كامل ... كل الأشعة فرعت من فرعه
قالت صدقت يحق أن تبكي الدما ... ونهيم في ريم النقا مع سلعه
وله رحمه الله:
لقد كمنت محبتكم بقلبي ... كمون النار في قلب الزناد
ولكني افتضحت بدمع عيني ... وحالي كل حين في ازدياد
انتهى توفي المترجم المرقوم في القرن الثالث عشر رحمه الله تعالى.
الشيخ يحيى بن محمد بن منصور الحلبي الشافعي

(2/183)


الفقيه العالم المقرئ المسند البركة الدين التقي العابد الزاهد، كان من السادة الأخيار، والقادة الأتقياء الأبرار. مولده سنة عشرين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه وتلاه لحفص، وأخذ القراءات عن الشمس البصيري شيخ القراء بحلب، وأبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المصري، ولازم القراءة والأخذ والتلقي والسماع، وتلقى الكثير على الكثير، منهم أبو عبد الفتاح محمد بن الحسين الزمار ونور الدين علي بن مصطفى بن علي الدباغ الميقاتي وأبو محمد صالح بن رجب المواهبي وبايعه وأخذ عنه الطريقة القادرية، ولازم بعده ولده أبا عبد الله محمد وقاسم بن محمد البكرجي وأبو الثناء محمود بن شعبان البزستاني وقاسم بن محمد النجار وأبو المحاسن يوسف بن الحسين الدمشقي وأبو عبد الله جابر بن عودة الحوراني وعبد الوهاب بن أحمد الأزهري وعلاء الدين محمد بن محمد الطيب المالكي لما قدم حلب، وأبو جعفر منصور بن علي الصواف وأبو السعادات طه بن مهنا الجبريني وأبو عبد الله محمد بن كمال الدين الكبيسي وعبد الكريم بن أحمد الشراباتي وغيرهم. ويروي عاليا عن الشهاب أحمد بن محمد علوان بن عبد الله الشراباتي وأي داود سليمان بن خالد بن عبد القادر النحوي وجمال الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد عقيله بن سعيد المكي وبدر الدين حسن بن علي الطباخ وأبي عبد الرزاق محمد بن هاشم الديري وأبي محمد حسن بن شعبان السرميني وآخرين، وسمع الأولية من أكثرهم ولازم دروسهم وأكثر من السماع من صغره وكان لا يفتر عن حضور مجالسهم، وأجازوه بالإجازة العامة. وكان كثير التلاوة للقرآن العظيم يشتغل به غالب أوقاته، وكان من الصلحاء الأخيار، والمعمرين الأبرار، كثير الديانة مقبلا على الأخرى معتنيا بما يقربه من مولاه، رافضا زخارف الدنيا راضيا بما قسم له، يحب الناس ويحبونه. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف في حلب ودفن بها.
الشيخ يحيى بن...... المزوري العمادي الشافعي البغدادي
بحر العلوم، وحبر ذوي المنطوق والمفهوم، جامع المنقول والمعقول، وحاوي الفروع والأصول، أستاذ علماء العراق على الإطلاق، وملاذ فحول فضلاء الآفاق في حل المشكلات بلا شقاق، النحرير الهمام حجة الإسلام، الناسك العابد والتقي الزاهد، المتوجه بكله إلى الله والمعتمد عليه لا على سواه.

(2/184)


نقل صاحب المجد التالد أن المترجم المذكور كان من أكابر هذه الأمة المحمدية، وقد بلغ درجة الترجيح في الفقه، مع كونه بحر جميع العلوم النقلية والعقلية والرياضية، كما شهد له بذلك حضرة شيخ الحضرة مولانا خالد النقشبندي، وكانت ولادته في حدود سنة ألف ومائة وخمس وأربعين، وقرأ على مشايخ كثيرين وأساتذة معتمدين، منهم الحبر العلامة والبحر الفهامة، السيد عاصم الحيدري، ومنهم العلامة المحقق والفهامة المدقق، السيد صالح الحيدري. وكان حافظا لأوقاته مراقبا لحركاته وسكناته، مواظبا على الطاعة متباعدا عن الإضاعة، وآدابه في التقوى والحلم، ومكارم الأخلاق التي أدبه بها الفضل والعلم، كثيرة شهيرة. وفي عام ستة وعشرين ومائتين وألف، لما شرف حضرة مولانا خالد شيخ الحضرة من الهند إلى السليمانية صمم الجماعة البرزنجية الذين هم أكابر بلدة السليمانية وأصحابهم وأتباعهم، وكانوا نحو مائتي رجل على قتل الشيخ خالد المذكور، واتفق رأيهم أن يقفوا بالسلاح يوم الجمعة خارج باب المسجد، فإذا خرج قتلوه وقطعوه إربا إربا، فلما جاء يوم الجمعة قام حضرة الشيخ قدس الله سره ومشى إلى المسجد، وكان معه بعض مريديه وجماعة من الحيدريين، فلما تمت صلاة الجمعة وقف الأعداء على الباب ينتظرون خروج الشيخ وهم بالسلاح الكامل، وكان من عادة الشيخ أنه لا يخرج من المسجد إلا بعد خروج الناس، فلما تكامل خروج الناس، ولم يبق في المسجد أحد، خرج حضرة الشيخ والتفت إلى صفوف الأعداء بعين الجلالة، فمنهم من هرب ومنهم من سقط مغمى عليه، ومنهم من صاح وانجذب، ومشى حضرة الشيخ إلى أن وصل إلى الزاوية بجماعته بدون أن يتعرض لهم أحد، وهذه القضية وقعت على رؤوس الأشهاد، فلم يبق أحد من أهل السليمانية إلا وعلمها، فحقد عليه العلماء وأرادوا أن يهينوه في تجهيله في العلم، فامتحنوه بمشكلات أنواع العلوم النقلية والعقلية فلم يقدروا عليه، بل صاروا كأحقر الطلبة بين يديه، فلما رأوا أنفسهم أنهم بالنسبة إليه جهال، وليس لهم قدرة عليه بحال، كتبوا كتابا وأرسلوه إلى حضرة المترجم، ومضمون الكتاب من كافة علماء السليمانية إلى علامة الدنيا على الإطلاق والدين، حجة الإسلام والمسلمين، مولانا وشيخنا الشيخ يحيى المزوري العمادي متع الله تعالى المسلمين بطول حياته: أما بعد فقد ظهر عندنا خالد وادعى الولاية الكبرى والإرشاد، بعد عوده من الهند إلى هذه البلاد، وهو رجل قد ترك العلوم بعد تحصيلها على وجه الكمال، واختار سبيل الضلال، ونحن قد عجزنا إن إلزامه، وقهره وإفحامه، فيجب عليك أن تتوجه إلى طرفنا لإفحامه، ودفع ضلاله ومرامه، وإلا فقد عم الضلال بين العباد، وانتشر الفساد في البلاد، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فلما وصل الكتاب إلى الشيخ يحيى وقرأه، قام وركب بغلته مع جملة من طلبته الفحول، وتوجه إلى السليمانية وقد استحضر في فكره عدة سؤالات من أشكل المشكلات، في المعقول والمنقول، الفروع والأصول، فلما قرب الشيخ من السليمانية خرج العلماء كافة وأكابر البلدة لاستقباله، وتقبيل يديه ورجليه وأذياله، فلما دخل البلدة دعاه كل إلى منزله من السادة الأعيان، فأبى وقال لا بد أن ألاقي هذا الرجل الآن، فتوجه إلى زاوية الشيخ قدس الله سره، فلما دخل عليه وسلم وحياه، استقبله الشيخ وصافحه وأحسن لقياه، فجلس الشيخ يحيى بجانب مولانا خالد وتهيأ للسؤال، فابتدره الشيخ في الحال، وقال له إن في العلوم مشكلات كثيرة، منها كذا وجوابه كذا ومنها كذا وجوابه كذا، وعدد له جميع الأسئلة التي أعدها للسؤال عنها، وأجاب عن كل منها بأحسن جواب بحيث لم يبق للإشكال باب، فانكب المترجم على قدمي حضرة الشيخ وعرف إجلاله، وطلب منه العفو والسماح والتوجه له بما يصلح آماله، وأعطاه الطريقة النقشبندية، وعين له حجرة يسلك فيها فصار من أخص رجال السادة الخالدية، فلما سمع المنكرون ولوا الأدبار وخابوا، وبعضهم تاب وأكثر من الندم والاستغفار، وكان حضرة مولانا خالد يحب الشيخ يحيى محبة عظيمة، ويعامله مع كونه مريدا له معاملة الأقران ذوي العظمة والشان، والشيخ يحيى لا يعد نفسه في مجلس الشيخ إلا من الخدام.

(2/185)


وقد حدث العالم الأديب الصالح الشيخ إسماعيل البرزنجي، فقال كنت في خدمة الشيخ يحيى المزوري في حجرة واحدة، وكان الشيخ نائما وقت القيلولة، فقام حضرة مولانا خالد من محله إلى حجرة الشيخ يحيى فاسقبلته، وقلت له إن الشيخ يحيى نائم فقال لا تنبهه، ثم دخل حضرة مولانا الحجرة وقبل فم الشيخ يحيى وهو نائم، وقال بعد التقبيل متعنا الله تعالى بحياتك، وخرج من الحجرة إلى محله، ومما وقع له أيضا مما يدل على رفعة مقامه ووصوله في الطريق إلى مرامه، أن عبد الوهاب السوسي الذي خلفه حضرة مولانا خالد في الأستانة العلية، ثم طرده عن الطريقة لعجبه بنفسه بمخالطة أكابر الرجال، وجمع الحطام والأموال، دخل يوما على الشيخ يحيى وقبل يديه، والتمس منه أن يطلب العفو عنه من حضرة مولانا خالد قدس سره، فقام الشيخ يحيى ودخل على حضرة مولانا خالد والتمس منه العفو عن عبد الوهاب، فقال حضرة الشيخ أن الأمر لو كان بيدي لعفوت عنه، ولكن جميع روحانيات السلسلة العلية النقشبندية قد طردوه عن باب طريقتهم، اللهم إلا أن يحلق عبد الوهاب لحيته ويسود وجهه ويركب الحمار منكوسا ويشهر نفسه في الأزقة والأسواق كسرا لنفسه، فإنهم قدس الله تعالى أسرارهم يعفون عنه حينئذ فقال الشيخ يحيى قدس الله سره: يا شيخي إن عبد الوهاب لا تطاوعه نفسه على مثل هذا الفعل، ولكن رخصني فإني أعمل هذا الفعل عوضا عنه لعله يعفى عنه وأنا أفدي نفسي في حاجة المسلم، فبكى حضرة مولانا خالد قدس الله سره وتعانق مع الشيخ يحيى وبقيا يبكيان ثم قام حضرة الشيخ قدس الله سره لصلاة النافلة وذهب الشيخ يحيى قدس الله سره إلى محله، وقال لعبد الوهاب فلا تلومن إلا نفسك، وقام عبد الوهاب خائبا والعياذ بالله تعالى من سوء المنقلب.
ومن جملة أدب المترجم مع السنة أنه كان يعاون زوجته في غسل الثياب والطبخ وحوائج البيت، وكان يغسل أولاده إذا ماتوا بنفسه، ويقول لزوجته لا تضجري من موتهم، واشكري الله تعالى. ولما قتل اليزيديون ولده العلامة المحقق عبد الرحمن في الجبال وأتى خبر قتله إليه وهو يدرس العلم، قال حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل، ولم يترك الدرس، ولما مات الحبر العلامة السيد أسعد صدر الدين الحيدري كان المترجم نازلا في بيتهم ضيفا، فقال أنا أغسل السيد المرقوم فقام وغسله على ملأ من الناس، وكان السيد عبيد الله الحيدري يصب له الماء، وصلى عليه مع خلائق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وكان ذلك في أوائل سنة ألف ومائتين وثلاث وأربعين. ثم لما توفي الشيخ المترجم قدس الله سره في بغداد تعاطى غسله العالم الصالح الورع والتقي الملا حسين بن ملا جاحي والسيد محمد أمين ابن السيد عبد الله الحيدري وأخوه السيد صالح الحيدري وعدد كثير من العلماء الأعلام، يصبون الماء على جسده الشريف مناوبة، وصلى عليه العلامة الفهامة النحرير الشيخ عبد الرحمن الروزبهاني طاب ثراه، ولم يبق أحد بحسب الظاهر من أهل بغداد إلا ومشى خلف جنازته، وكأن القيامة في يوم موته قد قامت، ودفن في جوار الغوث الأعظم والقطب الأفخم سيدي عبد القادر الجيلاني قدس سره، وكان عمره يوم وفاته نحوا من مائة سنة، ومات في حدود سنة ألف ومائتين وخمس وأربعين.
الشيخ يحيى أفندي مفتي أنطاكية بن المرحوم....
عالم زمانه وإمام أهل وقته وأوانه، عمدة الأماثل ونخبة الأفاضل، ولد سنة ألف ومائتين وثلاثين تقريبا، ثم منذ نشأ وشب أقبل على العبادة والطلب، فبرع وفاق واشتهر في الآفاق وتفنن في العلوم وبرع في فني المنطوق والمفهوم، وأقبل الناس عليه للاستفادة منه والنظر إليه، وأخذ عن مشايخ ذوي رتب سامية أسانيدهم في الأخذ عالية، ولما رأوا منه المعرفة التامة أجازوه بالإجازة العامة، ثم ولي منصب الإفتاء بأنطاكية، وله بإقليمها شهرة عالية، وله معرفة بالسياسة قوية، ومهارة بالألسنة الثلاث العربية والتركية والفارسية، ونظره في الأمور دقيق، مقصود في الاستشارة لكل بعيد أو قريب أو عدو أو صديق.

(2/186)


وفي سنة ثلاثمائة واثنتين بعد الألف جاء إلى حلب جميل باشا واليا عليها، وكان له شدة عظيمة على أهل الرآسة في حلب وما يتبعها من بقية الولاية، فاضطر المترجم أن يخرج من محله وأن يخرج من الولاية فرحل إلى دمشق، واتصل برؤوسها وولاتها وأكابرها وذواتها، وله حاضرة عجيبة، وحافظة غريبة، فكثيرا ما كان يستشهد تارة في العربية وتارة في التركية وتارة في الفارسية، بأبيات لطيفة رقيقة ذات معان أنيقة، وله حكايات ونوادر تشهد له أنه في الأدب له المقام النادر، ومعرفته في الشطرنج حظها وافر، فكان كثيرا ما يلعب به مع الحكام والأكابر، وكانت لي معه الصحبة الوافرة، والمحبة المتكاثرة، والمباحثة والمذاكرة والمسامرة والمحاضرة، وقد أخبرني بأنه ولد في الشام حين كان أبوه بها مستقيما، ثم عاد به أبوه إلى وطنه المذكور، ثم إنه لا زال في الشام يعلو مقامه وينمو احترامه، إلى أن وقع بينه وبين المشير حسين فوزي باشا بعض منافرة، وكان قد عزل جميل باشا من حلب فرجع إلى وطنه، وذلك عام ألف وثلاثمائة وخمسة، أطال الله بقاءه وحرسه بمنه وأبقاه.
الشيخ يحيى بن علي بن محمد الشوكاني
العالم الذي فاق أهل زمانه وترقى في فضله على أهل أوانه، ولحق من سلف وسبق من خلف، ولد في رجب سنة ألف ومائة وتسعين، قرأ على جملة من المشايخ المتصدرين والأفاضل الجهابذة المتصدين، كالعلامة محمد بن أحمد السودي، والعلامة سعيد الرشيدي، وكان مواظبا على الطاعة حافظا أوقاته عن الإضاعة، قليل الكلام، كثير القيام في الظلام، دائم الفكر حسن الصبر، يحب الاستفادة ولا يبخل بالإفادة، له مشاركة في العلوم وأعلا نثر وأحلا منظوم، سيرته حسنة وأوصافه مستحسنة، زاهد في الدنيا راغب في الأخرى، كثير الأذكار في الليل والنهار، محافظ على أوقاته متباعد عن غفلاته، وقد أجاز واستجاز وكان في الحقيقة على أحسن مجاز. وبالجملة فهو حسنة من حسنات الزمن، وفرد من أفراد قطر اليمن، قد انتفع به الكثير وأخذ عنه الجم الغفير، وانقاد له الأفاضل وذوو السيرة العالية والشمائل، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وستين تقريبا.
الشيخ الإمام يحيى بن المطهر بن يحيى
العالم الفاضل الزاهد الورع العابد العامل، عمدة لأقران ونخبة العصر والأوان. نشأ في مدينة صنعاء ولازم العلامة الشوكاني، واستفاد من علومه، وقرأ جميع مؤلفاته عليه، وأكب على علم الحديث فبلغ فيه النهاية، وترك التقليد واشتغل بالاجتهاد. وله شرح على سنن أبي داوود أربع مجلدات، وله رسائل متعددة في فنون مختلفة، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وثمان وستين.
الشيخ يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن زين الدين بن عبد الكريم الدمشقي الشافعي الشهير بالكزبري
الشيخ الأمجد والإمام الأوحد، علامة الزمان وفهامة الأوان. ولد بدمشق الشام ونشأ بها وأخذ عن علمائها، ومن أجلهم والده المرقوم، والعلامة الشهاب المنيني الكبير، والإمام العلامة الثاني علي أفندي الداغستاني، وأجازه خال والده العلامة علي بن أحمد بن علي الكزبري وغيرهم، وكان صالحا عابدا فالحا زاهدا متواضعا فقيها محدثا نبيها. توفي ثاني شهر محرم الحرام سنة إحدى ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح.
الشيخ يحيى السردست الحنفي الدمشقي
الإمام الفاضل والهمام الكامل، علامة الزمان وفهامة العصر والأوان، كان من العلماء العاملين والصلحاء الواصلين، إمام المحققين وهمام المدققين، وكان منقطعا في المدرسة الباذرائية مقبلا على الآخرة مدبرا عن الدنيا. توفي في دمشق سنة أربع وستين ومائتين وألف سابع عشر شهر شوال. ودفن في مقبرة الذهبية، في مرج الدحداح.
الشيخ يحيى المسالخي الحلبي
الإمام الأديب الماهر، والهمام الفاضل الباهر، الكامل الفقيه واللوذعي النبيه. أخذ عن الشيخ محمد الكزبري وعن غيره من المشايخ العظام. توفي قريبا من عشرين ومائتين وألف ودفن في باب الصغير رحمه الله تعالى.
الشيخ يوسف أبو خرج الدمشقي المجذوب

(2/187)


الولي المشهور، والقطب المعروف بطول الباع وبكل منقبة مذكور، قد اشتهر فضله في هذه الديار اشتهار الشمس في رابعة النهار. وكان معتقدا لا منتقدا، ومع جذبه كانت أحواله لا تنكر عليه بل تجد أموره مائلة إلى ظاهر الشرع مستندة إليه، وكان جليلا مهابا معظما فخما، عليه مخايل الولاية. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين ومائتين وألف، ودفن بباب الصغير وقبره ظاهر يزار.
الشيخ يوسف أبو الفتوح جمال الدين بن أحمد بن مصطفى بن أحمد بن إبراهيم بن شمس العمري القادري الدمشقي الشافعي
الإمام، المحدث الهمام، العلامة المحقق والسيد السند المدقق، ذو المعارف والكمال، واللطائف والجمال، عمدة المحققين ونخبة المدققين. ولد بدمشق ليلة الثلاثاء ثاني ذي الحجة الحرام سنة ثمان وخمسين ومائة وألف، وأخذ عن العلامة الشيخ عبد الرحمن العيدروس، وأحمد بن خليل التميمي الخليلي، ومحمد بن المرحوم ميرزا محمد، وتاج الدين الياس زاده المدرس بالحرم الشريف، والشيخ علي بن محمد بن سليم السليمي الصالحي، وأبي الفتح محمد بن محمد العجلوني، والسيد مصطفى بن ولي الدين محمد الأيوبي الأنصاري الحنفي الشهير بالرحمتي، وعلي الكاملي، وأحمد الداراني، وحسن بن علي المدابغي، وعيسى أفندي بن صبغة الله أفندي الحيدري، والسيد محمد البخاري، وأحمد البعلي، وأسعد المجلد، ومحمد التافلاني، وعليم الله الهندي اللاهوري، وإبراهيم الحافظ، وعبد الرحمن بن الملا حسن الكردي، وصالح الجينيني، والشهاب أحمد المنيني، وخليل الكاملي، ومحمد العربيلي، وابن بدير المقدسي، وأبو الجود محمود الكردي الكوراني، والسيد محمد السمان المدني، وعيسى البراوي، والشهاب الراشدي، وعطية الأجهوري، والحفني، والملوي، وأحمد الجوهري، والدمنهوري، ومحمد الفارسكوري، وأحمد الطبنشي وغيرهم، وعن الشيخ محمد الكزبري، والشيخ علي الداغستاني، مات رحمه الله تعالى تاسع شوال سنة خمس عشرة ومائتين وألف ودفن في مقبرة سيدي الشيخ أرسلان.
الشيخ يوسف بن عبد الله بن منصور السنبلاويني الشهير برزه
الشافعي الإمام العلامة النبيه الفاضل، الأستاذ الفهامة، العالم العامل. تفقه على بلديه الشيخ أحمد رزه، وحضر دروس الشيخ الحفني والشيخ البراوي والشيخ عطية والشيخ الصعيدي وغيرهم من الأشياخ، وأنجب ودرس وأفاد، ولازم الإقراء، وكان إنسانا وجيها محتشما ساكن الجأش وقورا، بهي الشكل، قانعا بحاله لا يتدخل كغيره في أمور الدنيا، مجمل الملابس، لا يزيد على ركوب الحمار في بعض الأحيان لبعض الأمور الضرورية، ولم يزل حتى تعلل وتوفي سنة سبع ومائتين وألف.
الشيخ يوسف المصيلحي الشافعي الأزهري
الشاب الصالح والمهاب الفالح، الفاضل الفقيه والكامل النبيه، حفظ القرآن والمتون، وحضر دروس أشياخ العصر كالشيخ الصعيدي والبراوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ أحمد العروسي، وحضر الكثير على الشيخ محمد المصيلحي وأنجب، وأملى دروسا بجامع الكردي بسويقة اللالا. وكان مهذب النفس لطيف الذات حلو الناطقة مقبول الطلعة خفيف الروح، ولم يزل ملازما على حاله حتى اتهم أيضا في حادثة الفرنسيس، وقتل مع من قتل شهيدا بالقلعة سنة أربع عشرة ومائتين وألف، ولم يعلم له قبر رحمه الله.
الوزير المعظم يوسف باشا والي الشام

(2/188)


أصله من الأكراد الدكرليه، وينسب إلى الأكراد الملية، وفي ابتداء أمره، هرب من أهله وعمره إذ ذاك خمس عشرة سنة، فوصل إلى حماة وتعاطى بيع الحشيش والسرجين والروث، ثم خدم عند رجل يسمى ملا حسين مدة سنين، إلى أن ألبسه قلبقا، ثم خدم بعده ملا إسماعيل بلكباش وتعلم الفروسية، فلعب يوما في القمار وخسر فيه وخاف على نفسه، فخرج هاربا إلى عمر آغا باسيلي من إشرافات إبراهيم باشا المعروف بالأردن، فتوجه معه إلى غزة، وكان مع المترجم جواد أشقر من جياد الخليل، فقلد على آغا متسلم غزة عمر آغا المذكور، وجعله دالي باش ففي بعض الأيام طلب المتسلم من المترجم الجواد المذكور، فقال له إن قلدتني دالي باش قدمته لك، فأجابه إلى ذلك وعزل عمر آغا وقلد المترجم المنصب عوضا عنه، وامتنع من إعطائه ذلك الجواد، وأقام في خدمته مدة، فوصل مرسوم من أحمد باشا الجزار خطابا للمترجم بالقبض على المتسلم، وإحضاره إلى طرفه، وإن فعل ذلك ينعم عليه بخمسين كيسا ومائة بيرق، ففعل ذلك وأوقع القبض على علي آغا المتسلم، وتوجه به إلى عكا بلدة الجزار، فقال المتسلم للمترجم في أثناء الطريق تعلم أن الجزار رجل سفاك للدماء فلا توصلني إليه، وإن كان وعدك بمال أطلقني وأنا أعطيك أضعافه ولا تشاركه في دمي، فلم يجبه إلى ذلك، وأوصله إلى الجزار فحبسه ثم قتله، فحبسه ثم قتله ورماه في البحر، وأقام المترجم بباب الجزار ثم أرسل إليه يأمره بالذهاب إلى حيث يريد فإنه لا خير فيه لخيانته لمخدومه، فذهب إلى حماة وأقام عند إسماعيل آغا وهو متول من طرف عبد الله باشا المعروف بابن العظم، فأقام في خدمته كلارجي زمنا نحوا من ثلاث سنين، وكان بين عبد الله باشا وأحمد باشا الجزار عداوة فتوجه عبد الله باشا إلى الدورة، فأرسل الجزار عساكره ليقطع عليه الطريق، فسلك طريقا أخرى، فلما وصل إلى جينين وجه الجزار عساكره عليه، فلما تقارب العسكران وتسامعت أهل النواحي امتنعوا من دفع الأموال، فما وسع عبد الله باشا إلا الرحيل، وتوجه إلى ناحية نابلس وحاصر بلدة تسمى صوفين، وأخذ مدافع من يافا وأقام محاصرا لها ستة أيام، ثم طلبوا الأمان فأمنهم ورحل عنهم إلى طرف الجبل مسيرة نصف ساعة، وفرق عساكره لقبض أموال الميري من البلاد، وأقام هو في قلة من العسكر، فوصل إليه خيال وقت العصر يخبره بوصول عساكر الجزار، وأنه لم يكن بينه وبينهم إلا نصف ساعة، وهم خمسة آلاف مقاتل، فارتبك في أمره وأرسل إلى النواحي فحضر إليه من حضر، وهم نحو الثلاثمائة خيال، وبدائرته نحو الثمانين، فأمر بالركوب، فلما تقاربا هاله كثرة عساكر العدو وأيقنوا بالهلاك، فتقدم المترجم إلى العسكر وأشار عليهم بالثبات، وقال لهم لم يكن غير ذلك فإننا إن فررنا هلكنا عن آخرنا، وتقدم المترجم مآغاته ملا إسماعيل، وتبعهم العسكر وولجوا وسط خيل العدو وصدقوا الجملة جملة واحدة، فحصلت في العدو الهزيمة وركبوا أقفيتهم، وتبعهم المترجم حتى حال الليل بينهم، فرجعوا برؤوس القتلى والقلائع، فلما أصبح النهار عرضوها على الوزير وهي نحو الألف رأس وألف قليعة، فخلع عليهم وشكرهم، وارتحلوا إلى دمشق، وذهب المترجم مع آغاته إلى مدينة حماة، واستمر هناك إلى أن حضر الوزير الأعظم يوسف باشا المعروف بالمعدن لي إلى دمشق، بسبب الفرنساوية، ففارق المترجم مخدومه في نحو السبعين خيالا، وجعل يدور بأراضي حماة بطالا، ويقال له قيس، فيراسل الجزار لينضم إليه، وكان الجزار عند حضور الوزير انفصل حكمه عن دمشق ووجه ولايتها إلى عبد الله باشا العظم، فلما بلغ المترجم ذلك توجه إلى لقاء عبد الله باشا بالمعرة، فأكرمه عبد الله باشا وقلده دالي باشا كبيرا على جميع الخيالة حتى على آغاته ملا إسماعيل آغا، وأقام بدمشق مدة إلى أن حاصر عبد الله باشا مدينة طرابلس، فوصل إليه الخبر بأن عساكر الجزار استولوا على دمشق وبلادها، فركب عبد الله باشا وذهب إلى دمشق ودخلها بالسيف، ونصب عرضيه خارجها، فوصل خبر ذلك إلى الجزار، فكاتب عساكر عبد الله باشا بتسليمهم، لأن معظمهم غرباء، فاتفقوا على خيانته والقبض عليه وتسليمه إلى الجزار، وعلم ذلك وتثبته فركب في بعض مماليكه وخاصته إلى المترجم، وهو إذ ذاك دالي باشا، وأعلمه الخبر وأنه يريد النجاة بنفسه، فركب بمن معه وأخرجه من بين العسكر قهرا عنهم

(2/189)


وأوصله إلى شول بغداد ذم ذهب على الهجن إلى بغداد، ورجع المترجم إلى حماة فقبل وصوله إليها ورد عليه مرسوم الجزار يستدعيه، فذهب إليه فجعله مقدم ألف، وقلده باش الجردة مسافر إلى الحجاز بالملاقاة، وكان أمير الحاج الشامي إذ ذاك سليمان باشا عوضا عن مخدومه أحمد باشا الجزار، فلما حصلوا في نصف الطريق وصلهم خبر موت الجزار، فرجع يوسف باشا المترجم إلى الشام، واستولى إسماعيل باشا على عكا، وتوجه منصب ولاية الشام إلى إبراهيم باشا المعروف بقطر أغاسي، أي أغات البغال، وفي فرمان ولايته الأمر بقطع رأس إسماعيل باشا وضبط مال الجزار، فذهب المترجم بخيله وأتباعه إلى إبراهيم باشا وخدم عنده، وركب إلى عكا وحصروها، وحطوا في أرض الكرداني مسيرة ساعة من عكا، وكانت الحرب بينهم سجالا، وعساكر إسماعيل باشا نحو العشرة آلاف، والمترجم يباشر الوقائع وكل وقعة يظهر فيها على الخصم، ففي يوم من الأيام لم يشعروا إلا وعسكر إسماعيل باشا نافذ إليهم من طريق أخرى، فركب المترجم وأخذ صحبته ثلاثة مدافع وتلاقى معهم، وقاتلهم وهزمهم إلى أن حصرهم بقرية تسمى دعوق، ثم أخرجهم بالأمان إلى وطاقه وأكرمهم، وعمل لهم ضيافة ثلاثة أيام، ثم أرسلهم إلى عكا بغير أمر الوزير، ثم توجه إبراهيم باشا إلى الدورة وصحبته المترجم، وتركوا سليمان باشا مكانهم، وخرج إسماعيل باشا من عكا وأغلقت أبوابها، فاتفقت عساكره وقبضوا عليه وسلموه إلى إبراهيم باشا، فعند ذلك برز أمر إبراهيم باشا بتسليم عكا إلى سليمان باشا، وذهب بالمرسوم المترجم فأدخله إليها ورجع إلى مخدومه، وذهب معه إلى الدورة، ثم عاد معه إلى الشام، وورد الأمر بعزل إبراهيم باشا عن الشام وولاية عبد الله باشا المعروف بالعظم، على يد باشت بغداد، فخرج المترجم لملاقاته من على حلب، فقلده دالي باشا على جميع العسكر، فلما وصل إلى الشام ولاه على حوران وغربد والقنيطرة ليقبض أموالها، فأقام نحو السنة، ثم توجه صحبة الباشا مع الحج، وتلاقوا مع الوهابية في الجديدة فحاربهم المترجم وهزمهم، وحجوا واعتمروا ورجعوا، ومكثوا إلى السنة الثانية، فخرج عبد الله باشا بالحج وأبقى المترجم نائبا عنه بالشام، فلما وصل إلى المدينة المنورة منعه الوهابيون، ورجع من غير حج، ووصل خبر ذلك إلى الدولة فورد الأمر بعزل عبد الله باشا عن ولاية الشام وولاية المترجم على الشام وضواحيها، فارتاعت النواحي والعربان، وأقام السنة ولم يخرج بنفسه إلى الحج، بل أرسل ملا حسن عوضا عنه، فمنع أيضا عن الحج فلما كانت القابلة انفتح عليه أمر الدورة، وعصى عليه بعض البلاد، فخرج إليها وحاصر بلدة تسمى كردانية ووقع له فيها مشقة كبيرة إلى أن ملكها بالسيف، وقتل أهلها، ثم توجه إلى جبل نابلس وقهرهم وجبى منهم أموالا عظيمة، ثم رجع إلى الشام واستقام أمره وحسنت سيرته، وسلك طريق العدل في الأحكام، وأقام الشريعة والسنة وأبطل البدع والمنكرات واستتاب الخواطئ وزوجهن، وطفق يفرق الصدقات على الفقراء وأهل العلم والغرباء وابن السبيل، وأمر بترك الإسراف في المآكل والملابس، وشاع خبر عدله في النواحي، ولكن ثقل ذلك على أهل البلاد بترك مألوفهم، ثم إنه ركب إلى بلاد النصيرية وقاتلهم وانتصر عليهم وسبى نساءهم وأولادهم، وكان خيرهم بين الدخول في الإسلام والخروج من بلادهم، فامتنعوا وحاربوا وانخذلوا، وبيعت نساؤهم وأولادهم، فلما شاهدوا ذلك أظهروا الإسلام تقية، فعفا عنهم وعمل بظاهر الحديث وتركهم في البلاد، ورحل عنهم إلى طرابلس وحاصرها بسبب عصيان أميرها بربر باشا على الوزير، وأقام محاصرا لها عشرة أشهر حتى ملكها واستولى على قلعتها، ونهبت منها أموال للتجار وغيرهم، ثم ارتحل إلى دمشق وأقام بها مدة، فطرقه خبر الوهابية أنهم حضروا إلى المزيريب، فبادر مسرعا وخرج إلى لقائهم، فلما وصل إلى المزيريب وجدهم قد ارتحلوا من غير قتال، فأقام هناك أياما، فوصل إليه الخبر بأن سليمان باشا وصل إلى الشام وملكها، فعاد مسرعا إلى الشام، وتلاقى مع عسكر سليمان باشا وتحارب العسكران إلى المساء، وبات كل منهم في محله، ففي نصف الليل في غفلتهم والمترجم نائم وعساكره أيضا هامدة، فلم يشعروا إلا وعساكر سليمان باشا كبستهم، فحضر إليه كتخداه وأيقظه من منامه، وقال له إن لم تسرع وإلا قبضوا عليك، فقام في الحين وخرج

(2/190)


هاربا وصحبته ثلاثة أشخاص من مماليكه فقط، ونهبت أمواله وزالت عنه سيادته في ساعة واحدة،ولم يزل حتى وصل إلى حماة، فلم يتمكن من الدخول إليها ومنعه أهلها عنها، وطردوه فذهب إلى سيجر، وارتحل منها إلى بلدة يعمل بها البارود، ومنها إلى بلدة تسمى ريمة، ونزل عند سعيد آغا فأقام عنده ثلاثة أيام، ثم توجه إلى نواحي إنكاهية بصحبته جماعة من عند سعيد آغا المذكور، ثم إلى السويدة، ولم يبق معه سوى فرس واحد، ثم إنه أرسل إلى محمد علي باشا صاحب مصر واستأذنه في حضوره إلى مصر، فكاتبه بالحضور إليه والترحيب به، فوصل إلى مصر في التاريخ المذكور، فلاقاه صاحب مصر وأكرمه، وقدم إليه خيولا وقماشا ومالا، وأنزله بدار واسعة بالأزبكية، ورتب له خروجا زائدة من لحم وخبز وسمن وأرز وحطب، وجميع اللوازم المحتاج إليها، وأنعم عليه بجوائز وغير ذلك، وأقام بمصر هذه المدة، وأرسل في شأنه إلى الدولة، وقبلت شفاعة محمد علي باشا فيه ووصله العفو والرضا، ما عدا ولاية الشام، وحصلت فيه علة ذات الصدر، فكان يظهر به شبه السلعة مع الفواق بصوت يسمعه من يكون بعيدا عنه، ويذهب إليه جماعة من الحكماء من الإفرنج وغيرهم، ويطالع في كتب الطب مع بعض الطلبة من المجاورين، فلم ينجح فيه علاج، وانتقل إلى قصر الآثار بقصد تبديل الهواء، ولم يزل مقيما هناك حتى اشتد به المرض، ومات في ليلة السبت العشرين من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين، وحملت جنازته من الآثار إلى القرافة من ناحية الخلاء، ودفن بالحوش الذي أنشأه الباشا وأعده لموتاه. وكانت مدة إقامته بمصر نحو الست سنوات، فسبحان الحي الذي لا يموت. وصحبته ثلاثة أشخاص من مماليكه فقط، ونهبت أمواله وزالت عنه سيادته في ساعة واحدة،ولم يزل حتى وصل إلى حماة، فلم يتمكن من الدخول إليها ومنعه أهلها عنها، وطردوه فذهب إلى سيجر، وارتحل منها إلى بلدة يعمل بها البارود، ومنها إلى بلدة تسمى ريمة، ونزل عند سعيد آغا فأقام عنده ثلاثة أيام، ثم توجه إلى نواحي إنكاهية بصحبته جماعة من عند سعيد آغا المذكور، ثم إلى السويدة، ولم يبق معه سوى فرس واحد، ثم إنه أرسل إلى محمد علي باشا صاحب مصر واستأذنه في حضوره إلى مصر، فكاتبه بالحضور إليه والترحيب به، فوصل إلى مصر في التاريخ المذكور، فلاقاه صاحب مصر وأكرمه، وقدم إليه خيولا وقماشا ومالا، وأنزله بدار واسعة بالأزبكية، ورتب له خروجا زائدة من لحم وخبز وسمن وأرز وحطب، وجميع اللوازم المحتاج إليها، وأنعم عليه بجوائز وغير ذلك، وأقام بمصر هذه المدة، وأرسل في شأنه إلى الدولة، وقبلت شفاعة محمد علي باشا فيه ووصله العفو والرضا، ما عدا ولاية الشام، وحصلت فيه علة ذات الصدر، فكان يظهر به شبه السلعة مع الفواق بصوت يسمعه من يكون بعيدا عنه، ويذهب إليه جماعة من الحكماء من الإفرنج وغيرهم، ويطالع في كتب الطب مع بعض الطلبة من المجاورين، فلم ينجح فيه علاج، وانتقل إلى قصر الآثار بقصد تبديل الهواء، ولم يزل مقيما هناك حتى اشتد به المرض، ومات في ليلة السبت العشرين من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين، وحملت جنازته من الآثار إلى القرافة من ناحية الخلاء، ودفن بالحوش الذي أنشأه الباشا وأعده لموتاه. وكانت مدة إقامته بمصر نحو الست سنوات، فسبحان الحي الذي لا يموت.
الشيخ يوسف بن بدر الدين المغربي بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الغني المراكشي السبتي المالكي المصري مولدا الدمشقي إقامة

(2/191)


إمام لا يبارى وهمام في ميدان العلوم لا يجارى، قد اتصف بالعلم والعمل، ونال من مرغوبه فوق ما يتعلق به الأمل، ورقا فضله وفاق، واشتهر فضله في الآفاق، وكان ورعا زاهدا تقيا عابدا، له شعر رقيق ونثر أنيق، ومحاضرة لطيفة، ومذاكرة ظريفة، وسيرة حسنة، وصفات مستحسنة، قرأ على السادة الأفاضل إلى أن جمع الفضائل، ومما اتفق له وكتب في صحيفته أن بعض الأروام القاطنين في دمشق الشام استولى على الدار التابعة لدار الحديث الأشرفية الواقعة في العصرونية ثم ضم إليها الزاوية الغربية من المدرسة المرقومة التي كانت محل تدريس الإمام النووي قدس سره ومحل زاويته للأحاديث، فصارت محلا لوضع براميل الخمر، فتعرض المترجم المرقوم وطلب إعادة المحل لحاله، ورفع الأمر إلى الوالي، فلم تلتفت الحكومة إلى دعواه، فتوجه المترجم إلى الأستانة وتعاطى أسبابا كثيرة لإنقاذ هذا المحل من أيدي الرومي، إلى أن استحصل فرمانا سلطانيا في ذلك، فعاد إلى الشام وقدمه إلى الوالي فطرحه في زوايا الإهمال، وبقي الأمر على ذلك، ولم يقع المترجم على ثمرة، إلى أن جاء الأمير السيد عبد القادر المغربي أمير الجزائر من فرانسا إلى الأستانة، اجتمع به المترجم وشكى الأمر إليه، ومشى مع الأمير في العود إلى الأستانة، بقصد الرحلة إلى المدينة الشريفة والإقامة بها، وبقي حضرة الأمير في بروسة بعد ذلك مدة طويلة، نحو خمس سنوات، ثم إنه لما توالت هناك الزلازل، وخربت كثيرا من المحلات، وخرجت الناس من العمران وسكنت في الصحراء، رحل الأمير إلى دمشق الشام وأقام بها، ورأى الأمر كما أخبره المترجم، فأخذته الحمية الدينية والغيرة الإسلامية، لإنقاذ هذا المحل، فأحضر الرومي ودفع له مالا جزيلا واشتراه منه، وجعله وقفا على المترجم وعقبه، وأمر بترميم المسجد والمدرسة على نفقته، ثم أرسل خبرا إلى المترجم المرقوم إلى المدينة المنورة، وبعد حضوره من المدينة قرأ حضرة الأمير صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري في المدرسة المرقومة، وكان ختامه في اليوم الرابع والعشرين من شوال سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، وعند الختم قدم المترجم هذه القصيدة للأمير السيد عبد القادر:
بك المسرات قد نالت أمانيها ... يا نعمة ما لها شيء يدانيها
إن كان عيد الهنا تهنى بموسمه ... فالعيد كونك يا أقصى أمانيها
يا نجل فاطمة الزهراء من فضلت ... طرا نساء الدنا من ذا يضاهيها
إني أهنيك بالعيد المبارك بل ... بكون مثلك في الدنيا أهنيها
نعم أهني دمشق الشام إذ ظفرت ... بمثلك الآن تغدو في ضواحيها
لما بدا وجهك الأبهى بساحتها ... ترادف الخير فيها مع نواحيها
لا سيما سيدي ما كان مدخرا ... من فك دار حديث من خنا فيها
بك استنارت وأحيا الله مربعها ... لما تلوت البخاري وسط ناديها
تلاوة ما سمعنا من تلاه بها ... من عهد يحيى النواوي في مغانيها
فاشكر إلهك إذ ولاك منه يدا ... ليست لغيرك جل الله معطيها
وأبشر بخير فإن الله ذو كرم ... يخفي مقادير أشياء ويبديها
في علمه غيب أسرار إذا بلغت ... آجالها فلذا المخلوق يبديها
فالله يحبوكم عزا كعزته ... أصحاب بدر الأولى ثم المضاهيها
لازلت يا نجل محيي الدين مرتقيا ... أوج الكمالات باديها وخافيها
ودام إشراقكم فيها ولكم ... بالبيت أرخت
وأجعل دعاء بظهر الغيب جائزتي ... ولا تعد لي الدنا إذ لست أبغيها
وللمترجم المرقوم هذه القصيدة الآتية، وقد أنشدها في ذلك اليوم عند ختم الصحيح بين يدي الأمير، فأحببت ذكرها لاشتمالها على فضل الممدوح حضرة الأمير، ودلالتها على فضل المترجم المذكور، وهي:
باب القبول لهذا الختم قد فتحا ... فلاح من يمنه برق السعود ضحى
وهب من روضة الرضوان عارفه ... أضحى بها القلب مسرورا ومنشرحا
أما ترع السعد قد لاحت بشائره ... وطائر اليمن في أدواحه صدحا

(2/192)


وهذه أوجه الإقبال مسفرة ... والوقت بالبشر والإقبال قد سمحا
فسل إلاهك ما ترجوه من أمل ... واضرع غليه فوجه القرب قد وضحا
وابسط يديك إلى مولاك مبتهلا ... فسعي من أم باب الله قد نجحا
إن البخاري معلوم الإجابة في ... ما أمه المرء في أقرانه ونحا
فما توسل محزون به ورجا ... إلا وأبدل من أحزانه فرحا
ولا تلاه لكشف الضر ذو حرج ... إلا تباعد عنه الضر وانفسحا
ولا تنفس من أنفاسه أرج ... إلا أتى فرج باللطف مفتتحا
فالهج به ورواة فيه قد وصلوا ... به حديث رسول الله متضحا
هم الأئمة تجلى كل داجية ... بنورهم وهم الأقطاب والصلحا
وهم أولو القرب في دنيا وآخرة ... والسادة القادة الهادون والنصحا
أهل الحديث حماة الدين تابعهم ... في متجر الحق والتحقيق قد ربحا
فازوا بدعوة خير الخلق ما وجدوا ... إلا ونور الهدى من وجههم لها
رووا حديث رسول الله عن كتب ... غضا طريا عليه الصدق متضحا
وقد نفوا كل شك عن شريعته ... فأرغموا أنف من للشك قد جمعا
جزاهم الله خيرا عن نبيهم ... ودينه وحباهم أجر من نصحا
وقد تسامى ابن إسماعيل في شرف ... بهم فنال العلا والفخر والمدحا
أدى إلينا صحيحا من حديثهم ... بجامع فاق ترتيبا ومصطلحا
آتاه مولاه أجر المحسنين فقد ... أهدى المحدث عقدا ما له طمحا
قد اعتنى كل ذي دين وذي رشد ... به فحاز به التقديم والمنحا
ورددوا مرده في كل آونة ... يرجون من يمنه تقريب ما نزحا
وحاز قصب سباق في دراسته ... وفهمه عارف بالفضل قد رجحا
في مسجد الأشرف السلطان ما وسما ... دار الحديث بدرس أبهر الفصحا
ضبطا وبحثا مع الإتقان مقتضيا ... آثار من حلها من سادة صلحا
مثل الإمام النواوي والمضاهي له ... ممن على منهج الإرشاد قد سبحا
فالله ينفعنا فضلا بجاههم ... ويكشف الكرب عن ذا الجمع والترحا
مولى به ملة الإسلام باسمة ... والدين عال وحال الناس قد صلحا
فكفه لذوي الحاجات بحر ندى ... وسيفه لضلال الكافرين محا
وصيته ألبس الإسلام عزته ... وعلمه لمعاني الدين قد شرحا
نور النبوة يبدو في أسرته ... وسرها من حلى أخلاقه وضحا
قد أكسب الدين رفعا والعلوم حلا ... فالكفر أصبح والعصيان منطرحا
وعمر العمر بالطاعات مجتهدا ... في أشهر الخير للخيرات مقترحا
أدم إلهي لعز الدين عبدك من ... للقادر انضاف وامنحه العلا منحا
هو الإمام ابن محي الدين من ظهرت ... منه الكمالات في الدنيا كشمس ضحى
من قام لله في أمر الجهاد ومن ... غدا به صدر دين الله منشرحا
في عصرنا ما سمعنا من سواه حبى ... مثل الذي نال أو طرف كهو لمحا
أضحى له وزرا في كل نائبة ... تعرو وحصنا حصينا كلما سنحا
وجاء للدرس والإملا جهابذة ... للبحث إن عد أو للفهم إن جنحا
قد لازموه ونالوا من معارفه ... ما يخرس اللسن أو ما يبهر الفصحا
فليهنأ الحاضرون نيل مقصدهم ... من الفوائد إن الباب قد فتحا
وليسأل القوم ما شاءوا لأنفسهم ... من فضله الجم إن الله قد منحا
والعلم أفضل ما ازدان اللبيب به ... وخير ما اغتبق النحرير واصطبحا
وأسعد الناس من كانت بضاعته ... علم الحديث الذي قد صح واتضحا

(2/193)


وأسند العلم أخذا عن أئمته ... فنال من علية الإسناد ما اقترحا
وللبخاري رجال يستغاث بهم ... في المحل إن حل أو في الخطب إن قدحا
بجاههم أسأل الرحمن مغفرة ... ورحمة تذهب الأحزان والترحا
ونكبة لعدو الدين عاجلة ... تدير بالهلك والتدمير كل رحا
بك انتصرنا وأنت الله ناصرنا ... فالنصر منك لمن يدعوك ما برحا
إنزل بهم يا شديد البطش قارعة ... تكسوهم الذل والتبديد والبرحا
وامدد بنصرك والتأييد عبدك من ... أضفته للمجيد القدر ممتدحا
وانظم به شمل هذا الدين واكس به ... جماعة المسلمين الأمن والفرحا
واجعل بطاعته يا رب عصمتهم ... وألف الكل واهد كل من نزحا
وزده حلما وتوفيقا وعافية ... واجعله أفضل من أمسى ومن صبحا
وارفع عماد الهدى والدين واحم به ... شرع النبي وخذ من زاغ أو جمحا
واحفظ بطانته أركان دولته ... ممن أعان على خير ومن نصحا
ولا تدع لذوي العدوان قائمة ... وطهر الأرض ممن عاث أو مرحا
بخاتم الرسل المختار سيدنا ... محمد من به باب الهدى انفتحا
ما خاب من جعل المختار واسطة ... ووصلة للذي يرجوه واقترحا
فإنه باب فضل الله ما برحت ... سحائب الجود منه تمطر المنحا
ما نال ذو مطلب دنيا وآخرة ... إلا استعار من المختار ما منحا
صلى عليه إله العرش ما طلعت ... شمس وما سار عيس بالحجيج ضحى
والآل والصحب ما انجاب الظلام وما ... ورق على غصن أيك ناح أو صدحا
أو قال يوسف بدر الدين مبتهلا ... باب القبول لهذا الختم قد فتحا
وللمترجم قصائد شهيرة ومقاطيع كثيرة، وتأليفات بديعة، وكتابات رفيعة، وأسانيد عالية، وأساتذة ذوو رتبة سامية. وقد أجازني بجميع ما تجوز له روايته عن مشايخه العظام، وقادته الكرام، وقد انتفعت بفوائده، وارتضعت من ثدي عوائده، وأجازني أيضا بسند عال، ينتهي فيه إلى القاضي شمهورش عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كثير الالتفات إلي حسن الثناء علي، يذاكرني بمشكلات المسائل، ويعرض لي لأولى جواب أجلا الوسائل، وكان يطلب مني كثيرا قراءة حصة من القرآن، على طريقة التجويد والإتقان، وكان يحفظ القرآن الكريم المصون، وكثيرا من القواعد والمتون بأنواع الفنون، ويستشهد بها لإظهار الصواب، ولا يسأل عن شيء إلا وبأحسن الأجوبة أجاب. وله شرح على مولد العلامة الدردير، لقد حمله من المعارف ما يحتاج إليه كل نحرير، وحضر في الجامع الأزهر، والمحل الأنور، على أفاضل سادة وجهابذة قادة، كالشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ محمد الأمير، وأمثالهما من كل همام خبير، وساح في كثير من الأقطار وأخذ عن علمائها الأخيار، حتى شهد له العموم بأنه قطب دائرة المنطوق والمفهوم. وكان له مع والدي محبة عظيمة، ومودة جسيمة، ومذاكرات تشهد لهما بالفضل والسيادة، ونصائح تدل على سلوكهما مناهج السعادة. وكان كثير التلاوة، ملازما للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم متمسكا بالشريعة الغراء لا ينفك عن العمل بها إن فعل أو تكلم، متخلقا بالأخلاق النبوية متحليا بالشمائل الأحمدية، إن جلس في مجلس كان نقطة مدار كلامه، وواسطة عقد نظامه. مع ما عنده من الجسارة في إظهار الملائم، والديانة التي دعته أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان لا يهاب في الحق كبيرا، ولا يخشى حاكما ولا وزيرا، فلذلك كان يهابه كل من رآه، ويتأمل منه الخير كل من رجاه، وقد كان منهل لكل وارد، وملجأ لكل راج وقاصد، ولم يزل على حاله متزايدا في تقواه وكماله، مستقيما على أطواره متحليا بأجمل أوطاره، إلى أن دعاه المنون لمقامه الأجل المصون، فلبى الدعوة العليا واختار الآخرة على الدنيا، سنة تسع وسبعين ومائتين وألف ودفن في تربة باب الصغير.
الشيخ يوسف بن الشيخ عمر البشتاوي النابلسي محتدا الدمشقي وطنا النقشبندي طريقة

(2/194)


فاضل نجيب وعالم أريب، وغصن في رياض المعالي رطيب، وبدر في سماء الأدب لا يغيب. لم يزل صدرا للإفادة، يرعى في ربيع فضله ذوو الاستفادة، وله نظم ونثر تنقله الركبان، وتقف دونه سوابق الحسن والاستحسان، قد ألقى الدهر له مقاليد الإسعاد، وجعل من جملة مريديه الحاج محمد نجيب باشا والي بغداد، واطلع محيا بدره في أفق الجلالة والتعظيم، وخفض له جناح ذوي الفضل والتكريم، ومن جملة نظمه مستغيثا بسيدنا يحيى الحصور صلى الله عليه وسلم:
باكر مصل بني أمية في الدجا ... واعطف على كنز السماح معرجا
وارقب مهب الجود من أعتابه ... والزم لذياك المقام أخا الحجا
يمم وقف متضرعا بجنابه ... وابسط أكف الفقر في باب الرجا
وادعوه يا يحيى الحصور وقل له ... عطفا على جان إليك قد التجا
يا سيدا وصف الإله كماله ... في محكم التنزيل أضحى مدرجا
ذو الجاه يرجى في الخطوب ولم يزل ... عند الشدائد مسعفا ومفرجا
إني رجوتك حاجة فاشفع بها ... عند الكريم ومن رجاك فقد نجا
عجل بها يا ابن الكرام أجب أجب ... فالأمر ألجأ للجاج وأحوجا
سل خالقي فيما رجوت إجابة ... واسأله لي من كل ضيق مخرجا
صلى عليك الله ربي دائما ... ما البدر أشرق فاستنار به الدجا
ومن نظمه:
زر والديك وقف على قبريهما ... فكأنني بك قد حملت إليهما
لو كنت حيث هما وكانا بالبقا ... زاراك حبوا لا على قدميهما
ما كان ذنبهما إليك فطالما ... منحاك نفس الود من نفسيهما
كانا إذا ما أبصرا بك علة ... جزعا لما تشكو وشق عليهما
كانا إذا سمعا أنينك أسبلا ... دمعيهما أسفا على خديهما
وتمنيا لو صادفا لك راحة ... بجميع ما تحويه ملك يديهما
فنسيت حقهما عشية أسكنا ... دار البلا وسكنت في داريهما
فلتلحقنهما غدا أو بعده ... حتما كما لحقا هما أبويهما
ولتندمن على فعالك مثل ما ... ندما هما حقا على فعليهما
بشراك لو قدمت فعلا صالحا ... وقضيت بعض الحق من حقيهما
وقرأت من آي الكتاب بقدر ما ... تسطيعه وبعثت ذاك إليهما
فاحفظ حفظت وصيتي واعمل بها ... فعسى تنال الفوز من بريهما
وله نثر بديع وإنشاء قدره رفيع، توفي رحمه الله تعالى في ثامن ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وستين ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، مدى الليالي والأيام.
الشيخ يوسف بن محمد البطاح الأهدل الشافعي
العلامة الماجد، والتقي النقي الراكع الساجد، نخبة العلماء وزبدة الفضلاء، ولد سنة ألف ومائة و.....ثم بعد حفظ القرآن وتجويده مع الإتقان أخذ العلوم العقلية، والمعارف النقلية، عن السيد العلامة والسند الفهامة، سليمان بن يحيى الأهدل، ولازمه كثيرا وكان لعمري بالملازمة جديرا، وأخذ عن أهل اليمن والحرمين الشريفين، وكانت له اليد الكولى في كل علم بلا ريب ولا مين. وتفرغ بمكة والمدينة تفرغا عظيما لنشر العلوم، وبرع وفاق على ذوي المنطوق والمفهوم، وألف ودرس ووقع به النفع العام، ومن مؤلفاته: إفهام الأفهام شرح بلوغ المرام في مجلدين، وكان رحب الصدر لين الجانب، له في الدرس صبر عظيم وتقدير يزدري بالدر النظيم، وقد قال فيه صاحب النفس اليماني:
العالم الفاضل النحرير أفضل من ... بث العلوم فأروى كل ظمآن

(2/195)


مات شهيدا في الوباء العام الواقع سنة ألف ومائتين وست وأربعين الذي مات فيه خلائق لا يحصون عددا من الحجاج، حيث انتهى الأمر إلى العجز عن دفن الأموات، وخلت في تلك السنة بيوت كثيرة في جدة ومكة من أهاليها بحيث لم يبق فيها أحد، وتركت أموال عظيمة لا يدري من يستحقها من الورثة، وكان ابتداء هذا الوباء من أرض الحبشة فكان يموت كل يوم أكثر من ألف، وخلا كثير من القرى بحيث لم يبق فيها إلا المواشي والأموال، ولا يزال ينتقل هذا الوباء في النواحي والأقطار، والقرى والأمصار، حتى عم البلاد الشامية والمصرية، والتركية والعربية، وكان تاريخ هذا العام لنهلكن الظالمين، ومن الذي لم يظلم نفسه، نسأل الله العفو والعافية والسلامة الوافرة السامية، ودفن ذلك المترجم في مكة في مقبرة المعلى رحمه الله تعالى آمين.
الشيخ يوسف بن محمد بن علاء الدين المزجاجي الزبيدي الحنفي رحمه الله تعالى
قد انكب على العلم واجتهد، حتى تميز بين العلماء وانفرد، واقد ترجمه العلامة الشوكاني بقوله: شيخنا المسند الحافظ، ولد تقريبا عام ألف ومائة وأربعة عشر ونشأ بزبيد، وأخذ عن علمائها، ومنهم والده، وبرع في العلوم دراية ورواية إلى أن صار حامل لواء الإسناد في آخر أيامه، ووفد إلى صنعاء في شهر ذي الحجة سنة ألف ومائتين وسبع، وسمع منه العدد الكثير والجم الغفير. وقد رووا عنه أسانيد الحافظ الشيخ إبراهيم الكردي، وهو يرويها عن أبيه عن جده علاء الدين، عن الشيخ إبراهيم. مات رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وثلاث عشرة، وكان رحمه الله تعالى له حب لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويقول عند ذكر حبه لهم:
وهل يستوي ود المقلد والذي ... له حجة في حبه ودلائل
يوسف بن إسماعيل أبي يوسف
بن إسماعيل بن محمد ناصر الدين النبهاني نسبة لبني نبهان قوم من عرب البادية توطنوا منذ أزمان قرية أجزم بصيغة الأمر الواقعة في الجانب الشمالي من أرض فلسطين من البلاد المقدسة، وهي الآن تابعة لقضاء حيفا من أعمال عكا التابعة لولاية بيروت أقول أن هذا الإمام، والشهم الأديب الهمام، قد طلعت فضائل محاسنه طلوع النجوم الزواهر، وسعدت مطالع شمائله بآدابه المعجبة البواهر، فهو الألمعي المشهود له بقوة الإدراك، واللوذعي المستوي مقامه على ذروة الأفلاك، وله ذكاء أحد من السيف إذا تجرد من قرابه، وفكر إذا أراد البحر أن يحكيه وقع في اضطرابه، ونثر يزري بالعقد الثمين والدر المنثور، وشعر يدل على كمال الإدراك وتمام الشعور، فهو فارس ميدان اليراع والصفاح، وصاحب الرماح الخطية والأقلام الفصاح، فلعمري لقد أصبح في الفضل وحيدا، ولن تجد عنه النباهة محيصا ولا محيدا، وناهيك بمحاسن قلدها، ومناقب أثبتها وخلدها، إذا تليت في المجامع، اهتزت لها الأعطاف وتشنفت المسامع. ومن جملة آثاره، الدالة على علوه وفخاره، تآليفه الشريفة، التي من جملتها أفضل الصلوات، على سيد السادات، ووسائل الوصول، إلى شمائل الرسول، والشرف المؤبد لآل محمد، صلى الله عليه وسلم وقد اطلعت على هذا الكتاب، فوجدته قد ارتدى بالكمال وتمنطق بالصواب، وقد اشتمل آخره على شذرة من ترجمة هذا الهمام، قد ترجم بها نفسه فنقلتها بحروفها تتميما للمرام.

(2/196)


وهي: ولدت في قرية أجزم المذكورة آنفا سنة خمس وستين تقريبا، وقرأت القرآن على سيدي ووالدي الشيخ الصالح الحافظ المتقن لكتاب الله الشيخ إسماعيل النبهاني، وهو الآن في عشر الثمانين كامل الحواس قوي البينة جيد الصحة، مستغرق أكثر أوقاته في طاعة الله تعالى، كان ورده في كل يوم وليلة ثلث القرآن، ثم صار يختم في كل أسبوع ثلاث ختمات، والحمد لله على ذلك، " قل بفضل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " ثم أرسلني حفظه الله وجزاه عني أحسن الجزاء إلى مصر لطلب العلم، فدخلت الجامع الأزهر يوم السبت غرة محرم الحرام افتتاح سنة ثلاث وثمانين بعد المائتين والألف، وأقمت فيه إلى رجب سنة تسع وثمانين، وفي هذه المدة أخذت ما قدره الله لي من العلوم الشرعية ووسائلها، عن أساتذة الشيوخ المحققين، وجهابذة العلماء الراسخين، من لو انفرد كل واحد منهم في إقليم، لكان قائد أهله إلى جنة النعيم، وكفاهم عن كل ما عداه في جميع العلوم، وما يحتاجون إليه من منطوق ومفهوم، أحدهم، بل أوحدهم، الأستاذ العلامة المحقق، والملاذ الفهامة المدقق، شيخ المشايخ وأستاذ الأساتذة سيدي الشيخ إبراهيم السقا الشافعي المتوفى سنة ألف ومائتين وثمان وتسعين عن نحو التسعين سنة، وقد قضى هذا العمر المبارك الطويل في قراءة الدروس، حتى صار أكثر علماء العصر تلاميذه إما بالذات أو بالواسطة، لازمت دروسه رحمه الله تعالى ثلاث سنوات، وقرأت عليه شرحي التحرير والمنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري بحاشيتهما للشرقاوي والبجيرمي، وقد أجازني رحمه الله تعالى بإجازة فائقة وهي هذه بحروفها.
بسم الله الرحمن الرحيم لك الحمد على مرسل آلائك ومرفوعها، ولك الشكر على مسلسل نعمائك وموضوعها، بحسن الإنشاء وصحيح الخبر، يا من تجيز من استجازك وافر الهبات، وتجير من استجارك واعر العقبات، فيغدو موقوفا على مطالعة الأثر، ما بين مؤتلف الفضل ومتفقه، ومختلف العدل ومفترقه، جيد الفكر سليم الفطر، يجتنى بمنتج قياسه شريف الفوائد، ويجتبى بمبهج اقتباسه شريف الفرائد. ويحلى نفيس النفوس بعقود العقائد الغرر، فإن صادفه مديد الإمداد، وصادقه مزيد الإنجاد، وصفا مشربه الهني ولا كدر، ووجد درر الجواهر ويا نعم الوجادة، بادر عند ذلك بالاستفادة والإفادة، ولا أشر ولا بطر، فبذل المعروف وبدل المنكر، إذ ليس عنده إلا صحاح الجوهر، معتنى وما قتنى، غيرها عندما عثر، لا يزور ولا يدلس، ويطهر ولا يدنس، ولا يعاني الشرر، فيا من من على هذا المنقطع الغريب، ومنحه منحة المتصل القريب، امنحني السلامة في داره ونجني من سقر، ومنك موصول صلات صلواتك ومقطوعها، وسلسل سلسبيل تسليماتك ومجموعها، على سندنا وسيدنا محمد سيد نوع البشر، وعلى آله وأصحابه، وحملة شريعته وأحبابه، ومن اقتفى أثرهم وعلى جهاد نفسه صبر.

(2/197)


أما بعد فلما كان الإسناد مزية عالية، وخصوصية لهذه الأمة غالية، درن الأمم الخالية اعتنى بطلبه الأئمة النبلاء أصحاب النظر، إذ الدعي غير المنسوب، والقصي غير المحسوب، وسليم البصيرة غير أعشى الفكر، ولما كان منهم الإمام الفاضل، والهمام الكامل، والجهبذ الأبر، اللوذعي الأريب، والألمعي الأديب، ولدنا الشيخ يوسف بن الشيخ إسماعيل النبهاني الشافعي أيده الله بالمعارف ونصر، طلب مني إجازة ليتصل بسند ساداتي سنده، ولا ينفصل عن مددهم مدده، وينتظم في سلك قد فاق غيره وبهر، فأجبته وإن لم أكن لذلك أهلا، رجاء أن يفشو العلم وأنال من الله فضلا، وأنجو في القيامة مما للكاتمين من الضرر، فقلت: أجزت ولدي المذكور بما تجوز لي روايته، أو تصح عني درايته، من كل حديث وأثر، ومن فروع وأصول، ومنقول ومعقول، وفنون اللطائف والعبر، كما أخذته عن الأفاضل السادة، الأكابر القادة، مسددي العزائم في استخراج الدرر، منهم أستاذنا العلامة ولي الله المقرب، وملاذنا الفهامة الكبير ثعيلب، بوأه الله أسنى مقر، عن شيخه الشهاب أحمد الملوي ذي التآليف المفيدة، وعن شيخه أحمد الجوهري الخالدي صاحب التصانيف الفريدة، عن شيخهما عبد الله بن سالم صاحب الثبت الذي اشتهر، ومنهم شيخنا محمد بن محمود الجزائري عن شيخه علي بن عبد القادر بن الأمين، عن شيخه أحمد الجوهري المذكور الموصوف بالعرفان والتمكين، عن شيخه عبد الله بن سالم الذي ذكره غبر، ومنهم الشيخ محمد صالح البخاري، عن شيخه رفيع الدين القندهاري، عن الشريف الإدريسي عن عبد الله بن سالم راوي أحاديث الأبر، ومنهم سيدي محمد الأمير، عن والده الشيخ الكبير، عن أشياخه الذين حوى ذكرهم ثبته الشهير، ومنهم غير هؤلاء، رحم الله الجميع ولي وللمجاز ولهم أكرم وغفر، وهؤلاء وغيرهم يروون عن جم غفير، وجمع كثير، كالشيخ الحفني والشيخ علي الصعيدي وغيرهما فمسانيدهم مسانيدي فما أكرمها من نسبة وأبر، وقد سمع مني المجاز كتبا عديدة، معتبرة مفيدة، كالتحرير والمنهج، وفقه الله لمحاسن ما به أمر، آمين، بجاه طه الأمين، في 18 رجب سنة ألف ومائتين وتسع وثمانين هجرية.
الفقير إليه سبحانه إبراهيم السقا الشافعي بالأزهر عفي عنه. ومن أشياخي المذكورين سيدي الشيخ المعمر العلامة السيد محمد الدمنهوري الشافعي المتوفى سنة ألف ومائتين وست وثمانين عن نحو التسعين سنة، وسيدي العلامة الشيخ إبراهيم الزرو الخليلي الشافعي المتوفى سنة ألف ومائتين وسبع وثمانين عن نحو السبعين، وسيدي العلامة الشيخ أحمد الأجهوري الضرير الشافعي المتوفى سنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين عن نحو الستين، وسيدي العلامة الشيخ حسن العدوي المالكي المتوفى سنة ألف ومائتين وثمان وتسعين عن نحو الثمانين، وسيدي العلامة الشيخ السيد عبد الهادي نجا الأبياري المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وخمس وقد أناف على السبعين، رحمهم الله أجمعين، وجمعني بهم في مستقر رحمته بجاه سيد المرسلين. ومنهم وحيد مصر وفريد هذا العصر سيدي العلامة الشيخ شمس الدين محمد الأنبابي الشافعي شيخ جامع الأزهر الآن، لازمت دروسه سنتين في شرح الغاية لابن قاسم والخطيب وفي غيرهما، وسيدي العلامة الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي، وسيدي العلامة الشيخ عبد القادر الرافعي الحنفي الطرابلسي شيخ رواق الشوام، وسيدي العلامة الشيخ يوسف البرقاوي الحنبلي شيخ رواق الحنابلة حفظهم الله، وأطال أعمارهم وأدام النفع بعلومهم. ولي شيوخ غيرهم، منهم من هو موجود الآن، ومنهم من قد دخل في خبر كان، وكلهم علماء أعلام، جزاهم الله عني خيرا وجمعني بهم في دار الكرامة والسلام.
الشيخ يوسف بن عبد القادر بن محمد المشهور بالأسير

(2/198)


شيخ فاضل، وعالم كامل، ذو أسلوب حسن، وبلاغة ولسن، وقريحة جيدة، وفكرة لما تبديه مجودة، قد سار ذكره مسير المثل، واشتهر أمره اشتهار الأثل، وانتفع به عدد وافر، وأذعن بفضله أعيان الأكابر، ولد في مدينة صيدا في حدود سنة ألف ومائتين واثنتين وثلاثين، وتعلم القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، على الشيخ إبراهيم عارفة، وجوده على الشيخ علي الديربي، ثم شرع في طلب العلم، فقرأ على الشيخ محمد الشرنبالي نحو خمس سنين، ثم توجه إلى دمشق الشام، فحضر على أعيان علمائها الأعلام، وأقام في المدرسة المرادية ستة أشهر، وذلك سنة سبع وأربعين بعد المائتين وألف، ثم بلغه وفاة والده فعاد إلى وطنه وبلده، وأقام بها نحو ثلاث سنين يتعاطى التجارة في مكان أبيه، ويربي إخوته مع عدم تركه لطلب العلم، ثم توجه إلى الأزهر الشريف فأقام به سبع سنين، وقرأ فيه على جملة من العلماء الأعلام، منهم الشيخ محمد الشبيني والشيخ محمد الطنتدائي والشيخ محمد الدمنهوري والشيخ إبراهيم الباجوري والشيخ أحمد الدمياطي وغيرهم، ثم عاد إلى بلده صيدا وقرأ بها الفقه للعموم، ثم توجه إلى طرابلس الشام وأقام بها نحو ثلاث سنين، فحضر عليه بها جماعة من أفاضلها، ثم تقلد القضاء في لبنان نحو سبع سنين، ثم صار معاونا لقاضي بيروت، ولم يزل يتعاطى التدريس للعموم والخصوص، وقد ألف جملة من الكتب، منها رائض الفرائض، ومنها شرح أطواق الذهب، وغيرهما، ومن نظمه:
لطيبة الغراء ذات النور ... سر بي أسر
فإن بي لتربها الكافور ... شوقا أسر
أبقى إذا ما لاح للبرق ابتسام ... من نحوها أو فاح لي عرف انتسام
أو مر بي ذكر لتلك الدرو ... كالمحتضر
قد جد بي وجدي وأغراني الغرام ... إلى مقام المصطفى خير الأنام
من جاء كالمصباح في الديجور ... يهدي البشر
وقام يسعى في صلاح المهتدين ... ثم انتحى للماردين المعتدين
مثل انتحاء الباز للعصفور ... حتى قهر
وجاء للخلق بقرآن مجيد ... في الدين والدنيا بلا شك مفيد
ألفاظه كاللؤلؤ المنثور ... فصح غرر
حلو المعاني لذة للسامعين ... يا حبذا هاد إلى الحق المبين
به انمحت آثار كل زور ... لما ظهر
كم من براهين على صدق الرسول ... فيه وكم داع لأرباب العقول
إلى الهدى والعمل المبرور ... وكم عبر
محمد رسول رب العالمين ... بر رؤوف راحم بالمؤمنين
وقد غزا بجيشه المنصور ... من قد كفر
وعنه قد أخبرنا موسى الكليم ... بأنه رسول مولانا الكريم
وخط في كتابه المسفور ... هذا الخبر
كذاك روح الله عيسى عنه قال ... بأنه ليس لشرعه زوال
وذاك في إنجيله المسطور ... قد انسطر
يا ربنا احشرنا جميعا آمنين ... ومن نحب من خيار المسلمين
تحت لواء عزه المنشود ... يوم الحذر
عليه من رب الصلاة والسلام ... وآله وصحبه الغر الكرام
ما انتظم الورد مع المنثور ... غب المطر
وغرد القمري مع الشحرور ... فوق الشجر
ومن موشحاته التي عارض بها الأندلسيين قوله:
يا بريقا من ربى نجد بدا ... حي عني حي ذاك الوطن
لست أنسى حسن أنس أبدا ... كان كالعروس بذاك المسكن
دور
شهد الله شجاني ذكره ... لأريج جاء من أرجائه
فعلي اليوم حقا شكره ... والثنا مني على أثنائه

(2/199)


لا تلم صبا تبدى سكره ... إن تلا الأنباء عن أبنائه
هم بدور الدور أرباب الندى ... وأولو الحسن وأهل اللسن
سكنوا الوادي دهرا فغدا ... كسما الدنيا كذا في حضن
دور
بينهم لي فرقد قد أشرقا ... ورعى مني الحشا لا ذممي
يتهادى بين غزلان النقا ... كتهادي البدر بين الأنجم
مفرد العصر جمالا مطلقا ... فلذا أسري إليه ينتمي
منجد لكنه ما أنجدا ... متهما في وصله من شجن
مخلف وعد وصالي سرمدا ... وإذا أوعدني لم يخن
دور
يا له ظبيا بعقلي لعبا ... طلق الوجه وقيد الناظر
فاق إن قيس ببلقيس سبا ... مع سنا بحسن باهر
نونه أبدى سبيلا عجبا ... صيده الصيد بجفن فاتر
ومن الشام له خال شدا ... بلبلا في مصر حسن الحسن
ومن الحور له القلب فدا ... طرفه الهندي اليماني اليزني
دور
كنز در ثغره قد حرسا ... بارق رطب أنيق منتظم
عجبا كيف به قد غرسا ... في عقيق وبياقوت ختم
يا حريقي لو أسا مني الأسى ... برحيق فيه بالريق وسم
كنت أروي القلب من حر الصدى ... وأرى طرفي لذيذ الوسن
وأصوغ الشعر شفعا مفردا ... في حلى الشهم الزكي الفطن
دور
هو ذو الفضل سليم سلما ... من عدو وظلوم وحسود
طلب العلم فأمسى حلما ... فيه وازداد ارتقاء في السعود
وهو من قوم فخام كرما ... زانهم مجد وأفضال وجود
فهو في تلك المزيات اقتدى ... بأبيه ذي العلا عبد الغني
من لأهل الفقر أضحى سندا ... ودواما عنده الفضل عني
دور
باسم شهر الصوم في القوم اشتهر ... وهو ذو فضل على باقي السنه
وهو في الأعيان ذاك المعتبر ... مدحته في الصدور الألسنه
ذو أياد بهرت جود المطر ... وهو في تلك الوجوه الحسنه
كعبة للجود ركن للجدا ... محمل المدح لكل الألسن
فهو في عصر سعيد وجدا ... ثم لا زال بطول الزمن
دور
ملتقى الأبحر تلقى داره ... وبها المجد ينادي بالفصيح
أبشروا بالسعد يا أقماره ... واهنأوا بالمنزل العالي الفسيح
وتلا بشر بها آثاره ... وبها رونقه زاه صريح
فهي صرح بالمعالي مردا ... والمعالي وعلى التقوى بني
مد باليمن وفيه شيدا ... قصرها دام بذاك المأمن
دور
وبنوا بانيه أبناء العلا ... كنجوم في سماء بل بدور
قصروا الجهد على نيل العلا ... فاستطالوا وسواهم في قصور
واستووا في أوجها حيث علا ... وعلى الأوجه منهم كل نور
عندهم سوق المعالي والهدى ... نافق والكل بالعلم غني
فهم الغر الكرام السعدا ... والثنا منهم عليهم ينثني
دور
لسليم الطبع أهدي جملا ... ذاك من حلفي ويا نعم الرفيق
هو ممدوحي لدى كل الملا ... وهو حقا كامل حر رقيق
فهو لا زال كريما مفضلا ... لذوي الحب ومسرور الصديق
فأهنيه وأهدي منشدا ... بهداء شاديا في العلن
فهنيئا تم تاريخ بدا ... جليت شمس إلى البدر السني

(2/200)


وله نظم كثير، ونثر بديع شهير، وقد نعاه الناعي ليلة السبت خامس ربيع الثاني سنة سبع وثلاثمائة وألف، فندبه كماله وفضله، وبكاه العلم وأهله، وحزن له البعيد والقريب، وأسف لفقده النسيب والغريب، وانفتح للتعازي والمراثي باب المقال، وانفسح للنوادب في تعداد محاسنه المجال، وعظم الكرب والهم، واشتد الخطب والغم، وقد ألبس الحزن بلدته لباس البوس، ووجه نحوها وجهه العبوس، وفي صباح ذلك اليوم حشر الناس لحضور مناحته، وشهود تشييع جنازته، وبعد تجهيزه والصلاة عليه وتوجيه أعالي الدعوات إليه، سار الناس بنعشه والنوح يحدوه، وصياح اللوعة لا يعدوه، إلى أن دفنوه، في مقبرة البشورة، ولا غرو فإنهم فقدوا من بلدهم فاضلا عالما عاملا كاملا، كان خير جليس مفيد، وملجأ للمتعلم والمستفيد، وما أحسن ما قيل من بديع الأقاويل:
إلا إنما الدنيا نظارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
مستدركات
بيان وإيضاح
يقول الضعيف محمد بهجة البيطار: كان استعار مني الشيخان الجليلان محمد راغب الطباخ - مؤلف تاريخ حلب - ومحمد جميل الشطي مؤلف روض البشر - استعارا مني تاريخ الأستاذ الجد حلية البشر ونقلا منه ما فاتهما في تاريخيهما معزوا إلى المؤلف، رحمهم الله تعالى وأثابهم على عملهم خير الثواب.
وأرى الآن أن أنقل ملاحظة للأستاذ الشطي كان كتبها بخطه، وهي محفوظة عندي، وأجيب عنها بما هو واضح للقراء. قال رحمه الله تعالى: يستغرب من أستاذنا المؤلف أنه لم يترجم شقيقه العلامة الفقيه الشيخ محمد البيطار، مع أنه ترجم ولده الشيخ محمود البيطار، فلا عجب إذا لم يترجم صديقيه العالمين الشيخ محمد الشطي والشيخ أحمد الشطي، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، آمين اه والجواب عن هذا الاستغراب، ما نشرته في مقدمة الكتاب، وهو أن مؤلفه رحمه الله تعالى ورضي عنه، قد كتبه في أدوار متفرقة من أيام شبابه وكهولته وشيخوخته، ثم ترك الكتابة والتصحيح فيه قبل وفاته بأكثر من عشر سنوات، لما أضر بيده اليمنى من الأسى والشلل القليل، إلى أن توفاه الله تعالى سنة 1335 ه. غير أنك تجد في حلية البشر من الفوائد ما لا تجده في غيره، وقد اعتذرت عن المؤلف في كل ما يظهر فيه مجال للنظر أو موضع للنقد، بنحو ما تقدم من ضرورات ألجأته إلى ترك الكتابة. على أني استدركت بعض ما فات المؤلف أو سها عنه، ومنه الترجمة لشقيقه الأكبر الشيخ محمد، فقد أوردتها في آخر من اسمه محمد من حرف الميم، وإني مورد هنا ما كتبه صديقنا الأعز الشيخ محمد جميل الشطي في تاريخه لصديقي المؤلف الشيخين محمد وأحمد الشطي، رحم الله الجميع رحمة واسعة.
قال في تراجم أعيان دمشق في نصف القرن الرابع عشر الهجري ما نصه:
الشيخ محمد الشطي
ترجمه ولده سيدي لعم مراد أفندي فقال ما خلاصته: هو محمد بن حسن بن عمر بن معروف الشطي الحنبلي الدمشقي، العالم الفاضل الفقيه الفرضي الحيسوبي الهمام، كان من أعيان العلماء سخيا ودودا حسن العشرة. ولد بدمشق في 10 جمادى الثانية سنة 1248، ونشأ في حجر والده العلامة، وقرأ القرآن وجوده وحفظه على الشيخ مصطفى التلي، ولازم دروس والده توحيدا وفقها وفرائض وحسابا ونحوا وصرفا وغير ذلك، وبه تخرج وانتفع، واستجاز له والده المنوه به من أئمة دمشق وقتئذ الشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ عبد الرحمن الطيبي ونزيل دمشق الشيخ محمد التميمي، فأجازوه، وروى عنهم حديث الأولية، ولازم بعد وفاة والده سنة 1274 ه الشيخ عبد الله الحلبي فحضر عليه طرفا من الحديث والفقه والنحو، ولما ورد إلى دمشق الشيخ محمد أكرم الأفغاني، لازمه مدة في علم الفلك وغيره، وكتب له إجازة عامة.

(2/201)


وقد عني المترجم بالتأليف والجمع، فألف وجمع كتبا ورسائل جمة. منها في الفرائض رسالة الفتح المبين طبعت بدمشق سنة 313 ثم أعيد طبعها سنة 353 وكتاب صحائف الرائض، وقد جعل في كل صفيحة منه بحثا خاصا. ومنها في الهندسة بسط الراحة لتناول المساحة، اختصره من كتاب والده، وذيله بخريطة فيها رسم الأشكال الهندسية، مع بيان مساحتها بالأرقام، مطبوعة، وكان أرسلها إلى الأستانة، فأصدرت نظارة المعارف أمرها بطبعها ومكافأته عليها، وذلك سنة 292، ومنها في الفقه: توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية، نحو مائتي مادة، طبعت في مصر سنة 325 وتسهيل الأحكام فيما يحتاج إليه الحكام، نحو ألف مادة، والقواعد الحنبلية في التصرفات العقارية مطبوعة ومنها شرح على الدور الأعلى للشيخ الأكبر، وشجرة في النحو على طريقة الإظهار واختصر منسك والده ومعراجه مطبوع وجمع دفترا كبيرا في تقسيم مياه دمشق وبيان أسهمها المترية، وله غير ذلك.
وكان يميل إلى إحياء المذاهب المندرسة ونشرها، وله إطلاع واسع على أقوال المجتهدين، حتى إن العلامة محمود أفندي الحمزاوي مفتي دمشق كان طلب منه جمع مسائل الإمام داود الظاهري، فجمع رسالة في ذلك قدمها إليه في أيام يسيرة، طبعت بدمشق سنة 1330. ثم ذكر وظائفه وأعماله مرتبة على السنين، وكانت وفاته سنة 1307، ودفن في مقبرة الذهبية بمشهد عظيم انتهى.
قال: وقد ترجمه الأستاذ القاسمي في تاريخه المخطوط، والسيد تقي الدين في تاريخه المطبوع، رحمه الله وجزاه عنا خيرا، قال: وأعقب صاحب الترجمة أولاده الأربعة والدي العالم الفرضي عمر أفندي المتوفى سنة 337، والتقي معروف أفندي المتوفى سنة 317 والمتفنن مراد أفندي المتوفى سنة 314 والقاضي المتقاعد الشيخ حسن أفندي الباقي الآن سلمه الله اه. توفي الشيخ حسن في 28 جمادى الأولى سنة 1382 ه 26 ت الأول 1962 رحمه الله تعالى.
الشيخ أحمد الشطي
هو أحمد بن حسن بن عمر الشطي الدمشقي، مفتني الحنابلة بدمشق، وأحد علمائها الأعلام، المحدث الفقيه الفرضي الحيسوبي. أستاذي وعم والدي. ولد في 24 صفر سنة 1251، ونشأ في حجر والده العلامة على أكمل تربية وأحسن أدب. وقد قرأ القرآن وجوده وحفظه على الشيخ مصطفى التلي، ثم لازم دروس والده من حديث وفقه وفرائض وحساب وهندسة ونحو وغير ذلك، وبه انتفع وتخرج، واستجاز له والده المنوه به من علماء دمشق وقتئذ: الكزبري والعطار والحلبي والطيبي والتميمي نزيل دمشق، فأجازوه، وروى عنهم حديث الرحمة بأولية حقيقية، واستجاز كلا من الشيخ أحمد البغال والشيخ قاسم الحلاق فأجازاه، ولازم بعد وفاة والده الشيخ عبد الله الحلبي وحضر دروسه. ولما توفي والده سنة 274 قدم للتدريس في مكانه، فدرس في محراب الحنابلة من الجامع الأموي في محفل عظيم، واستمر يدرس به في رمضان إلى وفاته - وأما دروسه الخاصة في داره فكانت شائقة جدا، بحيث يجتمع عنده كثير من الطلاب، فيقرئهم في الحديث والتوحيد والفقه والفرائض والحساب والنحو. وكان حلو التقرير، حسن التعبير، طلق اللسان ثابت الجنان، ولم يؤلف شيئا، وإنما كانت له حواش مفيدة على بعض كتب الفقه والفرائض، وقد انتفع به خلق كثير من دمشق ونابلس ونجد وحوران ودوما وغيرها، وفيهم علماء معروفون. وفي سنة 273 وجهت عليه من الدولة العثمانية رتبة تدريس ادرنة. وفي صفر سنة 288 وجهت عليه فتوى الحنابلة لدمشق، بإذن من مفتي دمشق العام، فأفتى في حوادث شتى، وفي سنة 295 ولي نيابة محكمة العمارة بدمشق. ولما توفي الشيخ محمد البرقاوي قاضي الحنابلة، ولي القضاء في مكانه واستقال من النيابة، ولم تطل مدته فيه حيث ألغي القضاء من أصله يومئذ، وكان ترك له أخوه سيدي الجد فرضية البلدية بدمشق، فاستقر بها وبالفتوى إلى وفاته. وتولى هو والجد الموما إليه نظارة وتدريس المدرسة البادرائية، وكانا مرجع أهل دمشق في المناسخات والمساحات وتقسيم المياه والدور. وبالجملة فقد كان المترجم حسن من حسنات الدهر. وكانت وفاته فجأة عقب نزوله من بستان قرب الربوة، وذلك يوم الاثنين 12 صفر عام 1316 ه ودفن في مقبرة الذهبية بمشهد حافل رحمه الله تعالى.

(2/202)


وقد ترجمه الأستاذ القاسمي والشريف تقي الدين في تاريخيهما وأثنيا عليه كثيرا، وأعقب المترجم أولاده الأربعة، العالم الصوفي الشيخ مصطفى أفندي المتوفى سنة 1348 والنبيل طاهر أفندي المتوفى سنة 1356، والذكي سعيد أفندي المتوفى سنة 1315 رحمهم الله، والوالي المتقاعد عبد اللطيف الباقي الآن حفظه الله. وقد توفي 2 رجب سنة 1367 ه رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد جميل الشطي
يقول الضعيف محمد بهجة البيطار: بعد أن أوردنا تراجم الأعلام الثلاثة: الشيخ محمد بن حسن البيطار، والشيخين الأخوين محمد وأحمد الشطي، استجابة لاستدراك صديقنا الشيخ محمد جميل الشطي رحمه الله، رأينا أن نختم هذه التراجم بترجمته لنفسه مكتوبة بقلمه في كتابه روض البشر وبها نختم تراجم الأستاذ الجد البيطار لمؤلفه حلية البشر والحمد لله أولا وآخرا.
قال: جرى بعض المؤلفين والمؤرخين، على أن يترجموا أنفسهم في آخر كتبهم صونا لسيرتهم من التشويه والعبث. وهي فكرة حسنة إذا لم يكن في الترجمة ما ينكره المعاصرون من أرباب العقل والفضل على أنا لا نكلف أحدا بشهادة أو مجاملة. وإنما نريد ذكر وقائع وحوادث ظهرت للعيان، وشهد بها الزمان والمكان، فها نحن نذكر من ذلك ما استحضره الفكر، وصلح للذكر، فنقول: كان مولدي بدمشق في 18 صفر سنة 1300 ومن الاتفاق الغريب أنها آخر سنة في هذا القرن الذي عنيت بتاريخه، ونشأت في حجر والدي عمر أفندي رحمه الله تعالى، وقرأت مبادئ العلوم على عمي مراد أفندي، ثم على الشيخ أبي الفتح الخطيب، وأخذت الفقه والفرائض عن والدي، ثم عن عمه الشيخ أحمد الشطي، وتلقيت طرفا من الحديث عن العلامة الشيخ بكري العطار، ثم عن العلامة الشيخ بدر الدين المغربي، وحضرت دروس الأستاذ صاحب التآليف الشيخ جمال الدين القاسمي، وغيره من علماء دمشق، واستجزت بعض الشيوخ فأجازوني بما تجوز لهم روايته لفظا وخطا جزاهم الله عني خيرا - وقد طالعت بنفسي بعض كتب التفسير والحديث والفقه والفرائض وانتفعت بها والحمد لله.
وقد ولعت بالأدب والتاريخ وأنا دون الخمسة عشر فنظمت ونثرت، وكان باكورة أعمالي رسالة في تراجم بني فرفور، سميتها الضياء الموفور جمعتها سنة 1317 وهي مخطوطة توجد الآن فقال يدار الكتب الظاهرية - وفي سنة 1322 طبعت القطعة الأولى من منظوماتي - وفي سنة 1323 شرعت بجمع تاريخ القرن الثالث عشر - وفي سنة 1329 طبعت القطعة الثانية من منظوماتي - ورسالتي الأولى في علم الفرائض - وفي سنة 1331 ترجمت وطبعت قانون الصلح وغيره من القوانين التركية المعمول بها اليوم - وفي سنة 1339 طبعت معجما كنت جمعته في تراجم علمائنا باسم مختصر طبقات الحنابلة - وفي سنة 1340 وضعت وطبعت رسالة في الوهابيين وخصومهم باسم الوسيط بين الإفراط والتفريط - وفي سنة 1350 كتبت ونشرت ردا على الطائفة القاديانية باسم السيف الرباني - وفي سنة 1360 كتبت وطبعت ردا على أحد فقهاء المالكية باسم البرهان على صحة رسم مصحف الحافظ عثمان - وفي سنة 1363 طبعت رسالتي الثانية في الفرائض باسم الدروس الفرضية - وفي السنة المذكورة هذبت كتاب السراجية باسم تنقيح السراجية في فرائض الحنفية وهو لم يزل مخطوطا محفوظا عندي، مع ديوان شعري الأخير، وتاريخ سنة 1340 - وفي سنة 1363 أيضا أخرجت من تاريخي العام المقدم ذكره هذا التاريخ المقصور على رجال دمشق.
وقد طبعت من مؤلفات آل الشطي وغيرهم شيئا كثيرا، فمن ذلك مختصر عقيدة السفاريني لجدي الأعلى مجلد وتوفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية، وأقوال الإمام داود الظاهري لجدي الأدنى، وأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية لابن القيم، والرسائل الفاتحية للهبراوي، وغير ذلك.
وأما ما كتبته في المجلات والصحف فشيء كثير قديم وحديث، ومن ذلك الرد على شيخ الأزهر المراغي، في قوله إن وجه المرأة ليس بعورة، والرد على المحدث الدهلوي في كتابين له، وكل ذلك منشور في مجلة التمدن الإسلامي.

(2/203)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية