صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تهذيب سيرة ابن هشام
المؤلف : عبد السلام هارون
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال ابن إسحاق: وفي ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك:
مررنا على لفاة وهن خوص ... ينازعن الأعنة ينتحينا
فإن نغلب فغلابون قدما ... وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسر به ونرضى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذ انقلبت به كرات دهر ... فألفيت الألى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم ... يجد ريب الزمان له خئونا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقي الكرام إذن بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومي ... كما أفنى القرون الأولينا
قال ابن هشام: أول بيت منها وقوله: " فإن نغلب " عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة قال:
لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمدا ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها
قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة: " أرجو فواضله وحسن ثنائها " .
قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟ قال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا.
واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مراد وزيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قدوم عمرو بن معد يكرب
في أناس من بني زبيد
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن معد يكرب في أناس من بني زبيد فأسلم وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك وإذا لقيناه اتبعناه وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به.
فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وتحطم عليه وقال: خالفني وترك رأيي فقال عمرو بن معد يكرب في ذلك:
أمرتك يوم ذي صنعا ... ء أمرا باديا رشده
أمرتك باتقاء الله والمعروف تتعده
خرجت من المنى مثل الحمير غره وتده
تمناني على فرس ... عليه جالسا أسده
علي مفاضة كالنهي أخلص ماءه جدده
ترد الرمح منثني السنان عوائرا قصده
فلوا لاقيتني للقيت ليثا فوقه لبده
تلاقي شنبثا شثن البراثن ناشزا كتده
يسامي القرن إن قرن ... تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده
فيدمغه فيحطمه ... فيخضمه فيزدرده
ظلوم الشرك فيما أحرزت أنيابه ويده
قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة:
أمرتك يوم ذي صنعاء أمرا بينا رشده
أمرتك باتقاء الله تأتيه وتتعده
فكنت كذي الحمير غر ... ره مما به وتده
قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو بن معد يكرب وقال حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك ... حمارا ساف منخره بثفر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر
قال ابن هشام: قوله " بثفر " عن أبي عبيدة.
قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة

(1/414)


قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس في وفد كندة فحدثني الزهري بن شهاب أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين راكبا من كندة فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا وعليهم جبب الحبرة وقد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال: فشقوه منها فألقوه.
ثم قال الأشعث بن قيس: يا رسول الله: نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وكان العباس وربيعة رجلين تاجرين وكانا إذا شاعا في بعض العرب فسئلا ممن هما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك وذلك أن كندة كانوا ملوكا ثم قال لهم: لا بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا فقال الأشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة والله لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.
قال ابن هشام: الأشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل النساء وآكل المرار: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندي ويقال كندة وإنما سمي آكل المرار لأن عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم وكان الحارث غائبا فغنم وسبى وكان فيمن سبى أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني امرأة الحارث بن عمرو فقالت لعمرو في مسيره: لكأني برجل أدلم أسود كأن مشافره مشافر بعير آكل مرار قد آخذ برقبتك تعني الحارث فسمى آكل المرار والمرار: شجر ثم تبعه الحارث في بني بكر بن وائل فلحقه فقتله واستنقذ امرأته وما كان أصاب فقال الحارث بن حلزة اليشكري لعمرو بن المنذر وهو عمرو بن هند اللخمي:
وأقدناك رب غسان بالمنذر ... كرها إذ لا تكال الدماء
لأن الحارث الأعرج الغساني قتل المنذر أباه وهذا البيت في قصيدة له وهذا الحديث أطول مما ذكرت وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت من القطع ويقال بل آكل المرار: حجر بن عمرو بن معاوية وهو صاحب هذا الحديث وإنما سمي آكل المرار لأنه أكل هو وأصحابه في تلك الغزوة شجرا يقال له المرار.
قدوم صرد بن عبد الله الأزدي
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم بمن كان يليه من أهل الشرك من قبل اليمن.
فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة معلقة وبها قبائل من قبائل اليمن وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم فحاصروهم فيها قريبا من شهر وامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم قافلا حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر ظن أهل جرش أنه إنما ولي عنهم منهزما فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا.
وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يرتادان وينظران فبينا هما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد صلاة العصر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي بلاد الله شكر؟ فقام إليه الجرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبلا يقال له كشر وكذلك يسميه أهل جرش فقال: إنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينعى لكما قومكما فقوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: اللهم ارفع عنهم فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر.

(1/415)


وخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس والراحلة وللمثيرة وبقرة الحرث فمن رعاه من الناس فما لهم سحت فقال في تلك الغزوة رجل من الأزد: وكانت خثعم تصيب من الأزد في الجاهلية وكانوا يعدون في الشهر الحرام:
يا غزوة ما غزونا غير خائبة ... فيها البغال وفيها الخيل والحمر
حتى أتينا حميرا في مصانعها ... وجمع خثعم قد شاعت لها النذر
إذا وضعت غليلا كنت أحمله ... فما أبالي أدانوا بعد أم كفروا
قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمة من تبوك ورسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله.
فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال وإلى النعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبرنا ما قبلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين وأن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم الرسول وصفيه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وأن في الإبل الأربعين ابنة لبون وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر وفي كل خمس من الإبل شاة وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة وأنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم وله ذمة الله وذمة رسوله وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها وعليه الجزية على كل حال ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا فمن أدى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله أما بعد فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا أما بعد فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فأبشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو ولي غنيكم وفقيركم وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وأن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيرا وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم وآمرك بهم خيرا فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
وصية الرسول معاذا حين بعثه إلى اليمن

(1/416)


قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا أوصاه وعهد إليه ثم قال له: يسر ولا تعسر وبشر ولا تنفر وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب يسئلونك ما مفتاح الجنة فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال: فخرج معاذ حتى إذا قدم اليمن قام بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة من أهل اليمن فقالت: يا صاحب رسول الله ما حق زوج المرأة عليها؟ قال: ويحك إن المرأة لا تقدر على أن تؤدي حق زوجها فأجهدي نفسك في أداء حقه ما استطعت قالت: والله لئن كنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتعلم ما حق الزوج على المرأة قال: ويحك! لو رجعت إليه فوجدته تنثعب منخراه قيحا ودما فمصصت ذلك حتى تذهبيه ما أديت حقه.
إسلام فروة بن عمرو الجذامي
قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو النافرة الجذامي ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام.
فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فقال في محبسه ذلك:
طرقت سليمى موهنا أصحابي ... والروم بين الباب والقروان
صد الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفي وقد أبكاني
لا تكحلن العين بعدي إثمدا ... سلمى ولا تدين للإتيان
ولقد علمت أبا كبيشة أنني ... وسط الأعزة لا يحص لساني
فلئن هلكت لتفقدن أخاكم ... ولئن بقيت لتعرفن مكاني
ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى ... من جودة وشجاعة وبيان
فلما أجمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له عفراء بفلسطين قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل
فزعم الزهري بن شهاب أنهم لما قدموه ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي
ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء يرحمه الله تعالى.
إسلام بني الحارث بن كعب
على يدي خالد بن الوليد لما سار إليهم
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وبذلك كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فإني أحمد إليك الله الذي لا إله هو أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا أقمت فيهم وقبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت فيهم ركبانا قالوا: يا بني الحارث أسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1/417)


بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه بني الحارث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذي الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبد الله القناني وعمرو بن عبد الله الضبابي.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند قيل: يا رسول الله هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا الله عز وجل الذي هدانا بك يا رسول الله قال: صدقتم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم قال: صدقتم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين.
فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحم وبارك ورضى وأنعم.

(1/418)


وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب له كتابا عهد إليه فيه عهده وأمره فيه بأمره: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا بيان من الله ورسوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم فإن الله كره الظلم ونهى عنه فقال: " ألا لعنة الله على الظالمين " ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته وما أمر الله به والحج الأكبر: الحج الأكبر والحج الأصغر: هو العمرة وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه وينهى الناس أن يحتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر وليكن دعواهم إلى الله عز وجل وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله وأمر بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود والخشوع ويغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل لا يؤخر حتى تبدو النجوم في السماء والعشاء أول الليل وأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها والغسل عند الرواح إليها وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل عشرين أربع شياه وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها وعلى كل حالم: ذكر أو أثنى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا.
فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
قدوم رفاعة بن زيد الجذامي
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبي فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما وأسلم فحسن إسلامه وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب إلى قومه وفي كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله وإلى رسوله فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله ومن أدبر فله أمان شهرين.
فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا ثم ساروا إلى الحرة: حرة الرجلاء ونزلوها.
قدوم وفد همدان
قال ابن هشام: وقدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثني من أثق به عن عمرو بن عبد الله بن أذينة العبدي عن أبي إسحاق السبيعي قال: قدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مالك بن نمط وأبو ثور وهو ذو المشعار ومالك بن أيفع وضمام بن مالك السلماني وعميرة بن مالك الخارفي فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية برحال الميس على المهرية والأرحبية ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم يقول أحدهما:
همدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها في العالمين أمثال

(1/419)


محلها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطابات بها وآكال
ويقول الآخر:
إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف
مخطمات بحبال الليف فقام مالك بن نمط بين يديه فقال: يا رسول الله نصية من همدان من كل حاضر وباد أتوك على قلص نواج متصلة بحبائل الإسلام لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السود والقود أجابوا دعوة الرسول وفارقوا الإلهات الأنصاب عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع وما جرى اليعفور بصلع.
فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من رسول الله محمد لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه على أن لهم فراعها ووهاطها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها ويرعون عافيها لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله وشاهدهم المهاجرون والأنصار فقال في ذلك مالك بن نمط:
ذكرت رسول الله في فحمة الدجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد
وهن بنا خوص طلائح تغتلي ... بركبانها في لاحب متمدد
على كل فتلاء الذراعين جسرة ... تمر بنا مر الهجف الخفيدد
حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادر بالركبان من هضب قردد
بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول آتى من عند ذي العرش مهتدي
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند
ذكر الكذابين
مسيلمة الحنفي والأسود العنسي
قال ابن إسحاق: وقد كان تكلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذابان مسيلمة بن حبيب باليمامة في بني حنيفة والأسود بن كعب العنسي بصنعاء.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار أو أخيه سليمان بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على منبره وهو يقول: أيها الناس إني قد رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها ورأيت في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطار فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن وصاحب اليمامة.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا كلهم يدعي النبوة.
خروج الأمراء والعمال على الصدقات
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء فخرج عليه العنسي وهو بها وبعث زيد بن لبيد أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت وعلى صدقاتها وبعث عدي بن حاتم على طيىء وصدقاتها وعلى بني أسد وبعث مالك بن نويرة - قال ابن هشام: اليربوعي على صدقات بني حنظلة وفرق صدقة بني سعد على رجلين منهم فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها وقيس بن عاصم على ناحية وكان قد بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم.
كتاب مسيلمة إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وقد كان مسيلمة بن حبيب قد كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: سلام عليك أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا قوم يعتدون.
فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب.
قال ابن إسحاق: فحدثني شيخ من أشجع عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي عن أبيه نعيم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما حين قرأ كتابه: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما.
ثم كتب إلى مسيلمة: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: السلام على من ابتع الهدى أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
وذلك في آخر سنة عشر.
جحة الوداع

(1/420)


قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة تجهز للجح وأمر الناس بالجهاز له.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
قال ابن هشام: فاستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي ويقال: سباع بن عرفطة الغفاري.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن عائشة قالت: لا يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه الهدي وأشراف من أشراف الناس أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدي قالت: وحضت ذلك اليوم فدخل علي وأنا أبكي فقال: مالك يا عائشة؟ لعلك نفست قالت: قلت: نعم والله لوددت أني لم أخرج معكم عامي في هذا السفر فقال: لا تقولن ذلك فإنك تقضين كل ما يقضي الحاج إلا أنك لا تطوفين بالبيت قالت: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فحل كل من كان لا هدي معه وحل نساؤه بعمرة فلما كان يوم النحر أتيت بلحم بقر كثير فطرح في بيتي فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر حتى إذا كانت ليلة الحصبة بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرني من التنعيم مكان عمرتي التي فاتتني.
قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن حفصة بنت عمر قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه أن يحللن بعمرة قلن: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ فقال: إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي.
موافاة علي في قفوله من اليمن
رسول الله في الحج
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث عليا رضي الله عنه إلى نجران فلقيه بمكة وقد أحرم فدخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها فوجدها قد حلت وتهيأت فقال: ما لك يا بنت رسول الله؟ قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحل بعمرة فحللنا ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق فطف بالبيت وحل كما حل بأصحابك؟ قال: يا رسول الله إني أهللت كما أهللت فقال: ارجع فاحلل كما حل أصحابك قال: يا رسول الله إني قلت حين أحرمت: اللهم إني أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم قال: فهل معك من هدي؟ قال: لا فأشركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وثبت على إحرامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرغا من الحج ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي عنهما.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: لما أقبل علي رضي الله عنه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي رضي الله عنه فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل قال: ويلك! ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فانتزع الحلل من الناس فردها في البز قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن حزم بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينت بنت كعب وكانت عند أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا رضوان الله عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله من أن يشكى.
قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

(1/421)


أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت؟ فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف قال: يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هلا تدرون أي شهر هذا؟ فيقول لهم فيقولون: الشهر الحرام فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا ثم يقول: قل: يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هل تدرون أي بلد هذا؟ قال: فيصرخ به قال: فيقولون البلد الحرام قال: فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة بلدكم هذا قال: ثم يقول: قل: يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هل تدرون أي يوم هذا؟ قال: فيقوله لهم فيقولون: يوم الحج الأكبر قال: فيقول: قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا.
قال ابن إسحاق: حدثني ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري عن عمرو بن خارجة قال: بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة فبلغته ثم وقفت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لغامها ليقع على رأسي فسمعته وهو يقول: أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه وإنه لا تجوز وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.

(1/422)


قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقف بعرفة قال: هذا الموقف للجبل الذي هو عليه وكل عرفة موقف وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر وكل منى منحر فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج وقد أراهم مناسكهم وأعلمهم ما فرض الله عليه من حجهم: من الموقف ورمي الجمار وطواف بالبيت وما أحل لهم من حجهم وما حرم عليهم فكانت حجة البلاغ وحجة الوداع وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعدها.
بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين
قال ابن إسحاق: ثم قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وضرب على الناس بعثا إلى الشام وأمر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة بن زيد المهاجرون الأولون.
خروج رسول الله إلى الملوك
قال ابن هشام: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.
قال ابن هشام: حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صد عنها يوم الحديبية فقال: أيها الناس إن الله قد بعثني رحمة وكافة فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم فقال أصحابه: وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟ قال: دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل فشكا ذلك عيسى إلى الله فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا من أصحابه وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعياد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام.
قال ابن هشام: بعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم الغساني وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن.
قال ابن هشام: أنا نسيت سليطا وثمامة وهوذة والمنذر.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم وما قال لأصحابه حين بعثهم قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال لهم: إن الله بعثني رحمة وكافة فأدوا عني يرحمكم الله ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم قالوا: وكيف يا رسول الله كان اختلافهم؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له فأما من قرب به فأحب وسلم وأما من بعد به فكره وأبى فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم.
قال ابن إسحاق: وكان من بعث عيسى بن مريم عليه السلام من الحواريين والأتباع الذين كانوا بعدهم في الأرض: بطرس الحواري ومعه بولس وكان بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين إلى رومية وأندرائس ومنتا إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وفيلبس إلى أرض قرطاجنة وهي إفريقية ويحنس إلى أفسوس قرية الفتية أصحاب الكهف ويعقوبس إلى أرواشلم وهي إيلياء قرية بيت المقدس وابن ثلماء إلى الأعرابية وهي أرض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر ويهوذا ولم يكن من الحواريين جعل مكان يودس.
ذكر جملة الغزوات
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/423)


قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي: وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين غزوة منها غزوة ودان وهي غزوة الأبواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة بحران معدن بالحجاز ثم غزوة أحد ثم غزوة حمراء الأسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الآخرة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان من هذيل ثم غزوة ذي قرد ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ثم غزوة خيبر ثم عمرة القضاء ثم غزوة الفتح ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قاتل منها في تسع غزوات: بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف.
ذكر جملة السرايا والبعوث
وكانت بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه ثمانيا وثلاثين من بين بعث وسرية: غزوة عبيدة بن الحارث أسفل من ثنية ذي المروة ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة وغزوة سعد بن أبي وقاص الخرار وغزوة عبد الله بن جحش نخلة وغزوة زيد بن حارثة القردة وغزوة محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة وغزوة أبي عبيدة بن الجراح ذا القصة من طريق العراق وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر وغزوة علي بن أبي طالب اليمن وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الكديد فأصاب بني الملوح.
خبر غزوة غالب بن عبد الله
الليثي بني الملوح
وكان من حديثها أن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس حدثني عن مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهني عن المنذر عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي كلب بن عوف بن ليث في سرية كنت فيها وأمره أن يشن الغارة على بني الملوح وهم بالكديد فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إني جئت أريد الإسلام ما خرجت إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا له: إن تك مسلما فلن يضيرك رباط ليلة وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه رباطا ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا أسود وقلنا له: إن عازك فاحتز رأسه.
قال: ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى آتى تلا مشرفا على الحاضر فأسندت فيه فعلوت على رأسه فنظرت إلى الحاضر فوالله إني لمنبطح على التل إذ خرج رجل منهم من خبائه فقال لامرأته: إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومي فانظري إلى أوعيتك هل تفقدين منها شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها قال: فنظرت فقالت: لا والله ما أفقد شيئا قال: فناوليني قوسي وسهمين فناولته قال: فأرسل سهما فوالله ما أخطأ جنبي فأنزعه فأضعه وثبت مكاني قال: ثم أرسل الآخر فوضعه في منكبي فأنزعه فأضعه وثبت مكاني فقال لامرأته: لو كان ربيئة لقوم لقد تحرك لقد خالطه سهماي لا أبا لك إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا يمضغهما علي الكلاب قال: ثم دخل.
قال: وأمهلناهم حتى إذا اطمأنوا وناموا وكان في وجه السحر شننا عليهم الغارة قال: فقتلنا واستقنا النعم وخرج صريخ القوم فجاءنا دهم لا قبل لنا به ومضينا بالنعم ومررنا بابن البرصاء وصاحبه فاحتملناهما معنا قال: وأدركنا القوم حتى قربوا منا قال: فما بيننا وبينهم إلا وادي قديد فأرسل الله الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر فجاء بشيء ليس لأحد به قوة ولا يقدر على أن يجاوزه فوقفوا ينظرون إلينا وإنا لنسوق نعمهم ما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم فلم يقدروا على طلبنا.
قال: فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/424)


قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم عن رجل منهم: أن شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تلك الليلة: أمت أمت فقال راجز من المسلمين وهو يحدوها.
أبي أبو القاسم أن تعزبي ... في خضل نباته مغلولب
صفر أعاليه كلون المدهب قال ابن هشام: ويروى: كلون الذهب.
تم خبر الغزاة وعدت إلى ذكر تفصيل السرايا والبعوث.
قال ابن إسحاق: وغزوة على بن أبي طالب رضي الله عنه بني عبد الله بن سعد من أهل فدك وغزوة أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أصيب بها هو وأصحابه جميعا وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطنا ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قتل بها مسعود بن عروة وغزوة محمد بن مسلمة أخي بني حارثة القرطاء من هوازن وغزوة بشير بن سعد بني مرة بفدك وغزوة بشير بن سعد ناحية خيبر وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بني سليم وغزوة زيد بن حارثة جذام من أرض خشين.
قال ابن هشام: عن نفسه والشافعي عن عمرو بن حبيب عن ابن إسحاق: من أرض حسمى.
غزوة زيد بن حارثة إلى جذام
قال ابن إسحاق: وكان من حديثها كما حدثني من لا أتهم عن رجال من جذام كانوا علماء بها أن رفاعة بن زيد الجذامي لما قدم على قومه من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا له لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر صاحب الروم حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ومعه تجارة له حتى إذا كانوا بواد من أوديتهم يقال له شنار أغار على دحية بن خليفة الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضلعيان والضليع: بطن من جذام فأصابا كل شيء كان معه فبلغ ذلك قوما من الضبيب رهط رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب فنفروا إلى الهنيد وابنه فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال حتى لقوهم فاقتتلوا وانتمى يومئذ قرة بن أشقر الضفاوي ثم الضلعي فقال: أنا ابن لبنى ورمى النعمان بن أبي جعال بسهم فأصاب ركبته فقال حين أصابه: خذها وأنا ابن لبنى وكانت له أم تدعى لبنى وقد كان حسان بن ملة الضبيبي قد صحب دحية بن خليفة قبل ذلك فعلمه أم الكتاب.
قال ابن هشام: ويقال: قرة بن أشقر الضفاري وحيان بن ملة.
قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن رجال من جذام قال: فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه فردوه على دحية فخرج دحية حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره واستسقاه دم الهنيد وابنه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم زيد بن حارثة وذلك الذي هاج غزوة زيد جذام وبعث معه جيشا وقد وجهت غطفان من جذام ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا الحرة حرة الرجلاء ورفاعة بن زيد بكراع ربة لم يعلم ومعه ناس من بني الضبيب وسائر بني الضبيب بوادي مدان من ناحية الحرة مما يسيل مشرقا وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الأولاج فأغار بالماقص من قبل الحرة فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الأجنف.
قال ابن هشام: من بني الأحنف.

(1/425)


قال ابن إسحاق في حديثه: ورجلا من بني الخصيب فلما سمعت بذلك بنو الضبيب والجيش بفيفاء مدان ركب نفر منهم وكان فيمن ركب معهم حسان بن ملة على فرس لسويد بن زيد يقال لها العجاجة وأنيف بن ملة على فرس لملة يقال لها: رغال وأبو زيد بن عمرو على فرس يقال له لها شمر فانطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش قال أبو زيد وحسان لأنيف بن ملة: كف عنا وانصرف فإنا نخشى لسانك فوقف عنهما فلم يبعدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها وتوثب فقال: لأنا أضن بالرجلين منك بالفرسين فأرخى لها حتى أدركهما فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكف عنا لسانك ولا تشأمنا اليوم فتواصوا أن لا يتكلم منهم إلا حسان بن ملة وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بوري أو ثوري فلما برزوا على الجيش أقبل القوم يبتدرونهم فقال لهم حسان: إنا قوم مسلمون وكان أول من لقيهم رجل على فرس أدهم فأقبل يسوقهم فقال أنيف: بوري فقال حسان: مهلا فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان: إنا قوم مسلمون فقال له زيد: فاقرءوا أم الكتاب فقرأها حسان فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجيش أن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر.
قال ابن إسحاق: وإذا أخت حسان بن ملة وهي امرأة أبي وبر بن عدي بن أمية بن الضبيب في الأسارى فقال له زيد: خذها وأخذت بحقويه فقالت أم الفزر الضلعية: أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم؟ فقال أحد بني الخصيب: إنها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيد بن حارثة فأمر بأخت حسان ففكت يداها من حقويه وقال لها: اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه فرجعوا ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه فأمسوا في أهليهم واستعتموا ذودا لسويد بن زيد فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد وكان ممن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة أبو زيد بن عمرو وأبو شماس بن عمرو وسويد بن زيد وبعجة بن زيد وبرذع بن زيد وثعلبة بن زيد ومخربة بن عدي وأنيف بن ملة وحسان بن ملة حتى صبحوا رفاعة بن زيد بكراع ربة بظهر الحرة على بئر هنالك من حرة ليلى فقال له حسان بن ملة: إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرها كتابك الذي جئت به فدعا رفاعة بن زيد بجمل له فجعل يشد عليه رحله وهو يقول: هل أنت حي أو تنادي حيا ثم غدا وهم معه بأمية بن ضفارة أخي الخصيبي المقتول مبكرين من ظهر الحرة فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال فلما دخلوا المدينة وانتهوا إلى المسجد نظر إليهم رجل من الناس فقال: لا تنيخوا إبلكم فتقطع أيديهن فنزلوا عنهن وهن قيام فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ألاح إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قام رجل من الناس فقال: يا رسول الله إن هؤلاء قوم سحرة فرددها مرتين فقال رفاعة بن زيد: رحم الله من لم يحذنا في يومه هذا إلا خيرا ثم دفع رفاعة بن زيد كتابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان كتبه له فقال: دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأه يا غلام وأعلن فلما قرأ كتابه استخبره فأخبروهم الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع بالقتلى؟ ثلاث مرات فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلم لا نحرم عليك حلالا ولا نحلل لك حراما فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق أبو زيد اركب معهم يا علي فقال له علي رضي الله عنه: إن زيدا لن يطيعني يا رسول الله قال: فخذ سيفي هذا فأعطاه سيفه فقال علي: ليس لي يا رسول الله راحلة أركبها فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو يقال له مكحال فخرجوا فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبر يقال لها: الشمر فأنزلوه عنها فقال: يا علي ما شأني؟ فقال: ما لهم عرفوه فأخذوه ثم ساروا فلقوا الجيش بفيفاء الفحلتين فأخذوا ما في أيديهم حتى كانوا ينزعون لبيد المرأة من تحت الرحل فقال أبو جعال حين فرغوا من شأنهم:
وعاذلة ولم تعذل بطب ... ولولا نحن حش بها السعير
تدافع في الأسارى بابنتيها ... ولا يرجى لها عتق يسير

(1/426)


ولو وكلت إلى عوص وأوس ... لحار بها عن العتق الأمور
ولو شهدت ركائبنا بمصر ... تحاذر أن يعل بها المسير
وردنا ماء يثرب عن حفاظ ... لربع إنه قرب ضرير
بكل مجرب كالسيد نهد ... على أقتاد ناجية صبور
فدى لأبي سليمى كل جيش ... بيثرب إذ تناطحت النحور
غداة ترى المجرب مستكينا ... خلاف القوم هامته تدور
قال ابن هشام: قوله: " ولا يرجى لها عتق يسير " وقوله: " عن العتق الأمور " عن غير ابن إسحاق.
تمت الغزاة وعدنا إلى تفصيل ذكر السرايا والبعوث.
قال ابن إسحاق: وغزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل من طريق العراق.
غزوة زيد بن حارثة بني فزارة
ومصاب أم قرفة
وغزوة زيد بن حارثة أيضا وادي القرى لقي به بني فزارة فأصيب بها ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى وفيها أصيب ورد بن عمرو بن مداش وكان أحد بني سعد بن هذيل أصابه أحد بني بدر.
قال ابن هشام: سعد بن هذيم.
قال ابن إسحاق: فلما قدم زيد بن حارثة آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة فلما استبل من جراحته بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني فزارة في جيش فقتلهم بوادي القرى وأصاب فيهم وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر وأسرت أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر كانت عجوزا كبيرة عند مالك بن حذيفة بن بدر وبنت لها وعبد الله بن مسعدة فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر أن يقتل أم قرفة فقتلها قتلا عنيفا ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة وبابن مسعدة.
وكانت بنت أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع كان هو الذي أصابها وكانت في بيت شرف من قومها كانت العرب تقول: " لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت " فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة فوهبها له فأهداها لخاله حزن بن أبي وهب فولدت له عبد الرحمن بن حزن.
فقال قيس بن المسحر في قتل مسعدة:
سعيت بورد مثل سعي ابن أمه ... وإني بورد في الحياة لثائر
كررت عليه المهر لما رأيته ... على بطل من آل بدر مغاور
فركبت فيه قعضبيا كأنه ... شهاب بمعراة يذكى لناظر
غزوة عبد الله بن رواحة
لقتل اليسير بن رزام
وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين: إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام.
قال ابن هشام: ويقال ابن رازم.
وكان من حديث اليسير بن رزام أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بني سلمة فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملك وأكرمك فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش في يده من شوحط فأمه ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه.
وغزوة عبد الله بن عتيك خيبر فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق.
غزوة عبد الله بن أنيس
لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي
وغزوة عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وهو بنخلة أو بعرنة يجمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ليغزوه فقتله.

(1/427)


قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: قال عبد الله بن أنيس دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد بلغني أن ابن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله قلت: يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة قال: فخرجت متوشحا سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا وحيث كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال: أجل إني لفي ذلك قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه منكبات عليه فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني قال: أفلح الوجه قلت: قد قتلته يا رسول الله قال: صدقت.
ثم قام بي فأدخلني بيته فأعطاني عصا فقال: أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟ قلت: أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني أن أمسكها عندي قالوا: أفلا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله لم ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة إن أقل الناس المتحضرون يومئذ قال: فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا.
قال ابن هشام: وقال عبد الله بن أنيس في ذلك:
تركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفري كل جيب مقدد
تناولته والظعن خلفي وخلفه ... بأبيض من ماء الحديد مهند
عجوم لهام الدارعين كأنه ... شهاب غضى من ملهب متوقد
أقول له والسيف يعجم رأسه ... أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد
أنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره ... رحيب فناء الدار غير مزند
وقلت له خذها بضربة ماجد ... حنيف على دين النبي محمد
وكنت إذا هم النبي بكافر ... سبقت إليه باللسان وباليد
تمت الغزاة وعدنا إلى خبر البعوث.
قال ابن إسحاق: وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة مؤتة من أرض الشام فأصيبوا بها جميعا وغزوة كعب بن عمير الغفاري ذات أطلاح إلى أرض الشام أصيب بها هو وأصحابه جميعا وغزوة عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بني العنبر من بني تميم.
غزوة عيينة بن حصن
بني العنبر من بني تميم
وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم فأغار عليهم فأصاب منهم أناسا وسبى منهم أناسا.
فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن علي رقبة من ولد إسماعيل قال: هذا سبي بني العنبر يقدم الآن فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه.
قال ابن إسحاق: فلما قدم بسبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فيهم وفد من بني تميم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ربيعة بن رفيع وسبرة بن عمرو والقعقاع بن معبد ووردان بن محرز وقيس بن عاصم ومالك بن عمرو والأقرع بن حابس وفراس بن حابس فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فأعتق بعضا وأفدى بعضا وكان ممن قتل يومئذ من بني العنبر: عبد الله وأخوان له بنو وهب وشداد بن فراس وحنظلة بن دارم وكان ممن سبي من نسائهم يومئذ: أسماء بنت مالك وكاس بنت أري ونجوة بنت نهد وجميعة بنت قيس وعمرة بنت مطر فقالت في ذلك اليوم سلمى بنت عتاب:
لعمري لقد لاقت عدي بن جندب ... من الشر مهواة شديدا كئودها
تكفنها الأعداء من كل جانب ... وغيب عنها عزها وجدودها
قال ابن هشام: وقال الفرزدق في ذلك:
وعند رسول الله قام ابن حابس ... بخطة سوار إلى المجد حازم

(1/428)


له أطلق الأسرى التي في حباله ... مغللة أعناقها في الشكائم
كفى أمهات الخالفين عليهم ... غلاء المفادي أو سهام المقاسم
وهذه الأبيات في القصيدة له وعدي بن جندب من بني العنبر والعنبر بن عمرو بن تميم.
غزوة غالب بن عبد الله
أرض بني مرة
قال ابن إسحاق: وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث أرض بني مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة من جهينة قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار.
قال ابن هشام: الحرقة فيما حدثني أبو عبيدة.
قال ابن إسحاق: وكان من حديثه عن أسامة بن زيد قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار فلما شهرنا عليه السلاح قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبره فقال: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله إنه إنما قالها تعوذا بها من القتل قال: فمن لك بها يا أسامة؟ قال: فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن وأني كنت أسلمت يومئذ وأني لم أقتله قال: قلت: أنظرني يا رسول الله إني أعاهد الله أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا قال: تقول بعدي يا أسامة قال: قلت بعدك.
غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بني عذرة وكان من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه يستنفر العرب إلى الشام وذلك أن أم العاص بن وائل كانت امرأة من بلي فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم لذلك حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل فلما كان عليه خاف فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا لي قال أبو عبيدة: لا ولكنى على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هينا عليه أمر الدنيا فقال له عمرو: بل أنت مدد لي فقال أبو عبيدة: يا عمرو وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: لا تختلفا وإنك إن عصيتني أطعتك قال: فإني الأمير عليك وأنت مدد لي قال: فدونك فصلى عمرو بالناس.

(1/429)


قال: وكان من الحديث في هذه الغزاة أن رافع بن أبي رافع الطائي وهو رافع بن عميرة كان يحدث فيما بلغني عن نفسه قال: كنت امرأ نصرانيا وسميت سرجس فكنت أدل الناس وأهداهم بهذا الرمل كنت أدفن الماء في بيض النعام بنواحي الرمل في الجاهلية ثم أغير على إبل الناس فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها فلم يستطع أحد أن يطلبني فيه حتى أمر بذلك الماء الذي خبأت في بيض النعام فأستخرجه فأشرب منه فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل قال: فقلت: والله لأختارن لنفسي صاحبا قال: فصحبت أبا بكر قال: فكنت معه في رحله قال: وكانت عليه عباءة له فدكية فكان إذا نزلنا بسطها وإذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له قال: وذلك الذي له يقول أهل نجد حين ارتدوا كفارا: نحن نبايع ذا العباءة! قال: فلما دنونا من المدينة قافلين قال: قلت: يا أبا بكر إنما صحبتك لينفعني الله بك فانصحني وعلمني قال: لو لم تسألني ذلك لفعلت قال: آمرك أن توحد الله ولا تشرك به شيئا وأن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج هذا البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمر على رجل من المسلمين أبدا قال: قلت: يا أبا بكر أما أنا والله فإني أرجو أن لا أشرك بالله أحدا أبدا وأما الصلاة فلن أتركها أبدا إن شاء الله وأما الزكاة فإن يك لي مال أؤدها إن شاء الله وأما رمضان فلن أتركه أبدا إن شاء الله وأما الحج فإن أستطع أحج إن شاء الله تعالى وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله وأما الإمارة فإني رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بها فلم تنهاني عنها؟ قال: إنك إنما استجهدتني لأجهد لك وسأخبرك عن ذلك: إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه وفي ذمته فإياك لا تخفر الله في جيرانه فيتبعك الله خفرته فإن أحدكم يخفر جاره فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره أن أصيبت له شاة أو بعير فالله أشد غضبا لجاره قال: ففارقته على ذلك.
قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أبو بكر على الناس قال: قدمت عليه فقلت له: يا أبا بكر ألم تك نهيتني عن أن أتأمر على رجلين من المسلمين؟ قال: بلى وأنا الآن أنهاك عن ذلك قال: فقلت له: فما حملك على أن تلي أمر الناس؟ قال: لا أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة.
قال ابن إسحاق: أخبرني يزيد بن أبي حبيب أنه حدث عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل قال: فصحبت أبا بكر وعمر فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يعضوها وقال: وكنت امرأ لبقا جازرا قال: فقلت: أتعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم قال: فأخذت الشفرتين فجزأتها مكاني وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابي فاطبخناه فأكلناه فقال لي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ قال: فأخبرتهما خبره فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما من ذلك قال: فلما قفل الناس من ذلك السفر كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجئته وهو يصلي في بيته قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته قال: أعوف بن مالك؟ قال: قلت: نعم بأبي أنت وأمي قال: أصاحب الجزور؟ ولم يزدني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك شيئا.
غزوة ابن أبي حدرد بطن إضم
وقتل عامر بن الأضبط الأشجعي

(1/430)


قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ومعه متيع له ووطب من لبن قال: فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره وأخذ متيعه قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا " .......... إلى آخر الآية.
قال ابن هشام: قرأ أبو عمرو بن العلاء: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " لهذا الحديث.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه عن جده وكانا شهدا حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها وهو بحنين فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر يختصمان في عامر بن الأضبط الأشجعي: عيينة يطلب بدم عامر وهو يومئذ رئيس غطفان والأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فتداولا الخصومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع فسمعنا عيينة بن حصن وهو يقول: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا وهو يأبى عليه إذ قام رجل من بني ليث يقال له: مكيثر قصير مجموع قال ابن هشام: مكيتل فقال: والله يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها اسنن اليوم وغيره غدا قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا قال: فقبلوا الدية قال: ثم قالوا: أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقام رجل آدم ضرب طويل عليه حلة له قد كان تهيأ للقتل فيها حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا محلم بن جثامة قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ثلاثا قال: فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه قال: فأما نحن فنقول فيما بيننا: إنا لنرجو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استغفر له وأما ما ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس بين يديه: أمنته بالله ثم قتلته! ثم قال له المقالة التي قال قال: فوالله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته والذي نفس الحسن بيده الأرض ثم عادوا له فلفظته الأرض ثم عادوا فلفظته فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه قال: فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال: والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه.
قال ابن إسحاق: وأخبرنا سالم أبو النضر أنه حدث: أن عيينة بن حصن وقيسا حين قال الأقرع بن حابس وخلا بهم يا معشر قيس منعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا يستصلح به الناس أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلعنكم الله بلعنته أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه؟ والله الذي نفس الأقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصنعن فيه ما أراد أو لآتين بخمسين رجلا من بني تميم يشهدون بالله كلهم: لقتل صاحبكم كافرا ما صلى قط فلأطلن دمه فلما سمعوا ذلك قبلوا الدية.
قال ابن هشام: محلم في هذا الحديث كله عن غير ابن إسحاق وهو محلم بن جثامة بن قيس الليثي.
وقال ابن إسحاق: ملجم فيما حدثناه زياد عنه.
غزوة ابن أبي حدرد
لقتل رفاعة بن قيس الجشمي

(1/431)


قال ابن إسحاق: وغزوة ابن أبي حدرد الأسلمي الغابة.
وكان من حديثها فيما بلغني عمن لا أتهم عن ابن أبي حدرد قال: تزوجت امرأة من قومي وأصدقتها مائتي درهم قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي فقال: وكم أصدقت؟ فقلت: مائتي درهم يا رسول الله قال: سبحان الله لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم الله ما عندي ما أعينك به قال: فلبثت أياما وأقبل رجل من بني جشم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من بني جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذا اسم في جشم وشرف قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين معي من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم قال: وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال: تبلغوا عليها واعتقبوها.
قال: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس قال: كمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي قال: فوالله إنا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا قال: وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه.
قال: فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر فقال له نفر ممن معه: والله لا تذهب نحن نكفيك قال: والله لا يذهب إلا أنا قالوا: فنحن معك قال: والله لا يتبعني أحد منكم قال: وخرج حتى يمر بي قال: فلما أمكنني نفحته بسهمي فوضعته في فؤاده قال: فوالله ما تكلم ووثبت إليه فاحتززت رأسه قال: وشددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا قال: فوالله ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم قال: واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجئت برأسه أحمله معي قال: فأعانني رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلي أهلي.
غزوة عبد الرحمن بن عوف
إلى دومة الجندل
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم قال: فقال عبد الله : سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم: كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وأبو سعيد الخدري وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس فقال: يا رسول الله صلى الله عليك أي المؤمنين أفضل؟ فقال: أحسنهم خلقا قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به أولئك الأكياس ثم سكت الفتى وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن: إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم ما مطروا وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " .

(1/432)


ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ثم نقضها ثم عممه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك ثم قال: هكذا يابن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه فحمد الله تعالى وصلى على نفسه ثم قال: خذه يابن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء.
قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل.
غزوة أبي عبيدة بن الجراح
إلى سيف البحر
قال ابن إسحاق: وحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر عليهم أبو عبيدة بن الجراح وزودهم جرابا من تمر فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده عليهم عدا قال: ثم نفد التمر حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة قال: فقسمها يوما بيننا قال: فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم قال: فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وابتللنا وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعها على طريقه ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا قال: فجلس عليه قال: فخرج من تحتها وما مست رأسه قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبرها وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه فقال: رزق رزقكموه الله.
بعث عمرو بن أمية الضمري
لقتال أبي سفيان بن حرب وما صنع في طريقه
قال ابن هشام: ومما لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه بعث عمرو بن أمية الضمري بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثني من أثق به من أهل العلم بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه إلى مكة وأمره أن يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار بن صخر الأنصاري فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؟ فقال عمرو: إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فقال: كلا إن شاء الله فقال عمرو: فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان فوالله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلي رجل من أهل مكة فعرفني فقال عمرو بن أمية: والله إن قدمها إلا لشر فقلت لصاحبي: النجاء فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويخلي عليها فغشينا ونحن في الغار فقلت: إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا.
قال: ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة وصاح صيحة أسمع أهل مكة وأرجع فأدخل مكاني وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا: من ضربك؟ فقال: عمرو بن أمية وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية قال: فلما حاذى الخشبة شد عليها فأخذها فاحتملها وخرجا شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج فرمى بالخشبة في الجرف فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه قال: وقلت لصاحبي: النجاء النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه فإني سأشغل عنك القوم وكان الأنصاري لا رجلة له.
قال: ومضيت حتى أخرج على ضجنان ثم أويت إلى جبل فأدخل كهفا فبينا أنا فيه إذ دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة له فقال: من الرجل؟ فقلت: من بني بكر فمن أنت؟ قال: من بني بكر فقلت: مرحبا فاضطجع ثم رفع عقيرته فقال:
ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولا دان لدين المسلمينا

(1/433)


فقلت في نفسي: ستعلم فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج ثم سلكت ركوبة حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان فقلت أستأسرا فأبيا فأرمي أحدهما بسهم فأقتله واستأسر الآخر فأوثقه رباطا وقدمت به المدينة.
سرية زيد بن حارثة إلى مدين
قال ابن هشام: وسرية زيد بن حارثة إلى مدين ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت الحسين بن علي عليهم رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مدين ومعه ضميرة مولى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وأخ له قالت: فأصاب سبيا من أهل ميناء وهي السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم فخرج رسول الله صلى الله عليه سلم وهم يبكون فقال: ما لهم؟ فقيل: يا رسول الله فرق بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوهم إلا جميعا.
قال ابن هشام: أراد الأمهات والأولاد.
سرية سالم بن عمير لقتل أبي عفك
قال ابن إسحاق: وغزوة سالم بن عمير لقتل أبي عفك أحد بني عمرو بن عوف ثم من بني عبيدة وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن صامت فقال:
لقد عشت دهرا وما إن أرى ... من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفى لمن ... يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم ... يهد الجبال ولم يخضعا
فصدعهم راكب جاءهم ... حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم ... أو الملك تابعتم تبعا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لي بهذا الخبيث فخرج سالم بن عمير أخو بني عمرو بن عوف وهو أحد البكائين فقتله؟ فقالت أمامة المزيرية في ذلك:
تكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمرو الذي أمناك أن بئس ما يمني
حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن
غزوة عمير بن عدي الخطمي
لقتل عصماء بنت مروان
وغزوة عمير بن عدي الخطمي عصماء بنت مروان وهي من بني أمية بن زيد فلما قتل أبو عفك نافقت فذكر عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: وكانت تحت رجل من بني خطمة يقال له يزيد بن زيد فقالت تعيب الإسلام وأهله:
باست بني مالك والنبيت ... وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرءوس ... كما يرتجي مرق المنضج
ألا أنف يبتغي غرة ... فيقطع من أمل المرتجي
قال: فأجابها حسان بن ثابت فقال:
بنو وائل وبنو واقف ... وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها ... بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرقه ... كريم المداخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما ... ء بعد الهدو فلم يحرج
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك ألا آخذ لي من ابنة مروان؟ فسمح ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن عدي الخطمي وهو عنده فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها في بيتها فقتلها ثم أصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد قتلتها فقال نصرت الله ورسوله يا عمير فقال: هل علي شيء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان.
فرجع عمير إلى قومه وبنو خطمة يومئذ كثير موجهم في شأن بنت مروان ولها يومئذ بنون خمسة رجال فلما جاءهم عمير بن عدي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بني خطمة أنا قتلت ابنة مروان فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فذلك اليوم أول ما عز الإسلام في دار بني خطمة وكان يستخفي بإسلامهم فيهم من أسلم وكان أول من أسلم من بني خطمة عمير بن عدي وهو الذي يدعى القارئ وعبد الله بن أوس وخزيمة بن ثابت وأسلم يوم قتلت ابنة مروان رجال من بني خطمة لما رأوا من عز الإسلام.
أسر ثمامة بن أثال الحنفي وإسلامه

(1/434)


بلغني عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال: خرجت خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت رجلا من بني حنيفة لا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتدرون من أخذتم هذا ثمامة بن أثال الحنفي أحسنوا إساره ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه وأمر بلقحته أن يغذى عليه بها ويراح فجعل لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أسلم يا ثمامة فيقول: إيها يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل ما شئت فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يوما: أطلقوا ثمامة فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فلما أمسى جاءوه بما كانوا يأتونه من الطعام فلم ينل منه إلا قليلا وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك: مم تعجبون؟ أمن رجل أكل أول النهار في معي كافر وأكل آخر النهار في معي مسلم! إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل في معي واحد.
قال ابن هشام: فبلغني أنه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبى فكان أول من دخل مكة يلبي فأخذته قريش فقالوا: لقد اخترت علينا فلما قدموه ليضربوا عنقه قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم فخلوه فقال الحنفي في ذلك:
ومنا الذي لبى بمكة معلنا ... برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
وحدثت أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلي ولقد أصبح وهو أحب الوجوه إلي وقال في الدين والبلاد مثل ذلك.
ثم خرج معتمرا فلما قدم مكة قالوا: أصبوت يا ثمام؟ فقال: لا ولكنى اتبعت خير الدين دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل.
سرية علقمة بن مجزز
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز.
لما قتل وقاص بن مجزز المدلجي يوم ذي قرد سأل علقمة بن مجزز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعثه في آثار القوم ليدرك ثأره فيهم.
فذكر عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمرو بن علقمة عن عمرو بن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز قال أبو سعيد الخدري: وأنا فيهم حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيه دعابة فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا ثم قال للقوم: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى قال: أفما أنا آمركم بشيء إلا فعلتموه؟ قالوا: نعم قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار قال: فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها فقال لهم: اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أمركم بمعصية منهم فلا تطيعوه.
وذكر محمد بن طلحة أن علقمة بن مجزز رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا.
سرية كرز بن جابر
لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا
حدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن محمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة محارب وبني ثعلبة عبدا يقال له يسار فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في لقاح له كانت ترعى في ناحية الجماء فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من قيس كبة من بجيلة فاستوبئوا وطحلوا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها فخرجوا إليها.

(1/435)


فلما صحوا وانطوت بطونهم عدوا على راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسار فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم كرز بن جابر فلحقهم فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة ذي قرد فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.
غزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن
وغزوة علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى اليمن غزاها مرتين.
قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدني: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن وبعث خالد بن الوليد في جند آخر وقال: إن التقيتما فالأمير علي بن أبي طالب.
وقد ذكر ابن إسحاق بعث خالد بن الوليد في حديثه ولم يذكره في عدة البعوث والسرايا فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعة وثلاثين.
بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين
وهو آخر البعوث
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون.
قال ابن هشام: وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابتداء شكوى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق: فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد به من كرامته ورحمته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول فكان أول ما ابتدئ به من ذلك فيما ذكر لي أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى ثم أقبل علي فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة قال: فقلت: بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي قبضه الله فيه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول: وارأساه فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه قالت: ثم قال: وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ قالت: قلت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي فأذن له.
ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم
قال ابن هشام: وكن تسعا: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر بن الخطاب وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة وسودة بنت زمعة بن قيس وزينب بنت جحش بن رئاب وميمونة بنت الحارث بن حزن وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار وصفية بنت حيي بن أخطب فيما حدثني غير واحد من أهل العلم.

(1/436)


وكان جميع من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة: خديجة بنت خويلد وهي أول من تزوج زوجه إياها أبوها خويلد بن أسد ويقال أخوها عمرو بن خويلد وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم وكانت قبله عند أبي هالة بن مالك أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار فولدت له هند بن أبي هالة وزينب بنت أبي هالة وكانت قبل أبي هالة عند عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فولدت له عبد الله وجارية.
قال ابن هشام: جارية من الجواري تزوجها صيفي بن أبي رفاعة.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة وهي بنت سبع سنين وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين أو عشر ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها زوجه إياها أبوها أبو بكر وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي زوجه إياها سليط بن عمرو ويقال أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم.
قال ابن هشام: ابن إسحاق يخالف هذا الحديث يذكر أن سليطا وأبا حاطب كانا غائبين كانا غائبين بأرض الحبشة في هذا الوقت.
وكانت قبله عند السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية زوجه إياها أخوها أبو أحمد بن جحش وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيها أنزل الله تبارك وتعالى: " فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " .
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية واسمها هند زوجه إياها سلمة بن أبي سلمة ابنها وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فراشا حشوه ليف وقدحا وصحفة ومجشة وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد واسمه عبد الله فولدت له سلمة وعمر وزينب ورقية.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب زوجه إياها أبوها عمر بن الخطاب وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمي.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص وهما بأرض الحبشة وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار وهو الذي كان خطبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الأسدي.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية كانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس الأنصاري فكاتبها على نفسها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها فقال لها: هل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ فقالت: نعم فتزوجها.
قال ابن هشام: حدثنا بهذا الحديث زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة.

(1/437)


قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث فكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة وأمره بالاحتفاظ بها وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليك فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله تعالى فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له وناس من قومه وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت وحسن إسلامها وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فزوجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابن عم لها يقال له عبد الله.
قال ابن هشام: ويقال اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابت بن قيس فأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب سباها من خيبر فاصطفاها لنفسه وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليمة ما فيها شحم ولا لحم كان سويقا وتمرا وكانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم وكانت قبله عند أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ويقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم انتهت إليها وهي على بعيرها فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله فأنزل الله تبارك وتعالى: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " ويقال: إن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ويقال أم شريك غزية بنت جابر بن وهب من بني منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي ويقال: بل هي امرأة من بني سامة بن لؤي فأرجأها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم زوجه إياها قبيصة بن عمرو الهلالي وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث وهو ابن عمها.
فهؤلاء اللاتي بنى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة فمات قبله منهن اثنتان: خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة وتوفي عن تسع قد ذكرناهن في أول هذا الحديث واثنتان لم يدخل بهما: أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها فوجد بها بياضا فمتعها وردها إلى أهلها وعمرة بنت يزيد الكلابية وكانت حديثة عهد بكفر فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منيع عائذ الله فردها إلى أهلها ويقال: إن التي استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كندية بنت عم لأسماء بنت النعمان ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاها فقالت: إنا قوم نؤتى ولا نأتي فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهلها.

(1/438)


القرشيات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ست: خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وعائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.
والعربيات وغيرهن سبع: زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان وزينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ثم المصطلقية وأسماء بنت النعمان الكندية وعمرة بنت يزيد الكلابية.
ومن غير العربيات: صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير.
تمريض رسول الله في بيت عائشة
قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين رجلين من أهله: أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي.
قال عبيد الله فحدثت هذا الحديث عبد الله بن العباس فقال: هل تدري من الرجل الآخر؟ قال: قلت: لا؟ قال: علي بن أبي طالب.
ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه فقال هريقوا على سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم.
قال ابن إسحاق: وقال الزهري: حدثني أيوب بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم ثم قال: إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عند الله قال: ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد فبكى وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا فقال: على رسلك يا أبا بكر ثم قال: انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد فسدوها إلا بيت أبي بكر فإني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه.
قال ابن هشام: ويروى: إلا باب أبي بكر.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ في كلامه هذا: فإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده.
وقال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد وهو في وجعه فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.
فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: أيها الناس أنفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها.
قال: ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكمش الناس في جهازهم واستعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره وتتام إليه الناس وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/439)


وقال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدثني عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم صلى واستغفر لأصحاب أحد وذكر من أمرهم ما ذكر مع مقالته يومئذ: يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرا فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.
قال عبد الله: ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر. قال عبد الله: فاجتمع إليه نساء من نسائه: أم سلمة وميمونة ونساء من نساء المسلمين منهن أسماء بنت عميس وعنده العباس عمه فأجمعوا أن يلدوه وقال العباس: لألدنه قال: فلدوه فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صنع هذا بي؟ قالوا: يا رسول الله عمك قال: هذا دواء أتى به نساء جئن من نحو هذه الأرض وأشار نحو أرض الحبشة قال: ولم فعلتم ذلك؟ فقال عمه العباس: خشينا يا رسول الله أن يكون بك ذات الجنب فقال: إن ذلك لداء ما كان الله عز وجل ليقذفني به لا يبق في البيت أحد إلا لد إلا عمي فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوبة لهم بما صنعوا به.
قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن أسامة عن أبيه أسامة بن زيد قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فأعرف أنه يدعو لي.
قال ابن إسحاق: وقال ابن شهاب الزهري: حدثني عبيد بن عبد الله بن عتبة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما أسمعه يقول: إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره قالت: فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخر كلمة سمعتها وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة قالت: فقلت: إذا والله لا يختارنا وعرفت أنه الذي كان يقول لنا: إن نبيا لم يقبض حتى يخير.
قال الزهري: وحدثني حمزة بن عبد الله بن عمر أن عائشة قالت: لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت: قلت: يا نبي الله إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن.
قال: مروه فليصل بالناس قالت: فعدت بمثل قولي فقال: إنكن صواحب يوسف فمروه فليصل بالناس قالت: فوالله ما أقول ذلك إلا أني كنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر.
قال ابن إسحاق: وقال ابن شهاب: حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد قال: لما استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده في نفر من المسلمين قال: دعاه بلال إلى الصلاة فقال: مروا من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقلت: قم يا عمر فصل بالناس قال: فقام فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر رجلا مجهرا قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون قال: فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس قال: قال عبد الله بن زمعة: قال لي عمر: ويحك ماذا صنعت بي يا بن زمعة والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس قال: قلت والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ولكني حين لم أرى أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس.

(1/440)


قال ابن إسحاق: وقال الزهري: حدثني أنس بن مالك: أنه لما كان يوم الإثنين الذي قبض الله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على باب عائشة فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فرحا به وتفرجوا فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة قال: ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق من وجعه فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث عن القاسم بن محمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين سمع تكبير عمر في الصلاة: أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك المسلمون فلولا مقالة قالها عمر عند وفاته لم يشك المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف أبا بكر ولكنه قال عند وفاته: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني وإن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني فعرف الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا وكان عمر غير متهم على أبي بكر.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مليكة قال: لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصبا رأسه إلى الصبح وأبو بكر يصلي بالناس فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الناس فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنكص عن مصلاه فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظهره وقال: صل بالناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فصلى قاعدا عن يمين أبي بكر فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: أيها الناس سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإني والله ما تمسكون علي بشيء إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ولم أحرم إلا ما حرم القرآن.
قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه قال له أبو بكر: يا نبي الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب واليوم يوم بنت خارجة أفآتيها؟ قال: نعم ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح.
قال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدثني عبد الله بن كعب بن مالك عن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أصبح بحمد الله بارئا قال: فأخذ العباس بيده ثم قال: يا علي أنت والله عبد العصا بعد ثلاث أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه وإن كان في غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس قال: فقال له علي: إني والله لا أفعل والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده.
فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحاء من ذلك اليوم.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عروة عن عائشة قال: قالت: رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد فاضطجع في حجري فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر قالت: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في يده نظرا عرفت أنه يريده قالت: فقلت: يا رسول الله أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته ثم أعطيته إياه قالت: فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط ثم وضعه ووجدت رسول الله صلى الله عليه يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة قالت: فقلت: خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق قالت: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/441)


قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: سمعت عائشة تقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.
قال ابن إسحاق: قال الزهري وحدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات.
قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم أقبل عليه فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا قال: ثم رد البرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر أنصت فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال: ثم تلا هذه الآية: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين " .
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ قال: وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم قال: فقال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.
أمر سقيفة بني ساعدة
قال ابن إسحاق: ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل فأتى آت إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه.

(1/442)


قال ابن إسحاق: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال: أخبرني عبد الرحمن بن عوف قال: وكنت في منزله بمنى أنتظره وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدني في منزله بمنى أنتظره وكنت أقرئه القرآن قال ابن عباس فقال لي عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت. قال: فغضب عمر فقال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة وتخلص بأهل الثقة وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا فيعي أهل الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها قال: فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.

(1/443)


قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زالت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف قال: فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك وقال: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهل له ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها ولا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وعلمناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء وإذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم وقولوا: عبد الله ورسوله " ثم إنه قد بلغني أن فلانا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم وقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم قال: قلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة من قومكم قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر فكرهت أن أغضبه فتكلم وهو كان أعلم مني وأوقر فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل حتى سكت قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا ولم أكره شيئا مما قاله غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتامر على قوم فيهم أبو بكر.
قال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الإختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.

(1/444)


قال ابن إسحاق: قال الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة والآخر معن بن عدي أخو بني العجلان فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين قال الله عز وجل لهم: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم المرء منهم عويم بن ساعدة وأما معن بن عدي فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله عز وجل وقالوا: والله لوددنا أن متنا قبله إنا نخشى أن نفتتن بعده قال معن بن عدي: لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا فقتل معن يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب.
قال ابن إسحاق: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم أمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا يقول: يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.
فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامد إلى حاجة له وفي يده الدرة وما معه غيري قال: وهو يحدث نفسه ويضرب وحشي قدمه بدرته قال: إذ التفت إلي فقال: يابن عباس هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين أنت أعلم قال: فإنه والله إن كان الذي حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت.
جهاز رسول الله ودفنه
قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر رضي الله عنه أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء فحدثني عبد الله بن أبي بكر وحسين بن عبد الله وغيرهما من أصحابنا: أن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين ولوا غسله وأن أوس بن خولي أحد بني عوف بن الخزرج قال لعلي بن أبي طالب: أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر قال: ادخل فدخل فجلس وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسنده علي بن أبي طالب إلى صدره وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه وكان أسامة بن زيد وشقران مولاه هما اللذان يصبان الماء عليه وعلي يغسله قد أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيا وميتا ولم ير من رسول الله شيء مما يرى من الميت.

(1/445)


قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه قالت: فقاموا إلى رسول الله فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا كما حدثني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي بن الحسين والزهري عن علي بن الحسين.
قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة يلحد فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح وللآخر اذهب إلى أبي طلحة اللهم خر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وضع في سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه فقال قائل: ندفنه في مسجده وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه فحفر له تحته ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا دخل الرجال حتى إذا فرغوا أدخل النساء حتى فرغ النساء أدخل الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد.
ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الاربعاء.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن امرأته فاطمة بنت عمارة عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة رضي الله عنها جوف الليل من ليلة الأربعاء.
وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وقثم بن عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال أوس بن خولي لعلي بن أبي طالب: يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: انزل فنزل مع القوم وقد كان مولاه شقران حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وبنى عليه قد أخذ قطيفة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويفترشها فدفنها في القبر وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا.
قال: فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أخذت خاتمي فألقيته في القبر وقلت: إن خاتمي سقط مني وإنما طرحته عمدا لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون أحدث الناس عهدا به صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث قال: اعتمرت مع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب فلما فرغ من عمرته رجع فسكب له غسل فاغتسل فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا الحسن جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه؟ قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أجل عن ذلك جئنا نسألك قال: كذب قال: أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس.
قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة حدثته قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء حين اشتد به وجعه قالت: فهو يضعها مرة على وجهه ومرة يكشفها عنه ويقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر من ذلك على أمته.

(1/446)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية