صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ اليعقوبي
المؤلف : اليعقوبي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وكان الفقهاء في أيامه: محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أبا الحويرث المرادي، عمرو بن دينار، صالح بن كيسان، أبا الزناد عبد الرحمن ابن ذكوان، عبد الله بن أبي نجيح، قيس بن سعد، أبا الزبير محمد بن مسلم، إبراهيم بن ميسرة، عبد الملك بن عمير الليثي، سلمة بن كميل، جابر بن يزيد الجعفي، غيلان بن جامع المحاربي، أبا بكر بن نسر بن حرب، يزيد بن عبد الله بن الشخير، سالم الأفطس، عبد الكريم الحنفي.
أيام أبي العباس السفاح
بويع عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكنيته أبو العباس، وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثي، يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 132، ومن شهور العجم في تشرين الآخر.
وكانت الشمس يومئذ في القوس عشر دقائق، والقمر في الدلو إحدى وعشرين درجة وأربعين دقيقة، والمشتري في العقرب اثنتين وعشرين درجة وأربعين دقيقة، والمريخ في الأسد سبعا وعشرين درجة، والزهرة في الميزان ثلاثين درجة، وعطارد في العقرب إحدى عشرة درجة وعشرين دقيقة، والرأس في الميزان خمسا وأربعين دقيقة، وكانت بيعته في الكوفة في دار الوليد بن سعد الأزدي. وقيل: إن أبا سلمة إنما أخفى أبا العباس وأهل بيته بها، ودبر أن يصير الأمر إلى بني علي بن أبي طالب، وكتب إلى جعفر بن محمد كتابا مع رسول له، فأرسل إليه: لست بصاحبكم، فإن صاحبكم بأرض الشراة، فأرسل إلى عبد الله بن الحسن يدعوه إلى ذلك، فقال: أنا شيخ كبير وابني محمد أولى بهذا الأمر، وأرسل إلى جماعة بني أبيه، وقال: بايعوا لابني محمد، فإن هذا كتاب أبي سلمة حفص بن سليمان إلي فقال جعفر بن محمد: أيها الشيخ! لا تسفك دم ابنك، فإني أخاف أن يكون المقتول بأحجار الزيت.
وأقام أبو سلمة ينتظر انصراف رسله إليه، ومر أبو حميد، فلقي غلام أبي العباس، فدله على موضعه، فأتاه فسلم عليه بالخلافة، ثم خرج فأخبر أصحابه بموضعه، فمضى معه ستة، وهم: أبو الجهم بن عطية، وموسى بن كعب، وأبو غانم عبد الحميد بن ربعي، وسلمة بن محمد، وأبو شراحيل، وعبد الله بن بسام، وأبو حميد سابعهم سرا من أبي سلمة، فسلموا على أبي العباس بالخلافة، وألبسه أبو حميد السواد، وأخرجه، فمضى به إلى المسجد الجامع، وبلغ الخبر أبا سلمة، فأتى ركضا حتى لحقهم، فقال: إني إنما كنت أدبر استقامة الأمر وإلا فلا أعمل شيئا فيه.
وقد قدمنا ذكر بيعة أبي العباس في أيام مروان، ووصفنا ما عمل من وجه لمحاربة مروان، ووصلنا من الخبر بذلك إلى قتل مروان ما يغني عن إعادته. وكان من قدم إلى الكوفة من بني هاشم اثنين وعشرين رجلا، منهم: داود، وسليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الله، وعبد الصمد بنو علي بن عبد الله بن عباس، وموسى بن داود، وجعفر، ومحمد ابنا سليمان، والفضل، وعبد الله ابنا صالح، وأبو العباس، ومحمد ابنه، وجعفر، ومحمد ابنا المنصور، وعيسى بن موسى بن محمد، وعبد الوهاب، ومحمد ابنا إبراهيم، ويحيى بن محمد، والعباس بن محمد. ولما بويع أبو العباس صعد المنبر في اليوم الذي بويع فيه، وكان حييا، فارتج عليه، فأقام مليا لا يتكلم، فصعد داود بن علي، فقام دونه بمرقاة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد، وقال: أيها الناس! الآن تقشعت حنادس الفتنة، وانكشف غطاء الدنيا، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وعاد السهم إلى النزعة، وأخذ القوس باريها، ورجع الحق إلى نصابه في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة بكم، والرحمة لكم، والتعطف عليكم، ألا وإن ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس لكم أن نسير، فنحكم في الخاصة والعامة منكم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنه والله أيها الناس! ما وقف هذا الموقف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أولى به من علي بن أبي طالب، وهذا القائم خلفي، فاقبلوا، عباد الله، ما آتاكم بشكر، واحمدوه على ما فتح لكم، أبدلكم

(1/251)


بمروان عدو الرحمن، حليف الشيطان، بالفتى المتمهل الشاب المتكهل، المتبع لسلفه والخلف من أئمته وآبائه، الذين هدى الله، فبهداهم اقتدى مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، وأبواب الرحمة، ومفاتيح الخير، ومعادن البركة، وساسة الحق، وقادة العدل. ثم نزل فتكلم أبو العباس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد، ووعد من نفسه خيرا ثم نزل.
وولي أبو العباس الكوفة داود بن علي، فكان أول من ولاه أبو العباس، ووجه بأخيه أبي جعفر إلى خراسان لأخذ البيعة على أبي مسلم، فصار إلى مرو في ثلاثين فارسا، فلم يحتفل به أبو مسلم، ولم يلتقه، واستخف به، فانصرف واجدا عليه، وشكاة إلى أبي العباس وأعلمه ما نال منه، وكثر عليه في بابه، فقال أبو العباس: فما الحيلة فيه، وقد عرفت موضعه من الإمام ومن إبراهيم، وهو صاحب الدولة والقائم بأمرها؟ وقدم أبو مسلم على أبي العباس، فأكرمه وأعظمه، ولم يذكر له من أمر أبي جعفر شيئا. ودخل إليه يوما من الأيام، وأبو جعفر جالس معه، فسلم عليه وهو قائم، ثم خرج ولم يسلم على أبي جعفر، فقال له أبو العباس: مولاك مولاك لم لا تسلم عليه؟ يعني أبا جعفر. فقال: قد رأيته، ولكنه لا يقضي في مجلس الخليفة حق أحد غيره.
ولما قتل صالح مروان بن محمد وجه برأسه إلى أبي العباس، وحوى خزائنه وأمواله، وحمل أبا عثمان، ويزيد بن مروان، ونسوة من آل مروان وبناته، فلما صرن إلى الكوفة أطلق النساء وحبس الرجال، وأخذ عبد الله بن مروان بمكة، فحمل أيضا، وحبس مع سائر أهله.
وولي أبو العباس داود بن علي الحجاز، فقدم، وعامل مروان الوليد ابن عروة بن عطية السعدي مقيم بمكة لم يعلم بأن الناس بايعوا أبا العباس، فلما علم هرب، وقدم داود فخطب خطبة له مشهورة ذكرهم فيها ما فضلهم الله به، فظلم من ظلمهم، ثم قال: إنما كانت لنا فيكم تبعات وطلبات، وقد تركنا ذلك كله، وأنتم آمنون بأمان الله أحمركم وأسودكم، وصغيركم وكبيركم، وقد غفرنا التبعات، ووهبنا الظلامات، فلا ورب هذه البنية لا نهيج أحدا! وضرب بيده إلى الكعبة، فبينا هو يخطب إذ قام سديف بن ميمون، فقال: أصلح الله الأمير! أدننى منك، وأذن لي في الكلام! فقال: هلم! فصعد المنبر حتى كان دون داود بمرقاة، ثم أقبل على الناس بوجهه، فحمد الله، وصلى على محمد ثم قال: أ يزعم الضلال، خطئت أعمالهم، إن غير آل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بتراثه، ولم، وبم معاشر الناس، ألكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة، الشركاء في النسب، والورثة للسلب، مع ضربهم في الفيء لجاهلكم، وإطعامهم في اللاواء جائعكم، وأيمانهم بعد الخوف سائلكم؟ لم ير مثل العباس بن عبد المطلب، اجتمعت له الأمة بواجب حق الحرمة، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبيه، وجلده ما بين عينيه يوم خيبر، لا يرد له أمرا، ولا يعصي له قسما. إنكم والله، معشر قريش، ما اخترتم لأنفسكم من حيث اختار الله لكم طرفة عين قط. ثم نزل، فاستتم داود خطبته ثم نزل.
فلما انقضى الموسم وجه داود إلى قوم كانوا بمكة من بني أمية، فقتل جماعة منهم، وأوثق جماعة منهم في الحديد، ووجههم إلى الطائف، فقتلوا هنالك، وحبس خلقا من الخلق، فماتوا في حبسه، وصار إلى المدينة ففعل مثل ذلك، ولم يقم بالمدينة إلا شهرين حتى توفي.
وبلغ أبا العباس عن أبي سلمة الخلال أمور أنكرها، وذكر له تدبيره وما كان عليه، وتأخيره له، والتماسه صرف الدولة إلى بعض الطالبيين، وكتب إليه أبو مسلم من خراسان أن اقتل أبا سلمة، فإنه العدو الغاش، الخبيث السريرة، فكتب إليه أبو العباس: أن وجه أنت من يقتله، وكره أبو العباس أن يوحش أبا مسلم بقتله، أو يوجد سبيلا إلى الاحتجاج به عليه، فوجه أبو مسلم مراد بن أنس الضبي، فجلس على باب أبي العباس وكان يسمر عنده، فلما خرج ثار إليه فضرب عنقه. وكان أبو سلمة يسمى وزير آل محمد، وكان أبو مسلم يكتب إليه: للأمير حفص بن سليمان، وزير آل محمد من أبي مسلم أمين آل محمد. فقال سليمان ابن مهاجر لما قتل أبو سلمة:
إن الوزير، وزير آل محمد، ... أودي، فمن يشناك كان وزيرا

(1/252)


ووجه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط، وكان الحسن بن قحطبة محاصرا ليزيد بن عمر بن هبيرة، وأمره بمجادته، فحوصر أحد عشر شهرا، وكان معه جماعة من قواد مروان وأصحابه، وممن كان مع عامر بن ضبارة، ونباتة بن حنظلة، الذين قتلهم قحطبة، وكان يزيد قد استعد لحصار سنتين، وأدخل الأقوات والعلوفة لعشرين ألف مقاتل، فصدقوه المحاربة، وطلب الأمان ووجه السفراء، فأجيب إلى ذلك، وكتب له كتاب أمان، وشرط له فيه ما سأل. وختمه أبو العباس. وخرج ابن هبيرة حتى صار إلى أبي جعفر، فبايع ثم رجع إلى موضعه، وكان يركب كل يوم في ألف فارس وألف راجل، فقال بعض أصحاب أبي جعفر له: أصلح الله الأمير! إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر. فقال لأبي غسان حاجبه: قل لابن هبيرة فليقلل من جمعه! فركب إليه في خمسمائة راجل، فقال له الحاجب: كأنك تأتينا مباهيا، فركب إليهم في ثلاثين فارسا، وثلاثين راجلا، فكان أبو جعفر يقول: ما رأيت أنبل من ابن هبيرة، ولا أتيه، إن كان ليدخل إلي، فيقول: كيف أنت يا هذا، أو حالك، وكيف ما يأتيك عن صاحبك؟ فإن كنت لأحدثه فيقول: أيها لله أبوك! ثم يتداركها فيقول: أصلح الله الأمير! إني قريب عهد بإمارة، وكان الرجل يحدثني، فأقول بهذا ونحوه. وقال له يوما: حدثني! فقال: لأمحضنك النصيحة محضا، إن عهد الله لا ينكث وعقدته لا تحل، وإن إمارتكم هذه جديدة، فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنبوهم مرارتها.
ووجدت كتب لابن هبيرة إلى محمد بن عبد الله بن حسن يعلمه أن يبايع له، وأن قبله أموالا وعدة وسلاحا، وأن معه عشرين ألف مقاتل، فأنفذت الكتب إلى أبي العباس، فقال أبو العباس: نقض عهده، وأحدث ما أحل به دمه، فكتب إلى أبي جعفر: أن اضرب عنقه، فإنه غدر، ونكث، ونقض العهود، وكثرت كتبه بذلك، وكتب أبو مسلم من خراسان يحرض على قتله، ويخبر أن الأمر لا يستقيم ما كان حيا، وإنه ممن لا يصلح للاستبقاء. وقال أبو جعفر للحسن بن قحطبة الطائي: أن أمير المؤمنين قد أمر بقتل هذا الرجل، فتول ذلك! فقال له الحسن: إن قتلته كانت العصبية بين قومي وقومه، والعداوة، واضطرب عليك من بعسكرك من هؤلاء وهؤلاء، ولكن أنفذ إليه برجل من مضر يقتله. فوجه إليه بخازم بن خزيمة التميمي، فأتاه في جماعة، فوافاه وهو جالس في رحبة القصر بواسط، فلما رآهم قال: أقسمت بالله إن في وجوه القوم لغدرة! فلما دنوا منه قام ابنه داود في وجوههم، فضربه بعضهم بالسيف فجدله، وصاروا إلى يزيد فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه، ثم تتبعوا قواده وأصحابه، فقتلوهم عن آخرهم.
وخرج شريك بن شيخ المهري ببخارى فقال: ما على هذا بايعنا آل محمد، أن نسفك الدماء، ونعمل غير الحق. فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي، فقاتله، فقتله.
وخرج أبو محمد السفياني، وهو يزيد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، بما لديه، وخرج محمد بن مسلمة بن عبد الملك بحران، وحاصر موسى بن كعب، وكان عامل أبي جعفر، وأبو جعفر يومئذ عامل الجزيرة، ورماها بالمنجنيق، وحرق أبوابها، وكان ذلك سنة 133.
ثم بلغ محمد بن مسلمة قتل أبي محمد السفياني وقتل أبي الورد بن كوثر ابن زفر، فانصرف عنها، وتفرق جمعه، واتبعه موسى بن كعب، فقتل خلقا من أصحابه، وتعمد عدة مدائن من الجزيرة.
وأقام إسحاق بن مسلم العقيلي بسميساط سبعة أشهر، وأبو جعفر محاصر له، وقيل: لم يحاصره أبو جعفر، ولكن عبد الله بن علي حاصره، وكان إسحاق يقول: في عنقي بيعة، فلا أدعها أبدا حتى أعلم أن صاحبها قد مات، أو قتل.
وأرسل إليه أبو جعفر يقول: إن مروان قد قتل، فقال: حتى أتبين ذلك، فلما صح عنده أنه قتل طلب الأمان وأعطيه، وصار مع أبي جعفر، وكان عظيم المنزلة عنده.
وانصرف عبد الله بن علي إلى فلسطين بالسبب الذي شرحناه من خبره فيما شرحنا من خبر مروان، فلما صار بنهر أبي فطرس، بين فلسطين والأردن، جمع إليه بني أمية، ثم أمرهم أن يغدوا عليه لأخذ الجوائز والعطايا، ثم جلس من غد، وأذن لهم، فدخل عليه ثمانون رجلا من بني أمية، وقد أقام على رأس كل رجل منهم رجلين بالعمد، وأطرق مليا، ثم قام العبدي فأنشد قصيدته التي يقول فيها:
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من كلاب النار

(1/253)


وكان النعمان بن يزيد بن عبد الملك جالسا إلى جنب عبد الله بن علي، فقال له: كذبت يا ابن اللخناء! فقال له عبد الله بن علي: بل صدقت يا أبا محمد، فامض لقولك! ثم أقبل عليهم عبد الله بن علي، فذكر لهم قتل الحسين وأهل بيته، ثم صفق بيده فضرب القوم رؤوسهم بالعمد حتى أتوا عليهم، فناداه رجل من أقصى القوم:
عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد
فالقرابات بيننا واشجات ... محكمات القوى بعقد شديد
فقال: هيهات! قطع ذلك قتل الحسين! ثم أمر بهم، فسحبوا، فطرحت عليهم البسط وجلس عليها، ودعا بالطعام، فأكل، فقال: يوم كيوم الحسين بن علي ولا سواء. وكان قد دخل معهم... قال: رجوت أن ينالوا خيرا، فنال معهم، فقال عبد الله بن علي:
ومدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين الفريقين حتى لزه القرن
اضربا عنقه. وقدم عبد الله بن علي دمشق في شهر رمضان سنة 132، فحاصرها، واستغاث الناس، ووجهوا إليه بيحيى بن بحر يطلب لهم الأمان، فخرج إليه، فسأله الأمان، فأجابه إلى ذلك، فدخل فنادى في الناس الأمان، فخرج خلق من الخلق، ثم قال له يحيى بن بحر: اكتب لنا، أيها الأمير، كتاب الأمان، فدعا بدواة وقرطاس، ثم ضرب ببصره نحو المدينة، فإذا بالسور قد غشيه المسودة، فقال له: قد دخلتها قسرا فقال يحيى: لا والله، ولكن غدرا. فقال عبد الله: لو لا ما أعرف من مودتك لنا، أهل البيت، لضربت عنقك، إذ استقبلتني بهذا، ثم ندم، فقال: يا غلام خذ هذا العلم فاركزه في داره، وناد من دخل دار يحيى بن بحر فهو آمن. فانحشر الناس إليها، فما قتل فيها، ولا في الدور التي تليها أحد.
ونادى المنادي بعد أن قتل خلق كثير من الخلق: الناس آمنون، إلا خمسة: الوليد بن معاوية، ويزيد بن معاوية، وأبان بن عبد العزيز، وصالح بن محمد، ومحمد بن زكرياء.
وصار عبد الله بن علي إلى المسجد الجامع، فخطبهم خطبة مشهورة يذكر فيها بني أمية وجورهم وعداوتهم، وانهم اتخذوا دين الله هزؤا ولعبا، ويصف ما استحلوا من المحارم والمظالم والمأثم، وما ساروا به في أمة محمد من تعطيل الأحكام وازدراء الحدود والاستئثار بالفيء، وارتكاب القبيح، وانتقام الله منهم، وتسليط سيف الحق عليهم، ثم نزل.
ويقال إن أبا العباس كتب إليه: خذ بثأرك من بني أمية، ففعل بهم ما فعل، ووجه فنبش قبور بني أمية، فأخرجهم وأحرقهم بالنار، فما ترك منهم أحدا، ولما صار إلى رصافة أخرج هشام بن عبد الملك، ووجده في مغارة على سريره، قد طلى بماء يبقيه، فأخرجه، فضرب وجهه بالعمود، وأقامه بين العقابين فضربه مائة وعشرين سوطا، وهو يتناثر، ثم جمعه فحرقه بالنار. وقال عبد الله عند ذلك: إن أبي، يعني علي بن عبد الله، كان يصلي يوما، وعليه إزار ورداء، فسقط الرداء عنه، فرأيت في ظهره آثار السياط، فلما فرغ من صلاته قلت: يا أبة! جعلني الله فداءك، ما هذا؟ فقال: إن الأحول، يعني هشاما، أخذني ظلما، فضربني ستين سوطا، فعاهدت الله إن ظفرت به أن أضربه بكل سوط سوطين.
وخرج حبيب بن مرة المري بالحوران فبيض ونصب رجلا من بني أمية فزحف إليه عبد الله بن علي فقتله وفرق جمعه.
وكان عامل مروان على إفريقية عبد الرحمن بن حبيب العقبي فقدمها سنة 127 ولم يزل مقيما بها حتى قتل مروان فلما علم أهل إفريقية بقتل مروان وثبت عليه جماعة من أهل البلد منهم عقبة بن الوليد الصدفي من ناحية... وتفرقت بنو أمية بعد قتل مروان فخلف منهم بإفريقية جماعة فصاروا إلى عبد الرحمن بن حبيب فأقام عبد الرحمن على محاربة أصحاب أبي العباس فوثب به أخوه إلياس بن حبيب فدعا إلى بني العباس فبايعه الناس وأخذ من صار إلى إفريقية من بني أمية فحبسهم وكتب بخبرهم إلى أبي العباس.
ووثب أهل الموصل على عاملهم فانتهبوه وأخرجوه فولى أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بن علي الموصل وضم إليه أربعة آلاف رجل من أهل خراسان فقدمها في سنة 133 فقتل من أهلها خلقا عظيما وقيل إنه اعترض الناس في يوم جمعة فقتل ثمانية عشر ألف إنسان من صليب العرب ثم قتل عبيدهم ومواليهم حتى أفناهم فجرت دماؤهم فغيرت ماء دجلة فلم يعرف لأهل الموصل وثوب إلى هذه الغاية.

(1/254)


وولي أبو العباس محمد بن صول أرمينية فسار إليها في خلق عظيم ومسافر بن كثير متغلب على البلد وكان خليفة إسحاق بن مسلم العقيلي عامل مروان فحاربه محمد بن صول حتى قتله واستولى على أرمينية وصد أهل البيلقان إلى قلعة الكلاب وأسلموا المدينة ورئيسها يومئذ ورد بن صفوان السامي من ولد سامة بن لؤي وجمعوا إليهم لفيفا من الصعاليك وغيرهم بقلعة الكلاب فوجه إليهم محمد بن صول صالح بن صبيح الكندي فحاصرهم وقتل منهم خلقا عظيما.
ووجه أبو العباس إلى السند موسى بن كعب التميمي ومنصور بن جمهور متغلب عليها فنفذ موسى في عشرين ألف مقاتل فصار إلى قندابيل فأقام بها حينا ثم كاتب موسى من كان مع منصور من أصحاب... وكاتبهم قبائلهم وزحف موسى حتى أتى منصورا فانهزم منه ومر في مفازة وأدركه فقتله.
وانتقل أبو العباس من الحيرة فنزل الأنبار واتخذ بها مدينة سماها الهاشمية سنة 134 واشترى من الناس أشرية كثيرة بني فيها وأقطعها أهل بيته وقواده ثم رفع إليه أهل تلك الأرضين والمنازل انهم لم يقبضوا أثمانها فقال: هذا بناء أسس على غير تقوى وأمر فضربت مضاربه بظاهرها وبريها حتى استوفى القوم أثمان أرضهم ثم عاد إلى قصره.
وولى أبو العباس أبا جعفر أخاه الجزيرة والموصل والثغور وأرمينية وآذربيجان فخرج حتى صار إلى الرقة واختط الرافقة على شط الفرات وهندسها له أدهم بن محرز فولى الحسن بن قحطبة الطائي الجزيرة وولى يزيد بن أسيد السلمي أرمينية ثم عزله وولي الحسن بن قحطبة أرمينية فلم يزل عليها أيام أبي العباس.
وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد استأمن إلى أبي العباس فقدم معه بابنين له فأكرمه أبو العباس وبره وأجلسه وابنيه على النمارق والكراسي فكان أبو العباس يجلس بالعشيات ويأذن لخواصه وأهل بيته فدخل عليه أبو الجهم ليلة وقد أذن لأهله وخواصه فقال له: إن أعرابيا أقبل يوضع على ناقته حتى أناخها بالباب وعقلها ثم جاءني وقال: استأذن لي على أمير المؤمنين فقلت: اذهب وضع عنك ثياب سفرك وعد علي سأستأذن عليه. فقال: إني آليت ألا أضع عني ثوبا ولا أحل لثاما حتى أنظر إلى وجهه. قال: فهل أنبأك من هو قال: نعم زعم أنه سديف مولاك فقال: سديف ايذن له فدخل أعرابي كأنه محجن فوقف فسلم عليه بأمره المؤمنين ثم تقدم فقبل بين يديه ورجليه ثم تأخر فوقف مثله ثم اندفع فقال:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
يا أمير المطهرين من الرج ... س ويا رأس منتهى كل رأس
أنت مهدي هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس
أفنها أيها الخليفة وأحسم ... عنك بالسيف شافه الأرجاس
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس
ولقد ساءني وساء قبيلي ... قربهم من نمارق وكراسي
خوفهم أظهر التودد منهم ... وبهم منكم كحز المواسي
واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسى ... رهن رمس في غربة وتناسي
نعم كلب الهراش مولاك لو لا ... حله من حبائل الإفلاس
فقام سليمان بن هشام فقال: يا أمير المؤمنين إن مولاك هذا يحرضك منذ مثل بين يديك على قتلي وقتل ابني وقد تبينت والله أنك تريد أن تغتالنا. فقال: لو أردت ذلك ما كان يمنعني منكم على غير غيلة فأما إذ سبق ذلك إلى قلبك فلا خير فيك. يا أبا الجهم. أخرجه وأخرج ابنيه فاضرب أعناقهم وأتني برؤوسهم فخرج فضرب أعناقهم وأتاه برؤوسهم.

(1/255)


وقدم عبد الله بن الحسن بن الحسن على أبي العباس ومعه أخوه الحسن ابن الحسن بن الحسن فأكرمه أبو العباس وبره وآثره ووصله الصلات الكثيرة ثم بلغه عن محمد بن عبد الله أمر كرهه فذكر ذلك لعبد الله بن الحسن فقال: يا أمير المؤمنين ما عليك من محمد شيء تكرهه وقال له الحسن بن الحسن أخو عبد الله بن الحسن: يا أمير المؤمنين! أتتكلم بلسان الثقة والقرابة أم على جهة الرهبة للملك والهيبة للخلافة فقال: بل بلسان القرابة. فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن كان الله قضى لمحمد أن يلي هذا الأمر ثم أجلبت وأهل السموات والأرض معك أكنت دافعا عنه قال: لا قال: فإن كان لم يقض ذلك لمحمد ثم أجلب محمد وأهل السموات والأرض معه أيضرك محمد قال: لا والله ولا القول إلا ما قلت. قال: فلم تنغص هذا الشيخ نعمتك عليه ومعروفك عنده قال: لا تسمعني ذاكرا له بعد اليوم.
وبلغ أبا العباس أن محمد بن عبد الله قد تحرك بالمدينة فكتب إلى عبد الله ابن الحسن في ذلك وكتب في الكتاب:
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فكتب إليه عبد الله بن الحسن:
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... بمنزلة النياط من الفؤاد
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... وزندك حين يقدح من زناد
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... وأنت لهاشم رأس وهاد
وطفئ أمر محمد في خلافة أبي العباس فلم يظهر منه شيء وكان متى بلغ أبا العباس عنه شيء ذكر ذلك لعبد الله فيقول: يا أمير المؤمنين! أنا نحميها بكل قذاة يخل ناظرك منها فيقول: بك أثق وعلى الله أتوكل. وكان أبو العباس كريما حليما جوادا وصولا لذوي أرحامه. حدثني محمد بن علي بن سليمان النوفلي عن جده سليمان قال: دخلنا على أبي العباس جماعة من بني هاشم فأدنانا حتى أجلسنا معه ثم قال: يا بني هاشم! احمدوا الله إذ جعلني فيكم ولم يجعلني بخيلا ولا حسودا. واستأذن أبو مسلم في القدوم فأذن له فقدم من خراسان في سنة 136 فلما حضر وقت الحج استأذنه فأذن له وحج معه أبو جعفر المنصور فلما خرجا اشتدت بأبي العباس العلة فقيل له: صير ولاية عهدك إلى أبي جعفر فمات في علته بعد نفوذه إلى الحج.
وكان الغالب عليه أبو الجهم بن عطية الباهلي وكان له سمار وجلساء منهم: أبو بكر الهذلي وخالد بن صفوان وعبد الله بن شبرمة وجبلة بن عبد الرحمن الكندي وكان على شرطته عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي وعلى حرسه أبو بكر بن أسد بن عبد الله الخزاعي وحاجبه أبو غسان مولاه وكان قاضيه عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن شبرمة.
ولما اشتدت علته قدم عليه وفدان أحدهما من السند والآخر من إفريقية فلما بلغه قدومهما قال: أنا ميت بعد ثلاث. قال عيسى بن علي فقلت: بل يطيل الله بقاءك فقال: حدثني أخي إبراهيم عن أبي وأبيه عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده: أنه يقدم علي في مدينتي هذه في يوم واحد وافدان: أحدهما وافد السند والآخر وافد أهل إفريقية فلا يمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أغيب في لحدي ويورث الأمر بعدي. ثم نهض وقال: لا ترم مكانك حتى أخرج إليك.
قال: فلم أزل بمكاني حتى سلم المؤذنون في وقت صلاة العصر بالخلافة فخرج إلى رسوله يأمرني بالصلاة بالناس فدخلت فلم يخرج إلى أن سلم المؤذنون لوقت صلاة العشاء فخرج إلى رسوله يأمرني بالصلاة بالناس ففعلت ذلك ثم أتيت مكاني إلى إدراك الليل فلما فرغت من قنوتي خرج إلي ومعه كتاب معنون: من عبد الله ووليه إلى آل رسول الله صلى الله عليه وسلم والأولياء وجميع المسلمين ثم قال: يا عم إذا خرجت نفسي فسجني بثوبي واكتم موتي حتى يقرأ هذا الكتاب على الناس فإذا قرئ فخذ ببيعة المسمى فيه فإذا بايع الناس فخذ في أمري وجهزني وصل علي وادفني. فقلت: يا أمير المؤمنين فهل وجدت علة فقال: وأية علة أقوى من الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما كذبت ولا كذبت ولا كذبت خذ هذا الكتاب وامض راشدا.

(1/256)


واعتل من ليلته وتوفي يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 136 وهو ابن ست وثلاثين سنة وقيل: لم يبلغ تلك السن وذلك أنه ولد في سنة 105 في أيام يزيد بن عبد الملك بن مروان وصلى عليه إسماعيل بن علي وقيل عيسى بن علي ودفن في الأنبار في قصره وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر وخلف ابنا لم يكن بلغ وابنته ريطة امرأة المهدي التي حرمت على جميع خلفاء بني هاشم إلا زوجها.
وأقام الحج للناس في أيامه سنة 132 داود بن علي سنة 133 زياد بن عبيد الله الحارثي سنة 134 عيسى بن موسى سنة 135 سليمان بن علي.
وغزا بالناس في أيامه سنة 133 أقبل طاغية الروم وهو قسطنطين حتى أناخ على ملطية فحصرها فصولح عنها وزحف إليه موسى بن كعب التميمي فلم يكن بينهما لقاء وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن علي يعلمه أن العدو قد كلب بالغفلة عنه وأمره أن ينفذ بالجيوش التي معه فيبث جيوشه في نواحي الثغور وزحف حتى قطع الدرب ولم يزل يعبى حتى أتاه خبر وفاة أبي العباس فانصرف.
وكان الفقهاء في أيامه يحيى بن سعيد الأنصاري ابن أبي طوالة الأنصاري موسى بن عقبة عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي أبا حمزة الثمالي زيد بن أسلم أبا خازم القاضي هشام بن عروة بن الزبير محمد بن... بن علقمة موسى بن عبيدة الربذي ابن أبي صعصعة ربيعة الرأي عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب محمد بن إسحاق بن يسار عبد الله بن طاووس صدقة... يسار حميد بن قيس الأعرج عبد الله بن عثمان بن خثيم عثمان بن الأسود عبد الملك بن جريج عبد الملك بن عمير الليثي أبا سار النسائي مجالد بن سعيد الأجلح بن عبد الله الكندي منصور بن المعتمر السلمي مطرف بن طريف الحارثي جابر بن يزيد الجعفي الحسن بن عمر الفقيمي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الحسن بن عمارة مسعر بن كدام عبد الجبار بن عباس الهمداني زفر بن الهذيل إسحاق بن سويد العذري أبا بكر بن نسر بن حرب يونس بن عبيد أبا المعتمر سليمان التيمي عمرو بن عبيد حميد الطويل مولى خزاعة عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي سالم الأفطس عبد الكريم الحنفي.
أيام أبي جعفر المنصور
هو عبد الله بن محمد بن علي وأمه سلامة البربرية وبويع في اليوم الذي توفي فيه أبو العباس وهو يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ومن شهور العجم في حزيران سنة 136. وكانت الشمس يومئذ في السرطان درجة وعشر دقائق والقمر في الجوزاء سبع درجات وخمسا وأربعين دقيقة وزحل في الجدي ست عشرة درجة وخمسين دقيقة راجعا والمشتري في الحمل سبعا وعشرين درجة والمريخ في العقرب تسع عشرة درجة وأربعين دقيقة والزهرة في الثور خمس عشرة درجة وخمسين دقيقة وعطارد في السرطان إحدى عشرة درجة والرأس في السرطان درجة وخمسين دقيقة.
وكان أبو جعفر حاجا فأخذ له عيسى بن علي البيعة على من حضر من الهاشميين والقواد بالأنبار ووافاه الخبر بذلك في طريق مكة بعد وفاة أبي العباس بخمسة عشر يوما فبايع أبو مسلم ومن حضر من الهاشميين والقواد وكان الذي وافاه بالخبر محمد بن الحصين العبدي فقال: أي موضع هذا؟ قالوا: موضع يقال له زكية. قال: أمر يزكى إن شاء الله وبويع بالصفية فقال: أمر يصفو لنا أعداد السنين وحثوا النجاء.
وكان أبو العباس قبل وفاته قد كتب إلى عبد الله بن علي في غزو الصائفة وأمره بقطع الدرب فلما توفي أبو العباس كره عيسى بن علي ومن حضر من الأبناء أن يكتبوا إلى عبد الله بن علي فكتبوا إلى صالح بن علي وهو بمصر يعرفونه الحادثة في أبي العباس وما كان عهد به أبو العباس لأبي جعفر ومبايعتهم له واجتماعهم عليه وأمره أن يبايع ويصير إلى الشام فيأخذ البيعة على عبد الله.
وبلغ عبد الله الخبر وقيل: بعث عيسى بن علي ببيعة المنصور مع أبي غسان يزيد بن زياد حاجب أبي العباس فلحقه وقد كان قطع الدرب إلى بلاد الروم فرجع حتى صار إلى دلوك من أرض جند قنسرين فأحضر حميد بن قحطبة الطائي وجماعة من القواد الذين كانوا معه

(1/257)


فقال: ما تشهدون أن أمير المؤمنين أبا العباس قال: من خرج إلى مروان فهو ولي عهدي فشهدوا له بذلك. وبايعوا وبايع أكثر أهل الشام له وكتب إلى عيسى بن علي وغيره يعلمهم مبايعة من قبله من القواد وأهل الشام له بصحة عهد أبي العباس إليه وتوجه يريد العراق فلما صار إلى حران وافى موسى ابن كعب عاملا بها فعرفه شهادة من أشهد الله أن أبا العباس جعله ولي عهده فلما تحصن بها حاصره أربعين يوما ثم أعطاه الأمان على أن يخرج عنها ويخلي بينه وبينها وتوجه يريد العراق.
فقدم أبو جعفر الكوفة غرة المحرم فنزل الحيرة وصلى بالناس الجمعة ثم شخص إلى الأنبار إلى مدينة أبي العباس فضم إليه أطرافه وخزائن أبي العباس وبلغه أمر عبد الله بن علي وتوجهه إلى العراق فقال لأبي مسلم: ليس لعبد الله ابن علي غيري أو غيرك. فكره أبو مسلم ذلك وقال: يا أمير المؤمنين! إن أمر عبد الله بالشام أقل وأذل وأمر خراسان أمر يجل خطبه ثم انصرف أبو مسلم إلى منزله وقال لكاتبه: ما أنا وهذان الرجلان. ثم قال: ما الرأي إلا أن أمضي إلى خراسان وأخلي بين هذين الكبشين فأيهما غلب وكتب إلينا كتبنا إليه: سمعنا وأطعنا فرأى أنا قد أنعمنا وعملنا له عملا. فقال له كاتبه: أعيذك بالله من أن تمكن أهل خراسان من الطعن عليك وأن يروا أنك نقضت أمرا بعد تأكيده. فقال: ويحك إني نظرت فيمن قتلت بالسيف صبرا سوى من قتل في المعارك فوجدتهم مائة ألف من الناس فلا قليل من الله.
فلم يزل به كاتبه حتى أجاب أبا جعفر إلى الخروج وعسكر في خلق عظيم ثم سار حتى صار إلى الجزيرة، فواقع عبد الله بن علي عدة وقائع، وكان حميد بن قحطبة الغالب على أمر عبد الله بن علي، ثم بلغه أن عبد الله يريد قتله، فاحتال حتى صار إلى أبي مسلم، فعظم ذلك على عبد الله بن علي، وخاف أن يفعل بنظرائه من قواد خراسان الذين معه مثل ذلك.
قال السندي بن شاهك: سمعت عبد الصمد بن علي يقول: إني عند عبد الله ابن علي إذ دخل حاجبه، وكان عبد الصمد مع عبد الله بن علي، فقال: رسول أبي مجرم بالباب، فقال: إيذن له، فدخل رجل كريه الوجه، قبيح المنظر، كثير الشعر، طويل اللسان، عظيم الخلق، كثير حشو الخفنان، فسلم سلاما عاما، ثم قال: إن الأمير أبا مسلم يقول: علام تقاتلني، وأنت تعلم أنه لا يقاتلك؟ وواقع أبو مسلم عبد الله بن علي بنصيبين، وفرق جمعه، فهرب عبد الله، وأمر أبو مسلم ألا يعترضه أحد، فصار إلى البصرة إلى أخيه سليمان بن علي، وكان عامل البصرة، فلم يزل مختفيا عنده.

(1/258)


وبعث أبو جعفر برسل يحصون ما حصل في يد أبي مسلم من الخزائن والأموال، منهم: إسحاق بن مسلم العقيلي، ويقطين بن موسى، ومحمد بن عمرو النصيبي التغلبي، فغضب أبو مسلم، وقال أؤتمن على الدماء، ولا أؤتمن على الأموال، وشتم يقطين بن موسى، فقال يقطين لما رأى ما داخله عليه: امرأتي طالق ثلاثا إن كان أمير المؤمنين وجهني إليك إلا مهنئا بالفتح، فاستخف بإسحاق بن مسلم، ومحمد بن عمرو، وشتمهما، وتناول أبا جعفر بلسانه حتى ذكر أمه وقال: ويلي على ابن سلامة فانصرف القوم إلى أبي جعفر فأخبروه الخبر فزاد ذلك فيما في قلبه عليه وولى هشام بن عمرو العقيلي مكان أبي مسلم فانصرف أبو مسلم وأقبل يريد خراسان مغاضبا لأبي جعفر فمر بالمدائن وأبو جعفر نازل برومية وبينه وبينه فرسخان فلم يلقه ونفذ لوجهه حتى جاز حلوان فاتبعه أبو جعفر بعيسى بن موسى وجرير بن عبد الله البجلي ونفر معهما من الشيعة فلحقوه فعظموا عليه الخطب وقالوا له: إن الأمر لم يبلغ حيث تظن فشاور مالك بن الهيثم وكان خليفته وقال: ما ترى قال: أرى أن تصير إلى خراسان فتستعتب الرجل منها وتكتب إليه منها سمعك وطاعتك فإذا فعلت ذلك لم يلحقك لوم وإلا فهو آخر عهدك بالدنيا إن وقعت عينه عليك. فما زال رسل أبي جعفر حتى فتلوه عن رأيه وأقبل نحو العراق فلما جاز عقبة حلوان قال لمالك بن الهيثم: ما الرأي قال: الرأي تركته وراء العقبة. فقال: إني والله لا أقتل إلا بأرض الروم. وقدم على أبي جعفر وهو نازل برومية في المضارب فقال له: كدت أن تنفذ قبل أن أفضي إليك بما أحتاج إليه. فمكث يختلف إليه أياما ثم أتاه يوما وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك وكان على حرسه في عدة وهم: شبيب بن واج وأبو حنيفة وتقدم إلى عثمان فقال: إذا علا صوتي وصفقت بيدي فاقتلوا العبد.
ودخل أبو مسلم فاجلس في الحجرة وقيل له: أمير المؤمنين على شغل. فجلس مليا ثم أذن له وقيل له: انزع سيفك! فقال: ولم قيل: وما عليك فلم يزالوا به حتى نزع سيفه ثم دخل وليس في البيت إلا وسادة فجلس عليها ثم قال: يا أمير المؤمنين فعل بي ما لم يفعل بأحد أخذ سيفي عن عاتقي قال: ومن فعل بك هذا قبحه الله فأقبل أبو مسلم يتكلم فقال له: يا ابن اللخناء إنك لمستعظم غير العظيم ألست الكاتب إلى تبدأ باسمك على اسمي ألست الذي كتبت إلى تخطب عمتي آمنة بنت علي وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله ألست الفاعل كذا والفاعل كذا وجعل يعد عليه أمورا فلما رأى أبو مسلم ما قد دخله قال: يا أمير المؤمنين إن قدري أصغر من أن يدخلك كل ما أرى. فعلا صوت أبي جعفر وصفق بيديه فخرج القوم فضربوه بأسيافهم فصاح: أوه ألا مغيث ألا ناصر وهم يضربونه حتى قتلوه فلما قتل قال أبو جعفر:
اشرب بكأس كنت تسقى بها ... أمر في فيك من العلقم
كنت حسبت الدين لا يقتضي ... كذبت والله أبا مجرم
وكفن في مسح وصير في جانب المضرب وقيل لأصحابه: اجتمعوا فإن أمير المؤمنين قد أمر أن ينثر عليكم الدراهم ونثرت عليهم بدرة دراهم فلما أكبوا يلتقطونها طرح عليهم رأس أبي مسلم فلما نظروا إليه أسقط ما في أيديهم وعرتهم ضعضعة وكان ذلك في شعبان سنة 137 وخرج قوم من أصحاب أبي مسلم إلى خراسان فصاروا إلى سنباذ وسنباذ بنيسابور فلما بلغه قتل أبي مسلم أظهر المعصية وخرج يطلب بدمه حتى اضطرب خراسان فوجه أبو جعفر جهور بن مرار فلقي سنباذ فواقعه فقتله وفرق جمعه.
وبلغ أبا جعفر مكان عبد الله بن علي عند سليمان بن علي وهو إذ ذاك عامل البصرة فوجه إلى سليمان فأنكر أن يكون عنده ثم طلب الأمان فكتبه له أبو جعفر على نسخة وضعها ابن المقفع بأغلظ العهود والمواثيق ألا يناله بمكروه وألا يحتال عليه في ذلك بحيلة وكان في الأمان: فإن أنا فعلت أو دسست فالمسلمون براء من بيعتي وفي حل من الأيمان والعهود التي أخذتها عليهم فلما وقف أبو جعفر على هذا قال: من كتبه؟ قيل: ابن المقفع فكان ذلك سببا لميتة ابن المقفع.

(1/259)


وقدم سليمان بن علي من البصرة حتى أخذ الأمان وشخص من البصرة ومعه عيسى بن علي فظهر بهما عبد الله بن علي فقدما به على أبي جعفر يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة 137 وهو بالحيرة فأقام في منزل عيسى بن علي وحبسه عند عيسى بن موسى وهو ولي عهد ثم سأله عنه فأخبره أنه قد توفي فوجه إلى عيسى بن علي وإسماعيل وعبد الصمد ابني علي فأحضرهم وجماعة من بني هاشم وقال لهم: إني كنت دفعت عبد الله بن علي إلى عيسى بن موسى وأمرته أن يحتفظ به وأن يكرمه ويبره وقد سألته عنه فذكر أنه قد مات فأنكرت تستير خبر موته عني وعنكم فقال القوم: يا أمير المؤمنين إن عيسى قتله ولو كان عبد الله مات حتف أنفه ما ترك أن يعلمك ويعلمنا موته فجمع بينه وبينهم فطالبوه بدمه وقال له: ايت على ما ذكرت من عبد الله ببينة عادلة وإلا أقدتك منه وأحضر الناس لذلك فلما رأى عيسى تحقيق الأمر عليه قال: أؤخر إلى العشي فأخر فحضر بالعشي وحضر عبد الله بن علي معه وقال: إنما أردت بما قلت الراحة من حراسته مخافة أن يناله شيء فيقال لي مثل هذا وقد سلمته صحيحا سويا فقال أبو جعفر: بل أردت أن تعرف ما عندنا فإذا احتملناك فعلت ذلك فأمر أبو جعفر فبنى له بيت في الدار وقال: يكون نصب عيني ثم أجرى في أساس ذلك البيت الماء فسقط عليه فمات.
وأراد أبو جعفر أن يزيد في المسجد الحرام وشكا الناس ضيقه وكتب إلى زياد بن عبيد الله الحارثي أن يشتري المنازل التي تلي المسجد حتى يزيد فيه ضعفه فامتنع الناس من البيع فذكر ذلك لجعفر بن محمد فقال: سلهم أهم نزلوا على البيت أم البيت نزل عليهم؟ فكتب بذلك إلى زياد فقال لهم زياد بن عبيد الله ذلك فقالوا: نزلنا عليه فقال جعفر بن محمد: فإن للبيت فناءه فكتب أبو جعفر إلى زياد بهدم المنازل التي تليه فهدمت المنازل وأدخلت عامة دار الندوة فيه حتى زاد فيه ضعفه وكانت الزيادة مما يلي دار الندوة وناحية باب بني جمح ولم يكن مما يلي الصفا والوادي فكان البيت في جانبه وكان ابتداء الأمر به في سنة 138 وفرغ سنة 140.
وبنى مسجد الخيف بمنى وصيره على ما هو عليه من السعة ولم يكن بها قبل ذلك وحج أبو جعفر سنة 140 لينظر ما زيد في المسجد الحرام وقد كان بلغه أن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن تحرك فلما قدم المدينة طلبه فلم يظفر به فأخذ عبد الله بن حسن بن حسن وجماعة من أهل بيته فأوثقهم في الحديد وحملهم على الإبل بغير وطاء وقال لعبد الله: دلني على ابنك وإلا والله قتلتك فقال عبد الله: والله لامتحنت بأشد مما امتحن الله به خليله إبراهيم وإن بليتي لأعظم من بليته لأن الله عز وجل أمره أن يذبح ابنه وكان ذلك لله عز وجل طاعة فقال: إن هذا لهو البلاء العظيم وأنت تريد مني أن أدلك على ابني لتقتله وقتله لله سخط.
وقال أبو جعفر: يا ابن اللخناء فقال: وإنك لتقول هذا؟ ليت شعري أي الفواطم لخنت يا ابن سلامة؟ أ فاطمة بنت الحسين أم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جدتي فاطمة بنت أسد بن هاشم جدة أبي أم فاطمة ابنة عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم جدة جدتي؟ قال: ولا واحدة من هؤلاء وحمله.
وانصرف أبو جعفر على طريق الشام فأتى بيت المقدس ثم صار إلى الجزيرة فنزل خارج الرقة وقد كان منصور بن جعونة الكلابي وثب بها فأسر فأحضره فضرب عنقه ثم صار إلى الحيرة فحبس عبد الله بن حسن بن حسن وأهل بيته فلم يزالوا في الحبس حتى ماتوا وقد قيل: إنهم وجدوا مسمرين في الحيطان.
وحدثني أبو عمرو عبد الرحمن بن السكن عن رجل من آل عبد الله: أن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن كتب إلى أبيه لما بلغه شدة ما يلقى من الحبس يستأذنه أن يظهر حتى يضع يده في أيديهم فأرسل إليه عبد الله: إن ظهورك يا بني يقتلك ولا يحييني فأقم بمكانك حتى يرتاح الله بفرج وأخذ أبو جعفر في بناء الرافقة وكان ابتداؤها في أيام أبي العباس وقال: أما أنا فلست أنزلها فقيل له: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: كان أبي صار إلى هشام وهو بالرصافة فجفاه وناله منه ما يكره ثم انصرف وأنا وأخي معه فلما صار إلى هذا الموضع قال لي ولأخي: أما إنه سيبني أحدكما في هذا الموضع مدينة فقلت له: ثم ما ذا؟ فقال: لا ينزلها لكن ينزلها ابنه وأنا أعلم أني لا أنزلها ولكن ينزلها ابني محمد يعني المهدي.

(1/260)


وولي أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي خراسان فاستخلف على الشرطة أخاه عمر بن عبد الرحمن وقتل المغيرة بن سليمان ومجاشع بن حريث وقصد لشيعة بني هاشم فقتل منهم مقتلة عظيمة وجعل يتبعهم ويمثل بهم فكتب إليه أبو جعفر يحلف له ليقتلنه فخلع سنة 141 فوجه إليه أبو جعفر بالمهدي فصار المهدي إلى الري واستعمل على خراسان أسيد بن عبد الله الخزاعي ووجه معه بالجيوش فلقي عبد الجبار بمرو فهزم عسكره وهرب عبد الجبار فاتبعه فأسره وبعث به إلى أبي جعفر فوافاه وهو بقصر ابن هبيرة من بغداد على مرحلة فقال له عبد الجبار لما وافاه: يا أمير المؤمنين قتله كريمة فقال: تركتها وراءك يا ابن اللخناء وقدمه فضرب عنقه وصلبه فأقام على الخشبة أياما ثم جاء أخوه عبيد الله بن عبد الرحمن ليلا فأنزله ودفنه فبلغ أبا جعفر ذلك فقال: دعوه إلى النار.
وولى أبو جعفر أرمينية يزيد بن أسيد السلمي وولى آذربيجان يزيد ابن حاتم المهلبي فنقل اليمانية من البصرة إليها وكان أول من نقلهم وأنزل الرواد بن المثنى الأزدي تبريز إلى البذ وأنزل مر بن على الطائي نريز... الهمداني الميانج وفرق قبائل اليمن فلم يكن باذربيجان من نزار أحد إلا الصفر بن الليث العتبي وابن عمه البعيث بن حلبس.
وتحركت الخزر بناحية أرمينية ووثبوا بيزيد بن أسيد السلمي فكتب إلى أبي جعفر يعلمه أن رأس طرخان ملك الخزر قد أقبل إليه في خلق عظيم وأن خليفته قد انهزم فوجه إليه أبو جعفر جبريل بن يحيى البجلي في عشرين ألفا من أهل الشام وأهل الجزيرة وأهل الموصل فواقع الخزر فقتل خلق من المسلمين وانهزم جبريل ويزيد بن أسيد حتى أتيا خرس فلما انتهى الخبر إلى أبي جعفر بما نال وظهور الخزر ودخولهم بلاد الإسلام أخرج سبعة آلاف من أهل السجون وبعث فجمع من كل بلد خلقا عظيما ووجه بهم وبفعله وبنائين فبنى مدينة كمخ ومدينة المحمدية ومدينة باب واق وعدة مدن جعلها ردا للمسلمين وأنزلها المقاتلة فردوا الحرب فحاربهم قومهم وقوي المسلمون بتلك المدن وأقام بالبلد ساكنا.
ثم تحركت الصنارية بأرمينية فوجه أبو جعفر الحسن بن قحطبة عاملا على أرمينية فحاربهم فلم يكن له بهم قوة فكتب إلى أبي جعفر بخبرهم وكثرتهم فوجه إليه عامر بن إسماعيل الحارثي في عشرين ألفا فلقي الصنارية فقاتلهم قتالا شديدا وأقام أياما يحاربهم ثم رزقهم الله الظفر عليهم فقتل منهم في يوم واحد ستة عشر ألف إنسان ثم انصرف إلى تفليس فقتل من كان معه من الأسرى ووجه في طلب الصنارية حيث كانوا ثم ولى أبو جعفر أرمينية واضحا مولاه فلم يزل عليها وعلى آذربيجان خلافة أبي جعفر كلها ووثب أهل طبرستان وأظهروا الخلع والمعصية وزحفوا في جيوش عظيمة فوجه إليهم المهدي خازم بن خزيمة التميمي وروح بن حاتم المهلبي فهزموا جيوشهم وفتحت طبرستان سنة 142.
وخرج أبو جعفر في هذه السنة إلى البصرة يريد الحج فلما صار بالجسر الكبير أتاه الخبر بأن أهل اليمن قد أظهروا المعصية وأن عبد الله بن الربيع عامل اليمن قد هرب ممن وثب عليه وضعف عنهم وأن عيينة بن موسى ابن كعب التميمي عامل السند قد عصى وأظهر الخلع فوجه بمعن بن زائدة الشيباني إلى اليمن وعمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة إلى السند وانصرف أبو جعفر من البصرة ولم يحج.
وقدم معن بن زائدة اليمن فقتل من بها قتلا فاحشا وأقام بها تسع سنين وكان موسى بن كعب التميمي لما انصرف عن بلاد السند خلف ابنه عيينة بن موسى فخالف عليه قوم ممن كان معه من ربيعة واليمن فقتل عامتهم وأظهروا المعصية فوجه أبو جعفر عمر بن حفص هزارمرد إلى السند فلم يسلم عيينة ومنعه من الدخول فأقام بالديبل وكان معه عقبة بن مسلم وحاربه عمر بن حفص وكان أصحاب عيينة يستأمنون إلى عمر فطلب عيينة الصلح فصالحه وأخرجه مع رسله وبعث به إلى المنصور.
وأقام عمر بن حفص بالمنصورة ومضى عيينة مع رسله حتى إذا كان في بعض الطريق هرب من الرسل ومضى يريد سجستان حتى دنا من الرخج فضربه قوم من اليمانية فقتلوه وذهبوا برأسه إلى المنصور.

(1/261)


وأقام عمر بن حفص بالسند سنتين ثم عزله أبو جعفر وولى هشام بن عمرو التغلبي فصار إلى المنصورة فأقام بها ووجه إلى ناحية الهند بجيش فغنموا وأصابوا رقيقا وقيل لهشام: إن المنصورة لا تحملك والملتان بلاد واسعة ومنها معرى فسار إليها فاستخلف على المنصورة أخاه بسطام بن عمرو فلما قرب من الملتان خرج صاحبها إليه في خلق ليرده والتقيا فكانت بينهما وقعة عظيمة ثم انهزم صاحب الملتان وظفر هشام ونزل المدينة وسبى سبيا كثيرا ثم عمل السفن وحملها على نهر السند حتى القندهار ففتحها وسبى وهدم البد وبنى موضعه مسجدا ثم قدم إلى المنصور بما لم يقدم به أحد من السند فلم يقم بالعراق إلا قليلا حتى مات فولى المنصور معبد بن الخليل التميمي فكان محمودا في البلد.
وصار أبو جعفر إلى بغداد سنة 144 فقال: ما رأيت موضعا أصلح لبناء مدينة من هذا الموضع بين دجلة والفرات وشريعة البصرة والأبلة وفارس وما والاها والموصل والجزيرة والشام ومصر والمغرب ومدرجة الجبل وخراسان فاختط مدينته المعروفة بمدينة أبي جعفر في الجانب الغربي من دجلة وجعل لها أربعة أبواب بابا سماه باب خراسان شرع على دجلة وبابا سماه باب البصرة شرع على الصراة التي تأخذ من الفرات وتصل إلى دجلة وبابا سماه باب الكوفة وبابا سماه باب الشام وعلى كل باب من هذه الأبواب مجالس وقباب مذهبة يصعد إليها على الخيل وجعل عرض السور من سفل سبعين ذراعا وضرب على سائر بغداد سورا وجد في البناء وأحضر المهندسين والبنائين والفعلة من كل بلد وأقطع مواليه وقواده القطائع داخل المدينة فدروب المدينة تنسب إليهم وأخذهم بالبناء وأقطع آخرين على أبواب المدينة وأقطع الجند أرباض المدينة وأقطع أهل بيته الأطراف وأقطع ابنه المهدي وجماعة من أهل بيته ومواليه وقواده.
وشخص المهدي من خراسان منصرفا إلى العراق في هذه السنة وهي سنة 144 فخرج أبو جعفر لاستقباله بنهاوند وقدم فصار إلى الكوفة فنزل الحيرة والمدينة التي بناها المنصور وسماها الهاشمية فأقام المهدي أياما ثم ابتنى بريطة بنت أبي العباس بالحيرة.
وبلغ المنصور أن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن قد تحرك بالمدينة فكاتبه أهل البلدان فخرج حاجا ولم يدخل المدينة في منصرفه وصار إلى الربذة فأتي بجماعة من العلويين ومعهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو أخو عبد الله بن حسن لأمه فسألهم عن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فقالوا: ما نعلم له موضعا ولا نعرف له خبرا فقال لمحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أقطعتك ووصلتك وفعلت وفعلت ولم أؤاخذك بذنوب أهل بيتك ثم تستميل على عدوي وتطوي أمره عني ثم أمر به فضرب ضربا شديدا وطيف به بالربذة على حمار وأشخص القوم جميعا على أقتاب بغير وطاء.
وانصرف أبو جعفر من حجه فصار إلى بغداد ونزل مدينته المعروفة بباب الذهب سنة 145 وكانت الأسواق داخل المدينة فأخرجها إلى الكرخ ولم يقر أبو جعفر إلا أياما حتى أتاه الخبر بخروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن وظهور أمره فرجع إلى الكوفة فأقام بقصر ابن هبيرة بين الكوفة وبغداد أياما وولي رياح بن عثمان بن حيان المري المدينة وقال: ما وجدت لهم غيرك ولا أعلم لهم سواك فلما قدم رياح المدينة قام على المنبر فخطب خطبة له مشهورة يقول فيها: يا أهل المدينة أنا الأفعى ابن الأفعى ابن عثمان بن حيان وابن عم مسلم بن عقبة المبيد خضراكم المفني رجالكم والله لأدعها بلقعا لا ينبح فيها كلب.
فوثب عليه قوم منهم وكلموه وقالوا: والله يا ابن المجلود حدين لتكفن أو لنكفنك عن أنفسنا فكتب إلى أبي جعفر يخبره بسوء طاعة أهل المدينة فأرسل أبو جعفر إلى رياح رسولا وكتب معه كتابا إلى أهل المدينة يأمره أن يقرأه عليهم وكان في الكتاب: أما بعد يا أهل المدينة فإن واليكم كتب إلي يذكر غشكم وخلافكم وسوء رأيكم واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنزعوا ليبدلنكم بعد امنكم خوفا وليقطعن البر والبحر عنكم وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام بنو قعر بيوتكم يفعلون ما يؤمرون والسلام.

(1/262)


فصعد رياح المنبر وقرأ الكتاب فلما بلغ: يذكر غشكم صاحوا من كل جانب: كذبت يا ابن المجلود حدين ورموه بالحصى وبادر المقصورة فأغلقها فدخل دار مروان ودخل عليه أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد المخزومي فقال: أصلح الله الأمير إنما يصنع هذا رعاع الناس فاقطع أيديهم وأجلد ظهورهم فقال له بعض من حضر من بني هاشم: لا نرى هذا ولكن أرسل إلى وجوه الناس وغيرهم من أهل المدينة فاقرأ عليهم كتاب المنصور فجمعهم وقرأ عليهم كتاب المنصور فوثب حفص بن عمر بن عبد الله بن عوف الزهري وأبو عبيدة بن عبد الرحمن بن الأزهر هذا من ناحية وهذا من ناحية فقالا لرياح: كذبت والله ما أمرتنا فعصيناك ولا دعوتنا فخالفناك ثم قالا للرسول: أتبلغ أمير المؤمنين عنا قال: ما جئت إلا لذلك قالا: فقل له: أما قولك إنك تبدل المدينة وأهلها بالأمن خوفا فإن الله عز وجل وعدنا غير هذا قال الله عز وجل: وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا فنحن نعبده لا نشرك به شيئا.
وظهر محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بالمدينة مستهل رجب سنة 145 فاجتمع معه خلق عظيم وأتته كتب أهل البلدان ووفودهم فأخذ رياح ابن عثمان المري عامل أبي جعفر فأوثقه بالحديد وحبسه وتوجه إبراهيم ابن عبد الله بن حسن بن حسن إلى البصرة وقد اجتمع جماعة فأقام مستترا وهو يكاتب الناس ويدعوهم إلى طاعته فلما بلغ أبا جعفر أراد الخروج إلى المدينة ثم خاف أن يدع العراق مع ما بلغه من أمر إبراهيم فوجه عيسى بن موسى الهاشمي ومعه حميد بن قحطبة الطائي في جيش عظيم فصار إلى المدينة وخرج محمد إليه في أصحابه فقاتلهم في شهر رمضان ومضى أصحابه إلى الحبس فقتل رياح بن عثمان.
وكانت أسماء ابنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بالمدينة وكانت معادية لمحمد بن عبد الله فوجهت بخمار أسود قد جعلته على قصبة مع مولى لها حتى نصبه على مئذنة المسجد ووجهت بمولى لها يقال له مجيب العامري إلى عسكر محمد فصاح: الهزيمة الهزيمة قد دخل المسودة المدينة فلما رأى الناس العلم الأسود وانهزموا وأقام محمد يقاتل حتى قتل.
فلما قتل محمد بن عبد الله بن حسن وجه عيسى بن موسى كثير بن الحصين العبدي إلى المدينة فدخلها فتتبع أصحاب محمد فقتلهم وانصرف إلى العراق وكان إبراهيم بن عبد الله قصد إلى الكوفة وهو لا يشك أن أهل الكوفة يثبون معه بأبي جعفر فلما صار بالكوفة لم يجد ناصرا وبلغ أبا جعفر خبره فوضع الأرصاد والحرس بكل موضع فرام الخروج فلم يقدر فعلم أنه قد أخطأ فأعمل الحيلة وكان مع إبراهيم رجل يقال له سفيان بن يزيد العمي فصار إلى أبي جعفر فقال له: يا أمير المؤمنين تؤمنني وأدلك على إبراهيم بعد أن أدفعه إليك فقال: أنت آمن وأين هو قال: بالبصرة فوجه معي برجل تثق به وحملني على دواب البريد واكتب إلى عامل البصرة حتى أدله عليه فيقبض عليه فوجه معه بأبي سويد صاحب طاقات أبي سويد ببغداد في باب الشام فخرج ومعه غلام عليه جبة صوف وعلى عنقه سفرة فيها طعام حتى ركب البريد معه أبو سويد وذلك الغلام فلما صار إلى البصرة قال سفيان لأبي سويد انتظرني حتى أعرف خبر الرجل ومضى فلم يعد وكان الغلام الذي عليه الجبة الصوف إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فلما أبطأ صار أبو سويد إلى سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب وكان عامل الناحية فقال له: أين الرجل قال: لا أدري فكتب إلى أبي جعفر فعلم أنه إبراهيم وأنها حيلة.
وخرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالبصرة وقد بايع أهلها وكان خروجه في أول شهر رمضان فقصد دار الإمارة والأمير سفيان بن معاوية المهلبي فتحصن منه في القصر ثم طلب الأمان فأمنه إبراهيم فخرج سفيان بن معاوية وأسلم البلد فقبض إبراهيم على بيت المال وغيره.
وكان في البلد جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي فخرجا إلى ميسان فأقاما هناك متحصنين في خندق ووجه إبراهيم بن عبد الله إلى الأهواز المغيرة بن الفزع السعدي فأخرج محمد بن الحصين عاملها وغلب على البلد ووجه يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب إلى فارس فدخلها وأخرج عنها إسماعيل بن علي ووجه هارون ابن سعد العجلي إلى واسط واستولى على ما حولها ووجه برد بن لبيد اليشكري إلى كسكر فغلب عليها.

(1/263)


وخرج إبراهيم من البصرة واستخلف نميلة بن مرة الأسعدي وكان قد أحصى ديوانه فكانوا ستين ألفا فخرج من البصرة في أول ذي القعدة فأخذ على كسكر يقصد المنصور وكان أبو جعفر قد كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بسرعة القدوم فلما وصله قال له: يا أبا موسى أنت أولى بالفتح من جعفر ومحمد ابني سليمان فأنفذ ليكمل الله الظفر على يديك فخرج في ثمانية عشر ألفا من الجند وشيعة أبي جعفر وكتب إلى جعفر ومحمد ابني سليمان ابن علي أن يصيرا معه.
وزحف إبراهيم حتى صار إلى قرية يقال لها باخمرا وصار عيسى بن موسى إلى قرية يقال لها سحا وقدم حميد بن قحطبة الطائي للقتال والتحمت الحرب وكانت أشد حرب والدائرة على عيسى بن موسى حتى شك الناس في علو إبراهيم وظفره ثم إن سلم بن قتيبة الباهلي خرج على أصحاب إبراهيم من ناحية بخيل فتوهموا كمينا فانهزموا وبقي إبراهيم في أربعمائة من الزيدية يحارب أشد محاربة وكان إبراهيم يدعو إلى أخيه محمد فلما قتل محمد دعا إلى نفسه.
وحدثني رجل من القحطانية قال: أخبرني... قال: رأيت إبراهيم في اليوم الذي واقعه عيسى على بغلة دهماء وسديف بن ميمون آخذ بثفر بغلته وهو يقول:
خذها أبا إسحاق مليتها ... في سيرة ترضى وعمر طويل
وظهر إبراهيم ظهورا شديدا حتى هزم العسكر مرة بعد أخرى وزحف حتى قرب من الكوفة وحتى دعا أبو جعفر بنجائبه ليصير إلى بغداد وكان العلو في إبراهيم حتى أنه لم يشك أنه يدخل الكوفة.
وكان أبو جعفر لا ينام في تلك الليالي وحمل إليه امرأتان فاطمة بنت محمد الطلحية وأم الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد فوجه بهما إلى بغداد ولم يكشف لهما كشفا.
ولما أن هزم أصحاب إبراهيم قام يحارب أشد حرب في أربعمائة من أصحابه إلى أن قتل وأخذ رأسه فوجه به إلى أبي جعفر وهو بالكوفة فوضع بين يديه وأذن للناس فجعلوا يدخلون فينالون من إبراهيم وأخيه وأهله حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك فسر بذلك أبو جعفر وقال: أبا خالد مرحبا وأهلا هاهنا فعلم الناس أنه قد سرته مقالته فقالوا مثل قوله.
وأتاه الحسن بن زيد فعرض عليه الرأس فلما رآه استنقع لونه وتغير وجهه فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد قتلته صواما قواما وما كنت أحب أن تبوء بإثمه فقال له رجل من أهله: كأنك تزري على أمير المؤمنين في قتله فقال: كأنك أردت مني أن أكذب عليه وقد صار إلى الله فقال أبو جعفر: والله ما كنت أنتظر إلا أن يدخل صاحبك من ذلك الباب فأدعو بك فأضرب عنقك واخرج من الباب الآخر فقال له: أو كنت أسبقك إلى ذلك.
وانصرف أبو جعفر بعد قتل إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بثلاثة أشهر فنزل مدينة بغداد نزول مستوطن في شهر ربيع الأول سنة 146 وكان ذلك من شهور العجم في تموز وأشخص المهدي إلى خراسان عاملا عليها ومعه وجوه الجند والصحابة فاجتمع قواد خراسان إلى أبي جعفر وذكروا له فعال المهدي في نبل أخلاقه ومدحوه وسألوه أن يصير إليه تولية العهد من بعده فكتب إلى عيسى بن موسى وهو بالكوفة يعلمه ما قد وقع بقلوب أهل خراسان وغيرهم من هذا الأمر وكان عيسى بن موسى يقول: إن له ولاية العهد بعد أبي جعفر فلما ورد عليه كتاب أبي جعفر بما اجتمع عليه القواد وأهل خراسان من تصيير ولاية العهد من بعده للمهدي وأشار عليه بأن يسبق إلى ذلك كتب إليه عيسى يعظم عليه هذا الأمر ويذكر له ما في نكث العهود ونقض الأيمان وأنه لا يأمن أن يفعل الناس هذا في بيعته وبيعة ابنه وجرت بينهما مراسلات. وقدم عيسى بغداد فوثب به الجند يوما بعد يوم وصاروا إلى بابه حتى خاف على نفسه فلما رأى ذلك رضي وسلم فبايع المنصور بولاية العهد لابنه المهدي سنة 147 ولم يبق أحد إلا دخل في البيعة وجعل لعيسى ولاية العهد بعد المهدي والمهدي يومئذ بخراسان وأتته كتب أبيه بالبيعة له فبايع من معه من القواد وأهل خراسان جميعا خلا باذغيس فإنه خالف بها استاذسيس فادعى النبوة وصحبه على ذلك خلق كثير فوجه إليه المهدي خازم بن خزيمة التميمي فحاربه ففض جموعه فأسره وحمله إلى أبي جعفر إلى بغداد فقتله وفي هذه السنة كان انقضاض الكواكب.
؟وفاة أبي عبد الله جعفر بن محمد وآدابه

(1/264)


وتوفي أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر بالمدينة سنة 148 وله ست وستون سنة وكان أفضل الناس وأعلمهم بدين الله وكان من أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا: أخبرنا العالم.
قال سفيان: سمعت جعفرا يقول: الوقوف عند كل شبهة خير من الاقتحام في الهلكة وترك حديث لم نروه أفضل من روايتك حديثا لم تحصه إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه.
وقال جعفر: ثلاثة يجب لهم الرحمة: غني افتقر وعزيز قوم ذل وعالم تلاعب به الجهال.
وقال: من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بغير مال وأعزه الله بغير عشيرة ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء ومن رضي من الله باليسير من الرزق رضي منه باليسير من العمل ومن لم يستح من طلب الحلال خفت مؤونته ونعم أهله ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه فأطلق لسانه من أمور الدنيا دائها ودوائها وأخرجه منها سالما.
وروي أنه قال لما نزلت على رسول الله: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم الآية قال: ومن لم يتعز بعزاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ومن اتبع طرفة ما في أيدي الناس طال همه ولم يشف غيظه ومن لم ير الله عليه نعمة إلا في كل مأكل ومشرب فقد قصر عمره ودنا عذابه وقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فعرفها بقلبه وشكرها بلسانه إلا ما أعطي خير مما أخذ.
وقال: إن مما ناجى الله عز وجل به موسى: يا موسى لا تنسني على حال ولا تفرح بكثرة المال فإن نسياني يميت القلب وعند كثرة المال تكثر الذنوب يا موسى كل زمان يأتي بالشدة بعد الشدة وبالرخاء بعد الرخاء والملك بعد الملك وملكي قائم لا يزول ولا يخفى على شيء في الأرض ولا في السماء وكيف يخفى على ما كان ابتداؤه مني وكيف لا تكون همتك فيما عندي وأنت ترجع لا محالة إلي.
وقال: خلتان من لزمهما دخل الجنة فقيل: وما هما قال: احتمال ما تكره إذا أحبه الله وترك ما تحب إذا كرهه الله فقيل له: من يطيق ذلك فقال: من هرب من النار إلى الجنة.
وقال: فعل المعروف يمنع ميتة السوء والصدقة تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر وقول لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة.
وقال: ما توسل إلي أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أحب إلي ولا أقرب مني من يد أسلفته إياها أتبع بها أختها لأحسن ريها وحفظها إذا كان منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل وما سمحت نفسي برد بكر من الحوائج وقال: أوحى الله إلى موسى بن عمران: أدخل يدك في فم التنين إلى المرفق فهو خير لك من مسألة من لم يكن للمسألة بمكان.
وقال: لا تخالطن من الناس خمسة: الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك والكذاب فإن كلامه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد منك القريب والفاسق فإنه يبيعك بأكلة أو شربه والبخيل فإنه يخذلك أحوج ما تكون إليه والجبان فإنه يسلمك ويتسلم الدية. وقال: المؤمنون يألفون ويؤلفون ويغشى رحلهم.
وقال: من غضب عليك ثلاث مرات فلم يقل فيك سوءا فاتخذه لك خلا ومن أراد أن تصفو له مودة أخيه فلا يمارينه ولا يمازجنه ولا يعده ميعادا فيخلفه.
وكان لجعفر بن محمد من الولد إسماعيل وعبد الله ومحمد وموسى وعلي والعباس.
قال إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس: دخلت على أبي جعفر المنصور يوما وقد اخضلت لحيته بالدموع فقال لي: ما علمت ما نزل بأهلك فقلت: وما ذلك يا أمير المؤمنين قال: فإن سيدهم وعالمهم وبقية الأخيار منهم توفي فقلت: ومن هو يا أمير المؤمنين قال: جعفر بن محمد فقلت: أعظم الله أجر أمير المؤمنين وأطال لنا بقاءه فقال لي: إن جعفرا كان ممن قال الله فيه: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا وكان ممن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات.

(1/265)


وكان إسماعيل بن علي من خيار بني هاشم وأفاضلهم ولاه أبو جعفر المنصور فارس وقد خرج مهلهل الحروري بها فلقيه في جمع فقتله وهزم عسكره وأسر من أصحابه أربعمائة وكان عبد الصمد أخوه معه فقال: أصلح الله الأمير اضرب أعناقهم فقال له إسماعيل بن علي: إن أول من علم قتال أهل القبلة علي بن أبي طالب ولم يكن يقتل أسيرا ولا يتبع منهزما ولا يجهز على جريح.
وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس يتولى لأبي جعفر قنسرين والعواصم فبلغه كثرة عدده ومواليه فخافه فكتب إليه في القدوم عليه فكتب: أنه شديد العلة فلم يقبل ذلك وكان قد سل فصار إلى بغداد فلما رآه أبو جعفر صرفه ولم يأمر له بصلة ولا بر فقال: إن أمير المؤمنين يئس مني ففعل هذا بي والله يحيى العظام وهي رميم فلما صار إلى عانات من كور الفرات مات وكان نظير أبي جعفر في السن.
وولي أبو جعفر أهل بيته البلدان فولى إسماعيل بن علي فارس وسليمان ابن علي البصرة وعيسى بن موسى الكوفة وصالح بن علي قنسرين والعواصم والعباس بن محمد الجزيرة وعبد الله بن صالح حمص والفضل بن صالح دمشق ومحمد بن إبراهيم الأردن وعبد الوهاب بن إبراهيم فلسطين والسري بن عبد الله بن تمام بن العباس بن عبد المطلب مكة وجعفر بن سليمان المدينة ويحيى بن محمد الموصل ثم صرفه وولي ابنه جعفرا وصير معه هشام بن عمرو.
وكان عماله من العرب يزيد بن حاتم المهلبي ومحمد بن الأشعث الخزاعي وزياد بن عبيد الله الحارثي ومعن بن زائدة الشيباني وخازم بن خزيمة التميمي وعقبة بن سلم الهنائي ويزيد بن أسيد السلمي وروح بن حاتم المهلبي والمسيب بن زهير الضبي وعمر بن حفص المهلبي والحسن بن قحطبة الطائي وسلم بن قتيبة الباهلي وجعفر بن حنظلة البهراني والربيع بن زياد الحارثي وهشام بن عمرو التغلبي فكان ينقل هؤلاء في أعماله لثقته بهم واعتماده عليهم وكان عماله من مواليه: عمارة بن حمزة ومرزوقا أبا الخصيب وواضحا ومنارة والعلاء ورزينا وغزوان وعطية وصاعدا ومريدا وأسدا والربيع.
وكتب المنصور إلى معن بن زائدة الشيباني وهو على اليمن سنة 151 أن يقدم فاستخلف ابنه زائدة على اليمن وقدم على أبي جعفر وكان معن قد أسن فقال له أبو جعفر: كبرت سنك يا معن قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين قال وإنك لتتجلد قال على أعدائك قال وإن فيك لبقية قال هي لك فأنفذه إلى خراسان والمهدي بها فانصرف المهدي وأقام معن لقتال من هناك من الخوارج حتى قتل منهم خلقا عظيما وأفناهم فلما رأوا انهم لا قوة لهم بمحاربته استعملوا الحيلة وكان يبني دارا له ببست فدخل بعضهم في هيئة البنائين ثم صيروا السيوف في طنان القصب فأقاموا أياما فلما توسطوا الدار أخرجوا السيوف ثم حملوا عليه وهو في رداء فقتلوه فتجرد يزيد بن مزيد ابن أخيه فقتل من الخوارج خلقا عظيما حتى جرت دماؤهم كالنهر ثم شخص إلى بغداد واتبعه الشراة وكان يركب في موكب ضخم من موالي عمه وعشيرته فلم يظفروا له بغرة حتى صار على الجسر ببغداد فشدوا عليه فترجل فقتل منهم خلقا عظيما وضربوه ضربات بالسيوف وكانت وقعة جليلة وقتل من الخوارج قتالا عظيما وأمن الناس فلا يعلم أن الخوارج دخلت قط بغداد ظاهرا فقتلت أحدا إلا ذلك اليوم وأقام زائدة بن معن بن زائدة خليفة أبيه باليمن حتى قتل أبوه واستعمل المنصور مكانه الحجاج بن منصور ثم صرفه فاستعمل مكانه يزيد بن منصور.
وخالف أهل اليمامة والبحرين سنة 152 وقتلوا أبا الساج عامل أبي جعفر عليهم فوجه عليهم عقبة بن سلم الهنائي فقتل من بها من ربيعة مجازاة لما فعل معن باليمن وقال لو كان معن على فرس جواد وأنا على حمار أعرج لسبقته إلى النار وسبى العرب والموالي.

(1/266)


وقدم على عقبة رسول ببشارة من عند المنصور فقال له عقبة ما عندي مال فأعطيك إلا أنني أعطيك ما قيمته خمسمائة ألف درهم قال وما ذاك قال أدفع إليك خمسين رجلا من ربيعة فتنطلق بهم فإذا صرفت إلى البصرة أظهرت أنك تريد ضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب أعداء أمير المؤمنين فإنك لا تشير إلى أحد إلا افتدى منك بعشرة آلاف درهم قال قد رضيت فدفعهم إليه فقدم بهم البصرة ووقف بهم في المربد وأظهر أنه يريد ضرب أعناقهم وصلبهم فاجتمع الناس حتى كادت تكون فتنة وسوار ابن عبد الله قاضي البصرة يومئذ فأرسل إلى الرسول فأحضره ثم وجه فحبس القوم وقال تمسك عنهم حتى آمرك وكتب إلى المنصور بخبرهم وعظم عليه الخطب منهم وكتب إليه أنه قد عفا عنهم وجزاه الخير.
وقتل إلياس بن حبيب الفهري عامل إفريقية فولى أبو جعفر حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب ابن أخي إلياس فأقام بها مدة ووثب رجل يقال له عاصم بن جميل الإباضي فقتله وكثرت الإباضية بإفريقية وولت عليهم أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري فاستفحل أمره وغلب على البلد فولى أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعي فقدم طرابلس وزحف إليه أبو الخطاب من القيروان فحاربه فقتله محمد بن الأشعث ووجه برأسه إلى أبي جعفر.
وصار محمد بن الأشعث إلى القيروان فلم يقم إلا يسيرا حتى خرج عليه هاشم بن أشتاخنج الخراساني وضافره من بالبلد من الجند وأهل خراسان فأخرجوه عن البلد وولوا عليهم رجلا يقال له عيسى بن موسى الخراساني وانصرف ابن الأشعث إلى العراق.
وكتب أبو جعفر إلى الأغلب بن سالم التميمي بولاية البلد فوثب أهل إفريقية فنحوا الأغلب بن سالم وولوا الحسن بن حرب فلما بلغ أبا جعفر الخبر كره اضطراب البلد وكتب إلى الحسن بن حرب بولاية البلد فلما سكن البلد ولي عمر بن حفص المهلبي هزارمرد فقدم البلد فلم يقم إلا يسيرا حتى وثب به يعقوب بن تميم الكندي المعروف بأبي حاتم ومعه أهل البلد فحاصره بالقيروان فلم يزل محاصرا حتى قتل سنة 153 وغلب على البلد أبو حاتم يعقوب بن تميم الإباضي.
وولى أبو جعفر يزيد بن حاتم المهلبي المغرب سنة 154 وخرج يشيعه حتى أتى بيت المقدس فأمره بالنفوذ وانصرف أبو جعفر فاستنفر الشامات والجزيرة وقدم يزيد بن حاتم مصر فأقام بها يسيرا ثم شخص إلى إفريقية فصار إلى طرابلس في خلق عظيم وزحف إليه أبو حاتم الإباضي فالتقيا بطرابلس فقاتله وقامت الحرب بينهما أياما فقتل أبو حاتم وخلق عظيم من أصحابه وقدم يزيد بن حاتم القيروان سنة 155ونادى في الناس جميعا بالأمان ولم يزل مقيما على البلد خلافة أبي جعفر وخلافة المهدي وخلافة موسى وبعض خلافة الرشيد.
وتحرك أهل الطالقان فوجه إليهم عمر بن العلاء ففتح الطالقان ودنباوند وديلمان وسبى من الديلم سبايا كثيرة ثم صار إلى طبرستان فلم يزل مقيما بها خلافة المنصور.
ووجه المنصور الليث مولى أمير المؤمنين إلى فرغانة وملكها يومئذ فتران بن افراكفون ومنزله مدينة يقال لها كاشغر فحاربهم محاربة شديدة حتى طلب ملك فرغانة الصلح فصالحهم على مال كثير وأوفد ملك فرغانة رجلا من أصحابه يقال له باتيجور فعرض عليه الإسلام فأبى فلم يزل محبوسا إلى أيام المهدي وقال لا أخون الملك الذي وجهني.
وبنى أبو جعفر مدينة المصيصة وكانت حصنا صغيرا قيل إن عبد الله ابن عبد الملك بن مروان كان بناه وكانت الروم تطرقهم في كل وقت فتستبيح ذلك الموضع فبنى عليها السور وجعل عليها الخندق وأسكنها المقاتلة وحمل إليها أهل المحابس وكان الذي تولى بناءها العباس بن محمد وصالح بن علي وأخذ أبو جعفر أموال الناس حتى ما ترك عند أحد فضلا وكان مبلغ ما أخذ لهم ثمانمائة ألف ألف درهم وكان يقول لأهل بيته إني لأجهل موضعي حتى أحذر منكم لأنه ما فيكم إلا عم وأخ وابن عم وابن أخ فأنا أراعيكم ببصري واهتم بكم بنفسي فالله الله في أنفسكم فصونوا وفي أموالكم فاحتفظوا بها وإياكم والإسراف فيوشك أن تصيروا من ولد ولدي إلى من لا يعرف الرجل حتى يقول له من أنت؟ وكان يقول الملوك ثلاثة فمعاوية وكفاه زيادة وعبد الملك وكفاه حجاجه وأنا ولا كافي لي.
وكان يقول من قل ماله قل رجاله ومن قل رجاله قوي عليه عدوه ومن قوي عليه عدوه اتضع ملكه ومن اتضع ملكه استبيح حماه.

(1/267)


وقال يوما لأصحابه إن هذا الملك أفضى إلي وأنا حنيك السن قد حلبت هذا الدهر أشطره وزاحمت المشاة في الأسواق وشاهدتهم في المواسم وغازيتهم في المغازي فو الله ما أحب أن أزداد بهم خبرا على أني أحب أن أعلم ما أحدثوا بعدي منذ تواريت عنهم بهذه الجدارات وتشاغلت عنهم بأمورهم مع إني والله ما لمت نفسي أن أكون قد أذكيت العيون عليهم حتى أتتني أخبارهم وهم في منازلهم.
وحدثني بعض أشياخنا قال إن أبا جعفر يوما ليخطب ويذكر الله إذ قام إليه رجل فقال أذكرك من تذكر يا أمير المؤمنين به فقال سمعا سمعا لمن قبل عن الله وذكر به وأعوذ بالله أن تأخذني العزة بالإثم لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين وأنت أيها القائل ما الله أردت بها وإنما أردت أن يقال قام وقال وعوقب فصبر وأهون بقائلها لو هممت فاهتبلها ويلك إذ غفرت وإياك وإياكم أيها الناس وأختها فإن الحكمة علينا نزلت ومن عندنا فصلت وردوا الأمر إلى أهله تصدروه كما أوردوه ثم عاد إلى الموضع من الخطبة.
وحج أبو جعفر في خلافته خمس حجج سنة 140 و141 و147 و152 و158 فلم يتم الحج وهلك في أول العشر فأقام الحج إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي.
وقال أبو جعفر لما حضرته الوفاة لمواليه إني كنت رأيت في المنام قبل أن يفضي هذا الأمر إلينا كانا في المسجد الحرام إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت ومعه لواء فقال أين عبد الله فقمت أنا وأخي وعمي فسبقنا أخي يعني أبا العباس فأخذ اللواء فخطا به خطوات أحصيها وأعدها ثم سقط وسقط اللواء من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى موضعه فقال أين عبد الله فقمت أنا وعمي فزحمت عمي فألقيته وتقدمت فأخذت اللواء فخطوت به خطوات أحصيها وأعدها ثم سقطت وسقط اللواء من يدي وقد انقضت تلك الخطأ وأنا ميت في يومي.
ومات لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 158 وهو ابن 68 سنة ودفن ببئر ميمون وصلى عليه ابنه صالح فكانت ولايته 22 سنة وخلف من الولد الذكور ستة محمدا المهدي وأمه أم موسى بنت منصور الحميريه وصالحا ويعقوب وأمهما الطلحية... وكان ابنه جعفر الأكبر قد توفي في حياته وأمه أم موسى بنت منصور الحميريه.
وكان الغالب عليه أبو أيوب الخوزي وكان أبو أيوب كاتبا لسليمان ابن حبيب المهلبي الذي كان أبو جعفر عامله في أيام بني أمية فعتب على أبي جعفر فأمر بضربه وحبسه فتخلصه أبو أيوب فحفظ ذلك له فاستوزره ثم سخط عليه وقتله واستصفى ماله وقتله سنة 154 ولم يعرف أن أحدا غلب عليه بعد وكان له سمار منهم هشام بن عمرو التغلبي وعبد الله بن الربيع الحارثي وإسحاق بن مسلم العقيلي والحارث بن عبد الرحمن الحرشي وكان أول من ولي القضاة الأمصار من قبله وكان يوليهم أصحاب المعاون وكان قضاته عثمان بن عمر التميمي ويحيى بن سعيد الأنصاري ثم عبد الله بن صفوان الجمحي وعلى الكوفة شريك بن عبد الله النخعي وعلى البصرة عمر بن عامر السلمي ثم سوار بن عبد الله العنبري وعلى مصر عبد الله بن لهيعة الحضرمي وعلى شرطة عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي إلى أن عزله وولاه خراسان واستعمل أخاه عمر بن عبد الرحمن ثم عزله لما عصى أخوه وفتك به واستعمل موسى بن كعب التميمي ثم المسيب ابن زهير الضبي وكان في أول أمره خليفة موسى بن كعب ثم مات موسى وكان كعب بن مالك على حرسه ثم عثمان بن نهيك ثم استعمل مكانه أبا العباس الطوسي وكان حاجبه عيسى بن روضة مولاه ثم حجبه الربيع مولاه وغلب على أكثر أموره.
وأقام الحج للناس في أيامه في سنة 136 إسماعيل بن علي وقيل أبو جعفر وكان معه أبو مسلم سنة 137 إسماعيل بن علي سنة 138 فضل بن صالح ابن علي سنة 139 وهو عام الخصب العباس بن محمد بن علي سنة 140 أبو جعفر المنصور سنة 141 صالح بن علي وهو على دمشق وحمص وقنسرين سنة 142 إسماعيل بن علي سنة 143 عيسى بن موسى بن محمد ابن علي سنة 144 أبو جعفر المنصور سنة 145 السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب سنة 146 عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي سنة 147 أبو جعفر المنصور سنة 148 جعفر ابنه سنة 149 محمد بن إبراهيم بن علي سنة 150 عبد الصمد بن علي سنة 151 محمد بن إبراهيم سنة 152 أبو جعفر المنصور سنة 153 المهدي وهو ولي عهد أبيه سنة 154

(1/268)


محمد بن إبراهيم سنة 155 عبد الصمد بن علي سنة 156 العباس بن محمد سنة 157 إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي سنة 158 خرج أبو جعفر يريد الحج فمات وأقام الحج إبراهيم. وغزا بالناس في أيامه سنة 138 صالح بن علي على جند الشام والعباس بن محمد بن علي على خراسان ولم يغز بلاد الروم منذ غزا الغمر بن يزيد في سنة 152 إلى هذه الغاية وأقام صالح بن علي واليا على الشام والثغور وهو يغزي بلاد الروم أمراء من قبله عليهم ابنه الفضل بن صالح وغيره سنة 142 العباس بن محمد سنة 143 العباس أيضا سنة 145 حميد بن قحطبة سنة 146 محمد بن إبراهيم سنة 147 السري بن عبد الله بن الحارث سنة 148 الفضل بن صالح سنة 149 يزيد بن أسيد سنة 155 يزيد بن أسيد سنة 157 زفر بن عاصم الهلالي.
وكان الفقهاء في زمانه يحيى بن سعيد الأنصاري محمد بن عبد الرحمن بن أبي طوالة هشام بن عروة بن الزبير محمد بن عمر بن علقمة موسى ابن عبيدة بن أبي صعصعة ربيعة الرأي وهو ابن أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عثمان بن الأسود حنظلة بن أبي سفيان عبد الملك بن جريج عبد العزيز بن أبي الرواد إبراهيم بن يزيد محمد يزيد الأتدي أبا سار البشاري واسمه هرار بن مرة سليمان بن مهران الكاهلي الحسن بن عبد الله النخعي أبا حيان يحيى بن سعيد التيمي مجالد بن سعيد محمد بن السائب الكلبي الأجلح بن عبد الله الكندي البرا بن أبي زائدة الهمداني يونس بن أبي إسحاق السبيعي الحسن بن عمر الفقيمي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى الحجاج بن أرطأة أبا حنيفة النعمان بن ثابت محمد بن عبد الله العرزمي الحسن بن عمارة مسعر بن كدام أبا حمزة الثمالي سفيان بن سعيد الثوري عبد الجبار بن عباس الهمداني يحيى بن سلمة بن كهيل عبد الله بن عون المزني خالد بن مهران أبا المعتمر سليمان التيمي عمرو بن عبيد سوار بن عبد الله أبا الأشهب العطاردي حميد الطويل شعبة بن الحجاج العبدي حماد بن سلمة حماد بن زيد عبد الله بن محرر عمرو بن قيس الكندي الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو غالب بن عبد الله العقيلي.
؟؟أيام المهدي
وهو محمد بن عبد الله المنصور وأمه أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن ذي سهم بن يزيد الحميري وبويع في اليوم الذي توفي فيه المنصور وأخذ الربيع له البيعة بمكة على من حضر من الهاشميين والقواد وكان صالح بن المنصور حاضرا وموسى بن المهدي فأنفذ إليه الخبر مع منارة مولى أبي جعفر ووصيته فسار منارة اثني عشر يوما إلى بغداد والمهدي بها فأحضر القواد والهاشميين والصحابة فبايعوا.
وكانت الشمس يومئذ في الميزان أربعا وعشرين درجة وخمسين دقيقة والقمر في الجوزاء عشرين درجة وخمسين دقيقة وزحل في الميزان ثماني عشرة درجة وخمسين دقيقة والمشتري في الجدي سبع عشرة درجة وأربعين دقيقة والمريخ في الجوزاء خمس درجات وأربعين دقيقة راجعا والزهرة في الميزان خمسا وعشرين درجة وأربعين دقيقة وعطارد في العقرب ثماني عشرة درجة وعشر دقائق والرأس في الثور تسع درجات وعشر دقائق.
وقرأ المهدي وصية أبي جعفر وكانت نسختها بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد الله أمير المؤمنين إلى المهدي محمد ابن أمير المؤمنين ولي عهد المسلمين حين أسند وصيته إليه بعده واستخلفه على الرعية من المسلمين وأهل الذمة وحرم الله وخزائنه وأرضه التي يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين إن أمير المؤمنين يوصيك بتقوى الله في البلاد والعمل بطاعته في

(1/269)


العباد ويحذرك الحسرة والندامة والفضيحة في القيامة قبل حلول الموت وعاقبة الفوت حين تقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب هيهات أين منك المهل وقد انقضى عنك الأجل وتقول رب ارجعني لعلي أعمل صالحا فحينئذ ينقطع عنك أهلك ويحل بك عملك فترى ما قدمته يداك وسعت فيه قدماك ونطق به لسانك واستركبت عليه جوارحك ولحظت له عينك وانطوى عليه غيبك فتجزي عليه الجزاء الأوفى إن شرا فشرا وإن خيرا فخيرا فلتكن تقوى الله من شأنك وطاعته من بالك استعن بالله على دينك وتقرب به إلى ربك ونفسك فخذ منها ولا تجعلها للهوى ولن تعمل الشر قامعا فليس أحد أكثر وزرا ولا أعز إثما ولا أعظم مصيبة ولا أجل رزيئة منك لتكاثف ذنوبك وتضاعف أعمالك إذ قلدك الله الرعية تحكم فيهم بمثل الذرة فيقتضون منك أجمعون وتكافي على أفعال ولاتك الظالمين فإن الله يقول إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون فكأني بك وقد أوقفت بين يدي الجبار وخذلك الأنصار وأسلمك الأعوان وطوقت الخطايا وقرنت بك الذنوب وحل بك الوجل وقعد بك الفشل وكلت حجتك وقلت حيلتك وأخذت منك الحقوق وأقتاد منك المخلوق في يوم شديد هوله عظيم كربه تشخص فيه الأبصار لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فما عسيت أن يكون حالك يومئذ إذا خاصمك الخلق واستقضى عليك الحق إذ لا خاصة تنجيك ولا قرابة تحميك تطلب فيه التباعة ولا تقبل فيه الشفاعة ويعمل فيه بالعدل ويقضي فيه بالفضل قال الله لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب فعليك بالتشمير لدينك والاجتهاد لنفسك فافكك عنقك وبادر يومك واحذر غدك واتق دنياك فإنها دنيا غادرة موبقة ولتصدق لله نيتك وتعظم إليه فاقتك وليتسع إنصافك وينبسط عدلك ويؤمن ظلمك وواس بين الرعية في الاحتكام واطلب بجهدك رضي الرحمن وأهل الدين فليكونوا أعضادك وأعط حظ المسلمين من أموالهم ووفر لهم فيأهم وتابع أعطياتهم عليهم وعجل بنفقاتهم إليهم سنة سنة وشهرا شهرا وعليك بعمارة البلاد بتخفيف الخراج واستصلح الناس بالسيرة الحسنة والسياسة الجميلة وليكن أهم أمورك إليك تحفظ أطرافك وسد ثغورك وإكماش بعوثك وارغب إلى الله عز وجل في الجهاد والمحاماة عن دينه وإهلاك عدوه بما يفتح الله على المسلمين ويمكن لهم في الدين وابذل في ذلك مهجتك ونجدتك ومالك وتفقد جيوشك ليلك ونهارك واعرف مراكز خيلك ومواطن رحلك وبالله فليكن عصمتك وحولك وقوتك وعليه فليكن ثقتك واقتدارك وتوكلك فإنه يكفيك ويغنيك وينصرك وكفى به مؤيدا ونصيرا وأمره بعد ذلك بأمور يطول الكتاب بها فاقتصرنا على صدر الوصية.
وأظهر جزعا شديدا على المنصور ووردت الوفود عليه يعزونه فجعل كل قوم يقولون بما أمكنهم حتى دخل شبيب بن شيبة فعزاه ثم قال يا أمير المؤمنين إن الله لم يرض لك إذ قسم لك الدنيا إلا بأسناها وأرفعها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي الله لك من الدنيا وعليك بتقوى الله فإنها عليكم نزلت ومنكم أخذت وإليكم ردت.
وقدم الربيع مستهل المحرم ومعه مفاتيح الخزائن فجلس المهدي للناس في النصف من المحرم وأمر الربيع فأحضر دفتر القبوض ووجه إلى كل من كان أبو جعفر قبض شيئا من ماله فأحضره وأقبل عليهم فقال إن أمير المؤمنين المنصور كان بما حمله الله من أموركم وقلده من رعايتكم يدبر عليكم كما يدبر الوالد البر على ولده وكان أنظر لكم منكم لأنفسكم وكان يحفظ عليكم ما لا تحفظون على أنفسكم فحرس لكم من أموالكم ما لم يأمن ذهابه وهذه أموالكم مبارك لكم فيها فخللوا أمير المؤمنين من إبطائها عنكم ثم أمر بإخراج من في المحابس من الطالبيين وغيرهم من سائر الناس فأطلقهم وأمر لهم بجوائز وصلات وأرزاق داره ثم أطلق سائر الناس ولم يطلق أحدا إلا وكساه ووصله على قدره حتى بلغ إلى عبد الله بن مروان وكان في الحبس من أيام أبي العباس فأمر بتخلية سبيله وأعطاه عشرة آلاف درهم فقال له عيسى بن علي إن في أعناقنا بيعة له وقد كان هذا الرجل ولي عهد أبيه وأنت أعلم وقد كان وهب لكاتبي جوهرا قيمته ثلاثون ألفا.

(1/270)


وكان سبب الجوهر الذي ذكره عيسى أن امرأة عبد الله بن مروان وهي أم يزيد قدمت الكوفة رجاء أن تجد من تكلمه في زوجها وقيل لها لو كلمت عيسى بن علي فجاءت إلى كاتبه عباس بن يعقوب فكلمته ووهبت له جوهرا كان بقي عندها وسألته أن يكلم عيسى فيتكلم فيه فأخذ الجوهر ولم يكلمه فقال عبد الله بن الربيع الحارثي لما فعل المهدي ما فعل من رد الأموال وإطلاق المحبسين وأمن الخائفين وصلات المعدمين سمعت المنصور يقول للمهدي لما ودعه عند خروجه إلى مكة إني تركت الناس ثلاثة أصناف فقيرا لا يرجو إلا غناك وخائفا لا يرجو إلا أمنك ومسجونا لا يرجو الفرج إلا منك فإذا وليت فأذقهم طعم الرفاهية لا تمدد لهم كل المد.
ودخل الحارث بن عبد الرحمن إلى المهدي فذكر ما حضر من أمر المنصور ومكر الربيع وقال لقد رأيت من تدبيره ما لا يهتدي إليه أحد قال وما ذاك قال لما توفي المنصور صير الربيع صالحا أخاك في صدر المجلس وقدمه على جميع من حضر فلما دفن قدم ابنك موسى وقال لأخيك كنت أولى بالتقدم لغيبة أخيك المهدي فلما صار أبوك تحت الأرض وولي الأمر أبو هذا كان أولى بالتقدم منك فقال المهدي إن ساس الملك أحد فليسسه مثل الربيع.
وخلع المهدي عيسى بن موسى من ولاية العهد واشترى ذلك بعشرة آلاف ألف درهم وبايع لابنه موسى بولاية العهد من بعده سنة 159 ثم بايع لابنه هارون بولاية العهد بعد موسى.
وحج المهدي سنة 160 فجرد الكعبة وكساها القباطي والخز والديباج وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أعلاها إلى أسفلها وكانت الكعبة في جانب المسجد لم تكن متوسطة فهدم حيطان المسجد الحرام وزاد فيه زيادات واشترى من الناس دورهم ومنازلهم وأحضر الصناع والمهندسين من كل بلد وكتب إلى واضح مولاه وعامله على مصر في حمل الأموال إلى مكة واتخاذ الآلات وما يحتاج إليه من الذهب والفسيفساء وسلاسل القناديل والخروج بها حتى يسلمها إلى يقطين بن موسى ومحمد بن عبد الرحمن وصير الكعبة في الموسط وزاد مما يلي الكعبة إلى باب الصفا تسعين ذراعا ومن الكعبة إلى باب بني شيبة ستين ذراعا وصير ذرعه مكسرا مائة ألف ذراع وعشرين ألف ذراع وطول المسجد من باب بني جمح إلى باب بني هاشم إلى العلم الأخضر أربعمائة ذراع وأربع أذرع وفيه من الأساطين مما حمل في البحر من مصر أربعمائة وأربع وثمانون أسطوانة طول كل أسطوانة عشر أذرع وصير فيه أربع مائة طاق وثمانية وتسعين طاقا وجعل في المسجد الأبواب ثلاثة وعشرين بابا فكان المهدي آخر من زاد في المسجد الحرام وبنى العلمين اللذين يسعى بينهما وبين الصفا والمروة وبينهما من الذرع مائة واثنتا عشرة ذراعا فصار بين الصفا والمروة لما أخرج المسجد إلى الموضع الذي هو فيه الساعة سبعمائة وأربع وخمسون ذراعا ووسع المسجد الذي لرسول الله وزاد فيه مثل ما كان عليه وحمل إليه عمد الرخام والفسيفساء والذهب ورفع سقفه وألبس خارج القبر الرخام.
وبنى الثغر المعروف بالحدث سنة 163 وكان فيه دفع للعدو وتسديد وذلك أن الروم أغاروا على مرعش فسبوا وقتلوا خلقا فلما بنى المهدي الحدث عظم ارتفاق أهل الثغور به وأغزى هارون ابنه في هذه السنة ومعه جماعة من القواد والجند وخرج يشيعه إلى جيحان ففتح هارون في تلك الغزاة سمالو وعدة حصون ثم أغزاه سنة 164 فبلغ إلى القسطنطينية فطلب منه الروم الصلح فصالحهم وانصرف.
وعزل عقبة بن سلم الهنائي عن اليمامة والبحرين لما بلغه من قتله ما قتل من ربيعة وقال لا يراني الله أبوء بإثمه ولا أرضي فعله فلما قدم عقبة بن سلم لقيه الحسن بن قحطبة وقال له يا عقبة أدخلت نفسك النار فقال ما أنصفتنى يا أبا الحسن أدخلت نفسي النار لأنفي عنك العار.
وقدم غلام من أهل اليمامة من ربيعة كان عقبة بن سلم قتل أباه وعمه وخالين له وخمسة إخوة فوقف له على باب المهدي فلما جاز عقبة في موكبه ضربه بسكين مسمومة فقتله وأخذ الغلام إلى المهدي فسأله عن قصته فقصها عليه فأراد تخليته فتكلم القواد وقالوا والله ما فيه درك من عقبة ولكنه إن ترك وثب كل يوم كلب من الكلاب على قائد فقتله فأمر المهدي بضرب عنقه. واضطربت خراسان وتحركت السغد وفرغانة وخرج يوسف البرم وهو رجل من موالي ثقيف ببخارى يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاتبعه على ذلك خلق من الناس

(1/271)


فحارب السلطان وخرج أحمد بن أسد إلى فرغانة ففتح حتى وصل إلى كاسان وهي المدينة التي ينزلها الملك وكان يزيد بن مزيد الشيباني يحارب يحيى الشاري فكتب إليه المهدي أن ينكفئ فيمن معه إلى يوسف البرم فلقيه فكانت بينهما وقعات عدة ثم هزمه يزيد فرفع علما أحمر وأمن من يصير تحته فصار أصحاب يوسف كلهم تحته وأسر يوسف فحمله إلى المهدي فلما دخل إليه كلمه بكلام غليظ فشتمه المهدي فقال لبئس ما أدبك أهلك فضرب عنقه وصلبه.
وكتب إلى عمر بن العلاء وكان بطبرستان أن يصير إلى جرجان فيخرج من بها من المحمرة بعد أن يدعوهم إلى الطاعة فصار إلى جرجان ففرق جمع المحمرة وقتل عبد القاهر وفض الجمع.
ووجه المهدي رسلا إلى الملوك يدعوهم إلى الطاعة فدخل أكثرهم في طاعته فكان منهم ملك كابل شاه يقال له حنحل وملك طبرستان الإصبهبذ وملك السغد الإخشيد وملك طخارستان شروين وملك باميان الشير وملك فرغانة فرنران وملك أسروشنه أفشين وملك الخرلخية جيغويه وملك سجستان رتبيل وملك الترك طرخان وملك التبت حهورن وملك السند الرأي وملك الصين بغبور وملك الهند وأبراح وهو فور وملك التغزغز خاقان.
واستعمل المهدي روح بن حاتم المهلبي على السند فقدمها والزط قد تحركوا بها فلم يقم إلا يسيرا حتى عزل وولي نصر بن محمد بن الأشعث الخزاعي ثم ضمت السند إلى محمد بن سليمان بن علي الهاشمي واستعمل عليها عبد الملك بن شهاب المسمعي فولى أقل من عشرين يوما وردت السند إلى نصر بن محمد بن الأشعث الخزاعي ثم استعمل المهدي الزبير بن العباس من ولد قثم بن العباس بن عبد المطلب ولم يبلغ البلد فاستعمل المهدي بمصبح ابن عمرو التغلبي وكانت العصبية بالسند أول ما وقعت فاستعمل ليث بن طريف مولاه فقدم المنصورة فأقام بها شهرا والزط قد كثروا فجرد عليهم السيف فأفناهم.
وشخص المهدي إلى البصرة سنة 165 يريد الحج فخبر بقلة الماء في الطريق فأقام وبلغه أن أمر السند قد اضطرب فوجه إلى الليث بجيش من البصرة وسار راجعا إلى بغداد.
وخرج يريد الشام وعسكر بالبردان فأتاه الخبر بوفاة عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس فانصرف إلى بغداد حتى حضر جنازته ومشى فيها ثم رجع إلى معسكره.
وخرج حتى صار إلى الثغر ثم صار إلى بيت المقدس فأقام أياما وانصرف فلما صار بجند قنسرين لقيته تنوخ بالهدايا وقالوا نحن أخوالك يا أمير المؤمنين فقال من هؤلاء قيل تنوخ حي ينتمي إلى قضاعة ووصف له حالهم وكثرة عددهم وقيل له إنهم كلهم نصارى فقال لا أرضاكم أنتم إلى خؤولتي وارتد منهم رجل فضرب عنقه فخافوا فثبتوا على الإسلام.
وتوفي عيسى بن موسى سنة 167 فولى المهدي ابنه موسى بن عيسى الكوفة وما كان إلى أبيه من الأعمال.
وتوفي يزيد بن منصور الحميري خال المهدي وكان عامل أبي جعفر على اليمن فاستعمل المهدي مكانه رجاء بن سلام بن روح بن زنباع الجذامي ثم ولي علي بن سليمان بن علي وهو الذي كتب إليه في إشخاص الغطريف ابن عطاء أخي الخيزران أم موسى وهارون ابنيه وكان الغطريف غلاما لرجل من أهل جرش فأعتقه وكان يؤاجر نفسه بنطر كروم فبعث إلى عامله على جرش في حملة فوجده في كرم عليه جبة صوف فكساه وحباه وحمله إلى المهدي فرفع منزله ثم صرف عليا وولي عبد الله بن سليمان ثم صرفه وولي منصور بن يزيد بن منصور الحميري ثم صرفه وولي عبد الله بن سليمان بن علي وصرفه وولي سليمان بن يزيد الحارثي ثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم الزينبي وهو ابن بنت سليمان ثم إبراهيم بن سليمان العبدي ثم الغطريف بن عطاء خال موسى وهارون ثم الربيع بن عبد الله الحارثي.
وأمر المهدي بجباية أسواق بغداد وجعل عليها الأجرة وجعل سعيد الحرشي بذلك فكان أول ما جبيت أسواق بغداد للمهدي فيقال إنه قام إليه رجل فقال عندي نصيحة يا أمير المؤمنين فقال لمن نصيحتك هذه لنا أم للعامة أم لنفسك قال لك يا أمير المؤمنين قال ليس الساعي أعظم عورة ولا

(1/272)


أفحش لؤما من قابل سعايته ولن تخلو من أن تكون حاسد نعمه فلا نشفي غيظك أو عدوا فلا نعاقب لك عدوك ثم أقبل على الناس فقال لأعلمن ما تنصح لنا متنصح إلا بما لله فيه رضي وللمسلمين صلاح فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب من استتر عنا لم نكشفه ومن أبدانا طلبنا توبته ومن أخطأ علينا أقلناه عثرته إني أرى التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة والسلامة مع العفو أكثر منها مع العاجلة والقلوب لا تبقى لوال لا يعطف إذا استعطف ولا يعفو إذا قدر ولا يغفر إذا ظفر ولا يرحم إذا استرحم من قلت رحمته واشتدت سطوته وجب مقته وكثر مبغضوه. وكان المهدي قد ألح في طلب الزنادقة وقتلهم حتى قتل خلقا كثيرا فبلغه أن صالح بن أبي عبيد الله كاتبه زنديق فأحضره فلما صح عنده أمره استتابه فقال لا رغبة عما أنا عليه ولا حاجة في غيره فأمر المهدي أبا عبيد الله أباه أن يقوم فيضرب عنقه فقام فأخذ السيف ثم دنا من ابنه فلما رفعه رجع فقال يا أمير المؤمنين إني قمت سامعا مطيعا وأنه أدركني ما يدرك الرجل في ولده فأمره فجلس ثم أمر بضرب عنقه بين يديه ثم أملى عليه كتابا وهو ينظر إلى ابنه مقتولا ثم قال إن كنت كرهت قتل عدو لله كافر به فأبعدك الله فلما قام أبو عبيد الله قال بعض الجلساء ما أحسب هذا يطيب قلبه أبدا فقال كذلك والله أظنه وإنه لقريب من ابنه ثم كانت السخطة عليه وصير مكانه يعقوب بن داود وأتى بصالح بن عبد القدوس فاستتابه فتاب فلما خرج من عنده ذكر له قوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
قال وإنك لتقول هذا فرده فضرب عنقه ولم يستتبه ووثب أهل الحوف بمصر سنة 168 فخرج إليهم موسى بن مصعب وكان العامل بها فقاتلهم قتالا شديدا وكان صاحب علمه هاشم بن عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج السكوني فنكس العلم وانهزم ومال أهل الخوف على موسى بن مصعب فقتلوه فولى المهدي الفضل بن صالح الهاشمي فلم يرد البلد إلا بعد وفاة المهدي.
وكان الغالب على المهدي صدر خلافته معاوية بن عبد الله المعروف بأبي عبيد الله مولى الأشعريين ثم وقف منه على خيانة وصير مكانه يعقوب بن داود وكان يعقوب جميل المذهب ميمون النقيبة محبا للخير كثير الفضل حسن الهدى ثم عزله وسخط عليه فحبسه فلم يزل محبوسا حتى مات المهدي وصير مكانه محمد بن الليث صاحب البلاغة.
وكان علي بن يقطين والحسن بن راشد يغلبان على أموره وكان على شرطته نصر بن مالك ثم مات نصر فولى أخاه حمزة بن مالك ثم عزله وولي عبد الله بن مالك وكان على حرسه محمد بن إبراهيم ثم عزله واستعمل مكانه أبا العباس الطوسي وكان حاجبه الربيع مولاه وكان قضاته ابن علاثة العقيلي وعافية بن يزيد الأزدي وعلى الكوفة شريك بن عبد الله وعلى البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري وعلى المدينة عبد الله بن محمد بن عمران التيمي وكان أول قاض قضى بها من قبل خليفة وعلى مصر عبد الله بن لهيعة الحضرمي ثم استعمل ابن اليسع الكندي من أهل الكوفة ثم غوث بن سليمان الحضرمي من أهل مصر ثم المفضل بن فضالة القتباني.
وأصاب الناس في آخر سنة 168 ودخول سنة 169 وباء وموت كثير وظلمة وتراب أحمر كانوا يجدونه في فرشهم وعلى وجوههم.
وخرج المهدي من بغداد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 169 إلى الجبل فنزل قرية يقال لها الرذ من أرض ماسبذان وخرج يتصيد فأقام سائر يومه يطرد واتبعت الكلاب ظبيا وأمعن في الطلب واقتحم الظبي باب خربة ومرت الكلاب واقتحم به الفرس في أثره فصدمه باب الخربة وحمل إلى مضاربه فتوفي لثمان بقين من المحرم سنة 169 وهو ابن ثمان وأربعين. وحكي أنه أصبح ذات يوم فقال لعلي بن يقطين ولجماعة جلسائه أصبحت اليوم جائعا فأتي بخبز ولحم بارد فأكله وأكل القوم معه ثم قال إني داخل هذا البهو فنائم فيه فلا تنبهوني حتى انتبه فدخل فنام ونام القوم في الرواق فما راعهم إلا بكاؤه فتبادروا إليه وسألوه عن حاله فقال أرأيتم ما رأيت قالوا ما رأينا شيئا قال رأيت شيخا لو رأيته بين مائة ألف لعرفته وهو آخذ بعضادة البهو وهو يقول:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ركنه ومنازله
وصار عميد القصر من بعد بهجة ... وملك إلى قبر علته جنادله

(1/273)


فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادى عليه معولات حلائله
فلم يلبث بعد ذلك إلا عشرة أيام حتى توفي وكانت خلافته عشر سنين وشهرا واثنين وعشرين يوما وصلى عليه ابنه علي بن ريطة ودفن بالرذ وخلف من الولد الذكور ثمانية موسى وهارون وعليا وعبيد الله وإسحاق ويعقوب وإبراهيم ومنصورا.
وأقام الحج للناس في أيامه سنة 159 يزيد بن منصور الحميري سنة 160 المهدي وأمر بالتوسعة في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 161 موسى ابن المهدي سنة 162 إبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر سنة 163 علي بن المهدي وأمه ريطة بنت أبي العباس سنة 164 خرج المهدي يريد الحج فسار من الكوفة أربع مراحل ومعه خلق عظيم فعطش الناس وبلغه قلة الماء في الطريق فرجع من العقبة وحج بالناس صالح بن أبي جعفر سنة 165 صالح بن أبي جعفر سنة 166 محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي سنة 167 إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي سنة 168 علي بن المهدي.
وغزا بالناس في أيامه سنة 159 جاءت الروم إلى سميساط فسبوا خلقا كثيرا فوجه إليهم صغيرا مولاه فاستنقذ المسلمين وغزا بالناس العباس ابن محمد فبلغ أنقرة سنة 160 غزا ثمامة بن الوليد العبسي سنة 161 غزا عيسى بن علي ولقيه جيش الروم فحاصروه سنة 162 الحسن بن قحطبة الطائي سنة 163 هارون بن المهدي ففتح سمالو سنة 164 هارون أيضا فبلغ خليج القسطنطينية سنة 166 ثمامة بن الوليد سنة 167 الفضل بن صالح سنة 168 محمد بن إبراهيم.
وكان الفقهاء في أيامه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب إبراهيم بن محمد بن أبي الحسن سعيد بن عبد العزيز الجمحي عبد العزيز بن أبي حازم عبد الحميد المدني يونس بن أبي إسحاق السبيعي الحجاج بن أرطأة النخعي سفيان بن سعيد الثوري شريك بن عبد الله النخعي يحيى بن سلمة بن كهيل سلمة الأحمر إبراهيم بن سعد الزهري أبا مخنف لوط بن يحيى سفيان ابن الحسن الحماني جعفر بن عتاب يحيى بن أبي زائدة علي بن مسهر محمد بن مروان السدي زياد بن الطفيل عبد الرحمن بن مالك مالك بن الفضيل أبا محمد بن... محمد بن جابر اليمامي أبا الأشهب جعفر بن حيان العطاردي سلمة بن علقمة سعيد بن إياس خالد بن دينار جرير بن حازم الأزدي شعبة بن الحجاج حماد بن سلمة مهدي بن ميمون موسى ابن علي بن رباح عبد الله بن لهيعة جعفر بن الغطريف بقية بن الوليد الحمصي عبد السلام بن عبد الملك الدمشقي.
أيام موسى بن المهدي
وبويع لموسى الهادي بن محمد المهدي وأمه أم ولد يقال لها الخيزرانة بماسبذان وكان غائبا بجرجان وأخذ له أخوه هارون البيعة وكتب إليه بالخبر فوافاه الرسول وهو نصير الوصيف بعد وفاة أبيه بثمانية أيام وكانت الشمس يومئذ في الأسد سبع عشرة درجة والقمر في الأسد اثنتين وعشرين درجة وثلاثين دقيقة وزحل في الدلو درجة وأربعين دقيقة راجعا والمشتري في العقرب أربع عشرة درجة وثلاثين دقيقة والمريخ في السرطان ثمانيا وعشرين درجة وخمسين دقيقة والزهرة في السنبلة ثماني درجات وثلاثين دقيقة وعطارد في السنبلة تسع درجات وخمسين دقيقة والرأس في الميزان تسعا وعشرين درجة وخمس عشرة دقيقة.
وارتحل من جرجان بعد ثلاثة أيام إلى العراق فنزل بعيساباذ وكان المهدي بنى هذا الموضع فاستتمه موسى وكان به منزلة وولي الغطريف بن عطاء خاله خراسان وأعمالها فقدم خراسان وكانت هادئه الأمور ساكنة والملوك في الطاعة فظهر منه أمور قبيحة وضعف شديد فاضطربت البلاد وتحرك جماعة من الطالبيين وصاروا إلى ملوك النواحي فقبلوهم ووعدوهم بالنصر والمعونة وذلك أن موسى ألح في طلب الطالبيين وأخافهم خوفا شديدا وقطع ما كان المهدي يجريه لهم من الأرزاق والأعطيه وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم فلما اشتد خوفهم وكثر من يطلبهم ويحث عليهم عزم الشيعة وغيرهم إلى الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي وكان له مذهب جميل وكمال ومجد وقالوا له أنت رجل أهل بيتك وقد ترى ما أنت وأهلك

(1/274)


وشيعتك فيه من الخوف والمكروه فقال وإني وأهل بيتي لا نجد ناصرين فننتصر فبايعه خلق كثير ممن حضر الموسم فقال لهم إن الشعار بيننا أن ينادي رجل من رأى الجمل الأحمر فما وافاه إلا أقل من خمسمائة وكان ذلك في سنة 169 بعد انقضاء الموسم فلقيه سليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمد بن علي وموسى بن عيسى بفخ فانهزم ومن كان معه وافترقوا وقتل الحسين بن علي وجماعة من أهله وهرب خاله إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي فصار إلى المغرب فغلب على ناحية تتاخم الأندلس يقال لها فاس فاجتمعت عليه كلمة أهلها.
فذكر أهل المغرب أن موسى وجه إليه من اغتاله بسم في مسواك فمات وصار إدريس بن إدريس مكانه وولده بها إلى هذه الغاية يتوارثون تلك المملكة واضطربت اليمن على الربيع بن عبد الله الحارثي مولى موسى فاستعمل الحصين بن كثير العبدي ثم صرفه واستعمل مكانه أيوب بن جعفر الهاشمي ثم رد الربيع بن عبد الله الحارثي على البلد خلا صنعاء فلم تزل البلاد مضطربة أيام موسى كلها.
وقدم الفضل بن صالح مصر فلم يهج أحدا من أهل الحوف الذين قتلوا موسى بن مصعب عامل المهدي فسكنهم وكف عن طلبهم فلم يقم إلا يسيرا حتى خرج دحية بن الأصبغ بن عبد العزيز بناحية أهناس من قرى صعيد مصر في خلق عظيم فقطع الطريق وأخاف السبيل ثم تغلب فجبى الخراج فوجه الفضل بن صالح بقائد يعرف بسفيان ورجل من أهل الفيوم يعرف بعبد الله بن علي المرادي فلقيا دحية بموضع يقال له صحراء بويط وناوشاه الحرب فانهزم دحية فدخل قرموسا وهو الأتون الذي يعمل فيه الفخار فأخذاه أسيرا وأتيا به الفضل فضرب عنقه وصلبه وبعث برأسه إلى موسى.
وشجرت بين موسى وبين أخيه الوحشة فعزم على خلعه وتصيير ابنه جعفر ولي العهد ودعا القواد إلى ذلك فتوقف عامتهم وأشاروا عليه أن لا يفعل وسارع بعضهم وقووا عزيمته في ذلك وأعلموه أن الملك لا يصلح أن صار إلى هارون فكان ممن سعى في خلعه أبو هريرة محمد بن فروخ الأزدي القائد ؟؟؟؟نقص صفحة 406
أيام هارون الرشيد
وولي هارون الرشيد بن محمد المهدي وأمه الخيزران في اليوم الذي توفي فيه أخوه موسى وهو لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة 170 ومن شهور العجم في أيلول.
وكانت الشمس يومئذ في السنبلة عشرين درجة والقمر في الحوت خمسا وعشرين درجة وخمسين دقيقة وزحل في الدلو إحدى عشرة درجة راجعا والمشتري في القوس سبع عشرة درجة والمريخ في القوس ثمانيا وعشرين درجة وعشر دقائق والزهرة في السنبلة خمس درجات وأربعين دقيقة والرأس في الميزان ثماني درجات وست دقائق.
وولد المأمون في الليلة التي استخلف فيها الرشيد فبشر به فلذلك سماه المأمون وولد محمد بن هارون بعده بستة أشهر ووجه موسى بن عيسى في الليلة التي ولي فيها ليقيم الحج للناس ثم بدا له في الخروج فخرج هو فلحقه في الطريق فأقام الحج وأعطى أهل مكة والمدينة عطايا كثيرة وفرق فيهم أموالا ثم انصرف فصار إلى قبر المهدي بماسبذان فتصدق عنده بأموال عظيمة وجعلها رسما في كل سنة.
وولي الفضل بن يحيى خراسان فشخص إليها وقد خالف أهل الطالقان فافتتح الطالقان وزحف صاحب الترك في خلق عظيم ولقي عسكر الفضل والتحمت بينهما الحرب فضرب وجه صاحب الترك فاستنام واستباح الفضل عسكره وغنم أمواله وفيه يقول الشاعر:
للفضل يوم الطالقان وقبله ... يوم أناخ به على خاقان
ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين تواليا يومان
وكان يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن قد هرب إلى خراسان ودخل أرض الديلم فكتب هارون إلى صاحب الديلم يطلبه منه ويتهدده فطلبه فلما رأى يحيى ذلك طلب الأمان من الفضل فأمنه وحمله إلى الرشيد فحبسه فلم يزل محبوسا حتى مات.
وقيل إن الموكل به منعه من الطعام أياما فمات جوعا.

(1/275)


وخبرني رجل من موالي بني هاشم قال: كنت محبوسا في الدار التي فيها يحيى بن عبد الله فكنت إلى جانب البيت الذي هو فيه فربما كلمني من خلف حائط قصير فقال لي يوما: إني قد منعت الطعام والشراب منذ تسعة أيام فلما كان اليوم العاشر دخل الخادم الموكل به ففتش البيت ثم نزع عنه ثيابه ثم حل سراويله فإذا بأنبوبة قصب شدها في باطن فخذه فيها سمن بقر كان يلحس منه الشيء بعد الشيء يقيم برمقه فلما أخذها لم يزل يفحص برجله حتى مات.
فحدثني أبو جميل قال: خرجت إلى البصرة في أيام المأمون فركب معنا في السفينة خادم فكان يخبرنا أنه من خدم الرشيد ثم حدثنا بحديث يحيى بن عبد الله وأنه الذي تولى قتله بمثل ما تقدم ذكره فلما كان في الليل قام إليه رجل كان في السفينة فدفعه في الماء والسفينة تسير فغرقه.
وبايع هارون لابنه محمد بالعهد من بعده سنة 175 ومحمد ابن خمس سنين وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة وأخرج محمدا إلى القواد فوقف على وسادة فحمد الله وصلى على نبيه وقام عبد الصمد بن علي فقال: أيها الناس لا يغرنكم صغر السن فإنها الشجرة المباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء وجعل الرجل من بني هاشم يقول في ذلك حتى انقضى المجلس ونثرت عليهم الدراهم والدنانير وفار المسك وبيض العنبر.
واستعمل هارون على السند سالما اليونسي مولى إسماعيل بن علي مكان الليث مولى أمير المؤمنين فأحسن السيرة ولم يلبث أن ولي إسحاق بن سليمان ابن علي الهاشمي وقدم البلد وكان عفيفا ثم عزله وولى طيفور بن عبد الله ابن منصور الحميري فهاجت بين اليمانية والنزارية حرب فوجه جابر بن الأشعث الطائي على غربي النهر ومكران ثم ولى سعيد بن سلم بن قتيبة فوجه أخاه كثير بن سلم فأساء السيرة وكان مذموما وصير الرشيد السند إلى عيسى بن جعفر بن المنصور فبعث إليها محمد بن عدي الثعلبي فلما قدم بدأ بالعصبية والتحامل وضرب القبائل بعضها ببعض وخرج من المنصورة يريد الملتان فلقيه أهلها فقاتلوه فهزموه ونهبوا ما معه من السلاح وفر منهزما لا يلوي على شيء حتى صار إلى المنصورة والتحمت العصبية بين اليمانية والنزارية واتصلت فولى الرشيد عبد الرحمن... ثم ولى أيوب بن جعفر بن سليمان ثم ولى داود بن يزيد بن حاتم المهلبي سنة 184 فوجه إليها أخاه المغيرة فرفعت النزارية رؤوسهم وعزموا على أن يقسموا البلاد أرباعا: ربعا لقريش وربعا لقيس وربعا لربيعة ويخرجوا اليمانية.
ولما قدم المغيرة أغلق أهل المنصورة الأبواب ومنعوه الدخول إلا أن يعاهدهم ألا يستعمل فيهم العصبية أو يخرجوا جميعا عن المدينة ويدخلها فخرج من به رمق ودخلها المغيرة فتحامل على النزارية فقاتلوه فهزموه وسار داود بن يزيد لما بلغه الخبر حتى قدم البلد فجرد فيهم السيف فقتل من النزارية خلقا عظيما وصار إلى المنصورة فأقام يقاتلهم عشرين يوما ولم تزل الحروب بينهم عدة شهور ففتحها ثم سار إلى سائر مدن السند فلم يزل يفتح ويخرب إلى أن استقامت له البلاد.
وولى هارون سليمان بن أبي جعفر دمشق فوثب به أهلها بسبب القلة البلور التي كانت في محرابهم فأخرجوه وانتهبوا كل ما كان معه.
وخرج رجل من بني مرة يقال له عامر بن عمارة ويكنى أبا الهيذام بحوران من أرض دمشق فقتل اليمانية وذلك في سنة 176 فوجه إليهم الرشيد السندي وجماعة من القواد فقتل أبو الهيذام وفرق جمعه.

(1/276)


وخرج هارون يريد الشام فلما بلغه قتل أبي الهيذام مضى إلى الثغر فأغزى هرثمة بن أعين بلاد الروم وأمر ببناء طرسوس في سنة 171 فأحكم بناءها وجعل لها خمسة أبواب وحولها سبعة وثمانين برجا ولها نهر عظيم يشق في وسطها عليه القناطر المعقودة وكان ابتداء بنائها على يد أبي سليمان مولاه ثم انصرف إلى العراق يريد الحج واستخلف على الشامات والجزيرة جعفر بن يحيى بن خالد فظهرت العصبية بحمص فصعد جعفر بن يحيى منبرها فخطب وحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وقال: يا أهل الشام! أحذركم عواقب البطر ووبال ما لا يشكر من النعم وملمة كل خطب يدفع إلى ندم فإن السعيد من سعد بغيره والشقي من شقي بنفسه وأتعظ به غيره والمغبون من غبن عقله والمفتون من فتن في دينه والمحزوم من حزم حظه من ربه والخاسر من باع آخرته بدنياه وآجله بعاجلة وإنما يخشى الله من عباده العلماء ولم يعط الله من عباده إلا أولي البهاء...في كلام كثير.
وخرج الوليد بن طريف الحروري بالجزيرة سنة 179 وكان عبد الملك ابن صالح يتولاها ويتولى بعض الشام فحصره الوليد بالرقة فوجه الرشيد موسى بن خازم التميمي في جيش فهزمه الوليد فوجه بمعمر بن عيسى العبدي فكانت بينهما وقائع ثم مات معمر وهو في محاربته فتوجه إليه يزيد بن مزيد الشيباني فواقعه يوما واحدا ثم قال له في اليوم الثاني: ابرز يا وليد ولا يقتل الناس بيني وبينك! فبرز له فقتله يزيد واحتز رأسه وبعث به إلى الرشيد وتفرق أصحابه ثم اجتمعت طائفة منهم مع رجل يقال له خراشة فمالوا نحو الجزيرة مما يلي ديار ربيعة.
ولم يزل يزيد بن حاتم المهلبي على إفريقية منذ أيام المنصور إلى أيام الرشيد ثم توفي واستخلف على إفريقية ابنه داود بن يزيد بن حاتم فلم يقم فيهم بالعدل وقاتلوه فهزموه فولى الرشيد روح بن حاتم المهلبي فقدم البلد فسكنهم ثم مات فولى الرشيد نصر بن حبيب المهلبي ثم عزله وولى الفضل بن روح فثار عليه عبد الله بن الجارود واجتمع معه أهل المغرب فحاربوه فقتلوا عساكره وظفروا به فحبسوه وأصحابه.
وغلب على البلد عبد الله بن الجارود فطلب الأمان وسأل أن يقضي له حوائج سماها فأجابوه إلى كل ما سأل وانصرفوا إلى الرشيد بخبره.
ووجه الرشيد هرثمة بن أعين إلى الشام ومصر والمغرب يتقراها ويصلحها فلم يزل يمر ببلد بلد فيصلح ما يريد إصلاحه حتى صار إلى مصر في سنة 179 وقد كانوا وثبوا على عاملهم وصار هرثمة إلى المغرب فلما بلغ طرابلس من أرض المغرب أعطى جندها أرزاقهم الفائتة وآمنهم جميعا حتى قدم القيروان سنة 179 فآمن الناس وسكنهم.
وخرج عليه قوم في ناحية من النواحي، فوجه إليهم جيشا ففرقهم، وأقام هرثمة حتى أصلحها ثم عاد إلى مصر، فأقام بها حتى استقامت أحوالها، وحمل من رأى حملة منها ثم انصرف.
وولى الرشيد إفريقية محمد بن مقاتل العكي فثار عليه تمام بن تميم التميمي حتى حصره في القيروان، ثم فتح أهل القيروان الباب لتمام فدخل المدينة، وطلب محمد بن مقاتل الأمان فأمنه، وخرج ابن مقاتل إلى العراق وتغلب تمام على البلد، ثم ثار عليه أهل خراسان وأهل الشام، فحاربوه، فانهزم منهم. وقدم إبراهيم بن الأغلب فولاه أهل المغرب عليهم، فضبط عليهم، وبلغ الرشيد ذلك، فكتب إليه بعهده على إفريقية وبعث إليه بالعهد مع يحيى ابن موسى الكندي.
وكان إبراهيم بن الأغلب بن سالم أحد الجند الذين أخرجوا من مصر إلى إفريقية، وكان يتولى شرطة صاحب إفريقية فلما توفي ابن مقاتل واستخلف إبراهيم على البلد ضبطه وحسنت طاعة أهله وكان يحمل إلى صاحب إفريقية من مصر، في كل سنة، ستمائة دينار فكتب إبراهيم بن الأغلب إلى الرشيد يعلمه أنه يقوم بالبلد بغير مال فولاه إياه، فدام أمره وأمر ولده إلى هذه الغاية. وكان الرشيد ولى اليمن العباس بن سعيد مولاه، فضج منه أهل اليمن، وحكي عنه مذاهب قبيحة، فصرفه الرشيد وولى مكانه إبراهيم بن محمد ابن إبراهيم الإمام ثم صرفه، وولى عبد الله بن مصعب الزبيري ثم صرفه، وولى أحمد بن إسماعيل بن علي مكانه، ثم صرفه، وولى حمادا البربري مولاه فجار على أهل اليمن وغلظ عليهم.

(1/277)


ووثب الهيصم بن عبد المجيد الهمداني باليمن سنة 179، وغلب عليها، فكان معقلة بجبل يقال له مسور، وكان معه عمر بن أبي خالد الحميري مقيما بعشتان، وكان معه الصباح بناحية يقال لها حراز، فلقوا حمادا البربري فكانت بينهما وقائع قتل فيها نيف وعشرون ألفا من الناس، وأسر حماد عمر بن أبي خالد فوجه به إلى الرشيد واتصلت الحرب بينه وبين الهيصم تسع سنين، ثم صار إلى حماد رجل من أهل البلد، فأعلمه أن الهيصم قد نزل من قلعته وصار إلى قرية من القرى متنكرا يتجسس الأخبار فوجه معه إلى تلك القرية بقائد يقال له حراد فأخذ الهيصم فقال الهيصم: والله إن القتل لشيء ما أنكره، وما خلقت الرجال إلا للموت والقتل. فحمله حماد على جمل، وأدخله إلى صنعاء، ثم وجه به إلى الرشيد فأنشده في شعر طويل:
فشفاء ما لا تشتهي ... ه النفس تعجيل الفراق
فدعا بالهيصم فأمر بضرب عنقه، وانحرف حماد البربري إلى صباح فضرع صباح إلى الأمان فأعطاه الأمان وقيل: لم يعطه إياه، ولكنه أسره ووجه به إلى الرشيد مع ستمائة رجل من أصحاب الهيصم فضرب أعناقهم جميعا، وصلب الهيصم وصباحا معا، وأقام حماد البربري على اليمن ثلاث عشرة سنة، وسام أهلها سوء العذاب، حتى صاح قوم منهم بالرشيد وهو بمكة: نحن نعوذ بالله وبك، يا أمير المؤمنين! اعزل عنا حمادا البربري إن كنت تقدر. فقال: لا ولا كرامة.
وكان حماد عبدا لهارون فأعتقه في أول خلافته ثم عزل الرشيد حمادا واستعمل مكانه عبد الله بن مالك فلم يزل في البلد محمود السيرة جميل المذهب حتى توفي هارون.
وفاة موسى بن جعفر
وتوفي موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه أم ولد، يقال لها حمدة سنة 183، وسنة ثمان وخمسون سنة وكان ببغداد في حبس الرشيد قبل السندي بن شاهك فأحضر مسرورا الخادم وأحضر القواد والكتاب والهاشميين والقضاة ومن حضر ببغداد من الطالبيين، ثم كشف عن وجهه، فقال لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعرفه حق معرفته، هذا موسى بن جعفر. فقال هارون: أ ترون أن به أثرا وما يدل على اغتيال؟ قالوا: لا! ثم غسل وكفن وأخرج ودفن في مقابر قريش في الجانب الغربي.
وكان موسى بن جعفر من أشد الناس عبادة، وكان قد روى عن أبيه. قال الحسن بن أسد: سمعت موسى بن جعفر يقول: ما أهان الدنيا قوم قط إلا هناهم الله إياها وبارك لهم فيها، وما أعزها قوم قط إلا نغصهم الله إياها.
وقال: إن قوما يصحبون السلطان يتخذهم المؤمنون كهوفا، فهم الآمنون يوم القيامة إن كنت لأرى فلانا منهم.
وذكر عنده بعض الجبابرة فقال: أما والله لئن عز بالظلم في الدنيا ليذلن بالعدل في الآخرة. وقيل لموسى بن جعفر وهو في الحبس: لو كتبت إلى فلان يكلم فيك الرشيد؟ فقال: حدثني أبي عن آبائه أن الله عز وجل أوحى إلى داود: يا داود! إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني عرفت ذلك منه إلا وقطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته.
وقال موسى بن جعفر: حدثني أبي أن موسى بن عمران قال: يا رب! أي عبادك شر؟ قال: الذي يتهمني. قال يا رب وفي عبادك من يتهمك؟ قال: نعم! الذي يستجيرني، ثم لا يرضى بقضائي. وكان له من الولد ثمانية عشر ذكرا، وثلاث وعشرون بنتا، فالذكور: على الرضا وإبراهيم والعباس والقاسم، وإسماعيل وجعفر وهارون والحسن وأحمد ومحمد وعبيد الله وحمزة وزيد وعبد الله وإسحاق والحسين والفضل وسليمان وأوصى موسى بن جعفر ألا تتزوج بناته فلم تتزوج واحدة منهن إلا أم سلمة، فإنها تزوجت بمصر، تزوجها القاسم ابن محمد بن جعفر بن محمد فجرى في هذا بينه وبين أهله شيء شديد، حتى حلف أنه ما كشف لها كنفا، وأنه ما أراد إلا أن يحج بها.
وبايع الرشيد لابنه المأمون بعد محمد بولاية العهد في هذه السنة، وهي سنة 183، وأخذت له البيعة على الناس كلهم حتى أهل الأسواق، فكان بين البيعة للمأمون والبيعة لمحمد ثماني سنين، وكان يبعث بالمأمون وبمحمد إلى الفقهاء والمحدثين فيسمعان منهم، ويحضر لهما أهل الكلام والنظر فكان محمد بطيء الحفظ، وكان المأمون سريع الحفظ.
وأخذ الرشيد العمال والتناة والدهاقين وأصحاب الضياع والمبتاعين للغلات والمقبلين وكان عليهم أموال مجتمعة، فولى مطالبتهم عبد الله بن الهيثم بن سام فطالبهم بصنوف من العذاب، وكان سنة 184.

(1/278)


واعتل الرشيد في تلك السنة علة شديدة أشفى منها، فدخل إليه الفضيل بن عياض فرأى الناس يعذبون في الخراج فقال: ارفعوا عنهم، إني سمعت رسول الله يقول: من عذب الناس في الدنيا عذبه الله يوم القيامة فأمر بأن يرفع العذاب عن الناس، فارتفع العذاب من تلك السنة.
وأقام الرشيد بالرافقة حتى بناها وكان مقامه بها سنة 186، وحج في تلك السنة، ومعه محمد والمأمون وجلة بني هاشم والقواد والكتاب فلم يتخلف منهم أحد له ذكر وقدر، وقدم الرشيد المدينة فأعطى أهل المدينة ثلاثة أعطية وكسي كثيرة، ثم صار إلى مكة، فلم يفعل مثل ذلك.
ولما صار إلى مكة صعد المنبر فخطب، ثم نزل فدخل البيت، ودعا بمحمد والمأمون فأملى على محمد كتاب الشرط على نفسه وكتب محمد الكتاب، وأحلفه على ما فيه، وأخذ عليه العهود والمواثيق وفعل بالمأمون مثله، وأخذ عليه مثل ذلك وكان نسخة الكتاب الذي كتبه محمد بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين كتبه محمد بن هارون في صحة من بدنه وعقله وجواز من أمره. إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد من بعده، وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعا، وولي أخي عبد الله ابن أمير المؤمنين العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدي برضى مني وتسليم، طائعا غير مكره، وولاه خراسان بثغورها وكورها، وأجنادها وخراجها وطرازها وبريدها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها في حياته وبعد موته، وشرطت لعبد الله أخي على الوفاء بما جعل له هارون أمير المؤمنين من البيعة والعهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين بعدي، وتسليم ذلك له وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها، وما أقطعه هارون أمير المؤمنين من قطيعة وجعل له من عقده أو ضيعة من ضياعه وعقده أو ابتاع من الضياع والعقد وما أعطاه في حياته من مال، أو حلي، أو جوهر، أو متاع، أو كسوة، أو رقيق قليلا أو كثيرا، فهو لعبد الله ابن أمير المؤمنين أخي، موفرا عليه مسلما له. وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا باسمه وأصنافه ومواضعه أنا وأخي عبد الله بن هارون فإن اختلفنا في شيء منه، فالقول فيه قول عبد الله أخي لا انتقصه صغيرا ولا كبيرا من ماله، ولا من ولايته خراسان وأعمالها، ولا أعزله عن شيء منها، ولا أستبدل به غيره، ولا أخلعه ولا أقدم عليه في العهد والخلافة أحدا من الناس جميعا، ولا أدخل عليه مكروها في نفسه ولا دمه، ولا خاص ولا عام من أموره وولايته ولا أمواله، ولا قطائعه ولا عقده ولا أغير عليه شيئا بسبب من الأسباب، ولا آخذ أحدا من كتابه وعماله وولاة أموره ممن صحبه وأقام معه، بمحاسبة في ولاية خراسان وأعمالها وغيرها مما ولاه هارون أمير المؤمنين في حياته وصحته من الجباية والأموال والطراز والبريد والصدقات والعشر والعشور وغير ذلك من ولايتها ولا آمر بذلك أحدا، ولا أرخص فيه لغيري، ولا أحدث نفسي فيه بشيء أمضيه عليه، ولا ألتمس قطيعته ولا أنقص شيئا مما جعل له هارون أمير المؤمنين وأعطاه في حياته، وخلافته وسلطانه من جميع ما سميت في كتابي هذا، وأخذ له علي وعلى جميع الناس البيعة ولا أرخص لأحد من الناس كلهم في خلعه، ولا مخالفته، ولا أسمع من أحد من البرية في ذلك قولا، ولا أرضى به في سر ولا علانية، ولا أغمض عليه، ولا أتغافل عنه، ولا أقبل من بر من العباد ولا فاجر ولا صادق ولا كاذب ولا ناصح ولا غاش ولا قريب، ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ذكرا وأنثى مشورة ولا حيلة، ولا مكيدة في شيء من الأمور سرها وعلانيتها وحقها وباطلها وباطنها وظاهرها، ولا سبب من الأسباب أريد بذلك إفساد شيء مما أعطيت عبد الله بن هارون أمير المؤمنين من نفسي وشرطت في كتابي هذا علي، وأوجبت على نفسي، وشرطت وسميت، وإن أراد أحد من الناس شرا، أو مكروها، أو خلعا أو محاربة، أو الوصول إلى نفسه ودمه، أو حرمه، أو ماله، أو سلطانه أو ولايته جميعا، أو فرادى مسرين ذلك أو مظهرين له، أن أنصره وأحوطه وأدفع عنه، كما أدفع عن نفسي، ومهجتي، ودمي، وشعري، وبشري، وحرمي وسلطاني وأجهز الجنود إليه، وأعينه على كل من أعنته وخالفه ويكون أمري وأمره في ذلك واحدا أبدا ما كنت حيا، ولا أخذله، ولا أسلمه، ولا أتخلى عنه.

(1/279)


وأن حدث بهارون حدث الموت، وأنا وعبد الله بحضرة أمير المؤمنين، أو أحدنا، أو كنا غائبين عنه، مجتمعين كنا أو مفترقين، وليس عبد الله بن هارون في ولايته بخراسان، فعلي لعبد الله بن هارون، أمير المؤمنين، أن أمضيه إلى خراسان، وأسلم له ولايتها وأعمالها كلها، وجنودها، ولا أعوقه عنها، ولا أحبسه قبلي، ولا في شيء من البلدان دون خراسان، وأعجل إشخاصه إليها واليا عليها وعلى جميع أعمالها، مفردا بها، مفوضا إليه أعمالها كلها، وأشخص معه جميع من ضم إليه أمير المؤمنين من قواده، وجنوده، وأصحابه، وكتابه، ومواليه، وخدمه، ومن تبعه من صنوف الناس بأموالهم وأهليهم، ولا أحبس عنه أحدا منهم، ولا أشرك معه في شيء منها أحدا، ولا أبعث إليه أمينا، ولا كاتبا، ولا بندارا، ولا أضرب على يديه في قليل وكثير.
وأعطيت أمير المؤمنين هارون وعبد الله بن هارون، على ما شرطت لهما على نفسي من جميع ما سميت وكتبت في كتابي هذا، عهد الله، وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين وذمتي، وذمم آبائي، وذمم المؤمنين، وأشد ما أخذ الله على النبيين، والمرسلين، وخلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها ونهى عن نقضها وتبديلها، فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت لهارون ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، أو بدلت، أو حدثت في نفسي أن أنقض شيئا مما أنا عليه، أو قبلت من أحد من الناس، فبرئت من الله، من ولايته، ومن دينه، ومن محمد رسول الله، ولقيت الله يوم القيامة كافرا به ومشركا، وكل امرأة هي في اليوم لي، أو تزوجتها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة، طلاق الحرج والسنة، وعلى المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة نذرا واجبا في عنقي، حافيا راجلا، لا يقبل الله مني إلا الوفاء بذلك، وكل مال هو لي اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة الحرام، وكل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله عز وجل، وكل ما جعلت لأمير المؤمنين ولعبد الله ابن أمير المؤمنين، وكتبته، وشرطته لهما، وحلفت عليه، وسميت في كتابي هذا، لازم لي الوفاء به، ولا أضمر غيره ولا أنوي إلا إياه، فإن أضمرت، أو نويت غيره، فهذه العهود والأيمان كلها لازمة لي، واجبة علي، وقواد أمير المؤمنين، وجنوده، وأهل الآفاق والأمصار، وعوام المسلمين براء من بيعتي، وخلافتي، وعهدي، وهم في حل من خلعي، وإخراجي من ولايتي عليهم، حتى أكون سوقة من السوق، وكرجل من عرض الناس، ولا حق لي عليهم، ولا ولاية، ولا بيعة لي في أعناقهم، وهم في حل من الأيمان التي أعطوني، وبراء من تبعتها ووزرها في الدنيا والآخرة، وكتبه محمد ابن هارون بخطه.
شهد سليمان ابن أمير المؤمنين المنصور، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر، وعبيد الله بن المهدي، وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن عيسى بن علي، وعيسى بن موسى ابن أمير المؤمنين، وإسحاق بن موسى أمير المؤمنين، وأحمد بن إسماعيل بن علي، وسليمان بن جعفر بن سليمان، وعيسى بن صالح بن علي، وداود بن عيسى بن موسى، وداود بن سليمان بن جعفر، ويحيى ابن عيسى بن موسى، ويحيى بن خالد، وخزيمة بن خازم، وهرثمة بن أعين، وعبد الله بن الربيع، والفضل بن الربيع، والعباس بن الفضل، والقاسم بن الربيع، ودقاقة بن عبد العزيز، وسليمان بن عبد الله بن الأصم... ومحمد بن عبد الرحمن قاضي مكة وعبد الكريم الحجبي وإبراهيم بن عبد الرحمن الحجبي، وأبان مولى أمير المؤمنين، والحارث مولى أمير المؤمنين، وخالد مولى أمير المؤمنين، ومحمد بن منصور، وإسماعيل بن صبيح.
وكتب في ذي الحجة سنة 186 نسخة الشرط الذي كتبه عبد الله ابن أمير المؤمنين بخطه في البيت: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في صحة من عقله، وجواز من أمره، وصدق نيته فيما كتب في كتابه هذا، ومعرفته بما فيه من الفضل والصلاح له، ولأهل بيته، وجماعة المسلمين: إن أمير المؤمنين ولاني العهد والخلافة، وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون أمير المؤمنين، وولاني في حياته، وبعد موته ثغور خراسان، وكورها، وجميع أعمالها من الصدقات

(1/280)


والعشر والعشور والبريد، والطراز، وغير ذلك، واشترط لي على محمد ابن هارون أمير المؤمنين الوفاء بما عقد لي من الخلافة، والولاية للعباد والبلاد بعده، وولاية خراسان، وجميع أعمالها، لا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين، أو ابتاع لي من الضياع، والعقد، والدور، والرباع، أو ابتعت لنفسي من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من الأموال، والجوهر، والكساء، والمتاع، والدواب، في سبب محاسبة لأصحابي، ولا يتبع لأحد منهم أبدا، ولا يدخل علي، ولا على أحد كان معي ومني، ولا عمالي ولا كتابي، ومن استعنت به من جميع الناس، مكروها في نفس، ولا دم، ولا شعر، ولا بشر، ولا مال، ولا صغير، ولا كبير، فأجابه إلى ذلك، وأقر به، وكتب بذلك كتابا، وكتبه على نفسه، ورضي به هارون أمير المؤمنين، وعرف صدق نيته، فشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين، وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد ابن أمير المؤمنين، وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه، وأوفي ببيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن مؤازرته ومكانفته، وأجاهد عدوه في ناحيتي ما وفى لي بما شرط لي ولعبد الله هارون أمير المؤمنين، ورضي لي به، وقبلته ولا انتقص شيئا من ذلك، ولا انتقص أمرا من الأمور التي شرطها لي عليه أمير المؤمنين، فإن احتاج محمد ابن أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلي يأمرني بإشخاصهم إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو عدو من أعدائه خالفه، وأراد نقص شيء من سلطانه الذي أسنده هارون أمير المؤمنين إلينا، وولاناه، أن أنفذ أمره، ولا أخالفه، ولا أقصر في شيء كتب به إلي، وإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين أن يولي رجلا من ولده العهد من بعدي، فذلك له ما وفى بما جعل لي أمير المؤمنين هارون، واشترط لي عليه، وشرطه على نفسه في أمري، وعلى إنفاذ ذلك، والوفاء به، ولا أنقض ذلك، ولا أغيره، ولا أبدله، ولا أقدم قبله أحدا من ولدي، ولا قريبا، ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلا أن يولي هارون أمير المؤمنين أحدا من ولده العهد بعدي، فيلزمني ومحمدا الوفاء بذلك.
وجعلت لأمير المؤمنين هارون ولمحمد ابن أمير المؤمنين على الوفاء بما شرطت وسميت في كتابي هذا، ما وفى لي محمد ابن أمير المؤمنين بجميع ما اشترط لي هارون أمير المؤمنين في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة في الكتاب الذي كتبه له، وعلى عهد الله وميثاقه، وذمة أمير المؤمنين وذمتي، وذمم آبائي، وذمم المؤمنين، وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين، وخلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها، فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت وسميت في كتابي هذا، أو غيرت، أو بدلت، أو نكثت، أو غدرت، فبرئت من الله، ومن ولايته، ومن دينه ومن محمد رسول الله، ولقيت الله يوم القيامة كافرا به مشركا، وكل امرأة هي اليوم لي، أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة، طلاق الحرج، وكل مملوك لي اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة، أحرار لوجه الله، وعلى المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة نذرا واجبا علي، وفي عنقي، حافيا راجلا، لا يقبل الله مني إلا الوفاء به، وكل مال هو لي اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة، وكل ما جعلت لعبد الله هارون أمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لي لا أضمر غيره ولا أنوي سواه.
وشهد الشهود الذين شهدوا على أخيه محمد ابن أمير المؤمنين، وأقام الرشيد الحج لناس، وأمر بتعليق هذين الكتابين، فعلقا أيام الموسم على باب الكعبة، وقرئا على الناس عدة مرار، وجعلا في الكعبة.
وانصرف الرشيد، فنزل الحيرة، فأقام أياما، ثم مضى على طريق البرية، فنزل بموضع من الأنبار يقال له الحرف، بدير يقال له العمر، وأقام يومه، وقتل جعفر بن يحيى بن خالد وزيره في تلك الليلة بغير أمر متقدم قبل ذلك، وأصبح، فحمله إلى بغداد، فقطع ثلاث قطع، وصلب على جسر بغداد، ولبغداد يومئذ ثلاثة جسور، وحبس يحيى بن خالد بن برمك وولده وأهل بيته، واستصفى أموالهم، وقبض ضياعهم، وقال: لو علمت يميني بالسبب الذي له فعلت هذا لقطعتها، وأكثر الناس في أسباب السخط عليهم مختلفون.

(1/281)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية