صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

ثابتا فأخبره فخرج من ليلته في عشرين فارسا فمضى وأصبحوا وقد ذهب فلم يدروا من أين أوتوا وفقدوا الغلام فعلموا أنه كان عينا له عليهم ولحق ثابت بحشورا فنزل المدينة وخرج إليه قوم كثير من العرب والعجم فقال موسى لأصحابه قد فتحتم على أنفسكم بابا فسدوه وسار إلى موسى فخرج إليه ثابت في جمع كثير فقاتلهم فأمر موسى بإحراق السور وقاتلهم حتى الجئووا ثابتا وأصحابه إلى المدينة وقاتلوهم عن المدينة
فأقبل رقبة بن الحر العنبري حتى اقتحم النار فانتهى إلى باب المدينة ورجل من أصحاب ثابت واقف يحمي أصحابه فقتله ثم رجع فخاض النار وهي تلتهب وقد أخذت بجوانب نمط عليه فرمى به عنه ووقف وتحصن ثابت في المدينة وأقام موسى في الربض وكان ثابت حين شخص إلى حشورا أرسل إلى طرخون فأقبل طرخون معينا له وبلغ موسى مجيء طرخون فرجع إلى الترمذ وأعانه أهل كس ونسف ويخارى فصار ثابت في ثمانين ألفا فحصروا موسى وقطعوا عنه المادة حتى جهدوا
قال وكان أصحاب ثابت يعبرون نهرا إلى موسى بالنهار ثم يرجعون بالليل إلى عسكرهم فخرج يوما رقبة وكان صديقا لثابت وقد كان ينهى أصحاب موسى عما صنعوا فنادى ثابتا فبرز له وعلى رقبة قباء خز فقال له كيف حالك يا رقبة فقال ما تسأل عن رجل جبه خز في حمارة القيظ وشكا إليه حالهم فقال أنتم صنعتم هذا بأنفسكم فقال أما والله مادخلت في أمرهم ولقد كرهت ما أرادوا فقال ثابت أين تكون حتى يأتيك ما قدر لك قال أنا عند المحل الطفاوي رجل من قيس من يعصر وكان المحل شيخا صاحب شراب فنزل رقبة عنده
قال فبعث ثابت إلى رقبة بخمسمائة درهم مع علي بن المهاجر الخزاعي وقال إن لنا تجارا قد خرجوا من بلخ فإذا بلغك أنهم قد قدموا فأرسل إلي تأتك حاجتك فأتى على باب المحل فدخل فإذا رقبة والمحل جالسان بينهما جفنة فيها شراب وخوان عليه دجاج وأرغفة ورقبة شعث الرأس متوشح بملحفة حمراء فدفع إليه الكيس وأبلغه الرسالة وما كلمه وتناول الكيس وقال له بيده اخرج ولم يكلمه قال وكان رقبة جسيما كبيرا غائر العينين ناتئ الوجنتين مفلج بين كل سنين له موضع سن كأن وجه ترس
قال فلما أضاق أصحاب موسى واشتد عليهم الحصار قال يزيد بن هزيل إنما مقام هؤلاء مع ثابت والقتل أحسن من الموت جوعا والله لأفتكن بثابت أو لأموتن فخرج إلى ثابت فاستأمنه فقال له ظهير أنا أعرف بهذا منك إن هذا لم يأتك رغبة فيك ولا جزعا لك ولقد جاءك بغدرة فاحذره وخلني وإياه فقال ما كنت لأقدم على رجل أتاني لا أدري أكذلك هو أم لا قال فدعني أرتهن منه رهنا فأرسل ثابت إلى يزيد فقال أما أنا فلم أكن أظن رجلا بغدر بعدما يسأل الأمان وابن عمك أعلم بك مني فانظر ما يعاملك عليه فقال يزيد لظهير أبيت يا أبا سعيد إلا حسدا قال أما يكفيك ما ترى من الذل تشردت عن العراق وعن أهلي وصرت بخراسان فيما ترى أفما تعطفك الرحم فقال له ظهير أما والله لو تركت ورأيي فيك لما كان هذا ولكن أرهنا ابنيك قدامة والضحاك فدفعهما إليهم فكانا في يدي ظهير
قال وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت لا يقدر منه على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعي أتى أباه نعيه من مرو فخرج متفضلا إلى زياد ليعزيه ومعه ظهير ورهط من اصحابه وفيهم يزيد بن هزيل وقد غابت الشمس فلما صار على نهر الصغانيان تأخر يزيد بن هزيل ورجلان معه وقد تقدم ظهير وأصحابه

(3/661)


فدنا يزيد بن ثابت فضربه فعض السيف برأسه فوصل إلى الدماغ قال ورمى يزيد وصاحباه بأنفسهم في نهر الصغانيان فرموهم فنجا يزيد سباحة وقتل صاحباه وحمل ثابت إلى منزله فلما أصبح طرخون أرسل إلى ظهير ائتني بابني يزيد فأتاه بهما فقدم ظهير الضحاك بن يزيد فقتله ورمى به وبرأسه في النهر وقدم قدامة ليقتله فالتفت فوقع السيف في صدره ولم يبن فألقاه في النهر حيا فغرق فقال طرخون أبوهما قتلهما وغدره فقال يزيد بن هزيل لأقتلن يا بني كل خزاعي بالمدينة فقال له عبدالله بن بديل بن عبدالله بن بديل بن ورقاء وكان ممن أتى موسى من فل ابن الأشعث لو رمت ذاك من خزاعة لصعب عليك وعاش ثابت سبعة ايام ثم مات وكان يزيد بن هزيل سخيا شجاعا شاعرا ولي أيام ابن زياد جزيرة ابن كاوان فقال ... قد كنت أدعو الله في السر مخلصا ... ليمكنني من جزية ورجال ... فأترك فيها ذكر طلحة خاملا ... ويحمد فيها نائلي وفعالي ...
قال فقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت فقاما قياما ضعيفا وانتشر أمرهم فأجمع موسى على بياتهم فجاء رجل فأخبر طرخون فضحك وقال موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا لقد طار قلبك لأيحرسن الليلة أحد العسكر فلما ذهب من الليل ثلثه خرج موسى في ثمانمائة قد عباهم من النهار وصيرهم أرباعا قال فصير على ربع رقبة بن الحر وعلى ربع أخاه نوح بن عبدالله بن خازم وعلى ربع يزيد بن هزيل وصار هو في ربع وقال لهم إذا دخلتم عسكرهم فتفرقوا ولا يمرن أحد منكم بشيء إلا ضربه فدخلوا عسكرهم من أربع نواح لا يمرون بدابة ولا رجل ولا خباء ولا جوالق إلا ضربوه وسمع الوجبة نيزك فلبس سلاحه ووقف في ليلة مظلمة وقال لعلي بن المهاجر الخزاعي انطلق إلى طرخون فأعلمه موقفي وقل له ما ترى اعمل به فأتى طرخون فإذا هو في فازة قاعد على كرسي وشاكريته قد أوقدوا النيران بين يديه فابلغه رسالة نيزك فقال اجلس وهو طامح ببصره نحو العسكر والصوت إذا أقبل محمية السلمي وهو يقول حم لا ينصرون فتفرق في الشاكرية ودخل محمية الفازة وقام إليه طرخون فبدره فضربه فلم يغن شيئا قال وطعنه طرخون بذباب السيف في صدره فصرعه ورجع إلى الكرسي فجلس عليه وخرج محمية يعدو قال ورجعت الشاكرية فقال لهم طرخون فررتم من رجل أرأيتم لو كان نارا هل كانت تحرق منكم أكثر من واحد فما فزع من كلامه حتى دخل جوارية الفازة وخرج الشاكرية هربا فقال للجواري اجلسن وقال لعلي بن المهاجر قم قال فخرجا فإذا نوح بن عبدالله بن خازم في السرادق فتجاولا ساعة واختلفا ضربتين فلم يصنعا شيئا وولى نوح وأتبعه طرخون فطعن فرس نوح في خاصرته فشب فسقط نوح والفرس في نهر الصغانيان ورجع طرخون وسيفه يقطر دما حتى دخل السرادق وعلي بن المهاجر معه ثم دخلا الفازة
وقال طرخون للجواري ارجعن فرجعن إلى السرادق وأرسل طرخون إلى موسى كف أصحابك فإنا نرتحل إذا أصبحنا فرجع موسى إلى عسكره فلما أصبحوا ارتحل طرخون والعجم جميعا فأتى كل قوم بلادهم قال وكان أهل خراسان يقولون ما رأينا مثل موسى بن عبدالله بن خازم ولا سمعنا به قاتل مع أبيه سنتين ثم خرج يسير في بلاد خراسان حتى أتى ملكا فغلبه على مدينته وأخرجه منها ثم سارت إليه الجنود من العرب والترك فكان يقاتل العرب أول النهار والعجم آخر النهار وأقام في حصنه خمس عشرة سنة وصار ما وراء النهر لموسى لا يعازه فيه أحد

(3/662)


قال وكان بقومس رجل يقال له عبدالله يجتمع إليه فتيان يتنادمون عنده في مؤونته ونفقته فلزمه دين فأتى موسى بن عبدالله فأعطاه أربعة آلاف فأتى بها أصحابه فقال الشاعر يعاتب رجلا يقال له موسى ... فما أنت موسى إذ يناجي إلهه ... ولا واهب القينات موسى بن خازم ...
قال فلما عزل يزيد وولي المفضل خراسان أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى بن عبدالله فأخرج عثمان بن مسعود وكان يزيد حبسه فقال إني أريد أن أوجهك إلى موسى بن عبدالله فقال والله لقد وترني وإني لثائر بابن عمتي ثابت وبالخزاعي وما يد أبيك وأخيك عندي وعند أهل بيتي بالحسنة لقد حبستموني وشردتم بني عمي واصطفيتم أموالهم فقال له المفضل دع هذا عنك وسر فأدرك بثأرك فوجهه في ثلاثة آلاف وقال له مر مناديا فليناد من لحق بنا فله ديوان فنادى بذلك في السوق فسارع إليه الناس وكتب المفضل إلى مدرك وهو ببلخ أن يسير معه فخرج فلما كان ببلخ خرج ليلة يطوف في العسكر فسمع رجلا يقول قتله والله فرجع إلى أصحابه فقال قتلت موسى ورب الكعبة
قال فأصبح فسار من بلخ وخرج مدرك معه متثاقلا فقطع النهر فنزل جزيرة بالترمذ يقال لها اليوم جزيرة عثمان لنزول عثمان بها في خمسة عشر ألفا وكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا عليه فحصروا موسى فضيقوا عليه وعلى أصحابه فخرج موسى ليلا فأتى كفتان فامتار منها ثم رجع فمكث شهرين في ضيق وقد خندق عثمان وحذر البيات فلم يقدر موسى منه على غرة فقال لأصحابه حتى متى اخرجوا بنا فاجعلوا يومكم إما ظفرتم وإما قتلتم وقال لهم اقصدوا للصغد والترك فخرج وخلف النضر بن سليمان بن عبدالله بن خازم في المدينة وقال له إن قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان وادفعها إلى مدرك بن المهلب وخرج فصير ثلث أصحابه بإزاء عثمان وقال لا تهايجوه إلا أن يقاتلكم وقصد لطرخون وأصحابه فصدقوهم فانهزم طرخون والترك وأخذوا عسكرهم فجعلوا ينقلونه ونظر معاوية بن خالد بن أبي برزة إلى عثمان وهو على برذون لخالد بن أبي برزة الأسلمي فقال انزل أيها الأمير فقال خالد لا تنزل فإن معاوية مشؤوم وكرت الصغد والترك راجعة فحالوا بين موسى وبين الحصن فقاتلهم فعقر به فسقط فقال لمولى له احملني فقال الموت كريه ولكن ارتدف فإن نجونا نجونا جميعا وإن هلكنا هلكنا جميعا قال فارتدف فنظر إلى عثمان حين وثب فقال وثبة موسى ورب الكعبة وعليه مغفر له موشى بخز أحمر في أعلاه ياقوتة اسمانجونية فخرج من الخندق فكشفوا أصحاب موسى فقصد لموسى وعثرت دابة موسى فسقط هو ومولاه فابتدروه فانطووا عليه فقتلوه ونادى منادي عثمان لا تقتلوا أحدا من لقيتموه فخذوه اسيرا
قال فتفرق اصحاب موسى وأسر منهم قوم فعرضوا على عثمان فكان إذا أتي بأسير من العرب قال دماؤنا لكم حلال ودماؤكم علينا حرام ويأمر بقتله وإذا أتي بأسير من الموالي شتمه وقال هذه العرب تقاتلني فهلا غضبت لي فيأمر به فيشدخ وكان فظا غليظا فلم يسلم عليه يومئذ أسير إلا عبدالله بن بديل بن عبدالله بن بديل بن ورقاء فإنه كان مولاه فلما نظر إليه أعرض عنه واشار بيده أن خلوا عنه ورقبة بن الحر لما أتي به نظر إليه وقال ما كان من هذا إلينا كبير ذنب وكان صديقا لثابت وكان مع قوم فوفى لهم والعجب كيف أسرتموه قالوا طعن فرسه فسقط عنه في وهدة فأسر فأطلقه وحمله وقال لخالد بن أبي برزة ليكن عندك قال وكان الذي أجهز على موسى بن عبدالله واصل بن طيسلة العنبري

(3/663)


ونظر يومئذ عثمان إلى زرعة بن علقمة السلمي والحجاج بن مروان وسنان الأعرابي ناحية فقال لكم الأمان فظن الناس أنه لم يؤمنهم حتى كاتبوه
قال وبقيت المدينة في يدي النضر بن سليمان بن عبدالله بن خازم فقال لا أدفعها إلى عثمان ولكني أدفعها إلى مدرك فدفعها إليه وآمهه فدفعها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل بالفتح إلى الحجاج فقال الحجاج العجب من ابن بهلة آمره بقتل ابن سمرة فيكتب إلي أنه لمآبه ويكتب إلي إنه قتل موسى بن عبدالله بن خازم قال وقتل موسى سنة خمس وثمانين فذكر البحتري أن مغراء بن المغيرة بن أبي صفرة قتل موسى فقال ... وقد عركت بالترمذ الخيل خازما ... ونوحا وموسى عركة بالكلاكل ...
قال فضرب رجل من الجند ساق موسى فلما ولي قتيبة أخبر عنه فقال ما دعاك إلى ما صنعت بفتى العرب بعد موته قال كان قتل أخي فأمر به قتيبة فقتل بين يديه
وفي هذه السنة أراد عبدالملك بن مروان خلع أخيه عبدالعزيز بن مروان
ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه
ذكر الواقدي أن عبدالملك هم بذلك فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب وقال لا تفعل هذا فإنك باعث على نفسك صوت نعار ولعل الموت يأتيه فتستريح منه فكف عبدالملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه ودخل عليه روح بن زنباع الجذامي وكان أجل الناس عند عبدالملك فقال يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان فقال ترى ذلك يا ابا زرعة قال إي والله وأنا أول من يجيبك إلى ذلك فقال نصيح إن شاء الله قال فبينا هو على ذلك وقد نام عبدالملك وروح ابن زنباع إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب طروقا وكان عبدالملك قد تقدم إلى حجابه فقال لا يحجب عني قبيصة أي ساعة جاء من ليل أو نهار إذا كنت خاليا أو عندي رجل واحد وإن كنت عند النساء أدخل المجلس وأعلمت بمكانه فدخل وكان الخاتم إليه وكانت السكة إليه تأتيه الأخبار قبل عبدالملك ويقرأ الكتب قبله ويأتي بالكتاب إلى عبدالملك منشورا فيقرؤوه إعظاما لقبيصة فدخل عليه فسلم عليه وقال آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبدالعزيز قال وهل توفي قال نعم فاسترجع عبدالملك ثم أقبل على روح فقال كفانا الله أبا زرعة ما كنا نريد وما أجمعنا عليه وكان ذلك مخالفا لك يا ابا إسحاق فقال قبيصة ما هو فأخبره بما كان فقال قبيصة يا أمير المؤمنين إن الرأي كله في الأناة والعجلة فيها ما فيها فقال عبدالملك ربما كان في العجلة خير كثير رأيت أمر عمرو بن سعيد ألم تكن العجلة فيه خيرا من التأني
وفي هذه السنة توفي عبدالعزيز بن مروان بمصر في جمادى الأولى فضم عبدالملك عمله إلى ابنه عبدالله بن عبدالملك وولاه مصر
وأما المدائني فإنه قال في ذلك ما حدثنا به أبو زيد عنه أن الحجاج كتب إلى عبدالملك يزين له بيعة الوليد وأوفد وفدا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنزي فقام عمران خطيبا فتكلم وتكلم الوفد وحثوا عبدالملك وسألوه ذلك فقال عمران بن عصام ... أمير المؤمنين إليك نهدي ... على النأي التحية والسلاما ... أجبني في بنيك يكن جوابي ... لهم عادية ولنا قواما

(3/664)


فلو أن الوليد أطاع فيه ... جعلت له الخلافة والذماما ... شبيهك حول قبته قريش ... به يستمطر الناس الغماما ... ومثلك في التقى لم يصب يوما ... لدن خلع القلائد والتماما ... فإن تؤثر أخاك بها فإنا ... وجدك لا نطيق لها أتهاما ... ولكنا نحاذر من بنيه ... بني العلات مأثرة سماما ... ونخشى إن جعلت الملك فيهم ... سحابا إن تعود لهم جهاما ... فلا يك ما حلبت غدا لقوم ... وبعد غد بنوك هم العياما ... فأقسم لو تخطأني عصام ... بذلك ما عذرت به عصاما ... لو أني حبوت أخا بفضل ... أريد به المقالة والمقاما ... لعقب في بني على بنيه ... كذلك أو لرمت له مراما ... فمن يك في اقاربه صدوع ... فصدع الملك أبطؤوه التئاما ...
فقال عبدالملك يا عمران إنه عبدالعزيز قال احتل له يا أمير المؤمنين
قال علي أراد عبدالملك بيعة الوليد قبل أمر ابن الأشعث لأن الحجاج بعث في ذلك عمران بن عصام فلما أبى عبدالعزيز أعرض عبدالملك عما أراد حتى مات عبدالعزيز ولما أراد أن يخلع أخاه عبدالعزيز ويبايع لابنه الوليد كتب إلى أخيه إن رأيت أن تصير هذا الأمر لابن أخيك فأبى فكتب إليه فاجعلها له من بعدك فإنه أعزر الخلق على أمير المؤمنين فكتب إليه عبدالعزيز إني أرى في أبي بكر بن عبدالعزيز ما ترى في الوليد فقال عبدالملك اللهم إن عبدالعزيز قطعني فاقطعه فكتب إليه عبدالملك احمل خراج مصر فكتب إليه عبدالعزيز يا أمير المؤمنين إني وإياك قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا وإني لا أدري ولا تدري أينا يأته الموت أولا فإن رأيت إلا تغثث علي بقية عمري فافعل
فرق له عبدالملك وقال لعمري لا أغثث عليه بقية عمره وقال لابنيه إن يرد الله أن يعطيكموها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك وقال لابنيه الوليد وسليمان هل قارفتما حراما قط قال لا والله قال الله أكبر نلتماها ورب الكعبة
قال فلما أبى عبدالعزيز أن يجيب عبدالملك إلى ما أراد قال عبدالملك اللهم قد قطعني فاقطعه فلما مات عبدالعزيز قال أهل الشأم رد على أمير المؤمنين أمره فدعا عليه فاستجيب له
قال وكتب الحجاج إلى عبدالملك يشير عليه أن يستكتب محمد بن يزيد الأنصاري وكتب إليه إن أردت رجلا مأمونا فاضلا عاقلا وديعا مسلما كتوما تتخذه لنفسك وتضع عنده سرك وما لا تحب أن يظهر فاتخذ محمد بن يزيد فكتب إليه عبدالملك احمله إلي فحمله فاتخذه عبدالملك كاتبا قال محمد فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلي ولا يستر شيئا إلا أخبرني به وكتمه الناس ولا يكتب إلى عامل من عماله إلا أعلمنيه فإني لجالس يوما نصف النهار إذا ببريد قد قدم من مصر فقال الإذن على أمير المؤمنين قلت ليست هذه ساعة إذن فأعلمني ما قدمت له قال لا قلت فإن كان معك كتاب فادفعه إلي قال لا قال فأبلغ بعض من حضرني أمير المؤمنين فخرج فقال ما هذا قلت رسول قدم من مصر قال فخذ الكتاب قلت زعم أنه ليس معه كتاب قال فسله عما قدم له قلت قد سألته فلم يخبرني قال أدخله

(3/665)


فأدخلته فقال آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبدالعزيز فاسترجع وبكى ووجم ساعة ثم قال يرحم الله عبدالعزيز مضى والله عبدالعزيز لشأنه وتركنا وما نحن فيه ثم بكى النساء وأهل الدار ثم دعاني من غد فقال إن عبدالعزيز رحمه الله قد مضى لسبيله ولا بد للناس من علم وقائم يقوم بالأمر من بعدي فمن ترى قلت يا أمير المؤمنين سيد الناس وأرضاهم وأفضلهم الوليد بن عبدالملك قال صدقت وفقك الله فمن ترى أن يكون بعده قلت يا أمير المؤمنين أين تعدلها عن سليمان فتى العرب قال وفقت أما إنا لو تركنا الوليد وإياها لجعلها لبنيه اكتب عهدا للوليد وسليمان من بعده فكتبت بيعة الوليد ثم سليمان من بعده فغضب علي الوليد فلم يولني شيئا حين أشرت بسليمان من بعده
قال علي عن ابن جعدبة كتب عبدالملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أن يدعو الناس لبيعة الوليد وسليمان فبايعوا غير سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال لا أبايع وعبدالملك حي فضربه هشام ضربا مبرحا وألبسه المسوح وسرحه إلى ذباب ثنية بالمدينة كانوا يقتلون عندها ويصلبون فظن أنهم يريدون قتله فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه فقال لو ظننت أنهم لا يصلبوني ما لبست سراويل مسوح ولكن قلت يصلبونني فيسترني وبلغ عبدالملك الخبر فقال قبح الله هشاما إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة فإن أبى يضرب عنقه أو يكف عنه
وفي هذه السنة بايع عبدالملك لابنيه الوليد ثم من بعده لسليمان وجعلهما وليي عهد المسلمين وكتب ببيعته لهما إلى البلدان فبايع الناس وامتنع من ذلك سعيد بن المسيب فضربه هشام بن إسماعيل وهو عامل عبدالملك على المدينة وطاف به وحبسه فكتب عبدالملك إلى هشام يلومه على ما فعل من ذلك وكان ضربه ستين سوطا وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية
وأما الحارث فإنه قال حدثني ابن سعد عن محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا عبدالله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا استعمل عبدالله بن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب لا حتى يجتمع الناس فضربه ستين سوطا فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلىجابر يلومه وقال ما لنا ولسعيد دعه
وحدثني الحارث عن ابن سعد أن محمد بن عمر أخبره قال حدثنا عبدالله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبدالعزيز بن مروان توفي بمصر في جمادى سنة أربع وثمانين فعقد عبدالملك لابينه الوليد وسليمان العهد وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان وعامله يومئذ هشام بن إسماعيل المخزومي فدعا الناس إلى البيعة فبايع الناس ودعا سعيد بن المسيب أن يبايع لهما فأبى وقال لا حتى أنظر فضربه هشام بن إسماعيل ستين سوطا وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية فلما كروا به قال أين تكرون بي قالوا إلى السجن قال والله لولا أني ظننت أنه الصلب لما لبست هذا التبان أبدا فرده إلى السجن وحبسه وكتب إلى عبدالملك يخبره بخلافه وما كان من أمره فكتب إليه عبدالملك يلومه فيما صنع ويقول سعيد والله كان أحوج أن تصل رحمه من أن تضربه وإنا لنعلم ما عنده من شقاق ولا خلاف
وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي كذلك حدثنا أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي وكان العامل على المشرق في هذه السنة مع العراق الحجاج بن يوسف

(3/666)


ثم دخلت سنة ست وثمانين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك هلاك عبدالملك بن مروان وكان مهلكه في النصف من شوال منها حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال توفي عبدالملك بن مروان يوم الخميس للنصف من شوال سنة ست وثمانين فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر
وأما الحارث فإنه حدثني عن ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال أجمع الناس على عبدالملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين
قال ابن عمر وحدثني أبو معشر نجيح قال مات عبدالملك بن مروان بدمشق يوم الخميس للنصف من شوال سنة ست وثمانين فكانت ولايته منذ يوم بويع إلى يوم توفي إحدى وعشرين سنة وشهرا ونصفا كان تسع سنين منها يقاتل فيها عبدالله بن الزبير ويسلم عليه بالخلافة بالشأم ثم بالعراق بعد مقتل مصعب وبقي بعد مقتل عبدالله بن الزبير واجتماع الناس عليه ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال
وأما علي بن محمد المدائني فإنه فيما حدثنا أبو زيد عنه قال مات عبدالملك سنة ست وثمانين بدمشق وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما
ذكر الخبر عن مبلغ سنه يوم توفي
اختلف أهل السير في ذلك فقال أبو معشر فيه ما حدثني الحارث عن ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو معشر نجيح قال مات عبدالملك بن مروان وله ستون سنة
قال الواقدي وقد روي لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة قال والأول أثبت وهو علىمولده قال وولد سنة ست وعشرين في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين
وقال المدائني علي بن محمد فيما ذكر أبو زيد عنه مات عبدالملك وهو ابن ثلاث وستين سنة
ذكر نسبه وكنيت
أما نسبه فإنه عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأما

(3/667)


كنيته فأبو الوليد وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية وله يقول ابن قيس الرقيات ... أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها ... لم تلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها ... ذكر أولاده وأزواجه
منهم الوليد وسليمان ومروان الأكبر درج وعائشة أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض ويزيد ومروان ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن ابي سفيان وهشام وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وقال المدائني اسمها عائشة بنت هشام
وأبو بكر واسمه بكار أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيدالله والحكم درج أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان
وفاطمة بنت عبدالملك أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة وعبدالله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج لأمهات أولاد
قال المدائني وكان له من النساء سوى من ذكرنا شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي وابنة لعلي بن أبي طالب عليه السلام وأم أبيها بنت عبدالله بن جعفر
وذكر المدائني عن عوانة وغيره أن سلمة بن زيد بن وهب بن نباتة الفهمي دخل على عبدالملك فقال له أي الزمان أدركت أفضل وأي الملوك أكمل قال أما الملوك فلم أر إلا ذاما وحامدا وأما الزمان فيرفع أقواما ويضع أقواما وكلهم يذم زمانه لأنه يبلى جديدهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع غير الأمل قال فأخبرني عن فهم قال هم كما قال من قال ... درج الليل النهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالرميم ... وخلت دارهم فأضحت يبابا ... بعد عز وثروة ونعيم ... كذاك الزمان يذهب بالناس ... وتبقى ديارهم كالرسوم ...
قال فمن يقول منكم ... رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبون الغني من الرجال ... وإن كان الغني قليل خير ... بخيلا بالقليل من النوال ... فما أدري علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من البخال ... أللدنيا فليس هناك دنيا ... ولا يرجى لحادثة الليالي ... قال أنا

(3/668)


قال علي قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط لعبدالملك بن مروان ... نبئت أن ابن القلمس عابني ... ومن ذا من الناس الصحيح المسلم ... فأبصر سبل الرشد سيد قومه ... وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم ... فمن أنتم ها خبرونا من أنتم ... وقد جعلت أشياء تبدو وتكتم ...
فقال عبدالملك ما كنت أرى أن مثلنا يقال له من أنتم أما والله لولا ما تعلم لقلت قولا ألحقكم بأصلكم الخبيث ولضربتك حتى تموت
وقال عبدالله بن الحجاج الثعلبي لعبدالملك ... يا ابن أبي العاص ويا خير فتى ... أنت سداد الدين إن دين وهى ... أنت الذي لا يجعل الأمر سدى ... جيبت قريش عنكم جوب الرحى ... إن أبا العاص وفي ذاك اعتصى ... أوصى بنيه فوعوا عنه الوصى ... إن يسعروا الحرب ويأبوا ما ابى ... الطاعنين في النحور والكلى ... شزرا ووصلا للسيوف بالخطا ... إلىالقتال فحووا ما قد حوى ...
وقال أعشى بني شيبان ... عرفت قريش كلها ... لبني أبي العاص الإماره ... لأبرها وأحقها ... عند المشورة بالإشاره ... المانعين لما ولوا ... والنافعين ذوي الضراره ... وهم أحقهم بها ... عند الحلاوة والمراره ...
وقال عبدالملك ما أعلم مكان أحد أقوى على هذا الأمر مني وإن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائسا
خلافة الوليد بن عبدالملك
وفي هذه السنة بويع للوليد بن عبدالملك بالخلافة فذكر أنه لما دفن أباه وانصرف عن قبره دخل المسجد فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فخطب فقال إنا لله وإنا إليه راجعون والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة قوموا فبايعوا فكان أول من قام لبيعته عبدالله بن همام السلولي فإنه قام وهو يقول ... الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها ... عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها ...
فبايعه ثم تتابع الناس على البيعة

(3/669)


وأما الواقدي فإنه ذكر أن الوليد لما رجع من دفن أبيه ودفن خارج باب الجابية لم يدخل منزله حتى صعد على منبر دمشق فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال
أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله ولا مؤخر لما قدم الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة الذي يحق عليه لله من الشدة على المريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارة على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الفرد أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه
ثم نزل فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه وكان جبارا عنيدا
وفي هذه السنة قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها من قبل الحجاج فذكر علي بن محمد أن كليب بن خلف أخبره عن طفيل بن مرداس العمي والحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير العمي قال أخبرني عمي قال رأيت قتيبة بن مسلم حين قدم خراسان في سنة ست وثمانين فقدم والمفضل يعرض الجند وهو يريد أن يغزو أخرون وشومان فخطب الناس قتيبة وحثهم على الجهاد وقال
إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد بكم المال استفاضة والعدو وقما ووعد نبيه صلى الله عليه و سلم النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ( 1 ) ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى قوله أحسن ما كانوا يعملون ( 2 ) ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حي مرزوق فقال ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ( 3 ) فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم وإياي والهوينى
ذكر ما كان من أمر قتيبة بخراسان في هذه السنة
ثم عرض قتيبة الجند في السلاح والكراع وسار واستخلف بمرو على حربها إياس بن عبدالله بن عمرو وعلى الخراج عثمان بن السعدي فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وبعض عظمائهم فساروا معه فلما قطع النهر تلقاه تيش الأعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب فدعاه إلى بلاده فأتاه وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال ودعاه إلى بلاده فمضى مع تيش إلى الصغانيان فسلم إليه بلاده وكان ملك أخرون وشومان قد اساء جوار تيش وغزاه وضيق عليه فسار قتيبة إلى أخرون وشومان وهما من طخارستان فجاءه غشتاسبان فصالحه على فدية أداها إليه فقبلها قتيبة ورضي ثم انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم وتقدم جنده فسبقهم إلى مرو وفتح صالح بعد رجوع قتيبة

(3/670)


باسارا وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ فوهب له قرية تدعى تنجانة ثم قدم صالح على قتيبة فاستعمله على الترمذ
قال وأما الباهليون فيقولون قدم قتيبة خراسان سنة خمس وثمانين فعرض الجند فكان جميع ما أحصوا من الدروع في جند خراسان ثلاثمائة وخمسين درعا فغزا أخرون وشومان ثم قفل فركب السفن فانحدر إلى آمل وخلف الجند فأخذوا طريق بلخ إلى مرو وبلغ الحجاج فكتب إليه يلومه ويعجز رأيه في تخليفه الجند وكتب إليه إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلت فكن في أخرياتهم وساقتهم
وقد قيل إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة على بلخ لأن بعضها كان منتقضا عليه وقد ناصب المسلمين فحارب أهلها فكان ممن سبى امرأة برمك أبي خالد بن برمك وكان برمك على النوبهار فصارت لعبدالله بن مسلم الذي يقال له الفقير أخي قتيبة بن مسلم فوقع عليها وكان به شيء من الجذام ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذي حاربهم قتيبة فأمر قتيبة برد السبي فقالت امرأة برمك لعبدالله بن مسلم يا تازي إني قد علقت منك وحضرت عبدالله بن مسلم الوفاة فأوصى أن يلحق به ما في بطنها وردت إلى برمك فذكر أن ولد عبدالله بن مسلم جاؤوا أيام المهدي حين قدم الري إلى خالد فادعوه فقال لهم مسلم بن قتيبة إنه لا بد لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تزوجوه فتركوه وأعرضوا عن دعواهم وكان برمك طبيبا فداوى بعد ذلك مسلمة من علة كانت به
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبدالملك أرض الروم
وفيها حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبدالملك بن المهلب عن شرطته
وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال الواقدي
وكان الأمير على العراق كله والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى الصلاة بالكوفة المغيرة بن عبدالله بن أبي عقيل وعلى الحرب بها من قبل الحجاج زياد بن جرير بن عبدالله وعلى البصرة أيوب بن الحكم وعلى خراسان قتيبة بن مسلم

(3/671)


ثم دخلت سنة سبع وثمانين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة عزل الوليد بن عبدالملك هشام بن إسماعيل عن المدينة وورد عزله عنها فيما ذكر ليلة الأحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وكانت إمرته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه
وفي هذه السنة ولى الوليد عمر بن عبدالعزير المدينة قال الواقدي قدمها واليا في شهر ربيع الأول وهو ابن خمس وعشرين سنة وولد سنة اثنتين وستين
قال وقدم على ثلاثين بعيرا فنزل دار مروان قال فحدثني عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال لما قدم عمر بن عبدالعزيز المدينة ونزل دار مروان دخل عليه الناس فسلموا فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة وأبا بكر بن عبدالرحمن وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وسالم بن بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبد الله بن عمرو وعبدالله بن عامر بن ربيعة وخارجة بن زيد فدخلوا عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال
إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني فخرجوا يجزونه خيرا وافترقوا
قال وكتب الوليد إلى عمر يأمره أن يقف هشام بن إسماعيل للناس وكان فيه سيء الرأي
قال الواقدي فحدثني داود بن جبير قال أخبرتني أم ولد سعيد بن المسيب أن سعيدا دعا ابنه ومواليه فقال إن هذا الرجل يوقف للناس أو قد وقف فلا يتعرض له أحد ولا يؤذه بكلمة فإنا سنترك ذلك لله وللرحم فإن كان ما علمت لسيء النظر لنفسه فأما كلامه فلا أكلمه أبدا
قال وحدثني محمد بن عبدالله بن محمد بن عمر عن أبيه قال كان هشام بن إسماعيل يسيء جوارنا ويؤذينا ولقى منه علي بن الحسين أذى شديدا فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس فقال ما أخاف إلا من علي بن الحسين فمر به علي وقد وقف عند دار مروان وكان علي قد تقدم إلى خاصته ألا

(3/672)


يعرض له أحد منهم بكلمة فلما مر ناداه هشام بن إسماعيل الله أعلم حيث يجعل رسالاته وفي هذه السنة قدم نيزك على قتيبة وصالح قتيبة أهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة
ذكر الخبر عن ذلك
ذكر علي بن محمد أنا أبا الحسن الجشمي أخبره عن أشياخ من أهل خراسان وجبلة بن فروخ عن محمد بن المثنى أن نيزك طرخان كان في يديه أسراء من المسلمين وكتب إليه قتيبة حين صالح ملك شومان فيمن في يديه من أسرى المسلمين أن يطلقهم ويهدده في كتابه فخافه نيزك فأطلق الأسرى وبعث بهم إلى قتيبة فوجه إليه قتيبة سليما الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه وكتب إليه كتابا يحلف فيه بالله لئن لم يقدم عليه ليغزونه ثم ليطلبنه حيث كان لا يقلع عنه حتى يظفر به أو يموت قبل ذلك فقدم سليم على نيزك بكتاب قتيبة وكان يستنصحه فقال له يا سليم ما أظن عند صاحبك خيرا كتب إلي كتابا لا يكتب إلى مثلي قال له سليم يا أبا الهياج إن هذا رجل شديد في سلطانه سهل إذا سوهل صعب إذا عوسر فلا يمنعك من غلظة كتابه إليك فما أحسن حالك عنده وعند جميع مضر فقدم نيزك مع سليم على قتيبة فصالحه أهل باذغيس في سنة سبع وثمانين على ألا يدخل باذغيس
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ومعه يزيد بن جبير فلقي الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة
قال الواقدي فيها لاقى مسلمة ميمونا الجرجماني ومع مسلمة نحة من ألف مقاتل من أهل أنطاكية عند طوانة فقتل منهم بشرا كثيرا وفتح الله على يديه حصونا
وقيل أن الذي غزا الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح الله على يديه حصن بولق وحصن الأخرم وحصن بولس وقمقم وقتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل وسبى ذراريهم ونساءهم وفي هذه السنة غزا قتيبة بيكند
ذكر الخبر عن غزوته هذه
ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس عن أبيه عن حسين بن مجاهد الرازي وهارون بن عيسى عن يونس بن أبي إسحاق وغيرهم أن قتيبة لما صالح نيزك أقام إلى وقت الغزو ثم غزا في تلك السنة سنة سبع وثمانين بيكند فسار من مرو وأتى مرو الروذ ثم أتى آمل ثم مضى إلى زم فقطع النهر وسار إلى بيكند وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر يقال لها مدينة التجار على رأس المفازة من بخارى فلما نزل بعقوتهم استنصروا الصغد واستمدوا من حولهم فأتوهم في جمع كثير وأخذوا بالطريق فلم ينفذ لقتيبة رسول ولم يصل إليه رسول ولم يجر له خبر شهرين وأبطأ خبره على الحجاج فأشفق الحجاج على الجند فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الأمصار وهم يقتتلون في كل يوم قال وكان لقتيبة عين يقال له تنذر من العجم فأعطاه أهل بخارى الأعلى مالا على أن يفثأ عنهم قتيبة فأتاه فقال أخلني فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبي فقال تنذر هذا عامل يقدم عليك وقد عزل الحجاج فلو انصرفت بالناس إلى مرو فدعا قتيبة سياه مولاه فقال اضرب عنق

(3/673)


تنذر فقتله ثم قال لضرار لم يبق أحد يعلم هذا الخبر غيري وغيرك وإني أعطي الله عهدا إن ظهر هذا الحديث من أحد حتى تنقضي حربنا هذه لألحقنك به فاملك لسانك فإن انتشار هذا الحديث يفت في أعضاد الناس ثم أذن للناس
قال فدخلوا فراعهم قتل تنذر فوجموا وأطرقوا فقال قتيبة ما يروعكم من قتل عبد أحانه الله قالوا إنا كنا نظنه ناصحا للمسلمين قال بل كان غاشا فأحانه الله بذنبه فقد مضى لسبيله فاغدوا على قتال عدوكم والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به فغدا الناس متأهبين وأخذوا مصافهم ومشى قتيبة فحض أهل الرايات فكانت بين الناس مشاولة ثم تزاحفوا والتقوا وأخذت السيوف مأخذها وأنزل الله على المسلمين الصبر فقاتلوهم حتى زالت الشمس ثم منح الله المسلمين أكتافهم فانهزموا يريدون المدينة واتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول فتفرقوا وركبهم المسلمون قتلا وأسرا كيف شاؤوا واعتصم من دخل المدينة بالمدينة وهم قليل فوضع الفعلة في أصلها ليهدمها فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليهم رجلا من بني قتيبة
وارتحل عنهم يريد الرجوع فلما سار مرحلة أو اثنتين وكان منهم على خمسة فراسخ نقضوا وكفروا فقتلوا العامل وأصحابه وجدعوا أنفهم وآذانهم وبلغ قتيبة فرجع إليهم وقد تحصنوا فقاتلهم شهرا ثم وضع الفعلة في أصل المدينة فعلقوها بالخشب وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدم فسقط الحائط وهم يعلقونه فقتل أربعين من الفعلة فطلبوا الصلح فأبى وقاتلهم فظفر بهم عنوة فقتل من كان فيها من المقاتلة وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور كان هو الذي استجاش الترك على المسلمين فقال لقتيبة أنا أفدي نفسي فقال له سليم الناصح ما تبذل قال خمسة آلاف حريرة صينية قيمتها ألف ألف فقال قتيبة ما ترون قالوا نرى أن فداءه زيادة في غنائم المسلمين وما عسى أن يبلغ من كيد هذا قال لا والله لا تروع بك مسلمة وأمر به فقتل
قال علي قال أبو الذيال عن المهلب بن إياس عن أبيه والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس أن قتيبة لما فتح بيكند أصابوا فيها من آنية الذهب والفضة ما لا يحصى فولى الغنائم والقسم عبدالله بن وألان العدوي أحد بن ملكان وكان قتيبة يسميه الأمين ابن الأمين وإياس بن بيهس الباهلي فأذابا الآنية والأصنام فرفعاه إلى قتيبة ورفعا إليه خبث ما أذابا فوهبه لهما فأعطيا به أربعين ألفا فأعلماه فرجع فيه وأمرهما أن يذيباه فأذاباه فخرج منه خمسون وماءة ألف مثقال أو خمسون ألف مثقال وأصابوا في بيكند شيئا كثيرا وصار في أيدي المسلمين من بيكند شيء لم يصيبوا مثله بخراسان ورجع قتيبة إلى مرو وقوي المسلمون فاشتروا السلاح والخيل وجلبت إليهم الدواب وتنافسوا في حسن الهيئة والعدة وغالوا بالسلاح حتى بلغ الرمح سبعين وقال الكميت ... ويوم بيكند لا تحصى عجائبه ... وما بخاراء مما أخطأ العدد ...
وكان في الخزائن سلاح وآلة من آلة الحرب كثيرة فكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في دفع ذلك السلاح إلى الجند فأذن له فأخرجوا ما كان في الخزائن من عدة الخرب وآلة السفر فقسمه في الناس فاستعدوا فلما كان أيام الربيع ندب الناس وقال إني أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حمل الزاد وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى

(3/674)


الادفاء فسار في عدة حسنة من الدواب والسلاح فأتى آمل ثم عبر من زم إلى بخارى فأتى نومشكث وهي من بخارى فصالحوه
قال علي حدثنا أبو الذيال عن أشياخ من بني عدي أن مسلما الباهلي قال لوألان إن عندي مالا أحب أن أستودعكه قال أتريد أن يكون مكتوما أو لا تكره أن يعلمه الناس قال أحب أن تكتمه قال أبعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا وكذا ومره إذا رأى رجلا في ذلك الموصع أن يضع ما معه وينصرف قال نعم فجعل مسلم المال في خرج ثم حمله على بغل وقال لمولى له انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا فإذا رأيت رجلا جالسا فخل عن البغل وانصرف فانطلق الرجل بالبغل وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده فأبطأ عليه رسول مسلم ومضى الوقت الذي وعده فظن أنه قد بدا له فانصرف وجاء رجل من بني تغلب فجلس في ذلك الموضع وجاء مولى مسلم فراى الرجل جالسا فخلى عن البغل ورجع فقام التغلبي إلىالبغل فلما رأى المال ولم ير مع البغل احدا قاد البغل إلى منزله فأخذ البغل وأخذ المال فظن مسلم أن المال قد صار الى وألان فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه فلقيه فقال مالي فقال ما قبضت شيئا ولا لك عندي مال قال فكان مسلم يشكوه ويتنقصه قال فأتى يوما مجلس بني ضبيعة فشكاه والتغلبي جالس فقام إليه فخلا به وسأله عن المال فأخبره فانطلق به إلى منزله وأخرج الخرج فقال أتعرفه قال نعم قال والخاتم قال نعم قال اقبض مالك وأخبره الخبر فكان مسلم يأتي الناس والقبائل التي كان يشكو إليهم وألان فيعذره ويخبرهم الخبر وفي وألان يقول الشاعر ... لست كوألان الذي ساد بالتقى ... ولست كعمران ولا كالمهلب ...
وعمران ابن الفصيل البرجمي
وحج بالناس في هذه السنة فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة
وكان على قضاء المدينة في هذه السنة أبو بكر بن عمرو بن حزم من قبل عمر بن عبدالعزيز
وكان على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وخليفته على البصرة في هذه السنة فيما قيل الجراح بن عبدالله الحكمي وعلى قضائها عبدالله بن أذينة وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبدالله وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري وعلى خراسان قتيبة بن مسلم

(3/675)


ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
فمن ذلك ما كان من فتح الله على المسلمين حصنا من حصون الروم يدعى طوانة في جمادى الآخرة وشتوا بها وكان على الجيش مسلمة بن عبدالملك والعباس بن الوليد بن عبدالملك
فذكر محمد بن عمر الواقدي أن ثور بن يزيد حدثه عن أصحابه قال كان فتح طوانة على يدي مسلمة ابن عبدالملك والعباس بن الوليد وهزم المسلمون العدو يومئذ هزيمة صاروا إلى كنيستهم ثم رجعوا فانهزم الناس حتى ظنوا ألا يجتبروها أبدا وبقي العباس معه نفير منهم ابن محيريز الجمحي فقال العباس لابن محيريز أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة فقال ابن محيريز نادهم يأتوك فنادى العباس يا أهل القرآن فأقبلوا جمعا فهزم الله العدو حتى دخلوا
طوانة وكان الوليد بن عبدالملك ضرب البعث على أهل المدينة في هذه السنة فذكر محمد بن عمر عن أبيه أن مخرمة بن سليم الوالبي قال ضرب عليهم بعث ألفين وأنهم تجاعلوا فخرج ألف وخمسمائة وتخلف خمسمائة فغزوا الصائفة مع مسلمة والعباس وهما على الجيش ونهم شتوا بطوانة وافتتحوها وفيها ولد الوليد بن يزيد بن عبدالملك وفيها أمر الوليد بن عبدالملك بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم وإدخالها في السمجد فذكر محمد بن عمر أن محمد بن جعفر بن وردان البناء قال رأيت الرسول الذي بعثه الوليد بن عبدالملك قدم في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين قدم معتجرا فقال الناس ما قدم به الرسول فدخل على عمر بن عبد العزيز بكتاب الوليد بأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم في مسجد رسول الله وأن يشتري ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ويقول له قدم القبلة إن قدرت وأنت تقدر لمكان أخوالك فإنهم لا يخالفونك فمن أبى منهم فمر أهل المصر فليقوموا له قيمة عدل ثم اهدم عليهم وادفع إليهم الأثمان فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده فأجاب القوم إلى الثمن فأعطاهم إياه وأخذ في هدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه و سلم وبناء المسجد فلم يمكث إلا يسيرا حتى قدم الفعلة بعث بهم الوليد
قال محمد بن عمر وحدثني موسى بن يعقوب عن عمه قال رأيت عمر بن عبدالعزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس القاسم وسالم وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة وخارجة بن زيد وعبدالله بن عبدالله بن عمر يرونه أعلاما في المسجد ويقدرونه فأسسوا أساسه

(3/676)


قال محمد بن عمر وحدثني يحيى بن النعمان الغفاري عن صالح بن كيسان قال لما جاء كتاب الوليد من دمشق وسار خمس عشرة بهدم المسجد تجرد عمر بن عبدالعزيز قال صالح فاستعملني على هدمه وبنائه فهدمناه بعمال المدينة فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه و سلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد
قال محمد وحدثني موسى بن أبي بكر عن صالح بن كيسان قال ابتدأنا بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم في صفر من سنة ثمان وثمانين وبعث الوليد إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن يعينه فيه فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب وبعث إليه بمائة عامل وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين حملا وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التي خربت فبعث بها إلى الوليد فبعث بذلك الوليد إلى عمر بن عبد العريز
وفي هذه السنة ابتدأ عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد
وفيها غزا أيضا مسلمة الروم ففتح على يديه حصون ثلاثة حصن قسطنطينة وغزالة وحصن الأخرم وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبي الذرية وأخذ الأموال
وفي هذه السنة غزا قتيبة نومشكت وراميثنة
ذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه
ذكر علي بن محمد أن المفضل بن محمد أخبره عن أبيه ومصعب بن حيان عن مولى لهم أدرك ذلك أن قتيبة غزا نومشكث في سنة ثمان وثمانين واستخلف على مرو بشار بن مسلم فتلقاه أهلها فصالحهم ثم صار إلى راميثنة فصالحه أهلها فانصرف عنهم وزحف إليه الترك معهم السغد وأهل فرغانة فاعترضوا المسلمين في طريقهم فلحقوا عبدالرحمن بن مسلم الباهلي وهو على الساقة بينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل فلما قربوا منه أرسل رسولا إلى قتيبة بخبره وغشيه الترك فقاتلوه وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس فانتهى إلى عبدالرحمن وهو يقاتلهم وقد كاد الترك يستعملونهم فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصبروا وقاتلوهم إلى الظهر وأبلى يومئذ نيزك وهو مع قتيبة فهزم الله الترك وفض جمعهم ورجع قتيبة يريد مرو وقطع النهر من الترمذ يريد بلخ ثم أتى مرو وقال الباهليون لقي الترك المسلمين عليهم كور مغانون ا لتركي ابن اخت ملك الصين في مائتي ألف فأظهر المسلمين عليهم وفي هذه السنة كتب الوليد بن عبدالملك إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر الآبار في البلدان
قال محمد بن عمر حدثني ابن أبي سبرة قال حدثني صالح بن كيسان قال كتب الوليد إلى عمر في تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك وكتب الوليد إلى خالد بن عبدالله بذلك قال وحبس المجذمين عن أن يخرجوا على الناس وأجرى عليهم أرزاقا وكانت تجرى عليهم
وقال ابن أبي سبرة عن صالح بن كيسان قال كتب الوليد إلى عمر بن عبدالعزيز أن يعمل الفوارة التي عند دار يزيد بن عبدالملك اليوم فعلمها عمر وأجرى ماءها فلما حج الوليد وقف عليها فنظر إلى بيت الماء والفوارة فأعجبته وأمر لها بقوام يقومون عليها وأن يسقى أهل المسجد منها ففعل ذلك

(3/677)


وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبدالعزيز في رواية محمد بن عمر ذكر أن محمد بن عبدالله بن جبير مولى لبني العباس حدثه عن صالح بن كيسان قال خرج عمر بن عبدالعزيز تلك السنة يعني سنة ثمان وثمانين بعدة من قريش أرسل إليهم بصلات وظهر للحمولة وأحرموا معه من ذي الحليفة وساق معه بدنا فلما كان بالتنعيم لقيهم نفر من قريش منهم ابن أبي مليكة وغيره فأخبروا أن مكة قليلة الماء وأنهم يخافون على الحجاج العطش وذلك أن المطر قل فقال عمر فالمطلب ها هنا بين تعالوا ندع الله قال فرأيتهم دعوا ودعا معهم فألحوا في الدعاء قال صالح فلا والله إن وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل وسكبت السماء وجاء سيل الوادي فجاء أمر خافه أهل مكة ومطرت عرفة ومنى وجمع فما كانت إلا عبرا قال ونبتت مكة تلك السنة للخصب
وأما أبو معشر فإنه قال حج بالناس سنة ثمان وثمانين عمر بن الوليد بن عبد الملك حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عنه
وكانت العمال على الأمصار في هذه السنة العمال الذين ذكرنا أنهم كانوا عمالها في سنة سبع وثمانين

(3/678)


ثم دخلت سنة تسع وثمانين
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك افتتاح المسلمين في هذه السنة حصن سورية وعلى الجيش مسلمة بن عبد الملك زعم الواقدي أن مسلمة غزا في هذه السنة أرض الروم ومعه العباس بن الوليد ودخلاها جميعا ثم تفرقا فافتتح مسلمة حصن سورية وافتتح العباس أذرولية ووافق من الروم جمعا فهزمهم
وأما غير الواقدي فإنه قال قصد مسلمة عمورية فوافق بها للروم جمعا كثيرا فهزمهم الله وافتتح هرقلة وقمودية
وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون
وفي هذه السنة غزا قتيبة بخارى ففتح راميثنة ذكر علي بن محمد عن الباهليين أنهم قالوا ذلك وأن قتيبة رجع بعدما فتحها في طريق بلخ فلما كان بالفارياب أتاه كتاب الحجاج أن رد وردان خذاه فرجع قتيبة سنة تسع وثمانين فأتى زم فقطع النهر فلقيه السغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة فقاتلوه فظفر بهم ومضى إلى بخارى فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان فلقوه بجمع كثير فقاتلهم يومين وليلتين ثم أعطاه الله الظفر عليهم فقال نهار بن توسعة ... وباتت لهم منا بخرقان ليلة ... وليلتنا كانت بخرقان أطولا ...
قال علي أخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس وأبو العلاء عن إدريس بن حنظلة أن قتيبة غزا وردان حذاه ملك بخارى سنة تسع وثمانين فلم يطقه ولم يظفر من البلد بشيء فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج أن صورها لي فبعث إليه بصورتها فكتب إليه الحجاج أن ارجع إلى مراغتك فتب إلى الله مما كان منك وأتها من مكان كذا وكذا
وقيل كتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسف ورد وردان وإياك والتحويط ودعني من بنيات الطريق
وفي هذه السنة ولي خالد بن عبدالله القسري مكة فيما زعم الواقدي وذكر أن عمر بن صالح حدثه عن نافع مولى بني مخزوم قال سمعت خالد بن عبدالله يقول على منبر مكة وهو يخطب
أيها الناس أيهما أعظم أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا بئرا حفرها

(3/679)


الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم قال ثم غارت البئر فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم
وفيها غزا مسلمة بن عبدالملك الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان ففتح حصونا ومائن هنالك
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكان العمال في هذه السنة على الأمصار العمال في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل

(3/680)


ثم دخلت سنة تسعين
ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ففي هذه السنة غزا مسلمة أرض الروم فيما ذكر محمد بن عمر من ناحية سورية فتح الحصون الخمسة التي بسورية
وغزا فيها العباس بن الوليد قال بعضهم حتى بلغ الأردن وقال بعضهم حتى بلغ سورية وقال محمد بن عمر قول من قال بلغ سورية أصح
وفيها قتل محمد بن القاسم الثقفي داهر بن صصة ملك السند وهو على جيش من قبل الحجاج بن يوسف
وفيها استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر موضع عبدالله بن عبدالملك
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر فذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبدالملك
وفيها فتح قتيبة بخارى وهزم جموع العدو فيها
ذكر الخبر عن ذلك
ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال اخبره عن المهلب بن إياس وأبو العلاء عن إدريس بن حنظلة أن كتاب الحجاج لما ورد على قتيبة يأمره بالتوبة مما كان من انصرافه عن وردان خذاه ملك بخارى قبل الظفر به والمصير إليه ويعرفه الموضع الذي ينبغي له أن يأتي بلده منه خرج قتيبة إلى بخارى في سنة تسعين غازيا فأرسل وردان خذاه إلى السغد والترك ومن حولهم يستنصرونهم فأتوهم وقد سبق إليها قتيبة فحصرهم فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم ليقاتلونهم فقالت الأزد اجعلوا على حدة وخلوا بيننا وبين قتالهم فقال قتيبة تقدموا فتقدموا يقاتلونهم وقتيبة جالس عليه رداء أصفر فوق سلاحه فصبروا جميعا مليا ثم جال المسلمون وركبهم المشركون فحطموهم حتى دخلوا في عسكر قتيبة وجازوه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين فكروا راجعين وانطوت مجنبتا المسلمين على الترك فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم فوقف الترك على نشز فقال قتيبة من يزيلهم لنا عن هذا الموضع فلم يقدم عليهم أحد والأحياء كلهاوقوف

(3/681)


فمشى قتيبة إلى بني تميم فقال يا بني تميم إنكم أنتم بمنزلة الحطمية فيوم كأيامكم أبى لكم الفداء قال فأخذ وكيع اللواء بيده وقال يا بني تميم أتسلمونني اليوم قالوا لا يا أبا مطرف وهريم بن أبي طحمة المجاشعي على خيل بني تميم ووكيع رأسهم والناس وقوف فاحجموا جميعا فقال وكيع يا هريم قدم ودفع إليه الراية وقال قدم خيلك فتقدم هريم ودب وكيع في الرجال فانتهى هريم إلى نهر بينه وبين العدو فوقف فقال له وكيع اقحم يا هريم قال فنظر هريم إلى وكيع نظر الجمل الصئول وقال أنا أقحم خيلي هذا النهر فإن انكشفت كان هلاكها والله إنك لأحمق قال يا بن اللخناء ألا اراك ترد أمري وحذفه بعمود كان معه فضرب هريم فرسه فأقحمه وقال ما بعد هذا أشد من هذا وعبر هريم في الخيل وانتهى وكيع إلى النهر فدعا بخشب فقنطر النهر وقال لأصحابه من وطن منكم نفسه على الموت فليعبر ومن لا فليثبت مكانه فما عبر معه إلا ثمانمائة راجل فدب فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا حتى دنا من العدو فجعل الخيل مجنبتين وقال لهريم إني مطاعن القوم فاشغلهم عنا بالخيل وقال للناس شدوا فحملوا فما انثنوا حتى خالطوهم وحمل هريم خيله عليهم فطاعنوهم بالرماح فما كفوا عنهم حتى حدروهم عن موقفهم ونادى قتيبة أما ترون العدو منهزمين فما عبر أحد ذلك النهر حتى ولى العدو منهزمين فأتبعهم الناس ونادى قتيبة من جاء برأس فله مائة
قال فزعم موسى بن المتوكل القريعي قال جاء يومئذ أحد عشر رجلا من بني قريع كل رجل يجيء برأس فيقال له من أنت فيقول قريعي قال فجاء رجل من الأزد برأس فألقاه فقالوا له من أنت قال قريعي قال وجهم بن زحر قاعد فقال كذب والله أصلحك الله إنه لابن عمي فقال له قتيبة ويحك ما دعاك إلى هذا قال رأيت كل من جاء قريعي فظننت أنه ينبغي لكل من جاء برأس أن يقول قريعي قال فضحك قتيبة
قال وجرح يومئذ خاقان وابنه ورجع قتيبة إلى مرو وكتب إلى الحجاج إني بعثت عبدالرحمن بن مسلم ففتح الله على يديه
قال وقد كان شهد الفتح مولى للحجاج فقدم فأخبره الخبر فغضب الحجاج على قتيبة فاغتم لذلك فقال له الناس ابعث وفدا من بني تميم وأعطهم وأرضهم يخبروا الأمير أن الأمر على ما كتبت فبعث رجالا فيهم عرام بن شتير الضبي فلما قدموا على الحجاج صاح بهم وعاتبهم ودعا بالحجام بيده مقراض فقال لأقطعن ألسنتكم أو لتصدقنني قالوا الأمير قتيبة وبعث عليهم عبدالرحمن فالفتح للأمير والرأس الذي يكون على الناس وكلمه بهذا عرام بن شتير فسكن الحجاج وفي هذه السنة جدد قتيبة الصلح بينه وبين طرخون ملك السغد
ذكر الخبر عن ذلك
قال علي ذكر أبو السري عن الجهم الباهلي قال لما أوقع قتيبة بأهل بخارى ففض جمعهم هابه أهل السغد فرجع طرخون ملك السغد ومعه فارسان حتى وقف قريبا من عسكر قتيبة وبينهما نهر بخارى فسأل أن يبعث إليه رجلا يكلمه فأمر قتيبة رجلا فدنا منه

(3/682)


وأما الباهليون فيقولون نادى طرخون حيان النبطي فأتاه فسألهم الصلح على فدية يؤديها إليهم فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالحه وأخذ منه رهنا حتى يبعث إليه بما صالحه عليه وانصرف طرخون إلى بلاده ورجع قتيبة ومعه نيزك
وفي هذه السنة غدر نيزك فنقض الصلح الذي كان بينه وبين المسلمين وامتنع بقلعته وعاد حربا فغزاه قتيبة
ذكر الخبر عن سبب غدره وسبب الظفر به
قال علي ذكر أبو الذيال عن المهلب بن إياس والمفضل الضبي عن أبيه وعلي بن مجاهد وكليب بن خلف العمي كل قد ذكر شيئا فألفته وذكر الباهليون شيئا فألحقته في خبر هؤلاء وألفته أن قتيبة فصل من بخارى ومعه نيزك وقد ذعره ما قد رأى من الفتوح وخاف قتيبة فقال لأصحابه وخاصته متهم أنا مع هذا ولست آمنه وذلك أن العربي بمنزلة الكلب إذا ضربته نبح وإذا أطعمته بصبص واتبعك وإذا غزوته ثم أعطيته شيئا رضي ونسي ما صنعت به وقد قاتله طرخون مرارا فلما أعطاه فدية قبلها ورضي وهو شديد السطوة فاجر فلو استأذنت ورجعت كان الرأي قالوا استأذنه فلما كان قتيبة بآمل استأذنه في الرجوع إلى تخارستان فأذن له فلما فارق عسكره متوجها إلى بلخ قال لأصحابه أغذوا السير فساروا سيرا شديدا حتى أتوا النوبهار فنزل يصلي فيه وتبرك به وقال لأصحابه إني لا أشك أن قتيبة قد ندم حين فارقنا عسكره على إذنه لي وسيقدم الساعة رسوله على المغيرة بن عبدالله يأمره بحبسي فأقيموا ربيئة تنظر فإذا رأيتم الرسول قد جاوز المدينة وخرج من الباب فإنه لا يبلغ البروقان حتى نبلغ تخارستان فيبعث المغيرة رجلا فلا يدركنا حتى ندخل شعب خلم ففعلوا
قال وأقبل رسول من قبل قتيبة إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك فلما مر الرسول إلى المغيرة وهو بالبروقان ومدينة بلخ يومئذ خراب ركب نيزك وأصحابه فمضوا وقدم الرسول على المغيرة فركب بنفسه في طلبه فوجده قد دخل شعب خلم فانصرف المغيرة وأظهر نيزك الخلع وكتب إلى أصبهبذ بلخ وإلى باذام ملك مروروذ وإلى سهرب ملك الطالقان وإلى ترسل ملك الفارياب وإلى الجوزجاني ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة فأجابوه وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة وكتب إلى كابل شاه يستظهر به وبعث إليه بثقله وماله وسأله أن يأذن له إن اضطر إليه أن يأتيه ويؤمنه في بلاده فأجابه إلى ذلك وضم ثقله
قال وكان جبغويه ملك تخارستان ضعيفا واسمه الشذ فأخذه نيزك فقيده بقيد من ذهب مخافة أن يشغب عليه وجبغويه ملك تخارستان ونيزك من عبيده فلما استوثق منه وضع عليه الرقباء وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبغويه وكان العامل محمد بن سليم الناصح وبلغ قتيبة خلعه قبل الشتاء وقد تفرق الجند فلم يبق مع قتيبة إلا أهل مرو فبعث عبدالرحمن أخاه إلى بلخ في اثني عشر ألفا إلى البروقان وقال أقم بها ولا تحدث شيئا فإذا حسر الشتاء فعسكر وسر نحو تخارستان واعلم أني قريب منك فسار عبدالرحمن فنزل البروقان وأمهل قتيبة حتى إذا كان في آخر الشتاء كتب إلى أبرشهر وبيورد وسرخس وأهل هراة ليقدموا قبل أوانهم الذي كانوا يقدمون عليه فيه
وفي هذه السنة أوقع قتيبة بأهل الطالقان بخراسان فيما قال بعض أهل الأخبار فقتل من أهلها مقتلة

(3/683)


عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد
ذكر الخبر عن سبب
ذلك وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن نيزك طرخان لما غدر وخلع قتيبة وعزم على حربه طابقه على حربه ملك الطالقان وواعده المصير إليه من استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قتيبة فلما هرب نيزك من قتيبة ودخل شعب خلم الذي يأخذ إلى طخارستان علم أنه لا طاقة له بقتيبة فهرب وسار قتيبة إلى الطالقان فأوقع بأهلها ففعل ما ذكرت فيما قبل وقد خولف قائل هذا القول فيما قال من ذلك وأنا ذاكره في أحداث سنة إحدى وتسعين
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبدالعزيز كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر وكذلك قال محمد بن عمر
وكان عمر بن عبدالعزيز في هذه السنة عامل الوليد بن عبدالملك على مكة والمدينة والطائف وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف وعامل الحجاج على البصرة الجراح بن عبدالله وعلى قضائها عبدالرحمن بن أذينة وعلى الكوفة زياد بن جرير بن عبدالله وعلى قضائها أبو بكر بن ابي موسى وعلى خراسان قتيبة بن مسلم وعلى مصر قرة بن قرة بن شريك
وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته الذين كانوا معه في السجن مع آخرين غيرهم فلحقوا بسليمان بن عبدالملك مستجيرين به من الحجاج بن يوسف والوليد بن عبدالملك
ذكر الخبر عن سبب تخلصهم من سجن الحجاج ومسيرهم إلى سليمان قال هشام حدثني أبو مخنف عن أبي المخارق الراسبي قال خرج الحجاج إلى رستقباذ للبعث لأن الأكراد كانوا قد غلبوا على عامة أرض فارس فخرج بيزيد وبإخوته المفضل وعبدالملك حتى قدم بهم رستقباذ فجعلهم في عسكره وجعل عليهم كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاط قريبا من حجرته وجعل عليهم حرسا من أهل الشام وأغرمهم ستة آلاف ألف وأخذ يعذبهم وكان يزيد يصبر صبرا حسنا وكان الحجاج يغيظه ذلك فقيل له إنه رمي بنشابة فثبت نصلها في ساقه فهو لا يمسها شيء إلا صاح فإن حركت أدنى شيء سمعت صوته فأمر أن يعذب ويدهق ساقه فلما فعل ذلك به صاح وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج فلما سمعت صياح يزيد صاحت وناحت فطلقها ثم إنه كف عنهم وأقبل يستأديهم فأخذوا يؤدون وهم يعملون في التخلص من مكانهم فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل ويري الناس أنه إنما يريد بيعها ويعرضها على البيع ويغلي بها لئلا تشترى فتكون لنا عدة إن نحن قدرنا على أن ننجو مما ها هنا ففعل ذلك مروان وحبيب بالبصرة يعذب ايضا وأمر يزيد بالحرس فصنع لهم طعام كثير فأكلوا وأمر بشراب فسقوا فكانوا متشاغلين به ولبس يزيد ثياب طباخه ووضع على لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال كأن هذه مشية يزيد فجاء حتى استعرض وجهه ليلا فرأى بياض اللحية فانصرف عنه فقال هذا شيخ وخرج المفضل على أثره ولم يفطن له فجاؤوا إلى سفنهم وقد هيئوها في البطائح وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخا فلما انتهوا إلى

(3/684)


السفن أبطأ عليهم عبدالملك وشغل عنهم فقال يزيد للمفضل اركب بنا فإنه لاحق فقال المفضل وعبدالملك أخوه لأمه وهي بهلة هندية لا والله ولا أبرح حتى يجيء ولو رجعت إلى السجن فأقام يزيد حتى جاءهم عبدالملك وركبوا عند ذلك السفن فساروا ليلتهم حتى أصبحوا ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم فرفع ذلك إلى الحجاج وقال الفرزدق في خروجهم ... فلم أر كالرهط الذين تتابعوا ... على الجذع والحراس غير نيام ... مضوا وهم مستيقنون بأنهم ... إلى قدر آجالهم وحمام ... وإن منهم إلا يسكن جأشه ... بعضب صقيل صارم وحسام ... فلما التقوا لم يلتقوا بمنفه ... كبير ولا رخص العظام غلام ... بمثل أبيهم حين تمت لداتهم ... لخمسين قل في جرأة وتمام ...
ففزع له الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قبل خراسان وبعث البريد إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره أن يستعد لهم وبعث إلى أمراء الثغور والكور أن يرصدوهم ويستعدوا لهم وكتب إلى الوليد بن عبدالملك يخبره بهربهم وأنه لا يراهم أرادوا إلا خراسان ولم يزل الحجاج يظن بيزيد ما صنع كان يقول إني لأظنه يحدث نفسه بمثل الذي صنع ابن الأشعث
ولما دنا يزيد من البطائح من موقوع استقبلته الخيل قد هيئت له ولإخوته فخرجوا عليها ومعهم دليل لهم من كلب يقال له عبدالجبار بن يزيد بن الربعة فأخذ بهم على السماوة وأتي الحجاج بعد يومين فقيل له إنما أخذ الرجل طريق الشام وهذه الخيل حسرى في الطريق وقد أتى من رآهم موجهين في البر فبعث إلى الوليد يعلمه ذلك ومضى يزيد حتى قدم فلسطين فنزل على وهيب بن عبدالرحمن الأزدي وكان كريما على سليمان وأنزل بعض ثقله وأهله على سفيان بن سليمان الأزدي وجاء وهيب بن عبدالرحمن حتى دخل على سليمان فقال هذا يزيد بن المهلب وإخوته في منزلي وقد أتوك هرابا من الحجاج متعوذين بك قال فأتني بهم فهم آمنون لا يوصل إليهم أبدا وأنا حي فجاء بهم حتى أدخلهم عليه فكانوا في مكان آمن وقال الكلبي دليلهم في مسيرهم ... ألا جعل الله الأخلاء كلهم ... فداء على ما كان لابن المهلب ... لنعم الفتى يا معشر الأزد أسعفت ... ركابكم بالوهب شرقي منقب ... عدلن يمينا عنهم رمل عالج ... وذات يمين القوم أعلام غرب ... فإلا تصبح بعد خمس ركابنا ... سليمان من أهل اللوى تتأوب ... تقر قرار الشمس مما وراءنا ... وتذهب في داج من الليل غيهب ... بقوم هم كانوا الملوك هديتهم ... بظلماء لم يبصر بها ضوء كوكب ... ولا قمر إلا ضئيلا كأنه ... سوار حناه صائغ السور مذهب ...
قال هشام فأخبرني الحسن بن أبان العليمي قال بينا عبدالجبار بن يزيد بن الربعة يسري بهم فسقطت عمامة يزيد ففقدها فقال يا عبدالجبار ارجع فاطلبها لنا قال إن مثلي لا يؤمر بهذا فأعاد فأبى فتناوله بالسوط فانتسب له فاستحيا منه فذلك قوله

(3/685)


ألا جعل الله الأخلاء كلهم ... فداء على ما كان لابن المهلب ...
وكتب الحجاج إن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا مني ولحقوا بسليمان وكان آل المهلب قدموا على سليمان وقد أمر الناس أن يحصلوا ليسرحوا إلى خراسان لا يرون إلا أن يزيد توجه إلى خراسان ليفتن من بها فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان هون عليه بعض ما كان في نفسه وطار غضبا للمال الذي ذهب به وكتب سليمان إلى الوليد إن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف فأدوا ثلاثة آلاف ألف وبقي ثلاثة آلاف ألف فهي علي فكتب إليه لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي فكتب إليه لئن أنا بعثت به إليك لأجيئن معه فأنشدك الله أن تفضحني ولا أن تخفرني فكتب إليه والله لئن جئتني لا أؤمنه فقال يزيد ابعثني إليه فوالله ما أحب أوقع بينك وبينه عداوة وحربا ولا أن يتشاءم بي لكما الناس ابعث إليه بي وارسل معي ابنك واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه فأرسل ابنه أيوب معه وكان الوليد أمره أن يبعث به إليه في وثاق فبعث به إليه وقال لابنه إذا أردت أن تدخل عليه فادخل أنت ويزيد في سلسلة ثم ادخلا جميعا على الوليد ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد فدخلا عليه فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة قال والله لقد بلغنا من سليمان ثم إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال يا أمير المؤمنين نفس فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك وقرأ الكتاب
لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبدالملك أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جاري ولا تخفر جواري بله لم أجر إلا سامعا مطيعا حسن البلاء والأثر في ا لإسلام هو وأبوه وأهل بيته وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تغزو قطيعتي والإخفار لذمتي والإبلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي وترك بري وصلتي فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك ولا متى يفرق الموت بيني وبينك فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره ألا يأتي علينا أجل الوفاة إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد وعن مساءتي نازع فليفعل والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله فيها بأسر مني برضاك وسرورك وإن رضاك مما ألتمس به رضوان الله فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد وكل ما طلبته به فهو علي
فلما قرأ كتابه قال لقد شققنا على سليمان ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه وتكلم يزيد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه و سلم ثم قال
يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه ومن يكفر فلسنا كافريه وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة علينا فيها عظيمة
فقال له اجلس فجلس فآمنه وكف عنه ورجع إلى سليمان وسعى إخوته في المال الذي عليه وكتب إلى الحجاج

(3/686)


إني لم أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلي فيهم
فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف درهم فتركها له وكف عن حبيب بن المهلب ورجع يزيد إلى سليمان بن عبدالملك فأقام عنده يعلمه الهيئة ويصنع له طيب الأطعمة ويهدي له الهدايا العظام وكان من أحسن الناس عنده منزلة وكان لا تأتي يزيد بن المهلب هدية إلا بعث بها إلى سليمان ولا تأتي سليمان هدية ولا فائدة إلا بعث بنصفها إلى يزيد بن المهلب وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد إلا خطيئة الجارية فبلغ ذلك الوليد بن عبدالملك فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الأشعري فقال انطلق إلى سليمان فقل له يا خالفة أهل بيته إن أمير المؤمنين قد بلغه أنه لا تأتيك هدية ولا فائدة إلا بعثت إلى يزيد بنصفها وإنك تأتي الجارية من جواريك فلا ينقضي طهرها حتى تبعث بها إلى يزيد وقبح ذلك عليه وعيره به أتراك مبلغا ما أمرتك به قال طاعتك طاعة وإنما أنا رسول قال فأته فقل له ذلك وأقم عنده فإني باعث إليه بهدية فادفعها إليه وخذ منه البراءة بما تدفع إليه
ثم أقبل فمضى حتى قدم عليه وبين يديه المصحف وهو يقرأ فدخل عليه فسلم فلم يرد عليه السلام حتى فرغ من قراءته ثم رفع رأسه إليه فكلمه بكل شيء أمره به الوليد فتمعر وجهه ثم قال أما والله لئن قدرت عليك يوما من الدهر لأقطعن منك طابقا فقال له إنما كانت علي الطاعة
ثم خرج من عنده فلما أتى بذلك الذي بعث به الوليد إلى سليمان دخل عليه الحارث بن ربيعة الأشعري وقال له أعطني البراءة بهذا الذي دفعت إليك فقال كيف قلت لي قال لا أعيده عالما أبدا إنما كان علي فيه الطاعة فسكن وعلم أن قد صدقه الرجل ثم خرج وخرجوا معه فقال خذوا نصف هذه الأعدال وهذه الأسفاط وابعثوا بها إلى يزيد
قال فعلم الرجل أنه لا يطيع في يزيد أحدا ومكث يزيد بن المهلب عند سليمان تسعة أشهر وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في رمضان لتسع بقين منه في يوم الجمعة

(3/687)


بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث
ففيها غزا أيضا ذكر محمد بن عمر وغيره الصائفة عبد العزيز بن الوليد وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك
وفيها غزا أيضا مسلمة الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان ففتح على يديه مدائن وحصون وفيها غزا موسى بن نصير الأندلس ففتح على يديه أيضا مدائن وحصون وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم نيزك طرخان
رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد وقصة نيزك وظفر قتيبة به حتى قتله ولما قدم من كان قتيبة كتب إليه يأمره بالقدوم عليه من أهل أبرشهر وبيورد وسرخس وهراة على قتيبة سار بالناس إلى مروروذ واستخلف على الحرب حماد بن مسلم وعلى الخراج عبد الله بن الأهتم وبلغ مرزبان مروروذ إقباله إلى بلاده فهرب إلى بلاد الفرس وقدم قتيبة مروروذ فأخذ ابنين له فقتلهما وصلبهما ثم سار إلى الطالقان فقام صاحبه ولم يحاربه فكف عنه وفيها لصوص وقتلهم قتيبة وصلبهم واستعمل على الطلقان عمرر بن مسلم ومضى إلى الفارياب فخرج إليه ملك الفارياب مذعنا مقرا بطاعته فرضى عنه ولم يقتل بها أحدا واستعمل عليها رجلا من باهلة وبلغ صاحب الجوزجان خبرهم فترك أرضه وخرج إلى الجبال هاربا وسار قتيبة إلى الجوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين فقبل منهم فلم يقتل فيها أحدا واستعمل عليها عامر بن مالك الحماني ثم أتى بلخ فلقيه الأصبهبذ في أهل بلخ فدخلها فلم يقم بها إلا يوما واحدا
ثم مضى يتبع عبد الرحمن حتى أتى شعب خلم وقد مضى نيزك فعسكر ببغلان وخلف مقاتله على فم الشعب ومضايقة يمنعونه ووضع مقاتله في قلعة حصينة من وراء الشعب فأقام قتيبة اياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر منهم على شيء ولا يقدر على دخوله وهو مضيق الوادي يجرى وسطه ولا يعرف طريقا يفضي به الى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتمل العساكر فبقى متلددا يلتمس الحيل
قال فهو في ذلك إذ قدم عليه الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التى وراء هذا الشعب فأمنه قتيبة وأعطاه ما سأله وبعث رجالا ليلا فانتهى بهم إلى القلعة التي من وراء شعب خلم فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم وهرب من بقي منهم ومن كان في الشعب فدخل

(3/3)


قتيبة والناس الشعب فأتى القلعة ثم مضى إلى سمنجان ونيزك ببغلان بعين تدعى فنج جاه وبين سمنجان وبغلان مفازة ليست بالشديدة
قال فأقام قتيبة بسمنجان أياما ثم سار نيزك وقدم أخاه عبد الرحمن وبلغ نيزك فارتحل من منزله حتى قطع وادي فرغانة ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه ومضى حتى نزل الكرز وعبد الرحمن بن مسلم يتبعه فنزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز ونزل قتيبة أسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فرسخان فتحرز نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد وذلك الوجه صعب لا تطيقه الدواب فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام وأصابهم الجدري وجدر جبغويه وخاف قتيبة الشتاء فدعا سليما الناصح فقال انطلق إلى نيزك واحتل لأن تأتيني به بغير أمان فإن أعياك وأبى فآمنه واعلم أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك فاعمل لنفسك قال فاكتب لي إلى عبد الرحمن لا يخالفني قال نعم فكتب له إلى عبد الرحمن فقدم عليه فقال له ابعث رجالا فليكونوا على فم الشعب فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب قال فبعث عبد الرحمن خيلا فكانوا حيث أمرهم سليم ومضى سليم وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقى أياما والأخبصة أوقارا حتى أتى نيزك فقال له نيزك خذلتني يا سليم قال ما خذلتك ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك خلعت وغدرت قال فما الرأي قال الرأي أن تأتيه فقد أمحكته وليس ببارح موضعه هذا قد اعتزم على أن يشتو بمكانه هلك أو سلم قال آتيه على غير أمان قال ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك فإنك قد ملأته غيظا ولكني أرى ألا يعلم بك حتى تضع يدك في يده فإني أرجو إن فعلت ذاك أن يستحي ويعفو عنك قال أترى ذلك قال نعم قال إن نفسي لتأبى هذا وهو إن رآني قتلني فقال له سليم ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا ولو فعلت لرجوت أن تسلم وأن تعود حالك عنده إلى ما كانت فأما إذ أبيت فإني منصرف قال فنغديك إذا قال إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام ومعنا طعام كثير
قال ودعا سليم بالغداء فجاؤوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا فانتهبه الأتراك فغم ذلك نيزك وقال سليم يا أبا الهياج أنا لك من الناصحين أرى أصحابك قد جهدوا وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم آمنهم أن يستأمنوا بك فانطلق وأت قتيبة قال ما كنت لآمنه على نفسي ولا آتيه على غير أمان فإن ظني به أنه قاتلي وإن آمنني ولكن الأمان أعذر لي وأرجى قال فقد آمنك أفتتهمني قال لا قال فانطلق معي قال له أصحابه اقبل قول سليم فلم يكن ليقول إلا حقا فدعا بدوابه وخرج مع سليم فلما انتهى إلى الدرجة التي يهبط منها إلى قرار الأرض قال يا سليم من كان لا يعلم متى يموت فإني أعلم متى أموت أموت إذا عاينت قتيبة قال كلا أيقتلك مع الأمان فركب ومضى معه جبغويه وقد برأ من الجدري وصول وعثمان ابنا أخي نيزك وصول طرخان خليفة جبغويه وخنس طرخان صاحب شرطه قال فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم على فوهة الشعب فحالوا بين الأتراك وبين الخروج فقال نيزك لسليم هذا أول الشر قال لا تفعل تخلف هؤلاء عنك خير لك
وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مسلم فأرسل رسولا إلى قتيبة يعلمه فأرسل قتيبة عمرو بن أبي مهزم إلى عبد الرحمن أن أقدم بهم علي فقدم بهم عبد الرحمن عليه

(4/4)


فحبس أصحاب نيزك ودفع نيزك إلى ابن بسام الليثي وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك فجعل ابن بسام نيزك في قبته وحفر حول القبة خندقا ووضع عليه حرسا ووجه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمي فاستخرج ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه وقدم به على قتيبة فحبسهم ينتظر كتاب الحجاج فيما كتب إليه فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوما يأمره بقتل نيزك قال فدعا به فقال هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم قال لي عند سليم قال كذبت وقام فدخل ورد نيزك إلى حبسه فمكث ثلاثة أيام لا يظهر للناس قال فقام المهلب بن إياس العدوي وتكلم في أمر نيزك فقال بعضهم ما يحل له أن يقتله وقال بعضهم ما يحل له تركه وكثرت الأقاويل فيه
وخرج قتيبة اليوم الرابع فجلس وأذن للناس فقال ما ترون في قتل نيزك فاختلفوا فقال قائل اقتله وقال قائل أعطيته عهدا فلا تقتله وقال قائل ما نأمنه على المسلمين ودخل ضرار بن حصين الضبي فقال ما تقول يا ضرار قال أقول إني سمعتك تقول أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدا فأطرق قتيبة طويلا ثم قال والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلت اقتلوه اقتلوه اقتلوه وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وأصحابه فقتل مع سبعمائة
وأما الباهليون فيقولون لم يؤمنه ولم يؤمنه سليم فلما أراد قتله دعا به ودعا بسيف حنفي فانتضاه وطول كمية ثم ضرب عنقه بيده وأمر عبد الرحمن فضرب عنق وصول وأمر صالحا فقتل عثمان ويقال شقران ابن أخي نيزك وقال لبكر بن حبيب السهمي من باهلة هل بك قوة قال نعم وأريد وكانت في بكر أعرابية فقال دونك هؤلاء الدهاقين قال وكان إذا أتي برجل ضرب عنقه وقال أوردوا ولا تصدروا فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفا في قول الباهليين وصلب نيزك وابني أخيه في أصل عين تدعى وخش خاشان في أسكيمشت فقال المغيرة بن حبناء يذكر ذلك في كلمة له طويلة
... لعمري لنعمت غزوة الجند غزوة ... قضت نحبها من نيزك وتعلت ...
قال علي أخبرنا مصعب بن حيان عن أبيه قال بعث قتيبة برأس نيزك مع محفن بن جزء الكلابي وسوار بن زهدم الجرمي فقال الحجاج إن كان قتيبة لحقيقا أن يبعث برأس نيزك مع ولد مسلم فقال سوار
... أقول لمحفن وجرى سنيح ... وآخر بارح من عن يميني ...
... وقد جعلت بوائق من أمور ... ترفع حوله وتكف دوني ...
... نشدتك هل يسرك أن سرجي ... وسرجك فوق أبغل باذيين ...
قال فقال محفن نعم وبالصين
قال علي أخبرنا حمزة بن إبراهيم وعلي بن مجاهد عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان وغيرهما أن قتيبة دعا يوما بنيزك وهو محبوس فقال ما رأيك في السبل والشذ أتراهما يأتيان إن أرسلت إليهما قال لا قال فأرسل إليهما قتيبة فقدما عليه ودعا نيزك وجبغويه فدخلا فإذا السبل والشذ بين يديه على كرسيين فجلسا بإزائهما فقال الشذ لقتيبة إن جبغويه وإن كان لي عدوا فهو أسن مني وهو الملك وأنا كعبده فأذن لي أدن منه فأذن له فدنا منه فقبل يده وسجد له قال ثم استأذنه في السبل

(4/5)


فأذن له فدنا منه فقبل يده فقال نيزك لقتيبة ائذن لي أدن من الشذ فأني عبده فأذن له فدنا منه فقبل يده ثم أذن قتيبة للسبل والشذ فانصرفا إلى بلادهما وضم إلى الشذ الحجاج القيني وكان من وجوه أهل خراسان وقتل قتيبة نيزك فأخذ الزبير مولى عابس الباهلي خفا لنيزك فيه جوهر وكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر الذي أصابه في خفه فسوغه إياه قتيبة فلم يزل موسرا حتى هلك بكابل في ولاية أبي داود
قال وأطلق قتيبة جبغويه ومن عليه وبعث به إلى الوليد فلم يزل بالشام حتى مات الوليد ورجع قتيبة إلى مرو واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ فكان الناس يقولون غدر قتيبة بنيزك فقال ثابت قطنة
... لا تحسبن الغدر حزما فربما ... ترقت به الأقدام يوما فزلت ...
وقال وكان الحجاج يقول بعثت قتيبة فتى غرا فما زدته ذراعا إلا زادني باعا
قال علي أخبرنا حمزة بن إبراهيم عن أشياخ من أهل خراسان وعلي بن مجاهد عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان وغيرهما أن قتيبة بن مسلم لما رجع إلى مرو وقتل نيزك طلب ملك الجوزجان وكان قد هرب عن بلاده فأرسل يطلب الأمان فآمنه على أن يأتيه فيصالحه فطلب رهنا يكونون في يديه ويعطي رهائن فأعطى قتيبة حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلي وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته فخلف ملك الجوزجان حبيبا بالجوزجان في بعض حصونه وقدم على قتيبة فصالحه ثم رجع فمات بالطالقان فقال أهل الجوزجان سموه فقتلوا حبيبا وقتل قتيبة الرهن الذين كانوا عنده فقال نهار بن توسعة لقتيبة
... أراك الله في الأتراك حكما ... كحكم في قريظة والنضير ...
... قضاء من قتيبة غير جور ... به يشفى الغليل من الصدور ...
... فإن ير نيزك خزيا وذلا ... فكم في الحرب حمق من أمير ...
وقال المغيرة بن حبناء يمدح قتيبة ويذكر قتل نيزك ووصول ابن أخي نيزك وعثمان أو شقران
... لمن الديار عفت بسفح سنام ... إلا بقية أيصر وثمام ...
... عصف الرياح ذيولها فمحونها ... وجرين فوق عراصها بتمام ...
... دار لجارية كأن رضابها ... مسك يشاب مزاجه بمدام ...
... أبلغ أبا حفص قتيبة مدحتي ... واقرأ عليه تحيتي وسلامي ...
... يا سيف أبلغها فإن ثناءها ... حسن وإنك شاهد لمقامي ...
... يسمو فتتضع الرجال إذا سما ... لقتيبة الحامي حمى الإسلام ...
... لأغر منتجب لكل عظيمة ... نحر يباح به العدو لهام ...
... يمضي إذا هاب الجبان وأحمشت ... حرب تسعر نارها بضرام ...
... تروى القناة مع اللواء أمامه ... تحت اللوامع والنحور دوام

(4/6)


والهام تفريه السيوف كأنه ... بالقاع حين تراه قيض نعام ...
... وترى الجياد مع الجياد ضوامرا ... بفنائه لحوادث الأيام ...
... وبهن أنزل نيزكا من شاهق ... والكرز حيث يروم كل مرام ...
... وأخاه شقرانا سقيت بكأسه ... وسقيت كأسهما أخا باذام ...
... وتركت صولا حين صال مجدلا ... يركبنه بدوابر وحوام ...
وفي هذه السنة أعني سنة إحدى وتسعين غزا قتيبة شومان وكس ونسف غزوته الثانية وصالح طوخان
ذكر الخبر عن ذلك
قال علي أخبرنا بشر بن عيسى عن أبي صفوان وأبو السري وجبلة بن فروخ عن سليمان بن مجالد والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمي وأبو السري المروزي عن عمه وبشر بن عيسى وعلي بن مجاهد عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان وعياش بن عبد الله الغنوي عن أشياخ من أهل خراسان قال وحدثني ظئري كل قد ذكر شيئا فألفته وأدخلت من حديث بعضهم في حديث بعض أن فيلسنشب باذق وقال بعضهم قيسبشتان ملك شومان طرد عامل قتيبة ومنع الفدية التي صالح عليها قتيبة فبعث إليه قتيبة عياشا الغنوي ومعه رجل من نساك أهل خراسان يدعوان ملك شومان إلى أن يؤدي الفدية على ما صالح عليه قتيبة فقدما البلد فخرجوا إليهما فرموهما فانصرف الرجل وأقام عياش الغنوي فقال أما ها هنا مسلم فخرج إليه رجل من المدينة فقال أنا مسلم فما تريد قال تعينني على جهادهم قال نعم فقال له عياش كن خلفي لتمنع لي ظهري فقام خلفه وكان اسم الرجل المهلب فقاتلهم عياش فحمل عليهم فتفرقوا عنه وحمل المهلب على عياش من خلفه فقتله فوجدوا به ستين جراحة فغمهم قتله وقالوا قتلنا رجلا شجاعا
وبلغ قتيبة فسار إليهم بنفسه وأخذ طريق بلخ فلما أتاها قدم أخاه عبد الرحمن واستعمل على بلخ عمرو بن مسلم وكان ملك شومان صديقا لصالح بن مسلم فأرسل إليه صالح رجلا يأمره بالطاعة ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح فأبى وقال لرسول صالح ما تخوفني به من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصنا أرمي أعلاه وأنا أشد الناس قوسا وأشد الناس رميا فلا تبلغ نشابتي نصف حصني فما أخاف من قتيبة فمضى قتيبة من بلخ فعبر النهر ثم أتى شومان وقد تحصن ملكها فوضع عليه المجانيق ورمى حصنه فهشمه فلما خاف أن يظهر عليه ورأى ما نزل به جمع ما كان له من مال وجوهر فرمى به في عين في وسط القلعة لا يدرك قعرها
قال ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقتل وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كس ونسف وكتب إليه الحجاج أن بكس وانسف نسف وإياك والتحويط ففتح كس ونسف وامتنع عليه فرياب فحرقها فسمسيت المحترقة وسرح قتيبة من كس ونسف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد إلى طرخون فسار حتى نزل بمرج قريبا منهم وذلك في وقت العصر فانتبذ الناس وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا فأمر عبد الرحمن أبا مرضية مولى لهم أن

(4/7)


يمنع الناس من شرب العصير فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصب نبيذهم فسال في الوادي فسمي مرج النبيذ فقال بعض شعرائهم
... أما النبيذ فلست أشربه ... أخشى أبا مرضية الكلب ...
... متعسفا يسعى بشكته ... يتوثب الحيطان للشرب ...
فقبض عبد الرحمن من طرخون شيئا كان قد صالحه عليه قتيبة ودفع إليه رهنا كانوا معه وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببخارى فرجعوا إلى مرو فقالت السغد لطرخون إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا بك قال فولوا من أحببتم قال فولوا غوزك وحبسوا طرخون فقال طرخون ليس بعد سلب الملك إلا القتل فيكون ذلك بيدي أحب إلي من أن يليه مني غيري فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره قال وإنما صنعوا بطرخون هذا حين خرج قتيبة إلى سجستان وولوا غوزك
وأما الباهليون فيقولون حصر قتيبة ملك شومان ووضع على قلعته المجانيق ووضع منجنيقا كان يسميها الفحجاء فرمى بأول حجر فأصاب الحائط ورمى بآخر فوقع في المدينة ثم تتابعت الحجارة في المدينة فوقع حجر منها في مجلس الملك فأصاب رجلا فقتله ففتح القلعة عنوة ثم رجع إلى كس ونسف ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهة وكان فيها طواويس فسموه منزل الطواويس ثم سار إلى طرخون بالسغد ليقبض منه ما كان صالحه عليه فلما أشرف على وادي السغد فرأى حسنه تمثل
... واد خصيب عشيب ظل يمنعه ... من الأنيس حذار اليوم ذي الرهج ...
... وردته بعنانيج مسومة ... بردين بالشعث سفاكين للمهج ...
قال فقبض من طرخون صلحه ثم رجع إلى بخارى فملك بخارى خذاه غلاما حدثا وقتلم أن من خاف أن يضاده ثم أخذ على آمل ثم أتى مرو
قال وذكر الباهليون عن بشار بن عمرو عن رجل من باهلة قال لم يفرغ الناس من ضرب أبنيتهم حتى افتتحت القلعة
وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك مكة خالد بن عبد الله القسري فلم يزل واليا عليها إلى أن مات الوليد فذكر محمد بن عمر الواقدي أن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة حدثه عن نافع مولى بني مخزوم قال سمعت خالد بن عبد الله يقول
يا أيها الناس إنكم بأعظم بلاد الله حرمة وهي التي اختار الله من البلدان فوضع بها بيته ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلا أيها الناس فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة وإياكم والشبهات فإني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها فسلموا وأطيعوا ولا تقولوا كيت وكيت إنه لا رأي فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه واعلموا أنه بلغني أن قوما من أهل الخلاف يقدمون عليكم ويقيمون في بلادكم فإياكم أن تنزلوا أحدا ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة فإني لا أجد أحدا منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله فانظروا من تنزلون في منازلكم وعليكم بالجماعة والطاعة فإن الفرقة هي البلاء العظيم

(4/8)


قال محمد بن عمرو حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة قال اعتمرت فنزلت دور بني أسد في منازل الزبير فلم أشعر إلا به يدعوني فدخلت عليه فقال من أنت قلت من أهل المدينة قال ما أنزلك في منازل المخالف للطاعة قلت إنما مقامي إن أقمت يوما أوبعضه ثم أرجع إلى منزلي وليس عندي خلاف أنا ممن يعظم أمر الخلافة وأزعم أن من جحدها فقد هلك قال فلا عليك ما أقمت إنما يكره أن يقيم من كان زاريا على الخليفة قلت معاذ الله
وسمعته يوما يقول والله لو أعلم أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها من الحرم إنه لا يسكن حرم الله وأمنه مخالف للجماعة زار عليهم قلت وفق الله الأمير
وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال حج الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين
وكذلك قال محمد بن عمر حدثني موسى بن أبي بكر قال حدثنا صالح بن كيسان قال لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلا من قريش يخرجون معه فيتلقون الوليد بن عبد الملك منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام وأخوه محمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا حتى بلغوا السويداء وهم مع عمر بن عبد العزيز وفي الناس يومئذ دواب وخيل فلقوا الوليد وهو على ظهر فقال لهم الحاجب انزلوا لأمير المؤمنين فنزلوا ثم أمرهم فركبوا فدعا بعمر بن عبد العزيز فسايره حتى نزل بذي خشب ثم أحضروا فدعاهم رجلا رجلا فسلموا عليه ودعا بالغداء فتغدوا عنده وراح من ذي خشب فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه فأخرج الناس منه فما ترك فيه أحد وبقي سعيد بن المسيب ما يجترىء أحد من الحرس أن يخرجه وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه فقيل له لو قمت قال والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه قيل فلو سلمت على أمير المؤمنين قال والله لا أقوم إليه قال عمر بن عبد العزيز فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيدا حتى يقوم فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة فقال من ذلك الجالس أهو الشيخ سعيد بن المسيب فجعل عمر يقول نعم يا أمير المؤمنين ومن حاله ومن حاله ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر قال الوليد قد علمت حاله ونحن نأتيه فنسلم عليه فدار في المسجد حتى وقف على القبر ثم أقبل حتى وقف على سعيد فقال كيف أنت أيها الشيخ فوالله ما تحرك سعيد ولا قام فقال بخير والحمد لله فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله قال الوليد خير والحمد لله فانصرف وهو يقول لعمر هذا بقية الناس فقلت أجل يا أمير المؤمنين
قال وقسم الوليد بالمدينة رقيقا كثيرا عجما بين الناس وآنية من ذهب وفضة وأموالا وخطب بالمدينة في الجمعة وصلى بهم
قال محمد بن عمر وحدثني إسحاق بن يحيى قال رأيت الوليد يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة عام حج قد صف له جنده صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد في أيديهم الجرزة وعمد الحديد على العواتق فرأيته طلع في دراعة وقلنسوة ما عليه رداء فصعد المنبر فلما صعد سلم ثم جلس فأذن المؤذنون ثم سكتوا فخطب الخطبة الأولى وهو جالس ثم قام فخطب الثانية قائما قال إسحاق فلقيت

(4/9)


رجاء بن حيوة وهو معه فقلت هكذا يصنعون قال نعم وهكذا صنع معاوية فهلم جرا قلت أفلا تكلمه قال أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان فأبى أن يفعل وقال هكذا خطب عثمان فقلت والله ما خطب هكذا ما خطب عثمان إلا قائما قال رجاء روي لهم هذا فأخذوا به
قال إسحاق لم نر منهم أحدا أشد تجبرا منه
قال محمد بن عمر وقدم بطيب مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم ومجمره وبكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على جبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط فنشرها يوما وطوي ورفع
قال وأقام الحج الوليد بن عبد الملك
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة تسعين غير مكة فإن عاملها كان في هذه السنة خالد بن عبد الله القسري في قول الواقدي
وقال غيره كانت ولاية مكة في هذه السنة أيضا إلى عمر بن عبد العزيز

(4/10)


ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين
ذكر الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرض الروم ففتح على يدي مسلمة حصون ثلاثة وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم
وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثني عشر ألفا فلقي ملك الأندلس زعم الواقدي أنه يقال له أدرينوق وكان رجلا من أهل أصبهان قال وهم ملوك عجم الأندلس فزحف له طارق بجميع من معه فزحف الأدرينوق في سرير الملك وعلى الأدرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلية التي كان يلبسها الملوك فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل الله الأدرينوق وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين
وفيها غزا فيما زعم بعض أهل السير قتيبة سجستان يريد رتبيل الأعظم والزابل فلما نزل سجستان تلقته رسل رتبيل بالصلح فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله بن عمير الليثي
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر
وكذلك قال الواقدي وغيره
وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها

(4/11)


ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
ذكر الأحداث التي كانت فيها
فمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم ففتح الله على يديه سمسطية
وفيها كانت أيضا غزوة مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة
وفيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فافتتح ماسة وحصن الحديد وغزالة وبرجمة من ناحية ملطية
وفيها قتل قتيبة ملك خام جرد وصالح ملك خوارزم صلحا مجددا
ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه
ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمي وعلي بن مجاهد عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم وقد ذكر بعضهم ما لم يذكر بعض فألفته أن ملك خوارزم كان ضعيفا فغلبه أخوه خرزاذ على أمره وخرزاذ أصغر منه فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعا فاخرا أرسل فأخذه أو بلغه أن لأحد منهم بنتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه فغصبه وأخذ ما شاء وحبس ما شاء لا يمتنع عليه أحد ولا يمنعه الملك فإذا قيل له قال لا أقوى عليه وقد ملأه مع هذا غيظا فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه وبعث إليه بمفاتيح مدائن خوارزم ثلاثة مفاتيح من ذهب واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده يحكم فيه بما يرى وبعث في ذلك رسلا ولم يطلع أحدا من مرازبته ولا دهاقينه على ما كتب به إلى قتيبة فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو وقد تهيأ للغزو فأظهر قتيبة أنه يريد السغد ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة وسار واستخلف على مرو ثابتا الأعور مولى مسلم
قال فجمع ملوكه وأحباره ودهاقينه فقال إن قتيبة يريد السغد وليس بغازيكم فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم وأمنوا عند أنفسهم الغزو
قال فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزارسب دون النهر فقال خوارزم شاه لأصحابه ما ترون قالوا نرى أن نقاتله قال لكني لا أرى ذلك قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة ولكني أرى أن نصرفه بشيء نؤديه إليه فنصرفه عامنا هذا ونرى رأينا قال ورأينا رأيك فأقبل خوارزم شاه فنزل في

(4/12)


مدينة الفيل من وراء النهر قال ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد فمدينة الفيل أحصنهن فنزلها خوارزم شاه وقتيبة في هزارسب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ فصالحه على عشرة آلاف رأس وعين متاع وعلى أن يعينه على ملك خام جرد وأن يفي له بما كتب إليه فقبل ذلك منه قتيبة ووفى له وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد وكان يعادي خوارزم شاه فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه وقدم منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير فقتلهم وأمر قتيبة لما جاءه بهم عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس قال وأمر بقتل الأسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف قال قال المهلب بن إياس أخذت يومئذ سيوف الأشراف فضرب بها الأعناق فكان ما فيها ما لا يقطع ولا يجرح فأخذوا سيفي فلم يضرب به شيء إلا أبانه فحسدني بعض آل قتيبة فغمز الذي يضرب أن أصفح به فصفح به قليلا فوقع في ضرس المقتول فثلمه
قال أبو الذيال والسيف عندي قال ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة ودخل قتيبة مدينة فيل فقبل من خوارزم شاه ما صالحه عليه ثم رجع إلى هزارسب وقال كعب الأشقري
... رمتك فيل بما فيها وما ظلمت ... ورامها قبلك الفجفاجة الصلف ...
... لا يجزىء الثغر خوار القناة ولا ... هش المكاسر والقلب الذي يجف ...
... هل تذكرون ليالي الترك تقتلهم ... ما دون كازه والفجفاج ملتحف ...
... لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف ...
... أنتم شباس ومرداذان محتقر ... وبسخراء قبور حشوها القلف ...
... إني رأيت أبا حفص تفضله ... أيامه ومساعي الناس تختلف ...
... قيس صريح وبعض الناس يجمعهم ... قرى وريف فمنسوب ومقترف ...
... لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفا وعؤ السغد مزتنف ... وفي سمرقند أخرى أنت قاسمها ... لئن تأخر عن حوبائك التلف ...
... ما قدم الناس من خير سبقت به ... ولا يفوتك مما خلفوا شرف ...
قال أنشدني علي بن مجاهد
... رمتك فيل بما دون كاز ...
قال وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوزجاني وأما غيرهما فقال
... رمتك فيل بما فيها ...
وقالوا فيل مدينة سمرقند قال وأثبتها عندي قول علي بن مجاهد
قال وقال الباهليون أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس قال وكان خاصة قتيبة كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا الناس كانون قدموا من سجستان فأجمهم عامهم هذا فأبى قال فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد فقال الأشقري

(4/13)


لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفا وعز السغد مؤتنف ...
قال أبو جعفر وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند فافتتحها
ذكر الخبر عن ذلك
قد تقدم ذكرى الإسناد عن القوم الذين ذكر علي بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم ثم ذكر مدرجا في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام إليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال إن لي حاجة فأخلني فأخلاه فقال إن أردت السغد يوما من الدهر فالآن فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عاملك هذا وإنما بينك وبينهم عشرة أيام قال أشار بهذا عليك أحد قال لا قال فأعلمته أحدا قال لا قال والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك فأقام يومه ذلك فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال سر في الفرسان والمرامية وقدم الأثقال إلى مرو فوجهت الأثقال إلى مرو ومضى عبد الرحمن يتبع الأثقال يريد مرو يومه كله فلما أمسى كتب إليه إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغد واكتم الأخبار فإني بالأثر
قال فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الأثقال أن يمضوا إلى مرو وسار حيث أمره وخطب قتيبة الناس فقال
إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن وهذه السغد شاغرة برجلها قد نقضوا العهد الذي كان بيننا منعونا ما كنا صالحنا عليه طرخون وصنعوا به ما بلغكم وقال الله فمن نكث فإنما ينكث على نفسه فسيروا على بركة الله فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة وقال الله وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها
قال فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفا وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخارى بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم فقال إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فحصرهم شهرا فقاتلوا في حصارهم مرارا من وجه واحد
وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة إن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به فانظروا لأنفسكم
فأجمعوا على أن يأتوهم وأرسلوا إليهم أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم
قال وانتخبوا فرسانا من أبناء المرازبة والأساورة والأشداء الأبطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم فانتخب قتيبة ثلاثمائة أو ستمائة من أهل النجدة واستعمل عليهم صالح بن مسلم فصيرهم في الطريق الذي يخاف أن يؤتى منه وبعث صالح عيونا يأتونه بخبر القوم ونزل على فرسخين من عسكر القوم فرجعت إليه عيونه فأخبروه أنهم يصلون إليه من ليلتهم ففرق

(4/14)


صالح خيله ثلاث فرق فجعل كمينا في موضعين وأقام على قارعة الطريق وطرقهم المشركون ليلا ولا يعلمون بمكان صالح وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر فلم يعلموا بصالح حتى غشوه قال فشدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا قال وقال رجل من البراجم حصرتهم فما رأيت قط قوما كانوا أشد قتالا من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير وحوينا سلاحهم واحترزنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى فسألناهم عمن قتلنا فقالوا ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما من العظماء أو بطلا من الأبطال ولقد قتلتم رجالا إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل فكتبنا على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد ووضع قتيبة عليهم المجانيق فرماهم بها وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم فقاتلوا قتالا شديدا وبذلوا أنفسهم
فأرسل إليه غوزك إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي من العجم فأخرج إلي العرب فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال اعرض الناس وميز أهل البأس فجمعهم ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه ودعا العرفاء فجعل يدعو برجل رجل فيقول ما عندك فيقول العريف شجاع ويقول ما هذا فيقول مختصر ويقول ما هذا فيقول جبان فسمى قتيبة الجبناء الأنتان وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين وترك لهم رث السلاح ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرسانا ورجالا ورمى المدينة بالمجانيق فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة وكان مع قتيبة قوم رماة فقال لهم قتيبة اختاروا منكم رجلين فاختاروا فقال أيكما يرمي هذا الرجل فإن أصابه فله عشرة آلاف وإن أخطأه قطعت يده فتلكأ أحدهما وتقدم الآخر فرماه فلم يخطىء عينه فأمر له بعشرة آلاف
قال وأخبرنا الباهليون عن يحيى بن خالد عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو قال كنت في رماة قتيبة فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه فوجدته ميتا على الحائط ما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه ثم أصبحوا من غد فرموا المدينة فثلموا فيها وقال قتيبة ألحوا عليها حتى تعبروا الثلمة فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة ورماهم السغد بالنشاب فوضعوا ترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة فقالوا له انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا
فأما باهلة فيقولون قال قتيبة لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة ومجانيقنا تخطر على رؤوسهم ومدينتهم
قال وأما غيرهم فيقولون قال قتيبة جزع العبيد فانصرفوا على ظفركم فانصرفوا فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف في كل عام على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس ليس فيهم صبي ولا شيخ ولا عيب على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم فيها مقاتل فيبنى له فيها مسجد فيدخل ويصلي ويوضع له فيها منبر فيخطب ويتغدى ويخرج

(4/15)


قال فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة من كل خمس برجلين فقبضوا ما صالحوهم عليه فقال قتيبة الآن ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجدا ووضعوا منبرا ودخلها في أربعة آلاف انتخبهم فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى وأرسل إلى أهل السغد من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذه فإني لست خارجا منها وإنما صنعت هذا لكم ولست آخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه غير أن الجند يقيمون فيها
قال أما الباهليون فيقولون صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس وبيوت النيران وحلية الأصنام فقبض ما صالحهم عليه وأتى بالأصنام فسلبت ثم وضعت بين يديه فكانت كالقصر العظيم حين جمعت فأمر بتحريقها فقالت الأعاجم إن فيها أصناما من حرقها هلك فقال قتيبة أنا أحرقها بيدي فجاء غوزك فجثا بين يديه وقال أيها الأمير إن شكرك علي واجب لا تعرض لهذه الأصنام فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده وخرج فكبر ثم أشعلها وأشعل الناس فاضطرمت فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال
قال وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض عن أبيه قال حدثني من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدورا عظاما من نحاس فقال قتيبة لحضين يا أبا ساسان أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور قال لا لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور فضحك قتيبة وقال أدركت بثأرك
قال وقال محمد بن أبي عيينة لسلم بن قتيبة بين يدي سليمان بن علي إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر إنه غدر بخوارزم وسمرقند
قال فأخبرنا شيخ من بني سدوس عن حمزة بن بيض قال أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزدجرد فقال أترون ابن هذه يكون هجينا فقالوا نعم يكون هجينا من قبل أبيه فبعث بها إلى الحجاج فبعث بها الحجاج إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد
قال وأخبرنا بعض الباهليين عن نهشل بن يزيد عن عمه وكان قد أدرك ذلك كله قال لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب فإن وصل إلينا كنتم أضعف وأذل فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها فنظروا في أمرهم فقالوا إنما نؤتى من سفلتنا وإنهم لا يجدون كوجدنا ونحن معشر الملوك المعنيون بهذا الأمر فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت فإنه مشغول بحصار السغد ففعلوا ولوا عليهم ابنا لخاقان وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا العسكر وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب فكانوا اربعمائة فقال لهم إن عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم كل ذلك يفلجكم الله عليهم فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم واختاروا دهاقينهم وملوكهم وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم وقد فضلكم الله بدينه فأبلوا الله بلاء حسنا تستوجبون به الثواب مع الذب عن أحسابكم

(4/16)


قال ووضع قتيبة عيونا على العدو حتى إذا قربوا منه قدر ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم فكلمهم وحضهم واستعمل عليهم صالح بن مسلم فخرجوا من العسكر عند المغرب فساروا فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم ففرق صالح خيله وأكمن كمينا عن يمينه وكمينا عن يساره حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت وصالح واقف في خيله فلما رأوه شدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال فلم نسمع إلا الاعتزاء فلم نر قوما كانوا أشد منهم
قال وقال رجل من البراجم حدثني زهير أو شعبة قال إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة فقلت كيف ترى بأبي أنت وأمي قال اسكت دق الله فاك قال فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد وأقمنا نحوي الأسلاب ونحتز الرؤوس حتى أصبحنا ثم أقبلنا إلى العسكر فلم أر جماعة قط جاؤوا بمثل ما جئنا به ما منا رجل إلا معلق رأسا معروفا باسمه وأسير في وثاقه
قال وجئنا قتيبة بالرؤوس فقال جزاكم الله عن الدين والأعراض خيرا وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لي بشيء وقرن بي في الصلة والإكرام حيان العدوي وحليسا الشيباني فظننت أنه رأى منهما مثل الذي رأى مني وكسر ذلك أهل السغد فطلبوا الصلح وعرضوا الفدية فأبى وقال أنا ثائر بدم طرخون كان مولاي وكان من أهل ذمتي
قالوا حدث عمرو بن مسلم عن أبيه قال أطال قتيبة المقام وثلمت الثلمة في سمرقند قال فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة قال فقال عمرو بن أبي زهدم ونحن حول قتيبة فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم فجئت إلى رواق لقتيبة فاطلعت فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية فانصرفت إلى أصحابي فقلت كم من نفس أبية ستموت غدا منا ومنهم وأخبرتهم الخبر
قال وأما باهلة فيقولون سار قتيبة فجعل النهر يمينه حتى ورد بخارى فاستنهضهم معه وسار حتى إذا كان بمدينة أربنجن وهي التي تجلب منها اللبود الأربنجنية لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة كل ذلك يظهر المسلمون ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند فتزاحفوا يومئذ فحمل السغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم ثم كر المسلمون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل الله من المشركين عددا كثيرا ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم
قال وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صغيرة قال رأيت خيلا يومئذ تطاعن خيل المسلمين وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز وقعد عليه وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة فأتاه في عدد من

(4/17)


أصحابه فلما تغدى استوهب منه سمرقند فقال للملك انتقل عنها فانتقل عنها وتلا قتيبة وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى
قال وأخبرنا أبو الذيال عن عمر بن عبد الله التميمي قال حدثني الذي سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال قدمت على الحجاج فوجهني إلى الشام فقدمتها فدخلت مسجدها فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبي رجل ضرير فسأألته عن شيء من أمر الشام فقال إنك لغريب قلت أجل قال من أي بلد أنت قلت من خراسان قال ما أقدمك فأخبرته فقال والذي بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم وتنقضون دمشق حجرا حجرا
قال وأخبرنا العلاء بن جرير قال بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد فتمثل قول طرفة
... وأرتع أقوام ولولا محلنا ... بمخشية ردوا الجمال ففوضوا ...
قال وأخبرنا خالد بن الأصفح قال قال الكميت
... كانت سمرقند أحقابا يمانية ... فاليوم تنسبها قيسية مضر ...
قال وقال أبو الحسن الجشمي فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد فقال يا نهار أين قولك
... ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب ...
... أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب ...
أفغزو هذا يا نهار قال لا هذا أحسن وأنا الذي أقول
... وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم ...
... أعم لأهل الترك قتلا بسيفه ... وأكثر فينا مقسما بعد مقسم ...
قال ثم ارتحل قتيبة راجعا إلى مرو واستخلف على سمرقند عبد الله بن مسلم وخلف عنده جندا كثيفا وآلة من آلة الحرب كثيرة وقال لا تدعن مشركا يدخل بابا من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد وإن جفت الطينة قبل أن يخرج فاقتله وإن وجدت معه حديدة سكينا فما سواه فاقتله وإن أغلقت الباب ليلا فوجدت فيها أحدا منهم فاقتله فقال كعب الأشقري ويقال رجل من جعفي
... كل يوم يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد الأموال مالا جديدا ...
... باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا ...
... دوخ السغد بالكتائب حتى ... ترك السغد بالعراء قعودا ...
... فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا ...
... كلما حل بلدة أو أتاها ... تركت خيله بها أخدودا

(4/18)


قال وقال قتيبة هذا العداء لا عداء عيرين لأنه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل عادى بين عيرين ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو
وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى بني مسلم قال فاستضعف أهل خوارزم إياسا وجمعوا له فكتب عبيد الله إلى قتيبة فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا وقال اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة واحلقهما وضم إليك عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى بني مسلم واسمع منه فإن له وفاء فمضى حتى إذا كان من خوارزم على سكة فدس إلى إياس فأنذره فتنحى وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقة
قال ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة بن عبد الله في الجنود إلى خوارزم فبلغهم ذلك فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزم شاه وقالوا لا نعينك فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فسبى وقتل وصالحه الباقون فأخذ الجزية وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور
وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الأندلس ووجهه إلى مدينة طليطلة
ذكر الخبر عن ذلك
ذكر محمد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة ثلاث وتسعين فشخص إليه في رجب منها ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهري واستخلف حين شخص على إفريقية ابنه عبد الله بن موسى بن نصير وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف فتلقاه فرضي عنه وقبل منه عذره ووجهه منها إلى مدينة طليطلة وهي من عظام مدائن الأندلس وهي من قرطبة على عشرين يوما فأصاب فيها مائدة سليمان بن داود فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به
قال وفيها أجدب أهل إفريقية جدبا شديدا فخرج موسى بن نصير فاستسقى ودعا يومئذ حتى انتصف النهار وخطب الناس فلما أراد أن ينزل قيل له ألا تدعوا لأمير المؤمنين قال ليس هذا يوم ذاك فسقوا سقيا كفاهم حينا
وفيها عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة
ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها
وكان سبب ذلك فيما ذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق ولا جناية وأن ذلك بلغ الحجاج فاضطغنه على عمر وكتب إلى الوليد إن من قبلي من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولجؤوا إلى المدينة ومكة وإن ذلك وهن
فكتب الوليد إلى الحجاج أن أشر علي برجلين فكتب إليه يشير عليه بعثمان بن حيان وخالد بن عبد الله فولى خالدا مكة وعثمان المدينة وعزل عمر بن عبد العزيز
قال محمد بن عمر خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة فأقام بالسويداء وهو يقول لمزاحم أتخاف أن تكون ممن نفته طيبة

(4/19)


وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إياه وصب على رأسه قربة من ماء بارد ذكر محمد بن عمر أن أبا المليح حدثه عمن حضر عمر بن عبد العزيز حين جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا وصب على رأسه قربة من ماء في يوم شات ووقفه على باب المسجد فمكث يومه ثم مات
وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر
وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا ما كان من المدينة فإن العامل عليها كان عثمان بن حيان المري وليها فيما قيل في شعبان سنة ثلاث وتسعين
وأما الواقدي فإنه قال قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين
وقال بعضهم شخص عمر بن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة ثلاث وتسعين وغزا فيها واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال

(4/20)


ثم دخلت سنة أربع وتسعين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزوة العباس بن الوليد أرض الروم فقيل إنه فتح فيها أنطاكية
وفيها غزا فيما قيل عبد العزيز بن الوليد أرض الروم حتى بلغ غزالة
وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام ويزيد بن أبي كبشة أرض سورية
وفيها كانت الرجفة بالشام
وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند
وفيها غزا قتيبة شاش وفرغانة حتى بلغ خجندة وكاشان مدينتي فرغانة
ذكر الخبر عن غزوة قتيبة هذه
ذكر علي بن محمد أن أبا الفوارس التميمي أخبره عن ماهان ويونس بن أبي إسحاق أن قتيبة غزا سنة أربع وتسعين فلما قطع النهر فرض على أهل بخارى وكس ونسف وخوارزم عشرين ألف مقاتل قال فساروا معه إلى السغد فوجهوا إلى الشاش وتوجه هو إلى فرغانة وسار حتى أتى خجندة فجمع له أهلها فلقوه فاقتتلوا مرارا كل ذلك يكون الظفر للمسلمين ففرغ الناس يوما فركبوا خيولهم فأوفى رجل على نشز فقال تالله ما رأيت كاليوم غرة لو كان هيج اليوم ونحن على ما أرى من الانتشار لكانت الفضيحة فقال له رجل إلى جنبه كلا نحن كما قال عوف بن الخرع
... نؤم البلاد لحب اللقا ... ولا نتقي طائرا حيث طارا ...
... سنيحا ولا جاريا بارحا ... على كل حال نلاقي اليسارا ...
وقال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة
... فسل الفوارس في خجن ... دة تحت مرهفة العوالي ...
... هل كنت أجمعهم إذا ... هزموا وأقدم في قتالي ...
... أم كنت أضرب هامة ال ... عاتي وأصبر للعوالي ...
... هذا وأنت قريع قي ... س كلها ضخم النوال ...
... وفضلت قيسا في الندى ... وأبوك في الحجج الخوالي

(4/21)


ولقد تبين عدل حك ... مك فيهم في كل مال ...
... تمت مروءتكم ونا ... غى غزكم على غلب الجبال ...
قال ثم أتى قتيبة كاشان مدينة فرغانة وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرقوا أكثرها وانصرف قتيبة إلى مرو وكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي أن وجه من قبلك من أهل العراق إلى قتيبة ووجه إليهم جهم بن زحر بن قيس فإنه في أهل العراق خير منه في أهل الشام وكان محمد وادا لجهم بن زحر فبعث سليمان بن صعصعة وجهم بن زحر فلما ودعه جهم بكى وقال يا جهم إنه للفراق قال لا بد منه
قال وقدم على قتيبة سنة خمس وتسعين
وفي هذه السنة قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليا عليها من قبل الوليد بن عبد الملك
ذكر الخبر عن ولايته
قد ذكرنا قبل سبب عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة ومكة وتأميره على المدينة عثمان بن حيان فزعم محمد بن عمر أن عثمان قدم المدينة أميرا عليها لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين فنزل بها دار مروان وهو يقول محله والله مظعان المغرور من غر بك فاستقصى أبا بكر بن حزم
قال محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله بن أبي حرة عن عمه قال رأيت عثمان بن حيان أخذ رياح بن عبيد الله ومنقذا العراقي فحبسهم وعاقبهم ثم بعث بهم في جوامع إلى الحجاج بن يوسف ولم يترك بالمدينة أحدا من أهل العراق تاجرا ولا غير تاجر وأمر بهم أن يخرجوا من كل بلد فرأيتهم في الجوامع وأتبع أهل الأهواء وأخذ هيصما فقطعه ومنحورا وكان من الخوارج قال وسمعته يخطب على المنبر يقول بعد حمد الله
أيها الناس إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه وقد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق هم والله عش النفاق وبيضته التي تفلقت عنه والله ما جربت عراقيا قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول وما هم لهم بشيعة وإنهم لأعداء لهم ولغيرهم ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم فإني والله لا أوتي بأحد آوى أحدا منهم أو أكراه منزلا ولا أنزله إلا هدمت منزله وأنزلت به ما هو أهله ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره الشأم أحب إليك أم العراق فيقول الشأم أحب إلي إني رأيت العراق داء عضالا وبها فرخ الشيطان والله لقد أعضلوا بي وإني لأراني سأفرقهم في البلدان ثم أقول لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه وحجاج وكيف ولم وسرعة وجيف في الفتنة فإذا خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل لم يصلحوا على عثمان فلقي منهم الأمرين وكانوا أول الناس فتق هذا الفتق العظيم ونقضوا عرى الإسلام عروة عروة وأنغلوا البلدان والله إني لأتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه ووليهم رجل الناس جلدا فبسط عليهم السيف وأخافهم فاستقاموا له أحبوا أو كرهوا وذلك أنه خبرهم وعرفهم

(4/22)


أيها الناس إنا والله ما رأينا شعارا قط مثل الأمن ولا رأينا حلسا قط شرا من الخوف فالزموا الطاعة فإن عندي يا أهل المدينة خبرة من الخلاف والله ما أنتم بأصحاب قتال فكونوا من أحلاس بيوتكم وعضوا على النواجذ فإني قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم إنكم في فضول كلام غيره ألزم لكم فدعوا عيب الولاة فإن الأمر إنما ينقض شيئا شيئا حتى تكون الفتنة وإن الفتنة من البلاء والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد
قال يقول القاسم بن محمد صدق في كلامه هذا الأخير إن الفتنة لهكذا
قال محمد بن عمر وحدثني خالد بن القاسم عن سعيد بن عمرو الأنصاري قال رأيت منادي عثمان بن حيان ينادي عندنا يا بني أمية بن زيد برئت ذمة ممن آوى عراقيا وكان عندنا رجل من أهل البصرة له فضل يقال له أبو سوادة من العباد فقال والله ما أحب أن أدخل عليكم مكروها بلغوني مأمني قلت لا خير لك في الخروج إن الله يدفع عنا وعنك قال فأدخلته بيتي وبلغ عثمان بن حيان فبعث أحراسا فأخرجته إلى بيت أخي فما قدروا على شيء وكان الذي سعى بي عدوا فقلت للأمير أصلح الله الأمير يؤتى بالباطل فلا تعاقب عليه قال فضرب الذي سعى بي عشرين سوطا وأخرجنا العراقي فكان يصلي معنا ما يغيب يوما واحدا وحدب على أهل دارنا فقالوا نموت دونك فما برح حتى عزل الخبيث
قال محمد بن عمر وحدثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال إنما بعث الوليد عثمان بن حيان إلى المدينة لإخراج من بها من العراقيين وتفريق أهل الأهواء ومن ظهر عليهم أو علا بأمرهم فلم يبعثه واليا فكان لا يصعد المنبر ولا يخطب عليه فلما فعل في أهل العراق ما فعل وفي منحور وغيره أثبته على المدينة فكان يصعد على المنبر
وفي هذه السنة قتل الحجاج سعيد بن جبير
ذكر الخبر عن مقتله
وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه مع من خرج عليه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وكان الحجاج جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلعه معه فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد
فحدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان وكان سعيد قال الطبري أظنه لما هرب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكتب إليه إن سعيدا عندك فخذه فجاء الأمر إلى رجل تحرج فأرسل إلى سعيد تحول عني فتنحى عنه فأتى أذربيجان فلم يزل بأذربيجان فطال عليه السنون واعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها فكان أناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم قال فقال أبو حصين وهو يحدثنا هذا فبلغنا أن فلانا قد أمر على مكة فقلت له يا سعيد إن هذا الرجل لا يؤمن وهو رجل سوء وأنا أتقيه عليك فاظعن واشخص فقال يا أبا حصين قد والله فررت حتى استحييت من الله سيجيئني ما كتب الله لي قلت أظنك والله سعيدا كما سمتك أمك قال فقدم ذلك الرجل إلى مكة فأرسل فأخذ فلان له وكلمه فجعل يديره

(4/23)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية