صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة
فزعم أبو معشر أن غزوة الصواري كانت فيها حدثني بذلك أحمد عمن حدثه عن إسحاق عنه وقد مضى الخبر عن هذه الغزوة وذكر من خالف أبا معشر في وقتها وفيها كان رد أهل الكوفة سعيد بن العاص عن الكوفة وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن عثمان بن عفان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه ذكر الخبر عن صفة اجتماعهم لذلك وخبر الجرعة مما كتب إلي به السري عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن قيس بن يزيد النخعي قال لما رجع معاوية المسيرين قالوا إن العراق والشام ليسا لنا بدار فعليكم بالجزيرة فأتوها اختيارا فغدا عليهم عبدالرحمن بن خالد فسامهم الشدة فضرعوا له وتابعوه وسرح الأشتر إلى عثمان فدعا به وقال اذهب حيث شئت فقال أرجع إلى عبدالرحمن فرجع ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان وقبل مخرج سعيد بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان وقبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض أخرى بعث الأشعث بن قيس على أذربيجان وسعيد بن قيس على الري وكان سعيد بن قيس على همذان فعزل وجعل عليها النسير العجلي وعلى إصبهان السائب بن الأقرع وعلى ماه مالك بن حبيب اليربوعي وعلى الموصل حكيم بن سلامة الحزامي وجرير بن عبدالله على قرقيسياء وسلمان بن ربيعة على الباب وعلى الحرب القعقاع بن عمرو وعلى حلوان عتيبة بن النهاس وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزعا أو مفتونا فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان فدخل المسجد فجلس فيه وثاب إليه الذين كان فيه ابن السوداء يكاتبهم فانقض عليه القعقاع فأخذ يزيد بن قيس فقال إنما نستعفي من سعيد قال هذا ما لا يعرض لكم فيه لا تجلس لهذا ولا يجتمعن إليك واطلب حاجتك فلعمري لتعطينها فرجع إلى بيته واستأجر رجلا وأعطاه دراهم وبغلا على أن يأتي المسيرين وكتب إليهم لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا فإن أهل المصر قد جامعونا فانطلق الرجل فأتى عليهم وقد رجع الأشتر فدفع إليهم الكتاب فقالوا ما اسمك قال بغثر قالوا ممن قال من كلب قالوا سبع ذليل يبغثر النفوس لا حاجة لنا بك وخالفهم الأشتر ورجع عاصيا فلما خرج قال أصحابه أخرجنا أخرجه الله لا نجد بدا مما صنع إن علم بنا عبدالرحمن لم يصدقنا ولم يستقلها فاتبعوه فلم يلحقوه وبلغ عبد

(2/641)


الرحمن أنهم قد رحلوا فطلبهم في السواد فسار الأشتر سبعا والقوم عشرا فلم يفاجأ الناس في يوم جمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول أيها الناس إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم ورد أهل البلاء منكم إلى ألفين ويقول ما بال أشراف النساء وهذه العلاوة بين هذين العدلين ويزعم أن فيئكم بستان قريش وقد سايرته مرحلة فما زال يزجر بذلك حتى فارقته يقول ... ويل لأشراف النساء مني ... صمحمح كأنني من جن ...
فاستخف الناس وجعل أهل الحجى ينهونه فلا يسمع منهم وكانت نفجة فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي من شاء أن يلحق بيزيد بن قيس لرد سعيد وطلب أمير غيره فليفعل وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد وذهب من سواهم وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها فلا تعودوا في شر قد استنقذكم الله عز و جل منه أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقا ولا تصيبون بابه فقال القعقاع بن عمرو أترد السيل عن عبابه فاردد الفرات عن أدراجه هيهات لا والله لا تسكن الغوغاء إلا المشرفية ويوشك أن تنتضى ثم يعجون عجيج العتدان ويتمنون ماهم فيه فلا يرده الله عليهم أبدا فاصبر فقال أصبر وتحول إلى منزله وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجرعة ومعه الأشتر وقد كان سعيد تلبث في الطريق فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون فقالوا لا حاجة لنا بك فقال فما اختلفتم الآن إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وتضعوا إلي رجلا وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل ثم انصرف عنهم وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر فقال والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع فضرب الأشتر عنقه ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره الخبر فقال ما يريدون أخلعوا يدا من طاعة قال أظهروا أنهم يريدون البدل قال فمن يريدون قال أبا موسى قال قد أثبتنا أبا موسى عليهم ووالله لا نجعل لأحد عذرا ولا نترك لهم حجة ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون ورجع من قرب عمله من الكوفة ورجع جرير من قرقيسياء وعتيبة من حلوان وقام ابو موسى فتكلم بالكوفة فقال أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا ولا تعودوا لمثله الزموا جماعتكم والطاعة وإياكم والعجلة اصبروا فكأنكم بأمير قالوا فصل بنا قال لا إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان قالوا على السمع والطاعة لعثمان
حدثني جعفر بن عبدالله المحمدي قال حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة وعلي بن حسين بن عيسى قالا حدثنا حسين بن عيسىعن أبيه عن هارون بن سعد عن العلاء بن عبدالله بن زيد العنبري أنه قال اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره بإحداثه فأرسلوا إليه عامر بن عبدالله التميمي ثم العنبري وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فأتاه فدخل عليه فقال له إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله عز و جل وتب إليه وانزع عنها قال له عثمان انظر إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجيء فيكلمني في المحقرات فوالله ما يدري أين الله قال عامر أنا لا أدري أين الله قال نعم والله ما تدري أين الله قال عامر بل والله إني لأدري أن الله بالمرصاد لك

(2/642)


فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان وإلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح وإلى سعيد بن العاص وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهمي وإلى عبدالله بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغه عنهم فلما اجتمعوا عنده قال لهم إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي فقال له عبدالله بن عامر رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه ثم أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له ما رأيك قال يا أمير المؤمنين إن كنت ترى رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف واعمل برأيي تصب قال وما هو قال إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر فقال عثمان إن هذا الرأي لولا ما فيه ثم أقبل معاوية فقال ما رأيك قال أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم وأنا ضامن لك قبلي ثم أقبل على عبدالله بن سعد فقال ما رأيك قال أرى يا أمير المؤمنين أن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له ما رأيك قال أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل فإن أبيت فاعتزم أنتعتزل فإن أبيت فاعتزم عزما امض قدما فقال عثمان ما لك قمل فروك أهذا الجد منك فأسكت عنه دهرا حتى إذا تفرق القوم قال عمرو لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علي من ذلك ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا
حدثني جعفر قال حدثنا عمرو بن حماد وعلي بن حسين قالا حدثنا حسين عن أبيه عن عمرو بن أبي المقدام عن عبدالملك بن عمير الزهري أنه قال جمع عثمان أمراء الأجناد معاوية بن أبي سفيان وسعيد بن العاص وعبدالله بن عامر وعبدالله بن سعد بن أبي سرح وعمرو بن العاص فقال أشيروا علي فإن الناس قد تنمروا لي فقال له معاوية أشير عليك أن تأمر أمراء أجنادك فيكفيك كل رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام فقال له عبدالله بن عامر أرى لك أن تجمرهم في هذه البعوث حتى يهم كل رجل منهم دبر دابته وتشغلهم عن الإرجاف بك فقال عبدالله بن سعد أشير عليك أن تنظر ما أسخطهم فترضيهم ثم تخرج لهم هذا المال فيقسم بينهم ثم قام عمرو بن العاص فقال يا عثمان إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا فاعتدل أو اعتزل فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما فقال له عثمان مالك قمل فروك أهذا الجد منك فأسكت عمرو حتى إذا تفرقوا قال لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك ولكني قد علمت أن بالباب قوما قد علموا أنك جمعتنا لنشير عليك فأحببت أن يبلغهم قولي فأقود لك خيرا أو أدفع عنك شرا فرد عثمان عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهم بتجمير الناس في البعوث وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه ورد سعيد بن العاص أميرا على الكوفة فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح فتلقوه فردوه وقالوا لا والله لا يلي علينا حكما ما حملنا سيوفنا

(2/643)


حدثني جعفر قال حدثنا عمرو وعلي بن حسين عن أبيه عن هارون بن سعد عن أبي يحيى عمير بن سعد النخعي أنه قال كأني أنظر إلى الأشتر مالك بن الحارث النخعي على وجهه الغبار وهو متقلد السيف وهو يقول والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا يعني سعيدا وذلك يوم الجرعة والجرعة مكان مشرف قرب القادسية وهناك تلقاه أهل الكوفة
حدثني جعفر قال حدثنا عمرو وعلي قالا حدثنا حسين عن أبيه عن هارون بن سعد عن عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري الطائي عن أبي ثور الحدائي وحداء حي من مراد أنه قال دفعت إلى حذيفة بن اليمان وأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري وهما في مسجد الكوفة يوم الجرعة حيث صنع الناس بسعيد بن العاص ما صنعوا وأبو مسعود يعظم ذلك ويقول ما أرى أن ترد على عقبيها حتى يكون فيها دماء فقال حذيفة والله لتردن على عقبيها ولا يكون فيها محجمة من دم وما أعلم منها اليوم شيئا إلا وقد علمته ومحمد صلى الله عليه و سلم حي وإن الرجل ليصبح على الإسلام ثم يمسي وما معه منه شيء ثم يقاتل أهل القبلة ويقتله الله غدا فينكص قلبه فتعلوه أسته فقلت لأبي ثور فلعله قد كان قال لا والله ما كان فلما رجع سعيد بن العاص إلى عثمان مطرودا أرسل أبا موسى أميرا على الكوفة فأقروه عليها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن يحيى بن مسلم عن واقد بن عبدالله عن عبدالله بن عمير الأشجعي قال قام في المسجد في الفتنة فقال أيها الناس اسكتوا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من خرج وعلى الناس إمام والله ما قال عادل ليشق عصاهم ويفرق جماعتهم فاقتلوه كائنا من كان كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا لما استعوى يزيد بن قيس الناس على سعيد بن العاص خرج منه ذكر لعثمان فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه فقال ما تريد ألك علينا في أن نستعفى سبيل قال لا فهل إلا ذلك قال لا قال فاستعف واستجلب يزيد أصحابه من حيث كانوا فردوا سعيدا وطلبوا أبا موسى فكتب إليهم عثمان بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد والله لأفرشنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي حجة وكتب بمثل ذلك في الأمصار فقدمت إمارة أبي موسى وغزو حذيفة وتأمر أبو موسى ورجع العمال إلى أعمالهم ومضى حذيفة إلى الباب وأما الواقدي فإنه زعم أنه عبدالله بن محمد حدثه عن أبيه قال لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بعضهم إلى بعض أن اقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلا نفير منهم زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فاجتمع الناس وكلموا علي بن أبي طالب فدخل علي عثمان فقال الناس ورائي وقد كلموني فيك والله ما أدري

(2/644)


ما أقول لك وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه إنك لتعلم ما نعلم ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله صلى الله عليه و سلم ونلت صهره وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم رحما ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لم ينالا ولا سبقاك إلى شيء فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل وإن الطريق لواضح بين وإن أعلام الدين لقائمة تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة فوالله إن كلا لبين وإن السنن لقائمة لها أعلام وإن البدع لقائمة لها أعلام وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول فإنه يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتلبس أمورها عليها ويتركهم شيعا فلا يبصرون الحق لعلو الباطل يموجون فيها موجا ويمرجون فيها مرجا فقال عثمان قد والله علمت ليقولن الذي قلت أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرا أن وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت شبيها بمن كان عمر يولي أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك قال نعم قال فتعلم أن عمر ولاه قال نعم قال فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته قال علي سأخبرك إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك قال عثمان هم أقرباؤك أيضا فقال علي لعمري إن رحمهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم قال عثمان هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها فقد وليته فقال علي أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه قال نعم قال علي فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر فقال أما بعد فإن لكل شيء آفة ولكل أمر عاهة وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون يقولون لكم وتقولون أمثال النعام يتبعون أول ناعق أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغضا ولا يردون إلا عكرا لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور وتعذرت عليهم المكاسب ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن إن قلت هلم أتي إلي ولقد أعددت لكم أقرانكم وأفضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خلقا لمن أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ألا فما تفقدون من حقكم والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضل فضل من مال فما لي لا أصنع في الفضل

(2/645)


ما أريد فلم كنت إماما فقام مروان بن الحكم فقال إن شئتم حكمنا والله بيننا وبينكم السيف نحن والله وأنتم كما قال الشاعر ... فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... معارسكم تبنون في دمن الثرى ... فقال عثمان اسكت لا سكت دعني وأصحابي ما منطقك في هذا ألم أتقدم إليك ألا تنطق فسكت مروان ونزل عثمان وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبر بالمدينة وهو بدري ومات أيضا مسطح بن أثاثة وعاقل بن أبي البكير من بني سعد بن ليث حليف لبني عدي وهما بدريان وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله عنه

(2/646)


ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك نزول أهل مصر ذا خشب حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كان ذو خشب سنة خمس وثلاثين وكذلك قال الواقدي
ذكر مسير من سار إلى ذي خشب من أهل مصر وسبب مسير من سار إلى ذي المروة من أهل العراق
فيما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال كان عبدالله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحالو ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز و جل إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ( 1 ) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه و سلم وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه و سلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية ما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا قال لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا نشير عليك

(2/647)


أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبدالله بن عمر إلى الشام وفرق رجالا سواهم فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا أيها الناس ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعا الأمر أمر المسلمين إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم واستبطأ الناس عمارا حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفاجئهم إلا كتاب من عبدالله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمارا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه منهم عبدالله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعطية قالوا كتب عثمان إلى أهل الأمصار أما بعد فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون وآخرون يضربون فيا من ضرب سرا وشتم سرا من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان مني أو من عمالي أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين فلما قرئ في الأمصار أبكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا إن الأمة لتمخض بشر وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه عبدالله بن عامر ومعاوية وعبدالله بن سعد وأدخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا فقال ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي فقالوا له ألم تبعث ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا وما كنت لتأخذ به أحدا فيقيمك على شيء وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها
قال فأشيروا علي فقال سعيد بن العاص هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم قال فما دواء ذلك قال طلب هؤلاء القوم ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم
وقال عبدالله بن سعد خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم قال معاوية قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما قال فما الرأي قال حسن الأدب قال فما ترى يا عمرو قال أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرا واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتهما جميعا اللين وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال كل ما أشرتم به علي قد سمعت ولكل أمر باب يؤتى منه إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها فإن سده شيء فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد علي حجة حق وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا ولا نفسي ووالله إن رحا الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم وإذا تعوطيت حقوق

(2/648)


الله فلا تدهنوا فيها فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبدالله بن سعد إلى المدينة ورجع ابن عامر وسعيد معه ولما استقل عثمان رجز الحادي ... قد علمت ضوامر المطي ... وضامرات عوج القسي ... أن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف رضي ... وطلحة الحامي لها ولي ...
فقال كعب وهو يسير خلف عثمان الأمير والله بعده صاحب البغلة وأشار إلى معاوية كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الأسدي عن رجل من بني أسد قال ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم فاجتمعوا إليه بالموسم ثم ارتحل فحدا به الراجز ... إن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف رضي ...
قال كعب كذبت صاحب الشهباء بعده يعني معاوية فأخبر معاوية فسأله عن الذي بلغه قال نعم أنت الأمير بعده ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا فوقعت في نفس معاوية وشاركهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان عن رجاء بن حيوة وغيره قالوا فلما ورد عثمان المدينة رد الأمراء إلى أعمالهم فمضوا جميعا وأقام سعيد بعدهم فلما ودع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدا سيفه متنكبا قوسه فإذا هو بنفر من المهاجرين فيهم طلحة والزبير وعلي فقام عليهم فتوكأ على قوسه بعد ما سلم عليهم ثم قال إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال فلم يكن منكم أحد إلا وفي فصيلته من يرئسه ويستبد عليه ويقطع الأمر دونه ولا يشهده ولا يؤامره حتى بعث الله جل وعز نبيه صلى الله عليه و سلم وأكرم به من اتبعه فكانوا يرئسون من جاء من بعده وأمرهم شورى بينهم يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم والناس تبع لهم وإن أصغوا إلى الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى من كان يرئسهم وإلا فليحذروا الغير فإن الله على البدل قادر وله المشيئة في ملكه وأمره إني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك ثم ودعهم ومضى فقال علي ما كنت أرى أن في هذا خيرا فقال الزبير لا والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة
حدثني عبدالله بن أحمد بن شبويه قال حدثني أبي قال حدثني عبدالله عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة قال أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه فخرجت معه حتى دخل علي عثمان وإذ علي وسعد والزبير وعثمان ومعاوية فحمد الله معاوية وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وخيرته في الأرض وولاة أمر هذه الأمة لا يطمع في ذلك أحد غيركم اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع وقد كبرت سنه وولى عمره ولو انتظرتم به الهرم كان قريبا مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغ به ذلك وقد فشت قالة خفتها عليكم فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به ولا تطمعوا الناس في

(2/649)


أمركم فوالله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبدا إلا إدبارا قال علي ومالك وذلك وما أدراك لا أم لك قال دع أمي مكانها ليست بشر امهاتكم قد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه و سلم وأجبني فيما أقول لك فقال عثمان صدق ابن أخي إني أخبركم عني وعما وليت إن صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش فبسطت يدي في شيء من ذلك المال لمكان ما أقوم به فيه ورأيت أن ذلك لي فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع قالوا أصبت وأحسنت قالوا أعطيت عبداله بن خالد بن أسيد ومروان وكانوا يزعمون أنه أعطي مروان خمسة عشر ألفا وابن أسيد خمسين ألفا فردوا منهما ذلك فرضوا وقبلوا وخرجوا راضين
رجع الحديث إلى حديث سيف عن شيوخه
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به فإن أهل الشأم على الأمر لم يزالوا فقال أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه و سلم بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي قال فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك قال أنا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه و سلم الأرزاق بجند تساكنهم وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة قال والله يا أمير المؤمنين لتغتالن أو لتغزين قال حسبي الله ونعم الوكيل وقال معاوية يا أيسار الجزور وأين أيسار الجزور ثم خرج حتى وقف على النفر ثم مضى وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم واتعدوا يوما حيث شخص أمراؤهم فلم يستقم ذلك لأحد منهم ولم ينهض إلا أهل الكوفة فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار فيها واجتمع إليه أصحابه وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو فأتاه فأحاط الناس بهم وناشدوهم فقال يزيد للقعقاع ما سبيلك علي وعلى هؤلاء فوالله إني لسامع مطيع وإني للازم لجماعتي إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد فقال استعفى الخاصة من أمر قد رضيته العامة قال فذاك إلى أمير المؤمنين فتركهم والاستعفاء ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك فاستقبلوا سعيدا فردوه من الجرعة واجتمع الناس على أبي موسى وأقره عثمان رضي الله تعالى عنه ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى الخروج إلى الأمصار وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس ولتحقق عليه فتوافوا بالمدينة وأرسل عثمان رجلين مخزوميا وزهريا فقال انظرا ما يريدون واعلما علمهم وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب فاصطبرا للحق ولم يضطغنا فلما رأوهما باثوهما وأخبروهما بما يريدون فقالا من معكم على هذا من أهل المدينة قالوا ثلاثة نفر فقالا هل إلا قالوا لا قالا فكيف تريدون أن تصنعوا قالوا نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها فلم يخرج منها ولم يتب ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه فإن أبى قتلناه وكانت إياها فرجعا إلى عثمان بالخبر فضحك وقال اللهم سلم هؤلاء فإنك إن لم تسلمهم شقوا أما عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعركه وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه وأما ابن سهلة فإنه يتعرض للبلاء فأرسل إلى الكوفيين والبصريين ونادى الصلاة جامعة وهم عنده في أصل المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أحاطوا بهم فحمد الله وأثنى عليه

(2/650)


وأخبرهم خبر القوم وقام الرجلان فقالوا جميعا اقتلهم فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم فقال عثمان بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا ولا نحاد أحدا حتى يركب حدا أو يبدي كفرا إن هؤلاء ذكروا أمورا قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي عند من لا يعلم وقالوا أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم ألا وإني قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت لهذين الأمرين أو كذلك قالوا اللهم نعم وقالوا وحميت حمى وإني والله ما حميت حمي قبلي والله ما حموا شيئا لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة ثم لم يمنعوا من رعية أحدا واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا إلا من ساق درهما ومالي من بعير غير راحلتين ومالي ثاغية ولا راغية وإني قد وليت وإني أكثر العرب بعيرا وشاء فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي أكذلك قالوا اللهم نعم وقالوا كان القرآن كتبا فتركتها إلا واحدا ألا وإن القرآن واحد جاء من عند واحد وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء أكذلك قالوا نعم وسألوه أن يقيلهم وقالوا إني رددت الحكم وقد سيره رسول الله صلى الله عليه و سلم والحكم مكي سيره رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة إلى الطائف ثم رده رسول الله صلى الله عليه و سلم فرسول الله صلى الله عليه و سلم سيره ورسول الله صلى الله عليه و سلم رده أكذلك قالوا اللهم نعم وقالوا استعملت الأحداث فلم أستعمل إلا مجتمعا محتملا مرضيا وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده ولقد ولى من قبلي أحدث منهم وقيل في ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة أكذاك قالوا اللهم نعم يعيبون للناس ما لا يفسرون وقالوا إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم أكذاك قالوا نعم وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأنا يومئذ شحيح حريص أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري ودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله ولقد رددته عليهم وما قدم علي إلا الأخماس ولا يحل لي منها شيء فولي المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا يتلفت من مال الله بفلس فما فوقه وما أتبلغ منه ما آكل إلا مالي وقالوا أعطيت الأرض رجالا وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت

(2/651)


فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب فنقلت إليهم نصيبهم فهو في ايديهم دوني وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطى فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف عشرة آلاف فأخذوا مائة ألف وأعطى بني عثمان مثل ذلك وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف وأبى المسلمون إلا قتلهم وأبى إلا تركهم فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجاج كالحجاج فتكاتبوا وقالوا موعدكم ضواحي المدينة في شوال حتى إذا دخل شوال من سنة اثنتي عشرة ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف على الرفاق عبدالرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر التجيبي وعروة بن شيبم الليثي وأبو عمروبن بديل بن ورقاء الخزاعي وسواد بن رومان الأصبحي وزرع بن يشكر اليافعي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما أخرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبدالله بن الأصم أحد بني عارم بن صعصعة وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن الأصم وخرج أهل البصرة في أربع رفاق وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن المحرش بن عبد بن عمرو الحنفي وعددهم كعدد أهل مصر وأميرهم جميعا حرقوص بن زهير السعدي سوى من تلاحق بهم من الناس فأما أهل مصر فإنهم كانا يشتهون عليا وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها وأن أمرها سيتم دون الأخريين فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامتهم بذي المروة ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبدالله بن الأصم وقالا لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر قالوا اذهبا فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه و سلم وعليا وطلحة والزبير وقالا إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا لذلك واستأذناهم للناس بالدخول فكلهم أبى ونهى وقال بيض ما يفرخن فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ومن أهل البصرة نفر فأتوا

(2/652)


طلحة ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير وقال كل فريق منهم إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم ثم كررنا حتى نبغتهم فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية متقلد السيف ليس عليه قميص وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند أحجار الزيت فسلم عليه المصريون وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه و سلم فارجعوا لا صحبكم الله قالوا نعم فانصرفوا من عنده على ذلك وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي وقد أرسل ابنيه إلى عثمان فسلم البصريون عليه وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه و سلم وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى وقد سرح ابنه عبدالله إلى عثمان فسلموا عليه وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه و سلم فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون فانفشوا عن ذي خشب والأعوص حتى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة ثم يكروا راجعين فافترق أهل المدينة لخروجهم فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم فبغتوهم فلم يفاجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا من كف يده فهو آمن وصلى عثمان بالناس أياما ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا أحدا من كلام فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي فقال ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم قالوا أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك وقال الكوفيون والبصريون فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا كأنما كانوا على ميعاد فقال لهم علي كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا هذا والله أمر أبرم بالمدينة قالوا فضعوه على ما شئم لا حاجة لنا في الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يصلي بهم وهم يصلون خلفه ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب وكانوا لا يمنعون أحدا من الكلام وكانوا زمرا بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله عز و جل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمره به ثم مضى وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه وبيان الأمور التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمة ثم أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس علي على غير طلب مني ولا محبة فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع متبعا غير مبتدع مقتديا غير متكلف فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون وأشياء عن ملإ من أهل المدينة لا يصلح غيرها فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم

(2/653)


منذ سنين وأنا أرى وأسمع فازدادوا على الله عز و جل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه و سلم وحرمه وأرض الهجرة وثابت إليهم الأعراب فهم كالأحزاب أيام الأحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري وبعث عبدالله بن سعد معاوية بن حديج السكوني وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو وكان المحضضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عقبة بن عمرو وعبدالله بن أبي أوفى وحنظلة بن الربيع التميمي في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وكان المحضضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبدالله مسروق بن الأجدع والأسود بن يزيد وشريح بن الحارث وعبدالله بن عكيم في أمثالهم يسيرون فيها ويطوفون على مجالسها يقولون يا أيها الناس إن الكلام اليوم وليس به غدا وإن النظر يحسن اليوم ويقبح غدا وإن القتال يحل اليوم ويحرم غدا انهضوا إلى خليفتكم وعصمة أمركم وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقولون مثل ذلك ومن التابعين كعب بن سور وهرم بن حيان العبدي وأشباه لهما يقولون ذلك وقام بالشأم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقولون مثل ذلك ومن التابعين شريك بن خباشة النميري وأبو مسلم الخولاني وعبدالرحمن بن غنم بمثل ذلك وقام بمصر خارجة في أشباه له وقد كان بعض المحضضين قد شهد قدومهم فلما رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال يا هؤلاء العدى الله الله فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه و سلم فامحوا الخطايا بالصواب فإن الله عز و جل لا يمحو السيء إلا بالحسن فقام محمد بن مسلمة فقال أنا أشهد بذلك فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده فقام زيد بن ثابت فقال ابغني الكتاب فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه فاحتمل فأدخل داره وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر فإنهم كانوا يراسلونهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة وعمار بن ياسر وشمر أناس من الناس فاستقتلوا منهم سعد بن مالك وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن بن علي فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا فانصرفوا وأقبل علي عليه السلام حتى دخل على عثمان وأقبل طلحة حتى دخل عليه وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته ويشكون بثهم ثم رجعوا إلى منازلهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عمرو عن الحسن قال قلت له هل شهدت حصر عثمان قال نعم وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي او قمت فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة يعظمون ما صنعوا وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب فطلع عثمان فكأنما كانت نار طفئت فعمد إلى المنبر فصعده فحمد الله واثنى عليه فثار رجل فأقعده رجل وقام آخر فأقعده آخر ثم ثار

(2/654)


القوم فحصبوا عثمان حتى صرع فاحتمل فأدخل فصلى بهم عشرين يوما ثم منعوه من الصلاة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا صلى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثم إنهم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي دان له المصريون والكوفيون والبصريون وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم وكان الحصار أربعين يوما وفيهن كان القتل ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون وأما غير سيف فإن منهم من قال كانت مناظرة القوم عثمان وسبب حصارهم إياه ما حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا معتمر بن سليمان التيمي قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا قال فاستقبلهم وكان في قرية له خارجة من المدينة أو كما قال فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه قال وكره أن يقدموا عليه المدينة أو نحوا من ذلك قال فأتوه فقالوا له ادع بالمصحف قال فدعا بالمصحف قال فقالوا له افتح التاسعة قال وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة قال فقرأها حتى أتى على هذه الآية قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ( 1 ) قال قالوا له قف فقالوا له أرأيت ما حميت من الحمى آلله أذن لك أم على الله تفتري قال فقال امضه نزلت في كذا وكذا قال وأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة امضه قال فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول امضه نزلت في كذا وكذا قال والذي يتولى كلام عثمان يومئذ في سنك قال يقول أبو نضرة يقول ذاك لي أبو سعيد قال أبو نضرة وأنا في سنك يومئذ قال ولم يخرج وجهي يومئذ لا أدري ولعله قد قال مرة أخرى وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج قال فعرفها فقال أستغفر الله وأتوب إليه قال فقال لهم ما تريدون قال فأخذوا ميثاقه قال وأحسبه قال وكتبوا عليه شرطا قال وأخذ علهيم ألا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم أو كما أخذوا عليه قال فقال لهم ما تريدون قالوا نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء فإنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فرضوا بذلك وأقبلوا معه إلى المدينة راضين قال فقام فخطب فقال إني ما رأيت والله وفدا في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا علي وقد قال مرة أخرى خشيت من هذا الوفد من أهل مصر ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه ومن كان له ضرع فليحتلب ألا إنه لا مال لكم عندنا إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فغضب الناس وقالوا هذا مكر بني أمية قال ثم رجع الوفد المصريون راضين فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ويتبينهم قال قالوا له مالك إن لك لأمرا ما شأنك قال فقال أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو

(2/655)


يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف قال فأقبلوا حتى قدموا المدينة قال فأتوا علينا فقالوا ألم تر إلى عدو الله إنه كتب فينا بكذا وكذا وإن الله قد أحل دمه قم معنا إليه قال والله لا أقوم معكم إلى أن قالوا فلم كتبت إلينا فقال والله ما كتبت إليكم كتابا قط قال فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض ألهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون قال فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية قال فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا كتبت فينا بكذا وكذا قال فقال إنما هما اثنتان أن تقيموا علي رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت قال وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل وقد ينقش الخاتم على الخاتم قال فقالوا فقد والله أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق قال فحاصروه وأما الواقدي فإنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب أمورا كثيرة منها ما قد تقدم ذكريه ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته ومنها ما ذكر أن عبدالله بن جعفر حدثه عن أبي عون مولى المسور قال كان عمرو بن العاص على مصر عاملا لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة واستعمل عبدالله بن سعد على الخراج ثم جمعهما لعبدالله بن سعد فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به فقال يا بن النابغة ما أسرع ما قمل جربان جبتك إنما عهدك بالعمل عاما أول أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر والله لولا أكلة ما فعلت ذلك قال فقال عمرو إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك فقال عثمان والله لقد استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك فقال عمرو قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض قال فقال عثمان وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ولكني لنت عليك فاجترأت علي أما والله لأنا أعز منك نفرا في الجاهلية وقبل أن ألي هذا السلطان فقال عمرو دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه و سلم وهدانا به قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاص كان أشرف من أبيك قال فانكسر عثمان وقال ما لنا ولذكر الجاهلية قال وخرج عمرو ودخل مروان فقال يا أمير المؤمنين وقد بلغت مبلغا يذكر عمرو بن العاص أباك فقال عثمان دع هذا عنك من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه قال فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان فلما كان حصر عثمان الأول خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول العجب ما يأتينا عن ابن عفان قال فبيا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمد وعبدالله وسلامة بن روح الجذامي إذ مر بهم راكب فناداه عمرو من أين قدم الرجل فقال من المدينة قال ما فعل الرجل يعني عثمان قال تركته محصورا شديد الحصار قال عمرو أنا أبو عبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمرو ما فعل الرجل يعني عثمان قال قتل قال أنا أبو عبدالله إذا حككت قرحة نكأتها إن كنت لأحرض عليه حتى إني لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل فقال له

(2/656)


سلامة بن روح يا معشر قريش إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه فما حملكم على ذلك فقال أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل وأن يكون الناس في الحق شرعا سواء وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله قال محمد بن عمر وحدثني عبدالله بن محمد عن أبيه قال كان محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بمصر يحرضان على عثمان فقدم محمد بن أبي بكر وأقام محمد بن أبي حذيفة بمصر فلما خرج المصريون خرج عبدالرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة وأظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وبعث عبدالله بن سعد رسولا سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان أن ابن عديس وأصحابه قد وجهوا نحوه وأن محمد بن أبي حذيفة شيعهم إلى عجرود ثم رجع وأظهر محمد أن قال خرج القوم عمارا وقال في السر خرج القوم إلى إمامهم فإن نزع وإلا قتلوه وسار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خشب وقال عثمان قبل قدومهم حين جاءه رسول عبدالله بن سعد هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون بزعمهم العمرة والله ما أراهم يريدونها ولكن الناس قد دخل بهم وأسرعوا إلى الفتنة وطال عليهم عمري أما والله لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان طال عليهم مكان كل يوم بسنة مما يرون من الدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة
قال فلما نزل القوم ذا خشب جاء الخبر أن القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع وأتى رسولهم إلى علي ليلا وإلى طلحة وإلى عمار بن ياسر وكتب محمد بن أبي حذيفة معهم إلى علي كتابا فجاؤوا بالكتاب إلى علي فلم يظهر على ما فيه فلما رأى عثمان ما رأى جاء عليا فدخل عليه بيته فقال يابن عم إنه ليس لي مترك وإن قرابتي قريبة ولي حق عظيم عليك وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي وأنا أعلم أن لك عند الناس قدرا وأنهم يسمعون منك فأنا أحب أن تركب إليهم فتردهم عني فإني لا أحب أن يدخلوا علي فإن ذلك جرأة منهم علي وليسمع بذلك غيرهم فقال علي علام أردهم قال على أن أصير إلى ما أشرت به علي ورأيته لي ولست أخرج من يديك فقال علي إني قد كنت كلمتك مرة بعد مرة فكل ذلك نخرج فتكلم ونقول وتقول وذلك كله فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية أطعتهم وعصيتني قال عثمان فإني أعصيهم وأطيعك قال فأمر الناس فركبوا معه المهاجرون والأنصار قال وأرسل عثمان إلى عمار بن ياسر يكلمه أن يركب مع علي فأبى فأرسل عثمان إلى سعد بن أبي وقاص فكلمه أن يأتي عمارا فيكلمه أن يركب مع علي قال فخرج سعد حتى دخل على عمار
فقال يا أبا اليقظان ألا تخرج فيمن يخرج وهذا علي يخرج فاخرج معه واردد هؤلاء القوم عن إمامك فإني لأحسب أنك لم تركب مركبا هو خير لك منه قال وأرسل عثمان إلى كثير بن الصلت الكندي وكان من أعوان عثمان فقال انطلق في إثر سعد فاسمع ما يقول سعد لعمار وما يرد عمار على سعد ثم ائتني سريعا قال فخرج كثير حتى يجد سعدا عند عمار مخليا به فألقم عينه جحر الباب فقام إليه عمار ولا يعرفه وفي يده قضيب فأدخل القضيب الجحر الذي ألقمه كثير عينه فأخرج كثير عينه من الجحر وولى مدبرا متقنعا فخرج عمار فعرف أثره ونادى يا قليل ابن أم قليل أعلي تطلع وتستمع حديثي والله لو دريت

(2/657)


أنك هو لفقأت عينك بالقضيب فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أحل ذلك ثم رجع عمار إلى سعد فكلمه سعد وجعل يفتله بكل وجه فكان آخر ذلك أن قال عمار والله لا أردهم عنه أبدا فرجع سعد إلى عثمان فأخبره بقول عمار فاتهم عثمان سعدا أن يكون لم يناصحه فأقسم له سعد بالله لقد حرض فقبل منه عثمان قال وركب علي عليه السلام إلى أهل مصر فردهم عنه فانصرفوا راجعين
قال محمد بن عمر حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر عن محمد بن لبيد قال لما نزلوا ذا خشب كلم عثمان عليا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يردوهم عنه فركب علي وركب معه نفر من المهاجرين فيهم سعيد بن زيد وأبو جهم العدوي وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن عتاب بن أسيد وخرج من الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد الساعدي وزيد بن ثابت وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومعهم من العرب نيار بن مكرم وغيرهم ثلاثون رجلا وكلمهم علي ومحمد بن مسلمة وهما اللذان قدما فسمعوا مقالتهما ورجعوا قال محمود فأخبرني محمد بن مسلمة قال ما برحنا من ذي خشب حتى رحلوا راجعين إلى مصر وجعلوا يسلمون علي فما أنسى قول عبدالرحمن بن عديس أتوصينا يا أبا عبدالرحمن بحاجة قال قلت تتقي الله وحده لا شريك له وترد من قبلك عن إمامه فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع قال ابن عديس أفعل إن شاء الله قال فرجع القوم إلى المدينة
قال محمد بن عمر فحدثني عبدالله بن محمد عن أبيه قال رجع عليه عليه السلام إلى عثمان رضي الله عنه أخبره أنهم قد رجعوا وكلمه علي كلاما في نفسه قال له اعلم أني قائل فيك أكثر مما قلت قال ثم خرج إلى بيته قال فمكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاءه مروان فقال له تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه قال فأبى عثمان أن يخرج قال فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم قال فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد اتق الله يا عثمان فإنك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب إلى الله نتب قال فناداه عثمان وإنك هناك يا بن النابغة قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل قال فنودي من ناحية أخرى تب إلى الله وأظهر التوبة يكف الناس عنك قال فرفع عثمان يديه مدا واستقبل القبلة فقال اللهم إني أول تائب تاب إليك ورجع إلى منزله وخرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه
قال محمد بن عمر فحدثني علي بن عمر عن أبيه قال ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول يا علي اركب إليهم ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذرا ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول يا علي اركب إليهم فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك

(2/658)


قال فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة فقام فحمد الله وأنثى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه ولكني منتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا يتماد في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أول من اتعظ أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر وإن عتق شكر وما عن الله مذهب إلا إليه فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلي لئن أبت يميني لتتابعني شمالي قال فرق الناس له يومئذ وبكى من بكى منهم وقام إليه سعيد بن زيد فقال يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك الله الله في نفسك فأتمم على ما قلت فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيدا ونفرا من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة فلما جلس قال مروان يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت فقالت نائلة ابنة الفرافصة امرأة عثمان الكلبية لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها فأقبل عليها مروان فقال ما أنت وذاك فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ فقالت له مهلا يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه أما والله لولا أنه عمه وأنه يناله غمه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه
قال فأعرض عنها مروان ثم قال يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت قال بل تكلم فقال مروان بأبي أنت وأمي والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين وخلف السيل الزبى وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها وإنك إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس فقال عثمان فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم قال فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب شاهت الوجوه كل إنسان آخذ بأذن صاحبه ألا من أريد جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا اخرجوا عنا أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم ارجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا قال فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر فجاء علي عليه السلام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه وأيم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك أذهبت شرفك وغلبت على أمرك فلما خرج علي دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته فقالت أتكلم أو أسكت فقال تكلمي فقالت قد سمعت قول علي لك وإنه ليس يعاودك وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء قال فما أصنع قالت تتقي الله وحده لا شريك له وتتبع سنة صاحبيك من قبلك فإنك متى أطعت مروان قتلك ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة وإنما تركك الناس لمكان مروان فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصى قال فأرسل عثمان إلى علي فأبى أن يأتيه وقال قد أعلمته أني لست بعائد

(2/659)


قال فبلغ مروان مقالة نائلة فيه قال فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال أتكلم أو أسكت فقال تكلم فقال إن بنت الفرافصة فقال عثمان لا تذكرنها بحرف فأسوئ لك وجهك فهي والله أنصح لي منك قال فكف مروان قال محمد بن عمر وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال سمعت عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال قبح الله مروان خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلة من الدموع وهو يقول اللهم إني أتوب إليك اللهم إني أتوب إليك اللهم إني أتوب إليك والله لئن ردني الحق إلى أن أكون عبدا قنا لأرضين به إذا دخلت منزلي فادخلوا علي فوالله لا أحتجب عنكم ولأعطينكم الرضا ولأزيدنكم على الرضا ولأنحين مروان وذويه قال فلما دخل أمر بالباب ففتح ودخل بيته ودخل عليه مروان فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عما كان يريد فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياء من الناس وخرج مروان إلى الناس فقال شاهت الوجوه ألا من أريد ارجعوا إلى منازلكم فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه وإلا قر في بيته قال عبدالرحمن فجئت إلى علي فأجده بين القبر والمنبر وأجد عنده عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان صنع مروان بالناس وصنع قال فأقبل علي علي فقال أحضرت خطبة عثمان قلت نعم قال أفحضرت مقالة مروان للناس قلت نعم قال علي عياذ الله يا للمسلمين إني إن قعدت في بيتي قال لي تركتني وقرابتي وحقي وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال عبدالرحمن بن الأسود فلم يزل حتى جاء رسول عثمان ائتني فقال علي بصوت مرتفع عال مغضب قل له ما أنا بداخل عليك ولا عائد قال فانصرف الرسول قال فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين خائبا فسألت ناتلا غلامه من أين جاء أمير المؤمنين فقال كان عند علي فقال عبدالرحمن بن الأسود فغدوت فجلست مع علي عليه السلام فقال لي جاءني عثمان البارحة فجعل يقول إني غير عائد وإني فاعل قال فقلت له بعد ما تكلمت به على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأعطيت من نفسك ثم دخلت بيتك وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم قال فرجع وهو يقول قطعت رحمي وخذلتني وجرأت الناس علي فقلت والله إني لأذب الناس عنك ولكني كلما جئتك بهنة أظنها لك رضا جاء بأخرى فسمعت قول مروان علي واستدخلت مروان قال ثم انصرف إلى بيته قال عبدالرحمن بن الأسود فلم أزل أرى عليا منكبا عنه لا يفعل ما كان يفعل إلا أني أعلم أنه قد كلم طلحة حين حصر في أن يدخل عليه الروايا وغضب في ذلك غضبا شديدا حتى دخلت الروايا على عثمان
قال محمد بن عمر وحدثني عبدالله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد أن عثمان صعد يوم الجمعة المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقام رجل فقال أقم كتاب الله فقال عثمان اجلس فجلس حتى قام ثلاثا فأمر به عثمان فجلس فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء وسقط عن المنبر وحمل فأدخل داره مغشيا عليه فخرج رجل من حجاب عثمان ومعه مصحف في يده وهو ينادي إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ( 1 ) ودخل علي بن أبي طالب على عثمان رضي الله عنهما وهو مغشي

(2/660)


عليه وبنو أمية حوله فقال مالك يا أمير المؤمنين فأقبلت بنو أمية بمنطق واحد فقالوا يا علي أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا فقام علي مغضبا وفي هذه السنة قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه
ذكر الخبر عن قتله وكيف قتل
قال أبو جعفر رحمه الله قد ذكرنا كثيرا من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنهم جعلوها ذريعة إلى قتله فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها ونذكر الآن كيف قتل وما كان بدء ذلك وافتتاحه ومن كان المبتدئ به والمفتتح للجرأة عليه قبل قتله ذكر محمد بن عمر أن عبدالله بن جعفر حدثه عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم فبلغ ذلك عبدالرحمن بن عوف فأرسل إلى المسور بن مخرمة وإلى عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها فقسمها عبدالرحمن في الناس وعثمان في الدار
قال محمد بن عمر وحدثني محمد بن صالح عن عبيدالله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد قال مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال يا نعثل والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ولأخرجنك إلى حرة النار ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه
حدثني محمد قال حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد قال كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيء جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو جالس في ندي قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة لم تردون على رجل فعل كذا وكذا قال ثم أقبل على عثمان فقال والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه قال عثمان أي بطانة فوالله إني لأتخير الناس فقال مروان تخيرته ومعاوية تخيرته وعبدالله بن عامر بن كريز تخيرته وعبدالله بن سعد تخيرته منهم من نزل القرآن بدمه وأباح رسول الله صلى الله عليه و سلم دمه قال فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم
قال محمد بن عمر وحدثني ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة قال خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب نتب فاستقبل عثمان القبلة وشهر يديه قال أبو حبيبة فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة فانزل فلندرعك العباءة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان فقال عثمان قبحك الله وقبح ما جئت به قال أبو حبيبة ولم يكن ذلك منه إلا عن ملإ من الناس وقام إلى عثمان خيرته وشيعته من بني أمية فحملوه فأدخلوه الدار قال أبو حبيبة فكان آخر ما رأيته فيه
قال محمد وحدثني أسامة بن زيد الليثي عن يحيى بن عبدالرحمن بن خاطب عن أبيه قال أنا

(2/661)


أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه و سلم التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال له جهجاه قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة فرأيتها تدود فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها فكانت مضببة فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين حتى حصر فقتل
حدثني أحمد بن إبراهيم قال حدثنا عبدالله بن دريس عن عبيدالله بن عمر عن نافع أن جهجاها الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته فرمى في ذلك المكان بأكله
حدثني جعفر بن عبدالله المحمدي قال حدثنا عمرو عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني عن عمه عبدالرحمن بن يسار أنه قال لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إلى من بالآفاق منهم وكانوا قد تفرقوا في الثغور إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عز و جل تطلبون دين محمد صلى الله عليه و سلم فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه و سلم فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه وكتب عثمان إلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح عامله على مصر حين تراجع الناس عنه وزعم أنه تائب بكتاب في الذين شخصوا من مصر وكانوا أشد أهل الأمصار عليه أما بعد فانظر فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك فانظر فلانا وفلانا فعاقبهم بكذا وكذا منهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ومنهم قوم من التابعين فكان رسوله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السلمي حمله عثمان على جمل له ثم أمره أن يقبل حتى يدخل مصر قبل أن يدخلها القوم فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق فسألوه أين يريد قال أريد مصر ومعه رجل من أهل الشأم من خولان فلما رأوه على جمل عثمان قالوا له هل معك كتاب قال لا قالوا فيم أرسلت قال لا علم لي قالوا ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسلت إن أمرك لمريب ففتشوه فوجدوا معه كتابا في إداوة يابسة فنظروا في الكتاب فإذا فيه قتل بعضهم وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة فبلغ الناس رجوعهم والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها وثار أهل المدينة
حدثني جعفر قال حدثنا عمرو وعلي قالا حدثنا حسين عن أبيه عن محمد بن السائب الكلبي قال قال إنما رد أهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلب بعضهم فلما أتوا عثمان قالوا هذا غلامك قال غلامي انطلق بغير علمي قالوا جملك قال أخذه من الدار بغير أمري قلت خاتمك قال نقش عليه فقال عبدالرحمن بن عديس التجيبي حين أقبل أهل مصر ... أقبلن من بلبيس والصعيد ... خوصا كأمثال القسي قود ... مستحقبات حلق الحديد ... يطلبن حق الله في الوليد ... وعند عثمان وفي سعيد ... يا رب فارجعنا بما نريد ...
فلما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام علىكل صعب وذلول

(2/662)


فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد علم اجتماعهم فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظم حقه عليهم ويذكر الخلفاء وما أمر الله عز و جل به من طاعتهم ومناصحتهم ووعدهم أن ينجدهم جند أو بطانة دون الناس وذكرهم بلاءه عندهم وصنيعه إليهم فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإن القوم معاجلي فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن أسد بن كرز البجلي ثم القسري فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر عثمان فعظم حقه وحضهم على نصره وأمرهم بالمسير إليه فتابعه ناس كثير وساروا معه حتى إذا كانوا بوادي القرى بلغهم قتل عثمان رضي الله عنه فرجعوا وكتب عثمان إلى عبدالله بن عامر أن اندب إلي أهل البصرة نسخة كتابه إلى أهل الشام فجمع عبدالله بن عامر الناس فقرأ كتابه عليهم فقامت خطباء من أهل البصرة يحضونه على نصر عثمان والمسير إليه فيهم مجاشع بن مسعود السلمي وكان أول من تكلم وهو يومئذ سيد قيس بالبصرة وقام أيضا قيس بن الهيثم السلمي فخطب وحض الناس على نصر عثمان فسارع الناس إلى ذلك فاستعمل عليهم عبدالله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم حتى إذا نزل الناس الربذة ونزلت مقدمته عند صرار ناحية من المدينة أتاهم قتل عثمان
حدثني جعفر قال حدثنا عمرو وعلي قالا حدثنا حسين عن أبيه عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال كتب أهل مصر بالسقيا أو بذي خشب إلى عثمان بكتاب فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليهم فلم يرد عليه شيئا فأمر به فأخرج من الدار وكان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة مع كل رجل منهم لواء وكان جماع أمرهم جميعا إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وإلى عبدالرحمن بن عديس التجيبي فكان فيما كتبوا إليه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فالله الله ثم الله الله فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة ولا تلبس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا واعلم أنا والله لله نغضب وفي الله نرضى وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة مبلجة فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداد فقال إن القوم لن يقبلوا التعليل وهم محملي عهدا وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به فقال مروان بن الحكم يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب فأعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فإنما هم بغوا عليك فلا عهد لهم فأرسل إلى علي فدعاه فلما جاءه قال يا أبا حسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد

(2/663)


علمت ولست آمنهم على قتل فارددهم عني فإن لهم الله عز و جل أن أعتبهم من كل ما يكرهون وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وأن كان في ذلك سفك دمي فقال له علي الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك وإني لأرى قوما لا يرضون إلا بالرضا وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتم عنك ثم لم تف لهم بشيء من ذلك فلا تغرني هذه المرة من شيء فإني معطيهم عليك الحق قال نعم فأعطهم فوالله لأفين لهم فخرج علي إلى الناس فقال أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون فاقبلوا منه ووكدوا عليه قال الناس قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل فقال لهم علي ذلك لكم ثم دخل عليه فأخبره الخبر فقال عثمان اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي فيه مهلة فإني لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد قال له علي ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه وما غاب فأجله وصول أمرك قال نعم ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام قال علي نعم فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل مظلمة ويعزل كل عامل كرهوه ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه فجعل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح وقد كان اتخذ جندا عظيما من رقيق الخمس فلما مضت الأيام الثلاثة وهو على حاله لم يغير شيئا مما كرهوه ولم يعزل عاملا ثار به الناس وخرج عمرو بن حزم الأنصاري حتى أتى المصريين وهم بذي خشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان ألم نفارقك على أنك زعمت أنك تائب من إحداثك وراجع عما كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه قال بلى أنا على ذلك قالوا فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك وكتبت به إلى عاملك قال ما فعلت ولا لي علم بما تقولون قالوا بريدك على جملك وكتاب كاتبك عليه خاتمك قال أما الجمل فمسروق وقد يشبه الخط الخط وأما الخاتم فانتقش عليه قالوا فإنا لا نعجل عليك وإن كنا قد اتهمناك اعزل عنا عمالك الفساق واستعمل علينا من لا يتهم على دمائنا وأموالنا واردد علينا مظالمنا قال عثمان ما أراني إذا في شيء إن كنت أستعمل من هويتهم وأعزل من كرهتم الأمر إذا أمركم قالوا والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن فانظر لنفسك أو دع فأبى عليهم وقال لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله فحصروه أربعين ليلة وطلحة يصلي بالناس
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون قال حدثنا الحسن قال أنبأني وثاب قال وكان فيمن أدركه عتق أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال ورأيت بحلقه أثر طعنتين كأنهما كتبان طعنهما يومئذ يوم الدار قال بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فجاء قال ابن عون فأظنه قال فطرحت لأمير المؤمنين وسادة وله وسادة فقال يا أشتر ما يريد الناس مني قال ثلاثا ليس من إحداهن بد قال ما هن قال يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول هذا أمركم فاختاروا له من شئتم وبين أن تقص من نفسك فإن أبيت هاتين فإن القوم قاتلوك فقال أما من إحداهن بد قال ما من إحداهن بد فقال أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله عز و جل قال وقال غيره والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أخلع قميصا قمصنيه الله وأترك أمة محمد صلى الله عليه و سلم يعدو بعضها على بعض قال ابن عون وهذا أشبه بكلامه وأما أن أقص على نفسي فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يدي قد كانا

(2/664)


يعاقبان وما يقوم بدني بالقصاص وأما أن تقتلوني فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا ولا تصلون جميعا بعدي أبدا ولا تقاتلون بعدي عدوا جميعا أبدا قال فقام الأشتر فانطلق فمكثنا أياما قال ثم جاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ثم رجع وجاء محمد بن أبي بكر وثلاثة عشر حتى انتهى إلى عثمان فأخذ بلحيته فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه وقال ما أغنى عنك معاوية ما أغنى عنك ابن عامر ما أغنت عنك كتبك قال أرسل يا ابن أخي أرسل لحيتي قال وأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه فقام إليه بمشقص حتى وجأ به في رأسه قلت ثم مه قال تغاووا عليه حتى قتلوه وذكر الواقدي أن يحيى بن عبدالعزيز حدثه عن جعفر بن محمود عن محمد بن مسلمة قال خرجت في نفر من قومي إلى المصريين وكان رؤساؤهم أربعة عبدالرحمن بن عديس البلوي وسودان بن حمران المرادي وعمرو بن الحمق الخزاعي وقد كان هذا الاسم غلب حتى كان يقال حبيس بن الحمق وابن النباع قال فدخلت عليهم وهم في خباء لهم أربعتهم ورأيت الناس لهم تبعا قال فعظمت حق عثمان وما في رقابهم من البيعة وخوفتهم بالفتنة وأعلمتهم أن في قتله اختلافا وأمرا عظيما فلا تكونوا أول من فتحه وأنه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه وأنا ضامن لذلك قال القوم فإن لم ينزع قال قلت فأمركم إليكم قال فانصرف القوم وهم راضون فرجعت إلى عثمان فقلت أخلني فأخلاني فقلت الله الله يا عثمان في نفسك إن هؤلاء القوم إنما قدموا يريدون دمك وأنت ترى خذلان أصحابك لك لا بل هم يقوون عدوك عليك قال فأعطاني الرضا وجزاني خيرا قال ثم خرجت من عنده فأقمت ما شاء الله أن أقيم قال وقد تكلم عثمان برجوع المصريين وذكر أنهم جاؤوا لأمر فبلغهم غيره فانصرفوا فأردت أن آتيه فأعنفه بهما ثم سكت فإذا قائل يقول قد قدم المصريون وهم بالسويداء قال قلت أحق ما تقول قال نعم قال فأرسل إلي عثمان قال وإذا الخبر قد جاءه وقد نزل القوم من ساعتهم ذا خشب فقال يا أبا عبدالرحمن هؤلاء القوم قد رجعوا فما الرأي فيهم قال قلت والله ما أدري إلا أني أظن أنهم لم يرجعوا لخير قال فارجع إليهم فارددهم قال قلت لا والله ما أنا بفاعل قال ولم قال لأني ضمنت لهم أمورا تنزع عنها فلم تنزع عن حرف واحد منها قال فقال الله المستعان قال وخرجت وقدم القوم وحلوا بالأسواف وحصروا عثمان قال وجاءني عبدالرحمن بن عديس ومعه سودان بن حمران وصاحباه فقالوا يا أبا عبدالرحمن ألم تعلم أنك كلمتنا ورددتنا وزعمت أن صاحبنا نازع عما نكره فقلت بلى قال فإذا هم يخرجون إلي صحيفة صغيرة قال وإذا قصبة من رصاص فإذا هم يقولون وجدنا جملا من إبل الصدقة عليه غلام عثمان فأخذنا متاعه ففتشناه فوجدنا فيه هذا الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإذا قدم عليك عبدالرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة واحلق رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك وسودان بن حمران مثل ذلك وعروة بن النباع الليثي مثل ذلك قال فقلت وما يدريكم أن عثمان كتب بهذا قالوا فيفتات مروان على عثمان بهذا فهذا شر فيخرج نفسه من هذا الأمر

(2/665)


ثم قالوا انطلق معنا إليه فقد كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه إذا صلى الظهر وجئنا سعد بن أبي وقاص فقال لا أدخل في أمركم وجئنا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال مثل هذا فقال محمد فأين وعدكم علي قالوا وعدنا إذا صلى الظهر أن يدخل عليه قال محمد فصليت مع علي قال ثم دخلت أنا وعلي عليه فقلنا إن هؤلاء المصريين بالباب فأذن لهم قال ومروان عنده جالس قال فقال مروان دعني جعلت فداك أكلمهم قال فقال عثمان فض الله فاك اخرج عني وما كلامك في هذا الأمر قال فخرج مروان قال وأقبل علي عليه قال وقد أنهى المصريون إليه مثل الذي أنهوا إلي قال فجعل علي يخبره ما وجدوا في كتابهم قال فجعل يقسم بالله ما كتب ولا علم ولا شوور فيه قال فقال محمد بن مسلمة والله إنه لصادق ولكن هذا عمل مروان فقال علي فأدخلهم عليك فليسمعوا عذرك قال ثم أقبل عثمان على علي فقال إن لي قرابة ورحما والله لو كنت في هذه الحلقة لحللتها عنك فاخرج إليهم فكلمهم فإنهم يسمعون منك قال علي والله ما أنا بفاعل ولكن أدخلهم حتى تعتذر إليهم قال فادخلوا قال محمد بن مسلمة فدخلوا يومئذ فما سلموا عليه بالخلافة فعرفت أنه الشر بعينه قالوا سلام عليكم فقلنا وعليكم السلام قال فتكلم القوم وقد قدموا في كلامهم ابن عديس فذكر ما صنع ابن سعد بمصر وذكر تحاملا منه على المسلمين وأهل الذمة وذكر استئثارا منه في غنائم المسلمين فإذا قيل له في ذلك قال هذا كتاب أمير المؤمنين إلي ثم ذكروا أشياء ما أحدث بالمدينة وما خالف به صاحبيه قال فرحلنا من مصر ونحن لا نريد إلا دمك أو تنزع فردنا علي ومحمد بن مسلمة وضمن لنا محمد النزوع عن كل ما تكلمنا فيه ثم أقبلوا على محمد بن مسلمة فقالوا هل قلت ذاك لنا قال محمد فقلت نعم ثم رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله عز و جل عليك ويكون حجة لنا بعد حجة حتى إذا كنا بالبويب أخذنا غلامك فأخذناكتابك وخاتمك إلى عبدالله بن سعد تأمره فيه بجلد ظهورنا والمثل بنا في أشعارنا وطول الحبس لنا وهذا كتابك قال فحمد الله عثمان وأثنى عليه ثم قال والله ما كتبت ولا أمرت ولا شوورت ولا علمت قال فقلت وعلي جميعا قد صدق قال فاستراح إليها عثمان فقال المصريون فمن كتبه قال لا أدري قال أفيجترأ عليك فيبعث غلامك وجمل من صدقات المسلمين وينقش على خاتمك ويكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم قال نعم قالوا فليس مثلك يلي اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه قال لا أنزع قميصا ألبسنيه الله عز و جل قال وكثرت الأصوات واللغط فما كنت أظن أنهم يخرجون حتى يواثبوه قال وقام علي فخرج قال فلما قام علي قمت قال وقال للمصريين اخرجوا فخرجوا قال ورجعت إلى منزلي ورجع علي إلى منزله فما برحوا محاصريه حتى قتلوه قال محمد بن عمر وحدثني عبدالله بن الحارث بن الفضيل عن ابنه عن سفيان بن أبي العوجاء قال قدم المصريون القدمة الأولى فكلم عثمان محمد بن مسلمة فخرج في خمسين راكبا من الأنصار فأتوهم بذي خشب فردهم ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبدالله بن سعد فكروا فانتهوا إلى المدينة وقد تخلف بها من الناس الأشتر وحكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر

(2/666)


عثمان أن يكون كتبه وقال هذا مفتعل قالوا فالكتاب كتاب كاتبك قال أجل ولكنه كتبه بغير أمري قالوا فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك قال أجل ولكنه خرج بغير إذني قالوا فالجمل جملك قال أجل ولكنه أخذ بغير علمي قالوا ما أنت إلا صادق أو كاذب فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه وغفلته وقالوا له إنك ضربت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحق عندما يستنكرون من أعمالك فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالم فقال الإمام يخطئ ويصيب فلا أقيد من نفسي لأني لو أقدت كل من أصبته بخطإ آتي على نفسي قالوا إنك قد أحدثت أحداثا عظاما فاستحققت بها الخلع فإذا كلمت فيها أعطيت التوبة ثم عدت إليها وإلى مثلها ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق ولامنا فيك محمد بن مسلمة وضمن لنا ما حدث من أمر فأخفرته فتبرأ منك وقال لا أدخل في أمره فرجعنا أول مرة لنقطع حجتك ونبلغ أقصى الإعذار إليك نستظهر بالله عز و جل عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت أنه كتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخط كاتبك وعليه خاتمك فقد وقعت عليك بذلك التهمة القبيحة مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم والأثرة في القسم والعقوبة للأمر بالتبسط من الناس والإظهار للتوبة ثم الرجوع إلى الخطيئة ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نخلعك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من لم يحدث مثل ما جربنا منك ولم يقع عليه من الهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا فإن ذلك أسلم لنا منك وأسلم لك منا فقال عثمان فرغتم من جميع ما تريدون قالوا نعم قال الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فإنكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أما قولكم تخلع نفسك فلا أنزع قميصا قمصنيه الله عز و جل وأكرمني به وخصني به على غيري ولكني أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه قالوا إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه ولم تقم عليه لكان علينا أن نقبل منك وأن ننصرف عنك ولكنه قد كان منك من الإحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرة الأولى وما نخشى أن تكتب فينا ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك وكيف نقبل توبتك وقد بلونا منك أنك لا تعطي من نفسك التوبة من ذنب إلا عدت إليه فلسنا منصرفين حتى نعزلك ونستبدل بك فإن حال من معك من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم حتى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحنا بالله فقال عثمان أما أن أتبرأ من الإمارة فإن تصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من أمر الله عز و جل وخلافته وأما قولكم تقاتلون من قاتل دوني فإني لا آمر أحدا بقتالكم فمن قاتل دوني فإنما قاتل بغير أمري ولعمري لو كنت أريد قتالكم لقد كنت كتبت إلى الأجناد فقادوا الجنود وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق فالله الله في أنفسكم أبقوا عليها إن لم تبقوا علي فإنكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دما قال ثم انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمد بن مسلمة فكلمه أن يردهم فقال والله لا أكذب الله في سنة مرتين

(2/667)


قال محمد بن عمر حدثني محمد بن مسلم عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة قال نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب فقال له مروان الآن تندم أنت أشعرته فأسمع سعدا يقول أستغفر الله لم أكن أظن الناس يجترئون هذه الجرأة ولا يطلبون دمه وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك فنزع عن كل ما كره منه وأعطى التوبة وقال لا أتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أتوب وأنزع فقال مروان إن كنت تريد أن تذب عنه فعليك بابن أبي طالب فإنه متستر وهو لا يجبه فخرج سعد حتى أتى عليا وهو بين القبر والمنبر فقال يا أبا حسن قم فداك أبي وأمي جئتك والله بخبر ما جاء به أحد قط إلى أحد تصل رحم ابن عمك وتأخذ بالفضل عليه وتحقن دمه ويرجع الأمر على ما نحب قد أعطى خليفتك من نفسه الرضا فقال علي تقبل الله منه يا أبا إسحاق والله ما زلت أذب عنه حتى إني لأستحي ولكن مروان ومعاوية وعبدالله بن عامر وسعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى فإذا نصحته وأمرته أن ينحيهم استغشني حتى جاء ما ترى قال فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر فسار عليها فأخذ علي بيدي ونهض علي وهو يقول وأي خير توبته هذه فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة أن عثمان قد قتل فلم نزل والله في شر إلى يومنا هذا
قال محمد بن عمر وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال لما خرج المصريون إلى عثمان رضي الله عنه بعث عبدالله بن سعد رسولا أسرع السير يعلم عثمان بمخرجهم ويخبره أنهم يظهرون أنهم يريدون العمرة فقدم الرسول على عثمان بن عفان يخبرهم فتكلم عثمان وبعث إلى أهل مكة يحذر من هناك هؤلاء المصريين ويخبرهم أنهم قد طعنوا على إمامهم ثم إن عبدالله بن سعد خرج إلى عثمان في آثار المصريين وقد كان كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه فأذن له فقدم ابن سعد حتى إذا كان بأيلة بلغه أن المصريين قد رجعوا إلى عثمان وأنهم قد حصروه ومحمد بن أبي حذيفة بمصر فلما بلغ محمدا حصر عثمان وخروج عبدالله بن سعد عنه غلب على مصر فاستجابوا له فأقبل عبدالله بن سعد يريد مصر فمنعه ابن أبي حذيفة فوجه إلى فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان رضي الله عنه وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواف فحصروا عثمان وقدم حكيم بن جبلة من البصرة في ركب وقدم الأشتر في أهل الكوفة فتوافوا بالمدينة فاعتزل الأشتر فاعتزل حكيم بن جبلة وكان ابن عديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان فكانوا خمسمائة فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوما حتى قتل يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين قال محمد وحدثني إبراهيم بن سالم عن أبيه عن بسر بن سعيد قال وحدثني عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة قال دخلت على عثمان رضي الله عنه فتحدثت عنده ساعة فقال يا ابن عياش تعال فأخذ بيدي فأسمعني كلام من علي باب عثمان فسمعنا كلاما منهم من يقول ما تنتظرون به ومنهم من يقول انظروا عسى أن يراجع فبينا أنا وهو واقفان إذ مر طلحة بن عبيد الله فوقف فقال أين ابن عديس فقيل ها هو ذا قال فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده قال فقال لي عثمان هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله ثم قال عثمان اللهم اكفني طلحة بن عبيد الله فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا

(2/668)


وأن يسفك دمه إنه انتهك مني ما لا يحل له سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا يحل دم امرىء مسلم إلا في إحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه فيقتل أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم أو رجل قتل نفسا بغير نفس ففيم أقتل قال ثم رجع عثمان قال ابن عياش فأردت أن أخرج فمنعوني حتى مر بن محمد بن أبي بكر فقال خلوه فخلوني
قال محمد حدثني يعقوب بن عبدالله الأشعري عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال رأيت اليوم الذي دخل فيه على عثمان فدخلوا من دار عمرو بن حزم خوخة هناك حتى دخلوا الدار فناوشوهم شيئا من مناوشة ودخلوا فوالله ما نسينا أن خرج سودان بن حمران فأسمعه يقول أين طلحة بن عبيد الله قد قتلنا ابن عفان قال محمد بن عمر وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه عن أبي حفصة اليماني قال كنت لرجل من أهل البادية من العرب فأعجبته يعني مروان فاشتراني واشترى امرأتي وولدي فأعتقنا جميعا وكنت أكون معه فلما حصر عثمان رضي الله عنه شمرت معه بنو أمية ودخل معه مروان الدار قال فكنت معه في الدار قال فأنا والله أنشبت القتال بين الناس رميت من فوق الدار رجلا من أسلم فقتلته وهو نيار الأسلمي فنشب القتال ثم نزلت فاقتتل الناس على الباب وقاتل مروان حتى سقط فاحتملته فأدخلته بيت عجوز وأغلقت عليه وألقى الناس النيران في أبواب دار عثمان فاحترق بعضها فقال عثمان ما احترق الباب إلا لما هو أعظم منه لا يحركن رجل منكم يده فوالله لو كنت أقصاكم لتخطوكم حتى يقتلوني ولو كنت أدناكم ما جوزوني إلى غيري وإني لصابر كما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصرعن مصرعي الذي كتب الله عز و جل فقال مروان والله لا تقتل وأنا أسمع الصوت ثم خرج بالسيف على الباب يتمثل بهذا الشعر ... قد علمت ذات القرون الميل ... والكف والأنامل الطفول ... أني أروع أول الرعيل ... بفاره مثل قطا الشليل ...
قال محمد وحدثني عبدالله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه عن أبي حفصة قال لما كان يوم الخميس دليت حجرا من فوق الدار فقتلت رجلا من أسلم يقال له نيار فأرسلوا إلى عثمان أن أمكنا من قاتله قال والله ما أعرف له قاتلا فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران فلما أصبحوا غدوا فأول من طلع علينا كنانة بن عتاب في يده شعلة من نار على ظهر سطوحنا قد فتح له من دار آل حزم ثم دخلت الشعل على أثره تنضح بالنفط فقاتلناهم ساعة على الخشب وقد اضطرم الخشب واحترقت الأبواب ومن كانت لي عليه طاعة فليمسك داره فإنما يريدني القوم وسيندمون على قتلي والله لو تركوني لظننت أني لا أحب الحياة ولقد تغيرت حالي وسقط أسناني ورق عظمي قال ثم قال لمروان اجلس فلا تخرج فعصاه مروان فقال والله لا تقتل ولا يخلص إليك وأنا أسمع الصوت ثم خرج إلى الناس فقلت ما لمولاي مترك فخرجت معه أذب عنه ونحن قليل فأسمع مروان يتمثل ... قد علمت ذات القرون الميل ... والكف والأنامل الطفول ...
ثم صاح من يبارز وقد رفع أسفل درعه فجعله في منطقته قال فيشب إليه ابن النباع فضربه ضربة

(2/669)


على رقبته من خلفه فأثبته حتى سقط فما ينبض منه عرق فأدخلته بيت فاطمة ابنة أوس جدة إبراهيم بن العدي قال فكان عبدالملك وبنو أمية يعرفون ذلك لآل العدى
حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم قال حدثنا عبدالرحمن بن شريك قال حدثني أبي عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس عن ابن الحارث بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر بن الحارث بن هشام قال كأني أنظر إلى عبد الرحمن بن عديس البلوي وهو مسند ظهره إلى مسجد نبي الله صلى الله عليه و سلم وعثمان بن عفان رضي الله عنه محصور فخرج مروان بن الحكم فقال من يبارز فقال عبدالرحمن بن عديس لفلان بن عروة قم إلى هذا الرجل فقام إليه غلام شاب طوال فأخذ رفرف الدرع فغرزه في منطقته فأعول له عن ساقه فأهوى له مروان وضربه ابن عروة على عنقه فكأني أنظر إليه حين استدار وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه قال فوثبت عليه فاطمة ابنة أوس جدة إبراهيم بن عدي قال وكانت أرضعت مروان وأرضعت له فقالت إن كنت إنما تريد قتل الرجل فقد قتل وإن كنت تريد أن تلعب بلحمه فهذا قبيح قال فكف عنه فما زالوا يشكرونها لها فاستعملوا ابنها إبراهيم بعد وقال ابن إسحاق قال عبد الرحمن بن عديس البلوي حين سار إلى المدينة من مصر ... أقبلن من بلبيس والصعيد ... مستحقبات حلق الحديد ... يطلبن حق الله في سعيد ... حتى رجعن بالذي نريد ...
حدثني جعفر بن عبدالله المحمدي قال حدثنا عمرو بن حماد علي بن حسين قالا حدثنا حسين بن عيسى عن أبيه قال لما مضت أيام التشريق أطافوا بدار عثمان رضي الله عنه وأبى إلا الإقامة على أمره وأرسل إلى حشمه وخاصته فجمعهم فقام رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقال له نيار بن عياض وكان شيخا كبيرا فنادى يا عثمان فأشرف عليه من أعلى داره فناشده الله وذكره لما اعتزلهم فبينا هو يراجعه الكلام إذ رماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم وزعموا أن الذي رماه كثير بن الصلت الكندي فقالوا لعثمان عند ذلك ادفع إلينا قاتل نيار بن عياض فلنقتله به فقال لم أكن لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي فلما رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فأحرقوه وخرج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة وخرج سعيد بن العاص في عصابة وخرج المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة في عصابة فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الذي حادهم على القتال أنه بلغهم أن مددا من أهل البصرة قد نزلوا صرارا وهي من المدينة على ليلة وأن أهل الشام قد توجهوا مقبلين فقاتلوهم قتالا شديدا على باب الدار فحمل المغيرة بن الأخنس الثقفي على القوم وهو يقول مرتجزا ... قد علمت جارية عطبول ... لها وشاح ولها حجول ... أني بنصل السيف خنشليل ...
فحمل عليه عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وهو يقول
... إن تك بالسيف كما تقول ... فاثبت لقرن ماجد يصول ... بمشرفي حده مصقول

(2/670)


فضربه عبدالله فقتله وحمل رفاعة بن رافع الأنصاري ثم الزرقي على مروان بن الحكم فصربه صرعه فنزل عنه وهو يرى أنه قتله وجرح عبدالله بن الزبير جراحات وانهزم القوم حتى لجأوا إلى القصر فاعتصموا ببابه فاقتتلوا عليه قتالا شديدا فقتل في المعركة على الباب زياد بن نعيم الفهري في ناس من أصحاب عثمان فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو بن حزم الأنصاري باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان ثم نادى الناس فأقبلوا عليه من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا وخلى لهم عن باب الدار فخرجوا هرابا في طرق المدينة وبقي عثمان في أناس من أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه
حدثني يعقوب بن ابراهيم قال حدثنا معتمر بن سليمان التيمي قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال أشرف عليهم عثمان رضي الله عنه ذات يوم فقال السلام عليكم قال فما سمع أحدا من الناس رد عليه إلا أن يرد رجل في نفسه فقال أنشدكم بالله هل علمتم أني اشتريت رومة من مالي يستعذب بها فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين قال قيل نعم قال فما يمنعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر قال أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد قيل نعم قال فهل علمتم أحدا من الناس منع أن يصلي فيه قبلي قال أنشدكم الله هل سمعتم نبي الله صلى الله عليه و سلم يذكر كذا وكذا أشياء بشأنه وذكر الله أياه أيضا في كتابه المفصل قال ففشا النهي قال فجعل الناس يقولون مهلا عن أمير المؤمنين قال وفشا النهي قال وقام الأشتر قال ولا أدري يومئذ أو في يوم آخر فقال لعله قد مكر به وبكم قال فوطئه الناس حتى لقي كذا وكذا قال فرأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكرهم فلم تأخذ فيهم الموعظة وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم قال ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه قال وذاك أنه رأى من الليل أن نبي الله صلى الله عليه و سلم يقول افطر عندنا الليلة قال أبو المعتمر فحدثنا الحسن أن محمد بن أبي بكر دخل عليه فأخذ بلحيته قال فقال له قد أخذت منا مأخذا وقعدت مني مقعدا ما كان أبو بكر ليقعده أو ليأخذه قال فخرج وتركه قال ودخل عليه رجل يقال له الموت الأسود قال فخنقه ثم خفقه قال ثم خرج فقال والله ما رأيت شيئا قط ألين من حلقه والله لقد خنقته حتى رأيت نفسه يتردد في جسده كنفس الجان قال فخرج قال في حديث أبي سعيد دخل على عثمان رجل فقال بيني وبينك كتاب الله قال والمصحف بين يديه قال فيهوي له بالسيف فاتقاه بيده فقطعها فقال لا أدري أبانها أم قطعها ولم يبنها قال فقال أما والله إنها لأول كف خطت المفصل وقال في غير حديث أبي سعيد فدخل عليه التجيبي فأشعره مشقصا فانتضح الدم على هذه الآية فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ( 1 ) قال فإنها في المصحف ما حكت قال وأخذت ابنة الفرافصة في حديث أبي سعيد حليها فوضعته في حجرها وذلك قبل أن يقتل قال فلما أشعر أو قال قتل ناحت عليه قال قال بعضهم قاتلها الله ما أعظم عجيزتها قال فعلمت

(2/671)


أن عدو الله لم يرد إلا الدنيا وأما سيف فإنه قال فيما كتب إلي السري عن شعيب عنه ذكر عن بدر بن عثمان عن عمه قال آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة إن الله عز و جل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله اتقوا الله جل وعز فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ( 1 ) كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله قال أخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني وأرسل إلى طلحة والزبير وعلي وعدة أن ادنوا فاجتمعوا فأشرف عليهم فقال يا أيها الناس اجلسوا فجلسوا جميعا المحارب الطارىء والمسلم المقيم فقال يا أهل المدينة إني أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي وإني والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه ولأدعن هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئا يتخذونه عليكم دخلا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله عز و جل الصانع في ذلك ما أحب وأمر اهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن ومحمدا وابن الزبير وأشباها لهم فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم وثاب إليهم ناس كثير ولزم عثمان الدار كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة قالوا كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين فلما مضت من الأربعين ثمان عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق حبيب من الشام ومعاوية من مصر والقعقاع من الكوفة ومجاشع من البصرة فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء وقد كان يدخل علي بالشيء مما يريد وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة فعثروا في داره بالحجارة ليرموا فيقولوا قوتلنا وذلك ليلا فناداهم الا تتقون الله ألا تعلمون أن في الدار غيري قالوا لا والله ما رميناك قال فمن رمانا قالوا الله قال كذبتم إن الله عز و جل لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه فسرح ابنا لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا وإلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة رضي الله عنها وأزواج النبي صلى الله عليه و سلم فكان أولهم إنجادا له علي وأم حبيبة جاء علي في الغلس فقال يأيها الناس إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي وما تعرض لكم هذا الرجل فبم تستحلون حصره وقتله قالوا لا والله ولا نعمة عين لا نتركه يأكل ولا يشرب فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني فرجع وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة فقيل أم المؤمنين أم حبيبة فضربوا وجه بغلتها فقالت إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل قالوا كاذبة

(2/672)


وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت رحالتها فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل فذهبوا بها إلى بيتها وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها فأبى فقالت أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم فقال ما أنت وذاك يابن التميمية فقال يابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول ... عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا ... ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلا ذليلا ... وكانوا كاليهود أو النصارى ... سواء كلهم ضلوا السبيلا ...
ولحق بالكوفة وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظا على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال يا أم المؤمنين لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل فقالت أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعني لا والله ولا أعير ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات عليهم الرقباء فأشرف عثمان على الناس فقال يا عبدالله بن عباس فدعى له فقال اذهب فأنت على الموسم وكان ممن لزم الباب فقال والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج فأقسم عليه لينطلقن فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته فانصرف بها وفي الزبير اختلاف أأدرك مقتله أو خرج قبله وقال عثمان يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ( 1 ) الآية اللهم حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد قال بعثت ليلى ابنة عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فقالت إن المصباح يأكل نفسه ويضيء للناس فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيكما فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غدا فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم فلجا وخرجا مغضبين يقولان لا ننسى ما صنع بنا عثمان وتقول ماصنع بكما ألا ألزمكما الله فلقيهما سعيد بن العاص وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء فأنكره حين لقيه خارجا من عند ليلى فتمثل له في تلك الحال بيتا ... استبق ودك للصديق ولا تكن ... فيئا يعض بخاذل ملجاجا ...
فأجابه سعيد متمثلا
... ترون إذا ضربا صميما من الذي ... له جانب ناء عن الجرم معور ... كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا فلما بويع الناس جاء السابق فقدم بالسلامة فأخبرهم من الموسم أنهم يريدون جميعا المصريين وأشياعهم وأنهم يريدون

(2/673)


أن يجمعوا ذلك إلى حجهم فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار أعلقهم الشيطان وقالوا لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل فيشتغل بذلك الناس عنا ولم يبق خصلة يرجون بها النجاة إلا قتله فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم واجتلدوا فناداهم عثمان الله الله أنتم في حل من نصرتي فأبوا ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم فلما رأوه أدبر المصريون وركبهم هؤلاء ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين وأقسم على الصحابة ليدخلن فأبوا أن ينصرفوا فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حج ثم تعجل في نفر حجوا معه فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل وقال ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت فاتخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحبا يصلي وعنده ا لمصحف فإذا أعيا جلس فقرأ فيه وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاءوا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة فتأجج الباب والسقيفة حتى إذا احترق الخشب خرت السقيفة على الباب فثار أهل الدار وعثمان يصلي حتى منعوهم الدخول وكان أول من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز ... قد علمت جارية عطبول ... ذات وشاح ولها جديل ... أني بنصل السيف خنشليل ... لأمنعن منكم خليلي ... بصارم ليس بذي فلول ...
وخرج الحسن بن علي وهو يقول
... لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلىطمار شمام ...
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول
... أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابا على رغم معد ...
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول
... صبرنا غداة الدار والموت واقب ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب ... وكنا غداة الروع في الدار نصرة ... نشافههم بالضرب والموت ثاقب ...
فكان آخر من خرج عبدالله بن الزبير وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصية بما أراد وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم فخرج عبدالله بن الزبير آخرهم فما زال يدعي بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان قالوا وأحرقوا الباب وعثمان في الصلاة وقد افتتح طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ( 1 ) وكان سريع القراءة فما كرثه ما سمع وما يخطىء وما يتتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ

(2/674)


الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ( 1 ) وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه ... قد علمت ذات القرون الميل ... والحلي والأنامل الطفول ... لتصدقن بيعتي خليلي ... بصارم ذي رونق مصقول ... لا أستقيل إن أقلت قيلي ...
وأقبل أبو هريرة والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة فدسروا فاستقتلوا فقام معهم وقال أنا إسوتكم وقال هذا يوم طاب امضرب يعني أنه حل القتال وطاب وهذه لغة حمير ونادى يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار وبادر مروان يومئذ ونادى رجل رجل فبرز له رجل من بني ليث يدعي النباع فاختلفا فضربه مروان أسفل رجليه وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه فانكب مروان واستلقى فاجتر هذا أصحابه واجتر الآخر أصحابه فقال المصريون أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير فقال المغيرة من يبارز فبرز له رجل فاجتلد وهو يقول ... أضربهم باليابس ... ضرب غلام بائس ... من الحياة آيس ...
فأجابه صاحبه وقال الناس قتل المغيرة بن الأخنس قال الذي قتله إنا لله فقال له عبدالرحمن بن عديس مالك قال إني أتيت فيما يرى النائم فقيل لي بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار فابتليت به وقتل قباث الكناني نيار بن عبدالله الأسلمي واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملأوها ولا يشعر الذين بالباب وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم وندبوا رجلا لقتله فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال اخلعها وندعك فقال ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلة ولا إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز و جل وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء فخرج وقالوا ما صنعت فقال علقنا والله والله ما ينجينا من الناس إلا قتله وما يحل لنا قتله فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث فقال ممن الرجل فقال ليثي فقال ليثي فقال لست بصاحبي قال وكيف فقال ألست الذي دعا لك النبي صلى الله عليه و سلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا قال بلى قال فلن تضيع فرجع وفارق القوم فأدخلوا عليه رجلا من قريش فقال يا عثمان إني قاتلك قال كلا يا فلان لا تقتلني قال وكيف قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم استغفرلك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما حراما فاستغفر ورجع وفارق أصحابه فأقبل عبدالله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله وقال يا قوم لا تسلوا سيف الله عليكم فوالله إن سللتموه لا تغمدوه ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله والله لئن قتلتموه لتتركنها فقالوا يابن اليهودية وما أنت وهذا فرجع عنهم

(2/675)


قالوا وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر فقال له عثمان ويلك أعلى الله تغضب هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك فنكل ورجع قالوا فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره ثار قتيرة وسودان بن حمران السكونيان والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقر بين يديه وسالت عليه الدماء وجاء سودان بن حمران ليضربه فانكبت عليه نائلة ابنة الفرافصة واتقت السيف بيدها فتعمدها ونفح أصابعها فأطن أصابع يدها وولت فغمز أوراكها وقال إنها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه وقد كان عثمان أعتق من كف منهم فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله ووثب قتيرة على الغلام فقتله وانتهبوا ما في البيت وأخرجوا من فيه ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء وأخذ رجل ملاءة نائلة والرجل يدعى كلثوم بن تجيب فتنحت نائلة فقال ويح أمك من عجيزة ما أتمك وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل وتنادى القوم أبصر رجل من صاحبه وتنادوا في الدار أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلا غرارتان فقالوا النجاء فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس فيه فالتانىء يسترجع ويبكي والطارىء يفرح وندم القوم وكان الزبير قد خرج من المدينة فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو قال إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله عثمان وانتصر له وقيل إن القوم نادمون فقال دبروا دبروا وحيل بينهم وبين ما يشتهون ( 1 ) الآية وأتى الخبر طلحة فقال رحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام وقيل له إن القوم نادمون فقال تبا لهم وقرأ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ( 2 ) وأتى علي فقيل قتل عثمان فقال رحم الله عثمان وخلف علينا بخير وقيل بندم القوم فقرأ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ( 3 ) الآية وطلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال لا أشهد قتله فلما جاءه قتله قال فررنا إلى المدنية تدنينا وقرأ الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( 4 ) اللهم أندمهم ثم خذهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المجالد عن الشعبي عن المغيرة بن شعبة قلت لعلي إن هذا الرجل مقتول وإنه إن قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك فاخرج فكن بمكان كذا وكذا فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس فأبى وحصر عثمان اثنتين وعشرين يوما ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير فيهم عبدالله بن الزبير ومروان فقالوا ائذن لنا فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه فأحرج على رجل يستقبل ويقاتل وخرج الناس كلهم ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده فقال إن أباك الآن لفي أمر عظيم

(2/676)


فأقسمت عليك لما خرجت وأمر عثمان أبا كرب رجلا من همدان وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال وليس فيه إلا غرارتان من ورق فلما أطفئت النار بعد ما ناوشهم ابن الزبير ومروان وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان فلما دخل على عثمان هربا ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته فقال أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولها فأرسلها ودخلوا عليه فمنهم من يجؤه بنعل سيفه وآخر يلكزه وجاءه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترقوته فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله وكان كبيرا وغشي عليه ودخل آخرون فلما رأوه مغشيا عليه جروا برجله فصاحت نائلة وبناته وجاء التجيبي مخترطا سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره وقتل عثمان رضي الله عنه قبل غروب الشمس ونادى مناد ما يحل دمه ويحرج ماله فانتهبوا كل شيء ثم تبادروا بيت المال فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا وقالوا الهرب الهرب هذا ما طلب القوم وذكر محمد بن عمر أن عبد الرحمن بن عبدالعزيز حدثه عن عبدالرحمن بن محمد أن محمد بن أبي بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة بن بشر بن عتاب وسودان بن حمران وعمرو بن الحمق فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة وهو يقرأ في المصحف في سورة البقرة فتقدمهم محمد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال قد أخزاك الله يا نعثل فقال عثمان لست بنعثل ولكني عبدالله وأمير المؤمنين قال محمد ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان فقال عثمان يابن أخي دع عنك لحيتي فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه فقال محمد لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك وما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك قال عثمان أستنصر الله عليك وأستعين به ثم طعن جبينه بمشقص في يده ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان فمضت حتى دخلت في حلقه ثم علاه بالسيف حتى قتله فقال عبدالرحمن سمعت أبا عون يقول ضرب كنانة بن بشر جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجبينه فضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجبينه فقتله قال محمد بن عمر حدثني عبدالرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال الذي قتله كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل حتى إذا كنا بالعرج سمعنا رجلا يتغنى تحت الليل ... ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر ...
قال وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات قال عمرو فأما ثلاث منهن فإني طعنتهن إياه لله وأما ست فإني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه قال محمد وحدثني إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة قال رأيت عروة بن شييم ضرب مروان يوم الدار بالسيف على رقبته فقطع إحدى علباويه فعاش مروان أو قص ومروان الذي يقول
... ماقلت يوم الدار للقوم حاجزوا ... رويدا ولا استبقوا الحياة على القتل ... ولكنني قد قلت للقوم ماصعوا ... بأسيافكم كيما يصلن إلى الكهل ...
قال محمد الواقدي وحدثني يوسف بن يعقوب عن عثمان بن محمد الأخنسي قال كان حصر عثمان

(2/677)


قبل قدوم أهل مصر فقدم أهل مصر يوم الجمعة وقتلوه في الجمعة الأخرى
وحدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال حدثني عبدالله عن حرملة بن عمران قال حدثني يزيد بن أبي حبيب قال ولي قتل عثمان نهران الأصبحي وكان قاتل عبدالله بن بسرة وهو رجل من بني عبد الدار
قال محمد بن عمر وحدثني الحكم بن القاسم عن ابي عون مولى المسور بن مخرمة قال ما زال المصريون كافين عن دمه وعن القتال حتى قدمت أمداد العراق من البصرة ومن الكوفة ومن الشأم فلما جاءوا شجعوا القوم وبلغهم أن البعوث قد فصلت من العراق ومن مصر من عند ابن سعد ولم يكن ابن سعد بمصر قبل ذلك كان هاربا قد خرج إلى الشأم فقالوا نعاجله قبل أن تقدم الأمداد
قال محمد وحدثني الزبير بن عبدالله عن يوسف بن عبدالله بن سلام قال أشرف عثمان عليهم وهو محصور وقد أحاطوا بالدار من كل ناحية فقال أنشدكم بالله جل وعز هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يخير لكم وأن يجمعكم على خيركم فما ظنكم بالله أتقولونه لم يستجب لكم وهنتم على الله سبحانه وأنتم يومئذ أهل حقه من خلقه وجميع أموركم لم تتفرق أم تقولون هان على الله دينه فلم يبال من ولاه والدين يومئذ يعبد به الله ولم يتفرق أهله فتوكلوا أو تخذلوا وتعاقبوا أم تقولون لم يكن أخذ عن مشورة وإنما كابرتم مكابرة فوكل الله الأمة إذا عصته لم تشاوروا في الإمام ولم تجتهدوا في موضع كراهته أم تقولون لم يدر الله ما عاقبة أمري فكنت في بعض أمري محسنا ولأهل الدين رضا فما أحدثت بعد في أمري ما يسخط الله وتسخطون مما لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني وسربلني سربال كرامته وأنشدكم بالله هل تعلمون لي من سابقة خير وسلف خير قدمه الله لي وأشهدنيه من حقه وجهاد عدوه حق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فصلها فمهلا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة رجل زنى بعد إحصانه أو كفر بعد إسلامه أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفعه الله عز و جل عنكم إلى يوم القيامة ولا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني لم تصلوا من بعدي جميعا أبدا ولم تقتسموا بعدي فيئا جميعا أبدا ولن يرفع الله عنكم الاختلاف أبدا قالوا له أما ما ذكرت من استخارة الله عز و جل الناس بعد عمر رضي الله عنه فيمن يولون عليهم ثم ولوك بعد استخارة الله فإن كل ما صنع الله الخيرة ولكن الله سبحانه جعل أمرك بلية ابتلى بها عباده وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنك قد كنت ذا قدم وسلف وكنت أهلا للولاية ولكن بدلت بعد ذلك وأحدثت ما قد علمت وأما ما ذكر ت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء فإنه لا ينبغي ترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت قتل من سعى في الأرض فسادا وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه وقد بغيت ومنعت الحق وحلت دونه وكابرت عليه تأبى أن تقيد من نفسك من ظلمت عمدا وتمسكت بالإمارة علينا وقد جرت في حكمك وقسمك فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه وأن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون بغير أمرك فإنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة فلو أنك

(2/678)


خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك
ذكر بعض سير عثمان بن عفان رضي الله عنه
حدثني زياد بن أيوب قال حدثنا هشيم قال زعم أبو المقدام عن الحسن بن أبي الحسن قال دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان بن عفان متكئا على ردائه فأتاه سقاءان يختصمان فقضى بينهما وفيما كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمارة بن القعقاع عن الحسن البصري قال كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل فشكوه بلغه فقام فقال إلا إني قد سننت الإسلام سن البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سديسا ثم بازلا ألا فهل ينتصر بالبازل إلا النقصان ألا فإن الإسلام قد بزل ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عبادة ألا فأما وابن الخطاب حي فلا إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر فانساحوا في البلاد فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس انقطع اليهم من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام فكان مغموما في الناس وصاروا أوزاعا إليهم وأملوهم وتقدموا في ذلك فقالوا يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام وأول فتنة كانت في العامة ليس إلا ذلك و كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال لم يمت عمر رضي الله عنه حتى ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة فامتنع عليهم وقال إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد فإن كان الرجل ليستأذنه مني الغزو وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة فيقول قد كان في غزوك مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يبلغك وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد وانقطع إليهم الناس فكان أحب إليهم من عمر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن سالم بن عبدالله قال لما ولي عثمان حج سنواته كلها إلا آخر حجة وحج بأزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم كما كان يصنع عمر فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه وجعل في موضع نفسه سعيد بن زيد هذا في مؤخر القطار وهذا في مقدمه وأمن الناس وكتب في الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكونهم وكتب إلى الناس إلى الأمصار أن ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ولا يذل المؤمن نفسه فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوما إن شاء الله فكان الناس بذلك فجرى ذلك إلى أن اتخذه أقوم وسيلة إلى تفريق الأمة وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا لم تمض سنة من إمارة عثمان حتى اتخذ رجال من قريش أموالا في الأمصار وانقطع إليهم الناس وثبتوا سبع سنين كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم ثم إن ابن السوداء أسلم وتكلم وقد فاضت الدنيا وطلعت الأحداث على يديه فاستطالوا عمر عثمان رضي الله عنه

(2/679)


وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبيه قال أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى وسع الناس طيران الحمام والرمي على الجلاهقات فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان فدقصها وكسر الجلاهقات وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبدالله عن عمرو بن شعيب قال أول من منع الحمام الطيارة والجلاهقات عثمان ظهرت بالمدينة فأمر عليها رجلا فمنعهم منها وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد عن أبيه نحوا منه وزاد وحدث بين الناس النشو قال فأرسل عثمان طائفا يطوف عليهم بالعصا فمنعهم من ذلك ثم اشتد ذلك فأفشى الحدود ونبأ ذلك عثمان وشكاه إلى الناس فاجتمعوا على أن يجلدوا في النبيذ فأخذ نفر منهم فجلدوا وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن سالم بن عبدالله قال لما حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار مجاهدين وليدنوا من العرب فمنهم من أتى البصرة ومنهم من أتى الكوفة ومنهم من ومنهم من أتى الشام فهجموا جميعا من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة إلا ما كان من أبناء الشام فرجعوا جميعا إلى المدينة إلا من كان بالشام فأخروا عثمان بخبرهم فقام عثمان في الناس خطيبا فقال يا أهل المدينة أنتم أصل الإسلام وإنما يفسد الناس بفسادكم ويصلحون بصلاحكم والله والله والله لا يبلغني عن أحد منك حدث أحدثه إلا سيرته ألا فلا أعرفن احدا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم بما عليه ولا له وجعل عثمان لا يأخذ أحدا منهم على شر أو شهر سلاح عصا فما فوقها إلا سيره فضج آباؤهم من ذلك حتى بلغه أنهم يقولون ما أحدث التسيير إلا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سير الحكم بن أبي العاص فقال إن الحكم كان مكيا فسيره رسول الله صلى الله عليه و سلم منها إلى الطائف ثم رده إلى بلده فرسول الله صلى الله عليه و سلم سيره بذنبه ورسول الله صلى الله عليه و سلم رده بعفوه وقد سير الخليفة من بعده وعمر رضي الله عنه من بعد الخليفة وأيم الله لأخذن العفو من أخلاقكم ولأبذلنه لكم من خلقي وقد دنت أمور ولا أحب أن تحل بنا وبكم وأنا على وجل وحذر فاحذروا واعتبروا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ويحيى بن سعيد قالا سأل سائل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة ما دعاه إلى الخروج على عثمان فقال كان يتيما في حجر عثمان فكان عثمان والي أيتام أهل بيته ومحتمل كلهم فسأل عثمان العمل حين ولي فقال يا بني لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك ولكن لست هناك قال فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني قال اذهب حيث شئت وجهزه من عنده وحمله وأعطاه فلما وقع إلى مصر فيمن تغيرعليه أن منعه الولاية قيل فعمار بن ياسر قال كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذلك بين آل عمار وآل عتبة شرا حتى اليوم وكنى عما ضربا عليه وفيه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت قال فسألت ابن سليمان بن أبي حثمة فأخبرني أنه تقاذف

(2/680)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية