صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ مختصر الدول
المؤلف : ابن العبري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي هذه السنة تمت الأربعمائة والتسعون سنة التي أوحى الله إلى دانيال النبي أن سبعين أسبوعا تطمئن أمتك ثم يأتي الملك المسيح ويقتل. وهذا إذا ابتدأنا بتعديدها من آخر سنة عشرين لملك ارطحششت الطويل اليدين وهي السنة التي أرسل فيها نحميا الساقي إلى أورشليم وجدد العهد بتقريب القرابين وكتب عزرا كتب الوحي. وفي هذه السنة اعني التاسعة عشرة من ملك طيباريوس قيصر صلب المسيح يوم الجمعة في الثالث والعشرين من آذار وكان فصح اليهود يوم السبت وإنما أكله المسيح مع تلاميذه ليلة الجمعة لتعذر إتمامه في وقته بسبب صلبه نهار الجمعة. وكان الصعود يوم الخميس لثلاث خلون من أيار. وصار الفنطيقوسطي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من أيار.
وفي هذا اليوم سمع كهنة اليهود من داخل الهيكل صوت هاتف يهتف بهم قائلا: قد أزمعنا على الانتقال من هاهنا. فراعهم ذلك جدا.
فمن بدء العالم إلى مجيء المسيح بمقتضى التوراة التي بأيدي اليهود أربعة آلاف ومائتان وعشر سنين بالتقريب. وبمقتضى التوراة السبعينية التي بأيدي الروم وسائر فرق النصرانية خلا السريان خمسة آلاف وخمسمائة وست وثمانون سنة بالتقريب. ينقص التاريخ الأول من الثاني ألف وثلاثمائة وخمس وسبعون سنة. وهذا النقص منسوب إلى أحبار اليهود لأن البشارة بالمسيح قد تقدمت في التوراة والأنبياء أنه يبعث في آخر الأزمان ولم يكن لمن سلف من رباني اليهود حيلة في دفع مجيء المسيح غير أن يبدلوا أعمار الآدميين التي منها يوقف على تاريخ العالم فنقصوا من عمر آدم إلى أن ولد شيث مائة سنة وزادوها في باقي عمره. وكذلك عملوا في أعمار باقي ولد آدم إلى إبراهيم. فصار تاريخهم يدل على أن المسيح ظهر في الألف الخامس وهذا قريب من توسط سني العالم التي هي جميعها عندهم سبعة آلاف سنة. فقالوا: نحن بعد في توسط الزمان فلم يحن حين مجيء المسيح. وأما التاريخ السبعيني فيدل على أن المسيح ظهر في الألف السادس فيكون قد حان حينه.
" غاييوس قيصر " ملك أربع سنين. وفي السنة الأولى من ملكه ولي هيروذيس اغريباس على اليهود سبع سنين. وفي هذه السنة قتل فنطيوس فيلاطوس نفسه وأرسل فيليكوس قاضيا إلى أورشليم وملأ محاريب اليهود أصناما. فأرسلوا رسولين حكيمين هما فيلون ويوسيفوس العبريان إلى قيصر يتضورون من صنيع الناظر. فمضيا واستعطفاه متقدما بإزالة ما كره اليهود عنهم. وفي السنة الرابعة ورد فطرونيوس الناظر من رومة إلى أورشليم ونصب صورة زاوس أي المشتري في هيكل الرب. وتمت نبوءة دانيال النبي الذي قال: علامة نجسة قائمة حيث لا ينبغي.
" قلوذيوس قيصر " ملك خمس عشرة سنة. وفي السنة الثانية من ملكه ظهر رجل مصري بأرض يهوذا وادعى النبوءة وافسد خلقا من الناس وأراد أن يكبس أورشليم قهرا. فتوجه إليه فيليكوس البطريق فقتله وقتل عامة أتباعه. وظهر أيضا رجل يسمى قورينثوس وكان يقول: إن في ملكوت الله أكلا وشربا ونكاحا.
وفي هذا الزمان أمر قلوذيوس قيصر بإحصاء اليهود الذين في سلطانه. فبلغ عددهم ستمائة وأربعا وتسعين ربوة وأربعة آلاف نفس. وفي يوم عيد الفصح وقع اليهود في الخليطى وضغط الناس بعضهم بعضا فمات في الزحام ثلاثون ألف نفس. وكان اليهود متفرقين على سبع فرق.
الأولى: الربانيون وهم كتاب الناموس ومعلموه.
والثانية: اللاويون الذين لم يفارقوا خدمة الهيكل.
والثالثة: المعتزلة الذين يؤمنون بقيامة الموتى ويقولون بوجود الملائكة ويصومون يومين في الأسبوع.
والرابعة: الزنادقة الذين يجحدون القيامة والملائكة.
والخامسة: المغتسلون الذين يقولون لا يثاب أحد إن لم يغتسل كل يوم.
والسادسة: النساك الذي لا يأكلون شيئا فيه روح.
والسابعة: السمرة الذين لا يقبلون من الكتب إلا التوراة وهي المجسمة.
" نارون قيصر " ملك أربع عشرة سنة. وفي السنة الثالثة عشرة من ملكه اضطهد النصارى وضرب عنق فطروس وبولوس وصلبهما منعكسين. وعصى اليهود عليه فغزاهم اسفسيانوس القائد مع جيوش كثيرة وحاصر أورشليم زمانا طويلا. فلما دنا من فتحها أتاه الخبر بموت نارون وإنه اعتراه جنون في مرضه وقتل نفسه وابنه وزوجته. فنصب اسفسيانوس ابنه طيطوس مكانه في محاربة اليهود ونهض راجعا إلى رومية وغزا الإسكندرية وافتتحها وركب في البحر وسار إلى رومية وملكها.

(1/34)


" اسفسيانوس قيصر " ملك عشر سنين. وهو بنى قوقلس أي منارة الإسكندرية وطولها مائة وخمس وعشرون خطوة وفي السنة الثانية من ملكه افتتح طيطوس ابنه مدينة أورشليم وقتل فيها زهاء ستين ألف نفس وسبى نيفا ومائة ألف نفس. ومات فيها من الجوع خلق كثير والباقون تشتتوا في البلاد. ودعثرها وأخرب هيكلها. وتمت نبوءة يعقوب حيث قال: لن تفقد هراوة الملك من يهوذا ولا المنذر أي النبي من ذريته حتى يأتي من له الغلبة وإياه تتوقع الشعوب. وتم أيضا ما أنذر به المخلص مخاطبا لأورشليم: إنه سيأتي أيام تحيط بك أعداؤك ويكبسونك وبنيك فيك. وكان ذلك بعد أربعين سنة من صلب المسيح. وذكر يوسيفوس العبري أنه ظهر قبل خراب أورشليم علامات فظيعة. وذلك أنه ظهر فوق المدينة نجم طويل كسيف من نار يلمع. وفي عيد الفصح جاءوا ببقرة الذبيحة فولدت حملا في وسط الهيكل. وأبواب النحاس التي كانت على باب الهيكل ولم تكن تغلق وتفتح دون اجتماع عشرين رجلا وجدت نصف الليل مفتوحة من غير علة. وكانوا عامة السنة يسمعون في الهيكل أصواتا مختلفة تقول: إننا سننتقل من هاهنا.
" طيطوس قيصر " ملك سنتين. وفي السنة الثاني لملكه انشق جبل بالروم وخرج منه شهب نار أحرقت مدنا كثيرة. ووقع برومية حريق كثير. وخطب بعض الخطباء ذات يوم خطبة في حفل من الناس وفي جملة الانباز التي نبزها طيطوس اشتق له اسما من أسماء الله تعالى. ولأنه سر بذلك فاجأه الموت فجأة.
" ذوميطيانوس قيصر " ملك ست عشرة سنة. ونفى من رومية المنجمين وأصحاب الزجر والفأل والعيافة والطيرة. وأمر أن لا يغرس برومية كرم البتة. وفي السنة التاسعة لملكه اضطهد النصارى اضطهادا شديدا ومع هذا كان الناس يدخلون في دين المسيح أفواجا ويتمسكون به تمسكا أشد. فقال فطروفيلس المحصل لارسنيوس الحكيم معلمه ما الذي ألجأ ديونوسيوس رئيس حكماء أثيناس وافريقيانوس الإسكندري ومرطيانوس الباذوي إلى أن يسجدوا لرجل مصلوب. فأجابه قائلا: إن آلهة السماء اقتضوا هذا. فاستنار واختار اتباع النصارى بالسيرة الحسنة وترك الدنيا وملاذها يفيدهم الأيد بالقول والعمل.
وفي هذا الزمان عرف افولونيوس الطلسماطيقي وكان يضاد التلاميذ بأفاعيله المخالفة لأفاعيل المسيح ويقول: الويل لي إن سبقني ابن مريم. وهذا الملك نفى يوحنا الإنجيلي إلى بعض الجزائر. وكتب إليه ديونوسيوس أسقف اثيناس كتابا يقول فيه: لا يعترينك الضجر والملل فإنه لا يطول سجنك فالمسيح يعمل لك الخلاص فألهم نفسك بالصبر. وبعد قليل قتل دوميطيانوس قيصر على بساطه في مجلسه.
" نارون قيصر الصغير " ملك سنة واحدة. وأمر أن يرد المنفيون. ورجع يوحنا الإنجيلي إلى مدينة افسوس بعد ست سنين لنفيه. ثم جذم نارون ومات في بستان خارج رومية.
" طريانوس قيصر " ملك تسع عشرة سنة. وفي السنة العاشرة لملكه اضطهد النصارى. واستشهد شمعون بن قليوفا أسقف أورشليم ويوحنا السليح وايغناطيوس النوراني أسقف إنطاكية رمي للسباع فافترسته. وفيلنيوس صاحب الشرط لما عجز من قتل النصارى لكثرتهم طالع قيصر أن أهل هذا المذهب عاملون بجميع سنن الفلاسفة غير أنهم لا يكرمون الأصنام. فأمر قيصر أن لا يجد في أذاهم إلا إذا وجد منهم من يتفوه بسب الآلهة فليدن. وفي آخر سنة من ملكه عصت اليهود الذين بجزيرة قبرس والشام والحبشة. ويهود مصر أيضا نصبوا لهم ملكا اسمه لومينوس. فجيش وتوجه إلى فلسطين. فطلبته جيوش الروم وقتلته مع ربوات من اليهود في كل مكان.
وفي هذا الزمان ظهر بإنطاكية رجل اسمه سوطرنينوس وكان يقول: إن سبعة من الملائكة خلقوا العالم وإياهم عنى الله بقوله هلموا نخلق إنسانا يشبهنا وصورتنا. وقال: إن التزويج وهيئة أعضاء البضاع للرجال والنساء من فعل الشيطان ولهذا يستقبح الناس كشفها. وظهر أيضا بسيليذيس القائل بإكرام الحية وتعظيمها لأنها المشيرة على حواء بالمجامعة ولولاها لما تناسل الناس. وظهر أيضا رجل اسمه قورنثوس وكان يقول: إن العالم خلق الملائكة وإن المسيح ولد من المباضعة. وقيل: أن بيعة الله إلى هذه الغاية التي ظهر فيها هؤلاء المخالفون كانت عذراء من مثل هذه العلوم الشيطانية وخرافات البدع.

(1/35)


" اذريانس قيصر " ملك إحدى وعشرين سنة. وفي أول سنة من ملكه أطلق الديون وأمر المديونين أن لا يقضوا مما عليهم شيئا البتة وأطلق للناس الاخاريج والأتاوى الديوانية أيضا. وفي السنة الرابعة بطل الملك من الرها وولي أمرها القضاة من قبل الروم. وأمر اذريانس ببناء مدرسة بمدينة اثيناس ورتب فيها قوما من الحكماء وحمل إليهم نواميس سولون وذراقون ومن هنالك فاضت الحكم في اثيناس.
وفي هذه السنة ظهر بأورشليم رجل يقال له ابن الكوكب وأضل اليهود مدعيا أنه نزل من السماء كالكواكب ليخلصهم من عبودية الروم. فتبعه خلق كثير منهم. وبلغ الخبر إلى اذريانس فوجه إليه جيوشا فقتلوه وغزوا أورشليم وأهلكوا اليهود وخربوا أورشليم غاية الخراب وبنوا قريبا منها مدينة سموها هيليا اذريانس وأسكنوها قوما غرباء. وأمر اذريانس بصرم آذان الذين تخلفوا من اليهود وسن لهم سنة أن لا ينظروا إلى أورشليم ولا من بعيد.
" طيطوس انطونيانس قيصر " المسمى اوسابيوس ويسمى أيضا بارا وأب البلد. ملك اثنتين وعشرين سنة وأزال عن النصارى الاضطهاد وأباح للناس أن يتدينوا بأي دين شاءوا.
وفي هذا الزمان نبغ في البيعة من المخالفين شخص اسمه ولنطيانوس وكان يقول: إن المسيح أنزل معه جسدا من السماء واجتازه بمريم كاجتياز الماء بالميزاب أي لم يأخذ منها شيئا. وظهر أيضا رجل يسمى مرقيون وقال: إن الآلهة ثلاثة عادل وصالح وشرير وأن العادل أظهر أفاعيله في الشرير وهو الهيولي فخلق منها العالم. ولما رأى الصالح العالم قد انجذب إلى جهة الشرير أرسل ابنه ليدعو الناس إلى عبادة أبيه الصالح. فأتى ونسخ التوراة المتضمنة سنة العدل بالإنجيل الذي هو متضمن سنة الفضل. فهيج العادل عباده عليه فأمكنهم من نفسه حتى قتلوه وبقيامته من بين الأموات سبى الناس وأصارهم إلى عبادة أبيه. فلما أظهر مرقيون هذه الخزعبلة وعظته الأساقفة زمانا طويلا فلم يرجع عن خزعبلته وتمادى في أباطيله فنفوه الجماعة وصار لعنة.
وفي هذا الزمان اشتهر جالينوس في الطب ووضع فيه كتبا كثيرة. والموجود في أيدي الناس منها الآن زهاء مائة كتاب. وكان شيخه في الطب طبيبا اسمه اليانوس. وهو الذي توجه إلى مدينة إنطاكية في السنة التي وقع الموتان في أهلها ومعه ترياق الفاروق فمن شرب منه قبل أن يمرض نجا والذين شربوه بعد المرض بعضهم نجا وبعضهم هلك. وكان أصل جالينوس من مدينة برغاموس. وكان اشتغاله في الإسكندرية. والدليل على أنه لم يكن في زمان المسيح كما ظن ولكن بعده قوله في المقالة الأولى من كتاب التشريح أنه صنفه في مبدأ ملك انطونيانس في أول مرة صعد إلى رومية. فمن صعود المسيح إلى هذه الغاية ما ينيف على مائة سنة. وقال أيضا في شرحه لكتاب أفلاطون في الأخلاق وهو المسمى فادن: أن هؤلاء القوم الذين يسمون نصارى تراهم قد بنوا مذهبهم على الرموز والمعجزات وليسوا بأقل من الفلاسفة الحقيقيين بأعمالهم. يحبون العفة ويدمنون الصوم والصلاة ويجتنبون المظالم. وفيهم أناس لا يدنسون بالنساء. أقول: يريد بالرموز الأمثال المضروبة لملكوت السماء في الإنجيل الطاهر. ومات جالينوس بجزيرة سيقيليا وقد بلغ من العمر ثمانيا وثمانين سنة.
وقد دلت التواريخ أن بطلميوس القلوذي الرياضي كان في هذا الوقت. وهو أول من سطح الكرة واخترع خط الإسطرلاب الذي بأيدي الناس. وكتبه المشهورة في زماننا أربعة: الكتاب الكبير المسمى سونطاكسيس وهو المجسطي. وكتاب جاوغرافيا في صورة الأرض وأطوال وعروض البلدان. وكتاب الأربع مقالات في أحكام النجوم. وكتاب الثمرة منها أيضا.
ومن ورود ذكر ثاون الرياضي الإسكندري في المجسطي وذكر بطلميوس في القانون يستدل على إنهما كانا متعاصرين. ولثاون من الكتب الزيج المسمى بالقانون. وكتاب ذات الحلق وهي الآلة التي بها ترصد حركات الكواكب. وكتاب الإسطرلاب وكتاب المدخل إلى المجسطي.
وممن اشتهر عند الناس فضيلته في هذا الزمان الاسكندر الافروديسي شارح كتب ارسطاطاليس المنطقية و الحكمية. وقد جرى بينه وبين جالينوس محاورات عديدة. وكان يسمى جالينوس رأس البغل لقوة رأسه في البحث.

(1/36)


" مرقوس اورليوس قيصر " ملك تسع عشرة سنة وأشرك معه في الملك ولديه انطونيانس ولوقيوس. وفي أول ملكهم ولكش ملك الأرمن أخرب بلادا كثيرة من أعمال اليونانيين فغزاهم ابنا مرقوس قيصر وانتصرا عليهم وأطاعوهما. وغزا أيضا لوقيوس الصقالبة والترك وقهرهم. ولذلك يسمى اوطوقراطور أي ضابط الكل. ومات بعد تسع سنين. وولي مكانه قومذوس ابنه ومات مختنقا.
وفي هذا الوقت ظهر رجل اسمه طيطيانوس وكان يقول بوجود عوالم كثيرة كعالمنا هذا. وأن التزويج كله زنى وشر. وأن بعد الموت أكلا وشربا ونكاحا.
وظهر أيضا في بلد آسيا مونطانس القائل عن نفسه أنه الفارقليط الذي وعد المسيح أن يوجهه إلى العالم وظهر أيضا رجل يسمى ابن ديصان لأنه ولد على نهر ديصان فوق مدينة الرها. وكان يسمي الشمس أب الحياة والقمر أم الحياة وإن في أول كل شهر تخلع أم الحياة النور الذي هو لباسها وتدخل على أب الحياة فيجامعها فتلد أولادا يمدون العالم السفلي بالنمو والزيادة.
" فرطيناخس قيصر " ملك ستة أشهر وقتل غيلة في مجلسه.
" سوريانس قيصر " ملك ثماني عشرة سنة. وفي السنة الأولى من ملكه ثارت فتنة عظيمة بين اليهود والسمرة فتحاربوا وقتل من الفريقين خلق كثير. ومن السنة التاسعة من ملكه إلى آخر عمره اضطهد النصارى اضطهادا شديدا واعتسفهم بالسجود للأصنام والأكل من ذبائحهم. ثم قتل في غزو الصقالبة.
" انطونيانس قيصر " ملك سبع سنين وأزال عن النصارى الاضطهاد وغزا ما بين النهرين وقتل بين الرها وحران.
" ماقرينوس قيصر " ملك سنة واحدة. وفي زمانه وقع حريق فظيع في رومية. ووثب عليه غلمانه وقتلوه.
" انطونيانس قيصر المعروف باليوغالي " ملك أربع سنين. وفي زمانه بنيت مدينة نيقوبوليس. وهي التي يسميها الكتاب الإلهي عماوس. وكان يتولى بنيانها افريقيانوس المؤرخ.
الاسكندروس قيصر " ملك ثلث عشرة سنة. وكان اسم أمه ماما. هذه آمنت بالمسيح وكان منها معونة كثيرة للمؤمنين. وفي السنة الثالثة من ملك هذا الاسكندروس قيصر وهي سنة خمسمائة واثنتين وأربعين للاسكندر ابتدأت مملكة الفرس الأخيرة المعروفة ببيت ساسان. ودامت أربعمائة وثماني عشرة سنة أعني إلى ظهور الإسلام وملكهم.
" مكسيميانوس قيصر " ملك ثلث سنين واضطهد النصارى وقتل سرجيس وباخوس الشاهدين وقوفريانوس الأسقف مع جماعة من المؤمنين.
" غورديانس قيصر " ملك ست سنين. وغزا بلاد فارس وقتل هناك.وفي هذا الوقت افريقيانوس المؤرخ وضع كتبا كثيرة في الأزمنة وسير الملوك والفلاسفة.
" فيليبوس قيصر " ملك سبع سنين وأحسن إلى النصارى ورام الاجتماع مع المؤمنين. فقال له الأسقف: لا يمكنك الدخول إلى البيعة حتى تنتهي عن المحارم وتقتصر على زوجة واحدة من غير ذوات القربى. فكان يحضر وقت الصلاة ويقف خارج البيعة مع الذين ألفوا الدين ولم يكملوا فيه بعد. وفي أول سنة من ملك هذا فيليبوس ملك بفارس سابور بن اردشير إحدى وثلاثين سنة. وفي السنة الثالثة ظهر قوم من أصحاب البدع قائلين: إن من كفر بلسانه وأضمر الإيمان بقلبه فليس بكافر.وفي هذا الزمان بدأت أعمال الرهبان على يدي انطونيوس و فولى المصريين. وهما أول من اظهر لبس الصوف والتخلي في البراري.
" ذوقيوس قيصر " ملك سنة واحدة. ولبغضه فيليبوس قيصر المحسن إلى النصارى عاداهم وشدد عليهم جدا. فكفر كثيرون من المؤمنين إلى أن قتل فقدموا التوبة. وكان ناباطيس القسيس لا يقبل توبتهم قائلا: إنه لا مغفرة لمن أخطأ بعد المعمودية. فوعظه الآباء كثيرا وسألوه الرجوع إلى رأي الجمهور. فلم يقبل. فاجتمع عليه ستون أسقفا وأبعدوه عن البيعة وزيفوا تعليمه.
وفي زمان ذوقيوس كان الفتية السبعة أصحاب الكهف الذين هربوا منه واختفوا في مغارة فوق الكهف. ورفع خبرهم إليه فأمر أن يسد باب المغارة عليهم. فألقى الله عليهم سباتا إلى يوم انبعاثهم من رقادهم.
" غالوس قيصر " هذا أشرك معه في الملك رجلا يسمى ولسيانوس وملكا سنتين. ثم قتلا في سوق من أسواق رومية يسمى فلامنيوس.

(1/37)


وفي هذا الزمان ظهر في مدينة بوزنطيا قسيس اسمه سابيليوس وقال أن الاقانيم لثلاثة هي الوجود والحكمة والحياة ليست معاني زائدة على ذات الله تعالى بل هي صفات اعتبارية لا مسمى لشيء منها في الخارج إذ الباري تعالى موجود لا بوجود وحكيم لا بحكمة وحي لا بحياة. أقول هذا مذهب انبيذوقليس بعينه في الصفات وقد انتحله فرقة من علماء الإسلامية أيضا وهي نفاة الصفات.
" اولارينوس قيصر " ملك تسع سنين وشدد على النصارى وعسفهم جدا.ثم غزاه سابور بن اردشير بن بابك ملك فارس ومصر وأسره في المعركة وحدره إلى بابل وسجنه هناك وملك غالوس ابنه مكانه.
" غالوس قيصر الثاني " ملك ست سنين وأزال الاضطهاد عن النصارى خوفا مما نزل بأبيه من العقوبة.
وفي هذا الزمان ظهر من المبتدعة فولى الشميشاطي وكان يقول: إن جميع معلولات الله تعالى إرادية وليس له معلول ذاتي بته ولذلك لم يلد ولم يولد. ولهذا لم يكن المسيح كلمة الله ولا أيضا ولد من عذراء كما ورد في ظاهر المذهب وإنما حصل له الكمال بالاجتهاد. فكل من تعاطى رياضته نال درجته. وذكر اوسابيوس المؤرخ عن هذا فوليأنه استعان بامرأة يهودية رأسها غالوس قيصر على الشام وكانت تستحسن علمه وكلامه. وفوضت إليه بطركية إنطاكية. فكان يجلس على سرير عال وصبايا حسنات النغمة يزمرن زبور داود بين يديه. وكان متهما بالزنى معهن. فاجتمع عليه عدة من الأساقفة وحرموه واتباعه.
" قلوذيس قيصر " ملك سنتين. وفي أول سنة من ملكه ظهرت في السماء آية إكليل من نار.
" اورلينوس قيصر " ملك ست سنين وهادن سابور ملك فارس وزوجه ابنته. فبنى لها سابور بفارس مدينة شبه بوزنطيا وسماها جنديسابور. وكان قد أرسل اورلينوس في خدمة ابنته جماعة من الأطباء اليونانيين وهم بثوا الطب البقراطي بالمشرق. وفي السنة السادسة لاورلينوس هم بالتضييق على النصارى. وبينما هو يفكر بذلك برق فاستظلمه ومات. وفي هذه السنة ملك بفارس هرمزد سنة واحدة.
وفي هذا الزمان عرف ماني الثنوي. هذا كان أول أمره يظهر النصرانية وصار قسيسا بالأهواز وكان يعلم ويفسر الكتب ويجادل اليهود والمجوس والوثنيين. ثم مرق من الدين وسمى نفسه مسيحا واتخذ اثني عشر تلميذا وأرسلهم إلى بلاد المشرق بأسرها حتى الهند والصين وزرعوا فيها علم الثنوية وهو أن للعالم إلهين أحدهما خير وهو معدن النور والآخر شر وهو معدن الظلمة. وإنهما تمازجا فانتصر الخير على الشر فانتقل الشر إلى جهة الجنوب ليعمل هناك عالما ويتسلط عليه. ولما شرع وعمل بنا نعش حول القطب الجنوبي كهذه التي حول القطب الشمالي أصلحت الملائكة بينهما بأن ألقى الخير شيئا من نوره على الهيولي فوجد عالم قابل للكون والفساد وتسلط عليه الشر. ولأن الخير إنما فعل ذلك مكرها ومجبرا خلق في السماء سفينتين كبيرتين هما الشمس والقمر وصار يجمع فيهما أنفس الناس ويسترجع نصيبه الذي صار إلى الشر ليخلو الهيولي رويدا رويدا من آثار الخير فيبطل سلطان الشر. وكان يقول بالتناسخ وإن في كل شيء روحا مستنسخة. وكان يفرط في تمجيد النار وتعظيم شأنها ويؤهلها للتقديس والتسبيح كل ذلك لنورها وإضاءتها وتوسطها في المكان بين الفلكيات والعنصريات. وأهل الأرض للتحقير لكونها مظلمة لا يستضيء باطنها بالفعل ولا بالقوة. وهذا المذهب قد كان قديما للفرس ولم يبتدعه ماني ولكن شيده بالحجج الاقناعية. ونعم ما أجاب عنه الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا إذ قال: كيف السبيل إلى أن يوجد في النار كل معنى واقع في حيز الخير وفي الأرض كل معنى واقع في حيز الشر. فإن الأرض حيز البقاء والحياة للحيوان والنبات. والنار مفرطة الكيفية مفسدة بتفريق أجزاء المركب وتشتيتها. وقيل أن سابور ملك الفرس قتل ماني وسلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه على سور المدينة لأنه كان يدعي الدعاوي العظيمة وعجز عن إبراء ابنه من مرض عرض له.
" ططقيطوس قيصر " ملك ستة أشهر وقتل في المركب وملك بفارس هرمزد.
" فلوريانس قيصر " ملك شهرين وقتل بمدينة طرسوس.
" فروبوس قيصر " ملك سبع سنين. وفي أول سنة من ملكه ملك بفارس ورهران ثلاث سنين وبعده ورهران ابنه سبع عشرة سنة. ثم أن فروبوس قيصر قتل في الحرب بمدينة سرمين.

(1/38)


" قاروس قيصر " ملك سنتين ومات ما بين النهرين. وقتل نوميروس ابنه في الحرب ببلد إفريقية. وقورينوس ابنه الآخر قتل أيضا في حرب الجرامقة وهم قوم بالموصل أصلهم من الفرس. وفي السنة الثانية لملك قاروس قتل قوزما ودومياني الشهيدان.
" ذيوقليطيانوس قيصر " ملك عشرين سنة وأشرك معه في الملك ثلاثة نفر أخر. أحدهم مكسانطيس ابنه وهو كان مقيما برومية. وقسطنطينوس ببوزنطيا. ومكسيميانوس ختن ذيوقليطيانوس بمصر والشام.
وفي هذا الزمان عصى أهل مصر فأرسل إليهم ذيوقليطيانوس جيوشا فأهلكوهم. وفي السنة الحادية عشرة له ملك بفارس نرسي سبع سنين. وملك بعده هرمزد خمس سنين. وفي السنة التاسعة عشرة أمر بهدم كنائس النصارى فهدمت كلها. وضيق عليهم جدا وقتل منهم خلقا كثيرا وأحرق كتبهم. وفي هذه السنة عرض جوع عظيم حتى بلغ المدي أعني القفيز الشامي من الحنطة ألفين وخمسمائة درهم. ثم أن ذيوقليطيانوس اعتزل من الملك وخلط نفسه بالعامة إلى وقت وفاته. وفعل مكسيميانوس ختنه أيضا كذلك. وبقي في الملك مكسانطيس وقسطنطينوس. ومن أول سنة ملك ذيوقليطيانوس وهي سنة خمسمائة وست وتسعون للاسكندر يبتدئ تاريخ ذيوقليطيانوس الذي يؤرخ به القبط ويسمونه تاريخ الشهداء أي الذين استشهدوا في هذه السنة.
وفي دولة ذيوقليطيانوس هذا اشتهر في علم الفلسفة فرفوريوس الصوري وله النباهة فيه والتقدم. ولما صعب على صديق له يسمى خروساوريوس معرفة كلام ارسطاطاليس شكا إليه ذلك. فقال: كلام الحكيم يحتاج إلى مقدمة قصر عن فهمها طلبة زماننا لفساد أذهانهم. وشرع في تصنيف كتاب ايساغوجي ومعناه المدخل. فأخذ عنه وأضيف إلى كتاب ارسطو وجعل أولا لها وسار مسير الشمس إلى يومنا هذا. فمن تصانيفه هذا الكتاب وكتاب المدخل إلى القياسات الحملية. وكتابان له إلى رجل اسمه لبانوا. وكتاب في الرد لمحيوس في العقل والمعقول تسع مقالات توجد سريانيا. وكتاب أخبار الفلاسفة وجد منه المقالة الرابعة بالسرياني. وكتاب الاسطقسات مقالة توجد سريانيا.
" قسطنطيس قيصر الكبير " ملك اثنتي عشرة سنة أخرى بعد موت ذيوقليطيانوس. وكان به برص فأشار عليه خدم الأصنام أن يذبح أطفال المدينة ويغتسل بدمائهم فيبرأ من مرضه. فأخذ جماعة من الأطفال ليذبحهم فصارت مناحة عظيمة في المدينة فأحجم عن قتلهم. وفي تلك الليلة رأى في منامه فطروس وفولوس يقولان له: وجه إلى سيليبيطريس أسقف رومية فجئ به فهو ويبرئ مرضك. فلما أصبح وجه في طلبه. فأتوه به ووعظ الملك وأوضح له سر النصرانية فدعا له. وتعمد فذهب مرضه وأمر ببناء كنائس النصارى المهدومة. ومع هذا كان تمسكه بالدين واهيا.
" قسطنطينوس قيصر القاهر " ملك اثنتين وثلاثين سنة. وفي السنة الثانية له ملك على الفرس سابور بن هرمزد تسعا وستين سنة. وفي السنة الثالثة لملكه أمر فبني لبوزنطيا سور فزاد في ساحتها أربعة أميال وسماها قسطنطينية ونقل الملك إليها. وفي السنة السابعة استعد لغزو مكسانطيس ابن بنت ذيوقليطيانوس لأنه عصى ولم يبايعه وغلب على رومية. وكان قسطنطينوس يتفكر إلى أي الآلهة يلجئ أمره في هذا الغزو. فبينما هو في هذا الفكر رفع رأسه إلى السماء نصف النهار فرأى راية الصليب في السماء مثال النور وكان فيه مكتوب إن بهذا الشكل تغلب. فصاغ له صليبا من ذهب وكان يرفعه في حروبه على رأس الرمح. ثم أنه غزا رومية فخرج إليه مكسانطيس ووقع في نهر فاختنق. فافتتح قسطنطينوس مدينة رومية. واعتمد في هذا الوقت برومية من اليهود وعبدة الأصنام زهاء اثني عشر ألف خلا النساء والصبيان. ثم تنصرت هيلاني أمه بعد ذلك واعتمدت وشخصت إلى أورشليم حاجة وطلبت صليب المسيح بعناية وأمرت ببناء كنائس المسيح فيها وأخذت الصليب وحملته إلى قسطنطينية. ولم يزل دين النصرانية يظهر ويقوى إلى أن دخل فيه أكثر الأمم المجاورة للروم من الجلالقة والصقالبة وبرجان والروس واللان والأرمن والكرج وجميع أهل مصر من القبط وغيرهم وجمهور أصناف السودان من الحبشة والنوبة وسواهم. وآمن بعد هؤلاء أصناف من الترك أيضا.

(1/39)


وبنى قسطنطينوس بيعة عظيمة بالقسطنطينية وسماها أجيا سوفيا أي حكمة القدوس. وبيعة أخرى على اسم السليحين. وبنى بيعة بمدينة بعلبك وكان أهلها يتشاركون في النساء ولم يخلص لأحدهم نسب فكفهم عن ذلك فكفوا. وبنى بإنطاكية هيكلا ذا ثماني زوايا على اسم السيدة. وفي أيامه حاصر سابور ملك الفرس مدينة نصيبين ثلاثين يوما. وبدعاء مار يعقوب أسقفها ومار افريم تلميذه رحل عنها خائبا. وفي عودته غزا ما بين النهرين. فنهض قسطنطينوس لمحاربته وعند وصوله إلى نيقوموذيا أدركته المنية سنة اثنتين وأربعين وستمائة للاسكندر وذلك يوم الأحد لثمان بقين من أيار وكان عمره خمسا وستين سنة. وفي مرضه قسم الملك على أولاده الثلاثة وملك الكبير المسمى باسمه قسطنطينوس على قسطنطينية. ورتب الآخر المسمى قسطنطيس على مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية. ورتب الصغير المسمى قوسطوس على رومية واسفانيا وما يليها من ناحية المغرب.
وفي هذا الزمان ظهر آريوس المبتدع. هذا كان قسيسا خطيبا بالإسكندرية. فعلا ذات يوم مشهود المنبر ليخطب كعادته وابتدأ بخطبته من كلام سليمان بن داود وهو قوله: الرب خلقني في أول خلائقه. وأخذ يقرر أنه عنى بذلك كلمة الله فهي مخلوقة مبينة بالجوهر لذات الله لأنها عبارة عن العقل الذي هو المعلول الأول وهو أول ما خلق الله. فكتب الملك كتابا إلى جميع الأساقفة وقال فيه: إنه لاشيء آثر عندي ولا أزين في عيني من خشية الله ومراقبته. وقد رأيت الآن أن تعزموا على القدوم إلى مدينة نيقيا من غير وني لكي تفحصوا عن أمر ديني دعت الحاجة إلى تحقيقه. فاجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ونظروا فيما تفوه به آريوس فوجدوه مخالفا لأصل المذهب فزيفوا علمه الفاسد ورتبوا الأمانة المشهورة واجتمعت الفرق المسيحية كلها على صحتها إلى يومنا هذا. وكان اجتماعهم سنة ستمائة وست وثلاثين للاسكندر. وكان في هذا المجمع أسقف يرى رأي ناباطيس. فقال له الملك: لم لا توافق الجمهور في قبول من تاب عن معاصيه منيبا إلى الله. فأجابه الأسقف: إنه لا مغفرة لمن فرطت منه كبيرة بعد الإيمان والعماد بدليل قول فولوس الرسول حيث يقول: لا يستطيع الذين ذاقوا كلمة الله أن يدنسوا بالخطيئة ليطهروا بالتوبة ثانية. فقال له الملك هازئا به: إن كان الأمر كما تزعم فانصب لك سلما لترق فيه وحدك إلى السماء. ونهض بعض الأساقفة فرفع إلى الملك كتابا فيه سعاية ببعض الأساقفة. فلما قرأه الملك أمر أن يحرق الكتاب بالنار وقال: لو وجدت أحدا من الكهنة في ريبة لسترته بأرجوانيتي.
" قسطنطينوس وقسطوس وقسطنطيس " بنو القاهر ملكوا خمسا وثلاثين سنة. ثم أن قسطنطينوس صار إلى نيقوموذيا فأخذ جسد أبيه فحنطه ووضعه في صندوق ذهب وحمله إلى قسطنطينية ووضعه في هيكل السليحين. وفي هذه السنة صعد سابور ملك الفرس فغزا نصيبين لما بلغه وفاة قسطنطينوس القاهر فحاصرها ثلاثين يوما ورجع عنها إلى مملكته خائبا وذلك بدعاء القديس مار افريم. فإن الله استجاب دعاءه وأرسل على جيش الفرس بقا وهمجا هزم فيلتهم وخيلهم. ثم إن سابور اضطهد النصارى الذين في سلطانه جدا. وفي هذه السنة مات مار يعقوب أسقف نصيبين وقام مكانه بأبويه.
وفي هذا الزمان عرف الحكيم الفارسي ووضع كتبا كثيرة في تشييد مذهب النصارى ونقض مذهب المجوس. وفي السنة السادسة لملك هؤلاء عرض بأنطاكية رجفات وزلازل كثيرة ولم تزل الأرض ترتج عامة السنة مع سلامة من الفساد. ثم أن قسطنطينوس صاحب القسطنطينية وهو الأخ الكبير قتل في حرب وقعت بينه وبين أخيه الصغير وهو قسطوس صاحب رومية. وخلف ابنين غالوس ويوليانوس. ثم إن قسطنطيس وهو الأخ الأوسط صاحب مصر والشام نصب غالوس ملكا على القسطنطينية مكان أبيه. فعصى على عمه الذي نصبه. فسير عمه عليه جيشا وقتله ونصب أخاه يوليانوس مكانه. وبعد قليل قتل قسطوس صاحب رومية. ومات أيضا قسطنطيس صاحب مصر والشام. واستقل يوليانوس بجميع الممالك.

(1/40)


" يوليانوس قيصر " ملك سنتين بعد موت عميه وسمي بارابطيس أي المارق لأنه خلع ربقة النصرانية من عنقه وعبد الأصنام. ولذلك وثب الوثنيون على النصارى ووقع بينهم بلاء عظيم بالإسكندرية وقتل من الجانبين خلق كثير. ثم أن يوليانوس الملك منع النصارى من الاشتغال في شيء من كتب الفلسفة وسلب آنية الكنائس والديورة واستصفى مال من لم يطعه من النصارى في أكل ذبائح الأصنام وأهلك كثيرين منهم. ثم إنه عزم على غزو الفرس ودخل على أفولون الحبر الخادم للصنم ليستعلم منه هل ينجح في غزوه أم لا. فحكم له أنه يقهر أعداءه على نهر دجلة. فاستكبر لذلك يوليانوس وصال جدا وجمع جيوشه وغزا الفرس. فلما وصل إلى حران وأراد الخروج منها نكس رأسه ساجدا لآلهة الحرانيين. فسقط تاجه عن رأسه وصرع فرسه الذي كان تحته. فقال له خادم الصنم: إن النصارى الذين معك هم جلبوا عليك هذه البلايا. فأسقط منهم يومئذ زهاء عشرين ألف رجل. وسار حتى وافى المدائن. ولما نشب الحرب بينه وبين الفرس على دجلة صار يسير في صفوف مقاتليه وينشطهم للحرب. فرماه بعض الفرس بسهم فأصاب جنبه فسقط عن دابته. وبينما هو يتعذب إذ أخذ ملء حفنته دما من دمه فرشه في الجو نحو السماء وقال: إنك غلبتني يا ابن مريم فرث مع ملك السماء ملك الأرض أيضا. فمات وحمل إلى مدينته طرسوس ودفن بها.
وكان ليوليانوس هذا كاتب اسمه ثامسطيوس فيلسوف مشهور في زمانه فسر أكثر كتب ارسطوطاليس وصنف كتابا ليوليانوس في التدبير وسياسة الممالك ورسالة له أيضا تتضمن الكف عن اضطهاد النصارى وذكر فيها أن الله عز وجل يحب أن يعبد بوجوه مختلفة فإن الفلاسفة أيضا متشعبة إلى ثلاثمائة مذهب. فأقنعه كلامه فيها وكفه عن أذيتهم فانكف. ومن الفلاسفة القريبة العهد من هذا الزمان نيقولاوس قد تقدم في معرفة الحكمة. وله من التصانيف كتاب من حمل فلسفة ارسطوطاليس ولنا نسخته بالسرياني نقل حنين بن اسحق. وكتاب النبات. وكتاب الرد على جاعل العقل والمعقولات شيئا واحدا. قال ابن بطلان: أن أصله من اللاذقية وبها ولد. ومنهم دورثيوس وهو رياضي له اليد الطولى في علم الفلك والأحكام النجومية. وتصانيفه مشهورة عند أهل هذا العلم في المواليد والأدوار. ومنهم ديوفنطس وكتابه أب اسمه في الجبر والمقابلة مشهور وإذا تبحر فيه الناظر رأى بحرا من هذا النوع.
" يوينيانس قيصر " لما قتل يوليانوس المارق بقي عسكر الروم بغير ملك. فاختاروا صاحب جيشه وهو يوينيانس المؤمن بمشورة سابور ملك الفرس. فامتنع وقال: أنني نصراني لا أرضى أن أكون ملكا للوثنيين. فأعلموه أنهم أيضا نصارى ومن خوفهم من المارق لم يظهروا أديانهم. فأخرج لهم صليبا من الخزانة ونصبه لهم في المعسكر. وجرى الصلح بينهم وبين الفرس فشيعه سابور إلى نصيبين ووهبها له. ونقل من كان بها من الروم إلى آمد. ومن هذا اليوم صارت نصيبين للفرس. ثم أن يوينيانس توفي بعد أن ملك سنة واحدة.
" اولنطيانس قيصر " ملك ثلاث عشرة سنة. وولى واليس أخاه على المشرق. وخرج على واليس رجل خارجي بقسطنطينية يسمى فروقرينوس. فلزمه واليس وأمر بشد رجليه بشجرتين أدنيت إحداهما من الأخرى فانفسخ بينهما. وسقط برد بقسطنطينية كالحجارة وعرضت رجفات وزلازل وخسف في مواضع كثيرة وانخسفت مدينة نيقيا أيضا. وظهر قوم يعرفون بالمصلين وكانوا يقولون: كل من صلى وصام اثنتي عشرة سنة يأمر الجبل أن ينتقل من مكانه فينتقل كما جاء في الإنجيل المقدس. فكان إذا تعبد أحدهم هذه المدة خرج فقال للجبل: إياك آمر انتقل عن مكانك. فإذا لم يكن ذلك يئس من قبول عبادته وأخذ في الأكل والشراب والفساد. وفي السنة الثالثة عشرة لاولنطيانس تجاوز الناموس وتزوج بامرأة حسنة الصورة في حال حياة زوجته الناموسية وأطلق للناس أن يجمعوا بين زوجتين إن أرادوا الجمع بينهما. وفي تلك السنة مات.
" واليس قيصر " لما مات أخوه اولنطيانس استقل هو وحده بالملك واستعد لغزو الفرس. فبينا هو يحاربهم إذ دخل إلى قرية كانت إلى جانبه مع نفر من أصحابه. فأخبر الأعداء أنه هناك فأحاطوا بالقرية والقوا فيها نارا. فاحترق واليس ومن كان معه من أصحابه بعد أن ملك سنتين بعد أخيه.

(1/41)


" غراطيانس قيصر " هو ابن اولنطيانس. ملك سنة واحدة. وفي هذه السنة مات سابور ملك الفرس بعد أن ملك سبعين سنة. وقام بعده اردشير أخوه أربع سنين. ثم غراطيانس أشرك معه في ملكه رجلا يقال له ثاوذوسيوس وكان وثنيا وآمن بالمسيح واعتمد. وتوفي غراطيانس.
" ثاوذوسيوس قيصر الكبير " ملك سبع عشرة سنة وأمر أن يلزم كل أحد دينه. وفي السنة الخامسة خرج برومية خارجي يسمى مكسيموس. فوجه إليه ثاوذوسيوس جيوشا فقتل. وفي السنة السادسة ولد له ولد فسماه انوريس. وفي هذه السنة ظهرت في السماء آية كعمود من نار ولبثت شهرا. وفيها عرضت ظلمة شديدة نصف النهار في شهر آذار. ثم أن ثاوذوسيوس مرض فوجه في طلب انوريس ابنه وبايع له ووجهه إلى المغرب. وبايع لارقاذيوس ابنه الآخر ووجهه إلى المشرق. وتوفي وعمره ستون سنة.
" ارقاذيوس قيصر " ملك ثلث عشرة سنة. وفي هذه السنة قام يوحنا فم الذهب بطركا على قسطنطينية ووضع تفسير الإنجيل وهو ابن ثماني وعشرين سنة. ومنع الكهنة من أمور كثيرة من الفساد. فحسدوه وجعلوا يطلبون عليه عثرة. ونهى الملكة اودكسيا امرأة ارقاذيوس عن اختلاسها كرم امرأة أرملة. ولأنها أبت رشقها في بعض خطبه ذات يوم وشبهها بازبيل امرأة أحاب ملك يهوذا التي أخذت كرما أيضا من أرملة. فركبت يوما من الأيام وأخذت معها تسعة وعشرين أسقفا ممن عادى يوحنا فم الذهب واجتمعوا بمدينة خلقيذونيا وحرموه أسقطوه من مرتبته بحجة أنه لم يدع النظر في كتب اوريغانيس المخالف. فاضطرب أهل القسطنطينية لذلك وهموا بإحراق دار الملك. فخافهم الملك وبعث إلى فم الذهب ورده إلى مرتبته. فلما رجع رفع تمثالا كان للملكة بالقرب من الكنيسة. وخطب ذات يوم وسمى الملكة الملكة هيروذيا أي الملكة التي قتلت يحيى بن زكريا المعمدان. فغضبت غضبا شديدا ووجهت إلى افيفانوس أسقف جزيرة قبرص وسائر الأساقفة فجمعتهم كلهم إلى قسطنطينية. فحرموه ثانية ونفوه وكان ذلك في السنة الثامنة لارقاذيوس. فنفي إلى جزيرة في بحر نيطوس وتوفي هناك. وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة. وثارت الفتن بين الروم والمصريين بسبب عظام يوحنا فم الذهب حتى أتوا بها بعد ثلث وثلاثين سنة لموته فدفنوها بقسطنطينية وأثبتوا اسمه في سفر الحياة مع باقي الآباء القديسين. وفي السنة الخامسة لارقاذيوس ملك على الفرس يزدجرد ابن سابور إحدى وعشرين سنة. ثم أن ارقاذيوس مات وهو ابن ثلاثين سنة وخلف ابنه ثاوذوسيوس ابن ثماني سنين.
" ثاوذوسيوس قيصر الصغير " ملك اثنتين وأربعين سنة. وفي هذا الزمان كثر النصارى في سلطان الفرس وظهرت النصرانية جدا على يدي مروثا أسقف ميافارقين الذي أرسله ثاوذوسيوس الصغير إلى الفرس. ثم إن يزدجرد ملك الفرس مات. وملك بعده ورهران ابنه وتشدد على النصارى. وتواقع الروم والفرس وقتل من الفريقين خلق كثير وكانت الهزيمة على الفرس. وزال التشديد عن النصارى. وفي السنة العاشرة لثاوذوسيوس الصغير عرف شمعون صاحب العمود بإنطاكية وكان يظهر الآيات والعجائب وكان في هذا الزمن من العلماء قوريلوس بطريرك الإسكندرية ونسطوريوس بطريرك القسطنطينية القائل باتحاد المشيئة دون نفس الكلمة. فاسقط لذلك. ومار اسحق تلميذ مار افريم صاحب الميامر المنظومة.
وفي هذا الزمان انبعث أصحاب الكهف من رقدتهم التي رقدوا على عهد ذاقيوس الملك بعد مائتين وأربعين سنة بالتقريب. فخرج ثاوذوسيوس الملك مع أساقفة وقسيسين وبطاركة فنظروا إليهم وكلموهم. فلما انصرفوا من عندهم ماتوا في مواضعهم. وكانت في هذه السنة زلزلة عظيمة بقسطنطينية فهرب عامة الناس إلى خارج المدينة وسقطت بها مواضع كثيرة. وفي سنة ثلث وثلاثين لثاوذوسيوس مات ورهران ملك الفرس وملك بعده يزدجرد ثماني سنين. وفي هذا الزمان خطب يهيبا أسقف الرها ذات يوم خطبة وقال فيها: إني لست أحسد المسيح على تألهه لأن كل ما صار فيه فأنا مثله. فحرم ونفي من كرسيه. وفي سنة إحدى وأربعين لثلوذوسيوس وجد رأس يوحنا المعمدان بحمص. وتوفي ثاوذوسيوس وعمره خمسون سنة.

(1/42)


" مرقيانوس قيصر " ملك سبع سنين وتزوج فوليخريا أخت ثاوذوسيوس الصغير التي كانت راهبة لأن جماعة من الأساقفة المرائين أفتوها في أمر الزواج وقد كانت قبل ذلك متهمة بالزناء معه. وفي السنة الثانية لمرقيانوس اجتمع ستمائة وثلاثون أسقفا بمدينة خلقيذونيا وحرموا ديوسقوروس بطرك الإسكندرية وقالوا بالطبيعتين والاقنوم الواحد على ما هم عليه الروم والإفرنج. ولما ملك مرقيانوس سبع سنين مات وعمره خمس وستون سنة.
" لاون قيصر " : ملك ثماني عشرة سنة. وفي أول ملكه ملك على الفرس فيروز ابن يزدجرد سبعا وعشرين سنة. وفي هذه السنة التي ملك فيها لاون وهي سنة تسع وسبعين وثمانمائة للاسكندر صارت زلزلة قوية بمدينة إنطاكية وخسف فيها مواضع كثيرة. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وظهرت النجوم نهارا. وبعد ذلك بسنة غزا الفرس آمد وخربوها بعد ما حاصروها. ولما مرض لاون بايع لاونطيوس ابن ابنته وعمره ست سنين.
" لاونطيوس قيصر " ملك سنة واحدة. هذا لكونه صبيا خدعته أمه قائلة له: إذا حضر زينون أبوك في الخدمة يجب عليك أن تكرمه وتجلسه معك على السرير وتضع تاجك على رأسه. فلما عمل الصبي بقول أمه صار يجلس زينون معه على السرير. وبعد أيام قلائل مرض الصبي ومات. واستراب الناس بأبويه أنهما قتلاه مستبدين بالمملكة.
" زينون قيصر " ملك خمس عشرة سنة. وفي آخر أيامه عصى السمرة بنابلس ونصبوا لهم ملكا قتل جمعا كثيرا من النصارى. فسير عليه زينون جيشا وقتل الخارجي السامري. ثم مرض زينون ومات وعمره إحدى وستون سنة.
" انسطس قيصر " ملك سبعا وعشرين سنة. وفي أول ملكه قتل كثيرين من صبيان المكتب لأنهم هجوه. وفي السنة الثالثة له بنيت دارا التي فوق نصيبين. ثم إن انسطس الملك أراد أن يوضع في البيعة قول المؤمنين في صلواتهم إنك صلبت من أجلنا. فاضطرب أهل القسطنطينية كلهم وأخذوا الحجارة ليرجموه بها. فهاله أمرهم وجبن عنهم فوضع تاجه عن رأسه قائلا: إني أنتهي إلى أمركم فيما تريدون. فكف الشعب عنه. وفي السنة الحادية عشرة له عرض في بلاد الروم جوع شديد وظهر جراد كثير وأفسد عامة غلاتهم. ووضع يعقوب السروجي ميامر على ذلك.
وفي هذا الزمان عرف ساويروس بطرك إنطاكية ووضع كتبا كثيرة في تصحيح القول بالطبيعة الواحدة من طبيعتي اللاهوت والناسوت بغير امتزاج ولا اختلاط بل وفساد بل مع بقائهما على ما كانتا عليه ككون طبيعة الإنسان من طبيعتي النفس والبدن وطبيعة الجسم من طبيعتي الهيولي والصورة من غير انقلاب النفس بدنا ولا الهيولي صورة وبالعكس.
" يوسطينيانس قيصر " ملك تسع سنين. وكان أصله من رومية. هذا أصلح جميع البيع ورد كل من نفاه الملوك قبله. وفي السنة السابعة لملكه اقتتل الروم والفرس إلى شاطئ الفرات وغرق من الروم خلق كثير. وفي هذه السنة سقط ثلج كثير وجليد وأفسد عامة الأشجار مع الكروم. وبعد سنة قلت الأمطار وعزت الغلات ونقص الماء في الينابيع ثم تبع ذلك حر قوي ووباء شديد ودام ست سنين. وفي هذه السنة وجه يوسطينيانس وفدا إلى المنذر ملك العرب ليصالحه لأنه كان غزا الروم وخرب وسبى. وكان سبب الفتنة بين العرب والروم اضطهاد الملك يوسطينيانس الآباء القائلين بالطبيعة الواحدة لأن النصارى العرب يومئذ إنما كانوا يعتقدون اعتقاد اليعقوبية لا غير. وفي هذا الوقت غزا كسرى ملك الفرس مدينة الرها وقتل فيها خلقا كثيرا. فظهر نجم ذو ذؤابة وثبت أربعين ليلة. وفي السنة التاسعة لملكه أشرك معه في الملك يوسطينيانس الصغير وكان ابن أخته. وبعد ثلاثة أشهر مات.

(1/43)


" يوسطينيانس قيصر الصغير " ملك ثماني وثلاثين سنة وأمر أن يجتمع جميع أساقفة أصحاب ساويروس القائلين بالطبيعة الواحدة إلى قسطنطينية. فلما اجتمعوا وعظهم وعظا كثيرا وسألهم أن يوافقوا مجمع خلقيذونيا بالقول بالطبيعتين والاقنوم الواحد. فلما لم يقبلوا قوله صرفهم إلى مواضعهم. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وثبت كسوفها السنة كلها وزيادة شهرين ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير. وكان الناس يقولون أنه قد دخل عليها عرض لا يزول عنها أبدا. وفي هذه السنة ظهر جراد كثير في عامة الأرض وكان الشتاء صعب البرد غزير الثلج ومات فيه خلق كثير. وبعد سنة ظهرت في السماء آية عجيبة بردت حرارة الشمس السنة بأسرها ولم تنضج الثمار في تلك السنة. وفي هذا الزمان عرف سرجيس الرأس عيني الفيلسوف المترجم الكتب من اليوناني إلى السرياني ومصنفها. وكان على مذهب ساوري. وفي السنة الرابعة عشرة ليوسطينيانس غزا كسرى ابن قباذ إنطاكية وافتتحها وسبى أهلها وحدرهم إلى بابل وبنى لهم مدينة وسماها إنطاكية وتعرف اليوم بالماحوزى الجديدة. وفتح أيضا فامية والرقة ودارا وحلب.
وكان الروم مشتغلين مع الصقالبة المتاخمين لرومية. فلما فرغوا من مجاهدتهم عطفوا على الفرس وبقيت الحرب بينهم سنتين. وعرض في المشرق جوع شديد ووباء عظيم في الناس والبقر حتى صار الناس يحرثون أرضهم بالحمير والخيل. وفي السنة الثامنة والعشرين ليوسطينيانس اصطلح الروم والفرس. وفي السنة الخامسة والثلاثين له كتب إلى جميع الأساقفة أن يعملوا عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول. والدنح لستة أيام من كانون الأخير.فامتثلوا أمره خلا الأرمن فإنهم داموا على العادة الأولى في تعييد العيدين في يوم واحد. وفي هذا الوقت ظهر يولياني القائل أن جسد المسيح غير مخلوق وهو جوهر لطيف روحاني لم يصلب بالحقيقة ولم يمت وإنما كان ذلك كله خيالا. ومع هذا كان يقول بالطبيعة الواحدة.
" يوسطينيانس قيصر الثالث " ملك ثلث عشرة سنة. وهو ابن أخت الذي قبله. وفي السنة الثانية لملكه ظهر في السماء نار تضطرم من ناحية القطب الشمالي وثبتت السنة كلها. وكانت الظلمة تغشي العالم من تسع ساعات من النهار إلى الليل حتى لم يكن أحد يبصر شيئا. وكان ينزل من الجو شبه الهشيم والرماد. وفي السنة الثالثة له قلت الأمطار وصار الشتاء كالصيف وصار زلزلة شديدة ووباء عظيم. وفي السنة الرابعة له غزا كسرى دارا وأقام عليها ستة أشهر وافتتحها. واستعد يوسطينيانس لغزو الفرس فمرض مرضا اختلط به عقله فبطل الغزو. ثم تعالج فبرئ وبايع رجلا يونانيا يسمى طيباريوس وكان من خاصته وجعله قيصرا بعده.
الدولة الثامنة
المنتقلة إلى ملوك اليونانيين المتنصرين
من عهد أغسطوس قيصر إلى أن أقام طيباريوس قيصر والمدة قريبة من ستمائة سنة. كان الملوك على القسطنطينية والبطارقة وجل الجند روميين أعني إفرنجا. غير أن الوزراء والكتاب والرعايا كافة كانوا يونانيين. ثم صارت المملكة أيضا يونانية. والسبب في ذلك أن يوسطينيانس الأخير لما ابتلي بالمرض الشديد ويئس من حياته لم ير في أهل بيته وخاصته من يفي بسياسة الملك غير وزيره طيباريوس وهو رجل يوناني فبايعه ووضع له التاج بيده. ومن حينئذ صارت مملكة القسطنطينية يونانية. إلى أن استعادها الإفرنج في سنة ألف وخمسمائة وخمس عشرة للاسكندر وهي سنة ستمائة للهجرة. ثم فتحها اليونانيون في أيامنا سنة ألف وخمسمائة وثماني وستين للاسكندر وهي سنة خمس وخمسون وستمائة للهجرة.
" طيباريوس قيصر " ملك أربع سنين. وغزت الفرس رأس العين فوجه إليهم طيباريوس كبير بطارقته المسمى موريقي. فلقيهم هناك فهزمهم. ثم لحق طيباريوس مع موريقي أجناده فغزا الفرس وسبى منهم زهاء ألف نفس ومضى بهم فأسكنهم جزيرة قبرس. وعرضت في هذه السنة زلزلة عظيمة. وعرض في الصيف أمطار كثيرة وبرد شديد وأظلم الجو وظهر جراد كثير فأكل عامة الزروع والعنب والبقول. وفيها عرض وباء شديد. ووجد الناس يعبدون الأوثان فقتلوا. وفي السنة الرابعة لطيباريوس زوج ابنته لموريقي عظيم قواده وبايع له بالعهد وملكه وتوفي.

(1/44)


" موريقي قيصر " ملك عشرين سنة. وكان حسن السيرة سهل المعاملة كثير الصدقة. وكان في كل سنة يهيئ طعاما للفقراء والمساكين ستين مرة ويقوم هو وزوجته من ملكهما فيتوليان خدمتهم وإطعامهم واسقاءهم. وفي السنة الرابعة لموريقي عرض وباء شديد بقسطنطينية ومات من أهلها زهاء أربعمائة ألف نفس. وفي السنة الثامنة لموريقي وثب الفرس على هرمز ملكهم فسملوا عينيه ثم قتلوه وملكوا عليهم بهرام المرزبان. وكان لهرمز ابن حدث اسمه كسرى وهو المعروف بأنوشروان العادل فتنكر كأنه سائل وشق سلطان الفرس حتى جاء نصيبين وصار إلى الرها ومنها إلى منبج وكتب إلى موريقي كتابا نسخته: للأب المبارك والسيد المقدم موريقي ملك الروم من كسرى بن هرمز ابنه السلام. أما بعد فأني أعلم الملك أن بهرام ومن معه من عبيد أبي جهلوا قدرهم ونسوا أنهم عبيد وأنا مولاهم وكفروا نعم آبائي لديهم فاعتدوا علي وأرادوا قتلي. فهممت أن أفزع إلى مثلك فأعتصم بفضلك وأكون خاضعا لك لأن الخضوع لملك مثلك وإن كان عدوا أيسر من الوقوع في أيدي العبيد المردة ولأن يكون موتي على أيدي الملوك أفضل وأقل عارا من أن يجري على أيدي العبيد. ففزعت إليك ثقة بفضلك ورجاء أن تترأف على مثلي وتمدني بجيوشك لأقوى بهم على محاربة العدو وأصير لك ولدا سامعا ومطيعا إن شاء الله تعالى. فلما قرأ موريقي كتاب كسرى بن هرمز عزم على إجابة مسألته لأنه لجأ إليه وأنجده بعشرين ألفا وسير له من الأموال أربعين قنطارا ذهبا. وكتب إليه كتابا نسخته: من موريقي عبد ايشوع المسيح إلى كسرى ملك الفرس ولدي وأخي السلام. أما بعد فقرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر العبيد الذين تمردوا عليك وكونهم غمطوا أنعم آبائك وأسلافك غمطا وخروجهم عليك ودحضهم إياك عن ملكك. فداخلني من ذلك أمر حركني على الترأف بك وعليك وإمدادك بما سألت. فأما ما ذكرت من أن الاستتار تحت جناح ملك عدو والاستظلال بكنفه آثر من الوقوع في أيدي العبيد المردة والموت على أيدي الملوك أفضل من الموت على أيدي العبيد. فإنك اخترت أفضل الخصال ورغبت إلينا في ذلك. فقد صدقنا قولك وقبلنا كلامك وحققنا أملك وأتممنا بغيتك وقضينا حاجتك وحمدنا سعيك وشكرنا حسن ظنك بنا ووجهنا إليك بما سألت من الجيوش والأموال وصيرتك لي ولدا وكنت لك أبا. فاقبض الأموال مباركا لك فيها وقد الجيوش وسر على بركة الله وعونه. ولا يعترينك الضجر والهلع بل تشمر لعدوك ولا تقصر فيما يجب لك إذا تطأطأت من درجتك وانحططت عن مرتبتك. فإني أرجو أن يظفرك الله بعدوك ويكبه تحت موطئ قدميك ويرد كيده في نحره ويعيدك إلى مرتبتك برجاء الله تعالى. فلما وردت الجيوش على كسرى وقبض الأموال وتشجع بقراءة كتاب موريقي سار مع جيوش الروم نحو بهرام فلقيه بين المدائن وواسط فصارت الهزيمة على بهرام وقتل أصحابه كلهم واستباح كسرى عساكر بهرام ورجع إلى مملكته فجلس فيها وبايعه الناس كلهم. ودعا بالروم فأحسن جائزتهم وصرفهم إلى صاحبهم. وبعث إلى موريقي من الألطاف والأموال أضعاف ما كان أخذ منه. ورد دارا وميافارقين إلى الروم وبنى هيكلين للنصارى بالمدائن وجعل أحدهما باسم السيدة والآخر باسم مار سرجيس الشهيد.
وفي السنة السادسة عشرة لموريقي كان مطر شديد غرقت به مدن كثيرة مع أهلها ودوابها ومواشيها. ولأن موريقي بعد مصلحته للفرس قطع أرزاق جنوده فاجتمع عظماء الروم إلى مدينة هرقلة وأرادوا تمليك فطري أخي موريقي. فهرب منهم ومضى إلى قسطنطينية. وهرب أيضا موريقي إلى خلقيذونية. فلحقته الروم فألفوه وعليه خلقان في ذي الفقراء والسؤال فقتلوه وملكوا عليهم رجلا من بطارقتهم يقال له فوقا.
" فوقا قيصر " ملك ثماني سنين. ولم يكن من بيت الملك. فلما بلغ كسرى بن هرمز قتل موريقي نقض العهد وغزا دارا فافتتحها وافتتح أيضا آمد وحلب. ثم عطف على قنسرين ورجع إلى الرها. وفي السنة الثامنة لفوقا خرج عليه خارجيان أحدهما هرقل والآخر غريغور بإفريقية ووجها جيوشا مع ابنيهما وهما هرقل بن هرقل ونقيطا بن غريغور وتقدما إليهما بقتل فوقا وتعاقدا بينهما أن الملك للسابق إلى القسطنطينية إذا قتل فوقا. فركب هرقل البحر وسار نقيطا في البر وألفى هرقل البحر هادئا ساكنا فسبق ودخل المدينة وقتل فوقا وملك.

(1/45)


" هرقل قيصر " ملك إحدى وثلاثين سنة وخمسة أشهر. وفي أول سنة من ملكه أرسل وفدا إلى ملك الفرس ليصالحه. فلم يجبه إلى ذلك بل غزا إنطاكية وفامية وحمص وقيسارية وافتتحها. وفي هذه السنة عرض بالروم جوع شديد حتى أكل الناس الجيف وجلود البهائم. وقصد نقيطا بن غريغور مدينة الإسكندرية فاستولى عليها. وفي السنة الرابعة لهرقل ملكت العرب وهي سنة تسعمائة وخمس وثلاثين للاسكندر. وفي السنة الخامسة لهرقل افتتح الفرس البيت المقدس. وبعد ثلاث سنين افتتحوا الإسكندرية ومصر ووصلوا إلى النوبة وغزوا فلقيذونيا فافتتحوها. وفي السنة العاشرة لهرقل تحركت العرب بيثرب. وفي السنة الخامسة عشرة لهرقل غزا الفرس جزيرة رودس فافتتحوها. وأمر كسرى أن يؤخذ رخام الكنائس التي في جميع المدن التي فتحها وتحدر إلى المدائن. ولقي فيه الناس جهدا جهيدا. وفي هذه السنة غزا أهل هرقل الفرس فافتتحوا مدينة كسرى وسبوا منها خلقا كثيرا وانصرفوا. وفي السنة السابعة عشر لهرقل أنكسف نصف جرم الشمس وثبت كسوفها من تشرين الأول إلى حزيران ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير.
وفي هذا الزمان كان الحرث بن كلدة طبيب العرب أصله من ثقيف من أهل الطائف رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية قبل الإسلام وطبب بأرض فارس وحصل مالا. ثم أن نفسه اشتاقت إلى بلاده فرجع إلى الطائف واشتهر وأدرك الإسلام. وكان النبي عليه السلام يأمر من كان به علة أن يأتيه فيستوصفه. وكان الحرث يقول: من سره البقاء ولا بقاء فليباكر الغذاء وليخفف الرداء وليقل من غشيان النساء. يريد بخفة الرداء أن لا يكون عليه دين وقيل مات الحرث في أول الإسلام ولم يصح إسلامه. وفي هذا الزمان كان يعرف اهرون القس الإسكندري. وكناشه في الطب موجود عندنا بالسريانية وهو ثلاثون مقالة. وزاد عليها مقالتين أخريين.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الدولة التاسعة
المنتقلة إلى ملوك العرب المسلمين
قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي صاحب قضاء مدينة طليطلة: إن العرب فرقتان فرقة بائدة وفرقة باقية. أما الفرقة البائدة فكانت أمما ضخمة كعاد وثمود وطسم وجديس. ولتقادم انقراضهم ذهبت عنا حقيقة أخبارهم وانقطعت عنا أسباب العلم بآثارهم. وأما الفرقة الباقية فهي متفرعة من جذمين قحطان وعدنان. ويضمها حالان حال الجاهلية وحال الإسلام. فأما حال العرب في الجاهلية فحال مشهور عند الأمم من العز والمنعة وكان ملكهم في قبائل قحطان وكان بيت الملك الأعظم في بني حمير وكان منهم الملوك الجبابرة التبابعة. وأما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين أهل مدر وأهل وبر. فأما أهل المدر فهم الحواضر وسكان القرى. وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر فهم قطان الصحارى. وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها منتجعين بمنابت الكلأ مرتادين لمواقع القطر فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا يزالون في حل وترحال كما قال بعضهم عن ناقته: ؟؟؟؟تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني

(1/46)


وكان ذلك دأبهم زمان الصيف والربيع. فإذا جاء الشتاء واقشعرت الأرض انكمشوا إلى أرياف العراق وأطراف الشام. فشتوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس العيش. وكانت أديانهم مختلفة. فكانت حمير تعبد الشمس. وكنانة القمر. وميسم الدبران. ولخم وجذام المشتري. وطيء سهيلا. وقيس الشعري العبور. وأسد عطارد. وثقيف بيتا بأعلى نخلة يقال لها اللات. وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد أن من نحرت ناقته على قبره حشر راكبا ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا. فأما علم العرب الذين كانوا يفاخرون به فعلم لسانهم وأحكام لغتهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب. وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق. وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئا منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به. فهذه كانت حالهم في الجاهلية. وأما حالهم في الإسلام فعلى ما نذكره بأوجز ما يمكننا وأقصر إن شاء الله.

(1/47)


" محمد بن عبد الله عليه السلام " ذكر النسابون أن نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر أمة سارة زوجته. وكان ولادته بمكة سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة للاسكندر. ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمه آمنة بنت وهب ست سنين. فلما توفيت أخذه إليه جده عبد المطلب وحنا عليه. فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحياطته فضمه إليه وكفله. ثم خرج به وهو ابن تسع سنين إلى الشام. فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل يتخلل القوم حتى انتهى إليه فأخذه بيده وقال: سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فإنه حيث أشرف أقبل وعليه غمامة تظلله. ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة أن يخرج بمالها تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره. فأجابها إلى ذلك وخرج. ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة. وأقامت معه إلى أن توفيت بمكة اثنتين وعشرين سنة. ولما كمل له أربعون سنة أظهر الدعوة. ولما مات أبو طالب عمه وماتت أيضا خديجة زوجته أصابته قريش بعظيم أذى. فهاجر عنهم إلى المدينة وهي يثرب. وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس اليه ونصروه على المكيين أعدائه. وفي السنة الثانية من هجرته إلى المدينة خرج بنفسه إلى غزاة بدر وهي البطشة الكبرى وهزم بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من المسلمين ألفا من أهل مكة المشركين. وفي هذه السنة صرفت القبلة عن جهة البيت المقدس إلى جهة الكعبة. وفيها فرض صيام شهر رمضان. وفي السنة الثالثة خرج إلى غزاة أحد. وفيها هزم المشركون المسلمين وشج في وجهه وكسرت رباعيته. وفي السنة الرابعة غزا بني النضير اليهود وأجلاهم عن الشام. وفيها اجتمع أحزاب شتى من قبائل العرب مع أهل مكة وساروا جميعا إلى المدينة فخرج إليهم. ولأنه هال المسلمين أمرهم أمر بحفر خندق وبقوا بضعة وعشرين يوما لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز. فسعى نحوه علي بن أبي طالب وقتله وقتل بعده صاحبا له. وكان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم ووفرة عددهم. وفي السنة الخامسة كانت غزاة دومة الجندل وغزاة بني لحيان. وفي السنة السادسة خرج بنفسه إلى غزاة بني المصطلق وأصاب منهم سبيا كثيرا. وفي السنة السابعة خرج إلى غزاة خيبر مدينة اليهود. وينقل عن علي بن أبي طالب أنه عالج باب خيبر واقتلعه وجعله مجنا وقاتلهم. وفي الثامنة كانت غزاة الفتح فتح مكة وعهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا فيها إلا من قاتلهم وأمن من دخل المسجد ومن أغلق على نفسه بابه وكف يده ومن تعلق بأستار الكعبة سوى قوم كانوا يؤذونه. ولما أسلم أبو سفيان وهو عظيم مكة من تحت السيف ورأى جيوش المسلمين قال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال له: ويحك إنها النبوة. قال نعم إذن. وفي السنة التاسعة خرج إلى غزاة تبوك من بلاد الروم ولم يحتج فيها إلى حرب. وفي السنة العاشرة حج حجة الوداع. وفيها تنبأ باليمامة مسيلمة الكذاب وجعل يسجع مضاهيا للقرآن فيقول: لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا. وفي هذه السنة وعك عليه السلام ومرض وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر. وكان عمره بجملته ثلاثا وستين سنة منها أربعون سنة قبل دعوة النبوة ومنها بعدها ثلث عشرة سنة مقيما بمكة ومنها بعد الهجرة عشر سنين مقيما بالمدينة. ولما توفي أراد أهل مكة من المهاجرين رده إليها لأنها مسقط رأسه. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته. وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة فدفنوه بحجرته حيث قبض. واختلفوا بعدد أزواجه. وأكثر ما قالوا سبع عشرة امرأة سوى السراري. وولد له سبعة أولاد ثلاثة بنين وأربع بنات كلهم من خديجة إلا إبراهيم ابنه فإنه من ماريا القبطية التي بعث بها المقوقس إلى الإسكندرية مع أختها شيرين. ولم يمت من نسائه قبله إلا اثنتان. ولم يعش من أولاده بعده إلا ابنة واحدة وهي فاطمة زوجة علي بن أبي طالب وتوفيت بعد أبيها بثلاثة أشهر.

(1/48)


وقد وقع في الإسلام اختلافات شتى كما وقع في غيره من الأديان بعضها في الأصول وهي موضوع علم الكلام وبعضها في الفروع وهي موضوع علم الفقه. والخلاف في الأصول فينحصر في أربع قواعد الأولى الصفات والتوحيد. الثانية القضاء والقدر. الثالثة الوعد والوعيد. الرابعة النبوة والإمامة.
وكبار فرق الأصوليين ست. المعتزلة ثم الصفائية وهما متقابلتان تقابل التضاد. وكذلك القدرية تضاد الجبرية. والمرجئة الوعيدية. والشيعية الخوارج. ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلث وسبعين فرقة. وأما المعتزلة فالذي يعممهم من الاعتقاد القول بنفي الصفات القديمة عن ذات الباري تعالى هربا من أقانيم النصارى.
فمنهم من قال أنه تعالى عالم لذاته لا بعلم وكذلك قادر وحي. ومنهم من قال أنه عالم بعلم وهو ذاته وكذلك قادر وحي فالأول نفى الصفة رأسا والثاني أثبت صفة هي بعينها ذات.واتفقوا على إن كلامه تعالى محدث بخلقه في محل وهو حرف وصوت وكتب مثاله في المصاحف. وبالجملة نفي الصفات مقتبس من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجه. وبازاء المعتزلة الصفاتية وهم يثبتون الله صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة وغيرها. وبلغ بعضهم في إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام إلى حد التجسيم فقال: لا بد من إجراء الآيات الدالة عليها كالاستواء على العرش والخلق باليد وغيرهما على ظاهرها من غير تعرض للتأويل. إلا أن قوما منهم كأبي الحسن الاشعري وغيره لما بشروا علم الكلام منعوا التشبيه وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سنة الصفاتية إلى الاشعرية.
وأما القدرية فهم معتزلة أيضا وإنما لقبوا بالقدرية لنفيهم القدر لا لإثباتهم إياه فإنهم يقولون أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا. فالرب تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم. وسموا هذا النمط عدلا. وحدوه بأنه إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة لمقتضى العقل من الحكمة. وبازاء القدرية الجبرية الذين ينفون الفعل والقدرة على الفعل عن العبد ويقولون أن الله تعالى يخلق الفعل ويخلق في الإنسان قدرة متعلقة بذلك الفعل ولا تأثير لتلك القدرة على ذلك الفعل. ومنهم من يثبت للعبد قدرة ذات أثر ما في الفعل ويقولون أن الله مالك في خلقه يفعل فيهم ما يشاء و لا يسأل عما يفعل. فلو أدخلوا الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا. ولو أدخلهم بأجمعهم النار لم يكن جورا بل هو في كل ذلك عادل لأن العدل على رأيهم هو التصرف فيما يملكه المتصرف.
وأما المرجئة فهم يقولون بإرجاء حكم صاحب الكبيرة من المؤمنين إلى القيامة أي بتأخيره إليها. فلا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه ناجيا أو هالكا ويقولون أيضا أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وبازاء المرجئة الوعيدية القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار وإن كان مؤمنا لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار. وأما الشيعة فهم الذين شايعوا علي بن أبي طالب وقالوا بإمامته بعد النبي. وإن الإمامة لا تخرج من أولاده إلا بظلم. ويجمعهم القول بثبوت عصمة الأيمة وجوبا عن الكبائر والصغائر. فإن الإمامة ركن من أركان الدين لا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى العامة. ومن غلاة الشيعة النصيرية القائلون بأن الله تعالى ظهر بصورة علي ونطق بلسانه مخبرا عما يتعلق بباطن الأسرار. وقوم منهم غلوا في حق أيمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام إلاهية. وبازاء الشيعة الخوارج فمنهم من خطأ علي بن أبي طالب فيما تصرف فيه ومنهم من تخطى عن تخطئته إلى تكفيره ومنهم من جوز أن لا يكون في العالم إمام أصلا وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا أو نبطيا أو قرشيا إذا كان عادلا. فإن عدل عن الحق وجب عزله وقتله. فهذا اقتصاص مذهب الأصوليين على سبيل الاختصار.

(1/49)


وأما مذاهب الفروعيين المختلفين في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية فالمشهورة منها أربعة: مذهب مالك بن أنس. ومذهب أحمد بن إدريس الشافعي. ومذهب محمد بن حنبل. ومذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت. وأركان الاجتهاد أيضا أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وذلك لأنه إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال وحرام فزعوا إلى الاجتهاد وابتدأوا بكتاب الله تعالى. فإن وجدوا فيه نصا تمسكوا به وإلا فزعوا إلى سنة النبي فإن رأوا لهم في ذلك خبرا نزلوا إلى حكمه وإلا فزعوا إلى إجماع الصحابة لأنهم راشدون حتى لا يجتمعون على ضلال. فإن عثروا بما يناسب مطلوبهم أجروا حكم الحادثة على مقتضاه وإلا فزعوا إلى القياس لأن الحوادث والوقائع غير متناهية والنصوص متناهية فلا يتطابقان فعلم قطعا أن القياس واجب الاعتبار ليكون بصدد كل حادثة شرعية اجتهاد قياسي. ومن الأيمة داود الأصفهاني نفى القياس أصلا. وأبو حنيفة شديد العناية به وربما يقدم القياس الجلي على آحاد الأخبار. ومالك والشافعي وابن حنبل لا يرجعون إلى القياس الجلي ولا الخفي ما وجدوا خبرا أو أمرا. وبينهم اختلاف في الأحكام ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات ولا يلزم بذلك تكفير ولا تضليل. وبالجملة أصول شريعة الإسلام الطهارة في حواشي الإنسان وأطرافه لإرسالها وملاقاتها النجاسات. والصلاة وهي خضوع وتواضع لرب العزة. والزكاة وهي مؤاساة ومعونة وافضال. والصيام وهو رياضة وتذليل وقمع الشهوة تحصل به رقة القلب وصفاء النفس. والحج وهو مثال الخروج عن الدنيا والإقبال على الآخرة وأكثر ما فيه من المناسك امتحان وابتلاء العبد بامتثاله ما شرع له وذلك كالسعي والهرولة في الطواف ورمي الجمار. وأما الجمعة والأعياد فجعلت مجمعا للأمة يتلاقون فيها ويتزاورون ويستريحون فيها عن كد الكدح. وأما الختان فهو سنة فيه ابتلاء وامتحان وتسليم. وأما تحريم الميتة والدم ففي كراهية النفس ونفر الطبع ما يوجب الامتناع منها.
" أبو بكر الصديق " أعظم خلاف بين الأيمة الإسلامية خلاف الإمامة وعليه سل السيوف. وقد اتفق ذلك في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فاستدركهم أبو بكر وعمر في الحال. وقبل أن يشتغلوا بالكلام مد عمر يده إلى أبي بكر فبايعه وبايعه الناس وسكنت الثائرة. وبويع له في شهر ربيع الأول في أول سنة إحدى عشرة يوم توفي النبي عليه السلام في سقيفة بني ساعدة. وقيل لما بلغ ذلك علي بن أبي طالب لم ينكره. وأكثر ما روي انه قال: ما شاورتني. فقال له أبو بكر: ما اتسع الوقت للمشورة وانا خفنا أن يخرج الأمر منا. ثم صعد المنبر فقال: أقيلوني من هذا الأمر فلست بخيركم. فقال علي: لا نقيلك ولا نستقيلك. فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافته. ولما ذاع خبر وفاة النبي عليه السلام ارتد خلق كثير من العرب ومنعوا الزكاة واشتد رعب المسلمين بالمدينة لإطباقهم على الردة. فأووا الذراري والعيال إلى الشعاب. فأمر أبو بكر خالد بن الوليد على الناس وبعثه في أربعة آلاف وخمسمائة. فسار حتى وافى المرتدة وناوشهم القتال وسبى

(1/50)


ذراريهم وقسم أموالهم. وضج أيضا المسلمون إلى أبي بكر فقالوا: ألا تسمع ما قد انتشر من ذكر هذا الكتاب مسيلمة بأرض اليمامة وادعائه النبوة. فأمر خالد بن الوليد بالمسير إلى محاربته. فسار بالناس حتى نزل بموضع يسمى عقرباء. وسار مسيلمة في جمع من بني حنيفة فنزل حذاء خالد. وكان بينهما وقعات واشتدت الحرب بين الفريقين واقتحم المسلمون بأجمعهم على مسيلمة وأصحابه فقتلوهم حتى احمرت الأرض بالدماء. ونظر عبد أسود اسمه وحشي إلى مسيلمة فرماه بحربة فوقعت على خاصرته فسقط عن فرسه قتيلا. ومن هناك توجه خالد إلى أرض العراق فزحف إلى الحيرة ففتحها صلحا. وكان ذلك أول شيء افتتح من العراق. وقد كان أبو بكر وجه قبل ذلك أبا عبيده بن الجراح في زهاء عشرين ألف رجل إلى الشام. وبلغ هرقل ملك الروم ورود العرب إلى أرض الشام فوجه إليهم سرجيس البطريق في خمسة آلاف رجل من جنوده ليحاربهم. وكتب أبو بكر إلى خالد عند افتتاحه الحيرة يأمره أن يسير إلى أبي عبيده بأرض الشام. ففعل والتقى العرب الروم فانهزم الروم وقتل سرجيس البطريق وذلك أنه في هربه سقط من فرسه فركبه غلمانه فسقط فركبوه ثانيا فهبط أيضا وقال لهم: فوزوا بأنفسكم واتركوني أقتل وحدي. وفي سنة ثلث عشرة للهجرة مرض أبو بكر خمسة عشرة يوما ومات رحمه الله يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الآخرة وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا ثمانية أيام. وفيها وهي سنة تسعمائة وست وأربعين للاسكندر خالف هرقل الناموس وتزوج مرطياني ابنة أخيه وولدت منه ابنا غير ناموسي وسماه باسمه مصغرا هريقل.

(1/51)


" عمر بن الخطاب " ويكنى أبا حفص. قيل أن أبا بكر لما دنا أجله قال لعثمان ابن عفان كاتبه: اكتب بسم اله الرحمن الرحيم. هذا ما عمد عبد الله بن أبي قحافة وهو في آخر ساعات الدنيا وبأول ساعات الآخرة. ثم غمي عليه. فكتب عثمان: إلى عمر بن الخطاب. فلما أفاق قال: من كتبت. قال: عمر. قال: قد أصبت ما في نفسي. ولو كتبت نفسك لكنت أهلا له. واجمعوا على ذلك. وكان يدعى خليفة خليفة رسول الله. قالوا: هذا يطول. فسمي أمير المؤمنين. وهو أو ل من سمي بذلك. ولما استخلف قام في الناس خطيبا فقال بعد الحمدلة: أيها الناس لولا ما أرجوه من ما أرجوه من خيركم وقوامكم عليه لما أوليتكم إلى غير ذلك. فلما ولي الأمر لم يكن له همة إلا العراق. فعقد لأبي عبيد بن مسعود على زهاء ألف رجل وأمره بالمسير إلى العراق ومعه المثنى بن حارثة وعمرو بن حزم وسليط بن قيس. فساروا حتى نزلوا الثعلبية. فقال سليط: يا أبا عبيد إياك وقطع هذه اللجة فإني أرى للعجم جموعا كثيرة. والرأي أن تعبر بنا إلى ناحية البادية وتكتب إلى أمير المؤمنين عمر فتسأله المدد. فإذا جاءك عبرت إليهم فناجزهم الحرب. فقال أبو عبيد: جبنت والله يا سليط. فقال المثنى: والله ما جبن ولكن أشار عليك بالرأي فإياك أن تعبر إليهم فلتقي نفسك وأصحابك وسط أرضهم فتنشب بك مخالبهم. فلم يقبل منهما أبو عبيد وعقد الجسر وعبر بمن معه على كره منهما. فعبرا معه. وعبأ أبو عبيد أصحابه ووقف هو في القلب. فزحف إليهم العجم فرشقوهم بالنشاب حتى كثرت في المسلمين الجراحات. فحمل العرب جملة رجل واحد وكشفوا العجم. ثم أن العجم ثابوا وحملوا على المسلمين. فكان أبو عبيد أول قتيل وقتل من المسلمين عالم. فولى الباقون مارين نحو الجسر والمثنى يقاتل من ورائهم لجميعهم حتى عبروا جميعا وعبر المثنى في آخرهم وقطعوا الجسر. وكتب إلى عمر بما جرى من المحاربة. وكتب إليه عمر أن يقيم إلى أن يأتيه المدد. ثم أن عمر أرسل رسله إلى قبائل العرب يستنفرهم. فلما اجتمعوا عنده بالمدينة ولى جرير بن عبد الله البجلي أمرهم. فسار بهم حتى وافى الثعلبية. وانضم إليه من هناك. ثم سار حتى نزل دير هند. ووجه سراياه للغارة بأرض السواد مما يلي الفرات. فبلغ ذلك ازرميدخت ملكة العجم فأمرت أن ينتدب من مقاتليها اثنا عشر ألف فارس من أبطالهم. فانتدبوا وولت عليهم مهران بن مهرويه عظيم المرازبة. فسار بالجيش حتى وافى الحيرة. ورجعت سرايا العرب واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال وزحف بعضهم إلى بعض وتطاحنوا بالرماح وتضاربوا بالسيوف. وتوسط المثنى العجم يجلدهم بسيفه. ثم رجع منصرفا إلى قومه. وصدقهم العجم القتال فثبت بعض العرب وانهزم البعض. فقبض المثنى على لحيته ينتفها. فحملت قبائل العرب وحملت عليهم العجم فاقتتلوا من وقت الزوال إلى أن توارت الشمس بالحجاب. ثم حملوا على العجم. وخرج مهران فوقف أمام أصحابه. فحمل عليه المثنى. فضربه مهران فنبا السيف عن الضربة. وضربه المثنى على منكبه فخر ميتا وانهزم العجم لاحقين بالمدائن. وثاب المسلمون يدفنون موتاهم ويداوون جرحاهم. فلما نظرت العجم إلى العرب وقد أخذت أطراف بلادهم وشنوا الغارة في أرضهم قالوا: إنما أوتينا من تمليكنا النساء علينا. فاجتمعوا على خلع ازرميدخت بنت كسرى وتمليك غلام اسمه يزدجرد وقد كان نجم من عقب كسرى بن هرمز. فأجلسوه وبايعوه على السمع والطاعة. فاستجاش يزدجرد جنوده من آفاق مملكته وولى عليهم رجلا عظيما من عظماء مرازبته له سن وتجربة يقال له رستم. فوجهه إلى الحيرة ليحارب من ورد عليه هناك من العرب. وعقد أيضا لرجل آخر من حر سادات العجم يسمى الهرمزان في جنود كثيرة ووجهه إلى ناحية الأهواز لمحاربة أبي موسى الاشعري ومن معه. وعند الالتقاء قتل هاذان المرزبانان العظيمان. ومرت العرب في أثر العجم يقتلون من أدركه منهم.

(1/52)


وفي خلافة عمر فتح أبو عبيده دمشق بعد حصار سبعة أشهر. وصالح أهل ميسان وطبرية وقيسارية وبعلبك. وفتح حمص بعد حصار شهرين. وفيها كتب عمر إلى معاوية بن أبي سفيان بولاية دمشق. وفيها دخل ميسرة بن مسروق العبسي أرض الروم في أربعة آلاف وهو أول جيش دخل الروم. وفيها فتح عمرو بن العاص مصر عنوة وفتح الإسكندرية صلحا. وفيها دخل عياض بن غنم سروج والرها صلحا. وفيها افتتح أيضا الرقة وآمد ونصيبين وطور وعبدين وماردين صلحا. وفتح حبيب بن مسلمة قرقيسياء صلحا. وفيها فتح عتبة بن تغزوان قرى البصرة ثم سار حتى وافى الأيلة فافتتحها عنوة. ثم صار إلى المدائن فحارب مرزبانها وضرب عنقه وقتل من جنوده مقتلة عظيمة. ثم أن عتبة كتب إلى عمر يستأذنه في الحج. فاستعمل عمر على عملة المغيرة بن شعبة. ثم عزله واستعمل على أرض ميسان أبا موسى الاشعري وأمره أن يبتني بأرض البصرة خططا لمن عنده من العرب ويجعل كل قبيلة في محلة. وابتنوا لأنفسهم المنازل. وبنى بها مسجدا جامعا متوسطا. وعند فراغه من بناء مدينة البصرة اسكن فيها ذرية من كان بها من العرب وسار في جنوده إلى جميع كور الأهواز فافتتحها إلا مدينة تستر فإنهم امتنعوا لحصانتها. وفيها رحل هرقل من إنطاكية إلى القسطنطينية وهو يقول باليونانية سوزه سورية. وهي كلمة وداع لأرض الشام وبلادها. ثم مات هرقل وقام ابنه قسطنطين مكانه وبعد أربعة أشهر قتلته مرطياني امرأة أبيه بالسم وأقامت ابنها هريقل وسمته داود الحديث. فنقم أرباب الدولة أمره وخلعوه وملكوا قسطوس ابن القتيل. وفيها افتتح عبد الله بن بديل أصفان صلحا. وفيها فتح جرير البجلي همذان. وفيها كانت وقعة نهاوند. وفيها افتتح معاوية عسقلان بصلح في شهر رمضان. ومات عمر يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة وعمره ثلث وستون سنة. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوما. قتله أبو لؤلؤة فتى المغيرة بن شعبة في صلاة الفجر. وكان السبب في ذلك أن أبا لؤلؤة جاء إليه يشكو ثقل الخراج وكان عليه كل يوم درهمان. فقال له عمر: ليس بكثير في حقك فإني سمعت عنك أنك لو أردت أن تدير الرحى بالريح لقدرت عليه. فقال: لأديرن لك رحى لا تسكن إلى يوم القيامة. فقال: إن العبد أوعد ولو كنت أقتل أحدا بالتهمة لقتلت هذا. ثم أن الغلام ضربه بالخنجر في خاصرته طعنتين. فدعا عمر طبيبا لينظره فسقا لبنا فخرج اللبن بينا. فقال له: أعهد يا أمير المؤمنين.
وفي هذا الزمان اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا بغرماطيقوس أي النحوي. وكان اسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة ساوري. ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث. فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه. فلم يرجع. فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه.
ومن الأطباء المشهورين في هذا الزمان بولس الاجانيطي طبيب مذكور في زمانه وكان خيرا خبيرا بعلل النساء كثير المعاناة لهن. وكانت القوابل يأتينه ويسألنه عن الأمور التي تحدث للنساء عقيب الولادة فينعم بالجواب لهن ويجيبهن عن سؤالهن بما يفعلنه. فلذلك سموه بالقوابلي. وله كتاب في الطب تسع مقالات نقل حنين بن اسحق. وكتاب في علل النساء. ومنهم مغنوس له ذكر بين الأطباء ولم نر له تصنيفا.

(1/53)


" عثمان بن عفان " ويكنى أبا عمرو. بويع له لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلث وعشرين للهجرة. قيل لما ضرب أبو لؤلؤة عمر بالخنجر وشرب اللبن فخرج من جراحه فقالوا له: اعهد إلى من تكون الخلافة بعدك. قال: لو كان سالم حيا لم أعدل به. قيل له: هذا علي بن طالب وقد تعرف قرابته وتقدمه وفضله. قال: فيه دعابة أي مزاح. قيل: فعثمان بن عفان. قال: هو كلف بأقاربه. قيل: فهذا الزبير بن العوام حواري النبي عليه السلام. قال: بخيل. قيل: فهذا سعد. قال: فارس مقنب. والمقنب ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. قيل: فهذا طلحة ابن عم أبي بكر الصديق. قال: لولا بأو فيه أي كبر وخيلاء. قيل: فابنك. قال: يكفي أن يسأل واحد من آل الخطاب عن إمرة أمير المؤمنين. ولكن جعلت هذا الأمر شورى بين ستة نفر وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص إلى ثلاثة أيام. فلما دفن عمر جاء أبو عبيدة إلى علي بن أبي طالب فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين. قال: أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم. وأما سنة الشيخين فأجتهد رأي. فجاء إلى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين. قال: اللهم نعم. فبايعه أبو عبيدة والجماعة ورضوا به. وأول ما فتح في خلافته ماه البصرة وما كان بقى من حدود أصفهان والري على يد أبي موسى الأشعري. ثم بعث عثمان عبد الله بن عامر إلى اسطخر وبها يزدجرد. فركب المفازة حتى أبي كرمان وأخذ على طريق سجستان يريد الصين. وجاء مجاشع إلى سجستان. ثم انصرف لما لم يدرك يزدجرد وعاد إلى فارس.فاشتد خوف يزدجرد واستمد طرخان التركي لنصرته. ولما ورد استخف به وطرده لكلام تكلم به الترك. وعند انصرافهم أرسل ماهويه مرزبان مرو وكان قد خامر على يزدجرد إلى طرخان أن: كر عليه فاني ظاهرك. فكر طرخان على يزدجرد. فولى يريد المدينة. فاستقبله ماهويه فمزقه كل ممزق. وقيل أن يزدجرد انتهى إلى طاحونة بقرية من قرى مرو فقال للطحان: اخفني ولك منطقتي وسواري وخاتمي. فقال للرجل: إن كرى الطاحونة كل يوم أربعة دراهم. فإن اعطيتنيها عطلتها وإلا فلا. فبينا هو في راجعته إذ غشيته الخيل فقتلوه. وانتزع عثمان عمرو بن العاص عن الإسكندرية وأمر عليها عبد الله بن مسعود أخاه لأمه. فغزا إفريقية وغزا معاوية قبرص وأنقرة فافتتحها صلحا. ثم أن الناس نقموا على عثمان أشياء منها كلفه بأقاربه. فآوى الحكم بن العاص بن أمية طريد النبي عليه السلام. وأعطى عبد الله بن خالد أربعمائة ألف درهم. وأعطى الحكم مائة ألف درهم. ولما ولي صعد المنبر فتسنم ذروته حيث كان يقعد النبي عليه السلام. وكان أبو بكر ينزل عنه درجة وعمر درجتين. فتكلم الناس عن ذلك وأظهروا الطعن. فخطب عثمان وقال: هذا مال الله أعطيه من شئت وامنعه ممن شئت. فأرغم الله انف من رغم انفه. فقام عمار بن ياسر فقال: أنا أول من رغم أنفه. فوثب بنو أمية عليه وضربوه حتى غشي عليه. فحنقت العرب على ذلك وجمعوا الجموع ونزلوا فرسخا من المدينة وبعثوا إلى عثمان من يكلمه ويستعتبه ويقول له: إما أن تعدل أو تعتزل. وكان أشد الناس على عثمان طلحة والزبير وعائشة. فكتب عثمان إليهم كتابا يقول فيه: إني أنزع عن كل شيء أنكرتموه وأتوب إلى الله. فلم يقبلوا منه وحاصروه عشرين يوما. فكتب إلى علي: أترضى أن يقتل ابن عمك ويسلب ملكك. قال علي: لا والله. وبعث الحسن والحسين إلى بابه يحرسانه. فتسور محمد ابن أبي بكر مع رجلين حائط عثمان فضربه أحدهم بغتة بمشقص في أوداجه وقتله الآخر والمصحف في حجره وذلك لعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة بالتقريب وعمره نيف وثمانون سنة.

(1/54)


" علي بن أبي طالب " لما قتل عثمان اجتمع الناس من المهاجرين والأنصار فأتوا عليا وفيهم طلحة والزبير ليبايعوه. فقال علي لطلحة والزبير: إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما. قالا له: لا بل نبايعك. فخرجوا إلى المسجد وبايعه الناس يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلثن للهجرة. وكان أول مبايعيه طلحة. وكان في إصبعه شلل فتطير منه حبيب بن ذؤيب وقال: يد شلاء لا يتم هذا الأمر ما أخلقه أن يتنكث. وتخلف عن بيعة علي بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة. ولم يبايعه العثمانية من الصحابة وكانت عائشة تؤلب على عثمان وتطعن فيه وكان هواها في طلحة. فبينا هي قد أقبلت راجعة من الحج استقبلها راكب. فقالت: ما ورائك. قال: قتل عثمان. قالت: كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة. فجاء راكب آخر. فقالت: ما وراءك. قال: بايع الناس عليا. وا عثماناه ما قتله إلا علي. لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم. فقال لها الرجل من أخوالها: والله أول من أمال حرفه لأنت. ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه. ونعثل اسم رجل كان طويل اللحية وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه به لطول لحيته. ثم انصرفت عائشة إلى مكة وضربت فسطاطا في المسجد. وأراد علي أن ينزع معاوية عن الشام فقال له المغيرة بن شعبة: اقررمعاوية على الشام فإنه يرضى بذلك. وسأل طلحة وزبير أن يوليهما البصرة والكوفة. فأبى وقال: تكونان عندي أتجمل بكما فإني استوحش لفراقكما. فاستأذناه في العمرة فأذن لهما. فقدما على عائشة وعظما أمر عثمان. ولما سمع معاوية بقول عائشة في علي ونقض طلحة والزبير البيعة ازداد قوة وجراءة وكتب إلى الزبير: إني قد بايعتك ولطلحة من بعدك فلا يفوتكما العراق. وأعانهما بنو أمية وغيرهم وخرجوا بعائشة حتى قدموا البصرة فأخذوا ابن حنيف أميرها من قبل علي فنالوا من شعره ونتفوا لحيته وخلوا سبيله فقصد عليا وقال له: بعثني ذا لحية وقد جئتك أمرد. قال: أصبت أجرا وخيرا. وقتلوا من خزنة بيت المال خمسين رجلا وانتهبوا الأموال. وبلغ ذلك عليا فخرج من المدينة وسار بتسعمائة رجل. وجاءه من الكوفة ستة آلاف رجل. وكانت الوقعة بالخريبة. فبرز القوم للقتال وأقاموا الجمل وعائشة في هودج ونشبت الحرب بينهم فخرج علي ودعا الزبير وطلحة وقال للزبير: ما جاء بك. قال: لا أراك لهذا الأمر أهلا. وقال لطلحة: أجئت بعرس النبي تقاتل بها وخبيت عرسك في البيت. أما بايعتماني. قالا: بايعناك والسيف على عنقنا. وأقبل رجل سعدي من أصحاب علي فقال بأعلى صوته: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك. ثم اقتتل الناس. وفارق الزبير المعركة فاتبعه عمر بن جرموز وطعنه في جربان درعه فقتله. وأما طلحة فأتاه سهم فأصابه فأردفه غلامه فدخل البصرة وأنزله في دار خربة ومات بها. وقتل تسعون رجلا على زمام الجمل. وجعلت عائشة تنادي: البقية البقية. ونادى علي: اعقروا الجمل. فضربه رجل فسقط. فحمل الهودج موضعا وإذا هو كالقنفذ لما فيه من السهام. وجاء علي حتى وقف عليه وقال لمحمد بن أبي بكر: انظر أحية هي أم لا. فأدخل محمد رأسه في هودجها. فقالت: من أنت. قال: أخوك البر. فقالت: عقق. قال: يا أخية هل أصابك شيء. فقالت: ما أنت وذاك. ودخل علي البصرة ووبخ أهلها وخرج منها إلى الكوفة. ولما بلغ معاوية خبر الجمل دعا أهل الشام إلى القتال والمطالبة بدم عثمان. فبايعوه أميرا غير خليفة. وبعث علي رسولا إلى معاوية يدعوه إلى البيعة. فأبى. فخرج علي من الكوفة في سبعين ألف رجل. وجاء معاوية في ثمانين ألف رجل فنزل صفين وهو موضع بين العراق والشام فسبق عليا على شريعة الفرات. فبعث علي الأشتر النخعي فقاتلهم وطردهم وغلبهم على الشريعة. ثم ناوشوا الحرب أربعين صباحا حتى قتل من العراقيين خمسة وعشرون ألفا ومن الشاميين خمسة وأربعون ألفا. ثم خرج علي وقال لمعاوية: علام تقتل الناس بيني وبينك. أحاكمك إلى الله عز وجل فأينا قتل صاحبه استقام الأمر له. فقال معاوية لأصحابه: يعلم أنه لا يبارزه أحد إلا قتله. فأمرهم أن ينشروا المصاحف وينادوا: يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله

(1/55)


ندعوكم إليه. قال علي: هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا. فاختار الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري. فقال الأحنف: إن أبا موسى رجل قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث تحب. فلم يرضى به أهل اليمن. فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان. ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام. فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفا من القراء وهم ينادونه: جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول: أن الحكم إلا الله. ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين. فقال ابن العباس لأبي موسى: مهما نسيت فلا تنسى أن عليا ليست فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة. فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطا. وقال عمرو:يجب أن لا نقول شيئا إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه. فدعا بكاتب وقال له سرا: ابدأ باسمي. فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو. فقال له عمرو: امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم. وكانت منه خديعة. ثم قال: ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان. قال: قتل والله مظلوما. قال: أكتب يا غلام. ثم قال: يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية. فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا. قال: لا بأس بذلك. قال عمرو: اكتب يا غلام. ثم ختما على ذلك الكتاب. فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو: يا أبا موسى قد أخرجن عليا ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت. فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو. فعرف أبو موسى أنه يتلعب به. إليه. قال علي: هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا. فاختار الشاميون عمرو بن العاص والعراقيون أبا موسى الاشعري. فقال الأحنف: إن أبا موسى رجل قريب القعر كليل الشفرة اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك في هذا الأمر بحيث تحب. فلم يرضى به أهل اليمن. فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنة والجماعة وصيروا الأجل شهر رمضان. ورحل علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام. فلما دخل علي الكوفة اعتزل اثنا عشر ألفا من القراء وهم ينادونه: جزعت من البلية ورضيت بالقضية وحكمت الرجال والله يقول: أن الحكم إلا الله. ثم اجتمع أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص للتحكم بموضع بين مكة والكوفة والشام بعد صفين بثمانية أشهر وحضر جماعة من الصحابة والتابعين. فقال ابن العباس لأبي موسى: مهما نسيت فلا تنسى أن عليا ليست فيه خلة واحدة تباعده عن الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تقربه من الخلافة. فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطا. وقال عمرو:يجب أن لا نقول شيئا إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه. فدعا بكاتب وقال له سرا: ابدأ باسمي. فلما أخذا الكاتب الصحيفة وكتب البسملة بدأ باسم عمرو. فقال له عمرو: امحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بأن يقدم. وكانت منه خديعة. ثم قال: ما تقول يا أبا موسى في قتل عثمان. قال: قتل والله مظلوما. قال: أكتب يا غلام. ثم قال: يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن الدماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية. فإن رأيت أن تخرجهما وتستخلف على الأمة من يرضى به المسلمون فإن هذه أمانة عظيمة في رقابنا. قال: لا بأس بذلك. قال عمرو: اكتب يا غلام. ثم ختما على ذلك الكتاب. فلما قعدا من الغد للنظر قال عمرو: يا أبا موسى قد أخرجن عليا ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت. فسمى عدة لا يرتضيهم عمرو. فعرف أبو موسى أنه يتلعب به.

(1/56)


ثم قال عمرو: إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أيضا خلعته كما خلعت هذا الخاتم من يدي. وافترقا. وعزم علي المسير إلى معاوية. وبايعه ستون ألفا على الموت. فشغلته الخوارج وقتالهم. وأخذ معاوية في تسريب السرايا إلى النواحي التي يليها عمال علي وشن الغارات وبعث جيشا إلى المدينة ومكة. فبايعه بقية أهلها. ثم تعاقد ثلثة نفر من الخوارج داود والبرك وابن ملجم أن يقتلوا عمرو بن العاص ومعاوية وعليا ويريحوا العباد من أيمت الضلال. أما داود فإنه أتى إلى مصر ودخل المسجد وضرب خارجة ابن حذاقة فقتله وهو يظنه عمرا. وأخذ داوديه فقتل. وأما البرك فإنه مضى إلى الشام ودخل المسجد وضرب معاوية فقطع منه عرقا فانقطع منه النسل. فأخذ البرك فقطعت يداه ورجلاه وخلي عنه. فقدم البصرة ونكح امرأة فولدت له. فقال له زياد: يولد لك ولا يولد لمعاوية. فضرب عنقه. وأما ابن ملجم فإنه أتى الكوفة وسم سيفه وشحذه وجاء فبات بالمسجد. فدخل علي المسجد ونبه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتف بعباءة وفتح ركعتي الفجر. فأتاه ابن الملجم فضربه على ضلعه ولم تبلغ الضربة مبلغ القتل ولكن عمل فيه السم. فثار الناس إليه وقبضوا عليه. فقال علي: لا تقتلوه فإن عشت رأيت فيه رأيي وإن مت فشأنكم به. فعاش ثلث أيام ثم مات يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان. فقتل ابن ملجم.
" الحسن بن علي بن أبي طالب " ثم بويع الحسن بن علي بالكوفة. وبويع معاوية بالشام فسي مسجد ايليا. فسار الحسن عن الكوفة إلى لقاء معاوية. وكان قد نزل مسكن من أرض الكوفة. ووصل الحسن إلى المدائن وجعل قيس بن سعد على مقدمته واثني عشر ألفا. وقدم معاوية على مقدمته بشر بن أرطأة. فكانت بينه وبين قيس مناوشة. ثم تحاجزوا ينتظرون الحسن. " قالوا " فنظر الحسن إلى ما يسفك من الدماء وينتهك من المحارم فقال: لا حاجة لي في هذا الأمر وقد رأيت أن أسلمه إلى معاوية فيكون في عنقه تباعته وأوزاره. فقال له الحسين: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباه ورغب في رأيه. فقال الحسن: لا بد من ذلك. وبعث إلى معاوية يذكر تسليمه الأمر إليه. فكتب إليه معاوية: أما بعد فأنت أولى مني بهذا الأمر لقرابتك وكذا وكذا. ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة وأكيد للعدو لبايعتك. فاسأل ما شئت. فكتب الحسن أموالا وضياعا وأمانا لشيعة علي وأشهد على ذلك شهودا من الصحابة. وكتب في تسليم الأمر كتابا. فالتقى معاوية مع الحسن على منزل من الكوفة ودخلا الكوفة معا. ثم قال: يا أبا محمد جدت بشيء لا تجود بمثله نفوس الرجال فقم وأعلم الناس بذلك. فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله عز وجل هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا. وإن معاوية نازعني حقا لي دونه فرأيت أن أمنع الناس الحرب وأسلمه إليه. وإن لهذا الأمر مدة. والدنيا دول. فلما قالها قال له معاوية: اجلس. وحقدها عليه. ثم قام خطيبا فقال: إني كنت شرطت شروطا أردت بها نظام الألفة. وقد جمع الله كلمتنا وأزال فرقتنا. فكل شرط شرطته فهو مردود. فقام الحسن: ألا وأنا اخترت العار على النار. وسار إلى المدينة وأقام بها إلى أن مات سنة سبع وأربعين من الهجرة. وكانت خلافته خمسة أشهر.
" معاوية بن أبي سفيان " وصار الأمر إلى معاوية سنة أربعين من الهجرة. وكان ولي لعمر وعثمان عشرين سنة. ولما سلم الحسن الأمر إليه ولى الكوفة المغيرة بن شعبة وولى البصرة وخراسان عبد الله بن عامر وولى المدينة مروان بن الحكم. وانصرف معاوية إلى الشام فولى عبد الله بن حازم. ومات عمرو بن العاص بمصر يوم عيد الفطر فصلى عليه ابنه عبد الله ثم صلى بالناس صلاة العيد. وكان معاوية قد أزكى العيون على شيعة علي فقتلهم أين أصابهم.

(1/57)


وفي سنة ست وأربعين من الهجرة وهي سنة تسعمائة وسبع وثمانين للاسكندر أرسل سابور المتغلب على أرمانيا إلى معاوية رسولا اسمه سرجي يطلب منه النجدة على الروم. وأرسل قسطنطين الملك أيضا رسولا إلى معاوية لاندراا الخصي وهو من أخص خواصه. فأذن معاوية لسرجي أن يدخل أولا فدخل ثم دخل اندراا. فلما رآه سرجي نهض له لأنه كان عظيما. فوبخ معاوية لسرجي وقال: إذا كان العبد هالك فكيف مولاه. فقال سرجي: خدعت من العادة. ثم سأل معاوية لاندراا: لماذا جئت. فقال: الملك سيوني لئلا تصغوا إلى كلام هذا المتمرد ولا يكون الملك والمملوك عندك بسواء. فقال معاوية: كلكم أعداء لنا. فأيكم زاذ لنا من المال راعيناه. فلما سمع ذلك اندراا خرج. ومن الغد حضر وسرجي قد سبقه بالدخول. فلما دخل اندراا لم ينهض له. فشتمه اندراا فقال له: يا يؤوس استخففت بي. فقذفه سرجي قذف المخانيث. قال اندراا: سوف ترى. ثم أعاد كلامه الأول على معاوية فقال له معاوية: إن أعطيتمونا كل خراج بلادكم نبقي لكم اسم المملكة وإلا أزحناكم عنها. قال اندراا: كأنك تزعم أن العرب هم الجسم والروم الخيال. نستعين برب السماء. ثم استأذن للرحيل وسار مجتازا على ملطية. وتقدم إلى مستحفظي الثغور أن يكمنوا لسرجي في الطريق ويلزموه ويحملوه إلى ملطية وينزعوا خصيتيه ويعلقوهما في رقبته ثم يسمروه. ففعلوا به كذلك.
وقيل أن معاوية أول من خطب قاعدا لأنه كان بطينا بادنا. وأول من قدم الخطبة على الصلاة خشية أن يتفرق الناس عنه قبل أن يقول ما بدا له. ثم أخذ بيعة أهل المدينة ومكة ليزيد ابنه بالسيف وبايعه الشاميون أيضا. ثم مات معاوية بدمشق في رجب سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة. وبايع أهل الشام يزيد بن معاوية.
" يزيد بن معاوية " لما مات معاوية استدعى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير في جوف الليل ونعى لهما معاوية وأخذهما بالبيعة لابنه يزيد. فقالا: مثلنا لا يبايع سرا ولكن إذ نصبح. وانصرفا من عنده وخرجا من تحت الليل إلى مكة وأبيا أن يبايعا. وبلغ أهل الكوفة امتناعهما عن بيعة يزيد فكتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم. فأرسل الحسين مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة ليأخذ بيعة أهلها. فجاء واجتمع إليه خلق كثير من الشيعة يبايعون الحسين. وبلغ الخبر عبيد الله بن زياد وهو بالبصرة فتم إلى الكوفة. فسار إليه الشيعة وقاتلوه حتى دخل القصر وأغلق بابه. فلما كان عند المساء وتفرق الناس عن مسلم بعث ابن زياد خيلا في خفية فقبضوا عليه ورفعوه بين شرف القصر ثم ضربوا عنقه. ولما بلغ الخبر الحسين هم بالرجوع إلى المدينة. وبعث إليه ابن زياد الحر بن يزيد التميمي في ألف فارس. فلقي الحسين بزبالة وقال له: لم أؤمر بقتالك إنما أمرت أن أقدمك إلى الكوفة. فإذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك إلى الكوفة ولا يردك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد. فتياسر عن طريق التعذيب والقادسية والحر يسايره حتى أنتهى إلى الغاضرية فنزل بها. وقدم عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف ومعه شمر ذو الجيوش فنزلوا بين نهري كربلاء وجرت الرسل بينهم وبين الحسين ومنعوه ومن معه الماء أن يشربوا وناهضهم القتال يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة ومعه تسعة عشر إنسانا من أهل بيته فقتل الحسين عطشانا وقتل معه سبعة من ولد علي بن أبي طالب وثلاثة من ولد الحسين. وتركوا علي ابن الحسين لأنه كان مريضا. فمنه عقب الحسين إلى اليوم. وقتل من أصحابه سبعة وثمانون إنسانا. وساقوا علي بن الحسين مع نسائه وبناته إلى ابن زياد. فزعموا أنه وضع رأس الحسين في طست وجعل ينكت في وجهه بقضيب ويقول: ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط. ثم بعث به وبأولاده إلى يزيد بن معاوية. فأمر نسائه وبناته فأقمن بدرجة المسجد حيث توقف الاسارى لينظر الناس إليهم. وقتل الحسين سنة إحدى وستين من الهجرة يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة. وكان قد بلغ من السن ثمانيا وخمسين سنة. وكان يخضب بالسواد. ثم بعث يزيد بأهله وبناته إلى المدينة. وللروافض في هذه القصة زيادات وتهاويل كثيرة. ولما احتضر يزيد بن معاوية بايع ابنه معاوية ومات وهو ابن ثماني وثلاثين سنة. وكان ملكه ثلث سنين وثمانية أشهر.

(1/58)


" معاوية بن يزيد " ولما مات يزيد صار الأمر إلى ولده معاوية وكان قدريا لأن عمر المقصوص كان علمه ذلك فدان به وتحققه. فلما بايعه الناس قال للمقصوص: ما ترى. قال: إما أن تعتدل أو تعتزل. فخطب معاوية بن يزيد فقال: إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق. ثم تقلده أبي. ولقد كان غير خليق به. ولا أحب أن ألقى الله عز وجل بتبعاتكم. فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم. ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلى بالعبادة حتى مات بالطاعون. وكانت ولايته عشرين يوما. فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته. فطمروه ودفنوه حيا. وأما ابن الزبير فلما مات يزيد دعا الناس إلى البيعة لنفسه وادعى الخلافة فظفر بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام إلا الأردن.
" مروان بن الحكم " بويع بالأردن سنة أربع وستين للهجرة وهو أول من أخذ الخلافة بالسيف. وسار إليه الضحاك بن قيس فاقتتلوا بمرج راهط من غوطة دمشق. فقتل الضحاك. وخرج سليمان بن صرد الخزاعي من الكوفة في أربعة آلاف من الشيعة يطلبون بدم الحسين فبعث إليه مروان بن الحكم عبيد الله بن زياد فالتقوا برأس العين فقتل سليمان وتفرق أصحابه. ومات مروان بدمشق وكانت ولايته سبعة أشهر وأياما. وبايع أهل الشام عبد الملك بن مروان.
قال ابن جلجل الأندلسي أن ماسرجويه الطبيب البصري سرياني اللغة يهودي المذهب. وهو الذي تولى في أيام مروان تفسير كناش اهرون القس إلى العربي. وحدث أيوب بن الحكم أنه كان جالسا عند ماسرجويه إذ أتاه رجل من الخوز فقال: إني بليت بداء لم يبل أحد بمثله. فسأله عن دائه. فقال: اصبح وبصري مظلم علي وأنا أصيب مثل لحس الكلاب في معدتي فلا تزال هذه حالي إلى أن أطعم شيئا فإذا طعمت سكن ما أجد إلى وقت انتصاف النهار. ثم يعاودني ما كنت فيه. فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت صلاة العتمة. ثم يعاودني فلا أجد له دواء إلا معاودة الأكل. فقال له ماسرجويه: على دائك هذا غضب الله. فإنه أساء لنفسه الاختيار حين قرنه بسفلة مثلك ولوددت أن هذا الداء تحول إلي وإلى صبياني فكنت أعوضك مما نزل بك مثل نصف ما أملك. فقال له الخوزي: ما افهم عنك. قال ماسرجويه: هذه صحة لا تستسحقها أسأل الله نقلها عنك إلى من هو أحق بها منك.
" عبد الملك بن مروان " بويع سنة خمس وستين بالشام. وأما ابن الزبير فبعث أخاه مصعبا على العراق. فقدم البصرة وأعطاه أهلها الطاعة واستولى مصعب على العراقيين. فسار إليه عبد الملك بن مروان فالتقوا بسكن. وقتل مصعب واستقام العراق لعبد الملك. وكان الحجاج بن يوسف على شرطه. فرأى عبد الملك من نفاذه وجلادته ما أعجب به ورجع إلى الشام ولا هم له دون ابن الزبير. فأتاه الحجاج فقال: ابعثني إليه فإني أرى في المنام كأني أقتله وأسلخ جلده. فبعثه إليه. فقتله وسلخ جلده وحشاه تبنا وصلبه. وكانت فتنة ابن الزبير تسع سنين منذ موت معاوية إلى أن مضت ست سنين من ولاية عبد الملك. وولي الحجاج الحجاز واليمامة. وبايع أهل مكة لعبد الملك بن مروان. وزعم قوم أن الحجاج بلاء صبه الله على أهل العراق. ولم قدم الكوفة دخل المسجد وصعد يوما المنبر وسكت ساعة ثم نهض وقال: والله يا أهل العراق إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها.فكأني أنظر إلى الدماء من فوق العمائم واللحى. وفي سنة سبعين للهجرة وهي سنة ألف للاسكندر استجاش يوسطينيانوس ملك الروم على من بالشام من المسلمين. فصالحه عبد الملك على أن يؤدي إليه كل يوم جمعة ألف دينار. وقيل كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا. وفي سنة ثلث وثمانين بنى الحجاج مدينة واسط. وفي سنة ست وثمانين توفي عبد الملك بن مروان. وكان يقول: أخاف الموت في شهر رمضان. فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القرآن وفيه بايع لي الناس. فمات في النصف من شوال حين أمن الموت على نفسه. وكان ابن ستين سنة وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلث عشرة سنة.

(1/59)


واختص بخدمة الحجاج بن يوسف تياذوق وثاودون الطبيبان. أما تياذوق فله تلاميذ أجلاء تقدموا بعده ومنهم من أدرك الدولة العباسية كفرات بن شحناثا في زمن المنصور. وأما ثاودون فله كناش كبير عمله لابنه. وقيل دخل إلى الحجاج يوما فقال له الحجاج: أي شيء دواء أكل الطين. فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير. فرمى الحجاج بالطين ولم يعد إلى أكله بعدها.
" الوليد بن عبد الملك " لما ولي الأمر أقر العمال على النواحي. وفي ولايته خرج قتيبة بن مسلم إلى ما وراء النهر. فجاشت الترك والسغد والشاش وفرغانة وأحدقوا به أربعة أشهر. ثم هزمهم وافتتح بخارا. ثم مضى حتى أناخ على سمرقند فافتتحها صلحا. وفي أيامه مات الحجاج. ذكروا أنه أخذه السل وهجره النوم والرقاد. فلما احتضر قال لمنجم عنده: هل ترى ملكا يموت. قال: نعم أرى ملكا يموت اسمه كليب. فقال: أنا والله كليب بذلك سمتني أمي. قال المنجم: أنت والله تموت كذلك دلت عليه النجوم. قال له الحجاج: لاقدمنك أمامي. فأمر به فضرب عنقه. ومات الحجاج وقد بلغ من السن ثلثا وخمسين سنة. وولي الحجاز والعراق عشرين سنة. وكان قتل من الأشراف والرؤساء مائة ألف وعشرين ألفا سوى العوام ومن قتل في معارك الحروب. وكان مات في حبسه خمسون ألفا رجل وثلاثون ألف امرأة. ومات الوليد سنة ست وتسعين وكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر. وبنى مسجد دمشق وكان فيه كنيسة فهدمها. وبنى مسجد المدينة والمسجد الأقصى. وأعطى المجذمين ومنعهم من السؤال إلى الناس. وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا. ومنع الكتاب النصارى من أن يكتبوا الفاتر بالرومية لكن بالعربية. وفتح في ولايته الأندلس وكاشغر والهند. وكان يمر بالبقال فيقف عليه يأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذا. فيقول: بفلس. فيقول: زد فيها. وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع. وقيل إنه كان لحانا لا يحسن النحو. دخل عليه أعرابي فمت إليه بصهر له.فقال له الوليد: من ختنك بفتح النون. فقال: بعض الأطباء. فقال سليمان: إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك وضم النون. فقال الأعرابي: نعم فلان. وذكر ختنه. وعاتبه أبوه عبد الملك على ذلك وقال له: لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم. فجمع أهل النحو ودخل بيتا ولم يخرج منه ستة أشهر. ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخله. فقال عبد الملك: قد أعذر.

(1/60)


" سليمان بن عبد الملك " وفي سنة ست وتسعين بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي فيه مات الوليد أخوه. قالوا أنه كان خيرا فصيحا نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس. ورد المظالم وآوى المشترين وأخرج المحبسين. وفي سنة ثماني وتسعين من الهجرة وهي سنة ألف وسبعة وعشرين للاسكندر جهز سليمان جيشا مع أخيه مسلمة ليسير إلى القسطنطينية. وسار حتى بلغها في مائة ألف وعشرين ألفا وعبر الخليج وحاصر المدينة. فلما برح بأهلها الحصار أرسلوا إلى مسلمة يعطونه عن كل رأس دينارا. فأبى أن يفتتحها إلا عنوة. فقالت الروم: للاون البطيرق: إن صرفت عنا المسلمين ملكناك علينا. فاستوثق منهم وأتى مسلمة وطلب الأمان لنفسه وذويه ووعده أن يفتح له المدينة غير أنه ما تهيأ ذلك ما لم يتنح عنهم ليطمئنوا ثم يكر عليهم. فارتحل مسلمة وتنحى إلى بعض الرساتيق. ودخل لاون فلبس التاج وقعد على سرير الملك. واعتزل الملك ثاوذوسيوس ولبس الصوف منعكفا في بعض الكنائس. ولأن مسلمة لما دنا من القسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من الطعام على عجز فرسه إلى القسطنطينية لما دخل لاون المدينة وتنحى مسلمة اعد لاون السفن والرجال فنقلوا في ليلة ذلكالطعام ولم يتركوا منه إلا ما لم يذكر وأصبح لاون محاربا وقد خدع مسلمة خديعة لو كانت امرأة لعيبت بها. وبلغ الخبر لمسلمة فأقبل راجعا ونزل بفناء القسطنطينية ثلاثين شهرا فشتا فيها وصاف وزرع الناس. ولقي جنده ما لم يلقه جيش آخر حتى كان الرجل يخاف أ، يخرج من العسكر وحده من البلغاريين الذين استجاشهم لاون ومن الإفرنج الذين في السفن ومن الروم الذين يحاربونهم من داخل. وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق. وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق ونزل الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين.فرحل مسلمة عن القسطنطينية وانصرف وكانت خلافته أعني سليمان سنتين وثمانية أشهر. وكان بايع ابنه أيوب فمات قبله فاستخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. ولما احتضر سليمان قيل له: اوص. فقال: إن بني صبية صغار. افلح من كانت له الكبار.
" عمر بن عبد العزيز " لما استخلف عمر بن عبد العزيز وبويع له صعد المنبر وأمر برد المظالم ووضع اللعنة عن أهل البيت وكانوا يلعنونهم على المنابر وحض على التقوى والتواصل وقال: والله ما أصبحت ولي على أحد من أهل القبلة موجدة إلا على أسراف ومظلمة. ثم تصدق بثوبه ونزل. وتوفي عمر بن عبد العزيز في رجب لخمس بقين منه سنة إحدى ومائة. وكانت شكواه عشرين يوما. ولما مرض قيل له: لو تداويت. فقال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها نعم المذهوب إليه ربي. وكان موته بدير سمعان ودفن به. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. وكان عمره تسعا وثلاثين سنة. قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده فإذا هو على فراش من ليف وتحته وسادة من أديم مسجى بشملة ذابل الشفة كاسف اللون وعليه قميص وسخ. فقلت لأختي فاطمة وهي امرأته: اغسلوا ثياب أمير المؤمنين. فقالت: نفعل. ثم عدت فإذا القميص على حاله. فقلت: ألم آمركم أن تغسلوا قميصه. فقالت: والله ما له غيره. فسبحت الله وبكيت وقلت: يرحمك الله لقد خوفتنا بالله عز وجل وأبقيت لنا ذكرا في الصالحين . قيل وكانت نفقته كل يوم درهمين. وفي أيامه تحركت دولة بني هاشم.

(1/61)


" يزيد بن عبد الملك " يكنى أبا خالد. عاشر بني مروان. ولما ولي الأمر استعمل على العراقين وخراسان عمر بن هبيرة الفزازي وبعث مسلمة بن عبد الملك لقتال يزيد ابن المهلب. فقتله وبعث برأس يزيد وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو وقصف وشغف بحبابة المغنية واشتهر بذكرها. وقيل كان يزيد قد حج أيام سليمان أخيه فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار فقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. فلما سمع يزيد ردها فاشتراها رجل من أهل مصر. فلما أفضت الخلافة إليه قالت له امرأته سعدة: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه. فقال: نعم حبابة. فأرسلت فاشترتها وصنعتها وأتت بها يزيد وأجلستها من وراء الستر فقالت: يا أمير المؤمنين أبقي من الدنيا شيء تتمناه. قال: قد أعلمتك. فرفعت الستر وقالت: هذه حبابة. وقامت وتركتها عنده. فحظيت سعدة عنده وأكرمها. وقال يوما وقد طرب بغناء حبابة: دعوني أطير. وأهوى ليطير. فقالت: يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة. فقال: واللخ لأطيرن. فقالت: فعلى من تدع الأمة والملك. قال لها: عليك والله. وقبل يدها. فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك ما أسخفك. وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان. فرماها بحبة عنب فاستقبلتها بفيها فدخلت حلقها فشرقت ومرضت بها وماتت. فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى نتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي. فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما ومات ودفن إلى جانبها سنة خمس ومائة. وكانت ولايته أربع سنين وشهرا وله أربعون سنة.
" هشام بن عبد الملك " قي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان. وكان عمره يومئذ أربعا وثلاثين سنة. أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة وهو بالرصافة. فركب منها حتى أتى دمشق. وفي أيامه خرج يزيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب فقدم الكوفة وأسرعت إليه الشيعة وقالوا: لنرجو أن يكون هذا الزمان الذي تهلك فيه بنو أمية. وجعلوا يبايعونه سرا. وبايعه أربعة عشر ألفا على جهاد الظالمين والرفع عن المستضعفين. وبلغ الخبر يوسف بن عمر وهو أمير البصرة فجد في طلب زيد. وتواعدت الشيعة بالخروج وجاءوا إلى يزيد فقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر. قال: ما أقول فيهما إلا خيرا. فتبرأوا منه ونكثوا بيعته وسعوا به إلى يوسف. فبعث في طلبه قوما. فخرج زيد ولم يخرج معه إلا أربعة عشر رجلا. فقال: جعلتموها حسينية. ثم ناوشهم القتال. فأصابه سهم بلغ دماغه فحمل من المعركة ومات تلك الليلة ودفن. فلما أصبحوا استخرجوه من قبره فصلبوه. فأرسل هشام إلى يوسف: احرق عجل العراق. فأحرقه. وهرب ابنه يحيى حنى أتى بلخ. قيل كان هشام محشوا عقلا. وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة. فقال: ما منعك من الصلاة.قال: نفقت دابتي. قال: أفعجزت عن المشي. فمنعه الدابة سنة. وأتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط. فقال: اكسروا الطنبور على رأسه. فبكى الرجل لما ضربه. فقيل: عليك بالصبر. فقال: أتراني أبكي للضرب بل إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا. وقيل: وكتب إليه بعض عماله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن. فكتب إليه: قد وصل الدراقن فأعجبتنا فزد منه واستوثق من الوعاء. وكتب إلى عامل آخر قد بعث بكمأة: قد وصلت الكمأة وهي أربعون وقد تغير بعضها. فإذا بعثت شيئا فأجد حشوها في الظرف بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضها بعضا. وقيل له: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان. وقيل له: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان. قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف. ومات هشام بالرصافة سنة خمس وعشرين ومائة. وكانت ولايته عشرين سنة وعمره خمسا وخمسين سنة وكان مرضه الذبحة.

(1/62)


قيل أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس سنة تسع ومائة زياد في ولاية أسد بعثه محمد الإمام ابن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وقال له: الطف بمضر. ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب لأنه كان مفرطا في حب بني فاطمة. فلما قدم زياد دعا إلى بني العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم. وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل العباس وافترقا. وأقام زياد بمرو. ورفع أمره إلى أسد وخوف من جانبه فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة. وفي سنة ثماني عشرة ومائة توجه عمار ابن يزيد إلى خراسان ودعا إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس. فأطاعه الناس وتسمى بخداش وأظهر دين الخرمية ورخص لبعضهم في نساء بعض وقال لهم: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج. وإن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه. والصلاة فالدعاء له والحج فالقصد إليه.
" الوليد بن يزيد بن عبد الملك " كان يزيد أبوه عقد ولاية العهد له بعد أخيه هشام ابن عبد الملك. فلما ولي هشام أخو يزيد أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وتهاون بالدين واستخف به. فتنكر له هشام وأض به وكان يعتبه ويتنقصه ويقصر به. فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالازرق. وكان يقول لأصحابه: هذا المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته فصيره ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به. ولم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام. وأتاه رجلان على البريد فسلما عليه بالخلافة. فوجم ثم قال: أمات هشام. فقالا: نعم. فأرسل إلى الخزان. فقال: احتفظوا بما في أيديكم. فأفاق هشام فطلب شيئا. فمنعوه. فقال: إنا الله كأنا كنا خزانا للوليد. ومات في ساعته. وخرج عياض كاتب الوليد من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاما عن فراشه. وما وجدوا له قمقما يسخن فيه الماء حتى استعاروه. ولا وجدوا كفنا من الخزائن. فكفنه غالب مولاه. وضيق الوليد على أهل هشام وأصحابه وكان يقول: كلناه بالصاع الذي كاله وما ظلمناه به أصبعا. فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميانهم وكساهم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزاد الناس في العطاء عشرات ولم يقل في شيء يسأله: لا. ثم عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر. وفي هذه السنة أعني سنة خمس وعشرين ومائة قتل يحيى بن يزيد بن علي بن الحسين ابن علي ابن أبي طالب بجرجان وصلب ثم أنزل وأحرق ثم رض وحمل في سفينة وذر في الفرات. وفيها قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قتله ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك وكان سبب قتله ما تقدم من خلاعته ومجانته. فلما ولي الخلافة ولم يزدد من الذي كان فيه من اللهو والركوب للصيد وشرب الخمر ومنادمة الفساق إلا تماديا ثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره. ولما حاصروه في قصره دنا من الباب وقال لهم: ألم أزد في أعطياتكم. ألم أرفع المؤن عنكم. ألم أعط فقراءكم. فقالوا: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك. قال: حسبكم فلعمري لقد أكثرتم وأغرقتم والله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجمع كلمتكم. فنزل من الحائط إليه عشرة رجال فاحتزوا رأسه وسيروه إلى يزيد. فنصبه على رمح وطاف به بدمشق. وسجن ابنيه الحكم وعثمان. وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة.
وفي هذه السنة وجه ابراهيم بن محمد الأمام أبا هام بكير إلى خراسان. فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى له محمد الامام ودعاهم إلى ابنه ابراهيم الأمام. فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة شيعة بني العباس.
" يزيد بن الوليد بن عبد الملك " سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الجند. وكان محمود السيرة مرضي الطريقة. أمر بالبيعة لأخيه ابراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. وتوفي بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة. وكانت خلافته ستة أشهر. وكان عمره ستا وأربعين سنة. وكانت أمه أم ولد اسمها شاه فرند ابنة فيروز ابن يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو القائل:

(1/63)


أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان
وإنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أمه فيروز ابنة كسرى وأمها ابنة قيصر وأم كسرى ابنة خاقان ملك الترك.
" ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك " فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر أخوه ابراهيم بعده غير أنه لم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالامارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما. فمكث سبعين يوما ثم سار إليه مروان بن محمد فخلعه. ثم لم يزل حيا حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
" مروان بن محمد بن مروان بن الحكم " لما مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك سار مروان في جنود الجزيرة إلى الشام لمحاربة ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك. ولما دخل دمشق أتى بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد بن عبد الملك مقتولين فدفنهما وبايعه الناس. فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران فطلب منه الأمان لابراهيم ابن الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك فأمنهما. وفي هذه السنة أعني سنة سبع وعشرين ومائة حارب سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف. وفيها توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريط وقحطبة إلى مكة فلقوا ابراهيم بن محمد الأمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا. وكان معهم أبو مسلم. فقال سليمان لابراهيم الامام: هذا مولاك. فأمر ابراهيم أبا مسلم على خراسان. وفي سنة تسع وعشرين ومائة بعث ابراهيم الامام إلى أبي مسلم بلواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب فعقدهما على رمحين وأظهر الدعوة العباسية بخراسان وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وكما أن الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي آخر الدهر. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة حج ابراهيم بن محمد الامام ومعه أخواه أبو العباس وأبو جعفر وولده وعمه ومواليه على ثلاثين نجيبا عليهم الثياب الفاخرة والرحال والأثقال. فشهره أهل الشام وأهل البوادي والحرمين معما انتشر في الدنيا من ظهور أمرهم. وبلغ مروان خبر حجهم فكتب إلى عاملة بدمشق يأمره بتوجيه خيل إليه. وكان مروان بأرض الشام. ووجه العامل خيلا فهجموا على ابراهيم فأخذوه وحملوه إلى سجن حران فأثقلوه بالحديد وضيقوا عليه الحلقة حتى مات. ولما أحس ابراهيم بالطلب أوصى إلى أخيه أبي العباس ونعي نفسه إليه وأمره بالمسير إلى الكوفة بأهل بيته. فسار معه أخوه أبو جعفر وعمه وستة رجال حتى قدموا الكوفة مستخفين.
" أبو العباس السفاح " وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة خرج أبو العباس بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول من دار أبي مسلمة بالكوفة فصلى المغرب في مسجد بني أيوب ودخل منزله. فلما أصبح غدا عليه القواد في التعبية والهيئة وقد أعدوا له السواد والمركب والسيف. فخرج أبو العباس فيمن معه إلى القصر الذي للأمارة. ثم خرج إلى المقصورة وصعد المنبر وبايعه الناس. ثم وجه عمه عبد الله إلى مروان وهو نازل بالزاب. فوقاع عبد الله مروان فهزمه. فمر مروان على وجهه ومضى فعبر جسر الفرات فوق حران وجمع جمعا عظيمابنهر فطرس من أرض فلسطين. وعبر أيضا عبد الله الفرات وحاصر دمشق حتى افتتحها وقتل من بها من بني أمية وهدم سورها حجرا حجرا ونبش عن قبور بني أمية وأحرق عظامهم بالنار. ثم ارتحل نحو مروان فهزمه واستباح عسكره. وهرب مروان إلى أرض مصر فاتبعه جيش عبد الله واستدلوا عليه وهو في كنيسة في بوصير فطعنه رجل فصرعه واحتز آخر رأسه وبعث به إلى أبي العباس السفاح. وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وفي سنة ست وثلاثين ومائة مات السفاح بالانبار مدينته التي بناها واستوطنها لثلث عشرة سنة مضت من ذي الحجة بالجدري. وكان له يوم مات ثلث وثلاثون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان أربع سنين. وكان أبو العباس رجلا طويلا أبيض اللون حسن الوجه يكره الدماء ويحامي على أهل البيت.

(1/64)


" أبو جعفر المنصور " هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع له سنة سبع وثلاثين ومائة. وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني قتله المنصور بسبب أنهما حجا معا في أيام السفاح. وكان أبو مسلم يكسو الأعراب ويصلح الآبار والطرق. وكان الذكر له. فحقد أبو جعفر ذلك عليه. ولما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على أبي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه ولم يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع إليه. فخافه أبو جعفر المنصور وأجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه. وكان أبو مسلم استشار رجلا من أصحابه بالري في رجوعه إلى المنصور فقال: لا أرى أن تأتيه وأرى أن تمتد إلى خراسان. فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له: تركت الرأي بالري فذهب مثلا. فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه وأكرامه غاية الكرامة. ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده. فأمره أن ينصرف ويروح نفسه ليلته ويدخل الحمام. فانصرف. فلما كان من الغد أعد المنصور من أصحاب الحرس أربعة نفر وأكمنهم خلف الرواق وقال لهم: إذا أنا صفقت بيدي فشأنكم. وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته. فمما عد عليه أن قال: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك. ودخلت علينا وقلت: أين بان الحارثية. ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاء ثم تلقيه إلى مالك ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان. فجعل أبو مسلم يعتذر إليه ويقبل الأرض بين يديه. فقال المنصور: قتلني الله إن لم أقتلك. وصفق بيديه فخرج الحراس يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول: استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين. فقال له المنصور: وأي عدو لي أعدى منك. وقيل كانت عند أبي مسلم ثلث نسوة وكان لايطأ المرأة منهم في السنة إلا مرة واحدة. وكان من أغير الناس لا يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن إليه. قالوا ليلة زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها. قالوا وكان من أشد الناس طمعا وأكثرهم طعاما يخبز كل يوم في مطبخه ثلثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير. وكان له ألف طباخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدواب. وقيل كان أبو مسلم شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة. وقيل بل كان فاتكا قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبرا سوى من لايعرف ومن قتل في الحروب والهيجات. وسئل بعضهم: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج. قال: لا أقول أن أبا مسلم خير من أحد ولكن الحجاج كان شرا منه. وزعم قوم أن أبا مسلم كان من قرية من قرى مرو. ويقال: بل كان من العرب سمع الحديث وروى الأشعار. وقيل كان عبدا. وقد نسبه بعض الشعراء إلى الأكراد حين هجاه. وفي سنة أربعين ومائة سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه ابراهيم بن محمد الأمام في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية. فنزلوا عليها وعمروا ماكان خربه الروم منها. ففرغوا من العمارة في ستة أشهر. واسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى حصن قلوذية. وفي هذه السنة خرج الرواندية على المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون أن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور. وجعلوا يطوفو بقصره ويقولون: هذا قصر ربنا فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشيا إذ لم يكن في القصر دابة. ونودي في أهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا أعني الرواندية جميعا وهم يومئذ ستمائة رجل. وفي السنة الرابعة والأربعين أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب اثني عشر إنسانا ورحلهم من المدينة إلى الكوفة وحبسهم في بيت ضيق لا يمكن لأحد من مقعده يبول بعضهم على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ماتوا عن آخرهم. فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي. وخرج ابراهيم أخوه بالبصرة في ثلاثين ألفا. وقتلا ولم ينجحا. وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في بناء عمارة مدينة بغداد. وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة. فلما ثارت الرواندية به فيها كره سكناه لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضا

(1/65)


فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له أهل الحذق: إنا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله إلى بغداد. فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض. وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان. وقال له أيضا: أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه. ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلا اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: انظر ما هذا. فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال: وأي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن. فلما رأينه تفرقن. فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه. ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهما أربعين درهما.نه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له أهل الحذق: إنا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله إلى بغداد. فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض. وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان. وقال له أيضا: أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه. ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلا اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: انظر ما هذا. فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال: وأي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن. فلما رأينه تفرقن. فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه. ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهما أربعين درهما.

(1/66)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية