صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5

ابن لؤي
وأم لؤي فيما قال هشام عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قريش وله أخوان من أبيه وأمه يقال لأحدهما تيم وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم والدرم نقصان في الذقن قيل إنه كان ناقص اللحي وقيس قيل لم يبق من قيس أخي لؤي أحد وإن آخر من كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبدالله القسري فبقي ميراثه لا يدري من يستحقه وقد قيل إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء من خزاعة
ابن غالب
وأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة وإخوته من أبيه وأمه الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر فدخلت الحارث الأبطح
ابن فهر
وفهر فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال هو جماع قريش قال أمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي
وقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول فيما ذكر عنه أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وقيل إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق من الأزد
وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري وكان حسان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن ليجعل حج الناس عنده ببلاده فأقبل حتى نزل بنخلة فأغر على سرح الناس ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر خرجوا إليه ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير أسره الحارث بن فهر وقتل في المعركة فيمن قتل من الناس ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين حتى افتدى منهم نفسه فخرج به فمات بين مكة واليمن

(1/510)


ابن مالك
وأمه عكرشة بنت عدوان وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان في قول هشام
وأما ابن إسحاق فإنه قال امه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان
وقيل إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان واسمها عاتكة
وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك أخوان يقال لأحدهما يخلد فدخلت يخلد في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة فخرجوا من جماع قريش والآخر منهما يقال له الصلت لم يبق من ذريته أحد
وقيل سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وبه سميت قريش قريشا لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت قالت العرب قد جاءت عير قريش قالوا وكان قريش هذا دليل بني النضر في أسفارهم وصاحب ميرتهم وكان له ابن يسمى بدرا احتفر بدرا قالوا فيه سميت البئر التي تدعى بدرا بدرا
وقال ابن الكلبي إنما قريش جماع نسب ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة
وقال آخرون إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشا لأن النضر بن كنانة خرج يوما على نادي قومه فقال بعضهم لبعض انظروا إلى النضر كأنه جمل قريش
وقيل إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر تدعى القرش فشبه بنو النضر بن كنانة بها لأنها أعظم دواب البحر قوة
وقيل إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله والتقريش فيما زعموا التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم واستشهدوا لقولهم إن التقريش هو التفتيش بقول الشاعر ... أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمرو فهل لهن انتهاء ...
وقيل إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب فقيل لهم قريش من أجل أن التجمع هو التقرش فقالت العرب تقرش بنو النضر أي قد تجمعوا
وقيل إنما قيل قريش من أجل انها تقرشت عن الغارات
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبدالملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا قال حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها فذلك التجمع التقرش فقال عبدالملك ما سمعت هذا ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله

(1/511)


حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال لما نزل قصي الحرم وغلب عليه فعل أفعالا جميلة فقيل له القرشي فهو أول من سمي به
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم قال النضر بن كنانة كان يسمى القرشي
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال محمد بن عمر وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فأخبرني كثير بن عبدالله المزني عن نافع عن ابن عمر قال كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان قال محمد بن عمر وهي توقد إلى اليوم
ابن النضر
واسم النضر قيس وأمه برة بنت مر بن أد بن أد بن طابخة وأخته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسع وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة وأمه فكيهة وقيل فكهة وهي الذفراء بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هندا بنت بكر بن وائل فولدت له والده ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود فولدت له فحضن علي بني أخيه فنسبوا إليه فقيل لبني عبد مناة بنو علي وإياهم عنى الشاعر بقوله ... لله در بني عل ... ي أيم منهم وناكح ...
وكعب بن زهير بقوله ... صدموا عليا يوم بدر صدمة ... دانت علي بعدها لنزار ...
ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود فقتله فوداه أسد بن خزيمة
ابن كنانة
وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل إن أمه هند بنت عمرو بن قيس وإخوته من أبيه أسد وأسدة يقال إنه أبو جذام والهون وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة وهي أم النضر بن كنانة خلف عليها بعد أبيه

(1/512)


ابن خزيمة
وأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة وأخوه لأبيه وأمه هذيل وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة
وقد قيل إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة
ابن مدركة
واسمه عمرو وأمه خندف وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل بها سمي حمى ضرية وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر وهو طابخة وعمير وهو قمعة ويقال إنه أبو خزاعة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أنه قال أم بني إلياس خندف وهي امرأة من أهل اليمن فغلبت على نسب بنيها فقيل بنو خندف
قال وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا قال وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه وعدت عادية على إبلهما فقال عامر لعمرو أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد فقال عمرو بل أطبخ الصيد فلحق عامر الإبل فجاء بها فلما راحا على أبيهما فحدثاه بشأنهما قال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة
وحدثت عن هشام بن محمد قالوا خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فأدركها فسمي مدركة وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمي قمعة وخرجت أمهم تمشي فقال لها إلياس أين تخندفين فسميت خندف والخندفة ضرب من المشي قال وقال قصي بن كلاب ... أمهتي خندف وإلياس أبي ...
قال وقال إلياس لعمرو ابنه ... إنك قد أدركت ما طلبتا ...
ولعامر ... وأنت قد أنضجت ما طبختا ...
ولعمير ... وأنت قد أسأت وانقمعتا ... ابن إلياس
وأمه الرباب بنت حيدة بن معد وأخوه لأبيه وأمه الناس وهو عيلان وسمي عيلان فيما ذكر لأنه

(1/513)


كان يعاتب على جوده فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان فلزمه هذا الاسم
وقيل بل سمي عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان
وقيل سمي بذلك لأنه ولد في جبل يسمى عيلان
وقيل سمي بذلك لأنه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان
ابن مضر
وأمه سودة بنت عك وأخوه لأبيه وأمه إياد ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما وهما ربيعة وأنمار أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو من جرهم
وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم قال يا بني هذه القبة وهي قبة من أدم حمراء وما أشبهها من مالي لمضر فسمي مضر الحمراء وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة فخلف خيلادهما فسمي الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد وكانت شمطاء فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لإنمار يجلس فيه فأخذ أنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إلى الأفعى فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال إن البعير الذي رعى هذا الكلألأعور وقال ربيعة هو أزور قال إياد هو أبتر وقال أنمار هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر هو أعور قال نعم قال ربيعة هو أزور قال نعم قال إياد هو أبتر قال نعم قال أنمار هو شرود قال نعم هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته فساروا جمعا حتى قدموا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي فنادى صاحب البعير هؤلاء أصحاب بعيري وصفوا لي صفته ثم قالوا لم نره فقال الجرهمي كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة رأيت إحدي يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره وقال إياد عرفت أنه أبتر باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصع به وقال أنمار عرفت أنه شرود لأنه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمي ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم فقال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل وشربوا وشرب فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب وقال إياد لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له وقال أنمار لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها فوطئها فحملت به وسأل القهرمان عن الخمر فقال من حبلة غرستها على قبر أبيك وسأل الراعي عن اللحم فقال شاة أرضعتها لبن كلبة ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر قال لأنه أصابني عليها

(1/514)


عطش شديد وقيل لربيعة بم عرفت فذكر كلاما
فأتاهم الجرهمي فقال صفوا لي صفتكم فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم فقضي بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهي خمر لمضر وقضي بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة وقضي بالخادم وكانت شمطاء وبالخيل البلق لإياد وقضي بالأرض والدراهم لأنمار
ابن نزار
وقيل إن نزار ا كان يكنى أبا إياد وقيل بل كان يكنى أبا ربيعة أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو وإخوته لأبيه وأمه قنص وقناصة وسنام وحيدان وحيدة وحيادة وجنيد وجنادة والقحم وعبيد ا لرماح والعرف وعوف وشك وقضاعة وبه كان معد يكنى وعدة درجوا
ابن معد
وأم معد فيما زعم هشام مهدد بنت اللهم ويقال اللهم ابن جلحب بن جديس وقيل ابن طسم وقيل ابن الطوسم من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن
حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالرحمن العجلاني وإخوته من أبيه وأمه الديث وقيل إن الديث هو عك وقيل إن عكا هو ابن الديث بن عدنان وعدن بن عدنان فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن وإليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأبين وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأد بن عدنان درج والضحاك والعي وأم جميعهم أم معد
وقال بعض النسابة كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن وترك أخاه معدا وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضوري بعث الله عليهم بختنصر عذابا فخرج أرميا وبرخيا فحملا معدا فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فوجد معد إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا فيهم وتطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم واستشهدوا في ذلك قول الشاعر ... تركنا الديث أخوتنا وعكا ... ألى سمران فانطلقوا سراعا ... وكانوا من بني عدنان حتى ... أضاعوا الأمر بينهم فضاعا ... ابن عدنان
ولعدنان أخوان لأبيه يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان وأنه على ما بينت من نسبه

(1/515)


حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره عن نسبة رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد ثم يختلفون فيما بعد ذلك
وقال الزبير بن بكار حدثني يحيى بن المقداد الزمعي عن عمه موسى بن يعقوب بن عبدالله بن وهب بن زمعة عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول معد بن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى قالت أم سلمة فزند هو الهميسع ويرى وهو نبت وأعراق الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالرحمن العجلاني عن موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته عن جدتها ابنة المقداد بن الأسود البهراني قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى
وقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان يزعم بعض النساب بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم
وبعض يقول بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم
قال وقد انتمي قصي بن كلاب إلى قيذر في شعر
قال ويقول بعض النساب بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم
قال وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول
وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه فيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد عن هشام قال أخبرني مخبر عن أبي ولم أسمعه منه أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يخزن بن يلحن بن أرعوى بن عيفى بن ديشان بن عيصر بن أقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمى بن مزى بن عوص بن عرام بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال وكان رجل من أهل تدمر يكنى أبا يعقوب من مسلمة بني إسرائيل قد قرأ من كتبهم وعلم علما فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا أثبت نسب معد بن عدنان عنده ووضعه في كتبه وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب مثبت في أسفارهم وهو مقارب لهذه الأسماء ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية
قال الحارث قال محمد بن سعد وأنشدني هشام عن أبيه شعر قصي

(1/516)


فلست لحاضن إن لم تأثل ... بها أولاد قيذر والنبيت ...
قال أراد نبت بن إسماعيل
وقال الزبير بن بكار حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن زكرياء بن عيسى عن ابن شهاب قال معد بن عدنان بن أد بن اهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل
وقال بعضهم هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن بريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن
وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم
وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سليمان وهو سلامان بن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح بن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن سعد بن بريح بن نضير بن حميل بن منجم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل
وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب فوجد العدد متفقا واللفظ مختلفا وأملى ذلك علي فكتبته عنه فقال هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع وهميسع هو سلمان وهو أمين ابن هميتع وهو هميدع وهو الشاجب بن سلامان هو منجر وهو نبيت سمي بذلك فيما زعم لأنه كان منجر العرب لأن الناس عاشوا في زمانه واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي ... تناشدني طي وطي بعيدة ... وتذكرني بالود أزمان ينبت ...
قال نبيت بن عوص وهو ثعلبة قال وإليه تنسب الثعلبية ابن بورا وهو بوز وهو عتر العتائر وأول من سن العتيرة للعرب ابن شوحا وهو سعد رجب وهو أول من سن الرجيبة للعرب ابن يعمانا وهو قموال وهو بريح الناصب وكان في عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه و سلم ابن كسدانا وهو محلم ذو العين ابن حرانا وهو العوام ابن بلداسا وهو المحتمل ابن بدلانا وهو يدلاف وهو رائمة ابن طهبا وهو طالب وهو العيقان ابن جهمي وهو جاحم وهو علة ابن محشي وهو تاحش وهو الشحدود ابن معجالي وهو ماخي وهو الظريب خاطم النار ابن عقارا وهو عافي وهو عبقر أبو الجن قال وإليه

(1/517)


تنسب جنة عبقر ابن عاقاري وهو عاقر وهو إبراهيم جامع الشمل قال وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف ورد كل طريد واستصلح الناس ابن مداعي وهو الدعا وهو إسماعيل ذو المطابخ سمي بذلك لأنه حين ملك اقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة ابن ابداعي وهو عبيد وهو يزن الطعان وهو أول من قاتل بالرماح فنسبت إليه ابن همادي وهو حمدان وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسا له وإليه تنسب الأعوجية من الخيل ابن بشماني وهو بشمين وهو المطعم في المحل ابن بثراني وهو بثرم وهو الطمح ابن بحراني وهو بحرن وهو القسور ابن بلحاني وهو يلحن وهو العنود ابن رعواني وهو رعوي وهو الدعدع ابن عاقاري وهو عاقر ابن داسان وهو الزائد ابن عاصار وهو عاصر وهوالنيدوان ذو الأندية وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية ابن قنادي وهو قنار وهو إيامة بن ثامار وهو بهامي وهو دوس العتق وهو دوس أجمل الخلق زعم في زمانه فلذلك تقول العرب أعتق من دوس لأمرين أما أحدهما فلحسنه وعتقه والآخر لقدمه وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا وذلك أنهم يغوا في الحرم فقتلهم دوس وأتبع الذر آثار من بقي منهم فولج في أسماعهم فأفناهم ابن مقصر وهو مقاصري وهو حصن ويقال له ناحث وهو النزال بن زارح وهو قمير ابن سمي وهو سما وهو المجشر وكان فيما زعم أعدل ملك ولي وأحسنه سياسة وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم ... كن كالمجشر إذ قالت رعيته ... كان المجشر أوفانا بما حملا ...
ابن مزرا ويقال مرهر ابن صنفا وهو السمر وهو الصفي هو أجود ملك رثي على وجه الأرض وله يقول أمية بن أبي الصلت ... إن الصفي بن النبيت مملكا ... أعلى وأجود من هرقل وقيصرا ...
ابن جعثم وهو عرام وهو النبيت وهو قيذر قال وتأويل قيذر صاحب ملك كان أول من ملك من ولد إسماعيل ابن إسماعيل صادق الوعد بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح وهو آزر ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا بن بالغ وتفسير بالغ القاسم بالسريانية لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم وبالغ فهو فالج بن عابر بن شالح فبن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه و سلم ابن يرد وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليه السلام وكان وصي أبيه بعد مقتل هابيل فقال هبة الله من هابيل فاشتق اسمه من اسمه
وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختصر في كتابنا هذا فكرهنا إعادته
وحدثت عن هشام بن محمد قال كانت العرب تقول إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش وإنما حرم الحنث منذ ولد أبونا شث وهو بالسريانية شيث
ونعود الآن إلى

(1/518)


ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأسبابه
فتوفي عبدالمطلب بعد الفيل بثماني سنين كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر وكان عبدالمطلب يوصي برسول الله صلى الله عليه و سلم عمه أبا طالب وذلك أن أبا طالب وعبدالله أبا رسول الله صلى الله عليه و سلم كانا لأم فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد جده وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب فقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا أو كما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشأم وبها راهب يقال له بجيرى في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى صنع لهم طعاما كثيرا وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في صومعته عليه غمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا فلما رأى بحيرى رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أشياء في حاله في يقظته وفي نومه فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبره فيجدها بحيرى موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب ما هذا الغلام منك قال ابني فقال له بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة
وقال هشام بن محمد خرج أبو طالب برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بصرى من أرض الشأم وهو ابن تسع سنين
حدثني العباس بن محمد قال حدثنا أبو نوح قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبي موسى قال خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله صلى الله عليه و سلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا

(1/519)


يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك قال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من عضروف كتفه مثل التفاحة
ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان هو في رعية الإبل قال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة فقال انظروا إليه عليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس وإنا اخترنا خيرة بعثنا إلى طريقك هذا قال لهم هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم قالوا لا إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا فتابعوه وأقاموا معه قال فأتاهم فقال أنشدكم الله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن علي عن جده علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بني وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله عز و جل برسالته فإني قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب فقال أفعل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج بفلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس قال فجئت صاحبي فقال ما فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال أفعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز و جل برسالته

(1/520)


ذكر تزويج النبي صلى الله عليه و سلم خديجة رضي الله عنها
قال هشام بن محمد نكح رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سملة عن ابن إسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستتجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشأم تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشأم فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة فقال له ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم باع رسول الله صلى الله عليه و سلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظللانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا من ذلك وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت له فيما يزعمون يابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليها
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه حمزة بن عبدالمطلب عمه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فولدت له ولده كلهم إلا إبراهيم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه و سلم والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه و سلم
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثن معمر

(1/521)


وغيره عن ابن شهاب الزهري وقد قال ذلك غيره من أهل البلد إن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة وكان الذي زوجها إياه خويلد وكان التي مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة
قال الحارث قال محمد بن سعد قال الواقدي فكل هذا غلط
قال الواقدي ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه و سلم تدعوه إلى نفسها تعني التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصا على نكاحها قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمومته فدخلوا عليه فزوجه فلما صحا قال ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير قالت زوجتني محمد بن عبدالله قال ما فعلت أنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل
قال الواقدي وهذا غلط والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد بن عبدالله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم ومن حديث ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة ومن حديث ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن أباها مات قبل الفجار
قال أبو جعفر وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم فيقال منزل خديجة فاشتراه معاوية فيما ذكر فجعله مسجدا يصلي فيه الناس وبناه على الذي هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجلس تحته يستتر به من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة والحجر ذراع وشبر في ذراع

(1/522)


ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينبأ وكان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث في بلده
قال أبو جعفر قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي صلى الله عليه و سلم خديجة واختلاف المختلفين في ذلك ووقت نكاحه صلى الله عليه و سلم إياها وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها وذلك في قول ابن إسحاق في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم
وكان سبب هدمهم إياها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة
وكان أمر غزالي الكعبة فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح فأمر الله إبراهيم خليله عليه السلام وابنه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الأول فأعادا بناءها كا أنزل في القرآن وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 1 ) فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح عليه السلام وهو مرفوع ثم أمر الله عز و جل إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل البيت لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم فكان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح ومكة يومئذ بلاقع ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح إسماعيل عليه السلام امرأة من جرهم فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض ... وصاهرنا من أكرم الناس والدا ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر ...
فولي البيت بعد إبراهيم إسماعيل وبعد إسماعيل نبت وأمه الجرهمية ثم مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل فغلبت جرهم على ولاية البيت فقال عمرو بن الحارث بن مضاض ... وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ...
فكان أول من ولي من جرهم البيت مضاض ثم وليته بعده بنوه كابرا بعد كابر حتى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها وظلموا من دخل مكة ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه يدخل الكعبة فيزني فزعموا أن أسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه

(1/523)


فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها والجبابرة
قال ولما لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن فانخزع بنو حارثة بن عمرو فأوطنوا تهامة فسميت خزاعة وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة فبعث الله على جرهم الرعفا والنمل فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث بن مضاض فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول ... لا هم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك ... بهم قديما عمرت بلادك ...
فلم تقبل توبته فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها وخرج من بقي من جرهم إلى أرض من أرض جهينة فجاءهم سيل أتي فذهب بهم فذلك قول أمية بن أبي الصلب ... وجرهم دمنوا تهامة في الدهر ... فسالت بجمعهم إضم ...
وولي البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصي بل وليه عمرو بن الحارث الغبشاني وهو يقول ... ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنعمره من كل باغ وملحد ...
وقال ... واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه ...
وقال عامر بن الحارث ... كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ... بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر ...
وقال ... يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا ... كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا ... حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا ...
يقول اعملوا لآخرتكم وافرغوا من حوائجكم في الدنيا فوليت خزاعة البيت غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال الإجازة بالحج للناس من عرفة وكان ذلك إلى الغوث بن مر وهو صوفة فكات إذا كانت الإجازة قالت العرب أجيزي صوفة والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان فكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش بن زيد والثالثة النسيء للشهور الحرم فكان ذلك إلى القلمس وهو حذيفة بن فقيم بن عدي من بني مالك بن كنانة ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة وقام عليه الإسلام وقد عادت الحرم إلى أصلها فأحكمها الله وأبطل النسيء فلما كثرت معد تفرقت فذلك قول مهلهل

(1/524)


غنيت دارنا تهامة في الده ... ر وفيها بنو معد حلولا ...
وأما قريش فلم يفارقوا مكة فلما حفر عبدالمطلب زمزم وجد الغزالين غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه فاستخرجهما وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم وكان ممن اتهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل وأبو إهاب بن غزيز بن قيس بن سويد التميمي وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه وأبو لهب بن عبدالمطلب وهم الذين تزعم قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بني مليح فلما اتهمتهم قريش دلوا على دويك فقطع ويقال هم وضعوه عنده
وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة فزعموا أنهم أخرجوه من مكة فكان فيما حولها عشر سنين وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة فكانوا يهابونها وذلك أنه كان لا يدنوا منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله عز و جل قد رضي ما أردنا عندنا عامل رقيق وعندنا خشب وقد كفانا الله [ أمر ] الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه و سلم عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس
قال والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت فسأل عنه فقيل له هذا ابن لجعدة بن هبيرة فقال عند ذلك عبدالله بن صفوان جد هذا يعني أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد
وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان شريفا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم

(1/525)


وقبائل من قريش ضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم وكان شق الحجر وهو الحطيم لبني عبدالدار بن قصي ولبني أسد بن عبدالعزى بن قصي وبني عدي بن كعب
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم ترع اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا هدمنا
فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض من يروي الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرم الحجر انتقضت مكة بأسرها فانتهوا عند ذلك إلى الأساس
قال ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم من الجفنة فسموا لعقة الدم بذلك فمكثت قريش أربع ليال أو خمس ليال على ذلك ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين قد رضينا به هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم لي ثوبا فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين
قال أبو جعفر وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة
واختلف السلف في سن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نبيء كم كانت فقال بعضهم نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدما بنت قريش الكعبة بخمس سنين وبعدما تمت له من مولده أربعون سنة
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعي عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة
حدثنا عمرو بن علي وابن المثنى قالا حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت ربيعة بن أبي عبدالرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين

(1/526)


حدثنا العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال حدثن الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين
حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين
حدثني أبو شرحبيل الحمصي قال حدثني أبو اليمان قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن أنس بن مالك قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد قال حدثنا عمرو بن دينار عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج عن حماد قال أخبرنا عمرو عن يحيى بن جعدة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لفاطمة إنه كان يعرض علي القرآن كل عام مرة وإنه قد عرض علي العام مرتين وإنه قد خيل إلي أن أجلي قد حضر وأن أول أهلي لحاقا بي أنت وإنه لم يبعث نبي إلا بعث الذي بعده بنصف من عمره وبعث عيسى لأربعين وبعثت لعشرين
حدثني عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وهو ابن أريعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة
وقال آخرون بل نبئ حين نبئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
ذكر من قال ذلك
حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبدالوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيدا يعني ابن المسيب
يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة

(1/527)


ذكر اليوم الذي نبئ فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشهر الذي نبئ فيه وما جاء في ذلك
قال ابو جعفر صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بما حدثنا به ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير أنه سمع عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن صوم الاثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه
حدثنا احمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثن أبو هلال قا حدثنا غيلان بن جرير المعولي قال حدثنا عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن عمر رحمه الله أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم يا نبي الله صوم يوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت علي فيه النبوة
حدثنا إبراهيم بن سعيد قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين
قال أبو جعفر وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم
واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك فقال بعضهم نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه و سلم لثماني عشرة خلت من رمضان
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن أيوب عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي أنه كان يقول فيما بلغه وانتهى إليه من العلم أنزل القرقان على رسول الله صلى الله عليه و سلم لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان
وقال آخرون بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت منه
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني من لا يتهم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسي عن ابي الجلد قال نزل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان
وقال آخرون بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله

(1/528)


عز و جل وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ( 1 ) وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه و سلم والمشركين ببدر وأن التقاء رسول الله صلى الله عليه و سلم والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان
قال أبو جعفر وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم من قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام برسالة الله عز و جل إليه فيما ذكر عنه يرى ويعاين آثارا وأسبابا من آثار من يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه واستخرجا ما فيه من الغل والدنس وهو عند أمه من الرضاعة حليمة ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر فيما ذكر عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا علي بن محمد بن عبيدالله بن عمر بن الخطاب عن منصور بن عبدالرحمن عن أمه عن برة بنت أبي تجراة قالت إن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قالت السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا
قال أبو جعفر وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها قومها بذلك وقد حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول أن أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بني عبدالمطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهده أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره
قال عامر فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه و سلم قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن عبدالله بن كعب مولى عثمان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر يعني ابن الخطاب فلما نظر إليه عمر قال إن الرجل لعلى شركه بعد ما فارقه أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر هل أسلمت فقال نعم فقال هل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت فقال عمر اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من ذلك نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله بالإسلام فقال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية

(1/529)


قال فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو سنة فقال لي ألم تر إلى الجن وإبلاسها وإياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال فقال عمر عند ذلك يحدث الناس والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا معه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه يقول يا آل ذريح أمر بجيح ورجل يصيح يقول لا إله إلا الله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبدالله بن كعب مولى عثمان بن عفان مثله
حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني محمد بن عبدالله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف واحدة اسمعوا إلى العجب ذهب استراق الوحي ونرمى بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثني أحمد بن سنان القطان الواسطي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن رجلا من بني عامر أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإن يك بك طب داويتك فإني أطب العرب قال أتحب أن أريك آية قال نعم ادع ذاك العذق قال فنظر إلى عذق في نخلة فدعاه فجعل ينقز حتى قام بين يديه قال قل له فليرجع فرجع فقال العامري يا بني عامر ما رأيت كاليوم أسحر
قال أبو جعفر والأخبار عن الدلالة على نبوته صلى الله عليه و سلم أكثر من أن تحصى ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله
ونرجع الآن إلى

(1/530)


ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله صلى الله عليه و سلم عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل عليه السلام إليه بوحيه
قال أبو جعفر قد ذكرنا قبل بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم بالوحي من الله وكم كان سن النبي صلى الله عليه و سلم يومئذ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه وظهوره له بتنزيل ربه
فحدثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف بوادري ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال يا محمد أنت رسول الله قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدى لي حين هممت بذلك فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما أقرأ قال فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) فقرأت فأتيت خديجة فقلت لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري فقالت أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ووالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد قالت اسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبري فقال هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران ليتني فيها جذع ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قلت أمخرجي هم قال نعم إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا
ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون ويا أيها المدثر قم فأنذر ووالضحى والليل إذا سجى ( 2 )

(1/531)


حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة أن عائشة أخبرته ثم ذكر نحوه غير أنه لم يقل ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن إلى آخره
حدثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب قال حدثنا عبدالواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني قال حدثنا عبدالله بن شداد قال أتى جبريل محمدا صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد اقرأ فقال ما أقرأ قال فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال ما أقرأ قال فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق حتى بلغ علم الإنسان ما لم يعلم قال فجاء إلى خديجة فقال يا خديجة ما أراني إلا قد عرض لي قالت كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ما أتيت فاحشة قط قال فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر فقال لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي وليلقين من أمته شدة ولئن أدركته لأومنن به
قال ثم أبطأ عليه جبريل فقالت له خديجة ما أرى ربك إلا قد قلاك قال فأنزل الله عز و جل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبدالله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر وقال أبو طالب ... وراق ليرقى في حراء ونازل ...
فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عز و جل فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك في شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما اقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي قال اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله علم الإنسان مالم يعلم قال فقرأته قال ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابا
قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال قلت إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن

(1/532)


قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل قال فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي قال قلت لها إن الأبعد لشاعر أو مجنون فقالت أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك وما ذاك يا بن عم لعلك رأيت شيئا قال فقلت لها نعم ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد وهو ابن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر يعني بالناموس جبرئيل عليه السلام الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع وبدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال يابن أخي أخبرني بما رأيت أو سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى منزله
وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته يا بن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لخديجة يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني فقالت نعم فقم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا فقالت يا بن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثت بهذا الحديث

(1/533)


عبدالله بن الحسن فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني قد سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل فقالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم إن هذا لملك وما هو بشيطان
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس قال حدثنا علي بن المبارك عن يحيى يعني ابن أبي كثير قال سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت يقولون اقرأ باسم ربك فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبدالله أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي صلى الله عليه و سلم قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدامي فلم أر شيئا فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض فخشيت منه قال ابن المثنى هكذا قال عثمان بن عمر وإنما هو فجئثت منه فلقيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا علي ماء وأنزل علي يا أيها المدثر قم فأنذر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن قال نزلت يا أيها المدثر أول قال قلت إنهم يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال سألت جابر بن عبدالله فقال لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يميني فلم أر شيئا وعن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم ار شيئا ونظرت خلفي فلم ار شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء قال فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت يا أيها المدثر
وحدثت عن هشام بن محمد قال أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له برسالة الله عز و جل يوم الاثنين فعلمه الوضوء وعلمه الصلاة وعلمه اقرأ باسم ربك الذي خلق وكان لرسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين يوم أوحي إليه أربعون سنة
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال أخبرنا اجعفر بن عبدالله بن عثان القرشي قال أخبرني عمر بن عروة بن الزبير قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت قال يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما في الأرض والآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو قال فزنه برجل فوزنت برجل فرجحته ثم قال زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فوزنني بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزنني بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان قال فقال أحدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما أخرج قلبه أو قال شق قلبه فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها ثم قال أحدهما للآخر اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الإناء أو اغسل قلبه غسل الملاءة ثم دعا بالسكينة كأنها وجه هرة

(1/534)


بيضاء فأدخلت قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاطا بطني وجعلا الخاتم بين كتفي فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة
حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فترة فحزن حزنا شديدا جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبرئيل فيقول إنك نبي الله فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه فكان النبي صلى الله عليه و سلم يحدث عن ذلك قال فبينما أنا أمشي يوما إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي دثرناه فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر قال الزهري فكان أول شيء أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما لم يعلم ( 1 )
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني ابو سلمة بن عبدالرحمن أن جابر بن عبدالله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يحدث عن فترة الوحي بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجئثت منه فرقا وجئت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر إلى قوله والرجز فاهجر قال ثم تتابع الوحي
قال أبو جعفر فلما أمر الله عز و جل نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله وأما بنعمة ربك فحدث وذلك فيما زعم ابن إسحاق النبوة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وأما بنعمة ربك فحدث أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث اذكرها وادع إليها قال فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله فيما ذكر زوجه خديجة رحمها الله
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال الواقدي أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد رحمها الله
قال أبو جعفر ثم كان أول شيء فرض الله عز و جل من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأصنام وخلع الأنداد الصلاة فيما ذكر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبرئيل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبرئيل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه و سلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور

(1/535)


للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم كما رأى جبرئيل عليه السلام توضأ ثم قام جبرئيل عليه السلام فصلى به وصلى النبي صلى الله عليه و سلم بصلاته ثم انصرف جبرئيل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة فتوضأ لها يريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبرئيل عليه السلام فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صلى به جبرئيل عليه السلام فصلت بصلاته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم عن عنبسة عن أبي هاشم الواسطي عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك قال لما كان حين نبيء النبي صلى الله عليه و سلم وكان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها فأتاه ملكان جبرئيل وميكائيل فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنه ثم جاؤوا بماء من ماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلالة ثم جاؤوا بطست من ذهب ملئ إيمانا وحكمة فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة ثم عرج به إلى السماء الدنيا فاستفتح جبرئيل فقالوا من هذا فقال جبرئيل فقالوا من معك فقال محمد قالوا وقد بعث قال نعم قالوا مرحبا فدعوا له في دعائهم فلما دخل فإذا هو برجل جسيم وسيم فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا أبوك آدم ثم أتوا به إلى السماء الثانية فاستفتح جبرئيل فقيل له مثل ذلك وقالوا في السموات كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا فلما دخل إذا برجلين فقال من هؤلاء يا جبرئيل فقال يحيى وعيسى ابنا الخالة ثم أتي به السماء الثالثة فلما دخل إذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا أخوك يوسف فضل بالحسن على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب ثم أتي به السماء الرابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا إدريس ثم قرأ ورفعناه مكانا عليا ( 1 ) ثم أتي به السماء الخامسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا هارون ثم أتي به السماء السادسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا موسى ثم أتي به السماء السابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا أبوك إبراهيم ثم انطلق إلى الجنة فإذا هو بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل بجنبتيه قباب الدر فقال ما هذا يا جبرئيل فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك وهذه مساكنك قال وأخذ جبرئيل بيده من تربته فإذا هو مسك أذفر ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهي سدرة نبق أعظمها أمثال الجرار وأصغرها أمثال البيض فدنا ربك عز و جل فكان قاب قوسين أو أدنى ( 1 ) فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان فأوحى إلى عبده وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة فمر على موسى فقال ما فرض على أمتك فقال خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإن أمتك أضعف الأمم قوة وأقلها عمرا وذكر ما لقي من بني إسرائيل فرجع فوضع عنه عشرا ثم مر على موسى فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف كذلك حتى جعلها خمسا قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال لست براجع غير عاصيك وقذف في قلبه ألا يرجع فقال الله عز و جل لا يبدل

(1/536)


كلامي ولا يرد قضائي وفرضي وخفق عن أمتي الصلاة لعشر قال أنس وما وجدت ريخا قط ولا ريح عروس قط أطيب ريحا من جلد رسول الله صلى الله عليه و سلم ألزقت جلدي بجلده وشممته
قال أبو جعفر ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بن خويلد وصلى معه
فقال بعضهم كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام
ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره
حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال أول من صلى علي
حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عبدالحميد بن بحر قال أخبرنا شريك عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم يوم الإثنين وصلى علي يوم الثلاثاء
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب قال فذكرته للنخعي فأنكره وقال أبو بكر أول من أسلم
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب عليه السلام
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا حمزة ( رجلا من الأنصار ) يقول سمعت زيد بن أرقم يقول أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي عليه السلام
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبدالله قال سمعت عليا يقول أنا عبدالله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين
حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأ فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم أتدري من هذا فقلت لا قال هذا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من هذا معه قلت لا قال هذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من هذه المرأة التي خلفهما قلت لا قال هذه

(1/537)


خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي وهذا حدثني أن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذي تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي من أهل الكوفة قال حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جده قال كنت أمرأ تاجرا فقدمت أيام الحج فأتيت العباس فبينا نحن عنده إذ خرج رجل يصلي فقام تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه فقلت يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما أدري ما هو قال هذا محمد بن عبدالله يزعم أن الله ارسله به وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بن خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد قال سلمة حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن أبي الأشعث قال أبو جعفر وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن عبد المطلب بمنى فأتا رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعدما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا عيسى بن سوادة بن الجعد قال حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبدالرحمن وأبو حازم المدني والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبي أسلم وهو ابن تسع سنين
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الإسلام
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب وما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا أنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/538)


عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق قال وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم أو كما قال بعثني الله به رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب يا بن أخي إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما حييت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال ووزعموا أنه قال لعلي بن أبي يطالب أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه قال يا أبه آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله فزعموا أنه قال له أما إنه لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال أسلم علي وهو ابن عشر سنين
قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعدما تنبأ رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنة فأقام بمكة اثنتي عشرة سنة
وقال آخرون أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه
ذكر من قال ذلك
حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا عبدالرحمن بن مغراء عن مجالد عن الشعبي قال قلت لابن عباس من أول الناس إسلاما فقال أما سمعت قول حسان بن ثابت ... إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا ... خير البرية أتقاها وأعذلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا ... الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا ...
وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس نحوه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس نحوه
حدثنا بحر بن نصر الخولاني قال حدثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني معاوية بن صالح قال حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة عن أبي أمامة الباهلي قال حدثني عمرو بن عبسة

(1/539)


قال أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو نازل بعكاظ قلت رسول الله من تبعك على هذا الأمر قال اتبعني عليه رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال قال فأسلمت عند ذلك قال فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام
حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول لقد رأيتني ربع الإسلام ولم يسلم قبلي إلا النبي وأبو بكر وبلال كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال أول من أسلم أبو بكر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال قال إبراهيم النخعي أبو بكر أول من أسلم
وقال آخرون أسلم قبل أبي بكر جماعة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا كنانة بن جبلة عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد قال قلت لأبي أكان أبو بكر أولكم إسلاما فقال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا إسلاما
وقال آخرون كان أول من آمن واتبع النبي صلى الله عليه و سلم من الرجال زيد بن حارثة مولاه
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال الواقدي حدثني ابن أبي ذئب قال سألت الزهري من أول من أسلم قال من النساء خديجة ومن الرجال زيد بن حارثة
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار قال أول من أسلم زيد بن حارثة
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد يعني ابن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبي أنس مثله
وحدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا عبدالملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال أول من أسلم زيد بن حارثة
وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله عز و جل وإلى رسوله قال وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن

(1/540)


مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام فصلوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه و سلم وآمنوا بما جاء به من عند الله ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام الرجال منهم والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس
وقال الواقدي في ذلك ما حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عنه اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر في أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة أيهم أسلم أول قال وقال الواقدي أسلم معهم خالد بن سعيد بن العاص خامسا وأسلم أبو ذر قالوا رابعا أو خامسا وأسلم عمرو بن عبسة السلمي فيقال رابعا أو خامسا قال فإنما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول وفي ذلك روايات كثيرة قال فيختلف في الثلاثة المتقدمين وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني مصعب بن ثابت قال حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل قال كان إسلام الزبير بعد أبي بكر كان رابعا أو خامسا
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم بأسمائهم أنهم كانوا من السابقين إلى الإسلام
ثم إن الله عز و جل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادي الناس بأمره ويدعو إليه فقال له فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( 1 ) وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ( 1 ) قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فاقتتلوا فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام
فحدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك قال أرأيت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم

(1/541)


تصدقونني قالوا بلى قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا أو جمعتنا فأنزل الله عز و جل تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 ) إلى آخر السورة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين ( 2 ) خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذي يهتف قالوا محمد فقال يا بني فلان يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت هذه السورة تبت يدا أبي لهب وتب إلى آخر السورة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب عن عبدالله بن عباس عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذر عشيرتك الأقربين دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لي يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رحل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه و سلم حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال خذوا بسم الله فأكل القو م حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذي نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال الغد يا علي إن هذا الرجل سيقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلي
قال ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ثم قال اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة وقد أمرني الله تعالى أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون

(1/542)


أخي ووصيي وخليفتي فيكم قال فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعو له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع
حدثني زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلي عليه السلام يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك فقال علي هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال جمع رسول الله صلى الله عليه و سلم أو دعا رسول الله بني عبد المطلب منهم رهطه كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق قال فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس قال ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا قال ثم قال يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال فقال اجلس قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي قال فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة حدثنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذر عشيرتك الأقربين قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأبطح ثم قال يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني قصي قال ثم فخذ قريشا قبيلة قبيلة حتى مر على آخرهم إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء
قال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فصدع رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمر الله وبادى قومه بالإسلام فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه بعض الرد فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعتبهم من شيء [ يكرهونه مما ] أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج أو من مشى إليه منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب ألهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه قال ثم شري الأمر بينه

(1/543)


وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم ولا خذلانه
حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا اسباط عن السدي أن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه فلينصفنا منه فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبد فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه
قال فبعثوا رجلا منهم يدعى المطلب فاستأذن على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه
قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا بن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال وإلام تدعوهم قال أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم قال فقال أبو جهل من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها قال تقول لا إله إلا الله قال فنفروا [ وتفرقوا ] وقالوا سلنا غير هذه فقال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها قال فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد إلى قوله إلا اختلاق ( 1 )
وأقبل على عمه فقال له عمه يا بن أخي ما شططت عليهم فأقبل عى عمه دعاه فقال قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة تقول لا إله إلا الله فقال لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لا لأعطيتكها ولكن على ملة الأشياخ قال فنزلت هذه الآية إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ( 2 )
حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة قال حدثنا الأعمش قال حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقال إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل إن جلس إلىجنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسا قرب عمه فجلس

(1/544)


عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا فما هي فقال أبو طالب وأي كلمة هي يا بن أخي قال لا إله إلا الله قال فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله لما يذوقوا عذاب ( 1 ) لفظ الحديث لأبي كريب
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له يا بن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا بن أخي فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا
قال ثم إن قريشا لما عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه و سلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولدا فهو لك وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل فقال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف والله يا أبا طالب لقد انصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال أبو طالب
قال فحقب الأمر عند ذلك وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا
قال ثم إن قريشا تذامروا على من في القبائل منهم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه و سلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا ما كان من أبي لهب فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم

(1/545)


حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي وعبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث قال علي بن نصر حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث وقال عبدالوارث حدثني أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبدالملك بن مروان أما بعد فإنه يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم وكادوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك عليه واشتدوا عليه وكرهو ما قال [ لهم ] وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه إلا من حفظه الله منهم وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ثم ائتمرت رؤسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الإسلام فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخرجوا إلىأرض الحبشة وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه وكان ينثى عليه مع ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم الفتن ومكث هو فلم يبرح فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم ثم إنه فشا الإسلام فيها ودخل فيه رجال من أشرافهم
قال أبو جعفر فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة وهاجر إليها هذه الهجرة وهي الهجرة الأولى
فقال بعضهم كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة
ذكر من قال ذلك
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه عن رجل من قومه قال وأخبرنا عبيدالله بن العباس الهذلي عن الحارث بن الفضيل قالا خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفق الله المسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا
قالوا وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني يونس بن محمد عن أبيه قال وحدثني عبدالحميد وعن محمد بن يحيى بن حبان قالا تسمية القوم الرجال والنساء عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار وعبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة وأبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن

(1/546)


عبدالله بن عمر بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وعثمان بن مظعون الجمحي وعامر بن ربيعة العنزي من عنز بن وائل ليس من عنزة حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى العامري وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بني الحارث بن فهر وعبدالله بن مسعود حليف بني زهرة
قال أبو جعفر وقال آخرون كان الذين لحقوا بأرض الحبشة وهاجروا إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها اثنين وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله عز و جل بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام فكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن بني عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي الزبير بن العوام
فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي غير أنه قال من بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ويقال بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي قال ويقال هو أول من قدمها فجعلهم ابن إسحاق عشرة وقال كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني
قال ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم ومن كان منهم معه أهله وولده ومن ولد له بأرض الحبشة ومن كان منهم لا أهل معه
قال أبو جعفر ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مهاجرا إليها ورسول الله صلى الله عليه و سلم مقيم بمكة يدعو إلى الله سرا وجهرا قد منعه الله بعمه أبي طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال

(1/547)


حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما كانت تظهر من عداوته قال قد حضرتم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا ما رأينا ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا
فبينا هم كذلك إذا طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم مضى فلم مر بهم الثانية غمزوه مثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف فقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع وحتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا
قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بغلكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم نعم أنا الذي أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلا منهم آخذا بجمع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه فإن ذلك أشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط
حدثنا يونس بن عبدالأعلى قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال قلت لعبد الله بن عمرو حدثني بأشد شيء رأيت المشركين صنعوا برسول الله صلى الله عليه و سلم قال أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلى الله عليه و سلم عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فقام أبو بكر من خلفه فوضع يده على منكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال أبو بكر يا قوم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله إلى قوله إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ( 1 )
قال ابن إسحاق وحدثني رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل بن هشام مر برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجع إلى بيته قالت يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن

(1/548)


أخيك محمد آنفا قبل أن تأتي من أبي الحكم بن هشام وجده ها هنا جالسا فسبه وآذاه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد قال فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة فشجه به اشجة منكرة وقال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عز وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض ما كانوا ينالون منه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعني قال فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم رافعا بها صوته الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ( 1 ) قال ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن لئن شئتم لأغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون
قال أبو جعفر ولما استقر الدين بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي فرجعا مقبوحين وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبدالمطلب ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في أنفسهم قوة وجعل الإسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم اجتمعت قريش فائتمرت بينها أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو

(1/549)


هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش وظاهرهم عليه فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ألا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاء أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال ما لك وله قال يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال له أبو البختري طعام لعمته عنده بعثت إليه فيه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله صلى الله عليه و سلم في كل ذلك يدعو قومه سرا وجهرا آناء اليل وآناء النهار والوحي عليه من الله متتابع بأمره ونهيه ووعيد من ناصبه العداوة والحجج لرسول الله صلى الله عليه و سلم على من خالفه
فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما فيما حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ويطؤوا عقبه فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح قال ما هي قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتي من عند ربي فجاء الوحي من اللوح المحفوظ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السورة وأنزل الله عز و جل قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ( 1 )
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق قال حدثني سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشركك في أمرنا كله فإن كان الذي جئت به خيرا مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز و جل قل يا أيها الكافرون حتى انقضت السورة
فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم حريصا على صلاح قومه محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل قد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقاربتهم فكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد المدني عن محمد بن كعب القرظي قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم تولي قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه قومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم حتى حدث

(1/550)


بذلك نفسه وتمناه وأحبه فأنزل الله عز و جل والنجم إذ هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى فلما انتهى إلى قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ( 1 ) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه تلك الغرانيق العلا وإن شافعتهن لترتجى فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر قد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل أسلمت قريش فنهض منهم رجال وتخلف آخرون وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز و جل وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله عز و جل وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه و سلم فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله عز و جل وما أرسلنا من قبلك من رسولا ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فنيسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 2 ) فأذهب الله عز و جل عن نبيه الحزن وآمنه من الذي كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى بقول الله عز و جل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى أي عوجاء إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم إلى قوله لمن يشاء ويرضى ( 3 ) أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده
فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من إسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار او مستخفيا فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية

(1/551)


معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بن سهيل وجماعة أخر معهم عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا
حدثني القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه فأنزل الله عز و جل والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان عليه كلمتين تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترجى فتكلم بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم معه جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبرئيل عليه السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا ( 1 ) فما زال مغموما مهموما حتى نزلت وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلى قوله والله عليم حكيم ( 2 )
قال فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان ثم قام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في نقض الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامري من عامر بن لؤي وكان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه وإنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال له زهير ابغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال ويحك فماذا اصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال ابغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبي أمية قال ابغنا رابعا

(1/552)


فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون الذي بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قضي بليل وتشوور فيه بغير هذا المكان وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان من باسمك اللهم وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش تفتتح بها كتابها إذا كتبت
قال وكان كاتب صحيفة قريش فيما بلغني التي كتبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ورهطه من بني هاشم وبني المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فشلت يده
وأقام بقيتهم بأرض الحبشة حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في سفينتين فقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا
ولم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به حتى إن كان بعضهم فيما ذكر يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ويطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم فيما بلغني حجرا يستتر به منهم إذا صلى
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج بذلك إذا رمي به في داره على العود فيقف على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه بالطريق
ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد وذلك فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه و سلم بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه حتى نثر بعضهم على رأسه التراب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال لما نثر ذلك السفيه التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيته والتراب على رأسه

(1/553)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية