صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تهذيب سيرة ابن هشام
المؤلف : عبد السلام هارون
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته قال: قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.
قال ابن إسحاق: وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر فقال: يا رسول الله جئتك مسلما وجئتك أطلب دية أخي قتل خطأ فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال في شعر يقوله:
شفى النفس أن قد مات بالقاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع
وقال مقيس بن صبابة أيضا:
جللته ضربة باءت لها وشل ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بني بكر إذا ظلموا
قال ابن هشام: وكان شعار المسلمين يوم بني المصطلق: يا منصور أمت أمت.
قال ابن إسحاق: وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكا وابنه وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلا من فرسانهم يقال له: أحمر أو أحيمر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبيا كثيرا فشا قسمه في المسلمين وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها صلى الله عليه وسلم ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت: نعم يا رسول الله قال: قد فعلت.
قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.
قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث وكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة وأمره بالاحتفاظ بها وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له وناس من قومه وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت وحسن إسلامها فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فزوجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم.

(1/317)


قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم فبينا هم على ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعا فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله ووالله ما جئنا لذلك فأنزل الله تعالى فيه وفيهم " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يعطيكم في كثير من الأمر لعنتم " .... إلى آخر الآية.
وقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك كما حدثني من لا أتهم عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها حتى إذا كان قريبا من المدينة وكانت معه عائشة في سفره ذلك قال فيها أهل الإفك ما قالوا.
خبر الإفك في غزوة بني المصطلق
قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري عن علقمة بن وقاص وعن سعيد بن جبير وعن عروة بن الزبير وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كل قد حدثني بعض هذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض وقد جمعت لك الذي حدثني القوم.
قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه وكل كان عنها ثقة فكلهم حدث عنها ما سمع قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن معه فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به قالت: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء القوم خلافي الذين كان يرحلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب قد انطلق الناس.
قالت: فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إلي قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأنا متلففة في ثيابي قال: ما خلفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلمته ثم قرب البعير فقال: اركبي واستأخر عني قالت: فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي فقال أهل الإفك ما قالوا فارتعج العسكر ووالله ما أعلم بشيء من ذلك.

(1/318)


ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني من ذلك شيء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك فأنكرت ذلك منه كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال ابن هشام: وهي أم رومان واسمها زينب بنت عبد دهمان أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة قال: كيف تيكم لا يزيد على ذلك.
قال ابن إسحاق: قالت: حتى وجدت في نفسي فقلت: يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي: لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك قالت: فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها ونكرهها إنما كنا نذهب في فسح المدينة وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالت: فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح! ومسطح لقب واسمه عوف قالت: قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك قالت: قلت: أوقد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت: وقلت لأمي: يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا! قالت: أي بنية خفضي عليك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.
قالت: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي.
قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة بنت جحش فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فشقيت بذلك.
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت: فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال: كذبت لعمر الله لا نضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا فقال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين قالت: وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي.
قالت فدعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى علي خيرا وقاله ثم قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا وهذا الكذب والباطل وأما علي فإنه قال: يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف وسل الجارية فإنها ستصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها قالت: فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا ويقول: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله.

(1/319)


قالت: ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي معي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس فاتقي الله وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده قالت: فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب به الله عني لما يعلم من براءتي أو يخبر خبرا فأما قرآن ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك قالت: فلما لم أر أبوي يتكلمان قالت: قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام قالت: فلما أن استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " قالت: فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجي بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله عز وجل غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس قالت: ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت: قلت: بحمد الله ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت حجش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار: أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله قال: فعائشة والله خير منك.
قالت: فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال تعالى: " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا.
قال ابن هشام: ويقال: وذلك عبد الله بن أبي وأصحابه.
قال ابن هشام: والذي تولى كبره عبد الله بن أبي وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في هذا الحديث قبل هذا ثم قال تعالى: " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " : أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته ثم قال: " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم " .
فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة وأدخل علينا قالت: فأنزل الله في ذلك " ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم " .
قال ابن هشام: يقال: كبره وكبره في الرواية وأما في القرآن فكبره بالكسر.
قال ابن هشام: " ولا يأتل أولوا الفضل منكم " ولا يأل أولو الفضل منكم.
قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
ألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتل

(1/320)


وهذا البيت في قصيدة له ويقال: " ولا يأتل أولوا الفضل " : ولا يحلف أولو الفضل وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري فيما بلغنا عنه.
وفي كتاب الله تعالى: " للذين يؤلون من نسائهم " وهو من الألية والألية: اليمين قال حسان بن ثابت:
آليت ما في جميع الناس مجتهدا ... مني ألية بر غير إفناد
وهذا البيت في أبيات له سأذكرها إن شاء الله في موضعها فمعنى: أن يؤتوا في هذا المذهب: أن لا يؤتوا وفي كتاب الله عز وجل " يبين الله لكم أن تضلوا " يريد: أن لا تضلوا " " ويمسك السماء أن تقع على الأرض " يريد أن لا تقع على الأرض وقال ابن مفرغ الحميري:
لا ذعرت السوام في وضح الصبح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا
يريد: أن لا أحيد وهذان البيتان في أبيات له.
قال ابن إسحاق: قالت: فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
قال ابن إسحاق: ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر فقال:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه ... أو كان منتشبا في برثن الأسد
ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه ... من دية فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح شامية ... فيغطئل ويرمي العبر بالزبد
يوما بأغلب مني حين تبصرني ... ملغيظ أفرى كفرى العارض البرد
أما قريش فإني لن أسالمهم ... حتى ينيبوا من الغيات للرشد
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة ... ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم ... حق ويوفوا بعهد الله والوكد
فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف ثم قال: كما حدثني يعقوب بن عتبة:
تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن ثابت بن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله قال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله قال: لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان بن المعطل فقال ابن المعطل: يا رسول الله: آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: أحسن يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك قال: هي لك يا رسول الله.
قال ابن هشام: ويقال: أبعد أن هداكم الله للإسلام.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحاء وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة وكانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمه قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان قالت: وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجده رجلا حصورا ما يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا.
قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة رضي الله عنها:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وظهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل

(1/321)


له رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل
قال ابن هشام: بيته: " عقيلة حي " والذي بعده وبيته: " له رتب عال " عن أبي زيد الأنصاري.
قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة فقالت:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة: لكن أبوها.
قال ابن إسحاق: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه في فريتهم على عائشة قال ابن هشام: في ضرب حسان وصاحبيه:
لقد ذاق حسان الذي كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ... وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا ... مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها ... شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح
أمر الحديبية في آخر سنة ست
وذكر بيعة الرضوان والصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي.
قال ابن إسحاق: واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أن يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الأعراب وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي قال ابن هشام: ويقال بسر فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله قال: فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للناس قولوا نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها.

(1/322)


قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة قال: فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم رجعوا راكضين إلى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقالت الناس: خلأت الناقة قال: ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس: انزلوا قيل له: يا رسول الله: ما بالوادي ماء ننزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم: أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمر بن واثلة بن سهم بن مازن بن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام: أفصى بن حارثة.
قال ابن إسحاق: وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم أي ذلك كان.
وقد أنشدت أسلم أبياتا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:
يأيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكما قال ابن هشام: ويروى:
إني رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق: فقال ناجية وهو في القليب يميح على الناس:
قد علمت جارية يمانيه ... أني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذات رشاش واهيه ... طعنتها عند صدور العادية
فقال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا هذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.
قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة.
قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: هذا رجل غادر فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى فقال لهم ذلك قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد قال: فقالوا له: مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

(1/323)


قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليها عنوة أبدا وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد فقال: امصص بظر اللات أنحن نتكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه قال: والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك قال: فيقول عروة: ويحك! ما أفظك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس.
قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر.
قال ابن إسحاق: قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا.
فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره سيئ إلا أخذوه فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس: أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل.
ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته.
قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل.

(1/324)


بيعة الرضوان
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر.
فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.
قال ابن هشام: فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي: أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي.
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن أبي عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان فضرب بإحدى يديه على الأخرى.
قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: ائت محمدا فصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى قال: أولسنا بالمسلمين قال: بلى قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني! قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ! مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا.
قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمدا من قريش يغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وإن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها.

(1/325)


فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه ثم قال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال: صدقت فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب قال: ويدني قائم السيف منه قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله ابن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلي بن أبي طالب وكتب وكان هو كاتب الصحيفة.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل وكان يصلي في الحرم فلما فرغ من الصلح قدم إلى هدية فنحره ثم جلس فحلق رأسه وكان الذي حلقه فيما بلغني في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين فقالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لم يشكوا.
وقال عبد الله بن أبي نجيح: حدثني مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين.
قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سور الفتح: " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما " .
ثم كانت القصة فيه وفي أصحابه حتى انتهى من ذكر البيعة فقال جل ثناؤه: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " .
ثم ذكر من تخلف عنه من الأعراب ثم قال: حين استفزهم للخروج معه فأبطئوا عليه: " سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا " ثم القصة عن خبرهم حتى انتهى إلى قوله: " سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل " ثم القصة عن خبرهم وما عرض عليهم من جهاد القوم أولي البأس الشديد.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: فارس قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الزهري أنه قال: أولوا البأس الشديد حنيفة مع الكذاب.
ثم قال تعالى: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا " .

(1/326)


ثم ذكر محبسه وكفه إياه عن القتال بعد الظفر منه بهم يعني النفر الذين أصاب منهم وكفهم عنه ثم قال تعالى: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا " ثم قال تعالى: " هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله " .
قال ابن هشام: المعكوف: المحبوس قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وكأن السموط عكفه السلك بعطفي جيداء أم غزال
وهذا البيت في قصيدة له: قال ابن إسحاق: " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم " والمعرة: الغرم أي أن تصيبوا منهم معرة بغير علم فتخرجوا ديته فإما إثم فلم يخشه عليهم.
قال ابن هشام: بلغني عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية في الوليد بن الوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل وأشباههم.
قال ابن إسحاق: ثم قال تبارك وتعالى: " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية " يعني سهيل بن عمرو حين حمي أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم وأن محمدا رسول الله ثم قال تعالى: " فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى " وكانوا أحق بها وأهلها: أي التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
ثم قال تعالى: " لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا " : أي لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رأى أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف يقول: محلقين رءوسكم ومقصرين معه لا تخافون فعلم من ذلك ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا صلح الحديبية.
يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وآمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ولقد دخل تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.
ما جرى عليه أمر قوم من المستضعفين بعد الصلح
قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية وكان ممن حبس بمكة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك قال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا.
فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم قال: أنظر إليه؟ قال: انظر إن شئت قال: فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعا قال: إن هذا الرجل قد رأى فزعا فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك! ما لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال!

(1/327)


ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: " ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال! فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلا وكانوا قد ضيقوا على قريش لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه لا تمر بهم عير إلا اقتطعوها حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل بأرحامها إلا آواهم فلا حاجة لهم فآواهم رسول الله صلى الله عليه فقدموا عليه المدينة.
قال ابن هشام: أبو بصير ثقفي.
قال ابن إسحاق: فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري أسند ظهره إلى الكعبة ثم قال: والله أخر ظهري عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل فقال أبو سفيان بن حرب: والله إن هذا لهو السفه والله لا يودي ثلاثا فقال في ذلك موهب بن رياح أبو أنيس حليف بني زهرة: قال ابن هشام: أبو أنيس أشعري:
أتاني عن سهيل ذرء قول ... فأيقظني وما بي من رقاد
فإن تكن العتاب تريد مني ... فعاتبني فما بك من بعادي
أتوعدني وعبد مناف حولي ... بمخزوم ألهفا من تعادي
فإن تغمز قناتي لا تجدني ... ضعيف العود في الكرب الشداد
أسامي الأكرمين أبا بقومي ... إذا وطئ الضعيف بهم أرادي
هم منعوا الظواهر غير شك ... إلى حيث البواطن فالعوادي
بكل طمرة وبكل نهد ... سواهم قد طوين من الطراد
لهم بالخيف قد علمت معد ... رواق المجد رفع بالعماد
فأجابه عبد الله بن الزبعري فقال:
وأمسى موهب كحمار سوء ... أجاز ببلدة فيها ينادي
فإن العبد مثلك لا يناوى ... سهيلا ضل سعيك من تعادي
فاقصر يابن قين السوء عنه ... وعد عن المقالة في البلاد
ولا تذكر عتاب أبي يزيد ... فهيهات البحور من الثماد
أمر المهاجرات بعد الهدنة
قال ابن إسحاق: وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل أبى الله ذلك.
قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري عن عروة بن الزبير قال: دخلت عليه يكتب كتابا إلى ابن أبي هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر " .
قال ابن هشام: واحدة العصم: عصمة وهي الحبل والسبب قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
إلى المرء قيس نطيل السرى ... ونأخذ من كل حي عصم
وهذا البيت في قصيدة له.
" واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم " .
قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلك حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء كما رد الرجال ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقا وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.

(1/328)


قال ابن إسحاق: وسألت الزهري عن هذه الآية وقول الله عز وجل فيها: " وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " فقال: يقول: إن فات أحدا منكم أهله إلى الكفار ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل يأخذون منكم فعوضوهم من فيء إن أصبتموه فلما نزلت هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات " ...... إلى قول الله عز وجل " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " كان ممن طلق عمر بن الخطاب طلق امرأته قريبه بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله بن عمر الخزاعية فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجلا من قومه وهما على شركهما.
قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا: لا قال: فهو كما قال لي جبريل عليه السلام.
ذكر المسير إلى خيبر
قال محمد بن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم وولي تلك الحجة المشركون ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة بن عبد الله الليثي ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكانت بيضاء.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر ابن الأكوع وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع وكان اسم الأكوع سنان: انزل يابن الأكوع فخذ لنا من هناتك قال: فنزل يرتجز برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا وكان قتله فيما بلغني أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا: إنما قتله سلاحه حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأخبره بقول الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لشهيد وصلى عليه فصلى عليه المسلمون.
قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن أبي معتب بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: قفوا ثم قال: اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله قال: وكان يقولها عليه السلام لكل قرية دخلها.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه فركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش قالوا: محمد والخميس معه! فأدبروا هرابا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.
قال ابن إسحاق: حدثنا هارون عن حميد عن أنس بمثله.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر فبنى له فيها مسجد ثم على الصهباء ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم بين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/329)


فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أمولاهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر.
وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال يأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه منه رحا فقتلته ثم القموص حصن بني أبي الحقيق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه.
وكان دحية بن خليفة الكلبي قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية فلما أصفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها وفشت السبايا من خيبر في المسلمين.
وأكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية من حمرها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى الناس عن أمور سماها لهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عمرو بن ضمرة الفزاري عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه قال: أتانا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن إتيان الحبالى من السبايا وعن أكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السباع وعن بيع المغانم حتى تقسم.
قال ابن إسحاق: وحدثني سلام بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله الأنصاري ولم يشهد جابر خيير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في أكل لحوم الخيل.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش الصنعاني قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري المغرب فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة فقام فينا خطيبا فقال: يأيها الناس إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره يعني إتيان الحبالى من السبايا ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الأخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه حدث عن عبادة بن الصامت قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين وتبر الفضة بالورق العين وقال: ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين وتبر الفضة بالذهب العين.
قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والأموال.
فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض أسلم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا فغدا الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه.
قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة.
قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: يا منصور أمت أمت.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أخو بني حارثة عن جابر بن عبد الله قال: خرج مرحب اليهودي من حصنهم قد جمع سلاحه يرتجز وهو يقول:

(1/330)


قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماي للحمى لا يقرب وهو يقول: من يبارز؟ فأجابه كعب بن مالك فقال:
قد علمت خيبر أني كعب ... مفرج الغمى جرئ صلب
إذ شبت الحرب تلتها الحرب ... معي حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حتى يذل الصعب ... نعطي الجزاء أو يفيء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الأنصاري:
قد علمت خيبر أني كعب ... وأنني متى تشب الحرب
ماض على الهول جريء صلب ... معي حسام كالعقيق غضب
بكف ماض ليس فيه عتب ... ندككم حتى يذل الصعب
قال ابن هشام: ومرحب من حمير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن سهل عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذا؟ قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخي بالأمس فقال: فقم إليه اللهم أعنه عليه قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها حتى برز كل واحد منها لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله.
قال ابن إسحاق: ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول: من يبارز؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابني يا رسول الله! قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة: أن الزبير كان إذا قيل له: والله إن كان سيفك يومئذ لصارما عضبا قال: والله ما كان صارما ولكني أكرهته.
قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن أبيه سفيان عن سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه برايته وكانت بيضاء فيما قال ابن هشام إلى بعض حصون خيبر فقاتل فرجع ولم يك فتح وقد جهد ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يك فتح وقد جهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار قال: يقول سلمة: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضوان الله عليه وهو أرمد فتفل في عينه ثم قال: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك.
قال: يقول سلمة: فخرج والله بها يأنح يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب قال: يقول اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن الحسن عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده فتناول علي عليه السلام بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.

(1/331)


قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليسر كعب بن عمرو قال: والله إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يطعمنا من هذا الغنم؟ قال أبو اليسر: فقلت: أنا يا رسول الله قال: فافعل قال: فخرجت أشتد مثل الظليم فلما نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال: اللهم أمتعنا به قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلاكا فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال: أمتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم هلكا.
قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص حصن بني أبي الحقيق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي بن أخطب وبأخرى معها فمر بهما بلال وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اعزبوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال فيما بلغني حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟ وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها فأتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه فسألها ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر.
؟بقية أمر خيبر وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعرف مكانه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من يهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.
وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة مصالحة أهل خيبر فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم فصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر فيئا بين المسلمين وكانت فدك خالصة الرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.

(1/332)


فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما بشر فأساغها وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم فاعترفت فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بشر من أكلته التي أكل.
قال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان ابن أبي سعيد بن المعلى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده: يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي ثم انصرف راجعا إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن يزيد عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبي هريرة قال: فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيني.
قال ابن هشام: جذام أخو لخم.
قال: فوالله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله فقلنا هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحترق عليه في النار كان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر قال: فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال: يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي قال: فقال: يقد لك مثلهما من النار.
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن مغفل المزني قال: أصبت من فئ خيبر جراب شحم فاحتملته على عاتقي إلى رحلي وأصحابي قال: فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها فأخذ بناحيته وقال: هلم هذا نقسمه بين المسلمين قال: قلت: لا والله لا أعطيكه قال: فجعل يجاذبني الجراب قال: فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم: لا أبا لك خل بينه وبينه قال: فأرسله فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه.
قال ابن إسحاق: ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر أو ببعض الطريق وكانت التي جملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك فبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشحا سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى مكانه قال: ما لك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفره فخفتها عليك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني.

(1/333)


قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر فكان ببعض الطريق قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال: أنا يا رسول الله أحفظه عليك فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الناس فناموا وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله عز وجل أن يصلي ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام فلم يوقظهم إلا مس الشمس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هب فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال؟ قال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك قال: صدقت ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس فلما سلم أقبل على الناس فقال: " إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها فإن الله تبارك وتعالى يقول: " أقم الصلاة لذكري " .
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن وكان فتح خيبر في صفر فقال ابن لقيم العبسي في خيبر:
رميت نطاة من الرسول بفيلق ... شهباء ذات مناكب وفقار
واستيقنت بالذل لما شيعت ... ورجال أسلم وسطها وغفار
صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة ... والشق أظلم أهله بنهار
جرت بأبطحها الذيول فلم تدع ... إلا الدجاج تصيح في الأسحار
ولكل حصن شاغل من خيلهم ... من عبد أشهل أو بني النجار
ومهاجرين قد أعلموا سيماهم ... فوق المغافر لم ينوا لفرار
ولقد علمت ليغلبن محمد ... وليثوين بها إلى أصفار
فرت يهود يوم ذلك في الوغى ... تحت العجاج غمائم الأبصار
قال ابن هشام: فرت: كشفت كما تفر الدابة بالكشف عن أسنانها يريد كشفت عن جفون العيون غمائم الأبصار يريد الأنصار.
قال ابن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من نساء المسلمين فرضخ لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء ولم يصرب لهن بسهم.
قال ابن إسحاق: حدثني سليمان بن سحيم عن أمية بن أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال: على بركة الله قالت: فخرجنا معه وكنت جارية حدثة فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله قالت: فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني وكانت أول حيضة حضتها قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: ما لك؟ لعلك نفست قالت: قلت: نعم قال: فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عود لمركبك.
قالت: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر رضخ لنا من الفيء وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي فوالله لا تفارقني أبدا.
قالت: فكانت في عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها قالت: وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت.
قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد بخيبر من المسلمين من قريش ثم من بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم: ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن بكير بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد وثقيف بن عمرو ورفاعة بن مسروح.
ومن بني أسد بن عبد العزى: عبد الله الهبيب ويقال: ابن الهبيب فيما قال ابن هشام: ابن أهيب بن سحيم بن غيرة من بني سعد بن ليث لحيف لبني أسد وابن أختهم.
ومن الأنصار ثم من بني سلمة: بشر بن البراء بن معرور مات من الشاة التي سم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفضيل بن النعمان رجلان.
ومن بني زريق: مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق.
ومن الأوس ثم من بني عبد الأشهل: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث حليف لهم من بني حارثة.

(1/334)


ومن بني عمرو بن عوف: أبو ضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف والحارث بن حاطب وعروة بن مرة بن سراقة وأوس بن القائد وأنيف بن حبيب وثابت بن أثلة وطلحة.
ومن بني غفار: عمارة بن عقبة رمي بسهم.
ومن أسلم: عامر بن الأكوع والأسود الراعي وكان اسمه أسلم.
قال ابن هشام: الأسود الراعي من أهل خيبر.
وممن استشهد بخيبر فيما ذكر ابن شهاب الزهري من بني زهرة: مسعود بن ربيعة حليف لهم من القارة.
ومن الأنصار بني عمرو بن عوف: أوس بن قتادة.
؟؟أمر الأسود الراعي في حديث خيبر
قال ابن إسحاق: وكان من حديث الأسود الراعي فيما بلغني: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم له كان فيها أجيرا لرجل من يهود فقال: يا رسول الله اعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه فلما أسلم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي فكيف أصنع بها قال: اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها أو كما قال فقال الأسود فأخذ حفنة من الحصى فرمى بها في وجوهها وقال: ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله وما صلى لله صلاة قط قأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع خلفه وسجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجته من الحور العين.
قال ابن إسحاق: وأخبرني عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين عليه تنفضان التراب عن وجهه وتقولان: ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك.
أمر الحجاج بن علاط السلمي
قال ابن إسحاق: ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال: يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة وكانت عنده له منها معرض بن الحجاج ومال متفرق في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له قال: إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول قال: قل قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثينة البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي عنده والله الخبر أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز قال: قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم قال: فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.
قال ابن هشام: ويقال: من فيء محمد.

(1/335)


قال ابن إسحاق: قال فقاموا فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عني أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال: فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم قال: قلت: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء فإني في جمع مالي كما ترى فانصرف عني حتى أفرغ قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال: أفعل قلت: فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم يعني صفية بنت حيي ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه فقال: ما تقول يا حجاج؟ قال: قلت: إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا من أن أغلب عليه فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد الحر المصيبة قال: كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه قالوا: يا لعباد الله! انفلت عدو الله أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن قال: ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.
قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم خيبر قول حسان بن ثابت:
بئسما قاتلت خيابر عما ... جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستبيح حماهم ... وأقروا فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهربون فإن الموت موت الهزال غير جميل
وقال حسان بن ثابت أيضا وهو يعذر أيمن بن أم أيمن بن عبيد كان قد تخلف عن خيبر وهو من بني عوف بن الخزرج وكانت أمه أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أم أسامة بن زيد فكان أخا أسامة لأمه:
على حين أن قالت لأيمن أمه ... جبنت ولم تشهد فوارس خيبر
وأيمن لم يجبن ولكن مهره ... أضر به شرب المديد المخمر
ولولا الذي قد كان من شأن مهره ... لقاتل فيهم فارسا غير أعسر
ولكنه قد صده فعل مهره ... وما كان منه عنده غير أيسر
قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد هذه الأبيات لكعب بن مالك وأنشدني:
ولكنه قد صده شأن مهره ... وما كان لولا ذاكم بمقصر
قال ابن إسحاق: وقال ناجية بن جندب الأسلمي:
يا لعباد الله فيم يرغب ... ما هو إلا مأكل ومشرب
وجنة فيها نعيم معجب وقال ناجية بن جندب الأسلمي أيضا:
أنا لمن أنكرني ابن جندب ... يا رب قرن في مكري أنكب
طاح بمغدى أنسر وثعلب قال ابن هشام: وأنشدني بعض الرواة للشعر قوله: " في مكري " و " طاح بمغدى " .
وقال كعب بن مالك في يوم خيبر فيما ذكر ابن هشام عن أبي زيد الأنصاري:
ونحن وردنا خيبرا وفروضه ... بكل فتى عاري الأشاجع مذود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى ... جريء على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة ... ضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمد ... ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمد
يصدق بالأنباء بالغيب مخلصا ... يريد بذاك الفوز والعز في غد
ذكر مقاسم خيبر وأموالها

(1/336)


قال ابن إسحاق: وكانت المقاسم على أقوال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وطعم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل فدك بالصلح منهم محيصة بن مسعود أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا من شعير وثلاثين وسقا من تمر وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها وكان وادياها وادي السريرة ووادي خاص وهما اللذان قسمت عليهما خيبر وكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما وقسمت الشق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم.
وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم الرجال أربع عشرة مائة والخيل مائتا فارس وكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم وكان لكل راجل سهم فكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما جمع.
قال ابن هشام: وفي يوم خيبر عرب رسول الله صلى الله عليه وسلم العربي من الخيل وهجن الهجين.
قال ابن إسحاق: فكان علي بن أبي طالب رأسا والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي أخو بني العجلان وأسيد بن حضير وسهم الحارث بن الخزرج وسهم ناعم وسهم بني بياضة وسهم بني عبيدة وسهم بني حرام من بني سلمة وعبيد السهام.
قال ابن هشام: وإنما قيل له عبيد السهام لما اشترى من السهام يوم خيبر وهو عبيد بن أوس أحد بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
قال ابن إسحاق: وسهم ساعدة وسهم غفار وأسلم وسهم النجار وسهم حارثة وسهم أوس فكان أول سهم خرج من خيبر بنطاة سهم الزبير بن العوام وهو الخوع وتابعه السرير ثم كان الثاني سهم بياضة ثم كان الثالث سهم أسيد ثم كان الرابع سهم بني الحارث بن الخزرج ثم كان الخامس سهم ناعم لبني عوف بن الخزرج ومزينة وشركائهم وفيه قتل محمود بن مسلمة فهذه نطاة.
ثم هبطوا إلى الشق فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدي أخي بني العجلان ومعه كان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سهم عبد الرحمن بن عوف ثم سهم ساعدة ثم سهم النجار ثم سهم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ثم سهم طلحة بن عبيد الله ثم سهم غفار وأسلم ثم سهم عمر بن الخطاب ثم سهما سلمة بن عبيدة وبني حرام ثم سهم حارثة ثم سهم عبيد السهام ثم سهم أوس وهو سهم اللفيف جمعت إليه جهينة ومن حضر خيبر من سائر العرب وكان حذوه سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أصابه في سهم عاصم بن عدي.

(1/337)


ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتيبة وهي وادي خاص بين قرابته وبين نسائه وبين رجال المسلمين ونساء أعطاهم منها فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته مائتي وسق ولعلي بن أبي طالب منه مائة وسق ولأسامة بن زيد مائتي وسق وخمسين وسقا من نوى ولعائشة أم المؤمنين مائتي وسق ولأبي بكر بن أبي قحافة مائة وسق ولعقيل بن أبي طالب مائة وسق وأربعين وسقا ولبني جعفر خمسين وسقا ولربيعة بن الحارث مائة وسق وللصلت بن مخرمة وابنيه مائة وسق للصلت منها أربعون وسقا ولأبي نبقة خمسين وسقا ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا ولقيس بن مخرمة ثلاثين وسقا ولأبي القاسم بن مخرمة أربعين وسقا ولبنات عبيدة بن الحارث وابنة الحصين بن الحارث مائة وسق ولبني عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا ولابن أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا ولمسطح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسقا ولأم رميثة أربعين وسقا ولنعيم بن هند ثلاثين وسقا ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا ولعجير بن عبد يزيد ثلاثين وسقا ولأم الحكم ثلاثين وسقا ولجمانة بنت أبي طالب ثلاثين وسقا ولابن الأرقم خمسين وسقا ولعبد الرحمن بن أبي بكر أربعين وسقا ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا ولأم الزبير أربعين وسقا ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا ولابن أبي خنيس ثلاثين وسقا ولأم طالب أربعين وسقا ولأبي بصرة عشرين وسقا ولنميلة الكلبي خمسين وسقا ولعبد الله بن وهب وابنتيه تسعين وسقا لابنيه منها أربعين وسقا ولأم حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا ولملكوم بن عبدة ثلاثين وسقا ولنسائه صلى الله عليه وسلم سبع مائة وسق.
قال ابن هشام: قمح وشعير وتمر ونوى وغير ذلك قسمه على قدر حاجتهم وكانت الحاجة في بني عبد المطلب أكثر ولهذا أعطاهم أكثر.
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر ما أعطى رسول الله نساءه
من قمح خيبر:
قسم لهن مائة وسق وثمانين وسقا ولفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وثمانين وسقا ولأسامة بن زيد أربعين وسقا وللمقداد بن الأسود خمسة عشر وسقا ولأم رميثة خمسة أوسق.
شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب.
قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: لم يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته إلا بثلاث أوصى للرهاويين بجاد مائة وسق من خيبر وللداريين بجاد مائة وسق من خيبر وللسبائيين وللأشعريين بحاد مائة وسق من خيبر وأوصى بتنفيذ بعث أسامة بن زيد بن حارثة وألا يترك بجزيرة العرب دينان.
أمر فدك في خبر خيبر
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله تعالى بأهل خيبر فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطائف أو بعد ما قدم المدينة فقبل ذلك منهم فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
تسمية النفر الداريين
الذين أوصى لهم رسول الله من خيبر:
وهم بنو الدار بن حبيب بن نمارة بن لخم الذين ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام: تميم بن أوس ونعيم بن أوس أخوه ويزيد بن قيس وعرفة بن مالك سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن.
قال ابن هشام: ويقال: عزة بن مالك: وأخوه مران بن مالك.
قال ابن هشام: مروان بن مالك.
قال ابن إسحاق: وفاكه بن نعمان وجبلة بن مالك وأبو هند بن بر وأخوه الطيب بن بر فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبد الله بن أبي بكر يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم فإذا قالوا: تعديت علينا قال: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض.
وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة.

(1/338)


فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن سهل أخي بني حارثة فقتلوه فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه.
قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري عن سهل بن أبي حثمة وحدثني أيضا بشير بن يسار مولى بني حارثة عن سهل بن أبي حثمة قال: أصيب عبد الله بن سهل بخيبر وكان خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمرا فوجد في عين قد كسرت عنقه ثم طرح فيها قال: فأخذوه فغيبوه ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له شأنه فتقدم إليه أخوه عبد الرحمن بن سهل ومعه ابنا عمه حويصة ومحيصة ابنا مسعود وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنا وكان صاحب الدم وكان ذا قدم في القوم فلما تكلم قبل ابني عمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكبر الكبر.
قال ابن هشام: ويقال كبر كبر فيما ذكر مالك بن أنس فسكت فتكلم حويصة ومحيصة ثم تكلم هو بعد فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل صاحبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم؟ قالوا: يا رسول الله ما كنا لنحلف على ما لا نعلم قال: أفيحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا ثم يبرءون من دمه؟ قالوا: يا رسول الله ما كنا لنقبل أيمان يهود ما فيهم من الكفر أعظم من أن يحلفوا على إثم قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائة ناقة.
قال سهل: فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي أخي بني حارثة قال محمد بن إبراهيم: وأيم الله ما كان سهل بأكثر علما منه ولكنه كان أسن منه إنه قال له: والله ما هكذا كان الشأن ولكن سهلا أوهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلفوا على ما لاعلم لكم به ولكنه كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الأنصار: إنه قد وجد قتيل بين أبياتكم فدوه فكتبوا إليه يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده.
قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن شعيب مثل حديث عبد الرحمن بن بجيد إلا أنه قال في حديثه: دوه أو ائذنوا بحرب فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده.
قال ابن إسحاق: وسألت ابن شهاب الزهري: كيف كان إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم حين أعطاهم النخل على خرجها أبت ذلك لهم حتى قبض أم أعطاهم إياها للضرورة من غير ذلك؟ فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمها بين المسلمين ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم وأقركم ما أقركم الله فقبلوا فكانوا يعملونها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص فلما توفي الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي ثم أقرها عمر رضي الله عنه صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ففحص عمر ذلك حتى بلغه الثبت فأرسل إلى يهود فقال: إن الله عز وجل قد أذن في جلائكم قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتني به أنفذه له ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز للجلاء فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا قال: فعدي

(1/339)


علي تحت الليل وأنا نائم على فراشي ففدعت يداي من مرفقي فلما أصبحت استصرخ علي صاحباي فأتياني فسألاني: من صنع هذا بك؟ فقلت: لا أدري قال: فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر رضي الله عنه فقال: هذا عمل يهود ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما قد بلغكم مع عدوهم على الأنصاري قبله لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإني مخرج يهود فأخرجهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن مكنف أخي بني حارثة قال: لما أخرج عمر يهود من خيبر ركب في المهاجرين والأنصار وخرج معه جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم ويزيد بن ثابت وهما قسما خيبر بين أهلها على أصل جماعة السهمان التي كانت عليها.
وكان ما قسم عمر بن الخطاب من وادي القرى لعثمان بن عفان خطر ولعبد الرحمن بن عوف خطر ولعمر بن أبي سلمة خطر ولعامر بن أبي ربيعة خطر ولعمرو بن سراقة خطر ولأشيم خطر.
قال ابن هشام: ويقال: ولأسلم ولبني جعفر خطر ولمعيقيب خطر ولعبد الله بن الأرقم خطر ولعبد الله وعبيد الله خطران ولابن عبد الله بن جحش خطر ولابن البكير خطر ولمعتمر خطر ولزيد بن ثابت خطر ولأبي بن كعب خطر لمعاذ بن عفراء خطر ولأبي طلحة وحسن خطر ولجبار بن صخر خطر ولجابر بن عبد الله بن رئاب خطر ولمالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله بن عمرو خطر ولابن حضير خطر ولابن سعد بن معاذ خطر ولسلامة بن سلامة خطر ولعبد الرحمن بن ثابت وأبي شريك خطر ولأبي عبس بن جبر خطر ولمحمد بن مسلمة خطر ولعبادة بن طارق خطر.
قال ابن هشام: ويقال: لقتادة.
قال ابن إسحاق: ولجبر بن عتيك نصف خطر ولابني الحارث بن قيس نصف خطر ولابن حزمة والضحاك خطر فهذا ما بلغنا من أمر خيبر ووادي القرى ومقاسمهما.
قال ابن هشام: الخطر النصيب ويقال: أخطر لي فلان خطرا.
ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب
من الحبشة وحديث المهاجرين إلى الحبشة
قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح عن الشعبي: أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال: ما أدري بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ قال ابن إسحاق: وكان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية.
من بني هاشم بن عبد مناف: جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب معه امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية وابنه عبد الله بن جعفر وكانت ولدته بأرض الحبشة قتل جعفر بمؤتة من أرض الشام أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل.
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد قال ابن هشام: ويقال: همينة بنت خلف وابناه سعيد بن خالد وأمة بنت خالد ولدتهما بأرض الحبشة قتل خالد بمرج الصفر في خلافة أبي بكر الصديق بأرض الشام وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث الكناني هلكت بأرض الحبشة قتل عمرو بأجنادين من أرض الشام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.
ولعمرو بن سعيد يقول أبوه سعيد بن العاص بن أمية أبو أحيحة:
ألا ليت شعري عنك يا عمرو سائلا ... إذا شب واشتدت يداه وسلحا
أتترك أمر القوم فيه بلابل ... تكشف غيظا كان في الصدر موجحا
ولعمرو وخالد يقول أخوهما أبان بن سعيد بن العاص حين أسلما وكان أبوهم سعيد بن العاص هلك بالظريبة من ناحية الطائف هلك في مال له بها:
ألا ليت ميتا بالظريبة شاهد ... لما يفتري في الدين عمرو وخالد
أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا ... يعينان من أعدائنا من نكايد
فأجابه خالد بن سعيد فقال:
أخي ما أخي لا شاتم أنا عرضه ... ولا هو من سوء المقالة مقصر

(1/340)


يقول إذا اشتدت عليه أموره ... ألا ليت ميتا بالظريبة ينشر
فدع عنك ميتا قد مشى لسبيله ... وأقبل على الأدنى الذي هو أفقر
ومعيقيب بن أبي فاطمة خازن عمر بن الخطاب على بيت مال المسلمين وكان إلى آل سعيد بن العاص وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أربعة نفر.
ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الأسود بن نوفل بن خويلد رجل.
ومن بني عبد الدار بن قصي: جهم بن قيس بن عبد شرحبيل معه ابناه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود هلكت بأرض الحبشة وابناه لها رجل.
ومن بني زهرة بن كلاب: عامر بن أبي وقاص وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل رجلان.
ومن بني تيم بن مرة بن كعب: الحارث بن خالد بن صخر وقد كانت معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة هلكت بأرض الحبشة رجل.
ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن ربيعة بن أهبان رجل.
ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: محمية بن الجزء حليف لهم من بني زبيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على خمس المسلمين رجل.
ومن بني عدي بن كعب بن لؤي: معمر بن عبد الله بن نضلة رجل.
ومن بني عامر بن لؤي بن غالب: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس معه امرأته عمرة بنت السعدي بن وقدان بن عبد شمس رجلان.
ومن بني الحارث بن فهر بن مالك: الحارث بن عبد قيس بن لقيط رجل وقد كان حمل معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك هنالك من المسلمين.
فهؤلاء الذين حمل النجاشي مع عمرو بن أمية الضمري في السفينتين فجميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر رجلا.
وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة ولم يقدم إلا بعد بدر ولم يحمل النجاشي في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قدم بعد ذلك ومن هلك بأرض الحبشة من مهاجرة الحبشة.
من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: عبيد الله بن جحش بن رئاب الأسدي أسد خزيمة حليف بني أمية بن عبد شمس معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان وابنته حبيبة بنت عبيد الله وبها كانت تكنى أم حبيبة بنت أبي سفيان وكان اسمها رملة.
خرج مع المسلمين مهاجرا فلما قدم أرض الحبشة تنصر بها وفارق الإسلام ومات هنالك نصرانيا فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته من بعده أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلما فلما قدم أرض الحبشة تنصر قال: فكان إذا مر بالمسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فتحنا وصأصأتم أي قد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ قبل ذلك فضرب ذلك له ولهم مثلا: أي أن قد فتحنا أعيننا فأبصرنا ولم تفتحوا أعينكم فتبصروا وأنتم تلتمسون ذلك.
قال ابن إسحاق: وقيس بن عبد الله رجل من بني أسد بن خزيمة وهو أبو أمية بنت قيس التي كانت مع أم حبيبة وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب كانتا ظئرى عبيد الله بن جحش وأم حبيبة بنت أبي سفيان فخرجا بهما معهما حين هاجرا إلى أرض الحبشة رجلان.
ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي: يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد قتل يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا وعمر بن أمية بن الحارث بن أسد هلك بأرض الحبشة رجلان.
ومن بني عبد الدار بن قصي: أبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار رجلان.
ومن بني زهرة بن كلاب بن مرة: المطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم هلك بأرض الحبشة ولدت له هنالك عبد الله بن عبد المطلب فكان يقال: إن كان لأول رجل ورث أباه في الإسلام رجل.
ومن بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي: عمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم قتل بالقادسية مع سعد بن أبي وقاص رجل.

(1/341)


ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب: هبار بن سفيان بن عبد الأسد قتل بأجنادين من أرض الشام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وأخوه عبد الله بن سفيان قتل عام اليرموك بالشام في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشك فيه أقتل ثم أم لا وهشام بن أبي حذيفة ابن المغيرة ثلاثة نفر.
ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وابناه محمد والحارث معه امرأته فاطمة بنت المجلل هلك حاطب هنالك مسلما فقدمت امرأته وابناه وهي أمهما في إحدى السفينتين وأخوه حطاب بن الحارث معه امرأته فكيهة بنت يسار هلك هنالك مسلما فقدمت امرأته فكيهة في إحدى السفينتين وسفيان بن معمر بن حبيب وابناه جنادة وجابر وأمهما حسنة وأخوهما لأمهما شرحبيل بن حسنة وهلك سفيان وهلك ابناه جنادة وجابر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ستة نفر.
ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم الشاعر هلك بأرض الحبشة وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم قتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعبد الله بن حذافة بن قيس بن سعد بن سهم وهو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى والحارث بن قيس بن عدي ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدي وبشر بن الحارث بن قيس بن عدي وأخ له من أمه من بني تميم يقال له سعيد بن عمرو قتل بأجنادين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وسعيد بن الحارث بن قيس قتل عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والسائب بن الحارث بن قيس جرح بالطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل يوم فحل في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويقال: قتل يوم خيبر يشك فيه وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهمش بن سعد بن سهم قتل بعين التمر مع خالد بن الوليد منصرفه من اليمامة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه أحد عشر رجلا.
ومن بني عدي بن كعب بن لؤي: عروة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب هلك بأرض الحبشة وعدي بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان هلك بأرض الحبشة رجلان.
وقد كان مع عدي ابنه النعمان بن عدي فقدم النعمان مع من قدم من المسلمين من أرض الحبشة فبقي حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب فاستعمله على ميسان من أرض البصرة فقال أبياتا من شعر وهي:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو على كل منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا في الجوسق المتهدم
فلما بلغت أبياته عمر قال: نعم والله إن ذلك ليسوءني فمن لقيه فليخبره أني قد عزلته وعزله فلما قدم عليه اعتذر إليه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما صنعت شيئا مما بلغك أني قلته قط ولكني كنت امرءا شاعرا وجدت فضلا من قول فقلت فيما تقول الشعراء فقال له عمر: وأيم الله تعمل لي على عمل ما بقيت وقد قلت ما قلت.
ومن بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر: سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وهو كان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة رجل.
ومن بني الحارث بن فهر بن مالك: عثمان بن غنم بن زهير بن أبي شداد وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن الحارث بن فهر وعياض بن زهير بن أبي شداد ثلاثة نفر.
فجميع من تخلف عن بدر ولم يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ومن قدم بعد ذلك ومن لم يحمل النجاشي في السفينتين أربعة وثلاثون رجلا.
وهذه تسمية من هلك منهم ومن أبنائهم بأرض الحبشة: من بني عبد شمس بن عبد مناف: عبيد الله بن جحش بن رئاب حليف بني أمية مات بها نصرانيا.
ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي: عمرو بن أمية بن الحارث بن أسد.
ومن بني جمح: حاطب بن الحارث وأخوه حطاب بن الحارث.
ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: عبد الله بن الحارث بن قيس.
ومن بني عدي بن كعب بن لؤي: عروة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف وعدي بن نضلة سبعة نفر.

(1/342)


ومن أبنائهم من بني تيم بن مرة: موسى بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر رجل.
وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة من النساء من قدم منهن ومن هلك هنالك ست عشرة امرأة سوى بناتهن اللاتي ولدن هنالك من قدم منهن ومن هلك هنالك ومن خرج به معهن حين خرجن: من قريش من بني هاشم: رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن بني أمية: أم حبيبة بنت أبي سفيان مع ابنتها حبيبة خرجت بها من مكة ورجعت بها معها.
ومن بني مخزوم: أم سلمة بنت أمية قدمت معها بزينب ابنتها من أبي سلمة ولدتها هنالك.
ومن بني تيم بن مرة: ريطة بنت الحارث بن جبيلة هلكت بالطريق وبنتان لها كانت ولدتهما هنالك: عائشة بنت الحارث وزينب بنت الحارث هلكن جميعا وأخوهن موسى بن الحارث من ماء شربوه في الطريق وقدمت بنت لها ولدتها هنالك فلم يبق من ولدها غيرها يقال لها فاطمة.
ومن بني سهم بن عمرو: رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة.
ومن بني عدي بن كعب: ليلى بنت أبي حثمة بن غانم.
ومن بني عامر بن لؤي: سودة بنت زمعة بن قيس وسهلة بنت سهيل بن عمرو وابنة المحلل وعمرة بنت السعدي بن وقدان وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو.
ومن غرائب العرب: أسماء بنت عميس بن النعمان الخثعمية وفاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث الكنانية وفكيهة بنت يسار وبركة بنت يسار وحسنة أم شرحبيل بن حسنة.
وهذه تسمية من ولد من أبنائهم بأرض الحبشة: ومن بني هاشم: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
ومن بني عبد شمس: محمد بن أبي حذيفة وسعيد بن خالد بن سعيد وأخته أمة بنت خالد.
ومن بني مخزوم: زينب بنت أبي سلمة بن الأسد.
ومن بني زهرة: عبد الله بن عبد المطلب بن أزهر.
ومن بني تيم: موسى بن الحارث بن خالد وأخواته عائشة بنت الحارث وفاطمة بنت الحارث وزينب بنت الحارث.
الرجال منهم خمسة: عبد الله بن جعفر ومحمد بن أبي حذيفة وسعيد بن خالد وعبد الله بن عبد المطلب وموسى بن الحارث.
ومن النساء خمس: أمة بنت خالد وزينب بنت أبي سلمة وعائشة وزينب وفاطمة بنات الحارث بن خالد بن صخر.
عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع
قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا يبعث فيما بين ذلك من غزوة وسراياه صلى الله عليه وسلم ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الديلي.
ويقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع.
وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله في ذلك: " والحرمات قصاص " .
قال ابن إسحاق: وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن ابن عباس قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش الذي بلغه عنهم حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

(1/343)


قال ابن هشام: " نحن قتلناكم على تأويله " إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقتل على التأويل من أقر بالتنزيل.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد أبي الحجاج عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب.
قال ابن هشام: وكانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل وكانت أم الفضل تحت العباس فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل في نفر من قريش في اليوم الثالث وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي الحجة.
قال ابن هشام: فأنزل الله عز وجل عليه فيما حدثني أبو عبيدة: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " يعني خيبر.
ذكر غزوة مؤتة
في جمادى الأولى سنة ثمان ومقتل جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة.
قال ابن إسحاق: فأقام بها بقية ذي الحجة وولي تلك الحجة المشركون والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس.
فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا " .
فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا
قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال:
فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة ... الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر
قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر هذه الأبيات:
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن ... في المرسلين ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا
يعني المشركين وهذه الأبيات في قصيدة له.
قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة:

(1/344)


خلف السلام على امرئ ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان في أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائة ألف منهم عليهم رجل من بلي ثم أحد إراشة يقال له: مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره عدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.
قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك:
جلبنا الخيل من أجإ وفرع ... تغر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من الصوان سبتا ... أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات ... تنفس في مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم
بذي لجب كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتها فتنكح أو تئيم
قال ابن هشام: " ويروى: جلبنا الخيل من آجام قرح " وقوله: " فعبأنا أعنتها " عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه:
إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مشتهي الثواء
وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء
فلما سمعتهن منه بكيت قال: فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله شهادة وترجع بين شعبتي الرحل! قال: ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز:
يا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول الليل هديت فانزل
قال ابن إسحاق: فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبأ لها المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك.
قال ابن هشام: ويقال عبادة بن مالك.
قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس واقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم.
ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.
وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علي إذا لاقيتها ضرابها

(1/345)


قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه
وقال أيضا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه زيدا وجعفرا ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس.
قال ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم قال: لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى الخزاعية عن أم جعفر بن محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منا قال ابن هشام: يروى أربعين منيئة وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتني ببني جعفر قالت: فأتيته بهم فتشممهم وذرفت عيناه فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: نعم أصيبوا هذا اليوم قالت: فقمت أصيح واجتمعت إلي النساء وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فانهم قد شغلوا بأمر صاحبهم.
وحدثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن قالت: فدخل عليه رجل فقال: يا رسول الله إن النساء عنيننا وفتننا قال: فارجع إليهن فأسكتهن قالت: فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك قال: تقول وربما ضر التكلف أهله قالت: قال: فاذهب فأسكتهن فإن أبين فاحث في أفواههن التراب قالت: وقلت في نفسي: أبعدك الله! فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثي في أفواههن التراب.
قال ابن إسحاق: وقد كان قطبة بن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين قد حمل على مالك بن زافلة فقتله فقال قطبة بن قتادة:
طعنت ابن زافلة بن الإرا ... ش برمح مضى فيه ثم انحطم
ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم
وسقنا نساء بني عمه ... غداة رقوقين سوق النعم
قال ابن هشام: قوله: " ابن الإراش " عن غير ابن إسحاق.
والبيت الثالث عن خلاد بن قرة ويقال: مالك بن رافلة.

(1/346)


قال ابن إسحاق: وقد كانت كاهنة من حدس حين سمعت بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قد قالت لقومها من حدس وقومها بطن يقال لهم بنو غنم أنذركم قوما خزرا ينظرون شزرا ويقودون الخيل تترى ويهريقون دما عكرا فأخذوا بقولها واعتزلوا من بين لخم فلم تزل بعد أثرى حدس وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة بطن من حدس فلم يزالوا قليلا بعد فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان فاحملوني وأعطوني ابن جعفر فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض آل الحارث بن هشام: وهم أخواله عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالت أم سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته فما خرج.
قال ابن إسحاق: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المسحر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:
فوالله لا تنفك نفسي تلومني ... على موقفي والخيل قابعة قبل
وقفت بها لا مستجيرا فنافذا ... ولا مانعا من كان حم له القتل
على أنني آسيت نفسي بخالد ... ألا خالد في القوم ليس له مثل
وجاشت إلي النفس من نحو جعفر ... بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عزل
فتبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه.
قال ابن هشام: فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم وكان عليهم حتى قفل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وكان مما بكى به أصحاب مؤتة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول حسان بن ثابت:
تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير موسد ... لمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر
فما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك:

(1/347)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية