صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

حرسه علي بن عيسى بن ماهان وضم إليه ديوان الجند وولى شرطه عبد الله بن مالك مكان عبد الله بن خازم وأقر الخاتم في يد علي بن يقطين
وكانت موافاة موسى الهادي بغداد عند منصرفه من جرجان لعشر بقين من صفر من هذه السنة سار فيما ذكر عنه من جرجان إلى بغداد في عشرين يوما فلما قدمها نزل القصر الذي يسمى الخلد فأقام به شهرا ثم تحول إلى بستان أبي جعفر ثم تحول إلى عيساباذ
وفي هذه السنة هلك الربيع مولى أبي جعفر المنصور
وقد ذكر علي بن محمد النوفلي أن أباه حدثه أنه كانت لموسى الهادي جارية وكانت حظية عنده وكانت تحبه وهو بجرجان حين وجهه إليها المهدي فقالت أبياتا وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان منها ... يا بعيد المحل أم ... سى بجرجان نازلا ...
قال فلما جاءته البيعة وانصرف إلى بغداد لم تكن له همة غيرها فدخل عليها وهي تغني بأبياتها فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لأحد من الناس
وفي هذه السنة اشتد طلب موسى الزنادقة فقتل منهم فيها جماعة فكان ممن قتل منهم يزيدان بن باذان كاتب يقطين وابنه علي بن يقطين من أهل النهروان ذكر عنه أنه حج فنظر إلى الناس في الطواف يهرولون فقال ما أشبههم إلا ببقر تدوس في البيدر وله يقول العلاء بن الحداد الأعمي ... أيا أمين الله في خلقه ... ووارث الكعبة والمنبر ... ماذا ترى في رجل كافر ... يشبه الكعبة بالبيدر ... ويجعل الناس إذا ما سعوا ... حمرا تدوس البر والدوسر ...
فقتله موسى ثم صلبه فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره وقتل من بني هاشم يعقوب بن الفضل
وذكر عن علي بن محمد الهاشمي قال كان المهدي أتي بابن لداود بن علي زنديقا وأتي بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقا في مجلسين متفرقين فقال لكل واحد منهما كلاما واحدا وذلك بعد أن أقرا له بالزندقة أما يعقوب بن الفضل فقال له أقر بها بيني وبينك فأما أن أظهر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتني بالمقاريض فقال له ويلك لو كشفت لك السموات وكان الأمر كما تقول كنت حقيقا أن تغضب لمحمد ولولا محمد صلى الله عليه و سلم من كنت هل كنت إلا إنسانا من الناس أما والله لولا أني كنت جعلت لله علي عهدا إذا ولاني هذا الأمر ألا أقتل هاشميا لما ناظرتك ولقتلتك ثم التفت إلى موسى الهادي فقال يا موسى أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الأمر بعدي ألا تناظرهما ساعة واحدة فمات ابن داود بن علي في الحبس قبل وفاة المهدي وأما يعقوب فبقي حتى مات المهدي وقدم موسى من جرجان فساعة دخل ذكر وصية المهدي فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشا وأقعدت الرجال عليه حتى مات ثم لها عنه بيعته وتشديد خلافته وكان ذلك في يوم شديد الحر فبقي يعقوب حتى مضى من الليل هدء فقيل لموسى يا أمير المؤمنين إن يعقوب قد انتفخ وأروح قال ابعثوا به إلى اخيه

(4/595)


إسحاق بن الفضل فخبروه أنه مات في السجن فجعل في زورق وأتي به إسحاق فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل فدفنه في بستان له من ساعته وأصبح فأرسل إلى الهاشميين يخبرهم بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة وأمر بخشبة فعملت في قد الإنسان فغشيت قطنا وألبسها أكفانا ثم حملها على السرير فلم يشك من حضرها أنه شيء مصنوع
وكان ليعقوب ولد من صلبه عبد الرحمن والفضل وأروى وفاطمة فأما فاطمة فوجدت حبلى منه وأقرت بذلك
قال علي بن محمد قال أبي فأدخلت فاطمة وامرأة يعقوب بن الفضل وليست بهاشمية يقال لها خديجة على الهادي أو على المهدي من قبل فأقرتا بالزندقة وأقرت فاطمة أنها حامل من أبيها فأرسل بهما إلى ريطة بنت أبي العباس فأرتهما مكتحلتين مخضبتين فعذلتهما وأكثرت على الابنة خاصة فقالت أكرهني قال فما بال الخضاب والكحل والسرور إن كنت مكرهة ولعنتهما قال فخبرت أنهما فزعتا فماتتا فزعا ضرب على رأسيهما بشيء يقال له الرعبوب ففزعتا منه فماتتا وأما أروى فبقيت فتزوجها ابن عمها الفضل بن إسماعيل بن الفضل وكان رجلا لا بأس به في دينه
وفيها قدم وندا هرمز صاحب طبرستان إلى موسى بأمان فأحسن صلته ورده إلى طبرستان
ذكر بقية الخبر عن الأحداث التي كانت سنة تسع وستين ومائة
ومما كان فيها خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المقتول بفخ
ذكر الخبر عن خروجه ومقتله
ذكر عن محمد بن موسى الخوارزمي أنه قال كان بين موت المهدي وخلافة الهادي ثمانية أيام قال ووصل إليه الخبر وهو بجرجان وإلى أن قدم مدينة السلام إلى خروج الحسين بن علي بن الحسن وإلى أن قتل الحسين تسعة أشهر وثمانية عشر يوما
وذكر محمد بن صالح أن أبا حفص السلمي حدثه قال كان إسحاق بن عيسى بن علي على المدينة فلما مات المهدي واستخلف موسى شخص إسحاق وافدا إلى العراق إلى موسى واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إسحاق بن عيسى بن علي استعفى الهادي وهو على المدينة واستأذنه في الشخوص إلى بغداد فأعفاه وولى مكانه عمر بن عبد العزيز وأن سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة كما ذكر الحسين بن محمد عن أبي حفص السلمي أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندب الشاعر الهذلي وعمر بن سلام مولى آل عمر على شراب لهم فأمر بهم فضربوا جميعا ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة فكلم فيهم وصار إليه الحسين بن علي فكلمه وقال ليس هذا عليهم وقد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون به بأسا فلم تطوف بهم فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردهم وأمر بهم إلى الحبس

(4/596)


فحبسوا يوما وليلة ثم كلم فيهم فأطلقهم جميعا وكانوا يعرضون ففقد الحسن بن محمد وكان الحسين بن علي كفيله
قال محمد بن صالح وحدثني عبد الله بن محمد الأنصاري أن العمري كان كفل بعضهم من بعض فكان الحسين بن علي بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن وكان قد تزوج مولاة لهم سوداء ابنة أبي ليث مولى عبد الله بن الحسن فكان يأتيها فيقيم عندها فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة وعرضهم خليفة العمري عشية الجمعة فأخذ الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله فسألهما عن الحسن بن محمد فغلظ عليهم بعض التغليظ ثم انصرف إلى العمري فأخبره خبرهم وقال له أصلحك الله الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث فقال ائتني بالحسين ويحيى فذهب فدعاهما فلما دخلا عليه قال لهما أين الحسين بن محمد قالا والله ما ندري إنما غاب عنا يوم الأربعاء ثم كان يوم الخميس فبلغنا أنه اعتل فكنا نظن أن هذا اليوم لا يكون فيه عرض فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه فحلف يحيى بن عبد الله ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم أنه قد جاءه به فلما خرجا قال له الحسين سبحان الله ما دعاك إلى هذا ومن أين تجد حسنا حلفت له بشيء لا تقدر عليه قال إنما حلفت على حسن قال سبحان الله فعلى أي شيء حلفت قال والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف قال فقال حسين تكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة قال قد كان الذي كان فلا بد منه
وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة في الموسم فيما ذكروا وقد كان قوم أهل الكوفة من شيعتهم وممن كان بايع الحسين متمكنين في دار فانطلقوا فعملوا في ذلك من عشيتهم ومن ليلتهم حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مروان على العمري فلم يجده فيها فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضا فيها وتوارى منهم فجاؤوا حتى اقتحموا المسجد حين أذنوا بالصبح فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء وجعل الناس يأتون المسجد فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون فلما صلى الغداة جعل الناس يأتونه ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم للمرتضى من آل محمد وأقبل خالد البربري وهو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة وأقبل فيمن معه وجاء العمري ووزير ابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشروي ومعهم ناس كثير فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حمار واقتحم خالد البربري الرحبة وقد ظاهر بين درعين وبيده السيف وعمود في منطقته مصلتا سيفه وهو يصيح بحسين أنا كسكاس قتلني الله إن لم أقتلك وحمل عليهم حتى دنا منهم فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن يحيى وإدريس فضربه يحيى على أنف البيضة فقطعهما وقطع أنفه وشرقت عيناه بالدم فلم يبصر فبرك يذبب عن نفسه بسيفه وهو لا يبصر واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرعه وعلواه بأسيافهما حتى قتلاه وشد أصحابهما على درعيه فخلعوهما عنه وانتزعوا سيفه وعموده فجاؤوا به ثم أمروا به فجر إلى البلاط وحملوا على أصحابه فانهزموا قال عبد الله بن محمد هذا كله بعيني
وذكر عبد الله بن محمد أن خالدا ضرب يحيى بن عبد الله فقطع البرنس ووصلت ضربته إلى يد يحيى فأثرت فيها وضربه يحيى على وجهه واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خلفه فضربه على رجليه واعتوروه بأسيافهم فقتلوه

(4/597)


قال عبد الله بن محمد ودخل عليهم المسودة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره وشدت المبيضة فأخرجوهم وصاح بهم الحسين ارفقوا بالشيخ يعني الحسين بن جعفر وانتهب بيت المال فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار فضلت من العطاء وقيل إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك يفرض بها من خزاعة قال وتفرق الناس وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابهم فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزوراء وجعل المسودة يحملون على المبيضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل وتحمل المبيضة عليهم حتى يبلغ بهم الزوراء وفشت الجراحات بين الفريقين جميعا فاقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحد جاء الخبر بأن مباركا التركي ينزل بئر المطلب فنشط الناس فخرجوا إليه فكلموه أن يجيء فجاء من الغد حتى أتى الثنية واجتمع إليه شيعة بني العباس ومن أراد القتال فاقتتلوا بالبلاط أشد قتال إلى انتصاف النهار ثم تفرقوا وجاء هؤلاء إلى المسجد ومضى الآخرون إلى مبارك التركي إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنية يقيل فيها وواعد الناس الرواح فلما غفلوا عنه جلس على رواحله فانطلق وراح الناس فلم يجدوه فناوشوهم شيئا من القتال إلى المغرب ثم تفرقوا وأقام حسين وأصحابه أياما يتجهزون وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما ثم خرج يوم أربعة وعشرين لست بقين من ذي القعدة فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا وعاد الناس إلى المسجد فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم فجعلوا يدعون الله عليهم ففعل الله بهم وفعل
قال محمد بن صالح فحدثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجمحي إن حسينا لما انتهى إلى السوق متوجها إلى مكة التفت إلى أهل المدينة وقال لا خلف الله عليكم بخير فقال الناس وأهل السوق لا بل أنت لا خلف الله عليك بخير ولا ردك وكان أصحابه يحدثون في المسجد فملؤوه قذرا وبولا فلما خرجوا غسل الناس المسجد
قال وحدثني ابن عبد الله بن إبراهيم قال أخذ أصحاب الحسين ستور المسجد فجعلوها خفاتين لهم قال ونادى أصحاب الحسين بمكة أيما عبد أتانا فهو حر فأتاه العبيد وأتاه عبد كان لأبي فكان معه فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبي فكلمه وقال له عمدت إلى مماليك لم تملكهم فأعتقتهم بم تستحل ذلك فقال حسين لأصحابه اذهبوا به فأي عبد عرفه فادفعوه إليه فذهبوا معه فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا
وانتهى خبر الحسين إلى الهادي وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل بيته منهم محمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد وموسى بن عيسى سوى من حج من الأحداث وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب فقيل له عمك العباس بن محمد قال دعوني لا والله لا أخدع عن ملكي فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن علي على الحرب فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح والرجال وذلك لأن الطريق كان مخوفا معورا من الأعراب ولم يحتشد لهم حسين فأتاه خبرهم فهم بصوبه فخرج بخدمه وإخوانه وكان موسى بن علي بن موسى قد صار ببطن نخل على الثلاثين من المدينة فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواريه وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم وساروا إلى مكة فدخلوا فأقبل محمد بن سليمان وكانوا أحرموا بعمرة ثم صاروا إلى ذي طوى فعسكروا بها ومعهم سليمان بن أبي

(4/598)


جعفر فانضم إليهم من وافى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقوادهم وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحج وكثروا جدا ثم قدم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافرا ما بين فرس إلى بغل وهو على نجيب عظيم وخلفه أربعون راكبا على النجائب عليها الرحال وخلفهم مائتا راكب على الحمير سوى من كان معهم من الرجالة وغيرهم وكثروا في أعين الناس جدا وملؤوا صدورهم فظنوا أنهم أضعافهم فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة وأحلوا من عمرتهم ثم مضوا فأتوا ذا طوى ونزلوا وذلك يوم الخميس فوجه محمد بن سليمان أبا كامل مولى لإسماعيل بن علي في نيف وعشرين فارسا وذلك يوم الجمعة فلقيهم وكان في أصحابه رجل يقال له زيد كان انقطع إلى العباس فأخرجه معه حاجا لما رأى من عبادته فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه وانقلب إليهم وذلك ببطن مر ثم ظفروا به بعد ذلك مشدخا بالأعمدة فلما كان ليلة السبت وجهوا خمسين فارسا كان أول من ندبوا صباح أبو الذيال ثم آخر ثم آخر فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامسا فأتوا المفضل مولى المهدي فأرادوا أن أن يصيروه عليهم فأبى وقال لا ولكن صيروا عليهم غيري وأكون أنا معهم فصيروا عليهم عبد الله بن حميد بن رزين السمرقندي وهو يومئذ شاب ابن ثلاثين سنة فذهبوا وهم خمسون فارسا وذلك ليلة السبت فدنا القوم وزحفت الخيل وتعبأ الناس فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة ومحمد بن سليمان في الميمنة وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشد ثلاثة من موالي سليمان بن علي أحدهم زنجويه غلام حسان فجاؤوا برأس فطرحوه قدام محمد بن سليمان وقد كانوا قالوا من جاء برأس فله خمسمائة درهم وجاء أصحاب محمد فعرقبوا الإبل فسقطت محاملها فقتلوهم وهزموهم وكانوا خرجوا من تلك الثنايا فكان الذين خرجوا مما يلي محمد بن سليمان أقلهم وكان جلهم خرجوا مما يلي موسى بن عيسى وأصحابه فكانت الصدمة بهم فلما فرغ محمد بن سليمان ممن يليه وأسفروا ونظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى فإذا مجتمعون كأنهم كبة غزل والتفت الميمنة والقلب عليهم وانصرفوا نحو مكة لا يدرون ما حال الحسين فما شعروا وهم بذي طوى أو قريبا منها إلا برجل من أهل خراسان يقول البشرى البشرى هذا رأس حسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولا وعلى قفاه ضربة أخرى وكان الناس نادوا بالأمان حين فرغوا فجاء الحسن بن محمد أبو الزفت مغمضا إحدى عينيه قد أصابها شيء في الحرب فوقف خلف محمد والعباس واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس فأمر به فقتل فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضبا شديدا ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق واحتزت الرؤوس فكانت مائة رأس ونيفا فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية وأخذت أخت الحسين وكانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان واختلطت المنهزمة بالحجاج فذهبوا وكان سليمان بن أبي جعفر شاكيا فلم يحضر القتال ووافى عيسى بن جعفر الحج تلك السنة وكان مع أصحاب حسين رجل أعمى يقص عليهم فقتل ولم يقتل أحد منهم صبرا
قال الحسين بن محمد بن عبد الله وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة ومولى بني عجل وآخر
قال محمد بن صالح حدثني محمد بن داود بن علي قال حدثنا موسى بن عيسى قال قدمت معي بستة اسارى فقال لي الهادي هيه تقتل أسيري فقلت يا أمير المؤمنين إني فكرت فيه فقلت تجيء عائشة

(4/599)


وزينب إلى أم أمير المؤمنين فتبكيان عندها وتكلمانها فتكلم له أمير المؤمنين فيطلقه ثم قال هات الأسرى فقلت إني جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعتاق فقال ائتني بهم وأمر باثنين فقتلا وكان الثالث منكرا فقلت يا أمير المؤمنين هذا أعلم الناس بآل أبي طالب فإن استبقيته دلك على كل بغية لك فقال نعم والله يا أمير المؤمنين إني أرجو أن يكون بقائي صنعا لك فأطرق ثم قال والله لإفلاتك من يدي بعد أن وقعت في يدي لشديد فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخر وأمره أن يكتب له طلبته وإما الآخر فصفح عنه وأمر بقتل عذافر الصيرفي وعلي بن السابق القلاس الكوفي وأن يصلبا فصلبوهما بباب الجسر وكانا أسرا بفخ وغضب على مبارك التركي وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدواب وغضب على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد وأمر بقبض أمواله
وقال عبد الله بن عمرو الثلجي حدثني محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى قال أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من وقعة فخ في خلافة الهادي فوقع إلى مصر وعلى بريد مصر واضح مولى لصالح بن أمير المؤمنين المنصور وكان رافضيا خبيثا فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها وليلة فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر فضرب الهادي عنق واضح وصلبه
ويقال إن الرشيد الذي ضرب عنقه وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي وكتب له كتابا إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقية فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبب وأنه من أوليائهم ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه وأقبل الشماخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له فنزل عنده بكل منزلة ثم إنه شكا إليه على في اسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر لليلته فلما طلع الفجر استن بالسنون وجعللا يرده فيه ويكثر منه فقتله وطلب الشماخ فلم يظفر به وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك فولى الشماخ بريد مصر وأجاره فقال في ذلك بعض الشعراء أظنه الهنازي ... أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخليفة أو يفيد فرار ... فليدركنك أو تحل ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار ... إن السيوف إذا انتضاها سخطه ... طالت وقصر دونها الأعمار ... ملك كأن الموت يتبع أمره ... حتى يقال تعطيه الأقدار ...
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن الحسين بن علي لما خرج بالمدينة وعليها العمري لم يزل العمري متخفيا مقام الحسين بالمدينة حتى خرج إلى مكة وكان الهادي وجه سليمان بن أبي جعفر لولاية الموسم وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحج العباس بن محمد وموسى بن عيسى وإسماعيل بن عيسى بن موسى في طريق الكوفة ومحمد بن سليمان وعدة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة ومن الموالي مبارك التركي والمفضل الوصيف وصاعد مولى الهادي وكان صاحب الأمر سليمان ومن الوجوه المعروفين يقطين بن موسى وعبيد بن سقطين وأبو الوزير عمر بن مطرف فاجتمعوا عند الذي بلغهم من توجه الحسين ومن معه إلى مكة ورأسوا عليهم سليمان بن أبي جعفر لولايته وكان قد جعل أبو كامل مولى إسماعيل على الطلائع فلقوه بفخ

(4/600)


وخلفوا عبيد الله بن قثم بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الأمان على ما أحدثوا وضمن لهم الإحسان إليهم والصلة لأرحامهم وكان رسولهم في ذلك المفضل الخادم فأبوا قبول ذلك فكانت الوقعة فقتل من قتل وانهزم الناس ونودي فيهم بالأمان ولم يتبع هارب وكان فيمن هرب يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن فأما إدريس فلحق بتاهرت من بلاد المغرب فلجأ إليهم فأعظموه فلم يزل عندهم إلى أن تلطف له واحتيل عليه فهلك وخلفه ابنه إدريس بن إدريس فهم إلى اليوم بتلك الناحية مالكين لها وانقطعت عنهم البعوث
قال المفضل بن سليمان لما بلغ العمري وهو بالمدينة مقتل الحسين بفخ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممن خرج مع الحسين فهدمها وحرق النخل وقبض ما لم يحرقه وجعله في الصوافي المقبوضة قال وغضب الهادي على مبارك التركي لما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة وأمر بقبض أمواله وتصييره في سياسة دوابه فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادي وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبي الزفت وتركه أن يقدم به أسيرا فيكون المحكم في أمره وأمر بقبض أمواله فلم تزل مقبوضة إلى أن توفي موسى وقدم على موسى ممن أسر بفخ الجماعة وكان فيهم عذافر الصيرفي وعلي بن سابق القلاس الكوفي فأمر بضرب أعناقهما وصلبهما بباب الجسر ببغداد ففعل ذلك قال ووجه مهرويه مولاه إلى الكوفة وأمره بالتغليظ عليهم لخروج من خرج منهم مع الحسين
وذكر علي بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب قال حدثني يوسف البرم مولى آل الحسن وكانت أمه مولاة فاطمة بنت حسن قال كنت مع حسين أيام قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار ففرقها في الناس ببغداد والكوفة ووالله ماخرج من الكوفة وهو يملك شيئا يلبسه إلا فروا ما تحته قميص وإزار الفراش ولقد كان في طريقه إلى المدينة إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم في يومهم
قال علي وحدثني السري أبو بشر وهو حليف بني زهرة قال صليت الغداة في اليوم الذي خرج فيه الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ فصلى بنا حسين وصعد المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه إذ أقبل خالد البربري في أصحابه فلما اراد أن يدخل المسجد بدره يحيى بن عبد الله فشد عليه البربري وإني لأنظر إليه فبدره يحيى بن عبد الله فضربه على وجهه فأصاب عينيه وأنفه فقطع البيضة والقلنسوة حتى نظرت إلى قحفه طائرا عن موضعه وحمل على أصحابه فانهزموا ثم رجع إلى حسين فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دما فتكلم حسين فحمد الله وأثنى عليه وخطب الناس فقال في آخر كلامه يأيها الناس أنا ابن رسول الله في حرم رسول الله وفي مسجد رسول الله وعلى منبر نبي الله أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم فإن لم أف لكم بذلك فلا بيعة لي في أعناقكم قال وكان أهل الزيارة في عامهم ذلك كثيرا فكانوا قد ملؤوا المسجد فإذا رجل قد نهض حسن الوجه طويل القامة عليه رداء ممشق أخذ بيد ابن له شاب جميل جلد فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلىالمنبر فدنا من حسين وقال يابن رسول الله خرجت من بلد بعيد وابني هذا معي وأنا أريد حج بيت الله وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه و سلم وما يخطر ببالي هذا الأمر الذي حدث منك وقد سمعت ما

(4/601)


قلت فعندك وفاء بما جعلت على نفسك قال نعم قال ابسط يدك فأبايعك قال فبايعه ثم قال لابنه ادن فبايع قال فرأيت والله رؤوسهما في الرؤوس بمنى وذلك اني حججت في ذلك العام
قال وحدثني جماعة من أهل المدينة أن مباركا التركي أرسل إلى حسين بن علي والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أيسر علي من أن أشوكك بشوكة أو أقطع من رأسك شعرة ولكن لا بد من الإعذار فبيتني فإني منهزم عنك فأعطاه بذلك عهد الله وميثاقه قال فوجه إليه الحسين أو خرج إليه في نفر يسير فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا فانهزم أصحابه حتى لحق بموسى بن عيسى
وذكر أبو المضرحي الكلابي قال أخبرني المفضل بن محمد بن المفضل بن حسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب أن الحسين بن علي بن حسن بن حسن قال يومئذ في قوم لم يخرجوا معه وكان قد وعدوه أن يوافوه فتخلفوا عنه متمثلا ... من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا ... لا تقربوا السهل إن السهل يفسدكم ... لن تدركوا المجد حتى تضربوا عنفا ...
وذكر الفضل بن العباس الهاشمي أن عبد الله بن محمد المنقري حدثه عن أبيه قال دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ فوجده خائف يلتمس عذرا من قتل من قتل فقال له أصلح الله الأمير أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علي رضي الله عنه قال أنشدني فأنشده فقال ... يأيها الراكب الغادي لطيته ... على عذافرة في سيرها قحم ... أبلغ قريشا على شحط المزار بها ... بيني وبين الحسين الله والرحم ... وموقف بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما ترعى له الذمم ... عنفتم قومكم فخرا بأمكم ... أم خصان لعمري برة كرم ... هي التي لا يداني فضلها أحد ... بنت النبي وخير الناس قد علموا ... وفضلها لكم فضل وغيركم ... من قومكم لهم من فضلها قسم ... إني لأعلم أو ظنا كعالمه ... والظن يصدق أحيانا فينتظم ... أن سوف يترككم ما تطلبون بها ... قتلى تهاداكم العقبان والرخم ... يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت ... ومسكوا بحبال السلم واعتصموا ... لا تركبوا البغي إن البغي مصرعة ... وإن شارب كأس البغي يتخم ... فقد جرب الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم ... فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا ... فرب ذي بذخ زلت به القدم ...
قال فسري عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه
وذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى أن العلاء حدثه أن الهادي أمير المؤمنين لما ورد عليه خلع أهل فخ خلا ليله يكتب كتابا بخطه فاغتم بخلوته مواليه وخاصته فدسوا غلاما له فقالوا اذهب حتى تنظر

(4/602)


إلى أي شيء انتهى الخبر قال فدنا من موسى فلما رآه قال ما لك فاعتل عليه قال فأطرق ثم رفع رأسه إليه فقال ... رقد الألى ليس السرى من شأنهم ... وكفاهم الإدلاج من لم يرقد ...
وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي قال حدثنا الأصمعي قال قال محمد بن سليمان ليلة فخ لعمرو بن أبي عمرو المدني وكان يرمي بين يديه بين الهدفين ارم قال لا والله لا أرمي ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم إني إنما صحبتك لأرمي بين يديك بين الهدفين ولم اصطحبك لأرمي المسلمين
قال فقال المخزومي ارم فرمى فما مات إلا بالبرص
قال ولما قتل الحسين بن علي وجاء برأسه يقطين بن موسى فوضع بين يدي الهادي قال كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم قال فحرمهم ولم يعطهم شيئا
وقال موسى الهادي لما قتل الحسين متمثلا ... قد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها ... نرد أولاها على أخراها ...
وغزا الصائفة في هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب وقد كانت الروم أقبلت مع البطريق إلى الحدث فهرب الوالي والجند وأهل الأسواق فدخلها فدخلها العدو ودخل أرض العدو معيوف بن يحيى فبلغ المدينة أشنة فاصابوا سبايا واسارى وغنموا
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور
وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمري وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبي سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن تسنيم الحواري
وعلى صلاة الكوفة وأحداثها وصدقاتها وبهقباذ الأسفل موسى بن عيسى وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان وعلى قضائها عمر بن عثمان وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي

(4/603)


ثم دخلت سنة سبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك وفاة يزيد بن حاتم بإفريقية فيها ووليها بعده روح بن حاتم وفيها مات عبد الله بن مروان بن محمد في المطبق
وفيها توفي موسى الهادي بعيساباذ واختلف في السبب الذي كان به وفاته فقال بعضهم كانت وفاته من قرحة كانت في جوفه وقال آخرون كانت وفاته من قبل جوار لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله لأسباب نذكر بعضها
ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله كانت أمرتهن بقتله
ذكر يحيى بن الحسن أن الهادي نابذ أمه ونافرها لما صارت إليه الخلافة فصارت خالصة إليه يوما فقالت إن أمك تستكسيك فأمر لها بخزانة مملوءة كسوة قال ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقر قال وكانت الخيزران في أول خلافة موسى تفتات عليه في أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي فأرسل إليها ألا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك قال وكانت الخيزران في خلافة موسى كثيرا ما تكلمه في الحوائج فكان يجيبها إلى كل ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة اشهر من خلافته وانثال الناس عليها وطمعوا فيها فكانت المواكب تغدو إلى بابها قال فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلا اعتل بعلة فقالت لا بد من إجابتي قال لا أفعل قالت فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك قال فغضب موسى وقال ويل على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها والله لاقضيتها لك قالت إذا والله لا اسألك حاجة أبدا قال إذا والله لا أبالي وحمي وغضب فقامت مغضبة فقال مكانك تستوعي كلامي والله وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه و سلم لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو أحد من خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله فمن شاء فليلزم ذلك ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك إياك ثم إياك ما فتحت بابك لملي أو لذمي فانصرفت ما تعقل ما تطأ فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة بعدها
قال يحيى بن الحسن وحدثني أبي قال سمعت خالصة تقول للعباس بن الفض بن الربيع بعث موسى إلى أمه الخيزران بأرزة وقال استطبتها فأكلت منها فكلي منها قالت خالصة فقلت لها أمسكي

(4/604)


حتى تنظري فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه فجاؤوا بكلب فأكل منها فتساقط لحمه فأرسل إليها بعد ذلك كيف رأيت الأرزة فقالت وجدتها طيبة فقال لم تأكلي ولو أكلت لكنت قد استرحت منك متى أفلح خليفة له أم
قال وحدثني بعض الهاشميين أن سبب موت الهادي كان أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر وخافت الخيزران على هارون منه دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه ووجهت إلى يحيى بن خالد إن الرجل قد توفي فاجدد في أمرك ولا تقصر
وذكر محمد بن عبد الرحمن بن بشار أن الفضل بن سعيد حدثه عن أبيه قال كان يتصل بموسى وصول القواد إلى أمه الخيزران يؤملون بكلامها في قضاء حوائجهم عنده قال وكانت تريد أن تغلب على أمره كما غلبت على أمر المهدي فكان يمنعها من ذلك ويقول ما للنساء والكلام في أمر الرجال فلما كثر عليه مصير من يصير إليها من قواده قال يوما وقد جمعهم أيما خير أنا أو أنتم قالوا بل أنت يا أمير المؤمنين قال فأيما خير أمي أو أمهاتكم قالوا بل أمك يا أمير المؤمنين قال فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت أم فلان وقالت أم فلان قالوا ما أحد منا يحب ذلك قال فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة فشق ذلك عليها فاعتزلته وحلفت ألا تكلمه فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة
وكان السبب في إرادة موسى الهادي خلع أخيه هارون حتى اشتد عليه في ذلك وجد فيما ذكر صالح بن سليمان أن الهادي لما أفضت إليه الخلافة أقر يحيى بن خالد على ما كان يلي هارون من عمل المغرب فاراد الهادي خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر بن موسى الهادي وتابعه على ذلك القواد منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وعلي بن عيسى ومن أشبههم فخلعوا هارون وبايعوا لجعفر بن موسى ودسوا إلى الشيعة فتكلموا في أمره وتنقصوه في مجلس الجماعة وقالوا لا نرضى به وصعب أمرهم حتى ظهر وأمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة فاجتنبه الناس وتركوه فلم يكن أحد يجترئ أن يسلم عليه ولا يقربه
وكان يحيى بن خالد يقول بإنزال الرشيد ولا يفارقه هو وولده فيما ذكر قال صالح وكان إسماعيل بن صبيح كاتب يحيى بن خالد فأحب أن يضعه موضعا يستعلم له فيه الأخبار وكان إبراهيم الحراني في موضع الوزارة لموسى فاستكتب إسماعيل ورفع الخبر إلى الهادي وبلغ ذلك يحيى بن خالد فأمر إسماعيل أن يشخص إلى حران فسار إليها فلما كان بعد أشهر سأل الهادي إبراهيم الحراني من كاتبك قال فلان كاتب وسماه فقال أليس بلغني أن إسماعيل بن صبيح كاتبك قال باطل يا أمير المؤمنين إسماعيل بحران
قال وسعي إلى الهادي بيحيى بن خالد وقيل له إنه ليس عليك من هارون خلاف وإنما يفسده يحيى بن خالد فابعث إلى يحيى وتهدده بالقتل وارمه بالكفر فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد
وذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى بن خالد حدثه قال بعث الهادي إلى يحيى ليلا فأيس من نفسه وودع أهله وتحنط وجدد ثيابه ولم يشك أنه يقتله فلما أدخل عليه قال يا يحيى مالي ولك قال

(4/605)


أنا عبدك يا أمير المؤمنين فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته قال فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي قال يا أمير المؤمنين من أنا حتى أدخل بينكما إنما صيرني المهدي معه وأمرني بالقيام بأمره فقمت بما أمرني به ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك قال فما الذي صنع هارون قال ما صنع شيئا ولا ذلك فيه ولا عنده قال فسكن غضبه وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع فقال له يحيى لا تفعل فقال أليس يترك لي الهنيء والمريء فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي وكان هارون يجد بأم جعفر وجدا شديدا فقال له يحيى وأين هذا من الخلافة ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع ومنعه من الإجابة
قال الكرماني فحدثني صالح بن سليمان قال بعث الهادي إلى يحيى بن خالد وهو بعيساباذ ليلا فراعه ذلك فدخل عليه وهو في خلوه فأمر بطلب رجل كان أخافه فتغيب عنه وكان الهادي يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون فنادمه وكلمه يحيى فيه فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر في يده وقال هذا أمانة وخرج يحيى فطلب الرجل وأتى الهادي به فسر بذلك
قال وحدثني غير واحد أن الرجل الذي طلبه كان إبراهيم الموصلي
قال صالح بن سليمان قال الهادي يوما للربيع لا يدخل علي يحيى بن خالد إلا آخر الناس قال فبعث إليه الربيع وتفرغ له قال فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد ودخل عليه يحيى وعنده عبد الصمد بن علي والعباس بن محمد وجلة أهله وقواده فما زال يدنيه حتى أجلسه بين يديه وقال له إني كنت أظلمك وأكفرك فاجعلني في حل فتعجب الناس من إكرامه إياه وقوله فقبل يحيى يده وشكر له فقال له الهادي من الذي يقول فيك يا يحيى ... لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال ...
قال تلك راحتك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك
قال وقال يحيى للهادي في الرشيد لما كلمه فيه يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم وإن تركتهم على بيعة أخيك بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته فقال صدقت ونصحت ولي في هذا تدبير
قال الكرماني وحدثني خزيمة بن عبد الله قال أمر الهادي بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلع الرشيد فرفع إليه يحيى رقعة إن عندي نصيحة فدعا به فقال يا أمير المؤمنين أخلني فأخلاه فقال يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان الأمر أسأل الله ألا نبلغه وأن يقدمنا قبله أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو لم يبلغ الحلم ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم قال والله ما أظن ذلك قال يا أمير المؤمنين أفتأمن أن يسموا إليها أهلك وجلتهم مثل فلان وفلان ويطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أبيك فقال له نبهتني يا يحيى قال وكان يقول ما كلمت أحدا من الخلفاء كان أعقل من موسى قال وقال له لو أن هذه الأمر لم يقعد لأخيك أما كان ينبغي أن تقعده له فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين على حاله فإذا بلغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد فخلع نفسه وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده قال فقبل الهادي قوله ورأيه وأمر بإطلاقه

(4/606)


وذكر الموصلي عن محمد بن يحيى قال عزم الهادي بعد كلام أبي له على خلع الرشيد وحمله عليه جماعة من مواليه وقواده أجابه إلى الخلع أو لم يجبه واشتد غضبه منه وضيق عليه وقال يحيى لهارون استأذنه في الخروج إلى الصيد فإذا خرجت فاستبعد ودافع الايام فرفع هارون رقعة يستأذن فيها فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل فأقام به أربعين يوما حتى أنكر الهادي أمره وغمه احتباسه وجعل يكتب إليه ويصرفه فتعلل عليه حتى تفاقم الأمر وأظهر شتمه وبسط مواليه وقواده ألسنتهم فيه والفضل بن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه والرشيد بالباب فكان يكتب إليه بذلك وانصرف وطال الأمر
قال الكرماني فحدثني يزيد مولى يحيى بن خالد قال بعثت الخيزران عاتكة ظئرا كانت لهارون إلى يحيى فشقت جبينها بين يديه وتبكي إليه وتقول له قالت لك السيدة الله الله في ابني لا تقتله ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه فبقاؤه احب إلي من الدنيا بجمع ما فيها قال فصاح بها وقال لها وما أنت وهذا إن يكن ما تقولين فإني وولدي وأهلي سنقتل قبله فإن اتهمت عليه فلست بمتهم على نفسي ولا عليهم قال ولما لم ير الهادي يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذل له من إكرام وإقطاع وصلة بعث إليه يتهدده بالقتل إن لم يكف عنه قال فلم تزل تلك الحال من الخوف والخطر وماتت أم يحيى وهو في الخلد ببغداد لأن هارون كان ينزل الخلد ويحيى معه وهو ولي العهد نازل في داره يلقاه في ليله ونهاره
وذكر محمد بن القاسم بن الربيع قال أخبرني محمد بن عمرو الرومي قال حدثني أبي قال جلس موسى الهادي بعد ما ملك في أول خلافته جلوسا خاصا ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم خادم له أسود يقال له أسلم ويكنى أبا سليمان وكان يثق به ويقدمه فبينا هو كذلك إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال هارون بن المهدي فقال ائذن له فدخل فسلم عليه وقبل يديه وجلس عن يمينه بعيدا من ناحية فأطرق موسى ينظر إليه وأدمن ذلك ثم التفت إليه فقال يا هارون كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد تؤمل الخلافة قال فبرك هارون على ركبتيه وقال يا موسى إنك إن تجبرت وضعت وإن تواضعت رفعت وإن ظلمت ختلت وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي فأنصف من ظلمت وأصل من قطعت وأصير أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي قال فقال له موسى ذلك الظن بك يا أبا جعفر ادن مني فدنا منه فقبل يديه ثم ذهب يعود إلى مجلسه فقال له لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني أباك المنصور لا جلست إلا معي وأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال يا حراني احمل إلى أخي ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف منه واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة فيأخذ جميع ما أراد قال ففعل ذلك ولما قام قال لصالح أدن دابته إلى البساط قال عمرو الرومي وكان هارون يأنس بي فقمت إليه فقلت يا سيدي ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين قال قال المهدي أريت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلا فأما هارون فأروق قضيبه من أوله إلى آخره فدعا المهدي الحكم بن موسى الضمري وكان يكنى أبا سفيان فقال له عبر هذه الرؤيا فقال يملكان جميعا فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة وتكون أيامه أحسن أيام ودهره أحسن دهر قال ولم يلبث إلا أياما يسيرة ثم اعتل موسى ومات وكانت علته ثلاثة ايام

(4/607)


قال عمرو الرومي أفضت الخلافة إلى هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى وفاطمة من إسماعيل بن موسى ووفى بكل ما قال وكان دهره أحسن الدهور
وذكر أن الهادي كان قد خرج إلى الحديثة حديثة الموصل فمرض بها واشتد مرضه فانصرف فذكر عمرو اليشكري وكان في الخدم قال انصرف الهادي من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم عليه فلما ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه فقالوا إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه ثم قالوا لعل أمير المؤمنين يفيق من مرضه فما عذرنا عنده فأمسكوا ثم بعثت الخيزران إلى يحيى تعلمه أن الرجل لمآبه وتأمره بالاستعداد لما ينبغي وكانت المستولية على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك فأحضر الكتاب وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى فكتبوا لليلتهم كتبا من الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي وأنهم قد ولاهم الرشيد ما كانوا يلون فلما مات الهادي أنفذوها على البرد
وذكر الفضل بن سعيد أن أباه حدثه أن الخيزران كانت قد حلفت ألا تكلم موسى الهادي وانتقلت عنه فلما حضرته الوفاة وأتاها الرسول فأخبرها بذلك فقالت وما أصنع به فقالت لها خالصة قومي إلى ابنك أيتها الحرة فليس هذا وقت تعتب ولا تغضب فقالت أعطوني ماء أتوضأ للصلاة ثم قالت أما إنا كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ويملك خليفة ويولد خليفة قال فمات موسى وملك هارون وولد المأمون
قال الفضل فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله فساقه لي مثل ما حدثنيه أبي فقلت فمن أين كان للخيزران هذا العلم قال إنها كانت قد سمعت من الأوزاعي
ذكر يحيى بن الحسن أن محمد بن سليمان بن علي حدثه قال حدثتني عمتي زينب ابنة سليمان قالت لما مات موسى بعيساباذ أخبرتنا الخيزران الخبر ونحن أربع نسوة أنا وأختي وأم الحسن وعائشة بنيات سلمان ومعنا ريطة أم علي فجاءت خالصة فقالت لها ما فعل الناس قالت يا سيدتي مات موسى ودفنوه قالت إن كان مات موسى فقد بقي هارون هات لي سويقا فجاءت بسويق فشربت وسقتنا ثم قالت هات لساداتي أربعمائة دينار ثم قالت ما فعل ابني هارون قالت حلف ألا يصلي الظهر إلا ببغداد قالت هاتوا الرحائل فما جلوسي هاهنا وقد مضى فلحقته ببغداد
ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومن صلى عليه
قال أبو معشر توفي موسى الهادي ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول حدثنا بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق
وقال الواقدي مات موسى بعيساباذ من شهر ربيع الأول
وقال هشام بن محمد هلك موسى الهادي لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ليلة الجمعة في سنة سبعين ومائة

(4/608)


وقال بعضهم توفي ليلة الجمعة لستة عشر يوما منه وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر
قال هشام ملك أربعة عشر شهرا وتوفي وهو ابن ست وعشرين سنة
وقال الواقدي كانت ولايته سنة وشهرا واثنين وعشرين يوما
وقال غيرهم توفي يوم السبت لعشر خلت من ربيع الأول أو ليلة الجمعة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وكانت خلافته سنة وشهرا وثلاثة وعشرين يوما وصلى عليه أخوه هارون بن محمد الرشيد وكانت كنيته أبا محمد وأمه الخيزران أم ولد ودفن بعيساباذ الكبرى في بستانه
وذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلا جسيما جميلا أبيض مشربا حمرة وكان بشفته العليا تقلص وكان يلقب موسى أطبق وكان ولد بالسيروان من الري
ذكر أولاده
وكان له من الأولاد تسعة سبعة ذكور وابنتان فأما الذكور فأحدهم جعفر وهو الذي كان يرشحه للخلافة والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى والأعمى كلهم من أمهات أولاد وكان الأعمى وهو موسى ولد بعد موت أبيه والابنتان إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون والأخرى أم العباس بنت موسى تلقب نوتة
ذكر بعض أخباره وسيره
ذكر إبراهيم بن عبد السلام ابن أخي السندي أبو طوطة قال حدثني السندي بن شاهك قال كنت مع موسى بجرجان فأتاه نعي المهدي والخلافة فركب البريد إلى بغداد ومعه سعيد بن سلم ووجهني إلى خراسان فحدثني سعيد بن سلم قال سرنا بين أبيات جرجان وبساتينها قال فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى فقال لصاحب شرطته علي بالرجل الساعة قال فقلت يا أمير المؤمنين ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك قال وكيف قال قلت له كان سليمان بن عبد الملك في متنزه له ومعه حرمه فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى فدعا صاحب شرطته فقال علي بصاحب الصوت فأتي به فلما مثل بين يديه قال له ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حرمي أما علمت أن الرماك إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه يا غلام جبه فجب الرجل فلما كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المتنزه فجلس مجلسه الذي فيه فذكر الرجل وما صنع به فقال لصاحب شرطته علي بالرجل الذي كنا جببناه فأحضره فلما مثل بين يديه قال له إما بعت فوفيناك وإما وهبت فكافأناك قال فوالله ما دعاه بالخلافة ولكنه قال له يا سليمان الله الله إنك قطعت نسلي فذهبت بماء وجهي وحرتمني لذتي ثم تقول إما وهبت فكافأناك وإما بعت فوفيناك لا والله حتى أقف بين يدي الله قال فقال موسى يا غلام رد صاحب الشرطة فرده فقال لا تعرض للرجل
وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي أن علي بن صالح حدثه أنه كان يوما على رأس الهادي وهو غلام وقد كان جفا المظالم عامة ثلاثة ايام فدخل عليه الحراني فقال له يا أمير المؤمنين إن العامة لا تنقاد على ما أنت عليه لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام فالتفت إلي وقال يا علي ائذن للناس علي بالجفلى لا بالنقرى فخرجت من عنده أطير على وجهي ثم وقفت فلم أدر ما قال لي فقلت

(4/609)


أراجع أمير المؤمنين فيقول أتحجبني ولا تعلم كلامي ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد وسألته على الجفلى والنقرى فقال الجفلى جفالة والنقرى ينقر خواصهم فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل فلما تقوض المجلس مثلت بين يديه فقال كأنك تريد أن تذكر شيئا يا علي قلت نعم يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا وخفت مراجعتك فتقول أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي فبعثت إلى أعرابي كان عندنا ففسر لي الكلام فكافئه عني يا أمير المؤمنين قال نعم مائة ألف درهم تحمل إليه فقال له يا أمير المؤمنين إنه أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه فقال ويلك يا علي أجود وتبخل
قال وحدثني علي بن صالح قال ركب الهادي يوما يريد عيادة أمه الخيزران من علة كانت وجدتها فاعترضه عمر بن بزيع فقال له يا أمير المؤمنين ألا أدلك على وجه هو أعود عليك من هذا فقال ما هو يا عمر قال المظالم لم تنظر فيها منذ ثلاث قال فأومأ إلى المطرقة أن يميلوا إلى دار المظالم ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلفه وقال قل لها إن عمر بن بزيع أخبرنا من حق الله بما هو أوجب علينا من حقك فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غد إن شاء الله
وذكر عن عبد الله بن مالك أنه قال كنت أتولى الشرطة للمهدي وكان المهدي يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه ويأمرني بضربهم وكان الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم ولا ألتفت إلى ذلك وأمضى لما أمرني به المهدي قال فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إلي يوما فدخلت عليه متكفنا متحنطا وإذا هو على كرسي والسيف والنطح بين يديه فسلمت فقال لا سلم الله على الآخر تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبني وفي فلان وفلان وجعل يعدد ندماءه فلم تلتفت إلي قولي ولا أمري قلت نعم يا أمير المؤمنين أفتأذن لي في استيفاء الحجة قال نعم قلت ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين أيسرك أنك وليتني ما ولاني أبوك فأمرتني بأمر فبعث إلى بعض بيتك بأمر يخالف به أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك قال لا قلت فكذلك أنا لك وكذا كنت لأبيك فاستداني فقبلت يديه فأمر بخلع فصبت علي وقال قد وليتك ما كنت تتولاه فامض راشدا فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرا في أمري وأمره وقلت حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيه في وحملوه من امري على ما كنت أكره وأتخوفه قال فإني لجالس وبين يدي بنية لي في وقتي ذلك والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأضعه للصبية وإذا ضجة عظيمة حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الوضاء فقلت هاه كان والله ما ظننت ووافاني من أمره ما تخوفت فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم فلما رأيته وثبت عن مجلس مبادرا فقبلت يده ورجله وحافر حماره فقال لي يا عبد الله إني فكرت في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك اني إذا شربت وحولي أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك أقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي لك فهات فأطعمني مما كنت تأكل وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ فأكل منها ثم قال هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي فأدخلت إلي أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال هذه زلتك فاستعن بها على

(4/610)


أمرك واحفظ لي هذه البغال عندك لعلي أحتاج إليها يوما لبعض أسفاري ثم قال أظللك الله بخير وانصرف راجعا
فذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره ثم بنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى النظر إليها والقيام عليه أيام حياة الهادي كلها
وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السلمي قال أخبرني أبي قال كان علي بن عيسى بن ماهان يغضب غضب الخليفة ويرضى رضا الخليفة وكان أبي يقول ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلي بن عيسى فإنه دخل إلى الحبس وفي يده سوط فقال أمرني أمير المؤمنين موسى الهادي أن أضربك مائة سوط قال فأقبل يضعه على يدي ومنكبي يمسني به مسا إلى أن عد مائة وخرج فقال له ما صنعت بالرجل قال صنعت به ما أمرت قال فما حاله قال مات قال إنا لله وإنا إليه راجعون ويلك فضحتني والله عند الناس هذا رجل صالح يقول الناس قتل يعقوب بن داود قال فلما رأى شدة جزعه قال هو حي يا أمير المؤمنين لم يمت قال الحمد لله على ذلك
قال وكان الهادي قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنه الفضل فقال له لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني البركة ولا تلق إلي أمرا إذا كشفته أصبته باطلا فإن ذلك يوقع الملك ويضر بالرعية
وقال موسى بن عبد الله أتي موسى برجل فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده فقال له الرجل يا أمير المؤمنين اعتذاري مما يقرعني به رد عليك وإقراري يوجب علي ذنبا ولكني أقول ... فإن كنت ترجو في العقوبة رحمة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر ...
قال فأمر بإطلاقه
وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن مسلم كان عند موسى الهادي فدخل عليه وفد الروم وعلى سعيد بن سلم قلنسوة وكان قد صلح وهو حدث فقال له موسى ضع قلنسوتك حتى تتشايخ بصلعتك
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن أباه حدثه قال خرجت إلى عيساباذ أريد الفضل بن الربيع فلقيت موسى أمير المؤمنين وهو خليفة وأنا لا أعرفه فإذا هو في غلالة على فرس وبيده قناة لا يدرك أحدا إلا طعنه فقال لي يابن الفاعلة قال فرأيت إنسانا كأنه صنم وكنت رأيته بالشأم وكان فخذاه كفخذي بعير فضربت يدي إلى قائم السيف فقال لي رجل ويلك أمير المؤمنين فحركت دابتي وكان شهريا حملني عليه الفضل بن الربيع وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب الحرس فوقف على الباب وبيده القناة وقال اخرج يابن الفاعلة فلم أخرج ومر فمضى قلت للفضل فإني رأيت أمير المؤمنين وكان من القصة كذا وكذا فقال لا أرى لك وجها إلا ببغداد إذا جئت أصلي الجمعة فالقني قال فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادي
وذكر الهيثم بن عروة الأنصاري أن الحسين بن معاذ بن مسلم وكان رضيع موسى الهادي قال لقد رأيتني أخلو مع موسى فلا أجد له هيبة في قلبي عند الخلوة لما كان يبسطني وربما صارعني فأصرعه غير هائب له وأضرب به الأرض فإذا تلبس لبسة الخلافة ثم جلس مجلس الأمر والنهي قمت على رأسه فوالله ما أملك

(4/611)


نفسي من الرعدة والهيبة له
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن محمد بن سعيد بن عمر بن مهران حدثه عن أبيه عن جده قال كانت المرتبة لإبراهيم بن سلم بن قتيبة عند الهادي فمات ابن لإبراهيم يقال له سلم فأتاه موسى الهادي يعزيه عنه على حمار اشهب لا يمنع مقبل ولا يرد عنه مسلم حتى نزل في رواقه فقال له يا إبراهيم سرك وهو عدو وفتنة وحزنك وهو صلاة ورحمة فقال يا أمير المؤمنين ما بقي مني جزء كان فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء قال فلما مات إبراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلم بعده
وذكر عمر بن شبة أن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كان يلقب بالجزري تزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدي فبلغ ذلك موسى الهادي في أول خلافته فأرسل إليه فجهله وقال أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين فقال ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي صلى الله عليه و سلم فأما غيرهن فلا ولا كرامة فشجه بمحضرة كانت في يده وأمر بضربه خمسمائة سوط فضرب وأراده أن يطلقها فلم يفعل فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية وكان في يده خاتم سري فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه من الضرب فأهوى إلى الخاتم فقبض على يد الخادم فدقها فصاح وأتى موسى فأراه يده فاستشاط وقال يفعل هذا بخادمي مع اساخفافه بأبي وقوله لي وبعث إليه ما حملك على ما فعلت قال قل له ووسله ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم فقال أحسن والله أنا أشهد أنه ابن عمي لو لم يفل لانتفيت منه وأمر بإطلاقه
وذكر أبو إبراهيم المؤذن أن الهادي كان يثب على الدابة وعليه درعان وكان المهدي يسميه ريحانتي
وذكر محمد بن عطاء بن مقدم الواسطي أن أباه حدثه أن المهدي قال لموسى يوما وقد قدم إليه زنديق فاستتابه فأبى أن يتوب فضرب عنقه وأمر بصابه يا بني إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابه يعني أصحاب ماني فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجا وتحوبا ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين أحدهما النور والآخر الظلمة ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور فارفع فيها الخشب وجرد فيها السيف وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين وأمرني بقتل أصحاب الاثنين قال فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر أما والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عينا تطرف
ويقال إنه أمر أن يهيأ له ألف جذع فقال هذا في شهر كذا ومات بعد شهرين
وذكر أيوب بن عنانة أن موسى بن صالح بن شيخ حدثه أن عيسى بن دأب كان أكثر أهل الحجاز أدبا وأعذبهم ألفاظا وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن عنده لأحد وكان يدعو له بمتكأ وما كان يفعل ذلك بأحد غيره في مجلسه وكان يقول ما استطلت بك يوما ولا ليلة ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ألا أرى غيرك وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع له قال فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانه إلى باب موسى وقال له الق الحاجب وقل له يوجه

(4/612)


إلينا بهذا المال فلقي الحاجب فأبلغه رسالته فتبسم وقال هذا ليس إلي فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج له كتابا إلى الديوان فتدبره هنا ثم تفعل فيه كذا وكذا فرجع إلى ابن دأب فأخبره فقال دعها ولا تعرض لها ولا تسأل عنها قال فبينا موسى في مستشرف له ببغداد إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد فقال لإبراهيم الحراني أما ترى ابن دأب ما غير من حاله ولا تزين لنا وقد بررناه بالأمس ليرى أثرنا عليه فقال له إبراهيم فإن أمرني أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا قال لا هو أعلم بأمره ودخل ابن دأب فأخذ في حديثه إلى أن عرض له موسى بشيء من أمره فقال أرى ثوبك عسيلا وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد اللين فقال يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه قال وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك قال ما وصل إلي ولا قبضته فدعا صاحب بيت مال الخاصة فقال عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار فأحضرت وحملت بين يديه
وذكر علي بن محمد أن أباه حدثه عن علي بن يقطين قال إني لعند موسى ليلة مع جماعة من أصحابه إذ أتاه خادم فساره بشيء فنهض سريعا وقال لا تبرحوا ومضى فأبطأ ثم جاء وهو يتنفس فألقى بنفسه على فراشه يتنفس ساعة حتى استراح ومعه خادم يحمل طبقا مغطى بمنديل فقام بين يديه فأقبل يرعد فعجبنا من ذلك ثم جلس وقال للخادم ضع ما معك فوضع الطبق وقال ارفع المنديل فرفعه فإذا في الطبق رأسا جاريتين لم أر والله أحسن من وجوههما قط ولا من شعورهما وإذا على رؤوسهما الجوهر منظوم على الشعر وإذا رائحة طيبة تفوح فأعظمنا ذلك فقال أتدرون ما شأنهما قلنا لا قال بلغنا أنهما تتحابان قد اجتمعتا على الفاحشة فوكلت هذا الخادم بهما ينهي إلي أخبارهما فجائني فأخبرني أنهما قد اجتمعتا فجئت فوجدتهما في لحاف واحد على الفاحشة فقتلتهما ثم قال يا غلام ارفع الرأسين قال ثم رجع في حديثه كأن لم يصنع شيئا
وذكر أبو العباس بن أبي مالك اليمامي أن عبد الله بن محمد البواب قال كنت أحجب الهادي خليفة للفضل بن الربيع قال فإنه ذات يوم جالس وأنا في داره وقد تغدى ودعا بالنبيذ وقد كان قبل ذلك دخل على أمه الخيزران فسألته أن يولي خاله الغطريف اليمن فقال أذكريني به قبل أن أشرب قال فلما عزم على الشرب وجهت إليه منيرة أو زهرة تذكره فقال ارجعي فقولي اختاري له طلاق ابنته عبيدة أو ولاية اليمن فلم تفهم إلا قوله اختاري له فمرت فقالت قد اخترت له ولاية اليمن فطلق ابنته عبيدة فسمع الصياح فقال ما لكم فأعلمته الخبر فقل أنت اخترت له فقالت ما هكذا أديت إلي الرسالة عنك قال فأمر صالحا صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رؤوس الندماء ليطلقوا نساءهم فخرج إلي بذلك الخدم ليعلموني ألا آذن لأحد قال وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه يراوح بين قديمه فغن لي بيتان فأنشدتهما وهما ... خليلي من سعد ألما فسلما ... على مريم لا يبعد الله مريما ... وقولا لها هذا الفراق عزمته ... فهل من نوال بعد ذاك فيعلما ...
قال فقال لي الرجل المتلفع بطيلسانه فنعلما فقلت ما الفرق بين يعلما ونعلما فقال إن الشعر يصلحه معناه ويفسده معناه ما حاجتنا إلى أن يعلم الناس أسرارنا فقلت له أنا أعلم بالشعر منك قال

(4/613)


فلمن الشعر قلت للأسود بن عمارة النوفلي فقال لي فأنا هو فدنوت منه فأخبرته خبر موسى واعتذرت إليه من مراجعتي إياه قال فصرف دابته وقال هذا أحق منزل بأن يترك
قال مصعب الزبيري قال أبو المعافى أنشدت العباس بن محمد مديحا في موسى وهارون ... يا خيزران هناك ثم هناك ... إن العباد يسوسهم إبناك ...
قال فقال لي إني أنصحك قال اليماني لا تذكر أمي بخير ولا بشر
وذكر أحمد بن صالح بن أبي فنن قال حدثني يوسف الصقيل الشاعر الواسطي قال كنا عند الهادي بجرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد فصعد مستشرفا له حسنا فغني بهذا الشعر ... واستقلت رجالهم ... بالرديني شرعا ...
فقال كيف هذا الشعر فأنشدوه فقال كنت أشتهي أن يكون هذا الغناء في شعر أرق من هذا اذهبوا إلى يوسف الصقيل حتى يقول فيه قال فأتوني فأخبروني الخبر فقلت ... لا تلمني أن أجزعا ... سيدي قد تمنعا ... وابلائي إن كان ما ... بيننا قد تقطعا ... إن موسى بفضله ... جمع الفضل أجمعا ...
قال فنظر فإذا بعير أمامه فقال أوقروا هذا دراهم ودنانير واذهبوا بها إليه قال فأتوني بالبعير موقرا
وذكر محمد بن سعد قال حدثني أبو زهير قال كان ابن دأب أحظى الناس عند الهادي فخرج الفضل بن الربيع يوما فقال إن أمير المؤمنين يأمر من ببابه بالانصراف فأما أنت يابن دأب فادخل قال ابن دأب فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه وإن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل فقال لي حدثني بحديث في الشراب فقلت نعم يا أمير المؤمنين خرجت رجلة من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم فمات أخ لأحدهم فجلسوا عند قبره يشربون فقال أحدهم ... لا تصرد هامة من شربها ... اسقه وإن كان قبر ... أسق أوصالا وهاما وصدى ... قاشعا يقشع قشع المبتكر ... كان حرا فهوى فيمن هوى ... كل عود وفنون منكسر ...
قال فدعا بدواة فكتبها ثم كتب إلى الحراني بأربعين ألف درهم قال عشرة آلاف لك وثلاثون ألفا للثلاثة الأبيات قال فأتيت الحراني فقال صالحنا على عشرة آلاف على أنك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين فحلفت ألا أذكرها لأمير المؤمنين حتى يبدأني فمات ولم يذكرها حيث أفضت الخلافة إلى الرشيد
وذكر أبو دعامة أن سلم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادي فقال ... بعيساباذ حر من قريش ... على جنباته الشرب الرواء ... يعوذ المسلمون بحقوتيه ... إذا ما كان خوف أو رجاء

(4/614)


وبالميدان دور مشرفات ... يشيدهن قوم أدعياء ... وكم من قائل إني صحيح ... وتأباه الخلائق والرواء ... له حسب يضن به ليبقى ... وليس لما يضن به بقاء ... على الضبي لؤم ليس يخفى ... يغطيه فينكشف الغطاء ... لعمري لو اقام أبو خديج ... بناء الدار ما انهدم البناء ...
قال وقال سلم الخاسر لما تولى الهادي الخلافة بعد المهدي ... لقد فاز موسى بالخلافة والهدى ... ومات أمير المؤمنين محمد ... فمات الذي عم البرية فقده ... وقام الذي يكفيك من يتفقد ...
وقال أيضا ... تخفى الملوك لموسى عند طلعته ... مثل النجوم لقرن الشمس إذ طلعا ... وليس خلق يرى بدرا وطلعته ... من البرية إلا ذل أو خضعا ...
وقال أيضا ... لولا الخليفة موسى بعد والده ... ما كان للناس من مهديهم خلف ... ألا ترى أمة الأمي واردة ... كأنها من نواحي البحر تغترف ... من راحتي ملك قد عم نائله ... كأن نائله من جوده سرف ...
وذكر إدريس بن أبي حفصة أن مروان بن أبي حفصة حدثه قال لما ملك موسى الهادي دخلت عليه فأنشدته ... إن خلدت بعد الإمام محمد ... نفسي لما فرحت بطول بقائها ...
قال ومدحت فقلت فيه ... بسبعين ألف شد ظهري وراشني ... ابوك وقد عانيت من ذاك مشهدا ... وإني أمير المؤمنين لواثق ... بألا يرى شربي لديك مصردا ...
فلما أنشدته قال ومن يبلغ مدى المهدي ولكنا سنبلغ رضاك قال وعاجلته المنية فلم يعطني شيئا ولا أخذت من أحد درهما حتى قام الرشيد
وذكر هارون بن موسى الفروي قال حدثني أبو غزية عن الضحاك بن معن السلمي قال دخلت على موسى فأنشدته ... يا منزلي شجو الفؤاد تكلما ... فلقد أرى بكما الرباب وكلثما ... ما منزلان على التقادم والبلى ... أبكى لما تحت الجوانح منكما ... ردا السلام على كبير شاقه ... طللان قد درسا فهاج فسلما ...
قال ومدحته فيها فلما بلغت

(4/615)


سبط الأنامل بالفعال أخاله ... أن ليس يترك في الخزائن درهما ...
التفت إلى أحمد الخازن فقال ويحك يا أحمد كأنه نظر إلينا البارحة قال وكان قد أخرج تلك الليلة مالا كثيرا ففرقه
وذكر عن إسحاق الموصلي أو غيره عن إبراهيم قال كنا يوما عند موسى وعنده ابن جامع ومعاذ بن الطبيب وكان أول يوم دخل علينا معاذ وكان معاذ حاذقا بالأغاني عارفا بقديمها فقال من أطربني منكم فله حكمه فغناه ابن جامع غناء فلم يحركه وفهمت غرضه في الأغاني فقال هات يا إبراهيم فغنيته ... سليمى أجمعت بينا ... فأين نقولها أينا ...
فطرب حتى قام من مجلسه ورفع صوته وقال أعد فأعدت فقال هذا غرضي فاحتكم فقلت يا أمير المؤمنين حائط عبد الملك وعينه الخرارة فدارت عيناه في رأسه حتلا صارتا كأنهما جمرتان ثم قال يابن اللخناء أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني وأني حكمتك فأقطعتك أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك لضربت الذي فيه عيناك ثم أطرق هينهة فرأيت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره ثم دعا إبراهيم الحراني فقال خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال فليأخذ منه ما شاء فأدخلني الحراني بيت المال فقال كم تأخذ قلت مائة بدرة قال دعني أؤامره قال قلت فثمانين قال حتى أؤامره فعلمت ما أراد فقلت سبعين بدرة لي وثلاثين لك قال الآن جئت بالحق فشأنك فانصرفت بسبعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهي
وذكر علي بن محمد قال حدثني صالح بن علي بن عطية الأضخم عن حكم الوادي قال كان الهادي يشتهي من الغناء الوسط الذي يقل ترجيعه ولا يبلغ أن يستخف به جدا قال فبينا نحن ليلة عنده وعنده ابن جامع والموصلي والزبير بن دحمان والغنوي إذ دعا بثلاث بدور وأمر بهن فوضعن في وسط المجلس ثم ضم بعضهن إلى بعض وقال من غناني صوتا في طريقي الذي أشتهيه فهن له كلهن قال وكان في خلق حسن كان إذ كره شيئا لم يوقف عليه وأعرض عنه فغناه ابن جامع فأعرض عنه وغنى القوم كلهم فأقبل يعرض حتى تغنيت فوافقت ما يشتهي فصاح أحسنت أحسنت اسقوني فشرب وطرب فقمت فجلست على البدور وعلمت أني قد حويتها فحضر ابن جامع فأحسن المحضر وقال يا أمير المؤمنين هو والله كما قلت وما منا أحد إلا وقد ذهب عن طريقك غيره قال هي لك وشرب حتى بلغ حاجته على الصوت ونهض فقال مروا ثلاثة من الفراشين يحملونها معه فدخل وخرجنا نمشي في الصحن منصرفين فلحقني ابن جامع فقلت جعلت فداك يا أبا القاسم فعلت ما يفعل مثلك في نسبك فانظر فيها بما شئت فقال هنأك الله وددنا أنا زدناك ولحقنا الموصلي فقال أجزنا فقلت ولم لم تحسن محضرك لا والله ولا درهما واحدا
وذكر محمد بن عبد الله قال قال لي سعيد القارئ العلاف وكان صاحب أبان القارئ إنه كان عند موسى جلساؤه فيهم الحراني وسعيد بن سلم وغيرهما وكانت جارية لموسى تسقيهم وكانت ماجنة فكانت تقول لهذا يا جلفي وتعبث بهذا وهذا ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول لهم فقال لها والله الكبير لئن قلت لي مثل ما تقولين لهم لأضربنك ضربة بالسيف فقال لها موسى ويلك إنه والله يفعل ما يقول فإياك

(4/616)


قال فأمسكت عنه ولم تعابثه قط قال وكان سعيد العلاف وأبان القارئ إباضيين
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن دواد الكاتب قال حدثنا ابن القداح قال كانت للربيع جارية يقال لها أمة العزيز فائقة الجمال ناهدة الثديين حسنة القوام فأهداها إلى المهدي فلما رأى جمالها وهيئتها قال هذه لموسى أصلح فوهبها له فكانت أحب الخلق إليه وولدت له بنيه الأكابر ثم إن بعض أعداء الربيع قال لموسى إنه سمع الربيع يقول ما وضعت بيني وبين الأرض مثل أمة العزيز فغار موسى من ذلك غيرة شديدة وحلف ليقتلن الربيع فلما استخلف دعا الربيع في بعض الأيام فتغدى معه وأكرمه وناوله كاسا فيها شراب عسل قال فقال الربيع فعلمت أن نفسي فيها وأني إن رددت الكأس ضرب عنقي مع ما قد علمت أن في قلبه علي من دخولي على أمه وما بلغه عني ولم يسمع مني عذرا فشربتها وانصرف الربيع إلى منزله فجمع ولده وقال لهم إني ميت في يومي هذا أو من غد فقال له ابنه الفضل ولم تقول هذا جعلت فداك فقال إن موسى سقاني شربة سم بيده فأنا أجد عملها في بدني ثم أوصى بما أراد ومات في يومه أو من غده ثم تزوج الرشيد أمة العزيز بعد موت موسى الهادي فأولدها علي بن الرشيد
وزعم الفضل بن سليم بن إسحاق الهاشمي أن الهادي لما تحول إلى عيساباذ في أول السنة التي ولي الخلافة فيها عزل الربيع عما كان يتولاه من الوزارة وديوان الرسائل وولي مكانه عمر بن بزيع وأقر الربيع على الزمام فلم يزل عليه إلى أن توفي الربيع وكان وفاته بعد ولاية الهادي بأشهر وأوذن بموته فلم يحضر جنازته وصلى عليه هارون الرشيد وهو يومئذ ولي عهد وولى موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذكوان الحراني واستخلف على ما تولاه إسماعيل بن صبيح ثم عزله واستخلف يحيى بن سليم وولي إسماعيل زمام ديوان الشأم وما يليها
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق خال الفضل بن الربيع أن أباه حدثه أن موسى الهادي قال أريد قتل الربيع فما أدري كيف أفعل به فقال له سعيد بن سلم تأمر رجلا باتخاذ سكين مسموم وتأمره بقتله ثم تأمر بقتل ذلك الرجل قال هذا الرأي فأمر رجلا فجلس له في الطريق وأمره بذلك فخرج بعض خلفاء الربيع فقال له إنه قد أمر فيك بكذا وكذا فأخذ في غير ذلك الطريق فدخل منزله فتمارض فمرض بعد ذلك ثمانية أيام فمات ميتة نفسه وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة وهو الربيع بن يونس
خلافة هارون الرشيد
بويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي وكانت سنة يوم ولي اثنتين وعشرين سنة وقيل كان يوم بويع بالخلافة ابن إحدى وعشرين سنة وأمه أم ولد يمانية جرشية يقال لها خيزران وولد بالري لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة في خلافة المنصور وأما البرامكة فإنها فيما ذكر تزعم أن الرشيد ولد أول يوم من المحرم سنة تسع وأربعين ومائة وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام وكان مولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة فجعلت أم الفضل ظئرا للرشيد وهي زينب بنت منير فأرضعت الرشيد بلبان الفضل وأرضعت الفضل بلبان الرشيد

(4/617)


وذكر سليمان بن أبي شيخ أنه لما كان الليلة التي توفي فيها موسى الهادي أخرج هرثمة بن أعين هارون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة فدعا هارون يحيى بن خالد بن برمك وكان محبوسا وقد كان عزم موسى على قتله وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة قال فحضر يحيى وتقلد الوزارة ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره وأمره بإنشاء الكتب فلما كان غداة تلك الليلة وحضر القواد قام يوسف بن القاسم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه و سلم ثم تكلم بكلام أبلغ فيه وذكر موت موسى وقيام هارون بالأمر من بعده وما أمر به للناس من الأعطيات
وذكر أحمد بن القاسم أنه حدثه عمه علي بن يوسف بن القاسم هذا الحديث فقال حدثني يزيد الطبري مولانا أنه كان حاضرا يحمل دواة أبي يوسف بن القاسم فحفظ الكلام قال قال بعد الحمد لله عز و جل والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم
إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه بيت الخلافة ومعدن الرسالة وأتاكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة من نعمه التي لا تحصى بالعدد ولا تنقضي مدى الأبد وأياديه التامة أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم وشد عضدكم وأوهن عدوكم وأظهر كلمة الحق وكنتم أولى بها وأهلها فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذابين بسيفه المنتضى عن أهل بيت نبيه صلى الله عليه و سلم وبكم استنقذهم من أيدي الظلمة أئمة الجور والناقضين عهد الله والسافكين الدم الحرام والآكلين الفيء والمستأثرين به فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة واحذروا أن تغيروا فيغير بكم وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام فقبضه إليه وولى بعده رشيدا مرضيا أمير المؤمنين رؤوفا بكم رحيما من محسنكم قبولا وعلى مسيئكم بالعفو عطوفا وهو أمتعه الله بالنعمة وحفظ له ما استرعاه إياه من أمر الأمة
وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته يعدكم من نفسه الرأفة بكم والرحمة لكم وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت الأموال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرا غير مقاص لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم وحامل باقي ذلك للدفع عن حريمكم وما لعله أن يحدث في النواحي والأقطار من العصاة المارقين إلى بيوت الأموال حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها والحال التي كانت عليها فاحمدوا الله وجددوا شكرا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم من رأي أمير المؤمنين وتفضل به عليكم أيده الله بطاعته وارغبوا إلى الله له في البقاء ولكم به في إدامة النعماء لعلكم ترحمون وأعطوا صفقة أيمانكم وقوموا إلى بيعتكم حاطكم الله وحاط عليكم وأصلح بكم وعلى أيديكم وتولاكم ولاية عباده الصالحين
وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني محمد بن هشام المخزومي قال جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم في لحاف بلا إزار لما توفي موسى فقال قم يا أمير المؤمنين فقال له الرشيد كم تروعني إعجابا منك بخلافتي وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل فإن بلغه هذا فما تكون حالي فقال له هذا الحراني وزير موسى وهذا خاتمه قال فقعد في فراشه فقال أشر علي قال فبينما هو يكلمه إذ طلع رسول آخر فقال قد ولد لك غلام فقال قد سميته عبد الله ثم قال ليحيى أشر علي فقال أشير عليك أن تقعد لحالك على إرمينية قال قد فعلت ولا والله لا صليت بعيساباذ إلا عليها ولا صليت إلا ببغداد وإلا

(4/618)


ورأس أبي عصمة بين يدي قال ثم لبس ثيابه وخرج فصلى عليه وقدم أبا عصمة فضرب عنقه وشد جمته في رأس قناة ودخل بها بغداد وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ فالتفت أبو عصمة إلى هارون فقال له مكانك حتى يجوز ولي العهد فقال هارون السمع والطاعة للأمير فوقف حتى جاز جعفر فكان هذا سبب قتل أبي عصمة
قال ولما صار الرشيد إلى كرسي الجسر دعا بالغواصين فقال كان المهدي وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار يسمى الجبل فدخلت على أخي وهو في يدي فلما انصرفت لحقني سليم الأسود على الكرسي فقال يأمرك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم فرميت به في هذا الموضع فغاصوا فأخرجوه فسر به غاية السرور
قال محمد بن إسحاق الهاشمي حدثني غير واحد من أصحابنا منهم صباح بن خاقان التميمي أن موسى الهادي كان خلع الرشيد وبايع لابنه جعفر وكان عبد الله بن مالك على الشرط فلما توفي الهادي هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة فأخذ جعفرا من فراشه وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليه معهم السلاح فقال والله لأضربن عنقك أو تخلعها فلما كان من الغد ركب الناس إلى باب جعفر فأتى به خزيمة فأقامه على باب الدار في العلو والأبواب مغلقة فأقبل جعفر ينادي يا معشر المسلمين من كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمي هارون ولا حق لي فيها
وكان سبب مشي عبد الله بن مالك الخزاعي إلىمكة على اللبود لأنه كان شاور الفقهاء في أيمانه التي حلف بها لبيعة جعفر فقالوا له كل يمين لك تخرج منها إلا المشي إلى بيت الله ليس فيه حيلة فحج ماشيا وحظي خزيمة بذلك عند الرشيد
وذكر أن الرشيد كان ساخطا على إبراهيم الحراني وسلام الأبرش يوم مات موسى فأمر بحبسهما وقبض أموالهما فحبس إبراهيم عند يحيى بن خالد في داره فكلم فيه محمد بن سليمان هارون وسأله الرضا عنه وتخلية سبيله والإذن له في الانحدار معه إلى البصرة فأجابه إلى ذلك
وفي هذه السنة عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم وما كان إليه من عملها وولى ذلك إسحاق بن سليمان بن علي
وفيها ولد محمد بن هارون الرشيد وكان مولده فيما ذكر أبو حفص الكرماني عن محمد بن يحيى بن خالد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة وكان مولد المأمون قبله في ليلة الجمعة النصف من شهر ربيع الأول
وفيها قلد الرشيد يحيى بن خالد الوزارة وقال له قد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي إليك فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت واعزل من رأيت وأمض الأمور على ما ترى ودفع إليه خاتمه ففي ذلك يقول إبراهيم الموصلي ... ألم تر الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها ... بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها

(4/619)


وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور وكان يحيى يعرض عليها ويصدر عن رأيها
وفيها أمر هارون بسهم ذوي القربى فقسم بين بني هاشم بالسوية
وفيها آمن من كان هاربا أو مستخفيا غير نفر من الزنادقة منهم يونس بن فروة ويزيد بن الفيض
وكان ممن ظهر من الطالبيين طباطبا وهو إبراهيم بن إسماعيل وعلي بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن
وفيها عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا وسميت العواصم
وفيها عمرت طرسوس على يدي أبي سليم فرج الخادم التركي ونزلها الناس
وحج بالناس في هذه السنة هارون الرشيد من مدينة السلام فأعطى أهل الحرمين عطاء كثيرا وقسم فيهم مالا جليلا
وقد قيل إنه حج في هذه السنة وغزا فيها وفي ذلك يقول داود بن رزين ... بهارون لاح النور في كل بلدة ... وقام به في عدل سيرته النهج ... إمام بذات الله أصبح شغله ... وأكثر ما يعنى به الغزو والحج ... تضيق عيون الناس عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج ... وإن أمين الله هارون ذا الندى ... ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو ...
وغزا الصائفة في هذه السنة سليمان بن عبد الله البكائي
وكان العامل فيها على المدينة إسحاق بن سليمان الهاشمي وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم وعلى الكوفة موسى بن عيسى وخليفته عليها ابنه العباس بن موسى وعلى البصرة والبحرين والفرض وعمان واليمامة وكور الأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي

(4/620)


ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحدث
فمما كان فيها من ذلك قدوم أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي مدينة السلام منصرفا عن خراسان وكان خاتم الخلافة حين قدم مع جعفر بن محمد بن الأشعث فلما قدم أبو العباس الطوسي أخذه الرشيد منه فدفعه إلى أبي العباس ثم لم يلبث أبو العباس إلا يسيرا حتى توفي فدفع الخاتم إلى يحيى بن خالد فاجتمعت ليحيى الوزارتان
وفيها قتل هارون أبا هريرة محمد بن فروخ وكان على الجزيرة فوجه إليه هارون أبا حنيفة بن قيس فقدم به عليه مدينة السلام فضرب عنقه في قصر الخلد
وفيها أمر هارون بإخراج من كان في مدينة السلام من الطالبيين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن علي بن أبي طالب وكان أبوه الحسن بن عبد الله فيمن أشخص
وخرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبو خالد المروروذي
وفي هذه السنة كان قدوم روح بن حاتم إفريقية وخرجت في هذه السنة الخيزران إلى مكة في شهر رمضان فأقامت بها إلى وقت الحج فحجت
وحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس

(4/621)


ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك شخوص الرشيد فيها إلى مرج القلعة مرتادا بها منزلا ينزله
ذكر السبب في ذلك
ذكر أن الذي دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام فكان يسميها البخار فخرج إلى مرج القلعة فاعتل بها فانصرف وسميت تلك السفرة سفرة المرتاد
وفيها عزل الرشيد يزيد بن مزيد عن إرمينية وولاها عبيد الله بن المهدي
وغزا الصائفة فيها إسحاق بن سليمان بن علي
وحج بالناس في هذه السنة يعقوب بن أبي جعفر المنصور
وفيها وضع هارون عن أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف

(4/622)


ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة لليال بقين من جمادى الآخرة منها
وذكر أنه لما مات محمد بن سليمان وجه الرشيد إلى كل ما خلفه رجلا أمره باصطفائه فأرسل إلى ما خلف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلا وإلى الكسوة بمثل ذلك وإلى الفرش والرقيق والدواب من الخيل والإبل وإلى الطيب والجوهر وكل آلة برجل من قبل الذي يتولى كل صنف من الأصناف فقدموا البصرة فأخذوا جميع ما كان لمحمد مما يصلح للخلافة ولم يتركوا شيئا إلا الخرثي الذي لا يصلح للخلفاء وأصابوا له ستين ألف ألف فحملوها مع ما حمل فلما صارت في السفن أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلا المال فإنه أمر بصكاك فكتبت للندماء وكتبت للمغنين صكاك صغار لم تدر في الديوان ثم دفع إلى كل رجل صكا بما رأى أن يهب له فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن فاخذوا المال على ما أمر لهم به في الصكاك أجمع لم يدخل منه بيت ماله دينار ولا درهم واصطفى ضياعه وفيها ضيعة يقال له يرشيد بالأهواز لها علة كثيرة
وذكر علي بن محمد عن أبيه قال لما مات محمد بن سليمان أصيب في خزانة لباسه مذ كان صبيا في الكتاب إلى أن مات مقادير السنين فكان من ذلك ما عليه آثار النقس قال وأخرج من خزانته ما كان يهدى له من بلاد السند ومكران وكرمان وفارس والأهواز واليمامة والري وعمان من الألطاف والأذهان والسمك والحبوب والجبن وما أشبه ذلك ووجد أكثره فاسدا وكان من ذلك خمسمائة كنعدة ألقيت من دار جعفر ومحمد في الطريق فكانت بلاء قال فمكثنا حينا لا نستطيع أن نمر بالمربد من نتنها
وفيها توفيت الخيزران أم هارون الرشيد وموسى الهادي
ذكر الخبر عن وقت وفاتها
ذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدثه قال رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة وعليه جبة سعيدية وطيلسان خرق أزرق قد شد به وسطه وهو آخذ بقائمة السرير حافيا يعدو في الطين حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه ثم دعا بخف وصلى عليها ودخل قبرها فلما خرج من المقبرة وضع له كرسي فجلس عليه ودعا الفضل بن الربيع فقال له وحق المهدي وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد إني لأهم لك من الليل بالشيء من التولية وغيرها فتمنعني أمي فأطيع أمرها فخذ الخاتم من جعفر

(4/623)


فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صبيح أنا أجل ابا الفضل عن ذلك بأن أكتب إليه وآخذه ولكن إن رأى أن يبعث به
قال وولى الفضل نفقات العامة والخاصة وبادوريا والكوفة وهي خمسة طساسيج فأقبلت حالة تنمى إلى سنة سبع وثمانين ومائة
وقيل إن وفاة محمد بن سليمان والخيزران كانت في يوم واحد
وفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان وولاها ابنه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث
وحج بالناس فيها هارون وذكر أنه خرج محرما من مدينة السلام

(4/624)


ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان بالشأم من العصبية فيها
وفيها ولي الرشيد إسحق بن سليمان الهاشمي السند ومكران
وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف وأبوه حي
وفيها هلك روح بن حاتم
وفيها خرج الرشيد إلى باقردى وبازبدى وبنى بباقردى قصرا فقال الشاعر في ذلك ... بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود ... وبغداد ما بغداد أما ترابها ... فخرء وأما حرها فشديد ...
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح
وحج بالناس فيها هارون الرشيد فبدأ بالمدينة فقسم في أهلها مالا عظيما ووقع الوباء في هذه السنة بمكة فأبطأ عن دخولها هارون ثم دخلها يوم التروية فقضى طوافه وسعيه ولم ينزل بمكة

(4/625)


ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين وأخذه له بذلك بيعة القواد والجند وتسميته إياه الأمين وله يومئذ خمس سنين فقال سلم الخاسر ... قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخليفة للهجان الأزهر ... فهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهدا عليه بمنظر وبمخبر ... قد بايع الثقلان في مهد الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر ... ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له
وكان السبب في ذلك فيما ذكر روح مولى الفضل بن يحيى بن خالد أنه رأى عيسى بن جعفر قد صار إلى الفضل بن يحيى فقال له أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي يعني محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور فإنه ولد لك وخلافته لك فوعده أن يفعل وتوجه الفضل على ذلك وكانت جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد لأنه لم يكن له ولي عهد فلما بايع له أنكروا بيعته لصغر سنه
قال وقد كان الفضل لما تولى خراسان أجمع على البيعة لمحمد فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان فرق فيهم أموالا وأعطى الجند أعطيات متتابعات ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد فبايع الناس له وسماه الأمين فقال في ذلك النمري ... أمست بمرو على التوفيق قد صفقت ... على يد الفضل أيدي العجم والعرب ... ببيعة لولي العهد أحكمها ... بالنصح منه وبالإشفاق والحدب ... قد وكد الفضل عقدا لا انتقاض له ... لمصطفى من بني العباس منتخب ...
قال فلما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك وبايع له أهل المشرق بايع لمحمد وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار فقال أبان اللاحقي في ذلك ... عزمت أمير المؤمنين على الرشد ... برأي هدى فالحمد لله ذي الحمد ...
وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر وولاها خاله الغطريف بن عطاء
وفيها صار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الديلم فتحرك هناك

(4/626)


وغزا الصائفة فيها عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية
وقال الواقدي الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح قال وأصابهم في هذه الغزاة برد قطع أيديهم وأرجلهم
وحج بالناس فيها هارون الرشيد

(4/627)


ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من تولية الرشيد الفضل بن يحيى كور وطبرستان ودنباوند وقومس وإرمينية وإذربيجان
وفيها ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالديلم
ذكر الخبر عن مخرج يحيى بن عبد الله وما كان من أمره
ذكر أبو حفص الكرماني قال كان أول خبر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه ظهر بالديلم واشتدت شوكته وقوي أمره ونزع إليه الناس من الأمصار والكور فاغتم لذلك الرشيد ولم يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل ومعه صناديد القواد وولاه كور الجبال والري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباوند والرويان وحملت معه الأموال ففرق الكور على قواده فولى المثنى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طبرستان وولى علي بن الحجاج الخزاعي جرجان وأمر له بخمسمائة ألف درهم وعسكر بالنهرين وامتدحه الشعراء فأعطاهم فأكثر وتوسل إليه الناس بالشعر ففرق فيهم أموالا كثيرة وشخص الفضل بن يحيى واستخلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين تجري كتبه على يديه وتنفذ الجوابات عنها إليه وكانوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم لقديم صحبته لهم وحرمته بهم ثم مضى من معسكره فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبر واللطف والجوائز والخلع فكاتب يحيى ورفق به واستماله وناشده وحذره واشار عليه وبسط أمله ونزل الفضل بطالقان الري ودستبي بموضع يقال له أشب وكان شديد البرد كثير الثلوج ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقي ... لدور أمس بالدولا ... ب حيث السيب ينعرج ... أحب إلي من دور ... أشب إذا هم ثلجوا ...
قال فأقام الفضل بهذا الموضع وواتر كتبه على يحيى وكاتب صاحب الديلم وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى إلى ما قبله وحملت إليه فأجاب يحيى إلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه على نسخة يبعث بها إليه فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد فسره وعظم موقعه عنده وكتب أمانا ليحيى بن عبد الله وأشهد عليه الفقهاء والقضاء وجلة بني هاشم ومشايخهم منهم

(4/628)


عبد الصمد بن علي والعباس ابن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومن أشبههم ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا فوجه الفضل بذلك إليه فقدم يحيى بن عبد الله عليه وورد به الفضل بغداد فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأجرى له أرزاقا سنية وأنزله منزلا سريا بعد أن أقام في منزل يحيى بن خالد أياما وكان يتولى أمره بنفسه ولا يكل ذلك إلى غيره وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحيى والتسليم عليه وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة ... ظفرت فلا شلت يد برمكية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم ... على حين أعيا الراتقين التئامه ... فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم ... فأصبحت قد فازت يداك بخطة ... من المجد باق ذكرها في المواسم ... وما زال قدح الملك يخرج فائزا ... لكم كلما مضت قداح المساهم ...
قال وأنشدني أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه ... للفضل يوم الطالقان وقبله ... يوم أناخ به على خاقان ... ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين توالتا يومان ... سد الثغور ورد ألفة هاشم ... بعد الشتات فشعبها متدان ... عصمت حكومته جماعة هاشم ... من أن يجرد بينها سيفان ... تلك الحكومة لا التي عن لبسها ... عظم النبا وتفرق الحكمان ...
فأعطاه الفضل مائة ألف درهم وخلع عليه وتغنى إبراهيم به
وذكر أحمد بن محمد بن جعفر عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن قال لما قدم يحيى بن عبد الله من الديلم أتيته وهو في دار علي بن أبي طالب فقلت يا عم ما بعدك مخبر ولا بعدي مخبر فأخبرني خبرك فقال يابن أخي والله إن كنت إلا كما قال حيي بن أخطب ... لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل ... لجاهد حتى أبلغ النفس حمدها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل ...
وذكر الضبي أن شيخا من النوفليين قال دخلنا على عيسى بن جعفر وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض وهو قائم متكئ عليها وإذا هو يضحك من شيء في نفسه متعجبا منه فقلنا ما الذي يضحك الأمير أدام الله سروره قال لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني مثله قط فقلنا تمم الله للأمير سروره وزاده سرورا فقال والله لا أحدثكم به إلا قائما واتكأ على الفرش وهو قائم فقال كنت اليوم عند أمير المؤمنين الرشيد فدعا بيحيى بن عبد الله فأخرج من السجن مكبلا في الحديد وعنده بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وكان بكار شديد البغض لآل أبي طالب وكان يبلغ هارون عنهم ويسيء بأخبارهم وكان الرشيد ولاه المدينة وأمره بالتضييق عليهم قال فلما دعي بيحيى قال له الرشيد هيه هيه متضاحكا وهذا يزعم أيضا أنا سممناه فقال يحيى ما معنى يزعم ها هو ذا لساني قال وأخرج لسانه أخضر مثل السلق قال فتربد هارون واشتد غضبه فقال يحيى يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحما ولسنا بترك ولا ديلم يا أمير المؤمنين إنا وأنتم أهل بيت واحد فأذكرك الله وقرابتنا من

(4/629)


رسول الله صلى الله عليه و سلم علام تحبسني وتعذبني قال فرق له هارون وأقبل الزبيري على الرشيد فقال يا أمير المؤمنين لا يغرك هذا الكلام فإنه شاق عاص وإنما هذا منه مكر وخبث إن هذا أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان قال فأقبل يحيى عليه فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال أفسد عليكم مدينتكم ومن أنتم عافاكم الله قال الزبيري هذا كلامه قدامك فكيف إذا غاب عنك يقول ومن أنتم استخفافا بنا قال فأقبل عليه يحيى فقال نعم ومن أنتم عافاكم الله المدينة كانت مهاجر عبد الله بن الزبير أم مهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن أنت حتى تقول أفسد علينا مدينتنا وإنما بآبائي وآباء هذا هاجر أبوك إلى المدينة ثم قال يا أمير المؤمنين إنما الناس نحن وأنتم فإن خرجنا عليكم قلنا أكلتم وأجعتمونا ولبستم وأعريتمونا وركبتم وأرجلتمونا فوجدنا بذلك مقالا فيكم ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا فينا فتكافأ فيه القول ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفضل يا أمير المؤمنين فلم يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك يسعى بهم عندك إنه والله ما يسعى بنا إليك نصيحة منه لك وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا إنما يريد أن يباعد بيننا ويشتفي من بعض ببعض والله يا أمير المؤمنين لقد جاء إلي هذا حيث قتل أخي محمد بن عبد الله فقال لعن الله قاتله وأنشدني فيه مرثية قالها نحوا من عشرين بيتا وقال إن تحركت في الأمر فأنا أول من يبايعك وما يمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك
قال فتغير وجه الزبيري واسود فأقبل عليه هارون فقال أي شيء يقول هذا قال كاذب يا أمير المؤمنين ما كان مما قال حرف قال فأقبل على يحيى بن عبد الله فقال تروي القصيدة التي رثاه بها قال نعم يا أمير المؤمنين أصلحك الله قال فأنشدها إياه فقال الزبيري والله يا أمير المؤمنين الذي لا إله إلا هو حتى أتى على آخر اليمين الغموس ما كان مما قال شيء ولقد تقول علي ما لم اقل قال فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله فقال قد حلف فهل من بينة سمعوا هذه المرثية منه قال لا يا أمير المؤمنين ولكن أستحلفه بما أريد قال فاستحلفه قال فأقبل على الزبيري فقال قل أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي إن كنت قلته فقال الزبيري يا أمير المؤمنين أي شيء هذا من الحلف أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو ويستحلفني بشيء لا أدري ما هو قال يحيى بن عبد الله يا أمير المؤمنين إن كان صادقا فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به فقال له هارون احلف له ويلك قال فقال أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي قال فاضطرب منها وأرعد فقال يا أمير المؤمنين ما أدري أي شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها وقد حلفت له بالله العظيم أعظم الأشياء قال فقال هارون له لتحلفن له أو لأصدقن عليك ولأعاقبنك قال فقال أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي إن كنت قلته قال فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج فمات من ساعته
قال فقال عيسى بن جعفر والله ما يسرني أن يحيى نقصه حرفا مما كان جرى بينهما ولا قصر في شيء من مخاطبته إياه
قال وأما الزبيريون فيزعمون أن امرأته قتلته وهي من ولد عبد الرحمن بن عوف
وذكر إسحاق بن محمد النخعي أن الزبير بن هشام حدثه عن أبيه أن بكار بن عبد الله تزوج امرأة من

(4/630)


ولد عبد الرحمن بن عوف وكان له من قبلها موضع فاتخذ عليها جارية وأغارها فقالت لغلامين له زنجيين إنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق ولاطفتهما فتعاوناني على قتله قالا نعم فدخلت عليه وهو نائم وهما جميعا معها فقعدا على وجهه حتى مات قال ثم إنها سقتهما نبيذا حتى تهوعا حول الفراش ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنينة فلما أصبح اجتمع أهله فقالت سكر فقاء فشرق فمات فأخذ الغلامان فضربا ضربا مبرحا فأقرا بقتله وأنها أمرتهما بذلك فأخرجت من الدار ولم تورث
وذكر أبو الخطاب أن جعفر بن يحيى بن خالد حدثه ليلة وهو في سمره قال دعا الرشيد اليوم بيحيى بن عبد الله بن حسن وقد حضره أبو البختري القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى فقال لمحمد بن الحسن ما تقول في هذا الأمان اصحيح هو قال هو صحيح فحاجه في ذلك الرشيد فقال له محمد بن الحسن ما تصنع بالأمان لو كان محاربا ثم ولي كان آمنا فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن ثم سأل أبا البختري أن ينظر في الأمان فقال أبو البختري هذا منتقض من وجه كذا وكذا فقال الرشيد أنت قاضي القضاة وأنت أعلم بذلك فمزق الأمان وتفل فيه أبو البختري وكان بكار بن عبد الله بن مصعب حاضرا المجلس فأقبل على يحيى بن عبد الله بوجهه فقال شققت العصا وفارقت الجماعة وخالفت كلمتنا وأردت خليفتنا وفعلت بنا وفعلت فقال يحيى ومن أنتم رحمكم الله قال جعفر فوالله ما تمالك الرشيد أن ضحك ضحكا شديدا قال وقام يحيى ليمضي إلى الحبس فقال له الرشيد انصرف أما ترون به أثر علة هذا الآن إن مات قال الناس سموه قال يحيى كلا ما زلت غليلا منذ كنت في الحبس وقبل ذلك أيضا كنت عليلا قال أبو الخطاب فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهرا حتى مات
وذكر أبو يونس إسحاق بن إسماعيل قال سمعت عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي الذي يعرف بالخطيب قال كنت يوما على باب الرشيد أنا وأبي وحضر ذلك اليوم من الجند والقواد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده قال فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي فقال له ادخل ومكث ساعة ثم خرج إلي فقال ادخل فدخلت فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلمها فأومأ إلي أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد فاستأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلا عند الناس فما مكثنا إلا قليلا حتى جاء الفضل بن الربيع فقال إن عبد الله بن مصعب الزبيري يستأذن في الدخول فقال إني لا أريد أن أدخل اليوم أحدا فقال قال إن عندي شيئا أذكره فقال قل له يقله لك قال قد قلت له ذلك فزعم أنه لا يقوله إلا لك قال أدخله وخرج ليدخله وعادت المرأى وشغل بكلامها وأقبل علي أبي فقال إنه ليس عنده شيء يذكره وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم من على الباب أن أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصة خصصنا بها وإنما أدخلنا لأمر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري
وطلع الزبيري فقال يا أمير المؤمنين ها هنا شيء أذكره فقال له قل فقال له إنه سر فقال ما من العباس سر فنهضت فقال ولا منك يا حبيبي فجلست فقال قل فقال إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من أمرأته وبنته وجاريته التي تنام معه وخادمه الذي يناوله ثيابه وأخص خلق الله به

(4/631)


من قواده وأبعدهم منه قال فرأيته قد تغير لونه وقال مماذا قال جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن فعلمت أنه لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم حتى لم يبق على بابك أحدا إلا وقد أدخله في الخلاف عليك قال فتقول له هذا في وجهه قال نعم قال الرشيد أدخله فدخل فأعاد القول الذي قال له فقال يحيى بن عبد الله والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقل منك فيمن هو أكبر مني وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبدا ولي رحم وقرابة فلم لا تؤخر هذا الأمر ولا تعجل فلعلك أن تكفي مؤنتي بغير يدك ولسانك وعسى بك أن تقطع رحمك من حيث لا تعلمه أباهله بين يديك وتصبر قليلا فقال يا عبد الله قم فصل إن رأيت ذلك وقام يحيى فاستقبل القبلة فصلى ركعتين خفيفتين وصلى عبد الله ركعتين ثم برك يحيى ثم قال ابرك ثم شبك يمينه في يمينه وقال اللهم إن كنت تعلم إني دعوت عبد الله بن مصعب إلى الخلاف على هذا ووضع يده عليه وأشار إليه فاسحتني بعذاب من عندك وكلني إلى حولي وقوتي وإلا فكله إلى حوله وقوته واسحته بعذاب من قبلك آمين رب العالمين فقال عبد الله آمين رب العالمين فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب قل كما قلت فقال عبد الله اللهم إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعني إلى الخلاف على هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك وإلا فكله إلى حوله وقوته واسحته بعذاب من عندك آمين رب العالمين
وتفرقا فأمر بيحيى فحبس في ناحية من الدار فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي فقال فعلت به كذا وكذا وفعلت به كذا وكذا فعدد أياديه عليه فكلمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور خوفا على نفسه وأمرنا بالانصراف فانصرفنا فدخلت مع أبي أنزع عنه لباسه من السواد وكان ذلك من عادتي فبينما أنا أحل عنه منطقته إذ دخل عليه الغلام فقال رسول عبد المله بن مصعب فقال أدخله فلما دخل قال له ما وراءك قال يقول لك مولاي أنشدك الله ألا بلغت إلي فقال أبي للغلام قل له لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت وقد وجهت إليك بعبد الله فما أردت أن تلقيه إلي فألقه إليه وقال للغلام اخرج فإنه يخرج في أثرك وقال لي إنما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك فإن أعنته قطعت رحمي من رسول الله صلى الله عليه و سلم وإن خالفته سعى بي وإنما يتدرق الناس بأولادهم ويتقون بهم المكاره فاذهب إليه فكل ما قال لك فليكن جوابك له أخبر أبي فقد وجهتك وما آمن عليك وقد كان لي أبي حين انصرفنا وذاك أنا احتبسنا عند الرشيد أما رأيت الغلام المعترض في الدار لا والله ما صرفنا حتى فرغ منه يعني يحيى إنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله نحتسب أنفسنا فخرجت مع الرسول فلما صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه قلت للرسول ويحك ما أمره وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت فقال إنه لما جاء من الدار فساعة نزل عن الدابة صاح بطني بطني
قال عبد الله بن عباس فما حلفت بهذا الكلام من قول الغلام ولا التفت إليه فلما صرنا على باب الدرب وكان في درب لا منفذ له فتح البابين فإذا النساء قد خرجن منشورات الشعور محتزمات بالحبال يلطمن وجوههن وينادين بالويل وقد مات الرجل فقلت والله ما رأيت أمرا أعجب من هذا وعطفت دابتي راجعا أركض لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية والغلمان والحشم ينتظرونني لتعلق قلب الشيخ بي فلما رأوني دخلو يتعادون فاستقبلني مرعوبا في قميص ومنديل ينادي ما وراءك يا بني قلت إنه قد مات قال الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيانا منه فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرشيد

(4/632)


يأمر أبي بالركوب وإياي معه فقال أبي ونحن في الطريق نسير لو جاز أن يدعى ليحيى نبوة لادعاها أهله رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه ولا والله ما نشك في أنه قد قتل فمضينا حتى دخلنا على الرشيد فلما نظر إلينا قال يا عباس بن الحسين أما علمت بالخبر فقال أبي بلى يا أمير المؤمنين فالحمد لله الذي صرعه بلسانه ووقاك الله يا أمير المؤمنين قطع أرحامك فقال الرشيد الرجل والله سليم على ما يحب ورفع الستر فدخل يحيى وأنا والله أتبين الارتياع في الشيخ فلما نظر إليه الرشيد صاح به يا أبا محمد أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار قال الحمد لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوه علي وأعفاه من قطع رحمه والله يا أمير المؤمنين لو كان هذا الأمر مما أطلبه وصلح له وأريده فكف ولست بطالب له ولا مريده ولو لم يكن الظفر به إلا الاستعانة به ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك ما تقويت به عليك أبدا وهذا والله من إحدى آفاتك وأشار إلى الفضل بن الربيع والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم ثم طمع مني في زيادة تمرة لباعك بها فقال أما العباسي فلا تقل له إلا خيرا وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار وكان حبسه بعض يوم قال أبو يونس كان هارون حبسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار
وفي هذه السنة هاجت العصبية بالشأم بين النزارية واليمانية ورأس النزارية يومئذ أبو الهيذام
ذكر الخبر عن هذه الفتنة
ذكر أن هذه الفتنة هاجت بالشأم وعامل السلطان بها موسى بن عيسى فقتل بين النزارية واليمانية على العصبية من بعضهم لبعض بشر كثير فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشأم وضم إليه من القواد والأجناد ومشايخ الكتاب جماعة فلما ورد الشأم أحلت لدخوله إلى صالح بن علي الهاشمي فاقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها وسكنت الفتنة واستقام أمرها فانتهى الخبر إلى الرشيد بمدينة السلام ورد الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى فعفا عنهم وعما كان بينهم وأقدمهم بغداد وفي ذلك يقول إسحاق بن حسان الخزيمي ... من مبلغ يحيى ودون لقائه ... زأرات كل خنابس همهام ... يا راعي الإسلام غير مفرط ... في لين مغتبط وطيب مشام ... تغذى مشاربه وتسقى شربة ... ويبيت بالربوات والأعلام ... حتى تنخنخ ضاربا بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام ... فلكل ثغر حارس من قلبه ... وشعاع طرف ما يفتر سام ...
وقال في موسى غير أبي يعقوب ... قد هاجت الشأم هيجا ... يشيب راس وليده ... فصب موسى عليها ... بخيله وجنوده ... فدانت الشأم لما ... أتى نسيج وحيده ... هو الجواد الذي ... بذ كل جود بجوده ... أعداه جود أبيه ... يحيى وجود جدوده

(4/633)


فجاد موسى بن يحيى ... بطارف وتليده ... ونال موسى ذرى المج ... د وهو حشو مهوده ... خصصته بمديحي ... منثوره وقصيده ... من البرامك عود ... له فأكرم بعوده ... حووا على الشعر طرا ... خفيفه ومديده ...
وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خراسان وولاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخزاعي وكان حمزة يلقب بالعروس
وفيها ولي الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر فولاها عمر بن مهران
ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفرا مصر وتولية جعفر عمر بن مهران إياها
ذكر محمد بن عمر أن أحمد بن مهران حدثه أن الرشيد بلغه أن موسى بن عيسى عازم على الخلع وكان على مصر فقال والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي انظروا لي رجلا فذكر عمر بن مهران وكان إذ ذاك يكتب للخيزران ولم يكتب لغيرها وكان رجلا أحول مشوه الوجه وكان لباسه لباسا خسيسا أرفع ثيابه طيلسانه وكانت قيمته ثلاثين درهما وكان يشمر ثيابه ويقصر أكمامه ويركب بغلا وعليه رسن ولجام حديد ويردف غلامه خلفه فدعا به فولاه مصر خراجها وضياعها وحربها فقال يا أمير المؤمنين أتولاها على شريطة قال وما هي قال يكون إذني إلي إذا أصلحت البلاد انصرفت فجعل ذلك له فمضى إلى مصر واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى فكان يتوقع قدومه فدخل عمر بن مهران مصر على بغل وغلامه أبو درة على بغل ثقل فقصد دار موسى بن عيسى والناس عنده فدخل فجلس في أخريات الناس فلما تفرق أهل المجلس قال موسى بن عيسى لعمر ألك حاجة يا شيخ قال نعم أصلح الله الأمير ثم قام بالكتب فدفعها إليه فقال يقدم أبو حفص أبقاه الله قال فأنا أبو حفص قال أنت عمر بن مهران قال نعم قال لعن الله فرعون حين يقول أليس لي ملك مصر ثم سلم له العمل ورحل فتقدم عمر بن مهران إلى أبي درة غلامه فقال له لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب لا تقبل دابة ولا جارية ولا غلاما فجعل الناس يبعثون بهداياهم فجعل يرد ما كان من الألطاف ويقبل المال والثياب ويأتي بها عمر فيوقع عليها أسماء من بعث بها ثم وضع الجباية وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج فبدأ برجل منهم فلواه فقال والله لا تؤدي ما عليك من الخراج إلا في بيت المال بمدينة السلام إن أسلمت قال فأنا أؤدي فتحمل عليه فقال قد حلفت ولا أحنث فأشخصه مع رجلين من الجند وكان العمال إذ ذاك يكاتبون الخليفة فكتب معهم إلى الرشيد إني دعوت بفلان بن فلان وطالبته بما عليه من الخراج فلواني واستنظرني فأنظرته ثم دعوته فدافع ومال إلى الإلطاط فآليت ألا يؤديه إلا في بيت المال بمدينة السلام وجملة ما عليه كذا وكذا وقد أنفذته مع فلان بن فلان وفلان بن فلان من جند أمير المؤمنين من قيادة فلان بن فلان فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلي بوصوله فعل إن شاء الله تعالى

(4/634)


قال فلم يلوه أحد بشيء من الخراج فاستأدى الخراج النجم الأول والنجم الثاني فلما كان في النجم الثالث وقعت المطالبة والمطل فأحضر أهل الخراج والتجار فطالبهم فدافعوه وشكوا الضيقة فأمر بإحضار تلك الهدايا التب بعث بها إليك ونظر في الأكياس وأحضر الجهبذ فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها ثم دعا بالأسفاط فنادى على ما فيها فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها ثم قال يا قوم حفظت عليكم هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها فأدوا إلينا ما لنا فأدوا إليه حق أغلق مال مصر فانصرف ولا يعلم أنه أغلق مال مصر غيره وانصرف فخرج على بغل وأبو درة على بغل وكان إذنه إليه
وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بن عبد الملك فافتتح حصنا
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور وحجت معه فيما ذكر الواقدي زبيدة زوجة هارون وأخوها معها

(4/635)


ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك عزل الرشيد فيما ذكر جعفر بن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بن سليمان وعزله حمزة بن مالك عن خراسان وتوليته إياها الفضل بن يحيى إلى ما كان يليه من الأعمال من الري وسجستان
وغزا الصائفة فيها عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي
وكان فيها فيما ذكر الواقدي ريح وظلمة وحمرة ليلة الأحد لأربع ليال بقين من المحرم ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من المحرم من هذه السنة ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر
وحج بالناس فيها هارون الرشيد

(4/636)


ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك وثوب الحوفية بمصر من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاق بن سليمان وقتالهم إياه وتوجيه الرشيد إليه هرثمة بن أعين في عدة من القواد المضمومين إليه مددا لإسحاق بن سليمان حتى أذعن أهل الحوف ودخلوا في الطاعة وأدوا ما كان عليهم من وظائف السلطان وكان هرثمة إذ ذاك عامل الرشيد على فلسطين فلما انقضى أمر الحوفية صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر وولاها هرثمة نحوا من شهر ثم صرفه وولاها عبد الملك بن صالح
وفيها كان وثوب أهل إفريقية بعبدويه الأنباري ومن معه من الجند هنالك فقتل الفضل بن روح بن حاتم وأخرج من كان بها من آل المهلب فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين فرجعوا إلى الطاعة
وقد ذكر أن عبدويه هذا لما غلب على إفريقية وخلع السلطان عظم شأنه وكثر تبعه ونزع إليه الناس من النواحي وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك فوجه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زياد كاتبه فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعدة حتى قبل الأمان وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد فوفى له يحيى بما ضمن له وأحسن إليه وأخذ له أمانا من الرشيد ووصله ورأسه
وفي هذه السنة فوض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك
وفيها خرج الوليد بن طريف الشاري بالجزيرة وحكم بها ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين ثم مضى منها إلى إرمينية
وفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خراسان واليا عليها فأحسن السيرة بها وبنى بها المساجد والرباطات وغزا ما وراء النهر فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة وكان ممتنعا
وذكر أن الفضل بن يحيى اتخذ بخراسان جندا من العجم سماهم العباسية وجعل ولاءهم لهم وأن عدتهم بلغت خمسمائة ألف رجل وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل فسموا ببغداد الكرنبية وخلف الباقي منهم بخراسان على أسمائهم ودفاترهم وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة ... ما الفضل إلا شهاب لا أفول له ... عند الحروب إذا ما تأفل الشهب ... حام على ملك عز سهمهم ... من الوراثة في أيديهم سبب

(4/637)


أمست يد لبني ساقي الحجيج بها ... كتائب ما لها في غيرهم أرب ... كتائب لبني العباس قد عرفت ... ما ألف الفضل منه العجم والعرب ... أثبت خمس مئين في عدادهم ... من الألوف التي أحص لك الكتب ... يقارعون عن القوم الذين هم ... أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا ... إن الجواد ابن يحيى الفضل لا ورق ... يبقى على جود كفيه ولا ذهب ... ما مر يوم له مذ شد مئزره ... إلا تمول أقوام بما يهب ... كم غاية في الندى والبأس أحرزها ... للطالبين مداها دونها تعب ... يعطي اللهى حين لا يعطي الجواد ولا ... ينبو إذا سلت الهندية القضب ... ولا الرضا والرضا لله غايته ... إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب ... قد فاض عرفك حتى ما يعادله ... غيث مغيث ولا بحر له حدب ...
قال وكان مروان بن أبي حفصة قد أنشد الفضل في معسكره قبل خروجه إلى خراسان ... ألم تر أن الجود من لدن آدم ... تحدر حتى صار في راحة الفضل ... إذا ما أبو العباس راحت سماؤه ... فيا لك من هطل ويا لك من وبل ... إذا أم طفل راعها جوع طفلها ... دعته بإسم الفضل فاستعصم الطفل ... ليحيا بك الإسلام إنك عزه ... وإنك من قوم صغيرهم كهل ...
وذكر محمد بن العباس أن الفضل بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم وكساه وحمله على بغلة قال وسمعته يقول أصبت في قدمتي هذه سبعمائة ألف درهم وفيه يقول ... تخيرت للمدح ابن يحيى بن خالد ... فحسبي ولم أظلم بأن أتخيرا ... له عادة أن يبسط العدل والندى ... لمن ساس من قحطان أو من تنزرا ... إلى المنبر الشرقي سار ولم يزل ... له والد يعلو سريرا ومنبرا ... يعد ويحيى البرمكي ولا يرى ... لدى الدهر إلا قائدا أو مومرا ...
ومدحه سلم الخاسر فقال ... وكيف تخاف من بؤس بدار ... تكنفها البرامكة البحور ... وقوم منهم الفضل بن يحيى ... نفير ما يوازنه نفير ... له يومان يوم ندى وبأس ... كأن الدهر بينهما أسير ... إذا ما البرمكي غدا ابن عشر ... فهمته وزير أو أمير ...
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى خراسان وهو كاره للخروج فأحفظ ذلك الفضل عليه قال إبراهيم فدعاني يوما بعد ما أغفلني حينا فدخلت عليه فلما صرت بين يديه سلمت فلما رد عليه فقلت في نفسي شر والله وكان مضطجعا فاستوى جالسا ثم قال ليفرخ روعك يا إبراهيم فإن قدرتي عليك تمنعني منك قال ثم عقد لي على سجستان فلما حملت خراجها

(4/638)


وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم قال وكان إبراهيم على شرطه وحرسه فوجهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كثيرة
قال وحدثني الفضل بن العباس بن جبريل وكان مع عمه إبراهيم قال وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيين استزار الفضل ليريه نعمته عليه وأعد له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة وأمر بوضع الأربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار
قال فلما قعد الفضل بن يحيى قدم إليه الهدايا والطرف فأبى أن يقبل منها شيئا وقال له لم آتك لأسلبك فقال إنها نعمتك أيها الأمير قال ولك عندنا مزيد قال فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطا سجزيا وقال هذا من آلة الفرسان فقال له هذا المال من مال الخراج فقال هو لك فأعاد عليه فقال أما لك بيت يسعه فسوغه ذلك وانصرف
قال ولما قدم الفضل بن يحيى من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والاشراف فجعل يصل الرجل بالألف ألف وبالخمسمائة ألف ومدحه مروان بن أبي حفصه فقال ... حمدنا الذي أدى ابن يحيى فأصبحت ... بمقدمه تجري لنا الطير أسعدا ... وما هجعت حتى رأته عيوننا ... وما زلن حتى آب بالدمع حشدا ... لقد صبحتنا خيله ورجاله ... بأروع بذ الناس بأسا وسوددا ... نفى عن خراسان العدو كما نفى ... ضحى الصبح جلباب الدجى فتعردا ... لقد راع من أمسى بمرو مسيره ... إلينا وقالوا شعبنا قد تبددا ... على حين ألقى قفل كل ظلامة ... وأطلق بالعفو الأسير المقيدا ... وأفشى بلا من مع العدل فيهم ... أيادي عرف باقيات وعودا ... فاذهب روعات المخاوف عنهم ... وأصدر باغي الأمن فيهم وأوردا ... وأجدى على الأيتام فيهم بعرفه ... فكان من الآباء أحنى وأعودا ... إذ الناس راموا غاية الفضل في الندى ... وفي البأس ألفوها من النجم أبعدا ... سما صاعدا بالفضل يحيى وخالد ... إلى كل أمر كان أسنة وأمجدا ... يلين لمن أعطى الخليفة طاعة ... ويسقي دم العاصي الحسام المهندا ... أذلت مع الشرك النفاق سيوفه ... وكانت لأهل الدين عزا مؤبدا ... وشد القوى من بيعة المصطفى الذي ... على فضله عهد الخليفة قلدا ... سمي النبي الفاتح الخاتم الذي ... به الله أعطى كل خير وسددا ... أبحت جبال الكابلي ولم تدع ... بهن لنيران الضلالة موقدا ... فأطلعتها خيلا وطئن جموعه ... قتيلا ومأسورا وفلا مشردا ... وعادت على ابن البرم نعماك بعدما ... تحوب مخذولا يرى الموت مفردا

(4/639)


وذكر العباس بن جرير أن حفص بن مسلم وهو أخو رزام بن مسلم مولى خالد بن عبد الله القسري حدثه أنه قال دخلت على الفضل بن يحيى مقدمه خراسان وبين يديه بدر تفرق بخواتيمها فما فضت بدرة فقلت ... كفى الله بالفضل بن يحيى بن خالد ... وجود يديه بخل كل بخيل ...
قال فقال لي مروان بن أبي حفصة وددت أني سبقتك إلى هذا البيت وأن علي غرم عشرة آلاف درهم
وغزا فيها الصائفة بن زفر بن عاصم وغزا الشاتية فيها سليمان بن راشد ومعه البيد بطريق صقلية
وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي وكان على مكة

(4/640)


ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بن شرحبيل
وفيها ولى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحميري وفيها شري بخراسان حمزة بن أترك السجستاني
وفيها عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن الحجبة وولاها الفضل بن الربيع
وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر تبعه فوجه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه يزيد ثم لقيه وهو مغتر فوق هيت فقتله وجماعة كانوا معه وتفرق الباقون فقال الشاعر ... وائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلا الحديد ...
وقالت الفارعة أخت الوليد ... أبا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف ... فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف ...
واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان شكرا لله على ما أبلاه في الوليد بن طريف فلما قضى انصرف إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج ثم حج بالناس فمشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات وشهد المشاهد والمشاعر ماشيا ثم انصرف على طريق البصرة
وأما الواقدي فإنه قال لما فرغ من عمرته أقام بمكة حتى اقام للناس حجهم

(4/641)


ثم دخلت سنة ثمانين ومائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك العصبية التي هاجت بالشأم بين أهلها
ذكر الخبر عما صار إليه أمرها
ذكر أن هذه العصبية لما حدثت بالشأم بين أهلها وتفاقم أمرها اغتم بذلك من أمرهم الرشيد فعقد لجعفر بن يحيى على الشأم وقال له إما أن تخرج أنت أو أنا أخرج فقال له جعفر بل أقيك بنفسي فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح وجعل على شرطه العباس بن محمد بن المسيب بن زهير وعلى حرسه شبيب بن حميد بن قحطبة فأتاهم فأصلح بينهم وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا فعادوا إلى الأمن والطمأنينة وأطفأ تلك النائرة فقال منصور النمري لما شخص جعفر ... لقد أوقدت بالشأم نيران فتنة ... فهذا أوان الشأم تخمد نارها ... إذا جاش موج البحر من آل برمك ... عليها خبت شهبانها وشرارها ... رماها أمير المؤمنين بجعفر ... وفيه تلاقى صدعها وانجبارها ... رماها بميمون النقيبة ماجد ... تراضى به قحطانها ونزارها ... تدلت عليهم صخرة برمكية ... دموغ لهام الناكثين انحدارها ... غدوت تزجى غابة في رؤوسها ... نجوم الثريا والمنايا ثمارها ... إذا خفقت راياتها وتجرست ... بها الريح هال السامعين انبهارها ... فقولوا لأهل الشأم لا يسلبنكم ... حجاكم طويلات المنى وقصارها ... فإن أمير المؤمنين بنفسه ... أتاكم وإلا نفسه فخيارها ... هو الملك المأمول للبر والتقى ... وصولاته لا يستطاع خطارها ... وزير أمير المؤمنين وسيفه ... وصعدته والحرب تدمي شفارها ... ومن تطو أسرار الخليفة دونه ... فعندك مأواها وأنت قرارها ... وفيت فلم تغدر لقوم بذمة ... ولم تدن من حال ينالك عارها ... طبيب بإحياء الأمور إذا التوت ... من الدهر أعناق فأنت جبارها ... إذا ما ابن يحيى جعفر قصدت له ... ملمات خطب لم ترعه كبارها ... لقد نشأت بالشأم منك غمامة ... يؤمل جدواها ويخشى دمارها

(4/642)


فطوبى لأهل الشأم يا ويل أمها ... أتاها حياها أو أتاها بوارها ... فإن سالموا كانت غمامة نائل ... وغيث وإلا فالدماء قطارها ... أبوك أبو الأملاك يحيى بن خالد ... أخو الجود والنعمى الكبار صغارها ... كأين ترى في البرمكيين من ندى ... ومن سابقات ما يشق غبارها ... غدا بنجوم السعد من حل رحله ... إليك وعزت عصبة أنت جارها ... عذيري من الأقدار هل عزماتها ... مخلفتي عن جعفر وإقتسارها ... فعين الأسى مطروفة لفراقه ... ونفسي إليه ما ينام أدكارها ...
وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها واستخلف على الشأم عيسى بن العكي وانصرف فازداد الرشيد له إكراما فلما قدم على الرشيد دخل عليه فيما ذكر فقبل يديه ورجليه ثم مثل بين يديه فقال الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي وأجاب دعوتي ورحم تضرعي وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربه وامتن علي بتقبيل يده وردني إلى خدمته فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي والمقادير التي أزعجتني فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني وخطايا أحاطت بي ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك لخفت أن يذهب عقلي إشفاقا على قربك وأسفا على فراقك وأن يجعل بي عن أذنك الاشتياق إلى رؤيتك والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة وأمتعني بالعافية وعرفني الإجابة ومسكني بالطاعة وحال بيني وبين استعمال المعصية فلم أشخص إلا عن رأيك ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك ولم يخترمني أجل دونك والله يا أمير المؤمنين ولا أعظم من اليمين بالله لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلها لاخترت عليها قربك ولما رأيتها عوضا من المقام معك ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام إن الله يا أمير المؤمنين لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك ويريك في رعيتك غاية أمنيتك فيصلح لك جماعتهم ويجمع ألفتهم ويلم شعثهم حفظا لك فيهم ورحمة لهم وإنما هذا للتمسك بطاعتك والاعتصام بحبل مرضاتك والله المحمود على ذلك وهو مستحقه وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهو منقادون لأمرك نادمون على ما فرط من معصيتهم لك متمسكون بحبلك نازلون على حكمك طالبون لعفوك واثقون بحلمك مؤملون فضلك آمنون بادرتك حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لم سابق لمعذرتهم وصلة أمير المؤمنين لهم وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم
وايم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم ونفى مراقهم وأصلح دهماءهم وأولاني الجميل فيهم ورزقني الانتصار منهم فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة وتخوفهم منك ورجائهم لك والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك وما عاملتهم إلا بأمرك ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته ووقفتني عليه ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك وتوحد الله بالصنع لك وتخوفهم من سطوتك وما كان الذي كان مني وإن كنت بذلت جهدي وبلغت مجهودي قاضيا ببعض حقك علي بل ما ازدادت نعمتك علي عظما إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتي في طاعتك وكل ما يقرب إلى موافقتك ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف

(4/643)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية