صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر
المؤلف : عبد الرزاق البيطار
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فطن له علم يفيض ومنسب ... من ضرعه در النبوة يرشح
فرع زكا من دوحة الشرف التي ... من فوقها ورق السيادة تصدح
هذا ملخص نسخة السادات من ... يثني عليه كأنما هو يقدح
انظر جميع خصاله وفعاله ... فجميعها عبر لمن يتصفح
عجبا لقوم يكفرون بها ولو ... عقلوا وما عقلوا الصواب لسبحوا
يحق لعصره به الفخار، ولمصره أن يتيه به على سائر الأمصار، فهو إمام الكل في الكل، لو حاول اللسان حصر أوصافه لعجز وكل، كيف لا وهو إمام وابن إمام، وهمام وابن همام، وهلم جرا لا تقف عند حد، حتى تنتهي إلى أشرف جد، فليس في نسبه إلا ذ فضل وحلم، حتى تقف على باب مدينة العلم، وهذا فرع طابق أصله، ومتأخر ولكن فاق من قبله، طلع في جبهة الدهر غرة، فكان للعيون مسرة وقرة، وما قارن هلاله إبداره، حتى أحاطت به العلا داره، فلا غرو إن ألقت إليه الرياسة قيادها، وجعلت إليه السيادة استنادها، فأصبح ومرتبته العليا، وعبده الزمان وأمته الدنيا، ولله دره من عالم بهرت حجته، وبحر زخرت لجته، فقذف لؤلؤا ودرا، وعم الأنام إحسانا وبرا، وناهيك به من ذي منطق فصل، وفضل قد تأثل في الزيادة والوصل، ولما ضاع أرج ذكره نشرا، وتهلل محيا الوجود بسناه بشرا، وانتشر صيته انتشار الصباح، وتعطرت بعبير ثناه الفيافي والبطاح، وعشقت أوصافه الأسماع، وأسرع إليه طلاب المعالي للأخذ والسماع، دعاه مولانا السلطان، الغازي عبد الحميد خان، إلى حضرته العالية الشريفة، واستبقاه في بحبوحة نعمته المنيفة، ونظر إليه بعين عنايته، وأسبل عليه ستر رعايته، فهناك امتد في الدنيا باعه، وعمرت بكمال الإقبال عليه رباعه، وقصده الغادي والرائح، وخدمته القرائح بالمدائح:
هذا الهمام ابن الهمام أبو الهدى ... كنز الندى نجل النبي المجتبى
هذا وحيد الدهر قطب أولي العلا ... شمس الملا شرقا بدت أو مغربا
ألف الندى ورأى السخاء فريضة ... فاعتاد بذل المال من زمن الصبا
إن تدن آمل بره ونواله ... لاقاك بالوجه البشوش ورحبا
ذا البحر إن يممته تظفر بما ... أملته جرب ترى صدق النبا
قد قر في عرش الكمال سموه ... فلذا تراه على البرية كوكبا
من آل بيت قد علت أركانه ... وله العلا قد قال أهلا مرحبا
أبقاه ربي للأنام مدى المدى ... ما أشرقت شمس وما هبت صبا

(1/35)


هذا وإني بحمد الله قد اجتمعت بهذا المترجم الفريد، حينما تشرفت به دمشق الشام وكان قد قصدها على قدم السياحة والتجريد، مريدا بعد زيارة ساداتها زيارة أقربائه بني الصياد، فحصل لي بالاجتماع بحضرته غاية المنى والإسعاد، غير أن الحصة كانت قصيرة، وكانت المذاكرة بيننا يسيرة، فلم تحصل المعرفة المقتضية للتذكار، وعلى كل حال فإني أعدها من النعم الكبار، وقد وعيت من بديع محاضرته ما أدهش، ورويت من أحاديث شعره ما أطرب وأنعش، وكان كثيرا ما ترد عليه أحوال، دالة على استشرافه على مقام الكمال، وإني لأرجو من واهب العطية، أن يمتع بصري برؤية حضرته على أحسن حال قبل حلول المنية، إنه كريم وهاب، إذا دعاه العبد أجاب، ثم إنني أيام رقمي لهذا التاريخ طلبت من حضرة المترجم ترجمته بالمراسلة، لتكون لكتابي حلية لطيفة ولذاتي من جملة المواصلة، فأرسل لي حفظه الله من تأليفاته الشريفة جملة ومنها كتابه المسمى بقلائد الزبرجد، على حكم مولانا الغوث الشريف الرفاعي أحمد، مذيلا هذا الكتاب بترجمة هذا الأستاذ، والعمدة الشهم الملاذ، وهذه الترجمة من إنشاء العالم الفاضل، والجهبذ السميدع الكامل، السيد محمد بن السيد عمر الحريري الرفاعي شيخ السجادة الرفاعية، في مدينة حماة المحمية، فنقلتها بحروفها من غير تغيير ولا تبديل، كما هي مرقومة لتكون نسبتها إلى حضرة منشيها باقية ومعلومة، فقال بعد خطبة دخل بها على المرام، وقد حذفتها لاقتضاء المقام، هو العالم المحقق والفاضل المدقق، شيخ الطريقة، وكشاف كل حقيقة، فرع الزاوية الهاشمية، ويتيمة قلادة السادة الأحمدية، مجدد طريقة جده أبي العلمين، وناشر أعلام فضله في المغربين والمشرقين، المالك زمام الفضائل والمعالي في كل نادي، صاحب السماحة والسيادة السيد الشيخ محمد أبو الهدى أفندي ابن شيخ المقام العالي الصيادي، العارف الكبير، الهمام الشهير السيد الشيخ حسن وادي، بن السيد علي بن السيد خزام، بن السيد الشيخ علي الخزام، دفين حيش الولي المقدام، ابن الولي العارف العالم المرشد الكامل السيد الشيخ حسين برهان الدين، بن السيد عبد العلام، بن السيد عبد الله شهاب الدين المبارك الزبيدي البصري الرفاعي، بن السيد محمد الصوفي، ابن السيد محمد برهان، بن السيد حسن الغواص، بن السيد الحاج محمد شاه، بن السيد محمد خزام دفين الموصل، بن السيد نور الدين، بن السيد عبد الواحد، بن السيد محمود الأسمر، بن السيد حسين العراقي، ابن السيد إبراهيم العربي، بن السيد محمود، بن السيد عبد الرحمن شمس الدين ابن السيد عبد الله قاسم نجم الدين المبارك، بن السيد محمد خزام السليم، ابن السيد شمس الدين عبد الكريم، بن السيد صالح عبد الرزاق، بن السيد شمس الدين محمد، بن السيد صدر الدين علي، بن القطب الجواد السيد عز الدين أحمد الصياد، بن السيد ممهد الدولة والدين عبد الرحيم الرفاعي، بن الإمام ولي الرحمن السيد عثمان، بن السيد حسن، بن السيد عسله، بن السيد الحازم، بن السيد أحمد، بن السيد علي مكي، بن السيد رفاعه، ويقال له الحسن نزيل المغرب، بن السيد المهدي، بن السيد أبي القاسم محمد، بن السيد الحسن، بن السيد الحسين، بن السيد أحمد، بن السيد موسى الثاني، بن السيد إبراهيم المرتضى، بن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، بن الإمام محمد الباقر، بن الإمام زين العابدين علي الأصغر السجاد، بن الإمام الهمام علم الإسلام عين أئمة الأعلام، سبط الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي امتحن بأناع البلاء أمير المؤمنين مولانا أبي عبد الله الحسين الشهيد بكربلا، ابن إمام الأئمة وأمير نحل هذه الأمة سيد الأولياء، وقائد أزمة الأصفياء، أمير المؤمنين مولانا الإمام علي رزقه من زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين بنت سيد المخلوقين عليه أفضل صلوات رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1/36)


ولد حفظه الله وحماه سنة ألف ومائتين وست وستين لثلاثة أيام خلت من شهر رمضان المبارك بشيخون من أعمال معرة النعمان، وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، ثم شرع في الكتاب فمهر، وأخذ يتلقى العلوم العقلية والنقلية عن أفاضل الرجال الأعيان فأتقن وأحسن، ثم تشرف بلبس الخرقة والخلافة الرفاعية من يد والده المتقدم ذكره صاحب الأنفاس الزكية، وله إجازتان أيضا بطريقتهم العلية الرفاعية الصيادية، الأولى من شيخه وابن عمه أحد مشاهير أولياء الله السيد الشيخ علي خير الله الرفاعي الصيادي شيخ المشايخ بحلب الشهباء، لبس منه الخرقة الرفاعية بإذن والده، وأقام عنده بحلب مدة ولا زال بعدها يتردد لزيارته في أغلب أوقاته، مستمدا فيوضات نفحاته، وصالح دعواته، حتى حاز بحمد الله منه على تمام رضاه، وآذنه بما لديه ففاز به محفوظا بعناية الله، والثانية من حضرة شيخه الأجل الولي الأكمل، غوث زمانه وشيخ أهل عصره وأوانه، طاهر الأنفاس المستأنس بربه المستوحش من الناس، مولانا السيد الشيخ محمد بهاء الدين مهدي الشيوخي الصيادي الرواس، لبس منه الخرقة عام تشريفه بغداد دار السلام، وتمم السلوك على يديه، وأخذ عنه العلوم الشرعية والتصوفية، وحفظ جميع كلامه المنظوم بعد الوقوف على كنوز حقائقه الدرية، ورموز معاني دقائقه الخفية، ولما استوفى سلوكه في الطريقة، وملك زمام الكشف عن مضرات كل حقيقة، آذنه بالرجوع لوطنه ودياره لنشر الطريق المبارك وقال له يوم وداعه:
دخلت لحاننا فاشطح وغني ... فأنت وحقنا عنا تنوب
فعاد مصحوبا بالسلامة للديار الحلبية، وعمتها بسببه بركة الحضرة الرفاعية وبعد رجوعه ببرهة يسيرة، خطر دار السعادة مركز الخلافة الإسلامية، فنشر بها علم الطريقة العلية، وانتسب له أفاضل الناس، لعلمهم أن طريقه المبارك قام على أساس من العرفان والشرع وأي أساس، وعاد منها بنقابة أشراف جسر الشغور من أعمال حلب، فانعطفت له الأنظار والقلوب بحسن الطلب، ثم بعد برهة يسيرة ولي نقابة الأشراف بحلب الشهباء، وأقبل على تعظيمه واحترامه بها الفقهاء والفقراء، وفي هذه الأثناء لا زال يخطر اسلامبول المحروسة، ذات الأطلال المأنوسة، ويترقى في المراتب العلمية، ويعظم اشتهاره لدى رجال الدولة العلية، حتى بلغ أمره الخليفة المعظم ظل الله في العالم، وارث سرير خلافة سيد المخلوقين نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ناصر الشريعة الغراء، وناشر ألوية الطريقة السمحاء، خادم الحرمين الشريفين إمام المشرقين والمغربين، السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان، ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان، خلد الله خلافته بالتوفيق إلى آخر الدوران، آمين.

(1/37)


فأحضره لديه، وعطف بكليته عليه، وقلده مشيخة المشايخ في دار الخلافة العلية، وألحقه إلى رتبة قضاء العسكر التي هي منتهى المراتب العلمية، ومع كل هذا ما برح منعكفا على خدمة الطريق الشريف، مشتغلا بفضل الله بإعلاء منار الشرع العالي بالتصنيف والتأليف، حتى ألف الكتب الجليلة الكثيرة، والرسائل الظريفة الوفيرة، وقد حرر أكثرها الطبع، بأحسن شكل وأجمل وضع، وها هي بحمد الله بأيدي المسلمين ينتفع بها العوام والخواص من الموحدين، لأنها مشحونة بالأصل الديني المتين، محفوظة مصونة من شبه أرباب الغلو في الدين، مرفوعة القواعد على أساس الكتاب والسنة السنية، رافعة أعلام المجد والمفخرة لعامة الملة الإسلامية، ولخاصة الفرقة الزكية الرفاعية، منها كتاب ضوء الشمس في قوله صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، وقلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، وسلسلة الإسعاد في تاريخ بني الصياد، وداعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد، وهداية الساعي في سلوك طريقة الغوث الرفاعي، ورسالة في التواتر والفجر المنير في ورد شيخ الأولياء السيد أحمد الرفاعي الكبير، وديوانه الفيض المحمدي والمدد الأحمدي، وكتاب الصراط المستقيم في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم، والحقيقة المحمدية في شأن سيد البرية، والمدد النبوي في بيان حكم العهد العلوي، وروح الحكمة فيما يجب من الأخلاق على هذه الأمة، والمدنية الإسلامية في الحكمة الشرعية، وتطبيق حكم الطريقة العلية على أحكام الشريعة النبوية، وسياحة القلم في الحكم، والواعظ المعرب عن حقيقة المسلم المتأدب، والسهم الصائب لكبد من آذى أبا طالب، وتاريخ الخلفا وراث النبي المصطفى، والكوكب الزاهر في مناقب الغوث عبد القادر، والعناية الربانية في ملخص الطريقة الرفاعية، وديوانه الثاني الجامع لأشتات درر غرر المعاني، وحضرة الإطلاق في مكارم الأخلاق، وقرة العين في مدح الإمام أبي العلمين، وطريق الصواب في الصلاة على النبي الأواب، وغير ذلك من المآثر التي سارت بها الركبان، وملأ شعاع فضلها النواحي والبلدان.
وقد امتدحه البلغاء وأثنى عليه فضلاء الشعراء لما من الله به عليه من الأخلاق، الشاهدة له بصحة النسب المحمدي وطهارة الأعراق، منها:
يا ساري البرق بل يا سائق السحب ... حي المنازل بين البان فالكثب
أنخ هناك مطايا الغيث مثقلة ... من كل منهمر بالقطر منسكب
وقف على الدار وسط الحي منتسبا ... لثغر ساكنها وافخر بذا النسب
قرب لها خبري يا برق محتسبا ... فذاك والله عندي أفضل القرب
واستعمل الرفق في التبليغ إن لها ... بقصتي طربا ناهيك من طرب
ما الدار يا برق في المعنى سوى صدف ... ودرة الخدر فيها منتهى أربي
موهت بالدار والمعني ربتها ... كذكرنا الكأس والقصد ابنة العنب
فاذكر لها عجبا من أمر مدنفها ... دان على البعد لم يحضر ولم يغب
زفيره من أواز الوجد في صعد ... ودمعه من مجاري الخد في صبب
عدمت من عذلوني في الهوى سفها ... وحاربوني أو ناديت واحربي
ولو رأوا ما رأت عيني وكان لهم ... قلبي ولاموا لكان اللوم أجدر بي
لكن أخالهم خشبا مسندة ... وهل يؤثر داعي الحب بالخشب
عاشوا خليين من عشق يؤرقهم ... فطاب عيشهم وهما ولم يطب
يا عاذلي خل عذلي مشفقا فلقد ... أخطأت والله في عذلي ولم تصب
جسمي بدار اغترابي لا يفيق ولي ... قلب شج عن دياري غير منقلب
يا لهف قلبي على تلك الديار ويا ... شوقي إليها ويا وجدي ويا وصبي
علمت أني إن لازمت تربتها ... لم أبرح الدهر في هم وفي ترب
فاخترت فرقتها لا عن كراهتها ... ولا غراما بسير الأينق النجب
لكنما الهمم العليا روت خبرا ... العز مرتبط بالوجد والخبب
فكان ذاك علينا موجبا سفرا ... لولا الأماني لم يندب ولم يجب

(1/38)


لم أنس ما وجدت بالبيد أينقنا ... من الوجى ونفاد الماء والعشب
والركب في سكرة هزته سورتها ... لا سكرة الراح لكن سكرة التعب
في مهمه طامس الأعلام مشتبه ... سهل خلي من الحصباء والحصب
يرى الدليل به حربا لناظره ... لا يستغيث بغير الويل والحرب
والليل ملق خياما من غياهبه ... قامت بلا عمد فيها ولا طنب
حتى إذا احتبكت في الأرض ظلمته ... وأنجم الأفق في حجب من السحب
حرنا فلما هتفنا باسم سيدنا ... أبي الهدى ضاء نور السبعة الشهب
محمد خلف الصياد صفوته ... الهاشمي الرفاعي الفتى العربي
أبو السراج أخو النورين حيدرة ... أجل عصبة طه وابنه العصبي
الطاهر النسب ابن الطاهر النسب ... ابن الطاهر النسبين الطاهر النسب
هادي الخليقة مهدي الطريقة ... كشاف الحقيقة جالي ظلمة الريب
مجدد لربوع الفضل حين حكت ... نهى أعاديه من واه ومن خرب
أنى ومن كل علم حزن ثاكلة ... فما استراح إلى أن قال واطربي
ذو فكرة فعلت بالمشكلات على ... جهابذ الدهر فعل النار بالحطب
آراؤه أنجم في الخطب مشرقة ... وعقله لرحى التدبير كالقطب
ترى بصيرته الأزمان حاضرة ... ما كان مقتربا أو غير مقترب
وتشهد الكرة الأرضية اجتمعت ... كأنها وضعت للهو واللعب
يا دولة اتخذت منه لها ولدا ... يهنيك خير أخ يهنيك خير أب
يهنيك ذو الحزم والتدبير والأدب ... المطبوع والنسب المرفوع والحسب
يهنيك مولى على الأعداء فكرته ... أشد من حملات الجحفل اللجب
عقل ينوب عن الكشف الجلي وندى ... لله ما فعلت جدواه بالنوب
أحرزت يا دولة الإسلام منه فتى ... ساد الورى وهو حاشاه الصغار صبي
إن المقادير قد خطت يراعتها ... على محياه هذا سيد العرب
من معشر أرفع الأشياخ منزلة ... إمام طفلهم يجثو على الركب
صيد صناديد أشراف جهابذة ... نجب جحاجحة من سادة نجب
آل الرسول خيار الناس قاطبة ... خلاصة الخلق طرا نخبة النخب
لو نبأ الله بعد المصطفى أحدا ... لكان منهم لعمر الله ألف نبي
شرف وعظم ومجد ما استطعت ولا ... تطلب لبكر القوافي غير مطلبي
وإن حظيت بحبر من أئمتهم ... فامدحه محتسبا أو غير محتسب
وخص منهم فتى الفتيان سيدهم ... شيخ المشايخ كهل الفضل والأدب
أبا الهدى من إذا يممت ساحته ... أتاك معروفه عفوا بلا سبب
هذي الأقاليم فاطلب من يماثله ... فيها ندى واحتكم إن فزت بالطلب
شبه به البحر إن البحر يشبهه ... لكنه العذب مأمون من العطب
وانسب إليه جميع المكرمات ولا ... تنسب إليه ادخار المال والنشب
يرى رؤوس اليتامى إذ يقبلها ... أشهى له من خدود الخرد العرب
أما العفاة فلو شاهدت قربهم ... منه لحققتهم من أقرب النسب
أرضاه أن جيوش الحمد هاجمة ... عليه والمال من كفيه في هرب
للجمع بين الدجا والصبح في قرن ... أدنى من الجمع بين الحمد والذهب
شكرا لما نلته من صفو نعمته ... الحب والقرب والترتيب والرتب
كم كربة أثقلت ظهري ففرجها ... بهمة سميت فراجة الكرب
وكم أياد له عندي مؤيدة ... لها دليلان من لحمي ومن عصبي
مدحته عاجزا عن درك غايته ... مع انتخابي القوافي خير منتخب

(1/39)


وليس في العجز عن إدراكها عجب ... صفاته حصرتها من أعجب العجب
يجوز صدقي وكذبي في سواه وإن ... أمدحه يوما فمعصوم من الكذب
أبا السراج وأنت المصقع اللسن ... الشهم البليغ إمام النظم والخطب
خذ مدحة من لباب الشعر لو تليت ... في منتهى الشرق كان الغرب في طرب
أقسمت لهي على الأعداء لو فهموا ... أشد وقعا من الهندية القضب
ودونك العيد فاستبشر بزورته ... أنالك الله فيه منتهى الأرب
ومنها:
إن شيخي أبا الهدى لحسام ... سله الله والرسول الإمام
فهو بالله واثق خصام ... رجل لا تريعه الأيام
وله عند كرها إقدام
طود حلم من الزلازل ما ارتج ... وصبور على البلا قط ما لج
ببيت عز كل الكمال له حج ... وإمام قامت به دولة المج
د بطور به تباهى الإمام
قرشي مهذب علوي ... هاشمي مقرب أريحي
علم مفرد تقي نقي ... ونسيب وسيد أحمدي
خالدي شهم كريم همام
مرشد العصر بالجلال توشح ... وعن الرشد والهداية أوضح
عارف عرب العلوم فأفصح ... كم له في الورى لعمرك من أح
وال فضل حارت بها الأفهام
ومعال فوق السهى ثابتات ... وجياد تحت النهى صافنات
كم أرتنا في السبق من آيات ... ولكم من مكارم بينات
شهدت في علوها الأيام
وأياد جزيلة وهبات ... تتوالى كأبحر زاخرات
وسمات عن أصله باسمات ... ولكم من عزائم صارمات
عقدها لا يحله الإبرام
ولكم من مآثر طيبات ... وصلات منه لنا واصلات
وفعال عن حكمة صادرات ... ولكم من مناقب باهرات
دون مرقى سنامها الأوهام
ماجد حاز همة إن تزنها ... بعظيم الجبال ينحط عنها
كم فقير نال الغنى من لدنها ... ولكم من مواهب رد منها
عارض المزن وانقضى الانسجام
بهداه أحيا القلوب وأنعش ... وبساط المنى لراجيه يفرش
وهو في دولة إذا الخطب أدهش ... أسد من عصابة كللتها الش
هب في ضوئها وصح النظام
جل بين الأنام أمرا ونهيا ... وبفعل الخيرات أحسن سعيا
ألمعي به الفضائل تحيا ... وفتى من عشيرة عرش عليا
هم رفيع وعبدهم لا يضام
ضيفه يستقر في خير منزل ... وصروف الزمان عنه بمعزل
سيد ملجأ لكل مؤمل ... وكريم به تفاخر في سل
ك التدلي أهل كرام عظام
عارف قد أتى بأوثق حزم ... كان من بعضه علوم ابن حزم
ضيغم لم يزل بصحة جزم ... يقرع الحادث المبهم بعزم
حيدري في طيه إقدام
وهو ما زال للبرية غوثا ... من يديه يستمطر الجود غيثا
وذراع دعا الأعادي حوثا ... وتراه في حومة الحرب ليثا
بارزا ما التوت له أقدام
لعروس الكمال أصبح بعلا ... ولها دون غيره كان أهلا
فيصل لا يزال قولا وفعلا ... بالغا من مراتب العز أعلى
رتبة في أساسها الأحكام
ذكرها يطرب النفوس ويرقص ... فعليها يا دهر حافظ أو احرص
يا لها رتبة إلى خير مخلص ... نظمتها من الشريعة أيدي الص
دق واستحكمت بها الأحكام
صبح هدي عن الهداية أسفر ... وبه باطن المريد تنور
علم عيلم همام غضنفر ... كيف لا وهو صاحب القدم الفر
د الرفاعي أبو الهدى المقدام
كم بنشر العلوم أحسن صنعا ... وأفاد العموم خيرا ونفعا
هاشمي قد طاب أصلا وفرعا ... من حسين بقية النسب العا
لي المباني وعضبه الصمصام
ذو يراع جواده ليس يسقط ... في مداه ولا بعشواء يخبط
وبما شاء لا يريد التوسط ... وارث المرتضى وقرة عين الط

(1/40)


هر والغوث إن عدا الأخصام
تاج هام العلا وجوهر نصل ... أحمدي نضته أشرف أهل
عين آل الصياد أطيب نسل ... شبل أهل العبا ذوآبة أصل
بعلاهم تشيد الإسلام
بحلى رفده العفاة تحلوا ... وبوجه السرور منه تملوا
حاتمي ما قال ليت ولا لو ... وابن آل فيهم أضاء سما الكو
ن بهدي وزاح عنه الظلام
كوكب في ذرى العلا يتوقد ... وعلى فضله الخناصر تعقد
وهو للسالكين أعظم فرقد ... وسليل الغوث الرفاعي من قد
رفعت عزة له الأعلام
لذ بأعتابه الشريفة وادخل ... لحماه وارو المحامد وانقل
وبأفعاله وأقواله قل ... أعظم الأولياء قدرا وشيخ ال
كل إن شد في الخطوب حزام
من يساويه سؤددا وفخارا ... وعلوا ورفعة واقتدارا
أي غوث سواه كان نهارا ... لائما راحة الرسول جهارا
بعد عصر والأربعون قيام
فبروحي دون الورى أفديه ... من ولي بنى جدار بنيه
فهو في الأوليا وحق أبيه ... كنز سر تطلسم البأس فيه
وثوى في وحيده الضرغام
ما سواه يوم الشدائد يرجى ... بعد طه الرسول حصنا وملجا
كم وقعنا بالمهلكات فأنجى ... ولنا بابنه أبي الهدى للجا
هل ذاك الدليل والالزام
حجة القوم شيخهم في الأنام ... مرشد الوقت بهجة الأيام
قطبه الهاشمي شبل ضرام ... فرخه حافظ الوراثة حامي
ركنها أن تجز حماه اللئام
للمريدين في الحقيقة منجد ... ولهم في منازل القرب مسعد
ومن الكشف حين فاز بمقصد ... أخمرته من السراج سراج الد
ين كأس مدامه الإلهام
فتراءى في عالم النشر والطي ... فجر صدق يمحو الضلالة والغي
وتبدى في هيكل مفرد الزي ... وعليه من مجد سيدنا الصي
ياد درع طرازه الاحترام
بشذا رشده الزمان تعطر ... فروى للأنام عنه وأخبر
وبدا ينجلي بأحسن مظهر ... وله نسبة حسينية الطر
ز جلاها شيخ العراق خزام
آل بيت مقدس قد كساهم ... خلع المجد ربهم واصطفاهم
وهداهم بفضله واجتباهم ... رضي الله عنهم وحباهم
صولة ينجلي عليها الدوام
ومقاما من الكواكب أعلى ... واحتراما بين الأنام وفضلا
وحماهم من كل ماساء فعلا ... وعليهم أزكى التحيات من الل
ه تعالى مدى المدى والسلام
ومن نظم صاحب الترجمة الذي فاق نظم الدرر قصيدته التي تخلص بها لمدح جده النبي المفتخر وهي:
هل منقذ لأخي النوى مما به ... قطعته أيدي الحظ عن أحبابه
كالظل أضحى قائما شبحا بلا ... جرم يلجلج في رسيس ثيابه
ما فيه إلا الروح تخبر أنه ... حي ولا رسم بطي نقابه
كمد تلهب ناره ودموعه ... كالغيث لا ينفك وبل سحابه
فالوجد هد وجوده بزفيره ... والصد حارب قلبه بحرابه
يا للرجال لحائر أسبابه ... قطعت وأين الوصل من أسبابه
أوزاره قد أثقلته وعرقت ... أسفاره الآثام عن آرابه
وطغت عليه الحادثات وما له ... إلا الذي لاذ الورى بجنابه
محبوب رب العالمين نبيه ... ورسوله وأمين سر كتابه
سيف الرسالة صاحب الحكم الذي ... أحيا رسوم العدل فصل خطابه
مصباح فرقان المثاني من بدت ... حكم الكتاب تضيء في محرابه
فلك المعاني الخافيات بمشهد ... ما الرسل إلا من نجوم قبابه
سير الهلال سرى بليل عروجه ... وسرت ملائكة العلا بركابه
وطوائف النور المضيء تحفه ... شرفا له بذهابه وإيابه
حتى دنا بعد التدلي صاعدا ... بهبوطه السامي لبرج رحابه

(1/41)


فتمثل الأملاك بين يديه في ... مغناه يستسقون من ميزابه
والدين أشرق وجهه متهللا ... في أفق وادي يثرب وشعابه
فلذاك رصع أرضه شهب السما ... والمسك غلغل في غبار ترابه
والبدر قلب وجهه متململا ... يرجو القبول على أريكة بابه
لله ركن عز من ذاك الحمى ... أضحى أمين الوحي من حجابه
خضعت ملوك العالمين لمجده ... وتمثلوا رهبا لدى أعتابه
ومن انتمى لرفيع سدة جاهه ... لم يفترسه زمانه بمصابه
وعبيده مهما تدنس بالخطا ... هو في أمان الله يوم حسابه
وتحفه من ذيله نفحاته ... في هينات زمانه وصعابه
هو روح هذا الكون قرة عينه ... ومدار رمز سؤاله وجوابه
هو كنز علم الله صاحب أمره ... هو سيفه والكون نوع قرابه
هو مظهر السر الخفي عن السوى ... والمحضر المطوي في جلبابه
هو حجة الرسل الكرام أمامهم ... هو شيخهم بمشيبه وشبابه
ما الأولياء العارفون بربهم ... إلا الذين حسوا لذيذ شرابه
ما الكون إلا نقطة هو أصلها ... أو طلسم هو شكل حرف صوابه
ما الحلم إلا ما إليه رجوعه ... والعلم إلا مذهب من دابه
والجود إلا نسمة من طبعه ... والمجد إلا من سنا آدابه
لمعت براهين الهدى بظهوره ... ودجى الضلال محاه نور شهابه
والحق أقبل والفتوح أمامه ... والغي ولى مدغما بضبابه
أدعوه للكرب الملح وأين من ... عزماته ليث الثرى في غابه
فلكم حللت به وعزة قدره ... عقد الزمان ولان صلد صلابه
ولكم لجأت له بقلب خاشع ... فحماه بالإحسان من أتعابه
أنا عبده والعبد مهما زل عن ... طرق الرضا ساداته أولى به
صلى عليه الله ما لمع الضحى ... ولآله يهدي الثنا وصحابه
ومن نظم هذا الهمام في مدح سيد الأنام
اعجز المنقبض المنبسط ... بمعان شط منها الخطط
وبدا من جامع الشأنين في ... طالع الكونين طور وسط
وانجلى في الأفق البحت سنا ... صحف صفت عليها النقط
وبدوح الغيب قامت حكم ... صحة ما قام فيها الغلط
وبآيات المثاني جوهر ... بأكف الوهم لا يلتقط
فوقها منك حبيبي أسدلت ... حجب للحشر لا تنكشط
أنت سر الكل والكل له ... منك حبل عاصم مرتبط
حار في درك معانيك الورى ... والمدى المقصود عنهم شطط
شأنك السيار فيه درر ... لمعانيها البرايا سفط
جل من جلل مجلاك ضيا ... بحواشيه البها يختبط
جمع هذا الفرق فرق جمعه ... منه قد دل عليك النمط
ومنه قوله يمدح سلطان الرجال وكعبة أهل الوجد والحال جده الإمام الرفاعي الكبير لا زال رمسه الأعطر مهبط مدد الخالق القدير.
قلب المحب بحبه مشغول ... وله عليه تلهف وعويل
لا زال يطويه الهيام على لظى ... وجد وينشره ضنى وذبول
يا لائمي واللوم ليس بنافع ... أيصد عن طلب الحبيب عذول
دع لوم أهل العشق واطرح عذلهم ... إن العذول بشأنه مخجول
ولقد تزيا بالغرام وأهله ... ذو ريبة في زيه مخذول
ردته بينة المحبة خاسئا ... وشهود أحكام الغرام عدول
ذو الصدق في سوح المحبة ثابت ... وأخو الرياء من الظلال يميل
يلهو إذا خشع المحب وإنما ... مجلى الخشوع على الفؤاد دليل
متن الهوى تحت الضلوع وشرحه ... بشروط حال العارفين طويل

(1/42)


قد يدعي الحب الملح كواذب ... والعاشقون الصادقون قليل
ولكم تباكى المدعون وما بكوا ... ودموع أصحاب الولوع سيول
ولربما سكت المحب لفكرة ... فيمن يحب وعقله مذهول
يا من ولعت بهم وطبت لذكرهم ... رفقا فقلبي للصدود عليل
لو زال رضوى وانتحى عن أرضه ... حاشاي عنكم يا كرام أحول
ما قلت أصحو من سلافة حبكم ... إلا اعتراني سكرة وخبول
لكم التحكم في القلوب ولم تزل ... تسري إليكم أنفس وعقول
قد حرت في تعريفكم لجلالكم ... لم أدر يال الحي كيف أقول
أيطول فهمي سر رفعة قدركم ... ومقامكم هام الفخار يطول
ولكم بصف العاشقين مشاهد ... غرر لها بين الورى وحجول
وغداة كل قبيلة بإمامها ... تدعى ويبدو المضمر المجهول
ويرى هناك الحق والدعوى ويظهر ... للعيان فضيلة وفضول
فأمامكم يا أهل أم عبيدة ... علم الرجال السيد المقبول
شمس الحمى الغوث الرفاعي الذي ... في الفضل صح حديثه المنقول
سلطان أقطاب الرجال وشيخهم ... وشجاعهم حيث القلوب تزول
ذو السيرة النبوية العليا التي ... فيها انطوى المنقول والمعقول
شبل الحسين سليل أصحاب العبا ... سيف الرسول الصارم المسلول
كم مرة نصر الضعيف بنظرة ... وعلا وعز برمشتيه ذليل
غوث إذا لجأ الكسير لبابه ... طرف الزمان يراه وهو كليل
توراة عنوان الزبور نصوصه ... وبسره الفرقان والإنجيل
ناب النبي فعلمه من علمه ... وطريقه بطريقه موصول
ذو همة برهانها متواتر ... كالفجر لكن ما اعتراه أفول
وكفاه أن مد النبي يمينه ... لجنابه والحي فيه قفول
خرجت من القبر الشريف كأنها ... عضب من النور الجلي صقيل
سارت بها الركبان تنقل نصها ... مسكا بأقطار الوجود يجول
هذا أبو العلمين ذو الكف الذي ... من راحه بحر الفيوض يسيل
أخذ الخضوع كشأن طه مذهبا ... فطريقه للمكرمات سبيل
إن قال عن دعوى قؤول شاطح ... سكرا فهذا بالخشوع فعول
لله خارقة بطي وجوده ... معها كثير الخارقات قليل
خشعت لديه الأولياء وكلهم ... سامي المهابة عارف وجليل
وكأنه دون الجميع لعقله ... طود من العلم الصحيح ثقيل
لا يستفز بوارد عن شأنه ... وبربه عن غيره مشغول
يجري له الإحسان بحر الامتنا ... ن وذيله من دمعه مبلول
هذا هو الفحل المكين بطوره ... الله ما كل الرجال فحول
وقفت رجال الله تحت لوائه ... ونواله لصروفهم مبذول
وسرى على أثر الرسول وما له ... في السائرين مماثل وعديل
شيخ بتولي المقام وسيد ... حمل الضعاف ببابه محمول
مأوى صنوف العاجزين رحابه ... ما خاب في ذاك الرحاب نزيل
هو كعبة يحمي الطريح بركنها العالي ... ويأمن خائف ودخيل
نفحات فضل الله في ذاك الحمى ... فياضها متواصل وهطول
ولشيخ ذياك الرحاب عوارف ... حزب العفاة بمنحها مشمول

(1/43)


من لاذ فيه بصدق قلب خالص ... ما فاته المسؤول والمأمول
لا زال أصحاب القبول ببابه ... ولهم تدق من الفتوح طبول
فعليه لا برحت ميازيب السلا ... م تسح ما ذكر الخليل خليل
أو قام منه على سرير صفاته ... ملك عليه من الرضا اكليل
أو ثبت القلب الخفوق بحبه ... صبر من الود القديم جميل
ومنه قوله يمدح شيخه القطب الأعظم السيد محمد مهدي الصيادي الرفاعي الرواس قدس الله سره ونفعنا به آمين
لربي مني الشكر شيخي ومرشدي ... إمام الزمان الغوث قطب رحى المجد
غدا وحده ركن المعالي وإنني ... عرفت به ما بين أهل الحمى وحدي
ومن شعره في النسيب والغزل لا زال محط رحال أهل الأهل
تندب الأطلال روحي كلما ... هب في الأرجاء ريح السحر
ويفيض الدمع من عيني دما ... ركب قوم سار سير القمر
واختباط البرق من نحو الحمى ... يخطف القلب لجيران التلال
فعلام كل هذا ولما ... هاهم مروا كلمح البصر
يا رعى الله أويقات غضاض ... قنع البشر بها هام السرور
مع خلان مضت بين الرياض ... وبنا دنيا رحى الوصل تدور
راح هذا وكأن الدهر ما ... أغمض العين ولا نلنا الوصال
فاقض يا دهر بنا ما أنت قاض ... قد رضينا باختيار القدر
آه لو عادت ليالينا القدام دور ... لشفينا غلة تحت الضلوع
وروينا من أحاديث الغرام ... مرسلات من أساطير الدموع
ووصلنا في الهوى ما انصرما ... ورأينا ما تعاناه الخيال
لكن الأمر خيال والسلام ... خطرات من قبيل السمر
قسما بالعهد والود القديم دور ... كل آن وجدهم عندي جديد
هم سروا والوجد في سري مقيم ... يفعل الله تعالى ما يريد
ما زهى الروض أو الودق همى ... غدوة غلا ومني الدمع سال
وعلى نهج الصراط المستقيم ... ثابت في الحب طول العمر
كلما العتم انجلى قلبي يطير دور ... وإلى أنوارهم آهي يطول
وإذا ما الشمس جدت بالمسير ... ذكرت نفسي لهم تلك القفول
وإذا موج الظلام التطما ... خلته من شعرهم بعض الحبال
وعلى كل قليل وكثير ... شكلهم منطبع في نظري
يا نسيم الصبح خذ قلبي لمن دور ... أقلقوه يوم بانوا بالفراق
وإذا ما عدت بالذكر الحسن ... هات ما عندك من طيب التلاق
وأعد روحا بها البين رمى ... لجج الحين وألقاها وشال
وارحمنها فهي خنساء الحزن ... وافتقاد الإلف طبع البشر
ليت خلاني بذياك اللوى دور ... ذكروا خلا لهم خلوه ليت
ذا حنين من تباريح النوى ... صار لا در النوى حيا كميت
نظم الشعر لهم إذ نظما ... وطوى أحشاءه ضمن المقال
وعلى عرش الإشارات استوى ... فكره ثم أتى بالدرر
هذه يا حسرتي قصة من دور ... مسه الضر وأفناه الجزع
دنف مذ أزمع القوم وهن ... واصل الحزن وللحزن انقطع
كم يناجي الطيف فيهم كلما ... رام أن يبدي لهم قصة حال
قائلا بالله يا طيف الوسن ... عطفوا أم قلبهم من حجر
وعبير فاح من تلك الخيام دور ... يوم زمت عيسهم قبل الصباح
أنا مفتون بهم حتى القيام ... ولهذا طال ندبي والصياح

(1/44)


أسأل البرق إذا ما اضطرما ... عنهم يا لهف قلبي والغزال
فعلى أرجائهم مسك الختام ... ينشر الدهر فتيت العنبر
وقال أطال بقاه وأعلى مرتقاه
أي غصين الياسيمن انتبه ... واتركن بالله ما أنت به
هزك الريح فقلدت لذا ... خصر ريم ما له من شبه
حدك القطع لهذا فاعتذر ... عل أن تدرأه بالشبه
وقال
لي بالأبيرق فتية خلفتهم ... وطرحت بين خيامهم أحشائي
منهم لظى ناري وماء مدامعي ... يا لوعتي من نارهم والماء
وقال
لي في العراق أحبة ملكتهم ... قلبا عليهم يوم بانوا ذابا
ذاق العذيب بقربهم لكنه ... لما أطالوا البعد ذاق عذابا
وقال
والذاريات من الدموع تلهفا ... يوم النوى والمرسلات سيولا
ما كنت أعلم أن غزلان الحمى ... يصلتن من ريش الجفون نصولا
وقال
أيها البرق الذي تلوى به ... قادحات من زناد الولع
ما رأيت العيس لما أزمعت ... وتوارت عن زوايا لعلع
عجبا تلويك أخبار اللوى ... لظبا روض النقا والأجرع
إنني المضنى الذي فارقتهم ... كيف يا بارق لو كنت معي
أنت حينا تتلوى وأنا ... زفرتي ما عشت لم تنقطع
ومن لطائف شعره قوله
ألا فرج من حضرة الله محكم ... يؤيد إيمانا تحكم في السر
فيا نفحة البشرى من الله سرعة ... ويا غارة الجبار من حيث لا ندري
وهذه النبذة من ترجمة هذا الإمام مغنية عن الإكثار توفي رحمه الله تعالى في الآستانة في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين والحمد لله والصلاة على رسوله في البدء والختام.
الشيخ أبو السعود بن الشيخ محمد جلال بن الشيخ محمد أفندي المكنى بأبي المكارم بن السيد عبد المنعم بن السيد محمد أبي السرور البكري الصديقي المصري
بقية السلف الصالح، ونخبة الخلف الناجح، تولى خلافة السجادة البكرية في سنة سبع عشرة ومائتين وألف عندما عزل ابن عمه السيد خليل البكري، ولم تكن الخلافة في فرعهم، بل كانت في أولاد الشيخ أحمد بن عبد المنعم وآخرهم السيد خليل المذكور، فلما حضرت الدولة العثمانية إلى مصر واستقر في ولايتها محمد باشا خسرو، سعى في السيد خليل الكارهون له ورموه بالقبائح، ومنها تداخله في الفرنسيس وامتزاجه بهم، وعزلوه من نقابة الأشراف، وردت للسيد عمر مكرم، ولم يكتفوا بذلك بل ذكروا أنه لا يصلح لخلافة البكرية، فقال الباشا: وهل موجود في أولادهم خلافه، قالوا نعم وذكروا المترجم فيمن ذكروه، وأنه قد طعن في السن ولكنه فقير من المال، فقال الباشا الفقر لا ينفي النسب، وأمر له بفرس وسرج وعباءة كعادة مركوبهم، ولبس التاج والفرجية والفروة السمور خلعة من الباشا، وأنعم عليه بخمسة أكياس، وجعل له مرتبا معلوما، فراج أمره واشتهر ذكره، وسار بسيرة حسنة مقرونة بكل كمال، وكانت تتحاكم لديه أرباب الطرائق فيقضي بينهم بلا ميل لأحد بل بما يظهر له من الحق والصواب، ولم يزل على حالته وطريقته مع خضوعه ولين جانبه وحكمه على نفسه إلى أن ضعفت قواه ولازمه المرض وأقعده في الفراش، فعند ذلك طلب سادات مشايخ الأزهر نزوله عن خلافته لولده السيد محمد الكامل الرشيد، فعرضوا القصة على الوالي فحولها لولده المرقوم في حياة والده وطلبه لذلك، وتوفي المترجم في أواخر شهر شوال سنة سبع وعشرين بعد المائتين والألف وصلي عليه في الأزهر ودفن في القرافة بمشهد أسلافه رضي الله عنهم أجمعين.
الشيخ أبو الفتح ابن الشيخ عبد الستار أفندي ابن الشيخ إبراهيم أفندي الأتاسي الحمصي

(1/45)


عالم مصره ونخبة أهل أوانه وعصره، ولد سنة ست عشرة بعد المائتين والألف، وأخذ العلوم عن والده المومى إليه، وكان جل اعتماده في الأخذ عليه، وكان رحمه الله له خلق جميل، وقلب عن الكمالات لا يزيغ ولا يميل، ولطافة مشهورة، وملاحظة لعواقب الأمور مأخوذة عنه ومأثوره، تولى منصب الإفتاء بحمص بعد عزل أخيه الأكبر الشيخ محمد سعيد أفندي وكان له وظيفة التدريس في جامع سيدنا خالد بن الوليد الصحابي الجليل، مع كونه غزير العلم جيد الفهم، يغلب عليه الصواب في السؤال والجواب، توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثمائة وألف ودفن في مقبرة حمص وقبره معلوم مشهور يزار ويتبرك به.
الشيخ أبو الفتح ابن الشيخ عبد القادر ابن الشيخ صالح الخطيب الشافعي الدمشقي
ولد بدمشق ونشأ بها وتخرج بأبيه وأقرأ في رسائل نحوية وفقهية في مدرسة الخياطين، وله حلقة تدريس بجامع بني أمية بين العشائين، وتولى خطابة الأحمدية، وإمامة مسجد برأس سوق الخياطين ومحافظة المكتبة بالمدرسة الظاهرية، وكان فقيرا قانعا شرح الأجرومية والعوامل، واختصر بعض أجزاء من تاريخ ابن عساكر من النسخة الموجودة في المكتبة الظاهرية على تحريفها وكانت وفاته في تاسع المحرم سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف.
أبو عبد الله محمد بن إدريس وزير السلطان عبد الرحمن بن هشام سلطان فاس
وكانت توليته في ربيع الأول سنة ألف ومائتين وثمان وثلاثين الوزير الوحيد، والشاعر المجيد، والعالم الفاضل، والعامل الكامل، من انتهت إليه الفضائل، وانتظمت به عقود الشمائل، لقد أدى الوزارة وعالمها وكاملها، ومن نظمه مهنئا السلطان عبد الرحمن حينما جلس على تخت السلطنة بفاس سنة ألف ومائتين وثمان وثلاثين كما تقدم:
مولاي بشراك بالتأييد بشراكا ... قد أكمل الله بالتوفيق مسراكا
الفتح والنصر قد وافاك جيشهما ... والسعد واليمن قد حيا محياكا
الله ألبسك الإقبال تكرمة ... وبالتقى والنهى والعلم حلاكا
فراسة الملك المرحوم قد صدقت ... لما تفرس فيك حين ولاكا
أعدت للدين والدنيا جمالهما ... فأصبحا في حلى من حسن معناكا
وزادك الغيث غوثا في سحائبه ... فجاد بالقطر قطرا فيه مأواكا
وله قصائد كثيرة، ومدائح شهيرة، ومناقب سنية، ومفاخر علية، ولم يزل على حاله بالغا من الترقي جل آماله، إلى أن توفي هذا الوزير المذكور والفرد العلم المشهور سنة ألف ومائتين وأربع وستين رحمه الله تعالى.
أبو الأنوار شمس الدين محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن عارفين سبط بني الوفا، وخليفة السادات الحنفا، وشيخ سجادتها ومحط رحال سيادتها
الأستاذ الشهير، والجهبذ النحرير، والرئيس المفضل، والفريد المبجل، نادرة عصره، ووحيد دهره، من شهرته غنية عن مزيد الإفصاح، ومناقبه أظهر من أن يتعلق بها البيان والإيضاح، وأمه السيدة صفية بنت الأستاذ جمال الدين يوسف أبي الإرشاد بن وفاء.

(1/46)


ولد المترجم وتربى في حجر السيادة والصيانة، والحشمة والديانة، وقرأ القرآن، والتفت بجده واجتهاده لطلب العلم على ذوي الشان، وتلقى طريقة أسلافه وأورادهم وأحزابهم عن خاله الأستاذ شمس الدين محمد أبي الإشراق بن وفا، عن عمه الشيخ عبد الخالق، عن أبيه الشيخ يوسف أبي الإرشاد، عن والده أبي التخصيص عبد الوهاب، إلى آخر السند المنتهي إلى الأستاذ أبي الحسن الشاذلي، ولازم العلامة القدوة الشيخ موسى البجيرمي فحضر عليه عدة من الكتب في فنون متعددة، وهو أول أشياخه، ثم لازم الشيخ خليل المغربي، والشيخ أحمد الميجري الملوي شيخ الشيوخ في وقته، وأجازه بمروياته ومؤلفاته الإجازة العامة، وكذلك الشيخ أحمد الجوهري الشافعي إجازة عامة، وإجازة خاصة بطريقة المولى عبد الله الشريف، وحضر دروس الأستاذ الحفني، والشيخ عمر الطحلاوي المالكي، والشيخ مصطفى السندوبي الشافعي، والشيخ محمد الناري، والشيخ أحمد القوصي، وسمع المسلسل بالأولية من عالم أهل المغرب الشيخ محمد بن سودة التاودي الفاسي المالكي عند وروده مصر في سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف بقصد الحج، وكتب له إجازة بخطه مع سنده أيضا، وإجازة بدلائل الخيرات وأحزاب الشاذلي، وكذلك تلقى الإجازة من الأستاذ المسلك عبد الوهاب بن عبد السلام العفيفي المرزوقي، وكذلك من إمام الحرم المكي الشيخ إبراهيم بن الرئيس محمد الزمزمي، وإجازة بالمسبعات وبما لأسلافه من الأحزاب، وكناه بأبي الفوز، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة وألف بمكة سنة حجة المترجم.
وتوفي يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف وصلي عليه في الأزهر، ودفن بالقرافة في مشهد أسلافه في التربة التي أعدها لنفسه.
أبو السعود بن ضيف الله مراد
الشاب الأديب، والناجح الأريب، من صاغ من فرائد درره عقدان وجدد للأدب بعد الاندراس عهدان فهو الإمام الذي يقتدى في النظام به، والهمام الذي أثمرت رياض الجمال بآدابه، تتطاول له أعناق السرور حينما يمد لها سماط المنظوم والمنثور، ومن شعره البديع المتحلي بأنواع المعاني والبديع قصيدته وهي:
أبدور مشرقات أم غرر ... في ليال داجيات أم طرر
وغصون تنثني يا عجبا ... أم قوام ماس عجبا وخطر
وعيون ناعسات دعج ... ترشق العشاق نبلا أم وتر
وبروق أومضت في الأفق أم ... ثغر حبي افتر عن عقد درر
بدر حسن حرق القلب هوا ... ه وقد قرح جفني بالسهر
سحر الألباب لما حسر الحجب ... عن حسن محياه سحر
أسر العشاق في عضب لوا ... حظه عمدا وجهرا ما أسر
صبت الروح إليه ولقد ... صبت الأجفان دمعا كالمطر
أهيف إن بان يثني عطفه ... يزدري بالبان والقلب حجر
في اللمى والثغر والطرف لقد ... حل شهد ولآل وحور
قده مع وجنتيه ومحياه ... رمح وشقيق وقمر
بت ولهان به في خطر ... هائما في حبه لما خطر
وهن العظم به واشتعل الرأس ... شيبا مذ تناءى وهجر
اسمح ابخل صد واصل منيتي ... وبما تهوى تحكم يغتفر
عاذلي مال عن الإنصاف مذ ... لام في عذل به عين الضرر
قال ذره قلت كلا إنني ... عبده أفعل دوما ما أمر
وهو ريم يوسفي حسنه ... لو رأى البدر سناه لاستتر
وهي قصيدة طويلة، وله من الشعر قصائد جميلة.
الشيخ أبو السعود الشهير بالسباعي الدردير الحفني العدوي

(1/47)


مالك أعنة المحاسن وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، والراقم لبرودها، المجيد لإرهافها، والعالم بجلائها وزفافها، تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، وأبلغ دلوه من الإجادة الرشاء، فطاب نشره، وطار في الأقطار ذكره، شمائله تتضاءل لها قطع الرياض، ويبادر به الظن إلى شريف الأغراض. قد التفت إلى طلب العلوم التفات المشغوف، وسقط على تطلبه سقوط المشوق الملهوف، إلى أن بلغ منه مبلغ الكمال، ونبغ به ونال منه أعلى منال، وحضر دروس شيوخ عصره، إلى أن صار مرجعا في مصره، وأقبل الناس عليه من كل جانب، للاستفادة والحصول على الرغائب. توفي رحمه الله في حدود الألف والمائتين وسبع وثلاثين.
أبو السعود بن أحمد أفندي بن علي المعروف بالحسيبي الدمشقي
من ذوات الشام وكبرائها، وأفاخمها وعظمائها، له تولع بجمع نوادر الكتب النفيسة، وله مذاكرة لطيفة أنيسة، وإقبال على قاصديه جميل، ولطف بوارديه جزيل، وفي سنة ألف وثلاثماية وخمس عشرة توفي أحمد أفندي بن أمين أفندي منجك نقيب دمشق الشام، فكتب مفتي الشام محمد أفندي المنيني سلسلة موصلة للمترجم المرقوم للذات الطاهرة، وختمها له ذوات الشام وشيوخها، ثم أرسلت إلى النقابة في الدار العلية، وبعد مدة توجهت النقابة على المترجم المرقوم وقام بها بسيرة حيسنة، وصفات مستحسنة، مع عفة عالية وشهامة وافية، وبيت مفتوح، وطعام ممنوح وغنى وافر، وجاء موروث كابرا عن كابر، أحسن الله إليه آمين.
الشيخ أبو النصر بن المرحوم الشيخ عبد القادر بن الشيخ صالح بن الشيخ عبد الرحيم الخطيب
طلب العلم على أبيه، وعلى غيره من كل عالم نبيه، إلى أن سما مقامه، وفشا في الناس احترامه، وقد انتقل بعياله إلى حرستا قرية تبعد عن الشام مقدار ساعتين، وسار بأهلها سيرة حسنة، يصلي بهم ويخطب لهم ويعظهم ويعلمهم ما يحتاجون إليه، ثم بعد ذلك أخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ علي اليشرطي المستقيم بعكه ثم ذهب إلى الآستانة المعمورة ودخل في سلك النيابات ولا زال ينتقل من مكان إلى مكان في النيابات إلى عام ألف وثلاثمائة وستة عشر.
حضر إلى الشام وصادف أنه بعد حضوره بمدة توفي في شهر رجب مفتي دمشق الشام محمد أفندي المنيني فتعرض لها المترجم، وكتب عرض فحضر وختم له كثير من الناس، وكذلك غيره تعرض لها ولكن صادف القدر، وتوجهت الإرادة الأزلية للشيخ صالح أفندي قطنا، فتوجه الإفتاء عليه من شيخ الإسلام جمال الدين أفندي. وعلى كل حال فهو شهم شجاع جميل المعاشرة، يغلب عليه الميل إلى الطاعة والمروءة والحماسة والتباعد عن الرذائل، ولم يشتهر عنه أنه في مدة نياباته ارتشى من أحد أحسن الله حالنا وحاله.
ثم في ثالث ربيع الثاني خطب يوم الجمعة في جامع بني أمية وقرأ فيه الدرس العام بعد العصر، وخرج إلى قرية تل منين لحضور عرس دعي إليه، وكان يوم السبت، وبعد صلاة العشاء أصابه وجع قلب ولم يمض عليه ساعة حتى مات، فأحضروه في الصباح إلى الشام وجهزوه وصلوا عليه في جامع بني أمية ثم دفنوه في مدفن أسلافه في مقبرة الدحداح، وذلك رابع ربيع الثاني سنة ألف وثلاثماية وأربع وعشرين.
الشيخ العلامة المتفنن الباحث المتقن أبو العباس المغربي المالكي
صاحب العلم الباهر، والفضل السامي الظاهر، والشهرة العامة، والشمائل الكاملة التامة، وهو من رجال الجبرتي، أخبر رضي الله عنه أن أصله من الصحراء من عمالة الجزائر، دخل مصر صغيرا فحضر دروس الشيخ علي الصعيدي وتفقه عليه ولازمه، ومهر في الآلات والفنون، وأذن له في التدريس فصار يقرىء الطلبة في رواقهم، وراج أمره لفصاحته وجودة حفظه، وتميز في الفضائل، وحج سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف وجاور بالحرمين سنة واجتمع بالشيخ أبي الحسن السندي ولازمه في دروسه وباحثه، وعاد إلى مصر، وكان يحسن الثناء على المشار إليه واشتهر أمره وصارت له في الرواق كلمة، واحترمه علماء مذهبه لفضله وسلاطة لسانه، وبعد موت شيخه عظم أمره حتى أشير له بالمشيخة في الرواق، وتعصب له جماعة فلم يتم له الأمر، ونزل له السيد عمر أفندي الأسيوطي عن نظر الجوهرية، فقطع معاليم المستحقين، وكان حجاجا سلط اللسان يتقى شره. توفي ليلة الأربعاء حادي عشرين شعبان سنة ألف ومائتين وسنتين غفر الله لنا وله، وجعل في دار النعيم مستقره.

(1/48)


الشيخ ابو بكر بن علي البطاح الأهدل
العلم الأمثل، والطود الأفضل، إمام المحققين، ونخبة المدققين، سراج افسلام، وكعبة الأئمة الأعلام، قد ساد بفنون العلوم، وتدقيق المنطوق والمفهوم، فهو غرة في جبين الدهر زاهرة، وشامة في صفحة العصر ظاهرة، يحق له أن يقال فيه، وأن يصفه الدهر بملء فيه.
وأرى الخلق مجمعين على فضلك ... من كل سيد ومسود
عرف العارفون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد
جد واجتهد في المعالي، إلى أن صار حسنة الأيام والليالي، أخذ العلوم من عدة مشايخ منهم السيد سليمان الأهدل، وتميز بالكمال في الملكات الثلاث ملكة الاستحصال، وملكة الحصول، وملكة الاستنباط، وكان عمدة في التفسير والحديث والفقه والتصوف والآلات والأصول. وخلاصة الكلام، إنه من السادة الأعلام، ومما كان ينشده:
إن رمت إدراك العلوم بسرعة ... فعليك بالنحو القويم ومنطق
هذا لميزان العقول مقوم ... والنحو تقويم اللسان المنطق
مات رحمه الله سنة ألف ومائتين ونيف.
الشيخ الملا أبو بكر الكردي الشافعي الدمشقي
أحد العلماء الأعلام، المتقدمين في العلوم بدمشق الشام، كان مجاورا في جامع الورد في سوق صاروجا، وكان ملازما للإفادة العلمية، والآداب العملية، مع التقوى والعبادة، والعفة والزهادة، كثير السكوت عن فضول الكلام، لا يتكلم إلا في ذكر أو قرآن أو إقراء درس أو إفادة حكم من الأحكام، قرأ عليه الأجلاء من العلماء، والكثير من الفضلاء، وكان له مشاركة قوية، في العلوم العقلية والنقلية، وقد أخذ عن المرشد الكامل أوحد الزمان، وقطب العصر والأوان، مولانا خالد النقشبندي مجدد القرن الثالث عشر، وعن غيره ممن عرف بالفضل واشتهر، وله تأليفات كثيرة، ورسائل شهيرة، وله تفسير على القرآن المجيد اخترمته المنية قبل إتمامه، قد أجاد فيه وأفاد، واعتنى به فوق المراد، وكان معدودا من ذوي النهاية، معروفا بالكشوفات والولاية، وقد حضرت بعض مجالسه، واستفدت من بعض نفائسه، وكان كثيرا ما يذاكرني مع صغر سني في المسائل العلمية، والنوادر الأدبية، مات رضي الله عنه سنة تسع وستين ومائتين وألف، ودفن بتربة سوق صاروجا.
الشيخ أبو بكر الكردي الجزاري الدمشقي
العالم الإمام، والأوحد الهمام، نزيل دمشق الشام، أخذ العلوم عن أفاضلها، وارتفعت رتبته في المعارف بين ذوي فضائلها، حتى صار عمدة مقبولا، معروفا في الكمال لا مجهولا، مرفوع المقام، يتبرك به الخاص والعام، مات يوم الإثنين عاشر ذي الحجة الحرام الذي هو من شهور سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف ودفن في الدحداح.
أبو بكر باشا الطرابلسي والي مصر من طرف الدولة العثمانية وكانت ولايته من سنة إحدى عشرة ومائتين وألف

(1/49)


كان وزيرا عاقلا إلا أنه لم تساعده يد الإقبال، ولم تلاحظه عين العناية في تسديد الأقوال والأفعال، وذلك لاستطالة المماليك على الأراضي المصرية، ونفوذ كلمتهم بها على كلمة الوزارة العثمانية، فكان ما كان من خروجه ودخول الأجانب، وتسلطها على بلاد مصر وإيقاعها في المعاطب، وبيان ذلك مع التفصيل، المقتضي عدم التطويل، قال في الفتوحات الإسلامية، المنسوبة للحضرة الأحمدية الدحلانية: كانت مصر قبل أن تتملكها الدولة العثمانية بيد ملوك الجراكسة، وكان لهم كثير من المماليك الذين هم أيضا من الجراكسة ومن غيرهم من الترك، فلما تملكت الدولة العثمانية مصر لم تزل المماليك باقين وفي كل وقت يزدادون حتى بلغوا غاية الكثرة، وكان منهم أمراء ورؤساء، فصارت لهم عصبية قوية، فتغلبوا على الأملاك والأراضي والأطيان والمحصولات والخراجات والجمارك، وكانوا إذا جاء الباشا المتولي على مصر من الدولة العلية ينقادون له في الظاهر وفي الباطن هم متغلبون، فكانوا يبقونه إذا أرادوا ويعزلونه إذا أرادوا، ولا يصل إلى الدولة من محصولات مصر إلا القليل والباقي بأيديهم، وكان لهم رؤساء، وعلى الجميع أمير كبير تحت أمر الوزير المتولي من السلطنة صورة وظاهرا فقط، فلما تغلبوا هذا التغلب كثر منهم الظلم والعدوان على المسلمين وغيرهم من طوائف النصارى واليهود، فيتعدون كثيرا عليهم لاسيما على تجارهم، وكانت الدولة العلية مشتغلة عنهم بكثرة الحرب مع النصارى، فطمع الفرنسيس في تملك مصر وإبعاد هؤلاء المماليك المتغلبين، وأوهموا على المسلمين أنهم إنما يريدون تخليص مصر منهم وبقاء الحكم فيها للدولة العلية، فجهز الفرنسيس عليها جيوشه بالسر والكتمان من غير اطلاع أحد على ذلك وجاءوهم بغتة فتملكها على الوجه الآتي ذكره، وكان ذلك في شهر المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، وكان الوزير المتولي على مصر من السلطنة العلية في تلك السنة هو المترجم المرقوم أبو بكر باشا الطرابلسي، وكانت ولايته من سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وكان للماليك المتغلبين على مصر أميران رئيسان على جميعهم وهما إبراهيم بك ومراد بك، كان تحت طوعهما جميع الصناجق والعساكر، فلما شاعت الأخبار بقدوم الفرنسيس للاستيلاء على مصر خرج الوزير المتولي من السلطنة العلية وهو أبو بكر باشا المتقدم ذكره من مصر وتوجه إلى غزة، ثم منها إلى دار السلطنة، وكان توجهه من مصر يوم السبت سابع شهر صفر من السنة المذكورة، وبقيت مصر بيد غبراهيم بك ومراد بك وصناجقهما والأمراء والعساكر التي تحت أيديهما، وكان أهل مصر عند خروج أبي بكر باشا من مصر وقبل خروجه بأيام يسمعون إشاعات عن مسير الفرنسيس إلى تملك مصر، ولم يقفوا على حقيقتها، فلما كان العشرون من المحرم من سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف وصلت مراكب الفرنسيس مشحونة بالعساكر وآلات الحرب، فتقاتل من كان فيها من العساكر مع أهل الاسكندرية، ولم يكن أهل الاسكندرية مستعدين لقتالهم فلم يقدروا على دفعهم، لاسيما وقد جاءوهم بغتة فقاتلوهم قليلا ثم طلبوا الأمان منهم، فأمنوهم ودخلوا الاسكندرية وملكوها، فلما جاء الخبر إلى مصر أخذ إبراهيم بك ومراد بك بالاستعداد لهم، وأبرزا جيشا من العسكر إلى موضع يقال له الجسر الأسود، وأخرجوا المدافع وآلات الحرب واضطربت الناس في مصر، وكثر الهرج والمرج، وتقطعت الطرق وارتفع السعر وكثر السراق، ثم جاءهم مكتوب من الفرنسيس فيه بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، وبعد ذلك كلام كثير من جملته: إني أعبد الله وأحترم نبيه والقرآن العظيم وأنهم مسلمون يعنون أنفسهم مخلصون، وإثبات ذلك أنهم نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة أهل الإسلام، ثم قصدوا مدينة مالطة وطردوا منها الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة أهل الإسلام، وكل ذلك من الكلام الذي يوهمون به على أهل الإسلام أنهم موحدون لله تعالى، وأنهم يحبون أهل الإسلام ويحبون سلطانهم، وأنهم إنما جاءوا لنصرة سلطان الإسلام، وإبعاد المماليك المتغلبين على ممالكه، ودفع ظلمهم عن الرعية، ومن جملة ما في ذلك الكتاب خطابا للمسلمين: وما جئتكم لإزالة دينكم، وإنما قدمت إليكم لأخلص حقكم من يد الظالمين الصناجق المماليك

(1/50)


الذين يتسلطون في البلاد المصرية، ويعاملون الملة الفرنساوية بالذل والصغار، ويظلمون تجارهم ويؤذونهم بأنواع الإيذاء والتعدي، ويأخذون أموالهم ويفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها مثله، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم بانقضاء دولتهم، وإني أعبد الله سبحانه أكثر من المماليك، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بأحسن ما فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العلية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء منهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقا كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك. يتسلطون في البلاد المصرية، ويعاملون الملة الفرنساوية بالذل والصغار، ويظلمون تجارهم ويؤذونهم بأنواع الإيذاء والتعدي، ويأخذون أموالهم ويفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها مثله، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم بانقضاء دولتهم، وإني أعبد الله سبحانه أكثر من المماليك، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بأحسن ما فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العلية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء منهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقا كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك.
أيها المشايخ والقضاة والأئمة وأعيان البلد، قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، ومع ذلك فالفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ملكه، ومع ذلك إن المماليك امتنعوا من إطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلا إلا لطمع أنفسهم، طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير، فيصلح حالهم وتعلو مراتبهم، طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير ماثلين لأحد الفريقين المتحاربين، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقا إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر، وإن جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات عن المواضع التي يمر بها عسكر الفرنساوية، فواجب عليها أن ترسل للسر عسكر من عندها وكلاء كيما يعرف المشار إليه أنهم أطاعوا، وأنهم نصبوا علم الفرنساوية الذي هو أبيض وأكحل وأحمر، وأن كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار، وأن كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي أيضا تنصب صناجق السلطان العثمان محبنا دام بقاؤه، والواجب على المشايخ والعلماء والقضاة والأئمة أنهم يلازمون وظائفهم، وعلى كل أحد من أهالي البلدان أن يبقى في مسكنه مطمئنا، وتكون الصلاة تامة في الجوامع على العادة، والمصريون بأجمعهم ينبغي أن يشكروا الله تعالى على انقضاء دولة المماليك قائلين بصوت عال أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله جلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية، وعلى المشايخ في كل بلد يختموا حالا على جميع الأرزاق والبيوت والأملاك التي للمماليك، وعليهم الاجتهاد التام أن لا يضيعوا أدنى شيء منها.

(1/51)


وفي التاسع والعشرين من المحرم قدموا إلى مصر فاستقبلهم عسكر مصر عند الرحمانية وهزموا إلى الجيزة، والتقوا عند بشقيل وحصلت مقتلة عظيمة، وقدر الله أن المسلمين هزموا ففر مراد بك ومن معه إلى الصعيد، وفر إبراهيم بك ومن معه في البر الشرقي إلى الشام، وقيل لم يقع قتال كثير وإنما هي مناوشة من طلائع العسكر بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين، وكانت مراكب في البحر لمراد بك فاحترقت بما فيها من الجبخانه والآلات الحربية، واحترق بها رئيس الطبجية، واحترق من فيها من المحاربين، فلما عاين ذلك مراد بك دخله الرعب وولى منهزما، وترك الأثقال والمدافع التي في البر، وتبعته العساكر، وركب إبراهيم بك إلى ساحل بولاق طرف البر الشرقي، ورجع الناس منهزمين طالبين مصر، فاجتمع الباشا والعلماء ورؤوس الناس يتشاورون في هذا الحادث العظيم، فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق إلى شبرا، ويتولى افقامة ببولاق إبراهيم بك وكشافه ومماليكه، وقد كانت العلماء عند ابتداء هذا الحادث تجتمع بالأزهر كل يوم ويقرؤون البخاي وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ الطرائق وأتباعهم، وكذا أطفال المكاتب، ويذكرون الاسم اللطيف وغيره من الأسماء. ويوم الاثنين حضر مراد بك إلى بر امبابه وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشقيل، وتولى ذلك هو وصناجقه وأمراؤه، وكان معه في ذلك علي باشا الطرابلسي ونصوح باشا، وأحضروا المراكب الكبار والغلايين التي أنشأها بالجيزة وأوقفها على ساحل أمبابه، وشحنها بالعساكر والمدافع والمتاريس والخيالة والمشاة، ومع ذلك فقلوب الأمراء لم تطمئن بذلك، فإنهم من وصول الخبر الأول لهمم من الاسكندرية شرعوا في نقل أمتعتهم من البيوت الكبار المشهورة المعروفة، إلى البيوت الصغار التي لا يعرفها أحد، واستمروا طول الليالي ينقلون الأمتعة ويوزعونها عند معارفهم وثقاتهم، وأرسلوا البعض منها لبلاد الأرياف، وأخذوا أيضا في تشهيل الأحمال واستحضار دواب للشيل وأسباب الارتحال، فلما رأى أهل البلد منهم ذلك داخلهم الخوف الكثير والفزع، واستعد الأغنياء وأهل المقدرة للهرب، ولولا أن الأمراء منعوهم من ذلك لما بقي بمصر منهم أحد، وفي يوم الثلاثاء نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس، فأغلق الناس الدكاكين والأسواق، وخرج الجميع لبولاق، فكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون لهم خياما ويجلسون في مكان خراب أو مسجد، ويرتبون أمرهم فيمن يصرف لهم ما يحتاجون غليه من الدراهم التي جمعوها، ويجعلون عليهم قيما يباشر ذلك، وبعض الناس يتطوع على بعض في الإنفاق، ومن الناس من يجهز جماعة من المغاربة والشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك، بحيث أن جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم، وسمحت نفوسهم بإنفاق أموالهم فلم يشح أحد في ذلك الوقت بشيء يملكه، ولكن لم يسعفهم الدهر، وخرجت الفقراء وأرباب الأشائر بالطبول والزمر والأعلام والكاسات، وهم يضجون ويصيحون بأذكار مختلفة، وصعد السيد عمر مكرم نقيب الأشراف إلى القلعة فأخرج بيرقا كبيرا سمته العامة بيرق النبي صلى الله عليه وسلم، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول والزمور، وغير ذلك وأما مصر فإنها صارت خالية الطرق لا تجد بها سوى النساء في البيوت، وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة، وغلا سعر البارود والرصاص جدا بحيث بيع الرطل البارود بستين نصفا، والرصاص بتسعين نصفا، وغلا جنس أنواع السلاح وقل وجوده، وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والعصي والمسارق، وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بيك ببولاق يدعون ويبتهلون إلى الله تعالى بالنصر، وأقام غيرهم من الرعايا بالبيوت والزوايا والخيام. ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول إلى بولاق، وأقام بها من حين نصب إبراهيم بيك العرضي هناك إلى وقت الهزيمة، سوى القليل من الناس الذين لا يجدون لهم مكانا ولا مأوى فيرجعون إلى بيوتهم يبيتون بها ثم يصبحون إلى بولاق، وأرسل إبراهيم بيك إلى العربان المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا من المقدمة بنواحي شبرا وما والاها، وكذلك اجتمع عند مراد بيك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد والخبيرية والقبعان وأولاد علي

(1/52)


والقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوما فيوما لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوسا أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو.لقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوما فيوما لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوسا أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو.

(1/53)


ولما كان يوم الجمعة سادس شهر صفر وصل الفرنسيس إلى الجسر الأسود، وأصبح يوم السبت فوصل أم دينار، فعندها اجتمع العالم العظيم من الجند والرعايا والفلاحين والمجاورة بلادهم، ولكن الأجناد متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آراؤهم، حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم مغترون بجمعهم، محتقرون شأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم. وقد كان الظن بالفرنسيس أن يأتوا من البرين بل أشيع ذلك، فلم يأتوا إلا من البر الغربي، ولما كان وقت القيلولة ركب جماعة من العساكر التي بالبر الغربي، وتقدموا إلى ناحية بشقيل بلد مجاروة لأنبابه، فتلاقوا مع مقدمة الفرنسيس فكروا عليهم بالخيول، فضربهم الفرنسيس ببنادقهم المتتابعة الرمي وأبلى الفريقان، وقتل أيوب بيك الدفتر دار وكثير من كشاف محمد بيك الألفي ومماليكهم، تبعهم طابور من الإفرنج نحو الستة آلاف، وكان رئيسهم الكبير بونابارته لكنه لم يشهد الوقعة، بل حضر بعد الهزيمة، وكان بعيدا عن هؤلاء بكثير، ولما قرب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بيك ترامى الفريقان بالمدافع، وكذلك العسكر المحاربون البحرية، وحضر عدة وافرة من عساكر الأرناؤوط من دمياط، وطلعوا إلى أنبابه وانضموا إلى المشاة وقاتلوا معهم في المتاريس، فلما عاين وسمع عسكر البر الشرقي في القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح، ورفعوا الأصوات بقولهم يا رب يا لطيف، ويا رجال الله ونحو ذلك وكأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم، فكان العقلاء من الناس يأمرونهم بترك ذلك، ويقولون لهم إن الرسول والصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب، لا برفع الصوت والصراخ والنباح، فلا يستمعون ولا يرجعون عما هم فيه، ومن يقرأ ومن يسمع؟ وركب طائفة كبيرة من الأمراء والأجناد من العرضي الشرقي ومعهم إبراهيم بيك الوالي، وشرعوا في التعدية إلى البر الغربي في المراكب، فتزاحموا على المعادي لكون التعدية من محل واحد والمراكب قليلة جدا، فلم يصلوا إلى البر الآخر حتى وقعت الهزيمة على المحاربين، هذا والريح العاصفة قد اشتد هبوبها وأمواج البحر في قوة اضطرابها والرمال يعلو غبارها وتنسفها الريح في وجوه المصريين، فلا يقدر أحد أن يفتح عينيه مع شدة الغبار وكون الريح من ناحية العدو، وذلك من أعظم أسباب الهزيمة كما هو منصوص عليه.

(1/54)


ثم إن الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك انقسم على تراتيب معلومة عندهم في الحرب وتقارب من المتاريس، بحيث صار محيطا بالعسكر من خلفه وأمامه، ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتابعة والمدافع ترمي، واشتد هبوب الريح وانعقد الغبار، وأظلمت الدنيا من دخان البارود وغبار الريح، وصمت الأسماع من توالي الضرب، بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزت والسماء عليها سقطت، واستمر الحرب والقتال نحو ثلثي ساعة ثم كانت الهزيمة على العسكر الغربي، فغرق الكثير من الخيالة في البحر لإحاطة العدو بهم وظلام الدنيا، والبعض وقع أسيرا في يد الفرنسيس وملكوا المتاريس، وفر مراد بك ومن معه إلى الجيزة فصعد إلى قصره وقضى بعض أشغاله في نحو ربع ساعة، ثم ركب وذهب إلى الجهة القبلية، وبقيت القتلى والثياب والأمتعة والأسلحة والفرش ملقاة على الأرض ببر أنبابه، وألقى كثير نفسه في البحر، ولما انهزم العسكر الغربي تحول الفرنسيس بالمدافع والبنادق على البر الشرقي وضربوها وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة، فقامت فيهم ضجة عظيمة، وركب في الحال إبراهيم بك والأمراء والعسكر والرعايا وتركوا جميع الأثقال والخيام كما هي لم يأخذوا منها شيئا، فأما إبراهيم بك والأمراء فساروا إلى جهة العادلية، وأما الرعايا فهاجوا وماجوا ذاهبين جهة المدينة ودخلوها أفواجا أفواجا، وهم جميعا في غاية الخوف والفزع وترقب الهلاك، وهم يضجون بالعويل والنحيب، ويبتهلون إلى الله تعالى من شر هذا اليوم الوصيب، والنساء يصرخن بأعلى أصواتهن من البيوت، وقد كان ذلك قبل الغروب، فلما استقر إبراهيم بيك بالعادلية أرسل يأخذ حريمه، وكذلك من معه من الأمراء، فأركبوا النساء على الخيول والبغال والحمير والجمال، والبعض ماش كالجواري والخدم، واستمر معظم الناس طول الليل خارجين من مصر، البعض بحريمه والبعض ينجو بنفسه ولا يسأل أحد عن أحد، بل كل واحد مشغول بنفسه عن أبيه وابنه، فخرج تلك الليلة معظم أهل مصر، البعض لبلاد الصعيد والبعض لجهة الشرق وهم الأكثر، وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه لا يقدر على الحركة ممتثلا للقضاء متوقعا للمكروه، وذلك لعدم قدرته وقلة ذات يده وما ينفقه على حمل عياله وأطفاله ويصرفه عليهم في الغربة، فاستسلم للمقدور ولله عاقبة الأمور، والذي أزعج قلوب الناس بالأكثر أن في عشاء تلك الليلة شاع في الناس أن الافرنج عدوا إلى بولاق وأحرقوها، وكذلك الجيزة، وأن أولهم وصل إلى باب الحديد يحرقون ويقتلون ويفجرون بالنساء، وكان السبب في هذه الإشاعة أن بعض عسكر مراد بيك الذين كانوا في الغليون لمرسى أنبابة لما تحقق الكسرة أضرم النار في الغليون الذي هو فيه، وكذلك مراد بيك لما رحل من الجيزة أمر بانجرار الغليون الكبير من قبالة قصره ليصحبه معه إلى الجهة القبلية، فمشوا به قليلا فوقف في الطين لقلة الماء وكان به عدة وافرة من آلات الحرب والجيخانه فأمر بحرقه أيضا، فلما صعد لهيب النار من جهة الجيزة وبولاق ظنوا بل أيقنوا أنهم أحرقوا البلدين، فماجوا واضطربوا زيادة عما هم فيه من الفزع والروع والجزع، وخرج أعيان الناس وأفندية الوجاقات وأكابرهم ونقيب الأشراف وبعض المشايخ القادرين، فلما عاين العامة والرعية ذلك اشتد ضجرهم وخوفهم وتحركت عزائمهم للهرب واللحاق بهم، والحال أن الجميع لا يدرون أي جهة يسلكون وأي طريق يذهبون وأي محل يستقرون، فتلاحقوا وتسابقوا وخرجوا من كل حدب ينسلون، وبيع الحمار الأعرج والبغل الضعيف بأضعاف ثمنه، وخرج أكثرهم ماشيا أو حاملا متاعه على رأسه وزوجته حاملة طفلها، ومن قدر على مركوب أركب زوجته أو ابنته ومشى هو على أقدامه، وخرج غالب النساء ماشيات حاسرات وأطفالهن على أكتافهن يبكين في ظلمة الليل، واستمروا على ذلك بطول ليلة الأحد وصبحها، وأخذ كل إنسان ما قدر على حمله من مال ومتاع، فلما خرجوا من باب البلد وتوسطوا الفلاة تلقتهم العربان والفلاحون، فأخذوا متاعهم ولباسهم وأحمالهم بحيث لم يتكروا لمن صادفوه ما يستر به عورته أو يسد جوعته، فكان ما أخذته العرب شيئا كثيرا يفوق الحصر بحيث أن الأموال والذخائر التي خرجت من مصر في تلك الليلة أضعاف ما بقي فيها بلا شك، لأن معظم الأموال عند الأمراء والأعيان وحريمهم، وقد أخذوه صحبتهم، وغالب مساتير الناس وأهل المقدرة أخرجوا أيضا ما عندهم، والذي

(1/55)


أقعده العجز وكان عنده ما يعجز عليه حمله من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين، فذهب ذلك جميعه، وربما قتلوا من قدروا على قتله أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والأعيان، فمنهم من رجع عن قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين، ومنهم من جاز متكلا على كثرته وعزوته وخفارته فسلم أو عطب، وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين، قال الشاهد فما راء كمن سمع.أقعده العجز وكان عنده ما يعجز عليه حمله من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين، فذهب ذلك جميعه، وربما قتلوا من قدروا على قتله أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والأعيان، فمنهم من رجع عن قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين، ومنهم من جاز متكلا على كثرته وعزوته وخفارته فسلم أو عطب، وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين، قال الشاهد فما راء كمن سمع.

(1/56)


ولما أصبح يوم الأحد المذكور والمقيمون لا يدرون ما يفعل بهم ومتوقعون حلول الفرنسيس ووقوع المكروه، ورجع الكثير من الفارين وهم في أسوأ حال من العري والفزع، فتبين أن الإفرنج لم يعدوا إلى البر الشرقي وإن الحريق كان في المواكب المتقدم ذكرها، فاجتمع في الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا فاتفق رأيهم على أن يرسلوا مراسلة إلى الإفرنج وينتظروا ما يكون من جوابهم، ففعلوا ذلك، وأرسلوا صحبة شخص مغربي لا يعرف لغتهم وآخر صحبته، فغابا وعادا وأخبرا أنهما قابلا كبير القوم وأعطياه الرسالة فقرأها عليه ترجمانه ومضمونها الاستفهام عن قصدهم، فقال على لسان الترجمان: وأين عظاؤكم ومشايخكم لم تأخروا عن الحضور لدينا لنرتب لهم ما يكون فيه الراحة؟ وطمنهم وبش في وجوههم. فقالا: نريد أمانا منكم، فقال: قد أرسلنا لكم سابقا، يعنون الكتاب المذكور فيما تقدم، فقالا: وأيضا نريد أمانا لأجل اطمئنان الناس، فكتبوا لهم ورقة أخرى مضمونها أننا أرسلنا لكم في السابق كتابا فيه الكفاية، وذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا بقصد إزالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار، وأخذ مال التجار ومال السلطان، ولما حضرنا إلى البر الغربي خرجوا إلينا فقابلناهم بما يستحقونه، وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم ونحن في طلبهم حتى لم يبق منهم أحد بالقطر المصري، وأما العلماء والمشايخ وأصحاب المرتبات والرعية فيكونون مطمئنين وفي مساكنهم مرتاحين ونحو ذلك من الكلام، ثم قال لهم لابد أن المشايخ والشربجية يأتون إلينا لنرتب لهم ديوانا ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور. ولما رجع الجواب بذلك اطمأن الناس، وركب الشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي وآخرون إلى الجيزة، فتلقاهم وضحك لهم، وقال أنتم المشايخ الكبار، فأعلموه أن المشايخ الكبار خافوا وهربوا، فقال لأي شيء يهربون اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديوانا لأجل راحتكم وراحة الرعية وإجراء الشريعة فكتبوا لهم عدة مكاتيب بالحضور والأمان، ثم انفصلوا من معسكرهم بعد العشاء وحضروا إلى مصر، واطمأن برجوعهم الناس، وكانوا في وجل وخوف على غيابهم، وأصبحوا فأرسلوا الأمان إلى المشايخ، فحضر شيخ السادات والشيخ الشرقاوي والمشايخ ومن انضم إليهم من الناس الفارين من ناحية المطرية، وأما عمر أفندي نقيب الأشراف فإنه لم يطمئن ولم يحضر، وكذلك الروزنامجي والأفندية. وفي ذلك اليوم اجتمعت الجعيدية وأوباش الناس ونهبوا بيت إبراهيم بيك ومراد بيك وحرقوهما، ونهبوا أيضا عدة بيوت من بيوت الأمراء وأخذوا ما فيها من فرش ونحاس وأمتعة وغير ذلك وباعوه بأبخس الأثمان. وفي يوم الثلاثاء دخلت الفرنساوية إلى مصر وسكن بونابارتة بيت محمد بيك الألفي بالأزبكية الذي أنشأه الأمير المذكور في السنة الماضية، وزخرفه وصرف عليه أموالا عظيمة وفرشه بالفرش الفاخرة، وعند تمامه وسكناه حصلت هذه الحادثة، فما دخلوه بل تركوه بما فيه فكأنه إنما كان يبنيه لأمير الفرنسيس، وكذلك حصل في بيت حسن كاشف بالناصرية. ولما دخل كبيرهم وسكن بالأزبكية كما ذكر استمر غالبهم بالبر الآخر ولم يدخل المدينة إلا القليل منهم، ومشوا في الأسواق من غير سلاح ولا تعد، بل صاروا أيضا يحاكون الناس ويشترون ما يحتاجون إليه بأغلى ثمن، فيأخذ أحدهم الدجاجة ويعطي صاحبها في ثمنها ريالا فرانسي، ويأخذ البيضة بنصف فضة قياسا على أسعار بلادهم وأثمان بضائعهم فلما رأى منهم العامة ذلك أنسوا بهم واطمأنوا لهم، وخرجوا إليهم بالكعك وأنواع الفطير والخبز والبيض والدجاج وأنواع المأكولات، وغير ذلك مثل السكر والصابون والدخان واللبن، وصاروا يبيعون إليهم بما أحبوا من الأسعار، وفتح غالب السوقة الحوانيت والقهاوي، واطمأن الناس لذلك وهدأت الخواطر وطابت الأفكار، وغلب الأمان على الخوف وراج أمر البيع والشراء. وفي يوم الخميس ثالث عشر شهر صفر أرسلوا يطلبون المشايخ والوجاقلية عند قائم مقام سر عسكر، فلما حضروا تشاور معهم في تعيين عشرة أنفار من المشايخ للديوان وفصل الحكومات، فوقع الاتفاق على الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي والشيخ محمد المهدي والشيخ موسى السرسي والشيخ مصطفى الدمنهوري والشيخ أحمد العريشي والشيخ يوسف الشبرخيتي والشيخ

(1/57)


محمد الدواخلي، وحضر ذلك المجلس أيضا مصطفى كتخدا والقاضي، وقلدوا محمد آغا السلماني اغاة مستحفظات، وعلي آغا الشعراوي والي الشرط وحسن آغا أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك، فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا بيك كتخدا بونابارته، وسأل أربا الديوان المذكورين عما وقع من النهب للبيوت، فقالوا هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه، وإنما ذلك وظيفة الحكام، ثم أمروا بالنداء بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، فلم يسمعوا ولم ينتهوا واستمر غالب الأسواق والدكاكين معطلة، والناس غير مطمئنين. وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة التي للأمراء ودخلوها، وأخذوا منها أشياء وخرجوا منها وتركوها مفتوحة، فعندما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية يستأصلون ما فيها، ثم إن معسكرهم صارت تدخل المدينة شيئا فشيئا حتى امتلأت منها الطرقات، وسكنوا في البيوت ولم يشوشوا على الناس، ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وبعد أيام طلبوا سلفة خمسماية ألف ريال من التجار، فأخذوا في تحصيلها بعد مراجعتهم في تخفيفها فلم يفعلوا ونادوا بالأمان لنساء الأمراء، وأمروا كل من عندها شيء من متاع زوجها تأتي به، وصالحت زوجة مراد بيك عن نفسها وأتباعها من نساء الأمراء بماية وعشرين ألف ريال، واستخرجوا من الخبايا شيئا كثيرا، ثم طلبوا من أهل الحرف والأسواق مبلغا من المال يعجزون عنه، فاستغاثوا بالمشايخ فتشفعوا عندهم فلطفوها لهم. ولما جاء وقت مولد النبي صلى الله عليه وسلم أمروا بصنعه على المعتاد وأعطوا من عندهم إعانة على ذلك ثلاثمائة ريال، وصنعوا شنكا ليلة المولد، وجاءت مراكب الإنكليز وحاربت مراكب الفرنسيس، وأحرقوا لهم مركبا كبيرا، واستمر أياما ثم ذهبوا، وأما إبراهيم بك ومراد بيك فذهبوا إلى غزة ثم رجعوا إلى جهة الفيوم. وفي شهر ربيع الثاني طلبوا من الناس حجج أملاكهم وقيدوها عندهم، ووضعوا عليها قدرا معلوما من الدراهم، وأمروا المشايخ أن يكتبوا للسلطان كتابا مضمونه الثناء عليهم وحسن سيرتهم، وأنهم من المحبين للسلطان، وأنهم محترمون للقرآن والإسلام ففعلوا، وفي عاشر جمادى الأولى جمعوا الناس وقرروا على الأملاك أموالا زيادة عما كان قبل ذلك، وهاج عامة الناس ونادوا بالجهاد، ووقع قتال قتل فيه خلق كثير، ثم صار النداء بالأمان، ثم تتبعوا كثيرا ممن كان قائما في تلك الفتنة فقتلوه. وأما كيفية مجالسهم وبقية الترتيب في نظامات دولتهم فهو طويل لا حاجة لذكره، وكذا ما كان يجري من الحوادث. ولما جاءت أخبار دخول الفرنسيس مصر إلى الحجاز قام شيخ عالم مغربي بمكة يقال له محمد الجيلاني واستنفر الناس للجهاد، فاجتمع معه خلق كثير ووصلوا إلى الصعيد وقاتلوا من وجدوه من الفرنسيس، ولم يقدروا على استخلاص الأقطار المصرية منهم، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم ورجع القليل منهم.د الدواخلي، وحضر ذلك المجلس أيضا مصطفى كتخدا والقاضي، وقلدوا محمد آغا السلماني اغاة مستحفظات، وعلي آغا الشعراوي والي الشرط وحسن آغا أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك، فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا بيك كتخدا بونابارته، وسأل أربا الديوان المذكورين عما وقع من النهب للبيوت، فقالوا هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه، وإنما ذلك وظيفة الحكام، ثم أمروا بالنداء بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، فلم يسمعوا ولم ينتهوا واستمر غالب الأسواق والدكاكين معطلة، والناس غير مطمئنين. وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة التي للأمراء ودخلوها، وأخذوا منها أشياء وخرجوا منها وتركوها مفتوحة، فعندما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية يستأصلون ما فيها، ثم إن معسكرهم صارت تدخل المدينة شيئا فشيئا حتى امتلأت منها الطرقات، وسكنوا في البيوت ولم يشوشوا على الناس، ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وبعد أيام طلبوا سلفة خمسماية ألف ريال من التجار، فأخذوا في تحصيلها بعد مراجعتهم في تخفيفها فلم يفعلوا ونادوا بالأمان لنساء الأمراء، وأمروا كل من عندها شيء من متاع زوجها تأتي به، وصالحت زوجة مراد بيك عن نفسها وأتباعها من نساء الأمراء بماية وعشرين ألف ريال، واستخرجوا من الخبايا شيئا كثيرا، ثم طلبوا من أهل الحرف والأسواق مبلغا من المال يعجزون عنه، فاستغاثوا بالمشايخ فتشفعوا عندهم فلطفوها لهم. ولما جاء وقت مولد النبي صلى الله عليه وسلم أمروا بصنعه على المعتاد وأعطوا من عندهم إعانة على ذلك ثلاثمائة ريال، وصنعوا شنكا ليلة المولد، وجاءت مراكب الإنكليز وحاربت مراكب الفرنسيس، وأحرقوا لهم مركبا كبيرا، واستمر أياما ثم ذهبوا، وأما إبراهيم بك ومراد بيك فذهبوا إلى غزة ثم رجعوا إلى جهة الفيوم. وفي شهر ربيع الثاني طلبوا من الناس حجج أملاكهم وقيدوها عندهم، ووضعوا عليها قدرا معلوما من الدراهم، وأمروا المشايخ أن يكتبوا للسلطان كتابا مضمونه الثناء عليهم وحسن سيرتهم، وأنهم من المحبين للسلطان، وأنهم محترمون للقرآن والإسلام ففعلوا، وفي عاشر جمادى الأولى جمعوا الناس وقرروا على الأملاك أموالا زيادة عما كان قبل ذلك، وهاج عامة الناس ونادوا بالجهاد، ووقع قتال قتل فيه خلق كثير، ثم صار النداء بالأمان، ثم تتبعوا كثيرا ممن كان قائما في تلك الفتنة فقتلوه. وأما كيفية مجالسهم وبقية الترتيب في نظامات دولتهم فهو طويل لا حاجة لذكره، وكذا ما كان يجري من الحوادث. ولما جاءت أخبار دخول الفرنسيس مصر إلى الحجاز قام شيخ عالم مغربي بمكة يقال له محمد الجيلاني واستنفر الناس للجهاد، فاجتمع معه خلق كثير ووصلوا إلى الصعيد وقاتلوا من وجدوه من الفرنسيس، ولم يقدروا على استخلاص الأقطار المصرية منهم، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم ورجع القليل منهم.

(1/58)


ثم جهز الفرنسيس جيشا لمحاربة أحمد باشا الجزار في عكا، فملكوا كثيرا من قرى الشام وحاصروا أحمد باشا في عكا ثم عجزوا عن أخذها، فارتحلوا عنها. وأجروا ما يعتاده أهل مصر من مولد السيد أحمد البدوي وغيره على حسب المعتاد، وكذا إخراج المحمل والحج، وحصل بينهم وبين أهل الأرياف محاربات كثية حتى ملكوهم كلهم، وصاروا يتبعون الأمراء من المماليك ويقتلون من ظفروا به، وحضرت مراكب إلى السويس فيها أموال وبضائع للشريف غالب، فمسحوا عن عشورها وحصل بينه وبينهم مكاتبات ومهاداة بهدايا عندهم، ووضعوا الشيخ العريشي قاضيا للمسلمين يحكم بالشرع، وتوجه بانوبارته إلى بلاد الفرنسيس سنة أربع عشرة وجعل ساري عسكرهم نائبا عنه بمصر، ثم ترقى بونابارته حتى صار ملكا على كافة الفرنسيس. وفي شهر رجب من سنة أربع عشرة جاء جيش من السلطان سليم يقوده يوسف باشا ومعه نصوح باشا جعلوه واليا على مصر، وهو الذي يقال له أيضا ناصف باشا، وسار من جهة الشام حتى وصلوا إلى العريش، فاستعد الفرنسيس لقتالهم وخرج بجنوده إلى الصالحية، ثم توسط الإنكليز بالصلح على شروط كثيرة، منها أن الفرنسيس يتنحى عن الديار المصرية بعد ثلاثة أشهر، ففي تلك المدة صار الناس يحتقرونهم يسخرون بهم، ويقول بعضهم لبعض سنة مباركة ويوم سعيد بذهاب الكلاب الكفرة، كل ذلك بمشاهدة الفرنسيس وهم يحقدون ذلك عليهم، وكشف همج الناس نقاب الحياء معهم بالكلية، وتطاولوا عليهم بالسب واللعن والسخرية ولم يفكروا في عواقب الأمور، حتى إن فقهاء الأطفال كانوا يجمعون الأطفال ويمشون فرقا وطوائف وهم يجهرون ويقولون كلاما مقفى بأعلى أصواتهم يلعن النصارى وأعوانهم وأفراد رؤسائهم، كقولهم ينصر الله السلطان ويهلك فرط الرمان. ولم يملكوا لأنفسهم صبرا، حتى تنقضي الأيام المشروطة، على أن ذلك لم يثمر إلا الحقد والعداوة التي تأسست في قلوب الفرنسيس، وأخذ الفرنساوية في أهبة الرحيل، وشرعوا في بيع أمتعتهم وما فضل من سلاحهم ودوابهم، وسلموا غالب الثغور والقلاع كالصالحية وبلبيس ودمياط والسويس. ثم إن العثمانيين تدرجوا في دخول مصر وصار كل يوم يدخل منهم جماعة بعد جماعة، ووصل الوزير يوسف باشا إلى بلبيس والتقى بالأمراء المصريين وأخلى الفرنساوية قلعة الجبل وباقي القلاع التي أحدثوها ونزلوا منها، فلم يطلع إليها أحد من العثمانيين، وطلع كثير من العلماء والتجار للسلام على الوزير في مدينة بلبيس في رمضان، فقابلوه وقابلوا والي مصر نصوح باشا وخلع عليهم خلعا وانصرفوا.
ثم في شهر شوال وقعت حادثة كانت سببا للنقض، وذلك أن جماعة من عسكر العثمانيين تشاجروا مع جماعة من عسكر الفرنسيس فقتل بينهم شخص فرنساوي، فثار من ذلك فتنة، ثم قتلوا ستة أنفار كانوا سبب الفتنة فسكنت، لكن لم تطب نفوس الفرنسيس، ثم إن الفرنساوية طلبوا ثمانية أيام مهلة زيادة على المهلة السابقة لما قرب تمامها، فأعطوهم الثمانية أيام ونصبوا وجاق عسكرهم وخيامهم بساحل البحر متصلا بأطراف مصر ممتدا إلى شبرا وترددوا إلى القلاع وهي لم يكن بها أحد، وشرعوا باجتهاد في رد الجبخانة والذخيرة وآلات الحرب والبارود والقلل والمدافع، واجتهدوا في ذلك ليلا ونهارا والناس يتعجبون من ذلك، وأشيع أن الوزير اتفق مع الانكليز على الإحاطة بالفرنساوية إذا صاروا بظاهر البحر، وكان الفرنساوية عندما تراسلوا وترددوا إلى جهة العرضي تفرسوا في عرضي العثمانيين وعسكرهم وأوضاعهم، وتحققوا حالهم فعلموا ضعفهم عن مقاومتهم، فلما حصل ما ذكر تأهبوا للمقاومة ونقض الصلح والمحاربة، وردوا آلاتهم إلى القلاع، فلما تمموا أمر ذلك وحصنوا الجهات وأبقوا من أبقوه بها من عساكرهم، خرجوا بأجمعهم إلى ظاهر المدينة جهة قبة النصر، وانتشروا في النواحي ولم يبق في المدينة إلا من كان داخل القلاع.

(1/59)


فلما كان اليوم الثالث والعشرون من شوال ركب السر عسكر الفرنساوي بعدده وعدده صباحا ومال على العساكر المصرية من كل جانب فشتت شملهم وفرق جمعهم، ولم تزل العساكر المصرية فارة من عدوها حتى دخلت مصر، مع وقت العصر، ولما دخل نصوح باشا صار يقول للعامة اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم فعج الناس وهاجوا، وخرجوا من عقولهم وماجوا، ومروا مسرعين يقتلون من يصادفونه من نصارى القبط والشام وساروا إلى حارات النصارى يقتلون وينهبون ويأسرون فتحزبت النصارى ولا يزالون يتقاتلون إلى آخر النهار، وبات الناس في هذه الليلة خلف المتاريس، فلما أظلم الليل أطلق الفرنساوية المدافع والكرات على البلد من القلاع، ووقع الناس في هذه الليلة من الكرب والمشقة والخوف ما لا يوصف، وأحاط الفرنساويون بالبلد إحاطة السوار بالمعصم، وأكثروا من الرمي بالمدافع على البيوت من القلاع، وعدمت الأقوات، وانسدت عن الجلب الطرقات، وهلكت البهائم، وليس للناس من مجير ولا راحم، ثم هجموا في ليلة شاتية على البلد من كل ناحية، فقتلوا الرجال، وسبوا الحريم ونهبوا الأموال، وأحرقوا البلاد، وأذاقوا الناس كؤوس الإهانة فوق المراد، ووضعوا أيديهم على البيوت والحوانيت وسائر الأموال، وملكوا النساء والصبيان والرجال.
وفي أوائل ذي الحجة سنة خمس عشرة ومائتين وألف خرج العثمانيون من مصر، واستولى الفرنساويون على سائر آلاتهم ومدافعهم وعددهم وتم لهم أمر الاستيلاء على مصر، وأمنوا الناس، ثم إنه قرر على أهل مصر يدفعون عاجلا تأديبا لهم زيادة على ما وقع منه عشرة آلاف ألف ألف فرنك، وسافر السر عكسر وأقام مكانه يعقوب القبطي يفعل بالمسلمين ما يشاء، ودارت العساكر للتحصيل، فباعت الناس أمتعتها الجليل منها والقليل، إلى أن انفقد المشتري ولو بأبخس الثمان، وذل في ذلك الوقت كل عزيز وهان، ولم يزل ذلك الظلم يتفاقم ويزكو ويتعاظم، والناس يتمنون المنية، في كل بكرة وعشية، إلى آخر شوال سنة خمس عشرة ومائتين وألف برز الأمر من مولانا السلطان سليم بالتجهيز إلى مصر برا وبحرا، فعساكر البر بمعية يوسف باشا وعساكر البحر بمعية الإنكليز، وفي أوائل ذي القعدة وردت مراكب الإنكليز إلى ثغر الإسكندرية، وجاءت الأخبار إلى الفرنساويين بأن يوسف باشا وعساكره وصلوا إلى العريش، ثم وقع الحرب بين الإنكليز والفرنساوي برا في الإسكندرية، وكانت الهزيمة على الفرنساويين، وقتل منهم كثير، ثم وقع قتال آخر بينهما فقتل من الفرنسيس خمسة عشر الفا. وفي هذه السنة وقع في مصر طاعون مات فيه خلق كثير، وفي خامس المحرم عام ستة عشر ومائتين وألف تحصن الفرنساويون وأكثروا من نقل الماء والدقيق والأقوات إلى القلعة بمصر، وكذلك البارود والكبريت والقلل والقنابر وغير ذلك، ووضعوا المتاريس خارج البلد وحفروا الخنادق، وشاعت الأخبار بأن العثمانيين والإنكليز تقدموا وتملكوا رشيد ودمياط.
وفي ثالث صفر وقع الحرب بين العثمانيين والفرنساويين وكان النصر للعثمانيين، ثم انعقد الصلح على خروج الفرنسيس من مصر، وتسليمها للدولة العثمانية، فخرجوا في أواخر صفر، ودخل الوزير يوسف باشا مصر في التاسع والعشرين من شهر صفر بموكب حافل، وكانت مدة تملك الفرنساويين مصر ثلاث سنين وشهرا. وهذا مجمل ذلك ولو فصلناه لطال المسير على السالك.
الشيخ أبو بكر بن عمر بن عبد الواحد الحلبي الشافعي الفقيه المقرىء
أحد القراء والمشايخ بحلب ولد بها سنة أربع وخمسين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه على حيدر بن محمد المقري، وأخذ القراءات عن المتقن الكبير أبي محمد عمر بن شاهين، ومحمد بن مصطفى البصري الحلبي، وأتقن الحفظ والتجويد والترتيل ورغب فيه الناس، وقرأ الفقه على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري الشافعي الحلبي، ومصلح الدين مصطفى بن إبراهيم الحموي العلواني لما قدم حلب، وما زال معتنى به مقصودا للتلقي عنه والأخذ منه، إلى أن توفي سنة ألف ومايتين وبضع عشرة رحمه الله تعالى.
الشيخ الملا أبو بكر البغدادي إمام حضرة شيخ الحضرة مولانا خالد قدس سره

(1/60)


العالم العامل، صاحب الآثار والشمائل، والمعارف والفضائل، والبراهين والدلائل، إمام حضرة العمدة الأستاذ، والصفو الملاذ، مولانا المجد التالد، سيدنا الشيخ خالد، قدس الله سره فإنه إمامه في الحضر والسفر، مع تجرده عن العوائق القاطعة الموقعة له في الخطر، المتحلي بمحاسن الأفعال، وجميل الأحوال، المتخلي عن كل ما يطعن في المقام، وينافي الاحترام، الفقيه العابد، والورع الزاهد، السياح في قفار التوحيد والتجريد، حافظ كلام الله تعالى المجيد، الصادح في المحراب بالسبع المثاني والكارع من كؤوس العرفان زلال الأماني، إذا سمعته حينما يجود القرآن في إقباله على المعبود، قلت هذا ملك أعطي مزمارا من مزامير آل داود، صاحب المقام الصفي الأنيس، ذو التسبيح والتقديس، قد لازم حضرة مرشد الزمان مولانا خالد واستجلب رضاه وفاز بأنظاره الإكسيرية وكان خليفة عنه في إعطاء الطريق، وإرشاد الناس إلى العهد الوثيق، ولم ينفك عنه إلى أن توفي في دمشق الشام، ودفن في جنب حضرة مولانا خالد في جبل قاسيون من جهة حارة الأكراد مع الشيخ إسماعيل والشيخ عبد الله الهراتي وصي الشيخ وكانت وفاة المترجم المرقوم سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين رحمه الله تعالى.
السيد الكامل أبو بكر الصيادي الزيتاوي
بن السيد محمد بن السيد سليمان بن السيد محمد بن السيد علي بن السيد محمد بن السيد خير الله الثقاني بن السيد محمد بن السيد خير الله بن السيد أبي بكر بن السيد محمد بن السيد أبي بكر بن السيد محمد بن السيد أبي بكر بن السيد عبد السميع بن السيد المطيع بن السيد شريف بن السيد عبد السميع بن السيد شمس الدين أحمد الأصغر بن السيد القطب صدر الدين علي بن الغوث الأكبر السيد عز الدين أحمد الصياد سبط النفس النفيسة الرفاعية رضي الله عنهم.
قال صاحب تنوير الأبصار في طبقات السادة الرفاعية الأخيار: كان كآبائه بكفرزيتا، وكان من أهل العلم والكمال، وتزوج وأعقب السيد حسين، والسيد حسين أعقب السيد محمد الزيتاوي نزيل حماه الشيخ العابد الصالح الورع والمترجم، وذريته كلهم بحمد الله ذوو تقوى وعبادة، وصلاح وزهادة، توفي المترجم في حدود الأربعين ومايتين وألف.
السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله بن عيدروس بن علي بن محمد بن شهاب الدين العلوي الحسيني الحضرموتي
إمام فاضل، وزاهد عابد عالم عامل، من بيت علت أركانه، وسما قدره وشأنه، ولد بحضرموت، ونشأ ببيت السيادة والأدب، وتربى بربوع الرفعة على مهاد الرتب، وقرأ العلم على أفاضل بلاده، وطاف الأقطار إلى أن قدم الحجاز، واجتمع بالأفاضل ذوي القدر والامتياز، وذهب إلى الهند واجتمع بعلمائها وأذعن له أفراد فضلائها، ثم ذهب إلى دار السعادة اسلانبول المحمية، وكان قدومه إليها سنة اثنتين وثلاثمائة وألف هجرية، فاجتمع بساداتها الأفاضل، وتحلى بها مما رامه من أنواع الفضائل، ثم رحل إلى مصر، ومنها إلى حضرموت؛ ولبيته في تلك الناحية شهرة جليلة، وله تآليف مفيدة، منها كتاب رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي، وله شعر عذب رشيق، يتنوع برياض أساليبه كل معنى أنيق، وكانت ولادته في حدود الخمسين والمائتين والألف تقريبا، أحياه الله الحياة الطيبة، وأحسن إليه بكل طاعة من جنابه الشريف مقربة، ومن نظمه مشطرا قصيدة الأستاذ ابن بنت الميلق الشاذلي مادحا حضرة الغوث الرفاعي قدس سره، وهي قصيدة صوفية طويلة جدا، أولها:
من ذاق طعم شراب القوم يدريه ... ولم يروق رحيقا غير صافيه
ومنها:
إن المريد مراد والمحب هو ... المبدو بالحب من ذي العرش هاديه
فهو المراد المهنى في الحقيقة والمحبوب ... فاستمل هذا من أماليه
إن كان يرضاك عبدا أنت تعبده ... ملاحظا نفي تمثيل وتشبيه
وإن أقامك في حال فقف أدبا ... وإن دعاك مع التمكين تأتيه
فيفتح الباب إكراما على عجل ... باب المواهب بشرى من يوافيه
تضحي وتمسي عزيزا في ضيافته ... ويرفع الحجب كشفا عن تنائيه
وثم تعرف ما قد كنت تجهله ... ويصطفيك لأمر لا ترجيه

(1/61)


يوليك ما ليس يدري الفهم غايته ... ويعجز الحصر قد جلت معانيه
وترتوي من شراب الأنس صافية ... في مقعد الصدق والمحبوب ساقيه
من ذاقها لم يخف من بعدها ضررا ... يا سعد من بات مملوا بصافيه
وصل يا رب ما غنت مطوقة ... يسلو الخلي بها والصب تشجيه
وما تمايلت الأغصان من طرب ... على النبي صلاة منك ترضيه
والآل والصحب والأتباع ما تليت ... من ذاق طعم شراب القوم يدريه
وله قصائد كثيرة وموشحات شهيرة أطال الله بقاءه وأعلى مرتقاه
السيد أبو الخير الخطيب بن المرحوم الشيخ عبد القادربن الشيخ صالح بن عبد الرحيم
فاضل لم يطلق في غير الفضائل لسانه، ولم يتخذ غير مأثور الشمائل عنوانه، حاز معالي الآداب بحسن الهمة، وترقى على درج الكمال إلى أن لحق العلماء الأئمة، وهو الثاني من أكبر إخوته، والمنتخب من بينهم من حين نشأته، وأنهم أربعة وكل منهم قد نشأ على العلم والكمال، والتحلي بالمعارف والتخلي من الأوحال، غير أن المترجم قد تقلد بأعلى الفرائد، وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد، تخرج على يديه الكثير من ذوي الطلب، ونالوا من بيانه بديع المرام والأرب، مع ورع وزهادة، وتقوى وعبادة، نشأ في حجر والده وعليه تكمل، وبه قد حاز على ما رجا وأمل، وكان مواظبا على تدريس العلوم، للخاص والعام، في جامع بني أمية في دمشق الشام، وكان يقرأ بعض دروسه في مدرسته أمام سوق الحرير، وكان هو الساعي بعمارتها وإرجاعها من المملوكية إلى التحرير، وكان له نوبة خطابة في جامع بني أمية المومى إليه، وهو قد سعى بها لنفسه إلى أن وجهت عليه، وكان محبوبا بين الناس، لم تسمع يوما من يذكره بباس، توفي مساء الخميس ثالث ربيع الأول سنة ثمان وثلاثمائة وألف من هجرة النبي الأمين وقد ناهز من العمر نيفا وستين، ودفن بجبانة الدحداح شمالي دمشق ختم الله لنا وله بخاتمة أهل السنة، وحشره في زمرة سيد المرسلين واسكنه الفردوس في الجنة.
أحمد باشا الجزار البشناقي والي عكا

(1/62)


ولد في بوسنة سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، ولما بلغ من العمر ست عشرة سنة، خان أخاه بامرأته، فما أقبحه وما ألعنه، وذلك لما كان مطبوعا عليه من فساد الطبيعة، ومخالفة الملة والشريعة، فاضطره الأمر إلى الهرب من بلاده إلى القسطنطينية، فقضى بها مدة بالذل والشقاء والفاقة القوية، فأوجبت عليه ضرورة الهوان والتنكيد، إلى أن باع نفسه لأحد تجار العبيد، فآل به الأمر إلى أن بيع بمصر، فدخل في سلك المماليك المصرية، وجعل الزمان يساعده على المرام والأمنية، فارتقى من منصب إلى أعلى، حتى صار والي البحرية في مصر السفلى، وتولى قيادة جيش محاربة العرب الخارجين على الدولة، فظفر بهم وغدر برؤسائهم وصال عليهم أي صولة، ومن ثم لقب بالجزار، عليه ما يستحقه من المنتقم الجبار، وكان قاتله الله مجبولا على الفظاظة، والقسوة والغلاظة، قليل الرحمة عديم الإسلام، مطبوعا على الفسوق والآثام، قد اتخذ هواه من دون الله هاديا ونصيرا، واستكبر في نفسه وعتا عتوا كبيرا، وكان سفاكا للدماء، لا يتقيد بشرع بل كان يفعل ما يشاء، فأكرمه على قتل العرب حضرة علي بيك حاكم مصر، ولقبه بلقب بيك جزاء ذلك النصر، غير أنه بعد ذلك ساءت سيرته فركن إلى الفرار، ومكث في قسطنطينية أياما ثم هرب إلى سورية بقصد الاستتار، فدخل دير القمر ملتجئا إلى الأمير يوسف الشهابي الوالي حينئذ على جبل لبنان، سنة خمس وثمانين ومائة وألف من هجرة سيد ولد عدنان، فرحب به الأمير وأكرمه، وأبقاه عنده واحترمه، ثم بعد أيام أرسله إلى بيروت، وعامله معاملة الأكارم من ذوي البيوت، ورتب له شيئا من الرسومات وافيا بالمرام، فأقام اياما ثم سار إلى دمشق وخدم عند عثمان باشا والي الشام، وفي سنة سبع وثمانين ومائة وألف جعله الأمير يوسف متسلما من قبله على بيروت وجعل معه طائفة من المغاربة، ثم إنها لم تطل المدة حتى خان ورام أن يبلغ مآربه، فصمم على مبارزة الأمير وشرع في ترميم الأسوار، وجعل يهيىء الميرة وآلات الحرب للحصار، ويمنع أهل البلاد من الدخول إلى المدينة، ولا يدع شيئا يخرج منها بهمة مكينة، ثم لما دخل بيروت ثانية وفعل ما فعل، استغاث الأمير يوسف بحسن باشا وأخبره بما حصل، وكان قد سافر إلى قبرص قاصدا القسطنطينية، فعاد حسن باشا من قبرص بهمة قوية، وأخرج الجزار من بيروت، وهو مقهور ممقوت، ووعد الأمير أنه سيعزله وعاد إلى القسطنطينية، وسار الجزار بعسكره برا إلى صيدا وعساكره ستمائة من الشجعان اللاوندية، فأرسل الأمير النكدية يكمنون لهم في الطريق، ولما التقى العسكران قتل أصحاب الجزار أكثر النكدية وضيقوا عليهم أشد التضييق، وقبض على بعض أعيانهم، وجعل الموت نصب عيانهم، فجعل الأمير يعتذر للجزار، ويستشفع في إطلاق جماعته على مائة ألف قرش وتخليصهم من الدمار، ولما طلب الأمير المال من الجبل أبي الأمراء الدفع، فطلب الأمير من قائد عسكر الجزار أن يتلف أشجار بيروت وأن يستأصلها بالقطع، ففعل وقتل جماعة من رجالهم معتصما بحبل الظلم والعدوان، ثم دهم الشويفات فرجع عنها بالخزي والخسران، ثم سار إلى صيدا ثم إلى بعلبك وعظم أمره في تلك الأقطار، وحيئذ خرجت بيروت من يد الأمير يوسف ودخلت في حكومة الجزار، فأمر الجزار قائده أن يضبط ما للأمير واللبنانيين في البقاع، عوضا عما أتلفه من الرجال والأشجار والمتاع، فلما بلغ الأمير ذلك اصطلح مع أمراء الجبل وجمع عسكرا لمقاتلة الجزار المذكور، فانهزم في عدة مواقع وهو مكسور، ثم بعد ذلك وقع الصلح بين الأمير يوسف والجزار، فصار يساعده ويواده وهو عنده بمنزلة المستشار، ثم إن الجزار بعد أن أنعم عليه الأمير ظاهر العمر وقلده قيادة جيشه وعدده ومدده، جحد معروفه وخانه وقتله بيده، وحيث كان ظاهر العمر عدوا للدولة أنعمت على الجزار مكافأة على ذلك بولاية عكا وصيدا معا، فبقي عليهما إلى حين أن أوقعته المنية في أودية المهالك، ثم بعد تلقيب السلطان له بالوزارة ولاه على دمشق زيادة على توليته، وذلك عام ألف ومائتين وثمانية عشر فزاد في الطغيان على عادته، من قتل الأنفس وسلب الأموال، حتى قتل من أعيان دمشق خلقا كثيرا من ذوي الكمال، من أجلهم وأفضلهم السيد عبد الرحمن أفندي المرادي مفتي الحنفية وأسعد أفندي المحاسني مفتي الحنفية أيضان واصطنع للناس أنواع العذاب بآلات

(1/63)


اخترعها له طائفة من الأكراد، وأعانوه على ظلمه للعباد، حتى أكثروا في البلاد الفساد، وأقروه على دعواه أنه مجدد الوقت، بل باء هو وإياهم بالطرد والمقت، وكان رئيسهم رجلا يدعي التصوف، ويقول إن الشيخ الأكبر في فتوحاته المكية أخبر عنه، وادعوا أن قتل الأنفس وسلب الأموال، وجميع ما يفعله ليس حراما عليه بل حلال، هكذا شاع عنهم حتى أكفروا علماء العصر بإنكارهم عليهم، وألف بعض المتهورين ممن أضله الله على علم في ذلك كتابا وادعى فيه أنه المجدد، وكان من أعوانه، وكان من جملة أعوانه أيضا رجل اسمه عبد الوهاب، له اطلاع في بعض العلوم، أرسله إلى دمشق مع طائفة من المعذبين والعساكر وكان رئيسهم وإليه المشورة في أمورهم، فما زال يتغالى في قباحته، ويتعالى في مضرته وإساءته، ويتلذذ بقتل الرجال، وسلب الأموال، حتى كادت تخافه الأطفال، وترتج لسطوته الجبال، وكان قد اجتمع هذا الضال يوما مع الفاضل العلامة السيد شاكر العقاد في دار المولى حمزة أفندي العجلاني مفتي السادة الحنفية، فشرع الخبيث يطنب في مدح الجزار، وأقسم بالله العظيم أنه ليس بظالم وأنه عادل وكرر ذلك مرارا. ثم أقسم أنه على الكتاب والسنة، ثم التفت مخاطبا السيد شاكر المرقوم وقال له يا شيخنا أما تقول أنه عادل؟ فحاوله الشيخ المرقوم رحمه الله تعالى وقال له إن له على الناس فضلا عظيما حيث دفع عنهم شر الفرنج لما حاصروه في عكا وبذل جهده في ذلك، فقال له لا أسألك عن هذا، فقال له أنا أقول أن ذنوبنا كثيرة والله تعالى أرسله إلينا لينتقم منا به. فعرض بذلك إلى أن الظالم ينتقم الله تعالى به ثم ينتقم منه. قال السيد شاكر رضي الله عنه وفهم الخبيث مني ذلك حتى رأيت شعر شاربيه كالمسلات واقفا من شدة الغيظ، ثم قام الشيخ وانقضى المجلس على ذلك، فرحم الله تعالى روحه ونور مرقده وضريحه، ما أصلبه في دينه، حيث لم يور في كلامه بأنه عادل عن الحق ويرضيه بذلك الخوف ضرره، وقد كفاه الله تعالى شر هذا الخبيث.خترعها له طائفة من الأكراد، وأعانوه على ظلمه للعباد، حتى أكثروا في البلاد الفساد، وأقروه على دعواه أنه مجدد الوقت، بل باء هو وإياهم بالطرد والمقت، وكان رئيسهم رجلا يدعي التصوف، ويقول إن الشيخ الأكبر في فتوحاته المكية أخبر عنه، وادعوا أن قتل الأنفس وسلب الأموال، وجميع ما يفعله ليس حراما عليه بل حلال، هكذا شاع عنهم حتى أكفروا علماء العصر بإنكارهم عليهم، وألف بعض المتهورين ممن أضله الله على علم في ذلك كتابا وادعى فيه أنه المجدد، وكان من أعوانه، وكان من جملة أعوانه أيضا رجل اسمه عبد الوهاب، له اطلاع في بعض العلوم، أرسله إلى دمشق مع طائفة من المعذبين والعساكر وكان رئيسهم وإليه المشورة في أمورهم، فما زال يتغالى في قباحته، ويتعالى في مضرته وإساءته، ويتلذذ بقتل الرجال، وسلب الأموال، حتى كادت تخافه الأطفال، وترتج لسطوته الجبال، وكان قد اجتمع هذا الضال يوما مع الفاضل العلامة السيد شاكر العقاد في دار المولى حمزة أفندي العجلاني مفتي السادة الحنفية، فشرع الخبيث يطنب في مدح الجزار، وأقسم بالله العظيم أنه ليس بظالم وأنه عادل وكرر ذلك مرارا. ثم أقسم أنه على الكتاب والسنة، ثم التفت مخاطبا السيد شاكر المرقوم وقال له يا شيخنا أما تقول أنه عادل؟ فحاوله الشيخ المرقوم رحمه الله تعالى وقال له إن له على الناس فضلا عظيما حيث دفع عنهم شر الفرنج لما حاصروه في عكا وبذل جهده في ذلك، فقال له لا أسألك عن هذا، فقال له أنا أقول أن ذنوبنا كثيرة والله تعالى أرسله إلينا لينتقم منا به. فعرض بذلك إلى أن الظالم ينتقم الله تعالى به ثم ينتقم منه. قال السيد شاكر رضي الله عنه وفهم الخبيث مني ذلك حتى رأيت شعر شاربيه كالمسلات واقفا من شدة الغيظ، ثم قام الشيخ وانقضى المجلس على ذلك، فرحم الله تعالى روحه ونور مرقده وضريحه، ما أصلبه في دينه، حيث لم يور في كلامه بأنه عادل عن الحق ويرضيه بذلك الخوف ضرره، وقد كفاه الله تعالى شر هذا الخبيث.

(1/64)


ثم إنه لا زال هذا الضال يتغالى في الظلم في البلاد الشامية، إلى أن قدمت الناس على مجاورته الموت وشراب كؤوس المنية، فتحركت الدولة الفرنساوية على الإتيان إليها لإنقاذها من يد هذا الظالم المجبول على الضرر، وذلك عام ألف ومائتين وأربعة عشر، فحاصر عكا وضيق عليها المسالك، فالتمس الجزار من الأمير بشير الوالي حينئذ المساعدة، فاعتذر بأن الأهالي لا توافقه على ذلك. ثم قدمت مراكب الإنكليز لعكا لرد الفرنساويين، فلم تطل المدة حتى رجع بونابرت بعساكره، وصفا الوقت للجزار عمدة الظالمين، فاشتغل بتعذيب الناس وظلمهم بالقطع والقتل، والجدع والسمل، إلى غير ذلك من الأفعال الفظيعة، والأحوال الشنيعة، حتى صار جوره وعدوانه مثلا سائرا، ولم يزل إلى أن هلك قبحه الله في عكا سنة ألف ومائتين وتسع عشرة ودفن بها في الجامع المنسوب غليه، وقد أرخه بعضهم بقوله:
هلك الجزار ولا عجب ... ومضى بالخزي وبالإثم
وبميتته الباري عنا ... أرخ قد كف يد الظم
وعند موت الجزار كان في سجنه إسماعيل باشا فأخرجه الشيخ طه الكردي الظالم وأجلسه عوضا عن الجزار مدعيا بأن الجزار بايعه بالولاية قبل موته، وكتب إسماعيل باشا للولايات يبشرهم بولايته، أما نائب الجزار في دمشق فلم يقبل أن يعترف بإسماعيل باشا واليا، فكتب للأمير بشير يطلب منه محافظة الطرقات وأن يمده برأيه، فأجابه الأمير أني فعلت كل شيء قبل ورود رسالتك، وأما إسماعيل باشا فلا يكون لأن الدولة لم تجعله في هذا المنصب، وبعد برهة أتى إبراهيم باشا واليا على دمشق فسار مع عساكر الأمير بشير وقتل إسماعيل باشا والي عكا، ووضع عوضا عنه سليمان باشا، فرجعت دمشق إيالة على حدتها وكان ذلك سنة ألف ومائتين وعشرين. وبعد موت أحمد باشا الجزار، تسلط الناس على عزوته، وذوي شوكته، فأذاقوهم كؤوس العذاب، وفتحوا عليهم للهون والذل كل باب، وقرؤوا كلام من الأمر منه وإليه، " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " ، خصوصا وقد كانوا يعتقدون في الجزار وجماعته ما أخرجهم ظاهرا من الدين، وأدخلهم في عداد الطاغين المعتدين، فمال الناس عليهم ميلة الاستئصال، وأذاقوهم كؤوس العذاب والنكال، إلى أن أبادوهم أجمعين، وسيوقفهم الله بين يديه فالحمد لله رب العالمين.
الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الدسوقي الأصل الدمشقي المنشأ والولادة الشافعي
كان رضي الله عنه في دمشق الشام. من أفراد ذوي الفضل التام، يعتمد في الصواب عليه، ويشار لدى تحقيق الجواب إليه، ومع ذلك كان عالما عاملان وأديبا في السنة كاملا، ذا شمائل حسنة، وفضائل مستحسنة، له دأب على العبادة، والقناعة والزهادة، ذا كمال وأدب، ومجد يدعوه للترقي على أوج الرتب، إذا حل بناد تهلل بالبشر والسرور، وتحلى بأنواع الجمال والحبور، وترنمت بوسيم شمائله أطياره، وتفتحت بنسيم خلقه أنواره، توفي رضي الله عنه بالمدينة المنورة، والبلدة المقدسة المطهرة، سنة سبع وأربعين ومائتين وألف ودفن في البقيع، تحت ظل السيد الشفيع، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه.
الشيخ أحمد بن السيد عبد الغني الأصبحي المشهور بكشوره الدمشقي الميداني الشافعي القادري
علم العلماء الأعلام، وتاج الفضلاء الفخام، عمدة الأفاضل، وبحر الفواضل والفضائل، علامة عصره، ونخبة أوانه وفريد دهره، صاحب الصفات العالية، والشمائل السامية، قرأ رحمه الله على والدي مدة حياته، ولم يزل دائبا على الطلب من تمييزه إلى مماته، وكان له مشاركة وإلمام في الفنون العربية، وقدم راسخة في العلوم الشرعية، رحل رضي الله عنه سنة ثلاث وستين ومائتين وألف إلى القدس الشريف بقصد الزيارة والعبادة، التي هي في ذلك المحل تضاعف فوق العادة، فتوفي هناك في سبعة وعشرين خلت من شهر رمضان في السنة المرقومة، وكان له هناك شهرة عالية موسومة، فأمر الوالي الذي كان هناك وهو الحاج حسن بيك ابن موسى باشا الشهير بالكحالة بتجهيزه، مع توقيره وتعظيمه وتمييزه، وكانت له جنازة حافلة، وأثنية عالية ممن شيعه وغيرهم هي بحسن حاله ضامنة وكافلة.
الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل العجلوني بيبرس الدمشقي الشافعي

(1/65)


العالم النحرير، والشافعي الصغير، له آثار مرفوعة على أكف الثنا، وسيرة محمودة محمولة على هام المرام والمنى، أحيا دروس العلم بعد الاندراس، وفصل مجملها غب وقوعها في مهاوي الالتباس، واتخذ الفضل عنوانه، وقصر على رغائب السنة لسانه، وقد اقر له الخاص والعام، بأنه فرد الأفاضل الأعلام، وكنز الأرب وأسس مبناه، ومحط رحال العرفان والتقدم والجاه، تسامت في زمن شيوخه رتبتهن وعمت في قلوب الناس طرا محبته، برع في المعقول والمنقول، وتبحر في معرفة الفروع والأصول، وكانت له اليد العلية، ودرس في أول أمره في المدرسة الفتحية، في محلة القيمرية، ثم بعد وفاة الشيخ ياسين العجلوني إمام جامع منجك الكائن في ميدان الحصى تواقع عبد الغني آغا الشمري، على الشيخ المرقوم بأن يشرف إلى الميدان، وأن يجعلها محلا لإقامة ذاته العلية الشأن، ويتعاطى وظائف الجامع المذكور وألح عليه، فأجابه بعد الاستخارة الواردة إلى ما دعاه إليه، وكان بينه وبين والدي محبة فوق المأمول، وكان كل منهما ملازما للآخر ملازمة الصلة للموصول، ولم يكن لهما اجتماع إلا على المذاكرة والمطالعة من كل ما يفيد، من فقه وحديث وتفسير وتوحيد، ولهما في كل جمعة أوقات، يتذاكران بها بعض الفنون والآلات. ولم يزل في الجامع المذكور إلى أن دعاه داعي المنون، إلى الدار العالية والمقام المصون. توفي رضي الله عنه ليلة السبت قبيل أذان المغرب خامس عشر شهر شوال سنة سبع وأربعين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الله خلف ضريح الأستاذ العارف بالله تقي الدين الحصني، وكان لجنازته مشهد حافل، وجمع برفعة القدر والشأن كافل.
أحمد حمدي باشا الي ولاية سورية بن يحيى بك ابن الوزير ملك أحمد باشا

(1/66)


كان والده من الممتازين بين رجال أمير المؤمنين السلطان محمود العثماني، وأما جده فكان الوزير الأعظم عند السلطان الأعظم محمد المشهور بلقب أوجي. ولد في القسطنطينية في العشر الأخير من ذي الحجة عام ألف ومائتين واثنين وأربعين، وقرأ على بعض المشايخ ما يلزمه من العلوم الدينية والدنيوية كالصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان والعلوم الرياضية ولمعا من الحكمة الطبيعية، وأتقن فن الإنشاء علما وعملا، ونبغ في التركية والعربية والفارسية، ثم انتظم في سمط كتبة النظارة الداخلية في الباب العالي، ثم انتقل إلى ديوان كتاب الصدارة العظمى متمما ما تعلمه على مشايخه من الإنشاء. وفي سنة ألف ومائتين وثلاث وستين للهجرة تفرس فيه رؤساء الكتبة النجابة فأعطيت له الرتبة الرابعة، ونقل إلى باب سر عسكر فكان مأمور الكتابة في شورى الأمور العسكرية، ثم رقي إلى الرتبة الثالثة وجعل معاونا للكاتب الأول في الشورى المذكورة، ثم رقي إلى الرتبة الثانية في ديوان رئيس الجيوش السر عسكرية. وفي سنة الف ومائتين وخمس وسبعين رقي إلى رئاسة كتاب شورى العسكرية، وبعد قليل جعل عضوا في الشورى المذكورة فضلا عن رئاسة الكتاب المنوه عنها ثم أنعم عليه المغفور له السلطان عبد المجيد بالرتبة المتمايزة، ثم الرتبة الأولى من الصنف الثاني، ثم الأولى من الصنف الأول، وأدار أعمال هذا المنصب سبع سنين، وأحسن إليه بالوسام المجيدي من الطبقة الثالثة. ولما كانت سنة ألف ومائتين وأربع وثمانين للهجرة فوضت إليه رئاسة وكالة دائرة الحقوق من ديوان الأحكام العدلية نحوا من شهرين، ثم صار من الوزراء وكلاء السلطنة بتوجيه نظارة الأوقاف عموما إليه، وبعد ثمانية أشهر عين مستشارا للسر عسكرية الجليلة مع ضم المخصصات لعهدته، وعلى أثر ذلك أحرز الوسام العثماني من الطبقة الثانية، وفي ربيع الآخر سنة ألف ومائتين وثمان وثمانين رقي إلى درجة الوزارة السامية وعين ناظرا للمالية، وبعد ذلك بمائة يوم أحيلت إليه ولاية آيدين على أثر التبديلات العظيمة التي طرأت على الوكلاء بعد وفاة المرحوم عالي باشا الوزير الأعظم، وفي أثناء ولايته هذه وقع بين روم أزمير وإسرائيلها نزاع أزعج العالم المتمدن وخيف من تغير السياسة العامة فتوفق بدرايته وعلو همته إلى تسكين جأش القوم، وقطع دابر المفسدين فلم يدع لتغييرها سبيلا، فأحسن إليه السلطان عبد العزيز مكافأة بالوسام المجيدي من الرتبة الأولى، ونال من الدول الأجنبية وساما من الرتبة الأولى. وسنة ألف ومائتين وتسع وثمانين وجهت إليه ولاية الطونة، فلبث بها أحد عشر شهرا يسدد أحكامها ويوطد دعائم العدل والأمن، ونال حينئذ من الدولة الروسية وسام القديسة حنة من الطبقة الأولى، وفي صفر سنة ألف ومائتين وتسعين تبوأ ثانية منصب نظارة ألمانيا، وأحسن إليه بالوسام العثماني الأول، وأحرز وسام مشير خرشيد الإيراني من الرتبة نفسها، وفي محرم سنة ألف ومائتين وإحدى وتسعين أنيطت به مرة ثانية ولاية آيدين فأدارها نحوا من أحد عشر شهرا، بسياسة جمعت بين الرضا العالي والمنفعة العامة، ثم وجتت إليه ولاية سورية في إحدى وعشرين ذي الحجة سنة ألف ومائتين وإحدى وتسعين، فقام بما يستغنى عن بيانه، ولكن انحراف صحته جعله يستقيل وذهب بقلوب الناس إلى قاعدة السلطنة، وصار فيها رئيسا للجنة القوائم، وبعد أقل من عشرين يوما صار رئيسا للدائرة الملكية في شورى الدولة، وكان ذلك في ثلاثة وعشرين من شهر رجب سنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين، ثم بعد ثلاثة عشر يوما عين ناظرا للخزينة الخاصة، وبعد ستة عشر شهرا صار ناظرا للداخلية، وفي خمسة من المحرم سنة الف ومائتين وخمس وتسعين رقي إلى الصدارة العظمى، فبلغ ما بلغه جده المشار إليه، وفي ثاني صفر من السنة المذكورة عين مرة ثالثة واليا على آيدين، وبعد سنة أي في محرم سنة ألف ومائتين وست وتسعين وجهت غليه ولاية بغداد، ولكن بعد ثلاثة أيام صدرت إرادة سنية ببقائه في مركزه إجابة لالتماس الأهلين أجمع في ولاية آيدين، فأقام فيها ثلاثين شهرا ونال الوسام الألماني المعروف بالتاج من الصنف الأول، وفي شهر رمضان سنة الف ومائتين وسبع وتسعين أنيطت به ثانية ولاية سورية، ومكافأة لخدمته المبرورة وآثاره المشكورة في هذه الولاية نال من عواطف الحضرة

(1/67)


الشاهانية الوسام العثماني مرصعان بعد أن أهداه امبراطور النمسا نيشان ليوبولد الأول، مما يثبت ما له من استقامة المسلك وحسن التدبير وصدق الخدمة.هانية الوسام العثماني مرصعان بعد أن أهداه امبراطور النمسا نيشان ليوبولد الأول، مما يثبت ما له من استقامة المسلك وحسن التدبير وصدق الخدمة.
والحاصل أنه منذ انتظامه في سلك كتبة الباب العالي حتى الآن أي منذ اثنتين وأربعين سنة لم يبق بلا منصب سوى ثلاثين يوما على أثر استقالته المرة الأولى من ولاية سورية، وتسنى له مع اختلاف الأطوار، وتضارب الأوطار، وتقلب الأحوال وتغاير السياسات، أن يكتسب في جميع المناصب الخطيرة رضي الدولة وثقتها، وثنا الأمة ومحبتها، في عصر تعدد فيه السلاطين العظام، الذين كانوا بجملتهم يرمقونه بعين العناية والالتفاف جزاء لمآثره المشهورة وصداقته، وهو مع سكونه بعيد الهمة نبيل القصد عفيف معتدل الرأي خالي الغرض، يتغلب على المصاعب بالثبات والصبر والحلم، والاجتهاد في الإصلاح بالحمية والغيرة لنفع الوطن وتشييد عماده، وثناء أهل الدين عليه دليل أعماله الخطيرة، ومساعيه المشكورة، في سبيل عمران تلك الولاية وإنماء ثروتها وتوطيد راحتها، واستئصال اللصوص من أنحائها وضواحيها.

(1/68)


ولما كانت ولايته الحالية مشمولة بعناية خصوصية من لدن حضرة صاحب الشوكة والاقتدار مولانا السلطان عبد الحميد خان المعظم وكان حضرة المترجم المشار إليه منصبا على تنفيذ نواياه الخيرية، لإسعاد التبعة والرعية، جاء بآثار جليلة، وأعمال جميلة، أكثرت في الولاية السورية أسباب العمران والنجاح، وفي الولاية السورية عدد ليس بقليل ما برح سائبا في فيافي البدوية مغلولا بأصفاد اليبوسة لسلب الراحة مكدرا لصفاء الأمن بالاعتداء على أبناء السبيل متعودا التمرد مكابرا للإصلاح، وطالما كان هذا الفريق موضوعا لاهتمام أسلاف أبهته من الولاة العظام، دون أن يترتب على ذلك الأثر المطلوب لأن بعضهم كان يأخذه بالعنف ويقابل خشونته بالقسوة والجفا فيعاقبه تارة بالضرب وطورا بالتنكيل، وآونة بالحرب والتدمير، فكان يزداد تماديا في البغي وتطاولا في العتو، لأن ذلك كان عبارة عن مقابلة الخشونة بما يشاكلها، فكان أولئك القوم كالنقطة السوداء في صفحة محيا سورية البيضاء، وأما المترجم المومى إليه فأخذ يلين قسوتهم بالحلم والرفق والحكمة، داخلا البيوت من أبوابها، فتسنى له المطلوب دون أن يريق قطرة من الدم أو يسلب لأحد مقدار ذرة، فإن السواد الأعظم منهم دخل ربقة الطاعة، وذاق حلاوة السكون والتمتع بتركات الوطن تحت ظلال الأمن والراحة، وأوشك أن يعرف فضل العلم فتمسك بأسبابه، وتعلق بأهدابه، فترى المدارس تنشأ في أعالي الجبال وأعماق الأودية لتثقيف العقول وتهذيب الأخلاق، والأراضي المهملة تصلح وتفلح بأيد لم تتعود إلا هز السيوف وتشريع العوامل، وطرقات تمهد وتسلك بعد أن كانت وعورا لا يكاد يسمع منها سوى عويل المسلوبين وأنين الجرحى من أبناء السبيل، ومعاقل تبنى وتشاد لقيام قوات من الجند يتكفل وجودها بإرهاب العتاة وإخافتهم، وغل أيديهم عن السلب والنهب. ومن تأمل في حالة النصيرية ودروز حوران وأهلها وعرب البادية واللجاه من قبل، ورآها الآن، يرى الفرق بينهما، وأعظم التدابير التي تمت بهذه النتيجة الحسنة إنشاء المنازل العسكرية في جبل الدروز، ثلاثة حصون متينة أولها في قرية عرى، والثاني في المزرعة، والثالث على مقربة من بصر الحريري، ثم أنشأ حصنا آخر في حاصبيا، ومثله في قرية ضمير، وهي تبعد ست ساعات شرقا عن دمشق، حيثما يأتي إليها أهل البادية للاستقاء منها وهذا خير رادع للبغاة أعداء الأمن، لأنه ما من عات متمرد إلا ويضطر إلى المرور بتلك البقعة، فإذا أتاها أوقعت عليه حامية الحصن ما يكفه عن طغيانه، وردته عن عدوانه، وبنى معقلا عظيما في منتصف جبال النصيرية، قرب قرية تعرف بدير شميل، لا تبعد عن مصياف نقطة قوة النصيرية ومنتدى جمهورهم أكثر من نصف فرسخ، فكان مجموع هذه المعاقل ستة، واحد منها كاف لثلاث فرق طوابير، وثلاثة يكفي كل منها لفرقة، واثنان لنصف فرقة، ومن الأبنية التي شادها دون أن يثفل على الخزينة السلطانية دائرة حكومة حاصبيا، وموقف حراس كبير في ضمير، وموقفان للحراسة في بيروت، ومحل لطابور العساكر، ودائرة في جبال النصيرية، ودائرة حكومة في مرج عيون، وأخرى في جنين، وغيرها في بانياس وفي النبطية وفي طرابلس وفي بيروت، ومدرستان للصبيان في حوران، ودائرة للعدلية في الشام. ومن آثاره النافعة إصلاح طريق عجلات من طرابلس إلى حماه، وتأليف شركة وطنية لإدارتها، ثم إكمال الطريق الواقعة بين الشتورا وبعلبك، وجعل العجلات تسير عليها دفعتين في الأسبوع، والسعي بتمهيد طريق حوران وقد مهد نصفها ويتم النصف الآخر بعد برهة وجيزة إن شاء الله، والحصول على امتياز لإنشاء طريق حديدية من عكا إلى جسر المجامع، واتخاذ التدابير لإيصالها بدمشق مارة بحوران، ومن المقرر أن هذا المشروع عبارة عن فتح باب لإخصاب أراضي سورية وإغزارها محصولا. هذا المذكور بقطع النظر عن طرق كثيرة مهدت بمساعي دولته، دون أن تحمل الخزينة نفقاتها، ومنها مد الأسلاك البرقية إلى جميع الأقضية التي لم يكن فيها سلك برقي، كراشيا والقنيطرة والناصرة وطبرية وصفد وغيرها، وإنشاء كثير من المكاتب الابتدائية للذكور والإناث في دمشق وبيروت وطرابلس واللاذقية وحماه وحوران والبلقا وسائر أنحاء سورية وفلسطين، وإيجاد أموال مستقلة تضارع نفقاتها، وتشييد المدرسة الداخلية في بيروت على نسق المدارس العالية المنتظمة

(1/69)


في السلطنة، وتجديد دائرة للحكومة في بيروت، وأخرى في طرابلس كافية لمأموري الحكومة والمحاكم العدلية، وقد بنيت على الأصول الهندسية المختارة حديثا في الممالك المتمدنة، هذا فضلا عن عدة دوائر للحكومة، ومراكز للتلغراف أنشأها في كثير من الأقضية والنواحي، وعدد ليس بقليل من الجسور والمعابر أقامها على الأنهار الكبيرة خارج دمشق، وذلك دون أن تحمل الخزينة شيئان ولا يزال يبذل قصارى الجهد لاستحصال امتيازات بإنشاء المرافىء لدفع نوائب النو في بيروت وغيرها من الثغور، مثل عكا واللاذقية وطرابلس، وهو سائر على تأليف القلوب، وبث العدل واجتهاده ما استطاع بإزالة شائبتي الظلم والاستبداد، وتخويله كل فرد من أفراد الأمة حقه المشروع، إلى غير ذلك مما يضيق المقام دون تبيينه، وتم له ذلك أجمع في مدة لا تزيد عن ثلاث سنين، ولا زال يتوالى إحسانه، ويتواصل امتنانه، الذي من جملته فرش البلاط من السنانية إلى باب الله في دمشق المحمية، إلى أن جرعته المنية كأس الحمام، وفجعت به على الخصوص قطر الشام سنة ألف وثلاثمائة وثلاث في مدينة بيروت، ودفن بها في حي الباشورة، وقد أمرت الذات الشاهانية جلالة السلطان عبد الحميد خان، بتعمير زاوية لمدفنه يصرف عليها من مال السلطان المرقوم أربعة وستون الفا صاغا.في السلطنة، وتجديد دائرة للحكومة في بيروت، وأخرى في طرابلس كافية لمأموري الحكومة والمحاكم العدلية، وقد بنيت على الأصول الهندسية المختارة حديثا في الممالك المتمدنة، هذا فضلا عن عدة دوائر للحكومة، ومراكز للتلغراف أنشأها في كثير من الأقضية والنواحي، وعدد ليس بقليل من الجسور والمعابر أقامها على الأنهار الكبيرة خارج دمشق، وذلك دون أن تحمل الخزينة شيئان ولا يزال يبذل قصارى الجهد لاستحصال امتيازات بإنشاء المرافىء لدفع نوائب النو في بيروت وغيرها من الثغور، مثل عكا واللاذقية وطرابلس، وهو سائر على تأليف القلوب، وبث العدل واجتهاده ما استطاع بإزالة شائبتي الظلم والاستبداد، وتخويله كل فرد من أفراد الأمة حقه المشروع، إلى غير ذلك مما يضيق المقام دون تبيينه، وتم له ذلك أجمع في مدة لا تزيد عن ثلاث سنين، ولا زال يتوالى إحسانه، ويتواصل امتنانه، الذي من جملته فرش البلاط من السنانية إلى باب الله في دمشق المحمية، إلى أن جرعته المنية كأس الحمام، وفجعت به على الخصوص قطر الشام سنة ألف وثلاثمائة وثلاث في مدينة بيروت، ودفن بها في حي الباشورة، وقد أمرت الذات الشاهانية جلالة السلطان عبد الحميد خان، بتعمير زاوية لمدفنه يصرف عليها من مال السلطان المرقوم أربعة وستون الفا صاغا.
الشيخ أحمد بن حسن بن علي رحمه الله تعالى المعروف بالعرشي
العلامة الأديب النحوي، الأصولي الفقيه المناظر المعروف بالعرشي، قال صاحب التاج: نشأ في موطنه وقرأ وروى وحدث وبرع في الفنون كلها جملة وتفصيلا، وكان يتوقد ذكاء وفطنة وشجاعة وسيادة وفخامة، طاف البلاد ولقي العلماء، وصحب المشايخ وأخذ عنهم العلوم، وألف في رد التقليد رسائل ومسائل باللسان العربي المبين، وأتى فيها بالعجب العجاب، وأفحم المقلدين وأدخل عليهم العجز من كل باب. جاهد في الله جهادا، وارتحل في آخر عمره إلى الحرمين الشريفين فتوفي رحمه الله في الطريق في بلدة برودة من أضلاع كجرات، وقبره هناك، قال تعالى " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " وقال النبي صلى الله عليه وسلم " موت الغربة شهادة " وكانت وفاته سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين. له اليد الطولى في الشعر العربي والفارسي، وكان ينظم في ساعة قصيدة طويلة نحو مائة بيت فصيحة المبنى، بليغة المعنى، قل من يقدر على إنشاء مثلها في أسبوع بل في شهر كامل، كتب إلى علماء عصره، وأدباء مصره كتبا ورسائل لم يجمعها.
ولقد كان والله عديم النظير، وفقيد المثيل في أقرانه وأمثاله، بارعا متقنا في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، بل كان تاجا على رأس الزمن، وكاسمه أحمد وحسن، لم يلتفت إلى كتب الفروع والرأي وأهلها قط، ولم يعمل في خاصة نفسه إلا بالدليل من الكتاب والسنة، وكان له همة سامية في ذلك، وحمية نامية فيما هنالك، رحمه الله رحمة واسعة.

(1/70)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية