صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

الظفر وغلبوا المشركين على حسك الخشب فاتخذوا حسك الحديد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عقبة بن مكرم عن بطان بن بشر قال لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء وأهاويل وجعل هاشم يقوم في الناس ويقول إن هذا المنزل منزل له ما بعده وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين فخرجوا عليهم فقام هاشم في الناس فقال أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم واعملوا لله فالتقوا فاقتتلوا وبعث الله عليهم ريحا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعو إلا المحاجزة فتهافت فرسانهم في الخندق فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم تصعد منه خيلهم فأفسدوا حصنهم وبلغ ذلك المسلمين فنظروا إليه فقالوا أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه فلما نهد المسلمون الثانية خرج القوم فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل وتركوا للمجال وجها فخرجوا على المسلمين منه فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش وأعجل وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم فأخذ به وأمر مناديا فنادى يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فأقبلوا إليه ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله وإنما أمر بذلك ليقوي المسلمين به فحمل المسلمون ولا يشكون إلا أن هاشما فيه فلم يقم لحملتهم شيء حتى انتهوا إلى باب الخندق فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به وأخذ المشركون في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم وعادوا رجالة وأتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبيدالله بن محفز عن أبيه قال إني لفي أوائل الجمهور مدخلهم ساباط ومظلمها وإني لفي أوائل الجمهور حين عبروا دجلة ودخلوا المدائن ولقد أصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسد منهم مسدا عليه جوهر فأديته فلما لبثنا بالمدائن إلا قليلا حتى بلغنا أن الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعا عظيما وقدموا عيالاتهم إلى الجبال وحبسوا الأموال فبعث إليهم سعد عمرو بن مالك بن عتبة بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة وكان جند جلولاء اثني عشر ألفا من المسلمين على مقدمتهم القعقاع بن عمرو وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم فلما مروا ببابل مهروذ صالحه دهقانها على أن يفرش له جريب أرض دراهم ففعل وصالحه ثم مضى حتى قدم عليهم بجلولاء فوجدهم قد خندقوا وتحصنوا في خندقهم ومعهم بيت مالهم وتواثقوا وتعاهدوا بالنيران ألا يفروا ونزل المسلمون قريبا منهم وجعلت الأمداد تقدم على المشركين كل يوم من حلوان وجعل يمدهم بكل من أمده من أهل الجبال واستمد المسلمون سعدا فأمدهم بمائتي فارس ثم مائتين ثم مائتين ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة بن فلان أحد بني عبدالدار وعلى خيل الأعاجم خرزاذ بن خرهرمز فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن حتى أنفدوا النبل وحتى أنفدوا النشاب وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها فأقبل القعقاع بن عمرو على الناس فقال أهالتكم هذه قالوا نعم نحن مكلون وهم مريحون

(2/469)


والكال يخاف العجز إلا أن يعقب فقال إنا حاملون عليهم ومجادوهم وغير كافين ولا مقلعين حتى يحكم الله بيننا وبينهم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم ولا يكذبن أحد منكم فحمل فانفرجوا فما نهنه أحد عن باب الخندق وألبسهم الليل رواقه فأخذوا يمنة ويسرة وجاء في الأمداد طليحة وقيس بن المكشوح وعمرو بن معد يكرب وحجر بن عدي فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل ونادى منادي القعقاع بن عمرو أين تحاجزون وأميركم في الخندق فتفار المشركون وحمل المسلمون فأدخل الخندق فأتى فسطاطا فيه مرافق وثياب وإذا فرش على إنسان فأنبشه فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس فأخذتها وثيابها فأديت الثياب وطلبت في الجارية حتى صارت إلي فاتخذتها أم ولد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن حماد بن فلان البرجمي عن أبيه أن خارجة بن الصلت أصاب يومئذ ناقة من ذهب أو فضة موشحة بالدر والياقوت مثل الجفرة إذا وضعت على الأرض وإذا عليها رجل من ذهب موشح كذلك فجاء بها وبه حتى أداهما كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد والوليد بن عبدالله والمجالد وعقبة بن مكرم قالوا وأمر هاشم القعقاع بن عمرو بالطلب فطلبهم حتىبلغ خانقين ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبال وقدم القعقاع حلوان وذلك أن عمر كان كتب إلى سعد إن هزم الله الجندين جند مهران وجند الأنطاق فقدم القعقاع حتى يكون بين السواد والجبل على حد سوادكم فنزل القعقاع بحلوان في جند من الأفناء ومن الحمراء فلم يزل بها إلى أن تحول الناس من المدائن إلى الكوفة فلما خرج سعد من المدائن إلى الكوفة لحق به القعقاع واستعمل على الثغر قباذ وكان من الحمراء وأصله من خراسان ونفل منها من شهدها وبعض من كان بالمدائن نائيا وقالوا واشتركوا في ذلك وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان واستأذنوه في إتباعهم فأبى وقال لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم حسبنا من الريف السواد إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال قالوا ولما بعث هاشم القعقاع في آثار القوم أدرك مهران بخانقين فقتله وأدرك الفيرزان فنزل وتوقل في الظراب وخلى فرسه وأصاب القعقاع سبايا فبعث بهم إلى هاشم من سباياهم واقتسموهم فيما اقتسموا من الفيء فاتخذن فولدن في المسلمين وذلك السبي ينسب إلى جلولاء فيقال سبي جلولاء ومن ذلك السبي أم الشعبي وقعت لرجل من بني عبس فولدت فمات عنها فخلف عليها شراحيل فولدت له عامرا ونشأ في بني عبس كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا واقتسم في جلولاء على كل فارس تسعة آلاف تسعة آلاف وتسعة من الدواب ورجع هاشم بالأخماس إلى سعد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو عن الشعبي قال أفاء الله على المسلمين ما كان في عسكرهم بجلولاء وما كان عليهم وكل دابة كانت معهم إلا اليسير لم يفلتوا بشيء من الأموال وولي قسم ذلك بين المسلمين سلمان بن ربيعة فكانت إليه يومئذ الأقباض والأقسام وكانت العرب تسميه لذلك سلمان الخيل وذلك أنه كان يقسم لها ويقصر بما دونها وكانت العتاق عنده ثلاث طبقات وبلغ سهم الفارس بجلولاء مثل سهمه بالمدائن

(2/470)


كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المجالد وعمرو عن الشعبي قال اقتسم الناس فيء جلولاء على ثلاثين ألف ألف وكان الخمس ستة آلاف ألف كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة ومحمد والمهلب وسعيد قالوا ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها ومن أعظم البلاء ممن كان نائيا بالمدائن وبعث بالأخماس مع فضاعي بن عمرو الدؤلي من الأذهاب والأوراق والآنية والثياب وبعث بالسبي مع أبي مفزر الأسود فمضيا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن زهرة ومحمد بن عمرو قالا بعث الأخماس مع قضاعي وأبي مفزر والحساب مع زياد بن أبي سفيان وكان الذي يكتب للناس ويدونهم فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء له ووصف له فقال عمر هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به فقال والله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك فكيف لا أقوى على هذا من غيرك فقام في الناس بما اصابوا وبما صنعوا وبما يستأذنون فيه من الانسياح في البلاد فقال عمر هذا الخطيب المصقع فقال إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن زهرة ومحمد عن أبي سلمة قال لما قدم على عمر بالأخماس من جلولاء قال عمر والله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه فبات عبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن أرقم يحرسانه في صحن المسجد فلما أصبح جاء في الناس فكشف عنه جلابيبه وهي الأنطاع فلما نظر إلىياقوته وزبرجده وجوهره بكى فقال له عبدالرحمن ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا لموطن شكر فقال عمر والله ما ذاك يبكيني وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا ولا تحاسدوا إلا ألقي بأسهم بينهم وأشكل على عمر في أخماس القادسية حتى خطر عليه ما أفاء الله يعني من الخمس فوضع ذلك في أهله فأجرى خمس جلولاء مجرى خمس القادسية عن ملاء وتشاور وإجماع من المسلمين ونفل من ذلك بعض أهل المدينة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وسعيد وعمرو قالوا وجمع سعد من وراء المدائن وأمر بالإحصاء فوجدهم بضعة وثلاثين ومائة ألف ووجدهم بضعة وثلاثين ألف أهل بيت ووجد قسمتهم ثلاثة لكل رجل منهم بأهلهم فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر أن أقر الفلاحين على حالهم إلا من حارب أوهرب منك إلى عدوك فأدركته وأجر لهم ما أجريت للفلاحين قبلهم وإذا كتبت إليك في قوم فأجروا أمثالهم مجراهم فكتب إليه سعد فيمن لم يكن فلاحا فأجابه أما من سوى الفلاحين فذاك إليكم ما لم تغنموه يعني تقتسموه ومن ترك أرضه من أهل الحرب فخلاها فهي لكم فإن دعوتموهم وقبلتم منهم الجزاء ورددتموهم قبل قسمتها فذمة وإن لم تدعوهم ففيء لكم لمن أفاء الله ذلك عليه وكان أحظى بفيء الأرض أهل جلولاء استأثروا بفيء ما وراء النهروان وشاركوا الناس فيما كان قبل ذلك فأقروا الفلاحين ودعوا من لج ووضعوا الخراج على الفلاحين وعلى من رجع وقبل الذمة واستصفوا ما كان لآل كسرى ومن لج معهم فيئا لمن أفاء الله عليه لا يجاز بيع شيء من ذلك فيما بين الجبل إلى الجبل من أرض العرب إلا من أهله الذين أفاء الله عليهم ولم يجيزوا بيع ذلك فيما بين الناس يعني فيمن لم يفئه الله تعالى عليه ممن يعاملهم ممن لم يفئه الله عز و جل عليه فأقره المسلمون لم يقتسموه لأن قسمته لم تتأت لهم فمن ذلك

(2/471)


الآجام ومغيض المياه وما كان لبيوت النار ولسكك البرد وما كان لكسرى ومن جامعه وما كان لمن قتل والأرحاء فكان بعض من يرق يسأل الولاة قسم ذلك فيمنعهم من ذلك الجمهور أبوا ذلك فانتهوا إلى رأيهم ولم يجيبوا وقالوا لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لفعلنا ولو كان طلب ذلك منهم عن ملإ لقسمها بينهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة بن الأعلم عن ماهان قال لم يثبت أحد من أهل السواد على العهد فيما بينهم وبين أهل الأيام إلا أهل قريات أخذوها عنوةكلهم نكث ما خلا أولئك القريات فلما دعوا إلى الرجوع صاروا ذمة وعليهم الجزاء ولهم المنعة إلا ما كان لآل كسرى ومن معهم فإنه صافية فيما بين حلوان والعراق وكان عمر قد رضي بالسواد من الريف كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال كتبوا إلى عمر في الصوافي فكتب إليهم أن أعمدوا إلى الصوافي التي أصفاكموها الله فوزعوها على من أفاءها الله عليه أربعة أخماس للجند وخمس في مواضعه إلي وإن أحبوا أن ينزلوها فهو الذي لهم فلما جعل ذلك إليهم رأوا ألا يفترقوا في بلاد العجم وأقروها حبيسا لهم يولونها من تراضوا عليه ثم يقتسمونها في كل عام ولا يولونها إلا من أجمعوا عليه بالرضا وكانوا لا يجمعون إلا على الأمراء كانوا بذلك في المدائن وفي الكوفة حين تحولوا إلى الكوفة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة عن أبيه قال كتب عمر أن احتازوا فيئكم فإنكم إن لم تفعلوا فتقادم الأمر بالحج وقد قضيت الذي علي اللهم إني أشهدك عليهم فاشهد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الوليد بن عبدالله عن أبيه قال فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزاء عن أيديهم على قدر طاقتهم وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين وكانت الضيافة لمن أفاءها الله خاصة ميراثا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالعزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت بنحو منه وقالوا جميعا كان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ست عشرة في أولها بينها وبين المدائن تسعة أشهر وقالوا جميعا كان صلح عمر الذي صالح عليه أهل الذمة أنهم إن غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة وإن سبوا مسلما أن ينهكوا عقوبة وإن قاتلوا مسلما أن يقتلوا وعلى عمر منعتهم وبرئ عمر إلى كل ذي عهد من معرة الجيوش كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبدالله والمستنير عن إبراهيم بمثله كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الري كانوا بها حماة أهل فارس ففنى أهل الري يوم جلولاء وقالوا جميعا ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم وصار السواد ذمة لهم إلا ما أصفاهم الله به من مال الأكاسرة ومن لج معهم وقالوا جميعا ولما بلغ أهل فارس قول عمر ورأيه في السواد وما خلفه قالوا ونحن نرضى بمثل الذي رضوا به لا يرضى أكراد كل بلد أن ينالوا من ريفهم

(2/472)


كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد وحكيم بن عمير عن إبراهيم بن يزيد قال لا يحل اشتراء أرض فيما بين حلوان والقادسية والقادسية من الصوافي لأنه لمن أفاءه الله عليه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد عن الشعبي بمثله كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس عن المغيرة بن شبل قال اشترى جرير من أرض السواد صافية على شاطئ الفرات فأتى عمر فأخبره فرد ذلك الشراء وكرهه ونهى عن شراء شيء لم يقتسمه أهله كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن قيس قال قلت للشعبي أخذ السواد عنوة قال نعم وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون فإن بعضهم صالح وبعضهم غلب قلت فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل العرب قال لا ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالعزيز عن حبيب بن أبي ثابت قال ليس لأحد من أهل السواد عقد إلا بني صلوبا وأهل الحيرة وأهل كلواذى وقرى من قرى الفرات ثم غدروا ثم دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا وقال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء ... يوم جلولاء ويوم رستم ... ويوم زحف الكوفة المقدم ... ويوم عرض النهر المحرم ... من بين أيام خلون صرم ... شيبن أصداغي فهن هرم ... مثل ثغام البلد المحرم ...
وقال أبو بجيد ذلك
... ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت ... كتائبنا تردي بأسد عوابس ... ففضت جموع الفرس ثم أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النجائس ... وأفلتهن الفيرزان بجرعة ... ومهران أردت يوم حز القوانس ... أقاموا بدار للمنية موعد ... وللترب تحثوها خجوج الروامس ...
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد قالوا وقد كان عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد إن فتح الله عيكم جلولاء فسرح القعقاع بن عمرو في آثار القوم حتى ينزل بحلوان فيكون ردءا للمسلمين ويحرز الله لكم سوادكم فلما هزم الله عز و جل أهل جلولاء أقام هاشم بن عتبة بجلولاء وخرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم إلى خانقين في جند من أفناء الناس ومن الحمراء فأدرك سبيا من سبيهم وقتل مقاتلة من أدرك وقتل مهران وأفلت الفيرزان فلما بلغ يزدجرد هزيمة أهل جلولاء ومصاب مهران خرج من حلوان سائرا نحو الري وخلف بحلوان خيلا عليها خسروشنوم وأقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على رأس فرسخ من حلوان خرج إليه خسروشنوم وقدم الزينبي دهقان حلوان فلقيه القعقاع فاقتتلوا فقتل الزينبي واحتق فيه عميرة بن طارق وعبدالله فجعله وسلبه بينهما فعد عميرة ذلك حقرة وهرب خسروشنوم واستولى المسلمون على حلوان وأنزلها القعقاع الحمراء وولى عليهم قباذ ولم يزل القعقاع هنالك على الثغر والجزاء بعد ما دعاهم فتراجعوا وأقروا بالجزاء إلى أن تحول سعد من المدائن إلى

(2/473)


الكوفة فلحق به واستخلف قباذ على الثغر وكان أصله خراسانيا وكان في هذه السنة أعني سنة ست عشرة في رواية سيف فتح تكريت وذلك في جمادى منها
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وسعيد وشاركهم الوليد بن عبدالله بن أبي طيبة قالوا كتب سعد في اجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله حتىنزل بتكريت وخندق فيه عليه ليحمي أرضه وفي اجتماع أهل جلولاء على مهران معه فكتب في جلولاء ما قد فرغنا منه وكتب في تكريت واجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق بها أن سرح إلى الأنطاق عبدالله بن المعتم واستعمل على مقدمته ربعي بن الأفكل العنزي وعلى ميمنته الحارث بن حسان الذهلي وعلى ميسرته فرات بن حيان العجلي وعلى ساقته هانئ بن قيس وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة ففصل عبدالله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن فسار إلى تكريت أربعا حتى نزل على الأنطاق ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر ومعه الشهارجة وقد خندقوا بها فحصرهم أربعين يوما فتزاحفوا فيها أربعة وعشرين زحفا وكانوا أهون شوكة وأسرع أمرا من أهل جلولاء ووكل عبدالله بن المعتم بالعرب ليدعوهم إليه وإلىنصرته على الروم فهم لا يخفون عليه شيئا ولما رأت الروم أنهم لا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم ويهزمون في كل ما زاحفوهم تركوا أمراءهم ونقلوا متاعهم إلى السفن وأقبلت العيون من تغلب وإياد والنمر إلى عبدالله بن المعتم بالخبر وسألوه للعرب السلم وأخبروه أنهم قد استجابوا له فأرسل إليهم إن كنتم صادقين بذلك فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقروا بما جاء به من عند الله ثم أعلمونا رأيكم فرجعوا إليهم بذلك فردوهم إليه بالإسلام فردهم إليهم وقال إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها فخذوا بالأبواب التي تلي دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه فانطلقوا حتى تواطئوهم على ذلك ونهد عبدالله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر وقد أخذوا بالأبواب فحسب القوم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم فدخلوا عليهم مما يلي دجلة فبادروا الأبواب التي عليها المسلمون فأخذتهم السيوف سيوف المسلمين مستقبلتهم وسيوف الربعيين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر وقد كان عمر عهد إلى سعد إن هم هزموا أن يأمر عبدالله بن المعتم بتسريح ابن الأفكل العنزي إلى الحصنين فسرح عبدالله بن المعتم بن الأفكل العنزي إلى الحصنين فأخذ بالطريق وقال اسبق الخير وسر ما دون القيل وأحي الليل وسرح معه تغلب وإياد والنمر فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل أحد بني جشم بن سعد وذو القرط وأبو وداعة بن أبي كرب وابن ذي السنينة قتيل الكلاب وابن الحجير الإيادي وبشر بن أبي حوط متساندين فسبقوا الخبر إلى الحصنين ولما كانوا منها قريبا قدموا عتبة بن الوعل فادعى بالظفر والنفل والقفل ثم ذو القرط ثم ابن ذي السنينة ثم ابن الحجير ثم بشر ووقفوا بالأبواب وقد أخذوا بها وأقبلت سرعان الخيل مع ربعي بن الأفكل حتى اقتحمت عليهم الحصنين فكانت إياها فنادوا بالإجابة إلى الصلح فأقام من استجاب وهرب من لم يستجب إلى أن أتاهم عبدالله بن المعتم فلما نزل عليهم عبدالله دعا من لج وذهب ووفى لمن أقام فتراجع الهراب واغتبط المقيم وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة واقتسموا في تكريت على كل سهم ألف درهم للفارس ثلاثة آلاف

(2/474)


وللراجل ألف وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان وولى حرب الموصل ربعي بن الافكل والخراج عرفجة بن هرثمة وفي هذه السنة أعني سنة ست عشرة كان فتح ماسبذان أيضا
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة ومحمد والمهلب وعمرو وسعيد قالوا ولما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى المدائن بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعا فخرج بهم إلى السهل فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر ابعث إليهم ضرار بن الخطاب في جند واجعل على مقدمته ابن الهذيل الأسدي وعلى مجنبتيه عبدالله بن وهب الراسبي حليف بجيلة والمضارب بن فلان العجلي فخرج ضرار بن الخطاب وهو أحد بني محارب بن فهر في الجند وقدم ابن الهذيل حتى انتهى إلى سهل ماسبذان فالتقوا بمكان يدعى بهندف فاقتتلوا بها فأسرع المسلمون في المشركين وأخذ ضرار آذين سلما فأسره فانهزم عنه جيشه فقدمه فضرب عنقه ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان فأخذ ماسبذان عنوة فتطاير أهلها في الجبال فدعاهم فاستجابوا له وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه فنزل الكوفة واستخلف ابن الهذيل على ماسبذان فكانت إحدى فروج الكوفة وفيها كانت وقعة قرقيسياء في رجب
ذكر الخبر عن الوقعة بها
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة ومحمد والمهلب وعمرو وسعيد قالوا ولما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة فأمدوا هرقل على أهل حمص وبعثوا جندا إلى أهل هيت وكتب بذلك سعد إلى عمر فكتب إليه عمر أن ابعث إليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند وابعث على مقدمته الحارث بن يزيد العامري وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر ومالك بن حبيب فخرج عمر بن مالك في جنده سائرا نحو هيت وقدم الحارث بن يزيد حتى نزل على من بهيت وقد خندقوا عليهم فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم واعتصامهم به استطال ذلك فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد محاصرهم وخرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى يجيء قرقيسياء في عرة فأخذها عنوة فأجابوا إلى الجزاء وكتب إلى الحارث بن يزيد إنهم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيي فسمحوا بالاستجابة وانضم الجند إلى عمر والأعاجم إلى أهل بلادهم وقال الواقدي وفي هذه السنة غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع وقال وفيها تزوج ابن عمر صفية بنت أبي عبيدة قال وفيها ماتت مارية أم ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم أم إبراهيم وصلى عليها عمر وقبرها بالبقيع في المحرم قال وفيها كتب التأريخ في شهر ربيع الأول

(2/475)


قال وحدثني ابن أبي سبرة عن عثمان بن عبيدالله بن أبي رافع عن ابن المسيب قال أول من كتب التأريخ عمر لسنتين ونصف من خلافته فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي بن أبي طالب
حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردي عن عثمان بن عبيدالله بن أبي رافع قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم من أي يوم نكتب فقال علي من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم وترك أرض الشرك ففعله عمر
وحدثني عبدالرحمن قال حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وفيها ولد عبدالله بن الزبير وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب واستخلف على المدينة فيما زعم الواقدي زيد بن ثابت وكان عامل عمر في هذه السنة على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى اليمن يعلى بن أمية وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى الشأم كلها أبو عبيدة بن الجراح وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو قرة وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة وعلى حرب الموصل ربعي بن الأفكل وعلى الخراج بها عرفجة بن هرثمة في قول بعضهم وفي قول آخرين عتبة بن فرقد على الحرب والخراج وقيل ذلك كله كان إلى عبدالله بن المعتم وعلى الجزيرة عياض بن عمرو الأشعري

(2/476)


ثم دخلت سنة سبع عشرة
ففيها اختطت الكوفة وتحول سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بن عمر وروايته
ذكر سبب تحول من تحول من المسلمين من المدائن إلى الكوفة
وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيف كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما جاء فتح جلولاء وحلوان ونزول القعقاع بن عمرو بحلوان فيمن معه وجاء فتح تكريت والحصنين ونزول عبدالله بن المعتم وابن الأفكل الحصنين فيمن معه وقدمت الوفود بذلك على عمر فلما رآهم عمر قال والله ما هيئتكم بالهيئة التي أبدأتم بها ولقد قدمت وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما أبدؤوا ولقد انتكيتم فما غيركم قالوا وخومة البلاد فنظر في حوائجهم وعجل سراحهم وكان في وفود عبدالله بن المعتم عتبة بن الوعل وذو القرط وابن ذي السنينة وابن الحجير وبشر فعاقدوا عمر على بني تغلب فعقد لهم على أن من أسلم منهم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومن أبى فعليه الجزاء وإنما الإجبار من العرب على من كان في جزيرة العرب فقالوا إذا يهربون وينقطعون فيصيرون عجما فأمر أجمل الصدقة فقال ليس إلا الجزاء فقالوا تجعل جزيتهم مثل صدقة المسلم فهو مجهودهم ففعل على ألا ينصروا وليدا ممن أسلم آباؤهم فقالوا لك ذلك فهاجر هؤلاء التغلبيون ومن أطاعهم من النمريين والأياديين إلى سعد بالمدائن وخطوا معه بعد بالكوفة وأقام من اقام في بلاده على ما أخذوا لهم على عمر مسلمهم وذميهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن ابن شبرمة عن الشعبي قال كتب حذيفة إلى عمر إن العرب قد أترفت بطونها وخفت أعضادها وتغيرت ألوانها وحذيفة يومئذ مع سعد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأصحابهما قالوا كتب عمرإلىسعد انبئني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم فكتب إليه إن العرب خددهم وكفى ألوانهم وخومة المدائن ودجلة فكتب إليه إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان فابعث سلمان رائدا وحذيفة وكانا رائدي الجيش فليرتادا منزلا بريا بحريا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر ولم يكن بقي من أمر الجيش شيء إلا وقد أسنده إلى رجل فبعث سعد حذيفة وسلمان فخرج سلمان حتى يأتي الأنبار فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة وخرج حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة

(2/477)


والكوفة علىحصباء وكل رملة حمراء يقال لها سهلة وكل حصباء ورمل هكذا مختلطين فهو كوفة فأتيا عليها وفيها ديرات ثلاثة دير حرقة ودير أم عمرو ودير سلسلة وخصاص خلال ذلك فأعجبتهما البقعة فنزلا فصليا وقال كل واحد منهما اللهم رب السماء وما أظلت ورب الأرض وما أقلت والريح وما ذرت والنجوم وما هوت والبحار وما جرت والشياطين وما أضلت والخصاص وما أجنت بارك لنا في هذه الكوفة واجعله منزل ثبات وكتب إلى سعد بالخبر
حدثني محمد بن عبدالله بن صفوان قال حدثنا أمية بن خالد قال حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبدالرحمن قال لما هزم الناس يوم جلولاء رجع سعد بالناس فلما قدم عمار خرج بالناس إلى المدائن فاجتووها قال عمار هل تصلح بها الإبل قالوا لا إن بها البعوض قال قال عمر إن العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل قال فخرج عمار بالناس حتى نزل الكوفة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مخلد بن قيس عن أبيه عن النسير بن ثور قال ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذباب وكتب إلى سعد في بعثه روادا يرتادون منزلا بريا بحريا فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلا ما أصلح البعير والشاة سأل من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان وظهر الكوفة يقال له اللسان وهو فيما بين النهرين إلى العين عين بني الحذاء كانت العرب تقول أدلع البر لسانه في الريف فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي الطين منه فهو النجاف فكتب إلى سعد يأمره به كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحةوالمهلب وعمرو وسعيد قالوا ولما قدم سلمان وحذيفة على سعد وأخبراه عن الكوفة وقدم كتاب عمر بالذي ذكرا له كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو أن خلف على الناس بجلولاء قباذ فيمن تبعكم إلىمن كان معه من الحمراء ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده وكتب سعد إلى عبدالله بن المعتم أن خلف على الموصل مسلم بن عبدالله الذي كان اسر أيام القادسية فيمن استجاب لكم من الأساورة ومن كان معكم منهم ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في المحرم سنة سبع عشرة وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران وكان بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر اختطت سنة أربع من إمارة عمر في المحرم سنة سبع عشرة من التأريخ وأعطوا العطايا بالمدائن في المحرم من هذه السنة قبل أن يرتحلوا وفي بهرسير في المحرم سنة ست عشرة واستقر بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها كلها ارتحلوا عنها في المحرم سنة سبع عشرة واستقر باقي قرارهما اليوم في شهر واحد وقال الواقدي سمعت القاسم بن معن يقول نزل الناس الكوفة في آخر سنة سبع عشرة قال وحدثني ابن أبي الرقاد عن أبيه قال نزلوها حين دخلت سنة ثماني عشرة في أول السنة رجع الحديث إلى حديث سيف قالوا وكتب عمر إلى سعد بن مالك وإلى عتبة بن غزوان أن يتربعا بالناس في كل حين ربيع في أطيب أرضهم وأمر لهم بمعاونهم في الربيع من كل سنة وبإعطائهم في المحرم من كل سنة وبفيئهم عند طلوع الشعري في كل سنة وذلك عند إدراك الغلات وأخذوا قبل نزول الكوفة عطاءين

(2/478)


كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مخلد بن قيس عن رجل من بني أسد يدعى المغرور قال لما نزل سعد الكوفة كتب إلى عمر إني قد نزلت بكوفة منزلا بين الحيرة والفرات بريا بحريا ينبت الحلي والنصي وخيرت المسلمين بالمدائن فمن أعجبه المقام فيها تركته فيها كالمسلحة فبقي اقوام من الأفناء وأكثرهم بنو عبس كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد والمهلب قالوا ولما نزل أهل الكوفة الكوفة واستقرت بأهل البصرة الدار عرف القوم أنفسهم وثاب إليهم ما كانوا فقدوا ثم إن أهل الكوفة استأذنوا في بنيان القصب واستأذن فيه أهل البصرة فقال عمر العسكر أجد لحربكم وأذكى لكم وما أحب أن أخالفكم وما القصب قالوا العكرش إذا روي قصب فصار قصبا قال فشأنكم فابتنى أهل المصرين بالقصب ثم إن الحريق وقع بالكوفة وبالبصرة وكان أشدهما حريقا الكوفة فاحترق ثمانون عريشا ولم يبق فيها قصبة في شوال فما زال الناس يذكرون ذلك فبعث سعد منهم نفرا إلى عمر يستأذنون في البناء باللبن فقدموا عليه بالخبر عن الحريق وما بلغ منهم وكانوا لا يدعون شيئا ولا يأتونه إلا وآمروه فيه فقال افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة فرجع القوم إلى الكوفة بذلك وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك وعلى تنزيل أهل الكوفة أبو الهياج بن مالك وعلى تنزيل أهل البصرة عاصم بن الدلف أبو الجرباء قال وعهد عمر إلى الوفد وتقدم إلى الناس ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر قال ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم من القصد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا لما أجمعوا على أن يضعوا بنيان الكوفة أرسل سعد إلى أبي الهياج فأخبره بكتاب عمر في الطرق أنه أمر بالمناهج أربعين ذراعا وما يليها ثلاثين ذراعا وما بين ذلك عشرين وبالأزقة سبع أذرع ليس دون ذلك شيء وفي القطائع ستين ذراعا إلا الذي لبني ضبة فاجتمع أهل الرأي للتقدير حتى إذا أقاموا على شيء قسم أبو الهياج عليه فأول شيء خط بالكوفة وبني حين عزموا على البناء المسجد فوضع في موضع أصحاب الصابون والتمارين من السوق فاختطوه ثم قام رجل في وسطه رام شديد النزع فرمى عن يمينه فأمر من شاء أن يبني وراء موقع ذلك السهم ورمى به بين يديه ومن خلفه وأمر من شاء أن يبني وراء موقع السهمين فترك المسجد في مربعة غلوة من كل جوانبه وبنى ظلة في مقدمه ليست لها مجنبات ولا مواخير والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا وكذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيما لحرمته وكانت ظلته مائتي ذراع على أساطين رخام كانت للأكاسرة سماؤها كأسمية الكنائس الرومية وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان وبنوا لسعد دارا بحياله بينهما طريق منقب مائتي ذراع وجعل فيها بيوت الأموال وهي قصر الكوفة اليوم بنى ذلك له روزبه من آجر بنيان الأكاسرة بالحيرة ونهج في الودعة من الصحن خمسة مناهج وفي قبلته أربعة مناهج وفي شرقيه ثلاثة مناهج وفي غربيه ثلاثة مناهج وعلمها فأنزل في ودعة الصحن سليما وثقيفا مما يلي الصحن على طريقين وهمدان على طريق وبجيلة على طريق آخر وتيم اللات

(2/479)


على آخرهم وتغلب وأنزل في قبلة الصحن بني أسد على طريق وبين بني أسد والنخع طريق وبين النخع وكندة طريق وبين كندة والأزد طريق وأنزل في شرقي الصحن الأنصار ومزينة على طريق وتميما ومحاربا على طريق وأسدا وعامرا على طريق وأنزل في غربي الصحن بجالة وبجلة على طريق وجديلة وأخلاطا على طريق وجهينة وأخلاطا على طريق فكان هؤلاء الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك واقتسمت علىالسهمان فهذه مناهجها العظمى وبنوا مناهج دونها تحاذي هذه ثم تلاقيها وأخر تتبعها وهي دونها في الذرع والمحال من ورائها وفيما بينها وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن ونزل فيها الأعشار من أهل الأيام والقوادس وحمى لأهل الثغور والموصل أماكن حتى يوافوا إليها فلما ردفتهم الروادف البدء والثناء وكثروا عليهم ضيق الناس المحال فمن كانت رادفته كثيرة شخص إليهم وترك محلته ومن كانت رادفته قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رادفته لقلته إذا كانوا جيرانهم وإلا وسعوا على روادفهم وضيقوا على أنفسهم فكان الصحن على حاله زمان عمر كله لا تطمع فيه القبائل ليس فيه إلا المسجد والقصر والأسواق في غير بنيان ولا أعلام وقال عمر الأسواق على سنة المساجد من سبق إلى مقعد فهو له حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه وقد كانوا أعدوا مناخا لكل رادف فكان كل من يجيء سواء فيه وذلك المناخ اليوم دور بني البكاء حتى يأتوا بالهياج فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبوا وقد بنى سعد في الذين خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم فشيده وجعل فيه بيت المال وسكن ناحيته ثم إن بيت المال نقب عليه نقبا وأخذ من المال وكتب سعد بذلك إلى عمر ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن مما يلي ودعة الدار فكتب إليه عمر أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار واجعل الدار قبلته فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل وفيهم حصن لما لهم فنقل المسجد وأراغ بنيانه فقال له دهقان من أهل همذان يقال له روزبه بن بزرجمهر أنا أبنيه لك وأبني لك قصرا فأصلهما ويكون بنيانا واحدا فخط قصر الكوفة على ما خط عليه ثم أنشأه من نقض آجر قصر كان للأكاسرة في ضواحي الحيرة على مساحته اليوم ولم يسمح به ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر يمنة على القبلة ثم مد به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة علي بن أبي طالب عليه السلام والرحبة قبلته ثم مد به فكانت قبلة المسجد إلى الرحبة وميمنة القصر وكان بنيانه على اساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنبات فلم يزل على ذلك حتىبني أزمان معاوية بن أبي سفيان بنيانه اليوم على يدي زياد ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنائين من بنائي الجاهلية فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهي من طوله في السماء وقال أشتهي من ذلك شيئا لا أقع على صفته فقال له بناء قد كان بناء لكسرى لا يجيء هذا إلا بأساطين من جبال أهواز تنقر ثم تثقب ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء ثم تسقفه وتجعل له مجنبات ومواخير فيكون أثبت له فقال هذه الصفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها وغلق باب القصر وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث فلما بنى ادعى الناس عليه ما لم يقل وقالوا قال سعد سكن عني الصويت وبلغ عمر ذلك وأن الناس يسمونه قصر سعد فدعا محمد بن مسلمة فسرحه إلى الكوفة وقال اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه ثم ارجع عودك على بدئك فخرج حتى قدم الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به القصر فأحرق الباب وأتي سعد فأخبر الخبر فقال هذا رسول أرسل لهذا من الشأن وبعث لينظر من هو فإذا هو محمد بن مسلمة فارسل إليه رسولا بأن أدخل فأبى

(2/480)


فخرج إليه سعد فأراده على الدخول والنزول فأبى وعرض عليه نفقة فلم يأخذ ودفع كتاب عمر إلى سعد بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا ويسمى قصر سعد وجعلت بينك وبين الناس بابا فليس بقصرك ولكنه قصر الخيال انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه ولا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت فحلف له سعد ما قال الذي قالوا ورجع محمد بن مسلمة من فوره حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر فقدم على عمر وقد سنق فأخبره خبره كله فقال فهلا قبلت من سعد فقال لو أردت ذلك كتبت لي به أو أذنت لي فيه فقال عمر إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم أو قال به ولم ينكل وأخبره بيمين سعد وقوله فصدق سعدا وقال هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني وكتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطاء أبي محمد مولى إسحاق بن طلحة قال كنت أجلس في المسجد الأعظم قبل أن يبنيه زياد وليست له مجنبات ولا مواخير فأرى منه دير هند وباب الجسر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن ابن شبرمة عن الشعبي قال كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمر بن عياش أخي أبي بكر بن عياش عن أبي كثير أن روزبه بن بزرجمهر بن ساسان كان همذانيا وكان على فرج من فروج الروم فأدخل عليهم سلاحا فأخافه الأكاسرة فلحق بالروم فلم يأمن حتى قدم سعد بن مالك فبنى له القصر والمسجد ثم كتب معه إلى عمر وأخبره بحاله فاسلم وفرض له عمر وأعطاه وصرفه إلى سعد مع أكريائه والأكرياء يومئذ هم العباد حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له قبر العبادي مات فحفروا له ثم انتظروا به من يمر بهم ممن يشهدونه موته فمر قوم من الأعراب وقد حفروا له على الطريق فأروهموه ليبرؤوا من دمه وأشهدوهم ذلك فقالوا قبر العبادي وقيل قبر العبادي لمكان الأكرياء قال أبو كثير فهو والله أبي قال فقلت أفلا تخبر الناس بحاله قال لا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والهلب وعمر وسعيد وزياد قالوا ورجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا فكتب سعد إلى عمر تعديلهم فكتب إليه أن عدلهم فأرسل إلى قوم من نساب العرب وذوي رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نمران ومشلعة بن نعيم فعدلوهم عن الأسباع فجعلوهم أسباعا فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم وجديلة وهم بنو عمرو بن قيس عيلان سبعا وصارت قضاعة ومنهم يومئذ غسان بن شبام وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت والأزد سبعا وصارت مذحج وحمير وهمدان وحلفاءهم سبعا وصارت تميم وسائر الرباب وهوازن سبعا وصارت أسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب سبعا وصارت إياد وعك وعبدالقيس وأهل هجر والحمراء سبعا فلم يزالوا بذلك زمان عمر وعثمان وعلي وعامة إمارة معاوية حتى ربعهم زياد
إعادة تعريف الناس
وعرفوهم على مائة ألف درهم فكانت كل عرافة من القادسية خاصة ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثا وأربعين امرأة وخمسين من العيال لهم مائة ألف درهم وكل عرافة من أهل الأيام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف وعشرين

(2/481)


امرأة وكل عيل علىمائة على مائة الف درهم وكل عرافة من الرادفة الأولى ستين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمسمائة على مائة ألف درهم ثم على هذا من الحساب وقال عطية بن الحارث قد أدركت مائة عريف وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة كان العطاء يدفع إلى امراء الأسباع وأصحاب الرايات والرايات على أيادي العرب فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء فيدفعونه إلى أهله في دورهم
فتوح المدائن قبل الكوفة
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد قالوا فتوح المدائن السواد وحلوان وما سبذان وقرقيسياء فكانت الثغور ثغور الكوفة أربعة حلوان عليها القعقاع بن عمرو وماسبذان عليها ضرار بن الخطاب الفهري وقرقيسياء عليها عمر بن مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف والموصل عليها عبدالله بن المعتم فكانوا بذلك والناس مقيمون بالمدائن بعدما تحول سعد إلى تمصير الكوفة وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور من يمسك بها ويقوم عليها فكان خليفة القعقاع على حلوان قباذ بن عبدالله وخليفة عبدالله على الموصل مسلم بن عبدالله وخليفة ضرار رافع بن عبدالله وخليفة عمر عشنق بن عبدالله وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الأساورة ويرفعوا عنهم الجزاء ففعلوا فلما اختطت الكوفة وإذن للناس بالبناء نقل الناس أبوابهم من المدائن إلى الكوفة فعلقوها على ما بنوا وأوطنوا الكوفة وهذه ثغورهم وليس في أيدييهم من الريف إلا ذلك كتب السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن عامر قال كانت الكوفة وسوادها والفروج حلوان والموصل وماسبذان وقرقيسياء ثم وافقهم في الحديث عمرو بن الريان عن موسى بن عيسى الهمداني بمثل حديثهم ونهاهم عما وراء ذلك ولم يأذن لهم في الانسياح وقالوا جميعا ولي سعد بن مالك على الكوفة بعدما اختطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وما سبذان وقرقيسياء إلى البصرة ومات عتبة بن غزوان وهو على البصرة فظع بعمله وسعد على الكوفة فولى عمر أبا سبرة مكان عتبة بن غزوان ثم عزل أبا سبرة عن البصرة واستعمل المغيرة ثم عزل المغيرة واستعتمل أبا موسى الأشعري
ذكر خبر حمص حين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم
وفي هذه السنة قصدت الروم أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من جند المسلمين بحمص لحربهم فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة وهو فيما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد قالوا أول ما أذن عمر للجند بالانسياح أن الروم خرجوا وقد تكاتبوا هم وأهل الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمص فضم أبو عبيدة إليه مسالحه وعسكروا بفناء مدينة حمص وأقبل خالد من قنسرين حتى انضم إليهم فيمن انضم من أمراء المسالح فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصن إلى مجيء الغياث فكان خالد يأمره أن يناجزهم وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصن ويكتب إلى عمر فأطاعهم وعصى خالدا وكتب إلى عمر يخبره بخروجهم عليه وشغلهم أجناد أهل الشأم عنه وقد كان عمر اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدة لكون إن كان فكان

(2/482)


بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس فلما وقع الخبر لعمر كتب إلى سعد بن مالك أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص فإن أبا عبيدة قد أحيط به وتقدم إليهم في الجد والحث وكتب أيضا إليه أن سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص وإن أهل قرقيسياء لهم سلف وسرح عبدالله بن عبدالله بن عتبان إلى نصيبين فإن أهل قرقيسياء لهم سلف ثم لينفضا حران والرهاء وسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وسرح عياضا فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض بن غنم وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدين لأهل الشأم وممن انصرف أيام انصراف أهل العراق ممدين لأهل القادسية وكان يرافد أبا عبيدة فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حمص وخرج عياض بن غنم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريق الجزيرة على الفراض وغير الفراض وتوجه كل أمير إلى الكورة التي أمر عليها فأتى الرقة وخرج عمر من المدينة مغيثا لأبي عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأن الجنود قد ضربت من الكوفة ولم يدروا الجزيرة ما يريدون أم حمص فتفرقوا إلى بلدانهم وإخوانهم وخلوا الروم ورأى أبو عبيدة أمرا لما انفضوا غير الأول فاستشار خالدا في الخروج فأمره بالخروج ففتح الله عليهم وقدم القعقاع بن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة وقدم عمر فنزل الجابية فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم في ثلاث وبالحكم في ذلك فكتب إليهم أن أشركوهم وقال جزى الله أهل الكوفة خيرا يكفون حوزتهم ويمدون أهل الأمصار كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن زكرياء بن سياه عن الشعبي قال استمد أبو عبيدة عمر وخرجت عليه الروم وتابعهم النصارى فحصروه فخرج وكتب إلى أهل الكوفة فنفر إليهم في غداة أربعة آلاف على البغال يجنبون الخيل فقدموا على أبي عبيدة في ثلاث بعد الوقعة فكتب فيهم إلى عمر وقد انتهى إلى الجابية فكتب إليه أن أشركهم فإنهم قد نفروا إليكم وتفرق لهم عدوكم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن طلحة عن ماهان قال كان لعمر أربعة آلاف فرس عدة لكون إن كان يشتيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته ومن أجل ذلك يسمى ذلك المكان الآري إلى اليوم ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول فسمته الأعاجم آخر الشاهجان يعنون معلف الأمراء وكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة يصنع سوابقها ويجريها في كل عام وبالبصرة نحو منها وقيمه عليها جزء بن معاوية وفي كل مصر من الأمصار الثمانية على قدرها فإن نابتهم نائبة ركب قوم وتقدموا إلى أن يستعد الناس كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن حلام عن شهر بن مالك بنحو منه فلما فرغوا رجعوا وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة افتتحت الجزيرة في رواية سيف وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أنها افتتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة وذكر من سبب فتحها ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص إن الله قد فتح على المسلمين الشام والعراق فابعث من عندك جندا إلى

(2/483)


الجزيرة وأمر عليهم أحد الثلاثة خالد بن عرفطة أو هاشم بن عتبة أو عياض بن غنم فلما انتهى إلى سعد كتاب عمر قال ما أخر أمير المؤمنين عياض بن غنم آخر القوم إلا أنه له فيه هوى أو أوليه وأنا موليه فبعثه وبعث معه جيشا وبعث أبا موسى الأشعري وابنه عمر بن سعد وهو غلام حدث السن ليس إليه من الأمر شيء وعثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي وذلك في سنة تسع عشرة فخرج عياض إلى الجزيرة فنزل بجنده على الرهاء فصالحه أهلها على الجزية وصالحت حران حين صالحت الرهاء فصالحه أهلها على الجزية ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين ووجه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردء للمسلمين وسار بنفسه في بقية الناس إلى دارا فنزل عليها حتى افتتحها فافتتح أبو موسى نصيبين وذلك في سنة تسع عشرة ثم وجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فكان عندها شيء من قتال أصيب فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا ثم صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجزية على كل أهل بيت دينار ثم كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وأما في رواية سيف فإن الخبر في ذلك فيما كتب به إلى السري عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد قالوا خرج عياض بن غنم في أثر القعقاع وخرج القواد يعني حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددا لأبي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها فسلك سهيل بن عدي وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرقة وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بمقبل أهل الكوفة فنزل عليهم فأقام محاصرهم حتى صالحوه وذلك أنهم قالوا فيما بينهم أنتم بين أهل العراق وأهل الشأم فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة فرأى أن يقبل منهم فبايعوه وقبل منهم وكان الذي عقد لهم سهيل بن عدي عن أمر عياض لأنه أمير القتال وأجروا ما أخذوا عنوة ثم أجابوا مجرى أهل الذمة وخرج عبدالله بن عبد الله بن عتبان فسلك على دجلة حتى انتهى لى الموصل فعبر إلى بلد حتى أتى نصيبين فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة وخافوا مثل الذي خافوا فكتبوا إلى عياض فرأى أن يقبل منهم فعقد لهم عبدالله بن عبدالله وأجروا ما أخذوا عنوة ثم أجابوا مجرى أهل الذمة وخرج الوليد بن عقبة حتى قدم على بني تغلب وعرب الجزيرة فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا إياد بن نزار فإنهم ارتحلوا بقليتهم فاقتحموا أرض الروم فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا وعبدالله إليه فسار بالناس إلى حران فأخذ ما دونها فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم وأجرى من أجاب بعد غلبه مجرى أهل الذمة ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبدالله إلى الرهاء فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية وأجرى من دونهم مجراهم فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا وأيسره فتحا فكانت تلك السهولة مهجنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين وقال عياض بن غنم ... من مبلغ الأقوام أن جموعنا ... حوت الجزيرة يوم ذات زحام ... جمعوا الجزيرة والغياث فنفسوا ... عمن بحمص غيابة القدام ... إن الأعزة والأكارم معشر ... فضوا الجزيرة عن فراخ الهام ... غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا ... عن غزو من يأوي بلاد الشام

(2/484)


ولما نزل عمر الجابية وفرغا أهل حمص أمد عياض بن غنم بحبيب بن مسلمة فقدم على عياض مددا وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بن غنم إذ ضم خالدا إلى المدينة فصرفه إليه وصرف سهيل بن عدي وعبدالله بن عبدالله إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق واستعمل حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها والوليد بن عقبة على عرب الجزيرة فأقاما بالجزيرة على أعمالهما قالوا ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب إلى ملك الروم إنه بلغني أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك فوالله لتخرجنه او لننبذن إلى النصارى ثم لنخرجنهم إليك فأخرجهم ملك الروم فخرجوا فتم منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عدي بن زياد وخنس بقيتهم فتفرقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من بني تغلب إلا الإسلام فقالوا له أما من نقب على قومه في صلح سعد ومن كان قبله فأنتم وذاك وأما من لم ينقب عليه أحد ولم يجر ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه فكتب فيهم إلى عمر فأجابه عمر إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام فدعهم على ألا ينصروا وليدا وأقبل منهم إذا أسلموا فقبل منهم على ألا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام فأعطى بعضهم ذلك فأخذوا به وأبى بعضهم إلا الجزاء فرضي منهم بما رضي من العباد وتنوخ كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطية عن أبي سيف التغلبي قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عاهد وفدهم على ألا ينصروا وليدا فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم ولم يكن على غيرهم فلما كان زمان عمر قال مسلموهم لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء فإنهم يغضبون من ذكر الجزاء على ألا ينصروا مولودا إذا أسلم آباؤهم فخرج وفدهم في ذلك إلى عمر فلما بعث الوليد إليه برؤوس النصارى وبديانهم قال لهم عمد أدوا الجزية فقالوا لعمر أبلغنا مأمننا والله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم والله لتفضحنا من بين العرب فقال لهم أنتم فضحتم أنفسكم وخالفتم أمتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية وتالله لتؤدنه وأنتم صغرة قمأة ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم ثم لأسبينكم قالوا فخذ منا شيئا ولا تسمه جزاء فقال أما نحن فنسميه جزاء وسموه أنتم ما شئتم فقال له علي بن أبي طالب يا أمير المؤمنين ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة قال بلى وأصغى إليه فرضي به منهم جزاء فرجعوا على ذلك وكان في بني تغلب عز وامتناع ولا يزالون ينازعون الوليد فهم بهم الوليد وقال في ذلك ... إذا ما عصبت الرأس مني بمشوذ ... فغيك مني تغلب ابنة وائل ... وبلغت عنه عمر فخاف أن يحرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم فعزله وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملي وخرج الوليد واستودع إبلا له حريث بن النعمان أحد بني كنانة بن تيم من بني تغلب وكانت مائة من الإبل فاختانها بعدما خرج الوليد وكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة في ذي الحجة وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة خرج عمر من المدينة يريد الشام حتى بلغ سرغ في قول ابن إسحاق حدثنا بذلك ابن حميد عن سلمة عنه وفي قول الواقدي

(2/485)


ذكر الخبر عن خروجه إليها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال خرج عمر إلى الشأم غازيا في سنة سبع عشرة حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد فأخبروه أن الأرض سقيمة فرجع بالناس إلى المدينة وقد كان عمر كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن عبد الحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن عبدالله بن عباس خرج غازيا وخرج معه المهاجرون والأنصار وأوعب الناس معه حتى إذا نزل بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه أن الأرض سقيمة فقال عمر اجمع إلي المهاجرين الأولين قال فجمعتهم له فاستشارهم فاختلفوا عليه فمنهم القائل خرجت لوجه تريد فيه الله وما عنده ولا نرى أن يصدك عنه بلاء عرض لك ومنهم القائل إنه لبلاء وفناء ما نرى أن تقدم عليه فلما اختلفوا عليه قال قوموا عني ثم قال اجمع لي مهاجرة الأنصار فجمعتهم له فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله فلما اختلفوا عليه قال قوموا عني ثم قال اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش فجمعتهم له فاستشارهم فلم يختلف عليهم منهن اثنان وقالوا ارجع بالناس فإنه بلاء وفناء قال فقال لي عمر يابن عباس اصرخ في الناس فقل إن أمير المؤمنين يقول لكم إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه قال فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه فلما اجتمعوا عليه قال أيها الناس إني راجع فارجعوا فقال له أبو عبيدة بن الجراح أفرارا من قدر الله قال نعم فرارا من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس يرعى من رعى الجدبة بقدر الله ويرعى من رعى الخصبة بقدر الله ثم قال لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة ثم خلا به بناحية دون الناس فبينا الناس على ذلك إذ أتى عبد الرحمن بن عوف وكان متخلفا عن الناس لم يشهدهم بالأمس فقال ما شأن الناس فأخبر الخبر فقال عندي من هذا علم فقال عمر فأنت عندنا الأمين المصدق فماذا عندك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه ولا يخرجنكم إلا ذلك فقال عمر فلله الحمد انصرفوا أيها الناس فانصرف بهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وسالم بن عبد الله بن عمر أنهما حدثاه عن عمر إنما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف فلما رجع عمر رجع عمال الأجناد الى أعمالهم وأما سيف فإنه روى في ذلك ما كتب به إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان والربيع قالوا وقع الطاعون بالشام ومصر والعراق واستقر بالشام ومات فيه الناس الذين هم في كل الأمصار في المحرم وصفر وارتفع عن الناس وكتبوا بذلك إلى عمر ما خلا الشام فخرج حتى إذا كان منها قريبا بلغه أنه أشد ما كان فقال وقال الصحابة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرجع حتى ارتفع عنها وكتبوا بذلك إليه وبما في أيديهم من المواريث فجمع الناس في جمادى الأولى سنة سبع عشرة فاستشارهم في البلدان فقال إني قد بدا لي أن أطرف على

(2/486)


المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم فأشيروا علي وكعب الأحبار في القوم وفي تلك السنة من إمارة عمر أسلم فقال كعب بأيها تريد أن تبدأ يا أمير المؤمنين قال بالعراق قال فلا تفعل فإن الشر عشرة أجزاء والخير عشرة أجزاء فجزء من الخير بالمشرق وتسعة بالمغرب وإن جزءا من الشر بالمغرب وتسعة بالمشرق وبها قرن الشيطان وكل داء عضال كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن سعيد عن الأصبغ عن علي قال قام إليه علي فقال يا أمير المؤمنين والله إن الكوفة للهجرة بعد الهجرة وإنها لقبة الإسلام وليأتين عليها يوم لا يبقى مؤمن إلا أتاها وحن إليها والله لينصرن بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المطرح عن القاسم عن أبي أمامة قال وقال عثمان يا أمير المؤمنين إن المغرب أرض الشر وإن الشر قسم مائة جزء فجزء في الناس وسائر الأجزاء بها كتب إلي السري عن سيف عن أبي يحيى التميمي عن أبي ماجد قال قال عمر الكوفة رمح الله وقبة الإسلام وجمجمة العرب يكفون ثغورهم ويمدون الأمصار فقد ضاعت مواريث أهل عمواس فأبدأ بها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا قال عمر ضاعت مواريث الناس بالشأم أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأنبذ إليهم أمري فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة ومرتين في سنة سبع عشرة لم يدخلها في الأولى من الآخرتين كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن بكر بن وائل عن محمد بن مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قسم الحفظ عشرة أجزاء فتسعة في الترك وجزء في سائر الناس وقسم البخل عشرة أجزاء فتسعة في فارس وجزء في سائر الناس وقسم السخاء عشرة أجزاء فتسعة في السودان وجزء في سائر الناس وقسم الشبق عشرة أجزاء فتسعة في الهند وجزء في سائر الناس وقسم الحياء عشرة أجزاء فتسعة في النساء وجزء في سائر الناس وقسم الحسد عشرة أجزاء فتسعة في العرب وجزء في سائر الناس وقسم الكبر عشرة أجزاء فتسعة في الروم وجزء في سائر الناس واختلف في خبر طاعون عمواس وفي أي سنة كان فقال ابن أسحاق ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه قال ثم دخلت سنة ثماني عشرة ففيها كان طاعون عمواس فتفانى فيها الناس فتوفي أبو عبيدة بن الجراح وهو أمير الناس ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعتبة بن سهيل وأشراف الناس
وحدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كان طاعون عمواس والجابية في سنة ثماني عشرة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن شعة بن الحجاج عن المخارق بن عبدالله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي قال أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال لا عليكم أن تخفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم ولا عليكم أن تنزهوا عن هذه

(2/487)


القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء سأخبركم بما يكره مما يتقي من ذلك أن يظن من خرج انه لو أقام مات ويظن من أقام فأصابه ذلك لو أنه لو خرج لم يصبه فإذا لم يظن هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشأم عام طاعون عمواس فلما اشتغل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي قال فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء قال يغفر الله لأمير المؤمنين ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إن قد عرفت حاجتك إلي وإني في جند من المسلمين لا أجد نفسي رغبة عنهم فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة قال لا وكأن قد قال ثم كتب إليه سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا غمقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة فلما أتاه كتابه دعاني فقال يا أبا موسى إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت فرجعت إليه فقلت له والله لقد كان في أهلي حدث فقال لعل صاحبتك أصيبت قلت نعم فأمر ببعيره فرحل له فلما وضع رجله في غرزة طعن فقال والله لقد أصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورفع عن الناس الوباء
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن شهر بن حوشب الأشعري عن رابة رجل من قومه وكان قد خلف على أمه بعد أبيه كان شهد طاعون عمواس قال لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبا فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه و سلم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه فطعن فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل قال فقام خطيبا بعده فقال أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن معاذا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظهم فطعن ابنه عبدالرحمن بن معاذ فمات ثم قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام خطيبا في الناس فقال أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال فقال أبو وائلة الهذلي كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنت شر من حماري هذا قال والله ما أرد عليك ما تقول وأيم الله لا نقيم عليه ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ورفعه الله عنهم قال فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاص فوالله ما كرهه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن رجل عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي أنه كان يقول بلغني هذا من قول أبي عبيدة وقول معاذ بن جبل إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم فكنت أقول كيف دعا به رسول الله صلى الله عليه و سلم لأمته حتى حدثني بعض من لا أتهم عن رسول الله أنه سمعه منه وجاءه جبريل عليه السلام فقال إن فناء أمتك يكون بالطعن أو الطاعون فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اللهم فناء الطاعون فعرفت أنها التي كان قال أبو عبيدة ومعاذ

(2/488)


حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان أمر معاوية بن أبي سفيان على جند دمشق وخراجها وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها وأما سيف فإنه زعم أن طاعون عمواس كان في سنة سبع عشرة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم قالوا كان ذلك الطاعون يعنون طاعون عمواس موتانا لم ير مثله طمع له العدو في المسلمين وتخوفت له قلوب المسلمين كثر موته وطال مكثه مكث أشهرا حتى تكلم في ذلك الناس كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن سعيد عن أبي سعيد قال أصاب البصرة من ذلك موت ذريع فأمر رجل من بني تميم غلاما له أعجميا أن يحمل ابنا له صغيرا ليس له ولد غيره على حمار ثم يسوق به إلى سفوان حتى يلحقه فخرج في آخر الليل ثم اتبعه وقد أشرف على سفوان ودنا من ابنه وغلامه فرفع الغلام عقيرته يقول ... لن يعجزوا الله على حمار ... ولا على ذي غرة مطار ... قد يصبح الموت أمام الساري ...
فسكت حتى انتهى إليهم فإذا هم هم قال ويحك ماقلت قال ما أدري قال ارجع فرجع بابنه وعلم أنه قد أسمع آية وأريها قال وعزم رجل على الخروج إلى أرض بها الطاعون فتردد بعدما طعن فإذا غلام له أعجمي يحدو به ... يأيها المشعر هما لا تهم ... إنك إن تكتب لك الحمى تحم ...
وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة كان خروج عمر إلى الشأم الخرجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك في قول سيف وأما ابن إسحاق فقد مضى ذكره
ذكر الخبر عن سيف في ذلك والخبر عما ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع قالوا وخرج عمر وخلف عليا على المدينة وخرج معه بالصحابة وأغذوا السير واتخذ أيلة طريقا حتى إذا دنا منها تنحى عن الطريق واتبعه غلامه فنزل فبال ثم عاد فركب بعيرغلامه وعلى رحله فرو مقلوب وأعطى غلامه مركبه فلما تلقاه أوائل الناس قالوا أين أمير المؤمنين قال أمامكم يعني نفسه وذهبوا هم إلى أمامهم فجازوه حتى انتهى هو إلي أيلة فنزلها وقيل للمتلقين قد دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها فرجعوا إليه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدم عمر بن الخطاب أيلة ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصا له كرابيس قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير إلى الأسقف وقال اغسل هذا ورقعه فانطلق الأسقف بالقميص ورقعه وخاط له آخر مثله فراح به إلى عمر فقال ما هذا قال الأسقف أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته وأما هذا فكسوة لك مني فنظر

(2/489)


إليه عمر ومسحه ثم لبس قميصه ورد عليه ذلك القميص وقال هذا أنشفهما للعرق كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطية وهلال عن رافع بن عمر قال سمعت العباس بالجابية يقول لعمر أربع من عمل بهن استوجب العدل الأمانة في المال والتسوية في القسم والوفاء بالعدة والخروج من العيوب نظف نفسك وأهلك كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان والربيع وأبي حارثة بإسنادهم قالوا قسم عمر الأرزاق وسمى الشواتي والصوائف وسد فروج الشأم ومسالحها وأخذ يدور بها وسمى ذلك في كل كورة واستعمل عبدالله بن قيس على السواحل من كل كورة وعزل شرحبيل واستعمل معاوية وأمر أبا عبيدة وخالدا تحته فقال له شرحبيل أعن سخطة عزلتني يا أمير المؤمنين قال لا إنك لكما أحب ولكني أريد رجلا أقوى من رجل قال نعم فاعذرني في الناس لا تدركني هجنة فقام في الناس فقال أيها الناس إني والله ما عزلت شرحبيل عن سخطة ولكني أردت رجلا أقوى من رجل وأمر عمرو بن عبسة على الأهراء وسمى كل شيء ثم قام في الناس بالوداع كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي ضمرة وأبي عمرو عن المستورد عن عدي بن سهيل قال لما فرغ من فروجه وأموره قسم المواريث فورث بعض الورثة من بعض ثم أخرجها إلى الأحياء من ورثة كل امرىء منهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة فقال المهاجر بن خالد بن الوليد ... من يسكن الشأم يعرس به ... والشأم إن لم يفننا كارب ... أفنى بني ريطة فرسانهم ... عشرون لم يقصص له شارب ... ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا أعجب العاجب ... طعنا وطاعونا مناياهم ... ذلك ما خط لنا الكاتب ...
قال وقفل عمر من الشأم إلى المدينة في ذي الحجة وخطب حين أراد القفول فحمد الله وأثنى عليه وقال ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولأني الله من أمركم إن شاء الله قسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم وأبلغنا ما لديكم فجندنا لكم الجنود وهيأنا لكم الفروج وبوأناكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيئكم وما قاتلتم عليه من شأمكم وسمينا لكم أطماعكم وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانمكم فمن علم علم شيء ينبغي العمل به فبلغنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله وحضرت الصلاة وقال الناس لو أمرت بلالا فأذن فأمره فأذن فما بقي أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم وبلال يؤذن له إلا بكى حتى بل لحيته وعمر أشدهم بكاء وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكره صلى الله عليه و سلم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة قالا فما زال خالد على قنسرين حتى غزا غزوته التي أصاب فيها وقسم فيها ما أصاب لنفسه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد مثله قالوا وبلغ عمر أن خالدا دخل

(2/490)


الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر فكتب إليه بلغني أنك تدلكت بخمر وإن الله قد حرم ظاهرالخمر وباطنه كما حرم ظاهر الإثم وباطنه وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس وإن فعلتم فلا تعودوا فكتب إليه خالد إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب إليه عمر إني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى إليه ذلك وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم في رواية سيف عن شيوخه ذكر من قال ذلك كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلب قالوا وأدرب سنة سبع عشرة خالد وعياض فسارا فأصابا أموالا عظيمة وكانا توجها من الجابية مرجع عمر إلى المدينة وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يديه على قنسرين وعلى دمشق يزيد بن أبي سفيان وعلى الأردن معاوية وعلى فلسطين علقمة بن مجزز وعلى الأهراء عمرو بن عبسة وعلى السواحل عبدالله بن قيس وعلى كل عمل عامل فقامت مسالح الشأم ومصر والعراق على ذلك إلى اليوم لم تجز أمة إلى أخرى عملها بعد إلا أن يقتحموا عليهم بعد كفر منهم فيقدموا مسالحهم بعد ذلك فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد وأبي عثمان والربيع وأبي حارثة قالوا ولما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الصائفة انتجعه رجال فانتجع خالدا رجال من أهل الآفاق فكان الأشعث بن قيس ممن انتجع خالدا بقنسرين فأجازه بعشرة آلاف وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله كتب إليه من العراق بخروج من خرج ومن الشأم بجائزة من أجيز فيها فدعا البريد وكتب معه إلى أبي عبيدة أن يقم خالدا ويعقله بعمامته وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث أمن ماله أم من إصابة أصابها فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف واعزله على كل حال وأضمم إليك عمله فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر فقام البريد فقال يا خالد أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة فلم يجبه حتى أكثر عليه وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا فقام بلال إليه فقال إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال ما تقول أمن مالك أم من إصابة قال لا بل من مالي فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عممه بيده ثم قال نسمع ونطيع لولاتنا ونفخم ونخدم موالينا قالوا وأقام خالد متحيرا لا يدري أمعزول أم غير معزول وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان فكتب إليه بالإقبال فأتى خالد أبا عبيدة فقال رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم فقال أبو عبيدة إني والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بدا وقد علمت أن ذلك يروعك قال فرجع خالد إلى قنسرين فخطب أهل عمله وودعهم وتحمل ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر فشكاه وقال لقد شكوتك إلى المسلمين وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر فقال عمر من أين هذا الثراء قال من الأنفال والسهمان ما زاد على الستين ألفا فلك فقوم عمر عروضه فخرجت إليه

(2/491)


عشرون ألفا فأدخلها بيت المال ثم قال يا خالد والله إنك علي لكريم وإنك إلي لحبيب ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن المستورد عن أبيه عن عدي بن سهيل قال كتب عمر إلى الأمصار إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وألا يكونوا بعرض فتنة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مبشر عن سالم قال لما قدم خالد على عمر قال عمر متمثلا ... صنعت فلم يصنع كصنعك صانع ... ومايصنع الأقوام فالله يصنع ...
فأغرمه شيئا ثم عوضه وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصرهم وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة اعتمر عمر وبنى المسجد الحرام فيما زعم الواقدي ووسع فيه وأقام بمكة عشرين ليلة وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها قال وكان ذلك الشهر الذي اعتمر فيه رجب وخلف على المدينة زيد بن ثابت قال الواقدي وفي عمرته هذه أمر بتجديد أنصاب الحرم فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن عبد عوف وحويطب بن عبدالعزي وسعيد بن يربوع
قال وحدثني كثير بن عبدالله المزني عن أبيه عن جده قال قدمنا مع عمر مكة في عمرته سنة سبع عشرة فمر بالطريق فكلمه أهل المياه أن يبتنوا منازل بين مكة والمدينة ولم يكن قبل ذلك بناء فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء قال وفيها تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم ودخل بها في ذي القعدة قال وفي هذه السنة ولى عمر أبا موسى البصرة وأمره أن يشخص إليه المغيرة في ربيع الأول فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن ابن المسيب أبو بكرة وشبل بن معبد البجلي ونافع بن كلدة وزياد
قال وحدثني محمد بن يعقوب بن عتبة عن أبيه قال كان يختلف إلى أم جميل امرأة من بني هلال وكان لها زوج هلك قبل ذلك من ثقيف يقال له الحجاج بن عبيد فكان يدخل عليها فبلغ ذلك أهل البصرة فأعظموه فخرج المغيرة يوما من الأيام حتى دخل عليها وقد وضعوا عليها الرصد فانطلق القوم الذين شهدوا جميعا فكشفوا الستر وقد واقعها فوفد أبو بكرة إلى عمر فسمع صوته وبينه وبينه حجاب فقال أبو بكرة قال نعم قال لقد جئت لشر قال إنما جاء بي المغيرة ثم قص عليه القصة فبعث عمر أبا موس الأشعري عاملا وأمره أن يبعث إليه المغيرة فأهدى المغيرة لأبي موسى عقيلة وقال إن رضيتها لك فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر

(2/492)


قال الواقدي وحدثني عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال حضرت عمر حين قدم بالمغيرة وقد تزوج امرأة من بني مرة فقال له إنك لفارغ القلب طويل الشبق فسمعت عمر يسأل عن المرأة فقال يقال لها الرقطاء وزوجها من ثقيف وهو من بني هلال
قال أبو جعفر وكان سبب ما كان بين أبي بكرة والشهادة عليه فيما كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو بإسنادهم قالوا كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة أن المغيرة كان يناغيه وكان أبو بكرة ينافره عند كل ما يكون منه وكانا بالبصرة وكانا متجاورين بينهما طريق وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الأخرى فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت ريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة فقال للنفر قوموا فانظروا فقاموا فنظروا ثم قال اشهدوا قالوا من هذه قال أم جميل ابنة الأفقم وكانت أم جميل إحدى بني عامر بن صعصعة وكانت غاشية للمغيرة وتغشى الأمراء والأشراف وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها فقالوا إنما رأينا أعجازا ولا ندري ما الوجه ثم إنهم صمموا حين قامت فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال لا تصل بنا فكتبوا إلى عمر بذلك وتكاتبوا فبعث عمر إلى أبي موسى فقال يا أبا موسى إني مستعملك إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ فالزم ما تعرف ولا تستبدل فيستبدل الله بك فقال يا أمير المؤمنين أعني بعدة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به فاستعن بمن أحببت فاستعان بتسعة وعشرين رجلا منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر ثم خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال والله ما جاء أبو موسى زائرا ولا تاجرا ولكنه جاء أميرا فإنهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم فدفع إليه أبو موسى كتابا من عمر وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس أربع كلم عزل فيها وعاتب واستحث وأمر أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم إليه ما في يدك والعجل وكتب إلى أهل البصرة أما بعد فإني قد بعثت أبا موسى أميرا عليكم ليأخذ لضعيفكم من قويكم وليقاتل بكم عدوكم وليدفع عن ذمتكم وليحصي لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم ولينقي لك طرقكم وأهدى له المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى عقيلة وقال إني قد رضيتها لك وكانت فارهة وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر فجمع بينهم وبين المغيرة فقال المغيرة سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني مستقبلهم أو مستدبرهم وكيف رأوا المرأة أو عرفوها فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت شبهها فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة قال كيف رأيتهما قال مستدبرهما قال فكيف استثبت رأسها قال تحاملت ثم دعا بشبل بن معبد فشهد بمثل ذلك فقال استدبرتهما أو استقبلتهما قال استقبلتهما وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم قال رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان واستين

(2/493)


مكشوفتين وسمعت خفزانا شديدا قال هل رأيت كالميل في المكحلة قال لا قال فهل تعرف المرأة قال لا ولكن أشبهها قال فتنح وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد وقرأ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ( 1 ) فقال المغيرة اشفني من الأعبد فقال اسكت اسكت الله نأمتك أما والله لم تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة فتحت سوق الأهواز ومناذر ونهر تيرى في قول بعضهم وفي قول آخرين كان ذلك في سنة ست عشرة من الهجرة
ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى
كتب إلي السري يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف بن عمر عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في اهل فارس وكانت أمته مهرجان قذف وكور الأهواز فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس فلما انهزم يوم القادسية كان وجهه إلى أمته فملكهم وقاتل بهم من أرادهم فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من وجهين من مناذر ونهر تيرى فاستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده سعد بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة وكانا من المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهما من بني العدوية من بني حنظلة فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان بينهم وبين مناذر ودعوا بن العم فخرج إليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي فتركا نعيما ونعيما ونكبا عنهما وأتيا سلمى وحرملة وقالا أنتما من العشيرة وليس لكما مترك فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان فإن أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى فنقتل المقاتلة ثم يكون وجهنا إليكم فليس دون الهرمزان شيء إن شاء الله ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك قال وكان من حديث العمي والعمي مرة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أنه تنخت عليه وعلى العصية بن امرىء القيس أفناء معد فعماه عن الرشد من لم ير نصره فارس على آل أردوان فقال في ذلك كعب بن مالك أخوه ويقال صدي بن مالك ... لقد عم عنها مرة الخير فانصمى ... وصم فلم يسمع دعاء العشائر ... ليتنخ عنا رغبة عن بلاده ... ويطلب ملكا عاليا في الأساور ...
فبهذا البيت سمي العم فقيل بنو العم عموه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله تبارك وتعالى فعموا وصموا ( 2 ) وقال يربوع بن مالك ... لقد علمت عليا معد بأننا ... غداة التباهي غر ذاك التبادر ... تنخنا على رغم العداة ولم ننخ ... بحي تميم والعديد الجماهر ... نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل ... لنا فيهم إحدى الهنات البهاتر

(2/494)


إذا العرب العلياء جاشت بحورها ... فخرنا على كل البحور الزواخر ...
وقال أبوب بن العصية بن امرىء القيس
... لنحن سبقنا بالتنوخ القبائلا ... وعمدا تنخنا حيث جاؤوا قنابلا ... وكنا ملوكا قد عززنا الأوائلا ... وفي كل قرن قد ملكنا الحلائلا ...
فلما كانت تلك الليلة ليلة الموعد من سلمى وحرملة وغالب وكليب والهرمزان يومئذ بين نهر تيرى بين دلث خرج سلمى وحرملة صبيحتها في تعبية وأنهضا نعيما ونعيما فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى وسلمة بن القين على أهل البصرة ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة فاقتتلوا فبيناهم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب وأتى الهرمزان الخبر بأن مناذر ونهر تيرى قد أخذتا فكسر الله في ذرعه وذرع جنده وهزمه وإياهم فقتلوا منهم ما شاؤوا وأصابوا منهم ما شاؤوا وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطىء دجيل وأخذوا ما دونه وعسكروا بحيال سوق الأهواز وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وأقام بها وصار دجيل بين الهرمزان وحرملة وسلمى ونعيم ونعيم وغالب وكليب كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن المغيرة العبدي عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا قال قدمت على هرم بن حيان فيما بين الدلوث ودجيل بجلال من تمر وكان لا يصبر عنه وكان جل زاده إذا تزود التمر فإذا فني انتخب له مزاود من جلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثما كان من سهل أو جبل قالوا ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحياله من الأهواز رأى مالا طاقة له به فطلب الصلح فكتبوا إلى عتبة بذلك يستأمرونه فيه وكاتبه الهرمزان فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجان قذف ما خلا نهر تيرى ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز فإنه لا يرد عليهم ما تنقذنا وجعل سلمى بن القين على مناذر مسلحة وأمرها إلى غالب وحرملة على نهر تيرى وأمرها إلى كليب فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بني العم فنزلوا منازلهم من البصرة وجعلوا يتتابعون على ذلك وقد كتب بذلك عتبة إلى عمر ووفد وفدا منهم سلمى وأمره أن يستخلف على عمله وحرملة وكانا من الصحابة وغالب وكليب ووفد وفود من البصرة يومئذ فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم فكلهم قال أما العامة فأنت صاحبها ولم يبق إلا خواص أنفسنا فطلبوا لأنفسهم إلا ما كان من الأحنف بن قيس فإنه قال يا أمير المؤمنين إنك لكما ذكروا ولقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخبر ويسمع بآذانهم وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر وإن أخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب فتأتيهم ثمارهم ولم تخضد وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة زعقة نشاشة طرف لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج يجري إليها ما جرى في مثل مريء النعامة دارنا فعمة ووظيفتنا ضيقة وعددنا كثير وأشرافنا قليل وأهل البلاء فينا كثير ودرهمنا كبير وقفيزنا صغير وقد وسع الله علينا وزادنا في أرضنا فوسع علينا يا أمير المؤمنين وزدنا وظيفة توظف علينا ونعيش بها فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن صاروا إلى الحجر فنفلهموه وأقطعهموه وكان مما كان لآل كسرى فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر فاقتسموه وكان سائر ما كان لآل

(2/495)


كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا ويقتسمونه بينهم لا يستأثرون به على بدء ولا ثني بعدما يرفعون خمسة إلى الوالي فكانت قطائع أهل البصرة نصفين نصفها مقسوم ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع وكان أصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم ألحق جميع من شهد الأهواز ثم قال هذا الغلام سيد أهل البصرة وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويشرب برأيه ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهر تيرى فكانوا عدة فيه لكون إن كان وليميزوا خراجها كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا بينا الناس من أهل البصرة وذمتهم على ذلك وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف وادعاء فحضر ذلك سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم فوجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا فحالا بينه وبينهما فكفر الهرمزان أيضا ومنع ما قبله واستعان بالأكراد فكثف جنده وكتب سلمى وحرملة وغالب وكليب ببغي الهرمزان وظلمه وكفره إلى عتبة بن غزوان فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر يأمره بأمره وأمدهم عمر بحرقوص بن زهير السعدي وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه فنهد الهرمزان بمن معه وسلمى وحرملة وغالب وكليب حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز أرسلوا إلى الهرمزان إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم فقال اعبروا إلينا فعبروا من فوق الجسر فاقتتلوا فوق الجسر مما يلي سوق الأهواز حتى هزم الهرمزان ووجه نحو رامهرمز فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشغر حتى حل برامهرمز وافتتح حرقوص سوق الأهواز فأقام بها ونزل الجبل واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر ووفد وفدا بذلك فحمد الله ودعا له بالثبات والزيادة وقال الأسود بن سرييبع في ذلك وكانت له صحبة ... لعمرك ما أضاع بنو أبينا ... ولكن حافظوا فيمن يطيع ... أطاعوا ربهم وعصاه قوم ... أضاعوا أمره فيمن يضيع ... مجوس لا ينهنهها كتاب ... فلاقوا كبة فيها قبوع ... وولى الهرمزان على جواد ... سريع الشد يثفنه الجميع ... وخلى سرة الأهواز كرها ... غداة الجسر إذ نجم الربيع ...
وقال حرقوص
... غلبنا الهرمزان على بلاد ... لها في كل ناحية ذخائر ... سواء برهم والبحر فيها ... إذا صارت نواجبها بواكر ... لها بحر يعج بجانبيه ... جعافر لا يزال لها زواخر ...
وفيها فتحت تستر في قول سيف وروايته أعني سنة سبع عشرة وقال بعضهم فتحت سنة ست عشرة وبعضهم يقول في سنة تسع عشرة
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا لما انهزم الهرمزان

(2/496)


يوم سوق الأهواز وافتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز أقام بها وبعث جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سرق وقد كان عهد إليه فيه إن فتح الله عليهم أن يتبعه جزءا ويكون وجهه إلى سرق فخرج جزء في أثر الهرمزان والهرمزان متوجه إلى رامهرمز هاربا فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر وأعجزه بها الهرمزان فمال جزء إلى دورق من قرية الشغر وهي شاغرة برجلها ودورق مدينة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها فأخذها صافية وكتب إلى عمر بذلك وإلى عتبة وبدعائه من هرب إلى الجزاء والمنعة وإجابتهم إلى ذلك فكتب عمر إلى جزء بن معاوية وإلى حرقوص بن زهير بلزوم ما غلبا عليه وبالمقام حتى يأتيهما أمره وكتب إليه مع عتبة بذلك ففعلا واستأذن جزء في عمران بلاده عمر فأذن له فشق الأنهار وعمر الموات ولما نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الأهواز والمسلمون حلال فيها فيما بين يديه طلب الصلح وراسل حرقوصا وجزءا في ذلك فكتب فيه حرقوص إلى عمر فكتب إليه عمر وإلى عتبة يأمره أن يقبل منه على مالم يفتحوا منها على رامهرمز وتستر والسوس وجندى سابور والبنيان ومهرجا نقذق فأجابهم إلى ذلك فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم وأقام الهرمزان على صلحة يجبى إليهم ويمنعونه وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه وكتب عمر إلى عتبة أن أوفد علي وفدا من صلحاء جند البصرة عشرة فوفد إلى عمر عشرة فيهم الأحنف فلما قدم على عمر قال إنك عندي مصدق وقد رأيتك رجلا فأخبرني إن ظلمت الذمة المظلمة نفروا أم لغير ذلك فقال لا بل لغير مظلمة والناس على ما تحب قال فنعم إذا انصرفوا إلى رحالكم فانصرف الوفد إلى رحالهم فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفة من عيبة فشمه ثم قال لمن هذا الثوب منكم قال الأحنف لي قال فبكم أخذته فذكر ثمنا يسيرا ثمانية أو نحوها ونقص مما كان أخذه به وكان قد أخذه باثني عشر قال فهلا بدون هذا ووضعت فضلته موضعا تغني به مسلما حصوا وضعوا الفضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم إن نظر امرؤ لنفسه وقدم لها يخلف له وكتب عمر إلى عتبة أن أعزب الناس عن الظلم واتقوا واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغي فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم فأوفوا بعهد الله وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا وبلغ عمر أن حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه والجبل كؤود يشق على من رامه فكتب إليه بلغني أنك نزلت منزلا كؤودا لا تؤتى فيه إلا على مشقة فأسهل ولا تشق على مسلم ولا معاهد وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا ولا تدركنك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك ثم إن حرقوصا تحرر يوم صفين وبقي على ذلك وشهد النهروان مع الحرورية وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة غزا المسلمون أرض فارس من قبل البحرين فيما زعم سيف ورواه
ذكر الخبر بذلك
كتب إلي السري يقول حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن محمد والمهلب وعمرو قالوا كان

(2/497)


المسلمون بالبصرة وأرضها وأرضها يومئذ سوادها والأهواز على ما هم عليه إلى ذلك اليوم ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله يؤدون الخراج ولا يدخل عليهم ولهم الذمة والمنعة وعميد الصلح الهرمزان وقد قال عمر حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم كما قال لأهل الكوفة وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم وكان العلاء بن الحضرمي على البحرين أزمان أبي بكر فعزله عمر وجعل قدامة بن المظعون مكانه ثم عزل قدامة ورد العلاء وكان العلاء يباري سعدا لصدع صدعه الفضاء بينهما فطار العلاء على سعد في الردة بالفضل فلما ظفر سعد بالقادسية وأزاح الأكاسرة عن الدار وأخذ حدود ما يلي السواد واستعلى وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به سر العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم فرجا أن يدال كما قد كان أديل ولم يقدر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجد وكان أبو بكر قد استعمله وأذن له في قتال أهل الردة واستعمله عمر ونهاه عن البحر فلم يقدر في الطاعة والمعصية وعواقبهما فندب أهل البحرين إلى فارس فتسرعوا إلى ذلك وفرقهم أجنادا على أحدهما الجارود بن المعلى وعلى الآخر السوار بن همام وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى وخليد على جماعة الناس فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيا يكره التغرير بجنده استنانا بالنبي صلى الله عليه و سلم وبأبي بكر لم يغز فيه النبي صلى الله عليه و سلم ولا أبو بكر فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ اجتمعوا عليه فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فقال أما بعد فإن الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس وجعل السوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه ويقول ... يا آل عبد القيس للقراع ... قد حفل الأمداد بالجراع ... وكلهم في سنن المصاع ... يحسن ضرب القوم بالقطاع ...
حتى قتل وجعل الجارود يرتجز ويقول
... لو كان شيئا أمما أكلته ... أو كان ماء سادما جهرته ... لكن بحرا جاءنا أنكرته ...
حتى قتل ويومئذ ولي عبدالله بن السوار والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول
... يال تميم أجمعوا النزول ... وكاد جيش عمر يزول ... وكلكم يعلم ما أقول ...
انزلوا فنزلوا فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها ثم خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم ثم لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق

(2/498)


فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقي في روعه نحو من الذي كان فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه يعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه بتأمير سعد عليه وقال الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك فخرج بمن معه نحو سعد وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان إن العلاء بن الحضرمي حمل جندا من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني وأظنه لم يرد الله بذلك فخشيت عليهم إلا ينصروا أن يغلبوا وينشبوا فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا فندب عتبة الناس وأخبرهم بكتاب عمر فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة بن حرثمة وحذيفة بن محصن ومجزأة بن ثور ونهار بن الحارث والترجمان بن فلان والحصين بن أبي الحر والأحنف بن قيس وسعد بن أبي العرجاء وعبدالرحمن بن سهل وصعصعة بن معاوية فخرجوا في اثني عشر الفا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤي والمسالح على حالها بالأهواز والذمة وهم ردء للغازي والمقيم فسار أبو سبرة بالناس وساحل لا يلقاه أحد ولا يعرض له حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غب وقعة القوم بطاوس وإنما كان ولي قتالهم أهل إصطخر وحدهم والشذاذ من غيرهم وقد كان أهل أصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق وأنشبوهم استصرخوا عليهم أهل فارس كلهم فضربوا إليهم من كل وجه وكورة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم وعلى المشركين شهرك فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة وكانوا أفضل نوابت الأمصار فكانوا أفضل المصرين نابتة ثم انكفأوا بما أصابوا وقد عهد إليهم عتبة وكتب إليهم بالحث وقلة العرجة فانضموا إليه بالبصرة فخرج أهلها إلى منازلهم منها وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم والذين تنقذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس استأذن عمر في الحج فأذن له فلما قضى حجه استعفاه فأبى أن يعفيه وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فدعا الله ثم انصرف فمات في بطن نخلة فدفن وبلغ عمر فمر به زائرا لقبره وقال أنا قتلتك لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم وأثنى عليه بفضله ولم يختط فيمن اختط من المهاجرين وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة ابنة غزوان وكانت تحت عثمان بن عفان وكان خباب مولاه قد لزم سمته فلم يختط ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم وعماله على حالهم ومسالحه على نهر تيري ومناذر وسرق والهرمزان برامهرمز مصالح عليها وعلى السوس والبنيان وجندي سابور ومهرجان قذق وذلك بعد تنقد الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس ونزولهم البصرة وكان يقال لهم أهل طوس نسبوا إلى الوقعة وأقر عمر أبا سبرة بن أبي رهم على البصرة بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة فعمل عليها بقية تلك السنة والسنة التي تليها لم ينتقض عليه أحد في عمله وكان مرزوقا السلامة ولم يحدث شيئا إلا ما كان بينه وبين أبي بكرة ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة ثم صرف إلى الكوفة ثم استعمل عمر بن سراقة ثم صرف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة وصرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة فعمل عليها ثانية

(2/499)


وفي هذه السنة أعني سنة سبع عشرة كان فتح رامهرمز والسوس وتستر وفيها أسر الهرمزان في رواية سيف
ذكر الخبر عن فتح ذلك من روايته
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا ولم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج منهم فكتب يزدجرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرو يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد وما والاه والأهواز ثم لم يرضوا بذلك حتى توردوكم في بلادكم وعقر داركم فتحركوا وتكاتبوا أهل فارس وأهل الأهواز وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجاءت جزءا وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب فكتب سلمى وحرملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة فسبق كتاب سلمى حرملة فكتب عمر إلى سعد أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل وابعث سويد بن مقرن وعبدالله بن ذي السهمين وجرير بن عبدالله الحميري وجرير بن عبدالله البجلي فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبينوا أمره وكتب إلى أبي موسى أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهل بن عدي أخا سهيل بن عدي وابعث معه البراء بن مالك وعاصم بن عمرو ومجزأة بن ثور وكعب بن سور وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن وعبدالرحمن بن سهل والحصين بن معبد وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم وكل من أتاه فمدد له وخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل وانتهى إلى نهر تيرى فجازها ثم جاز مناذر ثم جاز سوق الأهواز وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة ثم سار نحو الهرمزان والهرمزان يومئذ برامهرمز ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ورجا أن يقتطعه وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس وقد أقبلوا نحوه ونزلت أوائل أمدادهم بتستر فالتقى النعمان والهرمزان بأربك فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الله عز و جل هزم الهرمزان للنعمان وأخلى رامهرمز وتركها ولحق بتستر وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز ثم صعد لإيذج فصالحه عليها تيرويه فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز فأقام بها قالوا ولما كتب عمر إلى سعد وأبي موسى وسار النعمان وسهل سبق النعمان في أهل الكوفة سهلا وأهل البصرة ونكب الهرمزان وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز وهم يريدون رامهرمز فأتتهم الوقعة وهم بسوق الأهواز وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر فمالوا من سوق الأهواز نحوه فكان وجههم منها إلى تستر ومال النعمان من رامهرمز إليها وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء فنزلوا جميعا على تستر والنعمان على أهل الكوفة وأهل البصرة متساندون وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز في الخنادق وكتبوا بذلك إلى عمر واستمده أبو سبرة فأمدهم بأبي موسى فسار نحوهم وعلى أهل الكوفة النعمان وعلى أهل البصرة أبو موسى وعلى الفريقين جميعا أبو سبرة فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائة مبارز سوى من قتل في غير ذلك وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك وقتل كعب بن سور مثل ذلك وقتل أبو تميمة مثل ذلك في عدة

(2/500)


من أهل البصرة وفي الكوفيين مثل ذلك منهم حبيب بن قرة وربعي بن عامر وعامر بن عبدالأسود وكان من الرؤساء في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم يكون عليهم مرة ولهم أخرى حتى إذا كان في آخر زحف في حصارهم يكون عليهم مرة ولهم أخرى حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا فقال اللهم اهزمهم لنا واستشهدني قال فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم وأرزوا إلى مدينتهم وأحاطوا بها فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة وطالت حربهم خرج إلى النعمان رجل فاستأمنه على أن يدله على مدخل يؤتون منه ورمى في ناحية أبي موسى بسهم فقال قد وثقت بكم وأمنتكم واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة ويكون منه فتحها فآمنوه في نشابة فرمى إليهم بآخر وقال انهدوا من قبل مخرج الماء فإنكم ستفتحونها فاستشار في ذلك وندب إليه فانتدب له عامر بن عبد قيس وكعب بن سور ومجزأة بن ثور وحسكة الحبطي وبشر كثير فنهدوا لذلك المكان ليلا وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرجل فانتدب له سويد بن المثعبة وورقاء بن الحارث وبشر بن ربيعة الخثعمي ونافع بن زيد الحميري وعبدالله بن بشر الهلالي فنهدوا في بشر كثير فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج وقد انسرب سويد وعبدالله بن بشر فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء حتى إذا اجتمعوا فيها والناس على رجل من خارج كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل وأرز الهرمزان إلى القلعة وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم ما شئتم قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم ومعي في جعبتي مائة نشابة ووالله ما تصلون إلي ما دام معي منها نشابة وما يقع لي سهم وما خبر إساري إذا أصبت منكم مائة بين قتيل أو جريح قالوا فتريد ماذا قال أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء قالوا فلك ذلك فرمى بقوسه وأمكنهم من نفسه فشدوه وثاقا واقتسموا ما أفاء الله عليهم فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف والراجل ألفا ودعا صاحب الرمية بها فجاء هو والرجل الذي خرج بنفسه فقالا من لنا بالأمان الذي طلبنا علينا وعلى من مال معنا قالوا ومن مال معكم قالا من أغلق بابه عليه مدخلكم فأجازوا ذلك لهم وقتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور والبراء بن مالك قالوا وخرج أبو سبرة في أثر الفل من تستر وقد قصدوا للسوس إلى السوس وخرج بالنعمان وأبي موسى ومعهم الهرمزان حتى اشتملوا على السوس وأحاط المسلمون بها وكتبوا بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عمر بن سراقة بأن يسير نحو المدينة وكتب إلى أبي موسى فرده على البصرة وقد رد أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه ورد عمر عليها مرتين وكتب إلى زر بن عبدالله بن كليب الفقيمي أن يسير إلى جندي سابور فسار حتى نزل عليها وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر وأمر عمر على جند البصرة المقترب الأسود بن ربيعة أحد بني ربيعة بن مالك وكان الأسود وزر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المهاجرين وكان الأسود قد وفد على رسول الله وقال جئت لأقترب إلى الله عز و جل بصحبتك فسماه المقترب وكان زر قد وفد على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال فنى بطني وكثر إخوتنا فادع الله لنا فقال اللهم أوف لزر عمره فتحول إليهم العدد وأوفد أبو سبرة وفدا فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس وأرسل الهرمزان معهم فقدموا مع أبي موسى البصرة ثم خرجوا نحو المدينة حتى إذا دخلوا هيئوا الهرمزان في هيئته

(2/501)


فألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين مكللا بالياقوت وعليه حليته كيما يراه عمر والمسلمون في هيئته ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل لهم جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة فانطلقوا يطلبونه في المسجد فلم يروه فلما انصرفوا مروا بغلمان من أهل المدينة يلعبون فقالوا لهم ما تلددكم تريدون أمير المؤمنين فإنه نائم في ميمنة المسجد متوسد برنسه وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام فانطلقوا ومعهم النظارة حتى إذا رأوه جلسوا دونه وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره والدرة في يده معلقة فقال الهرمزان أين عمر فقالوا هو ذا وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه وأصغى الهرمزان إلى الوفد فقال أين حرسه وحجابه عنه قالوا ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب ولا ديوان قال فينبغي له أن يكون نبيا فقالوا بل يعمل عمل الأنبياء وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا ثم نظر إلى الهرمزان فقال الهرمزان قالوا نعم فتأمله وتأمل ما عليه وقال أعوذ بالله من النار وأستعين الله وقال الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدى نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة فقال الوفد هذا ملك الأهواز فكلمه فقال لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء فرمي عنه بكل شيء عليه إلا شيئا يستره وألبسوه ثوبا صفيقا فقال عمر هيه يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله فقال يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم فلما كان معكم غلبتمونا فقال عمر إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا ثم قال عمر ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة فقال أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك قال لا تخف ذلك واستسقى ماء فأتي به في قدح غليظ فقال لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا فأتى به في إناء يرضاه فجعلت يده ترجف وقال إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء فقال عمر لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه فقال عمر أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش فقال لا حاجة لي في الماء إنما أردت أن أستأمن به فقال له عمر إني قاتلك قال قد آمنتني فقال كذبت فقال أنس صدق يا أمير المؤمنين قد آمنته فقال ويحك يا أنس أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء والله لتأتين بمخرج أو لأعاقبنك قال قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني وقلت لا بأس عليك حتى تشربه وقال له من حوله مثل ذلك فأقبل على الهرمزان وقال خدعتني والله لا أنخدع إلا لمسلم فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي سفيان طلحة بن عبدالرحمن عن ابن عيسى قال كان الترجمان يوم الهرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجم وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسية فقال عمر للمغيرة قل له من أي أرض أنت فقال المغيرة أزكدام أرضي فقال مهرجاني فقال تكلم بحجتك قال كلام حي أو ميت قال بل كلام حي قال قد آمنتني قال خدعتني إن للمخدوع في الحرب حكمه لا والله لا أؤمنك حتى تسلم فأيقن أنه القتل أو الإسلام فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة وقال للمغيرة ما أراك بها حاذقا ما أحسنها منكم أحد إلا خب وما خب إلا دق إياكم وإياها فإنها تنقض الإعراب وأقبل زيد فكلمه وأخبر عمر بقوله والهرمزان بقول عمر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسفيان عن الحسن قال قال

(2/502)


عمر للوفد لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم فقالوا ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة قال فكيف هذا فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر به مما يقولون إلا ما كان من الأحنف فقال يا أمير المؤمنين أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا وإن ملك فارس حي بين أظهرهم وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شيء إلا بانبعاثهم وأن ملكهم هو الذي يبعثهم ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وعز أمته فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربون جأشا فقال صدقتني والله وشرحت لي الأمر عن حقه ونظر في حوائجهم وسرحهم وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مهرجا نقذق وأهل كور الأهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الإنساح
ذكر فتح السوس
اختلف أهل السير في أمرها فأما المدائني فإنه فيما حدثني عنه أبو زيد قال لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان دعا بخاصته والموبذ فقال إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه فما ترون فقال الموبذ نرى أن تخرج فتنزل إصطخر فإنها بيت المملكة وتضم إليك خزائنك وتوجه الجنود فأخذ برأيه وسار إلى أصبهان دعا سياه فوجهه في ثلاثمائة فيهم سبعون رجلا من عظمائهم وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب فمضى سياه وأتبعه يزدجرد حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السوس فوجه سياه إلى السوس والهرمزان إلى تستر فنزل سياه الكلبانية وبلغ أهل السوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد إصطخر منهزما فسألوا أبا موسى الأشعري الصلح فصالحهم وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانية وقد عظم أمر المسلمين عنده فلم يزل مقيما حتى صار أبو موسى إلى تستر فتحول سياه فنزل بين رامهرمز وتستر حتى قدم عمار بن ياسر فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان فقال قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة وتروث دوابهم في إيوانات إصطخر ومصانع الملوك ويشدون خيولهم بشجرها وقد غلبوا على ما رأيتم وليس يلقون جندا إلا فلوه ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه فانظروا لأنفسكم قالوا رأينا رأيك قال فليكفني كل رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه فإني أرى أن ندخل في دينهم ووجهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى يأخذ شروطا على أن يدخلوا في الإسلام فقدم شيرويه على أبي موسى فقال إنا قد رغبنا في دينكم فنسلم على أن نقاتل معكم العجم ولا نقاتل معكم العرب وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه وننزل حيث شئنا ونكون فيمن شئنا منكم وتلحقونا بأشراف العطاء ويعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك فقال أبو موسى بل لكم ما لنا وعليكم ما علينا قالوا لا نرضى وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فكتب إلى أبي موسى أعطهم ما سألوك فكتب أبو موسى لهم فأسلموا وشهدوا معه حصار تستر فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا ولا نكاية فقال لسياه يا أعور ما أنت وأصحابك كما كنا نرى قال لسنا مثلكم في هذا الدين ولا بصائرنا كبصائركم وليس لنا فيكم حرم نحامي

(2/503)


عنهم ولم تلحقنا بأشراف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حسر فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك فكتب إليه عمر أن ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شيء أخذه أحد من العرب ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين ولستة منهم في ألفين وخمسمائة لسياه وخسرو ولقبه مقلاص وشهريار وشهرويه وأفروذين فقال الشاعر ... ولما رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتي من الأمر أبصرا ... فسن لهم ألفين فرضا وقد رأى ... ثلاثمئين فرض عك وحميرا ...
قال فحاصروا حصنا بفارس فانسل سياه في آخر الليل في زي العجم حتى رمى بنفسه إلى جنب الحصن ونضح ثيابه بالدم وأصبح أهل الحصن فرأوا رجلا في زيهم صريعا فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به ففتحوا باب الحصن ليدخلوه فثار وقاتلهم حتى خلوا عن باب الحصن وهربوا ففتح الحصن وحده ودخله المسلمون وقوم يقولون فعل هذا الفعل سياه بتستر وحاصروا حصنا فمشى خسرو إلى الحصن فأشرف عليه رجل منهم يكلمه فرماه خسرو بنشابة فقتله وأما سيف فإنه قال في روايته ما كتب به إلى السري عن شعيب عنه عن محمد وطلحة وعمرو ودثار أبي عمر عن أبي عثمان قالوا لما نزل أبو سبرة في الناس على السوس وأحاط المسلمون بها وعليهم شهريار أخو الهرمزان ناوشوهم مرات كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين فأشرف عليهم يوما الرهبان والقسيسون فقالوا يا معشر العرب إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا أنه لا يفتح السوس إلا الدجال أو قوم فيهم الدجال فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا وجاء صرف أبي موسى إلى البصرة وعمل على أهل البصرة المقترب مكان أبي موسى بالسوس واجتمع الأعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرا لأهل السوس مع أبي سبرة وزر محاصر أهل نهاوند من وجهه ذلك وضرب على أهل الكوفة البعث مع حذيفة وأمرهم بموافاته بنهاوند وأقبل النعمان على التهيؤ للسير إلى نهاوند ثم استقل في نفسه فناوشهم قبل مضيه فعاد الرهبان والقسيسون وأشرفوا على المسلمين وقالوا يا معشر العرب لا تعنوا فإنه لا يفتحها إلا الدجال أو قوم معهم الدجال وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم وصاف بن صياد يومئذ مع النعمان في خيله وناهدهم المسلمون جميعا وقالوا نقاتهلم قبل أن نفترق ولما يخرج أبو موسى بعد وأتى صاف باب السوس غضبان فدقه برجله وقال انفتح فطار فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون فألقى المشركون بأيديهم وتنادوا الصلح الصلح وأمسكوا بأيديهم فأجابوا إلى ذلك بعد ما دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح ثم افترقوا فخرج النعمان في أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على ماه وسرح أبو سبرة المقترب حتى ينزل على جندي سابور مع زر فأقام النعمان بعد دخول ماه حتى وافه أهل الكوفة ثم نهد بهم إلى أهل نهاوند فلما كان الفتح رجع صاف إلى المدينة فأقام بها ومات بالمدينة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطية عمن أورد فتح السوس قال وقيل لأبي سبرة هذا جسد دانيال في هذه المدينة قال وما لنا بذلك فأقره بأيديهم قال عطية بإسناده إن دانيال كان لزم أسياف فارس بعد بختنصر فلما حضرته الوفاة ولم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الإسلام أكرم كتاب الله

(2/504)


عمن لم يجبه ولم يقبل منه فأودعه ربه فقال لابنه ائت ساحل البحر فاقذف بهذا الكتاب فيه فأخذه الغلام وضن به وغاب مقدار ما كان ذاهبا وجائيا وقال قد فعلت قال فما صنع البحر حين هوى فيه قال لم أره يصنع شيئا فغضب وقال والله ما فعلت الذي أمرتك به فخرج من عنده ففعل مثل فعلته الأولى ثم أتاه فقال قد فعلت فقال كيف رأيت البحر حين هوى فيه قال ماج واصطفق فغضب أشد من غضبه الأول وقال والله ما فعلت الذي أمرتك به بعد فعزم ابنه على إلقائه في البحر الثالثة فانطلق إلى ساحل البحر وألقاه فيه فانكشف البحر عن الأرض حتى بدت وانفجرت له الأرض عن هواء من نور فهوى في ذلك النور ثم انطبقت عليه الأرض واختلط الماء فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر فقال الآن صدقت ومات دانيال بالسوس فكان هنالك يستسقى بجسده فلما افتتحها المسلمون أتوا به فأقروه في أيديهم حتى إذا ولى أبو سبرة عنهم إلى جندي سابور أقام أبو موسى بالسوس وكتب إلى عمر فيه فكتب إليه يأمره بتوريته فكفنه ودفنه المسلمون وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا فكتب إليه أن تختمه وفي فصه نقش رجل بين أسدين وفيها أعني سنة سبع عشرة كانت مصالحة المسلمين أهل جندي سابور
ذكر الخبر عن أمرهم وأمرها
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وأبي عمرو وأبي سفيان والمهلب قالوا لما فرغ أبو سبرة من السوس خرج في جنده حتى نزل على جندي سابور وزر بن عبدالله بن كليب محاصرهم فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحونهم القتال فما زالوا مقيمين عليها حتى رمي إليهم بالأمان عن عسكر المسلمين وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين فلم يفجأ المسلمون إلا وأبوابها تفتح ثم خرج السرح وخرجت الأسواق وانبث أهلها فأرسل المسلمون أن مالكم قالوا رميتم إلينا بالأمان فقبلناه وأقررنا لكم الجزاء على أن تمنعونا فقالوا ما فعلنا فقالوا ما كذبنا فسأل المسلمون فيما بينهم فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها هو الذي كتب لهم فقالوا إنما هو عبد فقالوا إنا لا نعرف حركم من عبدكم قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه ولم نبدل فإن شئتم فاغدروا فأمسكوا عنهم وكتبوا بذلك إلى عمر فكتب إليهم إن الله عظم الوفاء فلا تكونون أوفياء حتى تفوا ما دمتم من شك أجيزوهم وفوا لهم فوفوا لهم وانصرفوا عنهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا أذن عمر في الانسياح سنة سبع عشرة في بلاد فارس وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف وقيس وعرف فضله وصدقه وفرق الأمراء والجنود وأمر على أهل البصرة أمراء وأمر على أهل الكوفة أمراء وأمر هؤلاء وهؤلاء بأمره وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة فساحوا في سنة ثمان عشرة وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة فيكون هنالك حتى يحدث إليه وبعث بألوية من ولي مع سهيل بن عدي حليف بني عبد الأشهل فقدم سهيل بالألوية ودفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس ولواء أردشيرخره وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي ولواء فسا ودارابجرد إلى سارية بن زنيم الكناني ولواء كرمان مع سهيل بن عدي ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو وكان عاصم من الصحابة ولواء مكران إلى الحكم بن عمير التغلبي فخرجوا في سنة عشرة

(2/505)


فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور فلم يستتب مسيرهم حتى دخلت سنة ثمان عشرة وأمدهم عمر بأهل الكوفة فأمد سهيل بن عدي بعبدالله بن عبدالله بن عتبان وأمد الأحنف بعلقمة بن النضر وبعبدالله بن أبي عقيل وبربعي بن عامر وبابن أم غزال وأمد عاصم بن عمرو بعبدالله بن عمير الأشجعي وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق المازني قال بعضهم كان فتح السوس ورامهرمز وتوجيه الهرمزان إلى عمر من تستر في سنة عشرين وحج بالناس في هذه السنة أعني سنة سبع عشرة عمر بن الخطاب وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد وعلى اليمن يعلى بن أمية وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى الشام من قد ذكرت أسماءهم قبل وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص وعلى قضائها أبو قرة وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعري وقد ذكرت فيما مضى الوقت الذي عزل فيه عنها والوقت الذي رد فيه إليها أميرا وعلى القضاء فيما قيل أبو مريم الحنفي وقد ذكرت من كان على الجزيرة والموصل قبل

(2/506)


ثم دخلت سنة ثمان عشرة
ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثمان عشرة
قال أبو جعفر وفي هذه السنة أعني سنة ثمان عشرة أصابت الناس مجاعة شديدة ولزبة وجدوب وقحوط وذلك هو العام الذي يسمى عام الرمادة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال دخلت سنة ثمان عشرة وفيها كان عام الرمادة وطاعون عمواس فتفانى بها الناس
وحدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثت عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر قال كانت الرمادة سنة ثمان عشرة قال وكان في ذلك العام طاعون عمواس كتب إلي السري يقول حدثنا شعيب عن سيف عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا وكتب أبو عبيدة إلى عمر إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب منهم ضرار وأبو جندل فسألناهم فتأولوا وقالوا خيرنا فاخترنا قال فهل أنتم منتهون ولم يعزم علينا فكتب إليه عمر فذلك بيننا وبينهم فهل أنتم منتهون يعني فانتهوا وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة ويضمنوا الفسق من تأول عليها بمثل هذا فإن أبى قتل فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الناس فقالوا حرام فجلدهم ثمانين ثمانين وحد القوم وندموا على لجاجتهم وقال ليحدثن فيكم يا أهل الشام حادث فحدثت الرمادة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن شبرمة عن العشبي بمثله كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبيدالله بن عمر عن نافع قال لما قدم على عمر كتاب أبي عبيدة في ضرار وأبي جندل كتب إلى أبي عبيدة في ذلك وأمره أن يدعو بهم على رؤوس الناس فيسألهم أحرام الخمر أم حلال فإن قالوا حرام فاجلدهم ثمانين جلدة واستتبهم وإن قالوا حلال فاضرب أعناقهم فدعا بهم فسألهم فقالوا بل حرام فجلدهم فاستحيوا فلزموا البيوت ووسوس أبو جندل فكتب أبو عبيدة إلى عمر إن أبا جندل قد وسوس إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج فاكتب إليه وذكره فكتب إليه عمر وذكره فكتب إليه من عمر إلى أبي جندل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط فإن الله عز و جل يقول يا عبادي الذين أسرفوا

(2/507)


على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم فلما قرأه عليه أبو عبيدة تطلق وأسفر عنه وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا وكتب إلى الناس عليكم أنفسكم ومن استوجب التغيير فغيروا عليه ولا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد بن عبدالله عن عطاء نحوا منه إلا أنه لم يذكر أنه كتب إلى الناس ألا يعيروهم وقال قالوا جاشت الروم دعونا نغزوهم فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك وإلا عمدت للذي يريد فاستشهد ضرار بن الأزور في قوم وبقي الآخرون فحدوا وقال أبو الزهراء القشيري في ذلك ... ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى ... وليس على صرف المنون بقادر ... صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... ولست عن الصهباء يوما بصابر ... رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون حول المعاصر ...
كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة محرز العبشمي بإسنادهم ومحمد بن عبدالله عن كريب قالوا اصابت الناس في إمارة عمر رضي الله عنه سنة بالمدينة وما حولها فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد فسمي ذلك العام عام الرمادة فآلى عمر ألا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيى الناس من أول الحيا فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا فقدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن فاشتراهما غلام لعمر بأربعين ثم أتى عمر فقال يا أمير المؤمنين قد أبر الله يمينك وعظم أجرك قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن فابتعتهما بأربعين فقال عمر أغليت بهما فتصدق بهما فإني أكره أن آكل كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف السلمي عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال كانت في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثمان عشرة وكانت الرمادة جوعا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها وإنه لمقفر كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن عبدالرحمن بن كعب قال كان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن عليه فقال أنا رسول الله إليك يقول لك رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد عهدتك كيسا وما زلت على رجل فما شأنك فقال متى رأيت هذا قال البارحة فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه قالوا اللهم لا قال فإن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية فقالوا صدق بلال فاستغث بالله وبالمسلمين فبعث إليهم وكان عمر عن ذلك محصورا فقال عمر الله أكبر بلغ البلاء مدته فانكشف ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم البلاء فكتب إلى أمراء الأمصار أغيثوا أهل المدينة ومن حولها فإنه قد بلغ جهدهم وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه بالعباس ماشيا فخطب فأوجز ثم صلى ثم جثا لركبتيه وقال اللهم إياك نعبد وإياك نستعين اللهم

(2/508)


اغفر لنا وارحمنا وارض عنا ثم انصرف فما بلغوا المنزل راجعين حتى خاضوا الغدران كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب قال قحط الناس زمان عمر عاما فهزل المال فقال أهل بيت من مزينة من أهل البادية لصاحبهم قد بلغنا فاذبح لنا شاة قال ليس فيهن شيء فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة فسلخ عن عظم أحمر فنادى يا محمداه فأري فيما يرى النائم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه فقال أبشر بالحيا ائت عمر فأقرئه مني السلام وقل له إن عهدي بك وأنت وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتى عمر فأخبره ففزع وقال رأيت به مسا قال لا قال فأدخله فدخل فأخبره الخبر فخرج فنادى في الناس وصعد المنبر وقال أنشدكم بالذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئا تكرهونه قالوا اللهم لا قالوا ولم ذاك فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن فقالوا إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا فنادى في الناس فقام فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال اللهم عجزت عنا أنصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عنا أنفسنا ولا حول ولا قوة إلا بك اللهم فاسقنا وأحي العباد والبلاد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن الربيع بن النعمان وجراد أبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة كلهم عن رجاء وزاد أبو عثمان وأبو حارثة عن عبادة وخالد عن عبدالرحمن بن غنم قالوا كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها ويستمدهم فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام فولاه قسمتها فيمن حول المدينة فلما فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم فقال لا حاجة لي فيها يا أمير المؤمنين إنما أردت الله وما قبله فلا تدخل علي الدنيا فقال خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه فأبى فقال خذها فإني قد وليت لرسول الله صلى الله عليه و سلم مثل هذا فقال لي مثل ما قلت لك فقلت له كما قلت فأعطاني فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز وأحيوا مع أول الحيا وقالوا بإسنادهم وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الاستغاثة إن البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم حفيرا فصب في بحر العرب فسده الروم والقبط فإن أحببت أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر حفرت له نهرا وبنيت له قناطر فكتب إليه عمر أن افعل وعجل ذلك فقال له أهل مصر خراجك زاج وأميرك راض وإن تم هذا انكسر الخراج فكتب إلى عمر بذلك وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها فكتب إليه عمر اعمل فيه وعجل أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها فعالجه عمرو وهو بالقلزم فكان سعر المدينة كسعر مصر ولم يزد ذلك مصر إلا رخاء ولم ير أهل المدينة بعد الرمادة مثلها حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان رضي الله عنه فذلوا وتقاصروا وخشعوا
قال أبو جعفر وزعم الواقدي أن الرقة والرها وحران فتحت في هذه السنة على يدي عياض بن غنم وأن عين الوردة فتحت فيها على يدي عمير بن سعد وقد ذكرت قول من خالفه في ذلك فيما مضى وزعم أن عمر رضي الله عنه حول المقام في هذه السنة في ذي الحجة إلى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت قبل ذلك وقال مات في طاعون عمواس خمسة وعشرون ألفا

(2/509)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية