صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

مثلها عند غيري فكيف بشكري وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي أم كيف بشكري وإنما أقوى شكري بإكرامك اياي وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلك عدي وكيف بشكري وأنت وأنت كهفي دون كل كهف لي وكيف بشكري وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل سلف عندك لي أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك إلي بما تجدده لي أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطولك على جميع أكفائي أم كيف بشكري وأنت وليي أم كيف بشكري وأنت المكرم لي وأنا أسأل الله الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له إذا كان الشكر مقصرا عن بلوغ تأدية بعضه بل دون شقص من عشر عشيره أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له وأقدر عليه وأن يقضي عني حقك وجليل منتك فإن ذلك بيده وهو القادر عليه
وفي هذه السنة أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بن يحيى فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد
وفيها ولى جعفر بن يحيى خراسان وسجستان واستعمل جعفر عليهما محمد بن الحسن بن قحطبة
وفيها شخص الرشيد من مدينة السلام مريدا الرقة على طريق الموصل فلما نزل البردان ولى عيسى بن جعفر خراسان وعزل عنها جعفر بن يحيى فكانت ولاية جعفر بن يحيى أياها عشرين ليلة
وفيها ولي جعفر بن يحيى الحرس
وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها ثم مضى إلى الرقة فنزلها واتخذها وطنا
وفيها عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية وأقفله إلى مدينة السلام فاستخلفه جعفر بن يحيى على الحرس
وفيها كانت بأرض مصر زلزلة شديدة فسقط رأس منارة الإسكندرية
وفيها حكم خراشة الشيباني وشري بالجزيرة فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي
وفيها خرجت المحمرة بجرجان فكتب علي بن عيسى بن ماهان أن الذي هيج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركي وأنه زنديق فأمر الرشيد بقتله فقتل بمرو
وفيها عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان وولى ذلك عبد الله بن خازم وعزل الفضل أيضا عن الري ووليها محمد بن يحيى بن الحارث بن شخير وولي سعيد بن سلم الجزيرة
وغزا الصائفة فيها معاوية بن زفر بن عاصم
وفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرفه من مكة فقدمها في المحرم منها فنزل المحدثة أياما ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بن خالد حتى نظر إليه وسكر نهر الأبلة ونهر معقل حتى استحكم أمر سيحان ثم شخص عن البصرة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم فقدم مدينة السلام ثم شخص إلى الحيرة فسكنها وابتنى بها المنازل وأقطع من معه الخطط وأقام نحوا من أربعين يوما فوثب به أهل الكوفة وأساؤوا مجاورته فارتحل إلى مدينة السلام ثم شخص من مدينة السلام إلى الرقة واستخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرقة محمدا الأمين وولاه العراقين
وحج بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي

(4/644)


ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فكان فيها غزو الرشيد أرض الروم فافتتح بها عنوة حصن الصفصاف فقال مروان بن أبي حفصة ... إن أمير المؤمنين المصطفى ... قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا ...
وفيها غزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة
وفيها توفي الحسن بن قحطبة وحمزة بن مالك
وفيها غلبت المحمرة على جرجان
وفيها أحدث الرشيد عند نزوله الرقة صدور كتبه الصلاة على محمد صلى الله عليه و سلم
وحج بالناس في هذه السنة هارون الرشيد فأقام للناس الحج ثم صدر معجلا وتخلف عنه يحيى بن خالد ثم لحقه بالغمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه فرد إليه الخاتم وسأله الإذن في المقام فأذن له فانصرف إلى مكة

(4/645)


ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فكان فيها انصراف الرشيد من مكة ومسيره إلى الرقة وبيعته لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة وضمه إياه إلى جعفر بن يحيى ثم توجيهه إياه إلى مدينة السلام ومعه من أهل بيته جعفر بن أبي جعفر المنصور وعبد الملك بن صالح ومن القواد علي بن عيسى فبويع له بمدينة السلام حين قدمها وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همذان وسماه المأمون
وفيها حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى فماتت ببرذعة وعلى إرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي فرجع من كان فيها من الطراخنة إلى أبيها فأخبروه أن ابنته قتلت غيلة فحنق لذلك وأخذ في الأهبة لحرب المسلمين
وانصرف فيها يحيى بن خالد إلى مدينة السلام
وغزا فيها الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف
وفيها سلمت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون واقروا أمه ريني وتلقب أغسطة
وحج بالناس فيها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي

(4/646)


ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك خروج الخزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذمة وسبيهم فيما ذكر أكثر من مائة ألف فانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع في الإسلام بمثله فولى الرشيد إرمينية يزيد بن مزيد مع أذربيجان وقواه بالجند ووجهه وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءا لأهل إرمينية
وقد قيل في سبب دخول الخزر إرمينية غير هذا القول وذلك ما ذكره محمد بن عبد الله أن أباه حدثه أن سبب دخول الخزر إرمينية في زمان هارون كان أن سعيد بن سلم ضرب عنق المنجم السلمي بفأس فدخل ابنه بلاد الخزر واستجاشهم على سعيد فدخلوا إرمينية من الثلمة فانهزم سعيد ونكحوا المسلمات وأقاموا فيها أظن سبعين يوما فوجه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى أرمينية حتى أصلحا ما أفسد سعيد وأخرجا الخزر وسدت الثلمة
وفيها كتب الرشيد إلى علي بن عيسى بن ماهان وهو بخراسان بالمصير إليه وكان سبب كتابه إليه بذلك أنه كان حمل عليه وقيل له إنه قد أجمع على الخلاف فاستخلف علي بن عيسى ابنه يحيى على خراسان فأقره الرشيد فوافاه علي وحمل إليه مالا عظيما فرده الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب فرجع
وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي مولى الحريش
وفيها مات موسى بن جعفر بن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضي
وفيها حج بالناس العباس بن موسى الهادي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي

(4/647)


ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفا إليها من الرقة في الفرات في السفن فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا
وولي استخراج ذلك فيما ذكر عبد الله بن الهيثم بن سام بالحبس والضرب وولي حماد البربري مكة واليمن وولي داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند ويحيى الحرشي الجبل ومهرويه الرازي طبرستان وقام بأمر إفريقية إبراهيم الأغلب فولاها إياه الرشيد
وفيها خرج أبو عمرو الشاري فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهرزور
وفيها طلب أبو الخصيب الأمان فأعطاه ذلك علي بن عيسى فوافاه بمرو فأكرمه
وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي

(4/648)


ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهروية الرازي وهو واليها فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي
وفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي ابان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة
وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس من خراسان فوثب عيسى بن علي بن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم وبلغ كابل وزبلستان والقندهار فقال أبو العذافر في ذلك ... كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المشرقين والمغربين ... لم يدع كابلا ولا زابلستا ... ن فما حولها إلى الرخجين ...
وفيها خرج أبو الخصيب ثانية بنسا وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس ونيسابور وزحف إلى مرو فأحاط بها فهزم ومضى نحو سرخس وقوي أمره
وفيها مات يزيد بن مزيد ببرذعة فولي مكانه أسد بن يزيد
وفيها مات يقطين بن موسى ببغداد
وفيها مات عبد الصمد بن علي ببغداد في جمادى الآخرة ولم يكن ثغر قط فأدخل القبر بأسنان الصبي وما نقص له سن
وشخص فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل
واستأذنه فيها يحيى بن خالد في العمرة والجوار فأذن له فخرج في شعبان واعتمر عمرة شهر رمضان ثم رابط بجدة إلى وقت الحج ثم حج ووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين
وحج بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي

(4/649)


ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها كان خروج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا فقتله بها وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان
وفيها حبس الرشيد ثمامة بن أشرس لوقوفه على كذبة في أمر أحمد بن عيسى بن زيد
وفيها مات جعفر بن أبي جعفر المنصور عند هرثمة وتوفي العباس بن محمد ببغداد
وحج بالناس فيها هارون الرشيد وكان شخوصه من الرقة للحج في شهر رمضان من هذه السنة فمر بالأنبار ولم يدخل مدينة السلام ولكنه نزل منزلا على شاطئ الفرات يدعى الدارات بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك وأخرج معه ابنيه محمدا الأمين وعبد الله المأمون ولبي عهده فبدأ بالمدينة فأعطى أهلها ثلاثة أعطية كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء ثم إلى محمد فيعطيهم عطاء ثانيا ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثا ثم صار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار
وكان الرشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد فيما ذكر محمد بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الحجبي يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة وسماه الأمين وضم إليه الشأم والعراق في سنة خمس وسبعين ومائة ثم بايع لعبد الله المأمون بالرقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة وولاه من حد همذان إلى آخر المشرق فقال في ذلك سلم بن عمرو الخاسر ... بايع هارون إمام الهدى ... لذي الحجى والخلق الفاضل ... المخلف المتلف أمواله ... والضامن الأثقال للحامل ... والعالم النافذ في علمه ... والحاكم الفاضل والعادل ... والراتق الفاتق حلف الهدى ... والقائل الصادق والفاعل ... لخير عباس إذا حصلوا ... والمفضل المجدي على العائل ... ابرهم برا وأولاهم ... بالعرف عند الحدث النازل ... لمشبه المنصور في ملكه ... أذا تدجت ظلمة الباطل ... فتم بالمأمون نور الهدى ... وانكشف الجهل عن الجاهل

(4/650)


وذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد كان في حجر عبد الملك بن صالح فلما بايع الرشيد لمحمد والمأمون كتب إليه عبد الملك بن صالح ... يا أيها الملك الذي ... لو كان نجما كان سعدا ... اعقد لقاسم بيعة ... وأقدح له في الملك زندا ... الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا ...
فكان ذلك أول ما حض الرشيد على البيعة للقاسم ثم بايع للقاسم ابنه وسماه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور والعواصم فقال في ذلك ... حب الخليفة حب لا يدين به ... من كان لله عاص يعمل الفتنا ... الله قلد هارونا سياستنا ... لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا ... وقلد الأرض هارون لرأفته ... بنا أمينا ومأمونا ومؤتمنا ...
قال ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة قال بعض العامة قد أحكم أمر الملك وقال بعضهم بل ألقى بأسهم بينهم وعاقبة ما صنع في ذلك مخوفة على الرعية وقالت الشعراء في ذلك فقال بعضهم ... أقول لغمة في النفس مني ... ودمع العين يطرد اطرادا ... خذي للهول عدته بحزم ... سنلقى ما سيمنعك الرقادا ... فإنك إن بقيت رأيت أمرا ... يطيل لك الكآبة والسهادا ... رأى الملك المهذب شر رأي ... بقسمته الخلافة والبلادا ... رأى ما لو تعقبه بعلم ... لبيض من مفارقه السوادا ... أراد به ليقطع عن بنيه ... خلافهم ويبتذلوا الودادا ... فقد غرس العداوة غير آل ... وأورث شمل ألفتهم بدادا ... وألقح بينهم حربا عوانا ... وسلس لاجتنابهم القيادا ... فويل للرعية عن قليل ... لقد أهدى لها الكرب الشدادا ... وألبستها بلاء غير فان ... وألزمها التضعضع والفسادا ... ستجري من دمائهم بحور ... زواخر لا يرون لها نفادا ... فوزر بلائهم أبدا عليه ... أغيا كان ذلك أم رشادا ...
قال وحج هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة ست وثمانين ومائة وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك العكي على الحرم والخزائن والأموال والعسكر وأشخص القاسم ابنه إلى منبج فأنزله إياها بمن ضم إليه من القواد والجند فلم اقضى مناسكه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما أحدهما على محمد بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي عبد الله من الأعمال وصير إليه من الضياع والغلات والجواهر والأموال والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه

(4/651)


وغيرهم
وكانت الشهادة بالبيعة والكتاب في البيت الحرام وتقدم إلى الحجبة في حفظهما ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما فذكر عبد الله بن محمد ومحمد بن يزيد التميمي وإبراهيم الحجي أن الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء وأدخلوا البيت الحرام وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد وأشهد عليهما جماعة من حضر ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة فلما رفع ليعلق وقع فقيل إن هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه وكانت نسخة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين كتبه محمد بن هارون أمير المؤمنين في صحة من عقله وجواز من أمره طائعا غير مكره إن أمير المؤمنين ولاني العهد من بعده وصير البيعة لي في رقاب المسلمين جميعا وولى عبد الله بن هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدي برضا مني وتسليم طائعا غير مكره وولاه خراسان وثغورها وكورها وحربها وجندها وخراجها وطرزها وبريدها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشرها وعشورها وجميع أعمالها في حياته وبعده وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضا مني وطيب نفسي أن لأخي عبد الله بن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعا بعدي وتسليم ذلك له وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها كلها وما أقطعه أمير المؤمنين من قطيعة أو جعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه أو ابتاع من الضياع والعقد وما أعطاه في حياته وصحته من مال وحلي أو جوهر أو متاع أو كسوة أو منزل أو دواب أو قليل أو كثير فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين موقرا مسلما إليه وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا
فإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت وأفضت الخلافة إلى محمد بن أمير المؤمنين فعلى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها ومن ضم إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرماسين وأن يمضي عبد الله بن أمير المؤمنين إلى خراسان والري والكور التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من معسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع من ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحب من لدن الري إلى اقصى عمل خراسان فليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحول عنه قائدا ولا مقودا ولا رجلا واحدا ممن ضم إليه من أصحابه الذين ضمهم إلى أمير المؤمنين ولا يحول عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التي ولاها إياها هارون أمير المؤمنين من ثغور خراسان وأعمالها كلها ما بين عمل الري مما يلي همذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها وما هو منسوب إليها ولا يشخصه إليه ولا يفرق أحدا من أصحابه وقواده عنه ولا يولي عليه أحدا ولا يبعث عليه ولا على أحد من عماله وولاة أموره بندارا ولا محاسبا ولا عاملا ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ضررا ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره ولا يعرض لأحد ممن ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقضاته وعماله وكتابه وقواده وخدمه ومواليه وجنده بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم ولا أحد بسبيل منهم ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابهم شيئا من ذلك صغيرا ولا كبيرا ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه وبترخيص له في ذلك وإدهان منه فيه لأحد من ولد آدم ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته

(4/652)


وإن نزع إليه أحد ممن ضم أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصحابته وقواده وعماله وكتابه وخدمه ومواليه وجنده ورفض اسمه ومكتبه ومكانه مع عبد الله بن أمير المؤمنين عاصيا له أو مخالفا عليه فعلى محمد ابن أمير المؤمنين رده إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين بصغر له وقماء حتى ينفذ فيه رأيه وأمره
فإذا أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده أو عزل عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية خراسان وثغورها وأعمالها والذي من حد عملها مما يلي همذان والكور التي سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا أو صرف أحد من قواده الذين ضمهم أمير المؤمنين إليه ممن قدم قرماسين أو أن ينتقصه قليلا أو كثيرا مما جعله أمير المؤمنين لو بوجه من الوجوه أو بحيلة من الحيل صغرت أو كبرت فلعبد الله بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين وهو المقدم على محمد ابن أمير المؤمنين وهو ولي الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خراسان وأهل العطاء وجميع المسلمين في جميع الأجناد والأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين والقيام معه والمجاهدة لمن خالفه والنصر له والذب عنه ما كانت الحياة في أبدانهم وليس لأحد منهم جميعا من كانوا أو حيث كانوا أن يخالفه ولا يعصيه ولا يخرج عن طاعته ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين وصرف العهد عنه من بعده إلى غيره أو ينتقصه شيئا مما جعله له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته واشترط في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام في هذا الكتاب وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدق في قوله وأنت في حل من البيعة التي في أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون إن نقص شيئا مما جعله له أمير المؤمنين هارون وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقاد لعبد الله ابن أمير المؤمنين هارون ويسلم له الخلافة
وليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون ولا لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن يخلعا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون ولا يقدما عليه أحدا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البرية فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده وإخوته وتقديم من أراد أن يقدم قبله وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد من يقدم قبله يحكم في ذلك بما أحب ورأى
فعليكم معشر المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين في كتابه هذا وشرط عليهم وأمر به وعليكم السمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين وعهد الله وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه و سلم وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين ووكدها في أعناق المؤمنين والمسلمين لتفن لعبد الله أمير المؤمنين بما سمى ولمحمد وعبد الله والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمى وكتب في كتابه هذا واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم فإن أنتم بدلتم من ذلك شيئا أو غيرتم أو نكثتم أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين واشترط عليكم في كتابه هذا فبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله محمد صلى الله عليه و سلم وذمم المؤمنين والمسلمين وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة خمسين حجة نذرا واجبا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك وكل مملوك لأحد منكم أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة حر وكل امرأة له فهي طالق ثلاثا ألبته طلاق الحرج لا مثنوية فيها والله عليكم بذلك كفيل وراع وكفى بالله حسيبا

(4/653)


نسخة الشرط الذي كتب عبد الله ابن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة
هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في صحة من عقله وجواز من أمره وصدق نية فيما كتب في كتابه هذا ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون وولاني في حياته ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها وشرط على محمد بن هارون الوفاء بما عقد لي من الخلافة وولاية أمور العباد والبلاد بعده وولاية خراسان وجميع أعمالها ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين أو ابتاع لي من الضياع والعقد والرباع أو ابتعت منه من ذلك وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدواب والرقيق وغير ذلك ولا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتابي بسبب محاسبة ولا يتبع لي في ذلك ولا لأحد منهم أبدا ولا يدخل علي ولا عليهم ولا على من كان معي ومن استعنت به من جميع الناس مكروها في نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال ولا صغير من الأمور ولا كبير فأجابه إلى ذلك وأقر به وكتب له كتابا أكد فيه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين هارون وقبله وعرف صدق نيته فيه فشرطت لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد وأطيع ولا أعصيه وأنصحه ولا أغشه وأوفي بيعته وولايته ولا أغدر ولا أنكث وأنفذ كتبه وأموره وأحسن موازرته وجهاد عدوه في ناحيتي ما وفى لي بما شرط لأمير المؤمنين في أمري وسمى في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين ورضي به أمير المؤمنين ولم يتبعني بشيء من ذلك ولم ينقض أمرا من الأمور التي شرطها أمير المؤمنين لي عليه
فإن احتاج محمد ابن أمير المؤمنين إلى جند وكتب إلي يأمرني بإشخاصه إليه أو إلى ناحية من النواحي أو إلى عدو من أعدائه خالفه أو أراد نقص شيء من سلطانه أو سلطاني الذي أسنده أمير المؤمنين إلينا وولانا إياه فعلي أن أنفذ أمره ولا أخالفه ولا أقصر في شيء كتب به إلي وإن أراد محمد أن يولي رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدي فذلك له ما وفى لي بما جعله أمير المؤمنين إلي واشترطه لي عليه وشرط على نفسه في أمري وعلي إنفاذ ذلك والوفاء له به ولا أنقص من ذلك ولا أغيره ولا أبدله ولا أقدم قبله أحدا من ولدي ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين إلا أن يولي أمير المؤمنين هارون أحدا من ولده العهد من بعدي فيلزمني ومحمدا الوفاء له
وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد علي الوفاء بما شرطت وسميت في كتابي هذا ما وفى لي محمد بجميع ما اشترط لي أمير المؤمنين عليه في نفسي وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة في هذا الكتاب الذي كتبه لي وعلي عهد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمتي وذمم آبائي وذمم المؤمنين وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها ونهى عن نقضها وتبديلها فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت وسميت في كتابي هذا أو غيرت أو بدلت أو نكثت أو غدرت فبرئت من الله عز و جل من ولايته ودينه ومحمد رسول الله صلى الله عليه و سلم ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا وكل امرأة هي لي اليوم أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا ألبتة طلاق الحرج وكل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله وعلي المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة نذرا واجبا علي في عنقي حافيا

(4/654)


راجلا لا يقبل الله مني إلا الوفاء بذلك وكل مال لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة وكل ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لا أضمر غيره ولا أنوي غيره
وشهد سليمان ابن أمير المؤمنين وفلان وفلان وكتب في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائة
نسخة كتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمال
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله ولي أمير المؤمنين وولي ما ولاه والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه والصانع له فيما قدم وأخر من أموره والمنعم عليه بالنصر والتأييد في مشارق الأرض ومغاربها والكالئ والحافظ والكافي من جميع خلقه وهو المحمود على جميع آلائه المسؤول تمام حسن ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين وعادته الجميلة عند وإلهام ما يرضى به ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله وقد كان من نعمة الله عز و جل عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما أملت الأمة ومدت إليه أعناقها وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبة والمودة والسكون إليهما والثقة بهما لعماد دينهم وقوام أمورهم وجمع ألفتهم وصلاح دهمائهم ودفع المحذور والمكروه من الشتات والفرقة عنهم حتى ألقوا إليهما أزمتهم وأعطوهما يعتهم وصفقات إيمانهم بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان المغلظة عليهم أراد الله فلم يكن له مرد وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته ولا صرف له عن محبته ومشيئته وما سبق في علمه منه وأمير المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما في ذلك وعلى الأمة كافة لا عاقب لأمر الله ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه
ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عقد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من بعد أمير المؤمنين ولعبد الله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين يعمل فكره ورأيه ونظره ورويته فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية والجمع للكلمة واللم للشعث والدفع للشتات والفرقة والحسم لكيد أعداء النعم من أهل الكفر والنفاق والغل والشقاق والقطع لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما ويستخير الله أمير المؤمنين في ذلك ويسأله العزيمة له على ما فيه الخيرة لهما ولجميع الأمة والقوة في أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما وصلاح ذات بينهما وتحصينهما من كيد أعداء النعم ورد حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما
فعزم الله لأمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره واكتتاب الشرط على كل واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشد المواثيتى والعهود وأغلظ الأيمان والتوكيد والأخذ لكل واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع ألفتهما ومودتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسن النظر لأنفسهما ولرعية أمير المؤمنين التي استرعاهما والجماعة لدين الله عز و جل وكتابه وسنن نبيه صلى الله عليه و سلم الجهاد لعدو المسلمين من كانوا وحيث كانوا وقطع طمع كل عدو مظهر للعداوة ومسر لها وكل منافق ومارق وأهل الأهواء الضالة المضلة من تكيد بكيد توقعه بينهما وبدحس يدحس به لهما وما يلتمس أعداء لله وأعداء النعم وأعداء دينه من الضرب بين الأمة والسعي بالفساد في الأرض والدعاء إلى البدع والضلالة نظرا من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ومناصحة لله ولجميع المسلمين وذبا عن السلطان الذي قدره وتوحد فيه للذي حمله إياه والاجتهاد في كل ما فيه قربة إلى

(4/655)


الله وما ينال به رضوانه والوسيلة عنده
فلما قدم مكة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه في ذلك وما نظر فيه لهما فقبلا كل ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله وكتبا لأمير المؤمنين في بطن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما بمحضر ممن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقواده وصحابته وقضاته وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحجبة وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة
فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كله في داخل بيت الله الحرام وبطن الكعبة أمر قضاته الذين شهدوا عليهما وحضروا كتابهما أن يعلموا جميع من حضر الموسم من الحاج والعمار ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويعوه ويعرفوه ويحفظوه ويؤدوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم ففعلوا ذلك وقرئ عليهم الشرطان جميعا في المسجد الحرام فانصرفوا وقد اشتهر ذلك عندهم وأثبتوا الشهادة عليه وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم وحقن دمائهم ولم شعثهم وإطفاء جمرة أعداء الله أعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم وأظهروا الدعاء لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه في ذلك
وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما لأمير المؤمنين ابناه محمد وعبد الله في بطن الكعبة في أسفل كتابه هذا فاحمد الله عز و جل على ما صنع لمحمد وعبد الله ولبى عهد المسلمين حمدا كثيرا واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليي عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمة محمد صلى الله عليه و سلم كثيرا
واقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلك من المسلمين وأفهمهم إياه وقم به بينهم وأثبته في الديوان قبلك وقبل قواد أمير المؤمنين ورعيته قبلك واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك إن شاء الله وحسبنا الله ونعم الوكيل وبه الحول والقوة والطول
وكتب إسماعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ست وثمانين ومائة
قال وأمر هارون الرشيد لعبد الله المأمون بمائة ألف دينار وحملت له إلى بغداد من الرقة
قال وكان الرشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى بالعمر صار إلى الرقة ثم قدم بغداد وقد كانت توالت عليه الشكاية من علي بن عيسى بن ماهان من خراسان وكثر عليه القول عنده فأجمع على عزله من خراسان وأحب أن يكون قريبا منه فلما صار إلى بغداد شخص بعد مدة منها إلى قرماسين وذلك في سنة تسع وثمانين ومائة وأشخص إليها عدة رجال من القضاة وغيرهم وأشهدهم أن جميع ماله في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وما سواه أجمع لعبد الله المأمون وأنه ليس فيه قليل ولا كثير بوجه ولا سبب وجدد البيعة له على من كان معه ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون أمير المؤمنين وعلى من كان بحضرته لعبد الله والقاسم على النسخة التي كان أخذها عليه الرشيد بمكة وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت إليه الخلافة فقال إبراهيم الموصلي في بيعة هارون لابنيه في الكعبة ... خير الامور مغبة ... وأحق أمر بالتمام ... أمر قضى إحكامه الر ... حمان في البيت الحرام

(4/656)


ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك قتل الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد وإيقاعه بالبرامكة
ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته
أما سبب غضبه عليه الذي قتله عنده فإنه مختلف فيه فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع بن جبريل عن أبيه أنه قال إني لقاعد في مجلس الرشيد إذ طلع يحيى بن خالد وكان فيما مضى يدخل بلا إذن فلما دخل وصار بالقرب من الرشيد وسلم رد عليه ردا ضعيفا فعلم يحيى أن أمرهم قد تغير
قال ثم أقبل علي الرشيد فقال يا جبريل يدخل عليك وأنت في منزلك أحد بلا إذنك فقلت لا ولا يطمع في ذلك قال فما بالنا يدخل علينا بلا إذن فقام يحيى فقال يا أمير المؤمنين قدمني الله قبلك والله ما ابتدأت ذلك الساعة وما هو إلا شيء كان خصني به أمير المؤمنين ورفع به ذكري حتى إن كنت لأدخل وهو في فراشه مجردا حينا وحينا في بعض إزاره وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب وإذ قد علمت فإني أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الإذن أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك قال فاستحيا قال وكان من أرق الخلفاء وجها وعيناه في الأرض ما يرفع إليه طرفه ثم قال ما أردت ما تكره ولكن الناس يقولون قال فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ثم أمسك عنه وخرج يحيى
وذكر عن أحمد بن يوسف أن ثمامة بن اشرس قال أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيئا وقد جعلته فيما بينك وبين الله فكيف أنت إذا وقفت بين يديه فسألك عما عملت في عباده وبلاده فقلت يا رب إني استكفيت يحيى أمور عبادك أتراك تحتج بحجة يرضى بها مع كلام فيه توبيخ وتقريع فدعا الرشيد يحيى وقد تقدم إليه خبر الرسالة فقال تعرف محمد بن الليث قال نعم قال فأي الرجال هو قال متهم على الإسلام فأمر به فوضع في المطبق دهرا فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه فأحضر فقال له بعد مخاطبة طويلة يا محمد أتحبني قال لا والله يا أمير المؤمنين قال تقول هذا قال نعم وضعت في رجلي الأكبال وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت ولا حدث أحدثت سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله ويحب الإلحاد وأهله فكيف أحبك قال صدقت وأمر بإطلاقه ثم قال يا محمد اتحبني قال لا والله يا أمير المؤمنين ولكن قد ذهب ما في قلبي فأمر أن يعطى مائة ألف درهم فأحضرت فقال يا محمد أتحبني قال أما الآن فنعم قد أنعمت علي وأحسنت إلي قال انتقم الله ممن ظلمك وأخذ لك بحقك ممن بعثني

(4/657)


عليك قال فقال الناس في البرامكة فأكثروا وكان ذلك أول ما ظهر من تغير حالهم
قال وحدثني محمد بن الفضل بن سفيان مولى سليمان بن أبي جعفر قال دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرشيد فقام الغلمان إليه فقال الرشيد لمسرور الخادم مر الغلمان ألا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار قال فدخل فلم يقم إليه أحد فاربد لونه قال وكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوه أعرضوا عنه قال فكان ربما استسقى الشربة من الماء أو غيره فلا يسقونه وبالحري إن سقوه أن يكون ذلك بعد ان يدعو بها مرارا
وذكر أبو محمد اليزيدي وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم قال من قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله بن حسن فلا تصدقه وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه ثم دعا به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره فأجابه إلى أن قال اتق الله في أمري ولا تتعرض أن يكون خصمك غدا محمد صلى الله عليه و سلم فوالله ما أحدثت حدثا ولا أويت محدثا فرق عليه وقال له اذهب حيث شئت من بلاد الله قال وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذ بعد قليل فأرد إليك أو إلى غيرك فوجه معه من أداه إلى مأمنه وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له عليه من خاص خدمه فعلا الأمر فوجده حقا وانكشف عنده فدخل على الرشيد فأخبره فاراه أنه لا يعبأ بخبره وقال وما أنت وهذا لا أم لك فلعل ذلك عن أمري فانكسر الفضل وجاءه جعفر فدعا بالغداء فأكلا وجعل يلقمه ويحادثه إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال ما فعل يحيى بن عبد الله قال بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس الضيق والأكبال قال بحياتي فأحجم جعفر وكان من أدق الخلق ذهنا وأصحهم فكرا وهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره فقال لا وحياتك يا سيدي ولكن أطلقته وعلمت أنه لا حياة به ولا مكروه عنده قال نعم ما فعلت ما عدوت ما كان في نفسي فلما خرج أتبعه بصره حتى كاد يتوارى عن وجهه ثم قال قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم اقتلك فكان من أمره ما كان
وحدث إدريس بن بدر قال عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى فقال يا أمير المؤمنين نصيحة فادع بي إليك فقال لهرثمة خذ الرجل إليك وسله عن نصيحته هذه فسأله فأبى أن يخبره وقال هي سر من أسرار الخليفة فأخبر هرثمة الرشيد بقوله قال فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له قال فلما كان في الهاجرة انصرف من كان عنده ودعا به فقال أخلني فالتفت هارون إلى بنيه فقال انصرفوا يا فتيان فوثبوا وبقي خاقان وحسين على رأسه فنظر إليهما الرجل فقال الرشيد تنحيا عني ففعلا ثم أقبل على الرجل فقال هات ما عندك فقال على أن تؤمنني قال على أن أؤمنك وأحسن إليك قال كنت بحلوان في خان من خاناتها فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ وإذا معه جماعة ينزلوا إذا نزل ويرحلون إذا رحل ويكونون منه بصدد يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم من أعوانه ومع كل واحد منهم منشور يأمن به إن عرض له قال أوتعرف يحيى بن عبد الله قال أعرفه قديما وذلك الذي حقق معرفتي به بالأمس قال فصفه لي قال مربوع أسمر رقيق السمرة أجلح حسن العينين عظيم البطن قال صدقت هو ذاك قال فما سمعته يقول قال ما سمعته يقول شيئا غير أني رأيته يصلي ورأيت غلاما من غلمانه أعرفه قديما جالسا على باب الخان فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع جبة الصوف فلما كان بعد الزوال صلى صلاة ظننتها العصر وأنا أرمقه أطال في

(4/658)


الأوليين وخفف في الأخريين فقال لله أبوك لجاد ما حفظت عليه نعم تلك صلاة العصر وذاك وقتها عند القوم أحسن الله جزاءك وشكر سعيك فمن أنت قال أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدولة وأصلي من مرو ومولدي مدينة السلام قال فمنزلك بها قال نعم فأطرق مليا ثم قال كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي قال أبلغ من ذلك حيث أحب أمير المؤمنين قال كن بمكانك حتى أرجع فطفر في حجرة كانت خلف ظهره فأخرج كيسا فيه ألفا دينار فقال خذ هذه ودعني وما أدبر فيك فأخذها وضم عليها ثيابه ثم قال يا غلام فأجابه خاقان وحسين فقال اصفعا ابن اللخناء فصفعاه نحوا من مائة صفعة ثم قال أخرجاه إلى من بقي في الدار وعمامته في عنقه وقولا هذا جزاء من يسعى بباطنة أمير المؤمنين وأوليائه ففعلا ذلك وتحدثوا بخبره ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما كان ألقي إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان
وذكر يعقوب بن إسحاق أن إبراهيم بن المهدي حدثه قال أتيت جعفر بن يحيى في داره التي ابتناها فقال لي أما تعجب من منصور بن زياد قال قلت فبماذا قال سألته هل ترى في داري عيبا قال نعم ليس فيها لبنة ولا صنوبرة قال إبراهيم فقلت الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها نحوا من عشرين ألف ألف درهم وهو شيء لا آمنه عليك غدا بين يدي أمير المؤمنين قال هو يعلم أنه قد وصلني بأكثر من ذلك وضعف ذلك سوى ما عرضني له قال قلت إن العدو إنما يأتيه في هذا من جهة أن يقول يا أمير المؤمنين إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم فأين نفقاته وأين صلاته وأين النوائب التي تنوبه وما ظتك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك وهذه جملة سريعة إلى القلب والموقف على الحاصل منها صعب قال إن سمع مني قلت إن لأمير المؤمنين نعما على قوم قد كفروها بالستر لها أو بإظهار القليل من كثيرها وأنا رجل نظرت إلى نعمته عندي فوضعتها في رأس جبل ثم قلت للناس تعالى فانظروا
وذكر زيد بن علي بن حسين بن زيد أن إبراهيم بن المهدي حدثه أن جعفر بن يحيى قال له يوما وكان جعفر بن يحيى صاحبه عند الرشيد وهو الذي قربه منه إني قد استربت بأمر هذا الرجل يعني الرشيد وقد ظننت أن ذلك لسابق سبق في نفسي منه فأردت أن أعتبر ذلك بغيري فكنت أنت فارمق ذلك في يومك هذا وأعلمني ما ترى منه قال ففعلت ذلك في يومي فلما نهض الرشيد من مجلسه كنت أول أصحابه نهض عنه حتى صرت إلى شجر في طريقي فدخلتها ومن معي وأمرتهم بإطفاء الشمع وأقبل الندماء يمرون بي واحدا واحدا فأراهم ولا يروني حتى إذا لم يبق منهم أحد إذا أنا بجعفر قد طلع فلما جاوز الشجر قال أخرج يا حبيبي قال فخرجت فقال ما عندك فقلت حتى تعلمني كيف علمت أني ها هنا قال عرفت عنايتك بما أعني به وأنك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه وعلمت أنك تكره أن ترى واقفا في مثل هذا الوقت وليس في طريقك موضع أستر من هذا الموضع فقضيت بأنك فيه قلت نعم قال فهات ما عندك قلت رأيت الرجل يهزل إذا جددت ويجد إذا هزلت قال كذا هو عندي فانصرف يا حبيبي قال فانصرفت
قال وحدثني علي بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يوما يقول ليس لدارنا هذه عيب إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء يعني نفسه

(4/659)


وذكر عن موسى بن يحيى قال خرج أبي إلى الطواف في السنة التي أصيب فيها وأنا معه من بين ولده فجعل يتعلق بأستار الكعبة ويردد الدعاء ويقول اللهم ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك ولا يعرفها سواك اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى تبلغ رضاك ولا تجعل عقوبتي في الآخرة
قال وحدثني أحمد بن حسن بن حرب قال رأيت يحيى وقد قابل البيت وتعلق بأستار الكعبة وهو يقول اللهم إن كان رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي فاسلبني اللهم إن كان رضاك في أن تسلبني أهلي وولدي فاسلبني اللهم إلا الفضل قال ثم ولى ليمضي فلما قرب من باب المسجد كر مسرعا ففعل مثل ذلك وجعل يقول اللهم إنه سمج بمثلي أن يرغب إليك ثم يستثني عليك اللهم والفضل قال فلما انصرفوا من الحج نزلوا الأنبار ونزل الرشيد بالعمر ومعه وليا العهد الأمين والمأمون ونزل الفضل مع الأمين وجعفر مع المأمون ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه ومحمد بن يحيى في منزل ابن نوح صاحب الطراز ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعمر مع الرشيد قال وخلا الرشيد بالفضل ليلا ثم خلع عليه وقلده وأمره أن ينصرف مع محمد الأمين ودعا بموسى بن يحيى فرضي عنه وكان غضب عليه بالحيرة في بدأته لأن علي بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في أمر خراسان وأعلمه طاعة أهلها له ومحبتهم إياه وأنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال إليهم والوثوب به معهم فوقر ذلك في نفس الرشيد عليه وأوحشه منه وكان موسى أحد الفرسان الشجعان فلما قدح علي بن عيسى فيه أسرع ذلك في الرشيد وعمل فيه القليل منه ثم ركب موسى دين واختفى من غرمائه فتوهم الرشيد أنه صار إلى خراسان كما قيل له فلما صار إلى الحيرة في هذه الحجة وافاه موسى من بغداد فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفة فكان ذلك أول ثلمة ثلموا بها فركبت أم الفضل بن يحيى في أمره ولم يكن يردها في شيء فقال يضمنه أبوه فقد رفع إلي فيه فضمنه يحيى ودفعه إليه ثم رضي عنه وخلع عليه وكان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى وثقل مكانه عليه لتركه الشرب معه فكان الفضل يقول لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما شربته وكان مشغوفا بالسماع قال وكان جعفر يدخل في منادمة الرشيد حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته ويأمره بترك الأنس به فيترك أمر أبيه ويدخل معه فيما يدعوه إليه
وذكر عن سعيد بن هريم أن يحيى كتب إلى جعفر حين أعيته حيلته فيه إني إنما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك وإن كنت لأخشى أن تكون التي لا شوى لها قال وقد كان يحيى قال للرشيد يا أمير المؤمنين أنا والله أكره مداخلة جعفر معك ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك علي منك فلو أعفيته واقتصرت به على ما يتولاه من جسيم أعمالك كان ذلك واقعا بموافقتي وآمن لك علي قال الرشيد يا أبت ليس بك هذا ولكنك إنما تريد أن تقدم عليه الفضل
وقد حدثني أحمد بن زهير أحسبه عن عمه زاهر بن حرب أن سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي وكان يحضرهما إذا جلس للشرب وذلك بعد أن علم جعفر قلة صبره عنه وعنها وقال لجعفر أزوجكها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي وتقدم إليه ألا يمسها ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته فزوجها منه على ذلك فكان يحضرهما مجلسه إذا

(4/660)


جلس للشرب ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما فيثملان من الشراب وهما شابان فيقوم إليها جعفر فيجامعها فحملت منه وولدت غلاما فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك فوجهت بالمولود مع حواضن له من مماليكها إلى مكة فلم يزل الأمر مستورا عن هارون حتى وقع بين عباسه وبين بعض جواريها شر فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد وأخبرته بمكانه ومع من هو من جواريها وما معه من الحلي الذي كانت زينته به أمه فلما حج هارون هذه الحجة أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبي به من يأتيه بالصبي وبمن معه من حواضنه فلما أحضروا سأل اللواني معهن الصبي فأخبرنه بمثل القصة التي أخبرته بها الرافعة على عباسة فأراد فيما زعم قتل الصبي ثم تحوب من ذلك
وكان جعفر يتخذ للرشيد طعاما كلما حج بعسفان فيقريه إذا انصرف شاخصا من مكة إلى العراق فلما كان في هذا العام اتخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك ثم استزاره فاعتل عليه الرشيد ولم يحضر طعامه ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى
ذكر الخبر عن مقتل جعفر
ذكر الفضل بن سليمان بن علي أن الرشيد حج في سنة ست وثمانين ومائة وأنه انصرف من مكة فوافى الحيرة في المحرم من سنة سبع وثمانين ومائة عند انصرافه من الحج فاقام في قصر عون العبادي أياما ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرم أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبب وأبو زكار الأعمى المغني الكلوذاني وهو في لهوه فأخرجه إخراجا عنيفا يقوده حتى أتى به المنزل الذي فيه الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به فأمر بضرب عنقه ففعل ذلك
وذكر عن علي بن أبي سعيد أن مسرورا الخادم حدثه قال أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لما أراد قتله فأتيته وعنده أبو زكار الأعمى المغنى وهو يغنيه ... فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي ...
قال فقلت له يا أبا الفضل الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك أجب أمير المؤمنين قال فرفع يديه ووقع على رجلي يقبلهما وقال حتى أدخل فأوصي قلت أما الدخول فلا سبيل إليه ولكن أوصا بما شئت فتقدم في وصيته بما أراد وأعتق مماليكه ثم أتتني رسل أمير المؤمنين تستحثني به قال فمضيت به إليه فأعلمته قال لي وهو في فراشه ائتني برأسه فأتيت جعفر فأخبرته فقال يا أبا هاشم الله الله والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران فدافع بأمري حتى أصبح أؤامراه في ثانية فعدت لأؤامره فلما سمع حسي قال يا ماص بظر أمه ائتني برأس جعفر فعدت إلى جعفر فأخبرته فقال عاوده في ثالثة فأتيته فحذفني بعمود ثم قال نفيت من المهدي إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك أولا ثم برأسه آخرا قال فخرجت فأتيته برأسه
قال وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ومن كان منهم

(4/661)


بسبيل فلم يفلت منهم أحد كان حاضرا وحول الفضل بن يحيى ليلا فحبس في ناحية من منازل الرشيد وحبس يحيى بن خالد في منزله وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم وولاه أمورهم وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتاني وهرثمة بن أعين وإبراهيم بن حميد المروروذي وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى وجعل معه هرثمة بن أعين وأمر بقبض جميع ما لهم وكتب إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام ونصب رأسه على الجسر الأوسط وقطع جثته وصلب كل قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل ففعل السندي ذلك وأمضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصغار إلى الرشيد فأمر بإطلاقهم وأمر بالنداء في جميع البرامكة ألا أمان لمن آواهم إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه فإنه استثناهم لما ظهر من نصيحة محمد له وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة وخلى سبيل يحيى قبل شخوصه من العمر ووكل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى وبأبي المهدي صهرهم حفظة من قبل هرثمة بن أعين إلى أن وافى بهم الرقة فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيخ يوم قدم الرقة وتولى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك ثم صلب وحبس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دير القائم وجعل عليهم حفظة من قبل مسرور الخادم وهرثمة بن أعين ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم ولا ما يحتاجون إليه وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل ودنانير جارية يحيى وعدة من خدمهم وجواريهم ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح فعمهم بالتثقيف بسخطه وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد فضيق عليهم
وذكر الزبير بن بكار أن جعفر بن الحسين اللهبي حدثه أن الرشيد أتي بأنس بن أبي شيخ صبح الليلة التي قتل فيها جعفر بن يحيى فدار بينه وبينه كلام فأخرج الرشيد سيفا من تحت فراشه وأمر أن تضرب عنقه وجعل يتمثل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك ... تلمظ السيف من شوق إلى أنس ... فالسيف يلحظ والأقدار تنتظر ...
قال فضرب عنقه فسبق السييف الدم فقال الرشيد رحم الله عبد الله بن مصعب وقال الناس إن السيف كان سيف الزبير بن العوام
وذكر بعضهم أن عبد الله بن مصعب كان على خبر الناس للرشيد فكان أخبره عن أنس أنه على الزندقة فقتله لذلك وكان أحد أصحاب البرامكة
وذكر محمد بن إسحاق أن جعفر بن محمد بن حكيم الكوفي حدثه قال حدثني السندي بن شاهك قال إني لجالس يوما فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد ودفع إلي كتابا صغيرا ففضضته فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه
بسم الله الرحمن الرحيم يا سندي إذا نظرت في كتابي هذا فإن كنت قاعدا فقم وإن كنت قائما فلا

(4/662)


تقعد حتى تصير إلي قال السندي فدعوت بدوابي ومضيب وكان الرشيد بالعمر فحدثني العباس بن الفضل بن الربيع قال جلس الرشيد في الزو في الفرات ينتظرك وارتفعت غبرة فقال لي يا عباس ينبغي أن يكون هذا السندي وأصحابه قلت يا أمير المؤمنين ما أشبهه أن يكون هو قال فطلعت قال السندي فنزلت عن دابتي ووقفت فأرسل إلي الرشيد فصرت إليه ووقفت ساعة بين يديه فقال لمن كان عنده من الخدم قوموا فقاموا فلم يبق إلا العباس بن الفضل وأنا ومكث ساعة ثم قال للعباس اخرج ومر التخاتج المطروحة على الزو ففعل ذلك فقال لي ادن مني فدنوت منه فقال لي تدري فيم أرسلت إليك قلت لا والله يا أمير المؤمنين قال قد بعثت إليك في أمر لو علم به زر قميصي رميت به في الفرات يا سندي من أوثق قوادي عندي قلت هرثمة قال صدقت فمن أوثق خدمي عندي قلت مسرور الكبير قال صدقت امض من ساعتك هذه وجد في سيرك حتى توافي مدينة السلام فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك ومرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الزجل فصر إلى دور البرامكة فوكل بكل باب من أبوابهم صاحب ربع ومره أن يمنح من يدخل ويخرج خلا باب محمد بن خالد حتى يأتيك أمري قال ولم يكن حرك البرامكة في ذلك الوقت قال السندي فجئت أركض حتى أتيت مدينة السلام فجمعت أصحابي وفعلت ما أمرني به قال فلم ألبث أن أقدم علي هرثمة بن أعين ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف مضروب العنق وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أشطره باثنين وأن أصلبه على ثلاثة جسور قال ففعلت ما أمرني به
قال محمد بن إسحاق فلم يزل جعفر مصلوبا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خراسان فمضيت فنظرت إليه فلما صار بالجانب الشرقي على باب خزيمة بن خازم دعا بالوليد بن جشم الشاري من الحبس وأمر أحمد بن الجنيد الختلي وكان سيافه فضرب عنقه ثم التفت إلى السندي فقال ينبغي أن يحرق هذا يعني جعفرا فلما مضى جمع السندي له شوكا وحطبا وأحرقه
وقال محمد بن إسحاق لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى قيل ليحيى بن خالد قتل أمير المؤمنين ابنك جعفرا قال كذلك يقتل ابنه قال فقيل له خربت ديارك قال كذلك تخرب دورهم
وذكر الكرماني أن بشارا التركي حدثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعمر في اليوم الذي قتل جعفرا في آخره فكان ذلك اليوم يوم الجمعة وجعفر بن يحيى معه قد خلا به دون ولاة العهد وهو يسير معه وقد وضع يده على عاتقه وقبل ذلك ما غلفه بالغالية بيد نفسه ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب فلما أراد الدخول ضمه إليه وقال له لولا أني على الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك فأقم أنت في منزلك واشرب أيضا واطرب لتكون أنت في مثل حالي فقال لا والله ما أشتهي ذلك إلا معك فقال له بحياتي لما شربت فانصرف عنه إلى منزله فلم تزل رسل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين حتى ذهب الليل ثم بعث إليه مسرورا فحبس عنده وأمر بقتله وحبس الفضل ومحمد وموسى ووكل سلاما الأبرش بباب يحيى بن خالد ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لأحد من ولده وحشمه
قال فحدثني العباس بن بزيع عن سلام قال لما دخلت على يحيى في ذلك الوقت وقد هتكت الستور وجمع المتاع قال لي يا أبا سلمة هكذا تقوم الساعة قال سلام فحدثت بذلك الرشيد بعدما

(4/663)


انصرفت إليه فأطرق مفكرا
قال وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي قال كان سكني إلى يحيى فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشية التي كان آخر أمره وقد صار إلى أمير المؤمنين في حراقته فدخل إليه من باب صاحب الخاصة فكلمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاح الثغور وغزو البحر ثم خرج فقال للناس قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم وبعث إلى أبي صالح يحيى بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك ثم لم يزل يحدثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب ووافانا في وقت السحر خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم قال فكتبت إلى يحيى أعزيه فكتب إلي أنا بقضاء الله راض وبالخيار منه عالم ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم وما ربك بظلام للعبيد وما يعفو الله أكثر ولله الحمد
قتل وقال جعفر بن يحيى في ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثلاثين سنة وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة وفي ذلك يقول الرقاشي ... أيا سبت يا شر السبوت صبيحة ... ويا صفر المشؤوم ما جئت أشأما ... أتى السبت بالأمر الذي هد ركننا ... وفي صفر جاء البلاء مصمما ...
قال وذكر عن مسرور أنه أعلم الرشيد أن جعفرا سأله أن تقع عينه عليه فقال لا لأنه يعلم أن وقعت عيني عليه لم أقتله
قال وفيهم يقول الرقاشي وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس ... ألان استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي ... فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفدا بعد فدفد ... وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود ... وقل للعطايا بعد فضل تعطلي وقل للرازيا كل يوم تجدي ... ودونك سيف برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند ...
وفيهم يقول في شعر له طويل ... إن يغدر الزمن الخؤون بنا فقد ... غدر الزمان بجعفر ومحمد ... حتى إذا وضح النهار تكشفت ... عن قتل أكرم هالك لم يلحد ... واليبض لولا أنها مأمورة ... ما فل حد مهند بمهند ... يا آل برمك كم لكم من نائل ... وندى كعد الرمل غير مصرد ... إن الخليفة لا يشك أخوكم ... لكنه في برمك لم يولد ... نازعتموه رضاع أكرم حرة ... مخلوقة من جوهر وزبرجد ... ملك له كانت يد فياضة ... أبدا تجود بطارف وبمتلد ... كانت يدا للجود حتى غلها ... قدر فأضحى الجود مغلول اليد ...
وفيهم يقول سيف بن إبراهيم

(4/664)


هوت أنجم الجدوى وشلت يد الندى ... وغاضت بحور الجود بعد البرامك ... هوت أنجم كانت لأبناء برمك ... بها يعرف الحادي طريق المسالك ...
وقال ابن أبي كريمة ... كل معير أعير مرتبة ... بعد فتى برمك على غرر ... صالت عليه من الزمان يد ... كان بها صائلا على البشر ...
وقال العطوي أبو عبد الرحمن ... أما والله لولا قول واش ... وعين للخليفة لا تنام ... لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام ... على الدنيا وساكنها جميعا ... ودولة آل برمك السلام ...
وفي قتل جعفر قال أبو العتاهية ... قولا لمن يرتجي الحياة أما ... في جعفر عبرة ويحياه ... كانا وزيري خليفة الله ها ... رون هما ما هما خليلاه ... فذاكم جعفر برمته ... في حالق رأسه ونصفاه ... والشيخ يحيى الوزير أصبح قد ... نحاه عن نفسه وأقصاه ... شتت بعد التجميع شملهم ... فأصبحوا في البلاد قد تاهوا ... كذاك من يسخط الإله بما ... يرضي به العبد يجزه الله ... سبحان من دان الملوك له ... أشهد أن لا إله إلا هو ... طوبى لمن تاب بعد غرته ... فتاب قبل الممات طوباه ...
قال وفي هذه السنة هاجت العصبية بدمشق بين المضرية واليمانية فوجه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم
وفيها زلزلت المصيصة فانهدم بعض سورها ونضب ماؤهم ساعة الليل
وفيها خرج عبد السلام بآمد فحكم فقتله يحيى بن سعيد العقيلي
وفيها مات يعقوب بن داود بالرقة
وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة فوهبه الله وجعله قربانا له ووسيلة وولاه العواصم
وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه
ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أن عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن كان من رجال الناس وكان عبد الملك يكنى به وكان لإبنه عبد الرحمن لسان على فأفأة فيه فنصب لأبيه

(4/665)


عبد الملك وقمامة فسعيا به إلى الرشيد وقالا له إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع فذكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه فقال له الرشيد أكفرا بالنعمة وجحودا لجليل المنة والتكرمة فقال يا أمير المؤمنين لقد بؤت إذا بالندم وتعرضت لاستحلال النقم وما ذاك إلا بغي حاسد نافسني فيك مودة القرابة وتقديم الولاية إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم في أمته وأمينه على عترته لك فيها فرض الطاعة وأداء النصيحة ولها عليك العدل في حكمها والتثبت في حادثها والغفران لذنوبها فقال له الرشيد أتضع لي من لسانك وترفع لي من جنانك هذا كتابك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك فاسمع كلامه فقال عبد الملك أعطاك ما ليس في عقده ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني وأحضر قمامة فقال له الرشيد تكلم غير هائب ولا خائف قال أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك فقال عبد الملك أهو كذاك يا قمامة قال قمامة نعم لقد أردت ختل أمير المؤمنين فقال عبد الملك كيف لا يكذب علي من خلفي وهو يبهتني في وجهي فقال له الرشيد وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك وفساد نيتك ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك فبم تدفعهما عنك فقال عبد الملك بن صالح هو مأمور أو عاق مجبور فإن كان مأمورا فمعذور وإن كان عاقا ففاجر كفور أخبر الله عز و جل بعداوته وحذر منه بقوله إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذورهم
قال فنهض الرشيد وهو يقول أما أمرك فقد وضح ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضي الله فيك فإنه الحكم بيني وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإني أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه وأمر الله على رضاه
قال فلما كان بعد ذلك جلس مجلسا آخر فسلم لما دخل فلم يرد عليه فقال عبد الملك ليس هذا يوما أحتج فيه ولا أجاذب منازعا وخصما قال ولم قال لأنه أوله جرى على غير السنة فأنا أخاف آخره قال وما ذاك قال لم ترد علي السلام أنصف نصفة العوام قال السلام عليكم اقتداء بالسنة وإيثارا للعدل واستعمالا للتحية ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك
أريد حياته ويريد قتلي البيت
ثم قال أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وعارضها قد لمع وكأني بالوعيد قد أورى نارا تسطع فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم فمهلا فبي والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها فنذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل فقال عبد الملك اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك وفي رعيته التي استرعاك ولا تجعل الكفر مكان الشكر ولا العقاب موضع الثواب فقد نخلت لك النصيحة ومحضت لك الطاعة وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم وتركت عدوك مشتغلا فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن بللته بظل أفصح الكتاب لي بعضه أو ببغي باغ ينهس اللحم ويالغ الدم فقد والله سهلت لك الوعور وذللت لك

(4/666)


الأمور وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور فكم من ليل تمام فيك كابدته ومقام صيق قمته كنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب ... ومقام ضيق فرجته ... ببناني ولساني وجدل ... لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي وزحل ...
قال فقال له الرشيد أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقك
وذكر زيد بن علي بن الحسين العلوي قال لما حبس الرشيد عبد الملك بن صالح دخل عليه عبد الله بن مالك وهو يومئذ على شرطه فقال أفي إذن أنا فأتكلم قال تكلم قال لا والله العظيم يا أمير المؤمنين ما علمت عبد الملك إلا ناصحا فعلام حبسته قال ويحك بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين يعني الأمين والمأمون فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه قال أما إذ حبسته يا أمير المؤمنين فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه ولكن أرى أن تحبسه محبسا كريما يشبه محبس مثلك مثله قال فإني أفعل قال فدعا الرشيد الفضل بن الربيع فقال امض إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسه فقل له انظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمر به حتى يقام لك فذكر قصته وما سأل
قال وقال الرشيد يوما لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلمه ما أنت لصالح قال فلمن أنا قال لمروان الجعدي قال ما أبالي أي الفحلين غلب علي فحبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع فلم يزل محبوسا حتى توفي الرشيد فأطلقه محمد وعقد له على الشأم فكان مقيما بالرقة وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه لئن قتل وهو حي لا يعطي المأمون طاعة أبدا فمات قبل محمد فدفن في دار من دور الإمارة فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له حول أباك من داري فنبشت عظامه وحولت كان قال لمحمد إن خفت فالجأ إلي فوالله لأصوننك
وذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بن خالد إن عبد الملك بن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك وقد علمت ذلك فأعلمني ما عندك فيه فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك فقال والله يا أمير المؤمنين ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذا ولو اطلعت عليه لكنت صاحبه دونك لأن ملكك كان ملكي وسلطانك كان سلطاني والخير والشر كان فيه علي ولي فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع في ذلك مني وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بي أكثر من فعلك أعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن ولكنه كان رجلا محتملا يسرني أن يكون في أهلك مثله فوليته لما أحمدت من مذهبه وملت إليه لأدبه واحتماله رجلا فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه فقال إن أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك فقال له أنت مسلط علينا فافعل ما أردت على أنه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي فبم يدخل الفضل في ذلك فقال الرسول للفضل قم فإنه لا بد من إنفاذ أمر أمير المؤمنين فيك فلم يشك أنه قاتله فودع أباه وقال له ألست راضيا عني قال بلى فBك ففرق بينهما ثلاثة أيام فلما لم يجده عنده من ذلك شيئا جمعهما كما كانا
وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل لما كان أعداؤهم يفرقونهم به عنده فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما أعلمه بلغ من يحيى فأخرج ما في نفسه فقال له قل له يقتل ابنك مثله قال مسرور فلما سكن

(4/667)


عن الرشيد الغضب قال كيف قال فأعدت عليه القول قال قد خفت والله قوله لأنه قلما قال لي شيئا إلا رأيت تأويله
وقيل بينما الرشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح إذ هتف به هاتف وهو يساير عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين طأطئ من إشرافه وقصر من عنانه واشدد من شكائمه وإلا أفسد عليك ناحيته فالتفت إلى عبد الملك فقال ما يقول هذا يا عبد الملك قال عبد الملك مقال باغ ودسيس حاسد فقال له هارون صدقت نقص القوم ففضلتهم وتخلفوا وتقدمتهم حتى برز شأوك فقصر عنه غيرك ففي صدورهم جمرات التخلف وحزازات النقص فقال عبد الملك لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدا دائما أبدا
وقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مر بمنبج وبها مستقر عبد الملك هذا منزلك قال هو لك يا أمير المؤمنين ولي بك قال كيف هو قال دون بناء أهلي وفوق منازل منبج قال فكيف ليلها قال سحر كله
وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحاصرها ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا فبعث إليه الروم تبذل له ثلاثمائة وعشرين رجلا من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم إلى ذلك ورحل عن قرة وحصن سنان صلحا
ومات علي بن عيسى بن موسى في هذه الغزاة بأرض الروم وهو مع القاسم
وفي هذه السنة نقض صاحب الروم الصلح الذي كان جرى بين الذي قبله وبين المسلمين ومنع ما كان ضمنه الملك لهم قبله
ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك
وكان سبب ذلك أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحب الروم وصاحبتهم يومئذ ريني وقد ذكرنا قبل سبب الصلح الذي كان بين المسلمين وبينها فعادت الروم على ريني فخلعتها وملكت عليها نقفور والروم تذكر أن نقفور هذا من أولاد جفنة من غسان وأنه قبل الملك كان يلي ديوان الخراج ثم ماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلع الروم إياها فذكر أن نقفور لما ملك استوسقت له الروم بالطاعة كتب إلى الرشيد
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها إليها لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك
قال فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن أحدا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه خوفا من زيادة قول أو فعل يكون منهم واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبد برأيه دونه فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب

(4/668)


بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يابن الكافره والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام
ثم شخص من يومه وسار حتى أناخ بباب هرقلة ففتح وغنم واصطفى وأفاد وخرب وحرق واصطلم فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة فأجابه إلى ذلك فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد وخان الميثاق وكان البرد شديدا فيئس نقفور من رجعته إليه وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه فما تهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقا عليه وعلى أنفسهم من الكرة في مثل تلك الأيام فاحتيل له بشاعر من أهل خرة يكنى أبا محمد عبد الله بن يوسف ويقال هو الحجاج بن يوسف التيمي فقال ... نقض الذي أعطيته نقفور ... وعليه دائرة البوار تدور ... أبشر أمير المؤمنين فإنه ... غنم أتاك به الإله كبير ... فلقد تباشرت الرعية أن أتى ... بالنقض عنه وافد وبشير ... ورجت يمينك أن تعجل غزوة ... تشفي النفوس مكانها مذكور ... أعطاك جزيته وطأطأ خده ... حذر الصوارم والردى محذور ... فأجرته من وقعها وكأنها ... بأكفنا شعل الضرام تطير ... وصرفت بالطول العساكر قافلا ... عنه وجارك آمن مسرور ... نفقور إنك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور ... أظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمك ما ظنتت غرور ... ألقاك حينك في زواجر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور ... إن الإمام على اقتسارك قادر ... قربت ديارك أم نأت بك دور ... ليس الأمام وإن غفلنا غافلا ... عما يسوس بحزمه ويدير ... ملك تجرد للجهاد بنفسه ... فعدوه أبدا به مقهور ... لا نصح ينفع من يغش إمامه ... والنصح من نصحائه مشكور ... يا من يريد رضا الإله لسعيه ... والله لا يخفى عليه ضمير ... نصح الإمام على الأنام فرضه ... ولأهلها كفارة وطهور ...
وفي ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية ... إمام الهدى أصبحت بالدين معنيا ... وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا ... لك أسمان شقا من رشاد ومن هدى ... فأنت الذي تدعى رشيدا ومهديا ... إذا ما سخطت الشيء كان مسخطا ... وإن ترض شيئا كان في الناس مرضيا ... بسطت لنا شرقا وغربا يد العلا ... فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا ... ووشيت وجه الأرض بالجود والندى ... فأصبح وجه الأرض بالجود موشيا ... قضى الله أن يصفو لهارون ملكه ... وكان قضاء الله في الخلق مقضيا ... تحلبت الدنيا لهارون بالرضا ... فأصبح نقفور لهارون ذميا

(4/669)


وقال التيمي ... لجت بنقفور أسباب الردة عبثا ... لما رأته بغيل الليث قد عبثا ... ومن يزر غيله لا يخل من فزع ... إن فات أنيابه والمخلب الشبثا ... خان العهود ومن ينكث بها فعلى ... حوبائه لا على أعدائه نكثا ... كان الإمام الذي ترجى فواضله ... أذاقه ثمر الحلم الذي ورثا ... فرد ألفته من بعد أن عطفت ... أزواجه مرها يبكينه شعثا ...
فلما فرغ من إنشاده قال أوقد فعل نقفور ذلك وعلم أن الوزراء قد احتالوا له في ذلك فكر راجعا في أشد محنة وأغلظ كلفة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى رضي وبلغ ما أراد فقال أبو العتاهية ... ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق بالصواب ... غدا هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة القضاب ... ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب ... أمير المؤمنين ظفرت فاسلم ... وأبشر بالغنيمة والإياب ...
وفيها قتل في قول الواقدي إبراهيم بن عثمان بن نهيك وأما غير الواقدي فإنه قال في سنة ثمان وثمانين ومائة
ذكر الخبر عن سبب مقتله
ذكر عن صالح الأعمى وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نهيك قال كان إبراهيم بن عثمان كثيرا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة فيبكي جزعا عليهم وحبا لهم إلى أن خرج من حد البكاء ودخل في باب طالبي الثأر والإحن فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ قال يا غلام سيفي ذا المنية وكان قد سمى سيفه ذا المنية فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه ثم يقول واجعفراه واسيداه والله لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك عن قليل فلما كثر هذا من فعله جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع فأخبره بقوله فدخل الفضل فأخبر الرشيد فقال أدخله فدخل فقال ما الذي قال الفضل عنك فأخبره بقول أبيه وفعله فقال الرشيد فهل سمع هذا أحد معك قال نعم خادمه نوال فدعا خادمه سرا فسأله فقال لقد قال ذاك غير مرة ولا مرتين فقال الرشيد ما يحل لي أن أقتل وليا من أوليائي بقول غلام وخصي لعلهما تواصيا على هذه المنافسة الابن على المرتبة ومعاداة الخادم لطول الصحبة فترك ذلك أياما ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشك عن قلبه والخاطرعن وهمه فدعا الفضل بن الربيع فقال إني أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه فإذا رفع الطعام فادع بالشراب وقل له أجب أمير المؤمنين فينادمك إذ كنت منه بالمحل الذي أنت به فإذا شرب فاخرج وخلني وإياه ففعل ذلك الفضل بن الربيع وقعد إبراهيم للشراب ثم وثب الفضل بن الربيع للقيام فقال له الرشيد مكانك يا إبراهيم فقعد فلما طابت نفسه أومأ الرشيد إلى الغلمان فتنحوا عنه ثم قال يا إبراهيم كيف أنت وموضع السر منك قال يا سيدي إنما أنا كأخص عبيدك وأطوع خدمك قال إن في نفسي أمرا أريد أن أودعكه وقد ضاق صدري به وأسهرت به ليلي قال يا سيدي إذا لا يرجع عني إليك أبدا وأخفيه عن جنبي أن يعلمه

(4/670)


ونفسي أن تذيعه قال ويحك إني ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامة ما احسن أن اصفها فوددت اني خرجت من ملكي وأنه كان بقي لي فما وجدت طعم النوم منذ فارقته ولا لذة العيش منذ قتلته قال فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه وأذرى عبرته وقال رحم الله أبا الفضل وتجاوز عنه والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله وأوطئت العشوة في أمره وأين يوجد في الدنيا مثله وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين دينا فقال الرشيد قم عليك لعنة الله يابن اللخناء فقام ما يعقل ما يطأ فانصرف إلى أمه فقال يا أم ذهبت والله نفسي قال كلا إن شاء الله وما ذاك يا بني قال ذاك أن الرشيد امتحنني بمحنة والله ولو كان لي ألف نفس لم أنج بواحدة منها فما كان بين هذا وبين أن أدخل عليه ابنه فضربه بسيفه حتى مات إلا ليال قلائل
وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي

(4/671)


ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة ودخوله أرض الروم من درب الصفصاف فخرج للقائه نقفور فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه فانصرف ومر بقوم من المسلمين فجرح ثلاث جراحات وانهزم وقتل من الروم فيما ذكر أربعون ألف وسبعمائة وأخذ أربعة آلاف دابة
وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق
وحج بالناس فيها الرشيد فجعل طريقه على المدينة فأعطى أهلها نصف العطاء وهذه الحجة هي آخر حجة حجها الرشيد فيما زعم الواقدي وغيره

(4/672)


ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من شخوص هارون الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الري
ذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث في خرجته تلك في سفره
ذكر أن الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خراسان علي بن عيسى بن ماهان فاشار عليه ألا يفعل فخالفه الرشيد في أمره وولاه إياها فلما شخص علي بن عيسى إليها ظلم الناس وعسر عليهم وجمع مالا جليلا ووجه إلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به علي إليه وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه فعظمت في عينه وجل عنده قدرها وإلى جانبه يحيى بن خالد فقال له يا أبا علي هذا الذي أشرت علينا ألا نوليه هذا الثغر فقد خالفناك فيه فكان في خلافك البركة وهو كالمازح معه إذ ذاك فقد ترى ما أنتج رأينا فيه وما كان من رأيك فقال يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أنا وإن كنت أحب أن أصيب في رأيي وأوفق في مشورتي فأنا أحب من ذلك أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى وفراسته أثقب وعلمه أكثر من علمي ومعرفته فوق معرفتي وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين وما أسأل الله أن يعيذه ويعفيه من سوء عاقبته ونتائج مكروهه قال وما ذاك فأعلمه قال ذاك أني أحسب أن هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم فيها الاشراف أخذ أكثرها ظلما وتعديا ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرخ قال وكيف ذاك قال قد ساومنا عونا على السفط الذي جاءنا به من الجوهر وأعطيناه به سبعة آلاف ألف فأبى أبى أن يبيعه فأبعث إليه الساعة بحاجتي فآمره أن يرده إلينا لنعيد فيه نظرنا فإذا جاء به جحدناه وربحنا سبعة آلاف ألف ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك وعلى أن هذا أسلم عاقبة وأستر أمرا من فعل علي بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها فأجمع لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعي وأيسر أمر وأجمل جباية مما جمع علي في ثلاث سنين
فوقرت في نفس الرشيد وحفظها وأمسك عن ذكر علي بن عيسى عنده فلما عاث علي بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها وأخذ أموالهم واستخف برجالهم كتب رجال من كبرائها ووجوهها إلى الرشيد وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها تشكو سوء سيرته وخبث طعمته ورداءه مذهبه وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحب من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقواده فدعا يحيى بن خالد فشاوره في أمر علي بن عيسى وفي صرفه وقال له أشر علي برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق ويرتق ما فتق

(4/673)


فأشار عليه بيزيد بن مزيد فلم يقبل مشورته
وكان قيل للرشيد إن علي بن عيسى قد أجمع على خلافك فشخص إلى الري من أجل ذلك منصرفه من مكة فعسكر بالنهروان لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم ثم سار إلى الري فلما صار بقرماسين اشخص إليه جماعة من القضاة وغيرهم وأشهدهم أن جميع ما له في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وما سوى ذلك لعبد الله المأمون وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير وجدد البيعة له على من كان معه ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى من بحضرته لعبد الله والقاسم وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت الخلافة إليه ثم مضى الرشيد عند انصراف هرثمة إليه إلى الري فأقام بها نحوا من أربعة أشهر حتى قدم عليه علي بن عيسى من خراسان بالأموال والهدايا والطرف من المتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدواب وأهدى بعد ذلك إلى جميع من كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدمه وقواده على قدر طبقاتهم ومراتبهم ورأى منه خلاف ما كان ظن به وغير ما كان يقال فيه فرضي عنه ورده إلى خراسان وخرج وهو مشيع له فذكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويه محمد وعبد الله وسمي المؤتمن حين وجه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام يوم السبت لإحدى عشرة خلت من رجب من هذه السنة فقال الحسن بن هانئ في ذلك ... تبارك من ساس الأمور بعلمه ... وفضل هارونا على الخلفاء ... نزال بخير ما انطوينا على التقى ... وما ساس دنيانا أبو الأمناء ...
وفي هذه السنة حين صار الرشيد إلى الري بعث حسينا الخادم إلى طبرستان فكتب له ثلاثة كتب من ذلك كتاب فيه أمان لشروين أبي قارن والآخر فيه أمان لونداهرمز جد مازيار والثالث فيه أمان لمرزبان بن جستان صاحب الديلم فقدم عليه صاحب الديلم فوهب له وكساه ورده وقدم عليه سعيد الحرشي بأربعمائة بطل من طبرستان فأسلموا على يد الرشيد وقدم ونداهرمز وقبل الأمان وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج وضمن على شرووين مثل ذلك فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه ووجه معه هرثمة فأخذ ابنه وابن شروين رهينة وقدم عليه الري أيضا خزيمة بن خازم وكان والي إرمينية فأهدى هدايا كثيرة
وفي هذه السنة ولى هارون عبد الله بن مالك طبرستان والري والرويان ودنباوند وقومس وهمذان وقال أبو العتاهية في خرجة هارون هذه وكان هارون ولد بالري ... إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده ... ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده ...
وولى هارون في طريقه محمد بن الجنيد الطريق ما بين همذان والري وولى عيسى بن جعفر بن سليمان عمان فقصع البحر من ناحية جزيرة ابن كاوان فافتتح حصنا بها وحاصر آخر فهجم عليه ابن مخلد الأزدي وهو غار فأسره وحمله إلى عمان في ذي الحجة وانصرف الرشيد بعد ارتحال علي بن عيسى إلى خراسان عن الري بأيام فأدركه الأضحى بقصر اللصوص فضحى بها ودخل مدينة السلام يوم الاثنين لليلتين بقيتا من

(4/674)


ذي الحجة فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى وطوى بغداد ولم ينزلها ومضى من فوره متوجها إلى الرقة فنزل السيلحين
وذكر عن بعض قواد الرشيد أن الرشيد قال لما ورد بغداد والله إني لأطوي مدينة ما وضعت بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها وإنها لوطني ووطن آبائي ودار مملكة بني العباس ما بقوا وحافظوا عليها وما رأى أحد من آبائي سوءا ولا نكبة منها ولا سيء بها أحد منهم قط ولنعم الدار هي ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى والحب لشجرة اللعنة بني أمية مع ما فيها من المارقة والمتلصصة ومخيفي السبيل ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبدا
وقال العباس بن الأحنف في طي الرشيد بغداد ... ما أنخنا حتى ارتحلنا فما نف ... رق بين المناخ والارتحال ... ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا ... فقرنا وداعهم بالسؤال ...
وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به فيما ذكر فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك ... وفكت بك الأسرى التي شيدت لها ... محابس ما فيها حميم يزورها ... على حين أعيا المسلمين فكاكها ... وقالوا سجون المشركين قبورها ...
ورابط فيها القاسم بدابق
وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى

(4/675)


ثم دخلت سنة تسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ظهور رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند مخالفا لهارون وخلعه إياه ونزعه يده من طاعته
ذكر الخبر عن سبب ذلك
وكان سبب ذلك فيما ذكر لنا أن يحيى بن الاشعث بن يحيى الطائي تزوج ابنة لعمه أبي النعمان وكانت ذات يسار فأقام بمدينة السلام وتركها بسمرقند فلما طال مقامه بها وبلغها أنه قد اتخذ أمهات أولاد التمست سببا للتخلص منه فعي عليها وبلغ رافعا خبرها فطمع فيها وفي مالها فدس إليها من قال لها إنه لا سبيل لها إلى التخلص من صاحبها إلا أن تشرك بالله وتحضر لذلك قوما عدولا وتكشف شعرها بين أيديهم ثم تتوب فتحل للأزواج ففعلت ذلك وتزوجها رافع وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث فرفع ذلك إلى الرشيد فكتب إلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما وأن يعاقب رافعا ويجلده الحد ويقيده ويطوف به في مدينة سمرقند مقيدا على حمار حتى يكون عظة لغيره فدرأ سليمان بن حميد الأزدي عنه الحد وحمله على حمار مقيدا حتى طلقها ثم حبسه في سجن سمرقند فهرب من الحبس ليلا من عند حميد بن المسيح وهو يومئذ على شرط سمرقند فلحق بعلي بن عيسى ببلخ فطلب الأمان فلم يجبه علي إليه وهم بضرب عنقه فكلمه فيه ابنه عيسى بن علي وجدد طلاق المرأة وأذن له في الانصراف إلى سمرقند فانصرف إليها فوثب بسليمان بن حميد عامل علي بن عيسى فقتله فوجه علي بن عيسى إليه ابنه فمال الناس إلى سباع بن مسعدة فرأسوه عليهم فوثب على رافع فقيده فوثبوا على سباع فقيدوه ورأسوا رافعا وبايعوه وطابقه من وراء النهر وافاه عيسى بن علي فلقيه رافع فهزمه فأخذ علي بن عيسى في فرض الرجال والتأهب للحرب
وفي هذه السنة غزا الرشيد الصائفة واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرقة وفوض إليه الأمور وكتب إلى الآفاق بالسمع له والطاعة ودفع إليه خاتم المنصور يتيمن به وهو خاتم الخاصة نقشه الله ثقتي آمنت به
وفيها أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون
وفيها خرجت الروم إلى عين زربة وكنيسة السوداء فأغارت وأسرت فاستنقذ أهل المصيصة ما كان في أيديهم

(4/676)


وفيها فتح الرشيد هرقلة وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم وكان دخلها فيما قيل في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق سوى الأتباع وسوى المطوعة وسوى من لا ديوان له وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع ووجه داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الروم في سبعين ألفا وافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسة وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف ومقلوبية وكان فتح الرشيد هرقلة في شوال وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوما عليها وولى حميد بن معيوف سواحل بحر الشأم إلى مصر فبلغ حميد قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة فتولى بيعهم أبو البختري القاضي فبلغ أسقف قبرس ألفي دينار
وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب واتخذ قلنسوة مكتوبا عليها غاز حاج فكان يلبسها فقال أبو المعالي الكلابي ... فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور ... ففي ارض العدو على طمر ... وفي أرض الترفه فوق كور ... وما حاز الثغور سواك خلق ... من المتخلفين على الأمور ...
ثم صار الرشيد إلى الطوانة فعسكر به ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر وأمره ببناء منزل هنالك وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار منها عن رأسه أربعة دنانير وعن رأس ابنه استبراق دينارين وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة كتابا نسخته
لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم سلام عليكم أما بعد أيها الملك فإن لي إليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك هنية يسيرة أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة كنت قد خطبتها على ابني فإن رأيت أن تسعفني بحاجتي فعل والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
واستهداه أيضا طيبا وسرادقا من سرادقاته فأمر الرشيد بطلب الجارية فأحضرت وزينت وأجلست على سرير في مضربه الذي كان نازلا فيه وسلمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور وبعث إليه بما سأل من العطر وبعث إليه من التمور والأخصبة والزبيب والترياق فسلم ذلك كله إليه رسول الرشيد فأعطاه نقفور وقر دراهم إسلاميه على برذون كميت كان مبلغه خمسين ألف درهم ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بزيون واثني عشر بازيا وأربعة أكلب من كلاب الصيد وثلاثة براذين وكان نقفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان واشترط الرشيد عليه ألا يعمر هرقلة وعلى أن يحمل نقفور ثلاثمائة ألف دينار
وخرج في هذه السنة خارجي من عبد القيس يقال له سيف بن بكر فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النورة
ونقض أهل قبرس العهد فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلها
وحج بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي

(4/677)


بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من خروج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايا فكان يتنقل بالسواد فوجه إليه طوق بن مالك فهزمه طوق وجرحه وقتل عامة أصحابه وظن طوق أنه قد قتل ثروان فكتب بالفتح وهرب ثروان مجروحا وفيها خرج أبو النداء بالشام فوجه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ وعقد له على الشأم
وفيها وقع الثلج بمدينة السلام
وفيها ظفر حماد البربري بهيصم اليماني
وفيها غلظ أمر رافع بن ليث بسمرقند
وفيها كتب أهل نسف إلى رافع يعطونه الطاعة ويسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى بن علي فوجه صاحب الشاش في إتراكه قائدا من قواده فأتوا عيسى بن علي فأحدقوا به وقتلوه في ذي القعدة ولم يعرضوا لأصحابه
وفيها ولي الرشيد حمويه الخادم بريد خراسان
وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضيق فقتلوه على مرحلتين من طرسوس في خمسين رجلا وسلم الباقون
وفيها ولي الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين وضم إليه ثلاثين ألفا من جند خراسان ومعه مسرور الخادم إليه النفقات وجميع الأمور خلا الرياسة ومضى الرشيد إلى درب الحدث فرتب هنالك عبد الله بن مالك ورتب سعيد بن سلم بن قتيبة بمرعش فاغارت الروم عليها وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم بها وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس فأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان ثم انصرف إلى الرقة
وفيها امر الرشيد بهدم الكنائس بالثغور وكتب إلى السندي بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم
وفيها عزل الرشيد بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة

(5/3)


ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد علي بن عيسى وسخطه عليه
قال أبو جعفر قد ذكر قبل سبب هلاك بن علي بن عيسى وكيف قتل ولما قتل ابنه عيسى خرج علي عن بلخ حتى أتى مرو مخافة أن يسير إليها رافع بن الليث فيستولي عليها وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالا عظيمة قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف ولم يعلم بها علي بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له فلما شخص علي عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم وتحدث به الناس فاجتمع قراء أهل بلخ ووجوهها فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعلمة فبلغ الرشيد الخبر فقال خرج علي من بلخ من غير امري وخلف مثل هذا المال وهو يزعم أنه قد أفضى إلى حلي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع فعزله عند ذلك وولى هرثمة بن اعين واستصفى أموال علي بن عيسى فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف
وذكر عن بعض الموالي أنه قال كنا بجرجان مع الرشيد وهو يريد خراسان فوردت خزائن علي بن عيسى التي أخذت له على ألف وخمسمائة بعير وكان علي مع ذلك قد أذل الأعالي من أهل خراسان وأشرافهم
وذكر أنه دخل عليه يوما هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب فسلما عليه فقال لحسين لا سلم الله عليك يا ملحد يا بن الملحد والله إني لأعرف ما أنت عليه من عداوتك للإسلام وطعنك في الدين وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه فقد أباح الله دمك وأرجو أن يسفكه الله على يدي عن قريب ويعجلك إلى عذابه ألست المرجف بي في منزلي هذا بعد ما ثملت من الخمر وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي اخرج إلى سخط الله لعنك الله فعن قريب ما تكون من أهلها فقال له الحسين أعيذ بالله الأمير أن يقبل قول واش أو سعاية باغ فإني بريء مما قرفت به قال كذبت لا أم لك قد صح عندي أنك ثملت من الخمر وقلت ما عليك به أغلظ الأدب ولعل الله أن بعاجلك ببأسه ونقمته اخرج عني عني غير مستور ولا مصاحب فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه وقال لهشام بن فرخسرو صارت دارك دار الندوة يجتمع فيها إليك السفهاء وتطعن على الولاة سفك الله دمي إن لم أسفك دمك فقال هشام جعلت فداء الأمير أنا والله مظلوم مرحوم والله ما أدع في تقريظ الأمير جهدا وفي وصفه قولا إلا خصصته به وقلته فيه فإن كنت إذا قلت خيرا نقل إليك شرا فما حيلتي قال كذبت لا أم لك لأنا أعلم بما تنطوي عليه جوانحك من ولدك وأهلك فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي فخرج فلما كان في آخر الليل دعا ابنته عالية وكانت من أكبر ولده فقال لها أي بنية إني أريد أن أفضي إليك بأمر إن أنت أظهرته قتلت وإن حفظته سلمت فاختاري بقاء أبيك على موته قالت وما ذاك جعلت فداك قال إني أخاف هذا الفاجر علي بن عيسى على دمي وقد عزمت على ان أظهر أن الفالج أصابني فإذا كان في السحر فاجمعي جواريك وتعالي إلى فراشي وحركيني فإذا رأيتي حركتي قد ثقلت فصيحي أنت وجواريك وابعثي إلى إخوتك فأعلميهم علتي وإياك ثم إياك أن تطلعي على صحة بدني أحدا من خلق الله من قريب أو بعيد ففعلت فكانت عاقلة حازمة فأقام مطروحا على فراشه حينا لا يتحرك إلا إن حرك فيقال إنه لم يعلم من أهل خراسان أحد من عزل علي بن عيسى بخبر ولا أثر غير هشام فإنه توهم عزله فصح توهمه
ويقال إنه خرج في اليوم الذي قدم فيه هرثمة لتلقيه فرآه في الطريق رجل من قواد علي بن عيسى

(5/4)


فقال صح الجسم فقال ما زال صحيحا بحمد الله وقال بعضهم بل رآه علي بن عيسى فقال أين بك فقال أتلقى أميرنا أبا حاتم قال ألم تكن عليلا قال بلى فوهب الله العافية وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة وأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكة مستجيرا بالرشيد من علي بن عيسى فأجاره
ولما عزم الرشيد على عزل علي بن عيسى دعا فيما بلغني هرثمة بن أعين مستخليا به فقال إني لم أشاور فيك أحدا ولم أطلعه على سري فيك وقد اضطرب علي ثغور المشرق وأنكر أهل خراسان أمر علي بن عيسى إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره وقد كتب يستمد ويستجيش وأنا كاتب إليه فأخبره أني أمده بك وأوجه إليه معك من الأموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن إليه قلبه وتتطلع إليه نفسه وأكتب معك كتابا بخطي فلا تفضنه ولا تطلعن فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله ولا تجاوزه إن شاء الله وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علي بن عيسى بخطي ليتعرف ما يكون منك ومنه وهون عليه أمر علي فلا تظهرنه عليه ولا تعلمنه ما عزمت عليه وتأهب للمسير وأظهر لخاصتك وعامتك أني أوجهك مددا لعلي بن عيسى وعونا له قال ثم كتب إلي علي بن عيسى بن ماهان كتابا بخطه نسخته
بسم الله الرحمن الرحيم يابن الزانية رفعت من قدرك ونوهت باسمك وأوطأت سادة العرب عقبك وجعلت أبناء ملوك العجم خولك وأتباعك فكان جزائي أن خالفت عهدي ونبذت وراء ظهرك أمري حتى عثت في الأرض وظلمت الرعية وأسخطت الله وخليفته بسوء سيرتك ورداءة طعمتك وظاهر خيانتك وقد وليت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان وأمرته أن يشد وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك ولا يترك وراء ظهوركم درهما ولا حقا لمسلم ولا معاهد إلا أخذكم به حتى ترده إلى أهله فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمالك فله أن يبسط عليكم العذاب ويصب عليك السياط ويحل بكم ما يحل بمن نكث وغير وبدل وخالف وظلم وتعدى وغشم انتقاما لله عز و جل بادئا ولخليفته ثانيا وللمسلمين والمعاهدين ثالثا فلا تعرض نفسك للتي لا شوى لها واخرج مما يلزمك طائعا أو مكرها
وكتب عهد هرثمة بخطه هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين حين ولاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه أمره بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته وأن يجعل كتاب الله إماما في جميع ما هو بسبيله فيحل حلاله ويحرم حرامه ويقف عند متشابهه ويسأل عنه أولي الفقه في دين الله وأولي العلم بكتاب الله أو يرده إلى إمامه ليريه الله عز و جل فيه رأيه ويعزم له على رشده وامره ان يستوثق من الفاسق على بن عيسى وولده وعماله وكتابه وان يشد عليهم وطأته ويحل بهم سطوته ويستخرج منهم كل مال يصح عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين فإذا استنظف ما عندهم وقبلهم من ذلك نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين وأخذهم بحق كل ذي حق حتى يردوه إليهم فإن ثبتت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين فدافعوا بها وجحدوها أن يصب عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته حتى يبلغ بهم الحال التي إن تخطاها بأدنى أدب تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم فإذا خرجوا من حق كل ذي حق أشخصهم كما تشخص العصاة من خشونة الوطاء

(5/5)


وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين إن شاء الله فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك فإني آثرت الله وديني على هواي وإرادتي فكذلك فليكن عملك وعليه فليكن أمرك ودبر في عمال الكور الذين تمر بهم في صعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمر يريبهم وظن يرعبهم وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن امانهم وعذرهم ثم أعمل بما يرضي الله منك وخليفته ومن ولاك الله أمره إن شاء الله هذا عهدي وكتابي بخطي وأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدا
وكتب أمير المؤمنين بخط يده لم يحضره إلا الله وملائكته
ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى علي بن عيسى في معاونته وتقويه أمره والشد على يديه فكتب وظهر الأمر بها وكانت كتب حمويه وردت على هارون إن رافعا لم يخلع ولا نزع السواد ولا من شايعه وإنما غايتهم عزل علي بن عيسى الذي قد سامهم المكروه
ومن ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليا عليها
ذكر الخبر عما كان من امره في شخوصه إليها وأمر علي بن عيسى وولده
ذكر أن هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذي كتب له عهده الرشيد وشيعه الرشيد وأوصاه بما يحتاج إليه فلم يعرج هرثمة على شيء ووجه إلى علي بن عيسى في الظاهر أموالا وسلاحا وخلعا وطيبا حتى إذا نزل نيسابور جمع جماعة من ثقات أصحابه وأولي السن والتجربة منهم فدعا كل رجل منهم سرا وخلا به ثم أخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره ويطووا سره وولى كل رجل منهم كورة على نحو ما كانت حاله عنده فولى جرجان ونيسابور والطباسين ونسا وسرخس وأمر كل واحد منهم بعد ان دفع إليه عهده بالمسير إلى عمله الذي ولاه على أخفى الحالات وأسترها والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهم فيها إلى الوقت الذي سماه لهم وولى إسماعيل بن حفص بن مصعب جرجان بأمر الرشيد ثم مضى حتى إذا صار من مرو على مرحلة دعا جماعة من ثقات أصحابه وكتب لهم أسماء ولد علي بن عيسى وأهل بيته وكتابه وغيرهم في رقاع ودفع إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكله بحفظه إذا هو دخل مرو خوفا من ان يهربوا إذا ظهر أمره ثم وجه إلى علي بن عيسى إن أحب الأمير أكرمه الله أن يوجه ثقاته لقبض ما معي من اموال فعل فإنه إذا تقدم المال أمامي كان أقوى للأمير وأفت في عضد اعدائه وأيضا فإني لا آمن عليه إن خلفته وراء ظهري أن يطمع فيه بعض من تسمو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة فوجه علي بن عيسى جهابذته وقهارمته لقبض المال وقال هرثمة لخزانه اشغلوهم هذه الليلة واعتلوا عليهم في حمل المال بعلة تقرب من أطماعهم وتزيل الشك عن قلوبهم ففعلوا وقال لهم الخزان حتى تؤامروا أبا حاتم في دواب المال والبغال ثم ارتحل نحو مدينة مرو فلما صار منها على ميلين تلقاه علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده لأحسن لقاء وآنسه فلما وقعت عين هرثمة عليه ثنى رجله لينزل عن دابته فصاح به علي والله لئن نزلت لأنزلن فثبت على سرجه ودنا كل منهما من صاحبه فاعتنقا وسارا وعلي يسأل هرثمة عن أمر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصته وقواده وأنصار دولته وهرثمة يجيبه حتى صار إلى قنطرة لا يجوزها إلا فارس فحبس هرثمة لجام دابته وقال لعلي سر على بركة الله فقال علي لا والله لا أفعل حتى تمضي أنت فقال إذا والله لا امضي فأنت الأمير وأنا الوزير فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلا مرو وصارا إلى منزل علي

(5/6)


ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا نهار ولا ركوب ولا جلوس فدعا علي بالغداء فطمعا وأكل معهما رجاء الخادم وكان عازما على أن لا يأكل معهما فغمزه هرثمة وقال كل فإنك جائع ولا رأي لجائع ولا حاقن فلما رفع الطعام قال له علي قد أمرت أن يفرغ لك قصر على الماشان فإن رأيت أن تصير إليه فعلت فقال له هرثمة إن معي من الأمور ما لا يحتمل تأخير المناظرة فيها ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى علي وأبلغه رسالته فلما فض الكتاب فنظر إلى أول حرف منه سقط في يده وعلم أنه قد حل به ما يخافه ويتوقعه ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييد ولده وكتابه وعماله وكان رحل معه وقر من قيود وأغلال فلما استوسق ! منه صار إلى المسجد الجامع فخطب وبسط من آمال الناس وأخبر أن أمير المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق علي بن عيسى وما امره به فيه وفي عماله وأعوانه وانه بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحق وأمر بقراءة عهده عليهم فأظهروا السرور بذلك وانفسحت آمالهم وعظم رجاؤهم وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم وكثر الدعاء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء
ثم انصرف فدعا بعلي بن عيسى وولده وعماله وكتابه فقال اكفوني مؤنتكم واعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءة الذمة من رجل كانت لعلي عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو عماله وأخفاها ولم يظهر عليها فأحضره الناس ما كانوا اودعوا إلا رجلا من أهل مرو وكان من أبناء المجوس فإنه لم يزل يتلطف للوصول إلى علي بن عيسى حتى صار إليه فقال له سرا لك عندي مال فإن احتجت إليه أولا فأولا وصبرت للقتل فيك إيثارا للوفاء وطلبا لجميل الثناء وإن استغنيت عنه حسبته عليك حتى ترى فيه رأيك فعجب علي منه وقال لو اصطنعت مثلك ألف رجل ما طمع في السلطان ولا الشيطان أبدا ثم سأله عن قيمة ما عنده فذكر له انه أودعه مالا وثيابا ومسكا وأنه لا يدري ما قدر ذلك غير أنه أودعه بخطه وانه محفوظ لم يشذ منه شيء فقال له دعه فإن ظهر عليه سلمته ونجوت بنفسك وإن سلمت به رأيت فيه رأيي وجزاه الخير وشكر له فعله ذلك أحسن شكر وكافأه عليه وبره وكان يضرب به المثل بوفائه فذكر أنه لم يستتر عن هرثمة من مال علي إلا ما كان اودعه هذا الرجل وكان يقال له العلاء بن ماهان فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلي نسائهم فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه حتى إذا لم يبق فيه إلا صوف أو خشب أو ما لا قيمة له قال للمرأة هاتي ما عليك من الحلي فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها يا هذا إن كنت محسنا فاصرف بصرك عني فوالله لا تركت شيئا من بغيتك علي إلا دفعته إليك فإن كان الرجل يتحوب من الدنو إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم و الخلخال وما قيمته عشرة دراهم ومن كان بخلاف هذه الصفة قال لاأرضى حتى أفتشك لا تكونين قد خبأت ذهبا أو درا أو ياقوتا فيضرب يده إلى مغابنها وأرفاغها فيطلب فيها ما يظن أنه قد سترته عنه حتى إذا ظن أنه قد أحكم هذا كله وجهه على بعير بلا وطاء تحته وفي عنقه سلسلة وفي رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد
فذكر عمن شهد أمر هرثمة وأمره أن هرثمة لما فرغ من مطالبة علي بن عيسى وولده وكتابه وعماله بأموال أمير المؤمنين أقامهم لمظالم الناس فكان إذا برد للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق قال اخرج للرجل من حقه وإلا بسطت عليك فيقول علي أصلح الله الأمير أجلني يوما أو يومين فيقول ذلك إلى صاحب الحق فإن شاء فعل ثم يقبل على الرجل فيقول أترى أن تدعه فإن قال نعم قال فانصرف

(5/7)


وعد إليه فيبعث علي إلى العلاء بن ماهان فيقول له صالح فلانا عني من كذا وكذا على كذا وكذا أو على ما رأيت فيصالحه ويصلح امره
وذكر أنه قام إلى هرثمة رجل فقال له أصلح الله الأمير إن هذا الفاجر أخذ مني درقة ثمينة لم يملك أحد مثلها فاشتراها على كره مني ولم أرد بيعها بثلاثة آلاف درهم فأتيت قهرمانة أطلب ثمنها فلم يعطني شيئا فأقمت حولا أنتظر ركوب هذا الفجر فلما ركب عرضت له وصحت به أيها الأمير أنا صاحب الدرقة ولم آخذ لها ثمنا إلى هذه الغاية فقذف أمي ولم يعطني حقي فخذ لي بحقي من مالي وقذفه أمي فقال لك بينة قال نعم جماعة حضروا كلامه فأحضرهم فأشهدهم على دعواه فقال هرثمة وجب عليك الحد قال ولم قال لقذفك ام هذا قال من فقهك وعلمك هذا قال هذا دين المسلمين قال فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذفك غير مرة ولا مرتين وأشهد أنك قد قذفت بنيك ما لا أحصي مرة حاتما ومرة أعين فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك ومن يأخذ لك من مولاك فالتفت هرثمة إلى صاحب الدرقة فقال أرى لك ان تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها وتترك مطالبته بقذفه أمك
ولما حمل هرثمة عليا إلى الرشيد كتب إليه كتابا يخبره ما صنع نسخته
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله عز و جل لم يزل يبلي أمير المؤمنين في كل ما قلده من خلافته واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجمل البلاء وأكمله ويعرفه في كل ما حضره ونأى عنه من خاص أموره وعامها ولطيفها وجليلها أتم الولاية وأحسن الولاية ويعطيه في ذلك كله أفضل الأمنية ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة امتنانا منه عليه وحفظا لما جعل إليه مما تطفل بإعزازه وإعزاز أوليائه واهل حقه وطاعته فيستتم الله أحسن ما عوده وعودنا من الكفاية في كل ما يؤذينا إليه ونسأله توفيقنا لما نقضي به المفترض من حقه في الوقوف عند أمره والاقتصار على رأيه
ولم ازل اعز الله أمير المؤمنين مذ فصلت عن معسكر أمير المؤمنين ممثلا ما امرني به فيما أنهضني له لا أجاوز ذلك ولا أنعداه إلى غيره ولا أتعرف اليمن والبركة إلا في امتثاله إلى أن حللت أوائل خراسان صائنا للأمر الذي أمرني أمير المؤمنين بصيانته وستره لا أفضي ذلك إلى خاصي ولا إلى عامي ودبرت في مكاتبه أهل الشاش وفرغانه وخزلهما عن الخائن وقطع طمعه وطمع من قبله عنهما ومكاتبة من ببلخ بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسرت له فلما نزلت نيسابور عملت في أمر الكور التي اجتزت عليها بتوليه من وليت عليها قبل مجاوزتي إياها كجرجان ونيسابور ونسا وسرخس ولم آل الاحتياط في ذلك واختيار الكفاة وأهل الأمانة والصحة من ثقات أصحابي وتقدمت إليهم في ستر الأمر وكتمانه وأخذت عليهم بذلك أيمان البيعة ودفعت إلى كل رجل منهم عهده بولايته أمرتهم بالمسير إلى كور أعمالهم على أخفى الحالات وأسترها والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهم بها إلى الوقت الذي سميت لهم وهو اليوم الذي قدرت فيه دخولي إلى مرو والتقائي وعلي بن عيسى وعملت في استكفائي إسماعيل بن حفص بن مصعب أمر جرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين فنفذ أولئك العمال الأمري وقام كل رجل منهم في الوقت الذى وقت له بضبط عمله واحكام ناحيته وكفى الله امير المؤمنين المؤنة في ذلك بلطيف صنعه
ولما صرت من مدينة مرو على منزل اخترت عدة من ثقات أصحابي وكتبت بتسميته ولد علي بن عيسى

(5/8)


وكتابه وأهل بيته وغيرهم بالقاعة ودفعت إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكلته بحفظه في دخولي ولم آمن لو قصرت في ذلك وأخرته ان يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره الى التغيب والانتشار فعملوا بذلك ورحلت عن موضعي إلى مدينة مرو فلما صرت منها على ميلين تلقاني علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده فلقيته بأحسن لقاء وآنسته وبلغت من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه اول ما بصرت به ما ازداد به أنسا وثقة إلى ما كان ركن إليه قبل ذلك مما كان يأتيه من كتبي فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال مني له والالتماس لإلقاء سوء الظن عنه لئلا يسبق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في أمره وأمرني به في ذلك وكان الله تبارك وتعالى هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمر فيه إلى أن ضمني وإتاه مجلسه وصرت إلى الأكل معه فلما فرغنا من ذلك بدأني يسألني المصير إلى منزل كان ارتاده لي فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها ثم دفع إليه رجاء الخادم كتاب أمير المؤمنين وأبلغه رسالته فعلم عند ذلك أن قد حل به الأمر الذي جناه على نفسه وكسسبته يداه من سخط أمير المؤمنين وتغير رأيه بخلافه أمره وتعديه سيرته
ثم صرت إلى التوكيل به ومضيت إلى المسجد الجامع فبسطت آمال الناس ممن حضر وافتتحت القول بما حملني أمير المؤمنين إليهم واعلمتهم إعظام امير المؤمنين ما أتاه ووضح عنده من سوء سيرة علي وما أمرني به فيه وفي عماله وأعوانه وإني بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم وأمرت بقراءة عهدي عليهم وأعلمتهم أن ذلك مثالي وإمامي وأني به أقتدي وعليه أحتذي فمتى زلت عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمت نفسي وأحللت بها ما يحل بمن خالف رأي أمير المؤمنين وأمره فأظهروا السرور بذلك والاستبشار وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء ثم انكفأت إلى المجلس الذي كان علي بن عيسى فيه فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتابه وعماله والاستيثاق منهم جميعا وأمرتهم بالخروج إلي من الأموال التي احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفيء ! المسلمين وإعفائي بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم فحملوا إلي أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدرا صالحا من الورق والعين وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قبلهم واستنظاف ما وراء ظهورهم ويسهل الله من ذلك أفضل ما لم يزل يعوده أمير المؤمنين من الصنع في مثله من الأمور التي يعنى بها إن شاء الله تعالى
ولم ادع عند قدومي مرو التقدم في توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة في الإعذار والإنذار والتبصير والإرشاد إلى رافع ومن قبله من أهل سمرقند وإلى من ببلخ على حسن ظني بهم في الإجابة ولزوم الطاعة والاستقامة ومهما تنصرف به رسلي إلي يا أمير المؤمنين من أخبار القوم في إجابتهم وامتناعهم أعمل على حسبه من أمرهم وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقه وصدقه وأرجو أن يعرف الله أمير المؤمنين في ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته ما لم تزل عادته جارية به عنده بمنه وطوله وقوته والسلام
الجواب من الرشيد
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك بقدومك مرو في اليوم الذي سميت وعلى الحال التي وصفت وما فسرت وما كنت قدمت من الحيل قبل ورودك إياها وعملت به في أمر الكور التي

(5/9)


سميت وتولية من وليت عليها قبل نفوذك عنها ولطفت له من الأمر الذي استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن علي بن عيسى وولده وأهل بيته ومن صار فب يدك من عماله وأصحاب أعماله واحتذائك في ذلك كله ما كان أمير المؤمنين مثل لك ووقفك عليه وفهم أمير المؤمنين مثل لك ووقفك عليه وفهم امير المؤمنين كل ما كتبت به وحمد الله على ذلك كثيرا على تسديده اياك وما اعانك به من توفيقه حتى بلغت ارادة امير المؤمنين وأدركت طلبته وأحسنت ما كان يحب بك وعلى يديك إحكامه مما كان اشتد به اعتناؤه ولج به اهتمامه وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك فلا أعدم الله أمير المؤمنين أحسن ما عرفه منك في كل ما اهاب بك إليه واعتمد بك عليه
وأمير المؤمنين يأمرك أن تزداد جدا واجتهادا فيما امرك به من تتبع أموال الخائن علي بن عيسى وولده وكتابه وعماله ووكلائه وجهابذته والنظر فيما اختانوا به أمير المؤمنين في أمواله وظلموا به الرعية في أموالهم وتتبع ذلك واستخراجه من مظانه ومواضعه التى صارت اليه ومن ايدى اصحاب الودائع التى استودعوها اياهم واستعمال اللين والشدة في ذلك كله حتى تصير الى استنظاف ما وراء ظهورهم ولا تبقى من نفسك في ذلك بقية وفي إنصاف الناس منهم في حقوقهم ومظالمهم حتى لا تبقى لمتظلم منهم قبلهم ظلامة إلا استقضيت ذلك له وحملته وإياهم على الحق والعدل فيها فإذا بلغت أقصى غاية الإحكام والمبالغة في ذلك فأشخص الخائن وولده وأهل بيته وكتابه وعماله إلى أمير المؤمنين في وثاق وعلى الحال التي استحقوها من التغيير والتنكيل بما كسبت أيديهم وما الله بظلام للعبيد
ثم اعمل بما امرك به أمير المؤمنين من الشخوص إلى سمرقند ومحاولة ما قبل خامل ومن كان على رأيه ممن أظهر خلافا وامتناعا من اهل كور ما وراء النهر وطخارستان بالدعاء إلى الفيئة والمراجعة وبسط أمانات أمير المؤمنين التي حملكها إليهم فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أملك بهم وفرقوا جموعهم فهو ما يحب أمير المؤمنين أن يعاملهم به من العفو عنهم والإقالة لهم إذ كانوا رعيته وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذ أجابهم إلى طلبتهم وآمن روعهم وكفاهم ولاية من كرهوا ولايته وأمر بإنصافهم في حقوقهم وظلاماتهم وإن خالفوا ما ظن أمير المؤمنين فحاكمهم إلى الله إذ طغوا وبغوا وكرهوا العافية وردوها فإن أمير المؤمنين قد قضى ما عليه فغير ونكل وعزل واستبدل وعفا عمن أحدث وصفح عمن اجترم وهو يشهد الله عليهم بعد ذلك في خلاف إن آثروه وعنود إن أظهروه وكفى بالله شهيدا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عليه يتوكل وإليه ينيب والسلام
وكتب إسماعيل بن صبيح بين يدي أمير المؤمنين
وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي وكان والي مكة
ولم يكن للمسلمين بهد هذه السنة ضائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين

(5/10)


ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها كان الفداء بين المسلمين والروم على يدي ثابت بن نصر بن مالك
وفيها وافى الرشيد من الرقة في السفن مدينة السلام يريد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع وكان مصيره ببغداد يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر واستخلف بالرقة ابنه القاسم وضم إليه خزيمة بن حازم ثم شحص من مدينة السلام عشية الاثنين لخمس خلون من شعبان بعد صلاة العصر من الخيزرانتة فبات في بستان أبي جعفر ثم سار من غد إلى النهروان فعسكر هنالك ورد حمادا البربري إلى أعماله واستخلف ابنه محمدا بمدينة السلام
وذكر عن ذي الرياستين أنه قال قلت للمأمون لما أراد الرشيد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع لست تدري ما يحدث بالرشيد وهو خارج إلى خراسان وهي ولايتك ومحمد المقدم عليك وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم وزبيدة وأموالها فاطلب إليه أن يشخصك معه فسأله الإذن فأبى عليه فقلت له قل له أنت عليل وإنما أردت أن اخدمك ولست أكلفك شيئا فأذن له وسار
فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد حين خرج إلى خراسان فمضى معه إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال له يا صباح لا أحسبك تراني أبدا قال فقلت بل يردك الله سالما قد فتح الله عليك وأراك في عدوك أملك قال يا صباح ولا أحسبك تدري ما أجد قلت لا والله قال فتعال حتى أريك قال فانحرف عن الطريق قدر مائة ذراع فاستظل بشجرة وأومأ إلى خدمه الخاصة فتنحوا ثم قال أمانة الله يا صباح أن تكتم علي فقلت يا سيدي عبدك الذليل تخاطبه مخاطبة الولد قال فكشف عن بطنه فإذا عصاية حرير حوالي بطنه فقال هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين وسمى الثالث فذهب عني اسمه وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل عمري فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو بدابه فيجيئونني ببرذون أعجف قطوف ليزيد في علتي فقلت يا سيدي ما عندي في الكلام جواب ولا في ولاة العهود غير أني أقول جعل الله من يشنؤك من الجن والإنس والقريب والبعيد فداك وقدمهم إلى تلك قبلك ولا أرانا فيك مكروها أبدا وعمر بك الله الإسلام ودعم ببقائك أركانه وشد بك أرجاءه وردك الله مظفرا مفلحا على أفضل أملك في عدوك وما رجوت من ربك قال أما أنت فقد تخلصت من الفريقين

(5/11)


قال ثم دعا ببرذون فجاؤوا به كما وصف فنظر إلى فركبه وقال انصرف غير مودع فإن لك أشغالا فودعته وكان آخر العهد به
وفيها تحرك الخرمية بناحية أذربيجان فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فارس فأسر وسبى ووافاه بقرماسين فأمر بقتل الأسارى وبيع السبي
وفيها مات علي بن ظبيان القاضي بقصر اللصوص
وفيها قدم يحيى بن معاذ بأبي النداء على الرشيد وهو بالرقة فقتله
لاوفيها فارق عجيف بن عنبسة والحوص بن مهاجر في عدة من أبناء الشيعة رافع بن ليث وصاروا إلى هرثمة
وفيها قدم بابن عائشة وبعدة من أهل أحواف مصر
وفيها ثابت بن نصر بن مالك الثغور وغزا فافتتح مطمورة
وفيها كان الفداء بالبدندون وفيها تحرك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطف البصرة
وفيها قدم بعلي بن عيسى بغداد فحبس في داره
وفيها مات عيسى بن جعفر بطرارستان وقيل بالد سكرة وهو يريد اللحاق بالرشيد
وفيها قتل الرشيد الهيصم اليماني وحج بالناس في هذه السنة العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور

(5/12)


ثم دخلت سنة ثلاثة وتسعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك وفاة الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة في المحرم وكان بدء علته فيما ذكر من ثقل أصابه في لسانه وشقه وكان يقول ما أحب أن يموت الرشيد فيقال له أما تحب أن يفرج الله عنك فيقول إن أمري قريب من أمره ومكث يعالج أشهرا ثم صلح فجعل يتحدث ثم اشتد عليه فعقد لسانه وطرفه ووقع لمآبه فمكث في تلك الحال يوم الخميس ويوم الجمعة توفي مع أذان الغداة قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر وهو في خمس وأربعين سنة وجزع الناس عليه وصلى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه ثم أخرج فصلى الناس على جنازته
وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري
وفيها وافى هارون جرجان في صفر فوافاه بها خزائن علي بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير ثم رحل من جرجان فيما ذكر في صفر وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن توفي واتهم هرثمة فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مرو ومعه عبد الله بن مالك ويحي بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسندي بن الحرشي ونعيم بن حازم وعلى كتابته ووزارته أيوب بن أبي سمير ثم اشتد بهارون الوجع حتى ضعف عن السير وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة فتح فيها بخارى وأسر أخا رافع بشير بن الليث فبعث به الى الرشيد وهو بطوس فذكر عن ابن جامع المروزي عن أبيه قال كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه قال فسمعته يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ونظر إلى أخي رافع فقال أما والله يابن اللخناء إني لأرجو ألا يفوتني خامل يريد رافعا كما لم تفتني فقال له يا امير المؤمنين قد كنت لك حربا وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله أكن لك سلما ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذ علم أنك قد مننت علي فغضب وقال والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه ثم دعا بقصاب فقال لا تشحذ مداك اتركها على حالها وفصل هذا الفاسق ابن الفاسق وعجل لا يحضرن أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه ففصله حتى جعله أشلاء فقال عد أعضاءه فعددت له اعضاءه فإذا هي أربعة عشر عضوا فرفع يديه إلى السماء فقال اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك فمكني من أخيه ثم أغمي علي وتفرق من حضره

(5/13)


وفيها مات هارون الرشيد
ذكر الخبر عن سبب وفاته والموضع الذي توفي فيه
ذكر عن جبريل بن بختيشوع أنه قال كنت مع الرشيد بالرقة وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة فأتعرف حاله في ليلته فإن كان أنكر شيئا وصفه ثم ينبسط فيحدثني بحديث جواريه وما عمل في مجلسه ومقدار شربه وساعات جلوسه ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالها فدخلت عليه في غداة يوم فسلمت فلم يكد يرفع طرفه ورأيته عابسا مفكرا مهموما فوقفت بين يديه مليا من النهار وهو على تلك الحال فلما طال ذلك أقدمت عليه فقلت يا سيدي جعلني الله فداك ما حالك هكذا أعلة فأخبرني بها فلعله يكون عندي دواؤها أو حادثة في بعض من تحب فذاك ما لا يدفع ولا حيلة فيه إلا التسليم والغم لادرك فيه أو فتق ورد عليك في ملكك فلم تخل الملوك من ذلك وأنا أولى من أفضيت إليه بالخبر وتروحت إليه بالمشورة فقال ويحك يا جبريل ليس غمي وكربي لشيء مما ذكرت ولكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه وقد أفزعتني وملأت صدري وأقرحت قلبي قلت فرجت عني يا أمير المؤمنين فدنوت منه فقبلت رجله وقلت أهذا الغم كله لرؤيا إنما تكون من خاطر أو بخارات رديئة أو من تهاويل السوداء وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله قال فأقصها عليك رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها لا أفهم اسم صاحبها وفي الكف تربة حمراء فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه هذه التربة التي تدفن فيها فقلت وأين هذه التربة قال بطوس وغابت اليد وانقطع الكلام وانتبهت فقلت يا سيدي هذه والله رؤيا بعيدة ملتبسة أحسبك أخذت مضجعك ففكرت في خراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها قال قد كان ذاك قال قلت فلذلك الفكر خالطك في منامك ما خالطك فولد هذه الرؤيا فلا تحفل بها جعلني الله فداك واتبع هذا الغم سرورا يخرجه من قلبك لا يولد علة قال فما برحت أطيب نفسه بضروب من الحيل حتى سلا وانبسط وأمر بإعداد ما يشتهيه ويزيد في ذلك اليوم في لهوة ومرت الأيام فنسي ونسينا تلك الرؤيا فما خطرت لأحد منا ببال ثم قدر مسيره إلى خراسان حين خرج رافع فلما صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة فلم نزل تتزايد حتى دخلنا طوس فنزلنا في منزل الجنيد بن عبد الرحمن في ضيعة له تعرف بسناباذ فبينا هو يمرض في بستان له في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملا يقوم ويسقط فأجتمعنا اليه كل يقول يا سيدى ما حالك وما دهاك فقال يا جبريل تذكر رؤياي بالرقة في طوس ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال جئني من تربة هذا البستان فمضى مسرور فأتى بالتربة في كفه حاسرا عن ذراعه فلما نظر إليه قال هذه والله الذراع التي رأينها في منامي وهذه والله الكف بعينها وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئا وأقبل على البكاء والنحيب ثم مات بها والله بعد ثلاثة ودفن في ذلك البستان
وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فكان الرشيد هم ليلة مات بقتله وأن يفصله كمت فصل أخا رافع ودعا بجبريل ليفعل ذلك به فقال له جبريل أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين فإنك ستصبح في عافية فمات في ذلك اليوم
وذكر الحسن بن علي الربعي أن أباه حدثه عن أبيه وكان جمالا معه مائة جمل قال هو حمل الرشيد إلى

(5/14)


طوس قال قال الرشيد احفروا لي قبرا قبل أن أموت فحفروا له قال فحملته في قبة أقود به حتى نظر إليه قال فقال يابن آدم تصير إلى هذا
وذكر بعضهم أنه لما اشتدت به العلة أمر بقبره فحفر في موضع من الدار التي كان فيها نازلا بموضع يسمى المثقب في دار حميد بن أبي غانم الطائي فلما فرغ من حفر القبر أنزل فيه قوما فقرؤوا فيه القرآن حتى ختموا وهو في محفة على شفير القبر
وذكر محمد بن زياد بن محمد بن حاتم بن عبيد الله بن أبي بكرة أن سهل بن صاعد حدثه قال كنت عند الرشيد في بيته الذي قبض فيه وهو يجود بنفسه فدعا بملحفة غليظة فاحتبى بها وجعل يقاسي ما يقاسي فنهضت فقال لي اقعد يا سهل فقعدت وطال جلوسي لا يكلمني ولا أكلمه والملحفة تنحل فيعيد الاحتباء بها فلما طال ذلك نهضت فقال لي إلى أين يا سهل قلت يا أمير المؤمنين ما يسع قلبى ان ارى امير المؤمنين يعانى من العلة ما يعانى فلو اضطجعت يا امير المؤمنين كان أروح لك قال فضحك ضحك صحيح ثم قال يا سهل إني أذكر في هذه الحال قول الشاعر ... وإني من قوم كرام يزيدهم ... شماسا وصبرا شدة الحدثان ...
وذكر عن مسرور الكبير قال لما حضرت الرشيد الوفاة وأحس بالموت أمرني أن أنشر الوشي فآتيه بأجود ثوب أقدر عليه وأغلاه قيمة فلم اجد ذلك في ثوب واحد ووجدت ثوبين اغلى شيء قيمة وجدتهما متقاربين في أثمانها إلا أن أحدهما أغلى شيء قيمة وجدتهما متقاربين في أثمانهما إلا ان أحدهما أغلى من الآخر شيئا وأحدهماأحمر والآخر أخضر فجئته بهما فنظر إليهما وخبرته قيمتهما فقال اجعل أحسنهما كفني ورد الآخر إلى موضعه
وتوفي فيما ذكر في موضع يدعى المثقب في دار حميد بن أبي غانم نصف الليل ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح ومن خدمه مسرور وحسين ورشيد
وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما أولها ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وآخرها ليلة السبت لثلاث ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة
وقال هشام بن محمد استخلف ابو جعفر الرشيد هارون بن محمد ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو يومئذ ابن اثنتين وعشرين سنة وتوفي ليلة الأحد غرة جمادى الأولى وهو ابن خمس وأربعين سنة سنة ثلاث وتسعين ومائة فملك ثلاثا وعشرين سنة شهرا ستة عشر يوما
وقيل كان سنه يوم توفي سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام أولها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمسين وأربعين ومائة وآخرها يومان مضيا من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وكان جميلا وسيما أبيض جعدا وقد وخطه الشيب
ذكر ولاة المصار في أيام هارون الرشيد
ولاة المدينة إسحاق بن عيسى بن علي عبد الملك بن صالح بن علي محمد بن عبد الله موسى بن

(5/15)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية