صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ الإسلام
المؤلف : الذهبي
مصدر الكتاب : الوراق

الجزء 48 - 52 من ملتقى أهل الحديث
http://www.ahlalhdeeth.com
وبهذا يكتمل الكتاب
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الإمام العالم العامل الناقد البارع الحافظ الحجة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي رحمه الله تعالى وأدام النفع به وغفر له ولوالديه: الحمد لله موفق من توكل عليه، القيوم الذي ملكوت كل شيء بيديه، حمدا طيبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين وخاتما للنبيين وحرزا للأميين وإماما للمتقين بأوضح دليل وأفصح تنزيل وأفسح سبيل وأنفس تبيان وأبدع برهان. اللهم آته الوسيلة وابعثه مقاما محمودا يغبطه الأولون والآخرون، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المجاهدين وأزواجه أمهات المؤمنين.
أما بعد فهذا كتاب نافع إن شاء الله، ونعوذ بالله من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع، جمعته وتعبت عليه واستخرجته من عدة تصانيف، يعرف به الإنسان مهم ما مضى من التاريخ، من أول تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا من وفيات الكبار من الخلفاء والقراء والزهاد والفقهاء والمحدثين والعلماء والسلاطين والوزراء والنحاة والشعراء، ومعرفة طبقاتهم وأوقاتهم وشيوخهم وبعض أخبارهم بأخصر عبارة وألخص لفظ، وما تم من الفتوحات المشهورة والملاحم المذكورة والعجائب المسطورة، من غير تطويل ولا استيعاب، ولكن أذكر المشهورين ومن يشبههم، وأترك المجهولين ومن يشبههم، وأشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم والوقائع لبلغ الكتاب مائة مجلدة بل أكثر، لأن فيه مائة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلدا.
وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنفات كثيرة، ومادته نم: دلائل النبوة للبيهقي.
وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن إسحاق.
ومغازيه لابن عائذ الكاتب.
والطبقات الكبرى لمحمد بن سعد كاتب الواقدي.
وتاريخ أبي عبد الله البخاري.
وبعض تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة.
وتاريخ يعقوب الفسوي.
وتاريخ محمد بن المثنى العنزي وهو صغير.
وتاريخ أبي حفص الفلاس.
وتاريخ أبي بكر بن أبي شيبة.
وتاريخ الواقدي.
وتاريخ الهيثم بن عدي.
وتاريخ خليفة بن خياط.
والطبقات له.
وتاريخ أبي زرعة الدمشقي.
والفتوح لسيف بن عمر.
وكتاب النسب للزبير بن بكار.
والمسند للإمام أحمد.
وتاريخ المفضل بن غسان الغلابي.
والجرح والتعديل عن يحيى بن معين.
والجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم.
ومن عليه رمز فهو في الكتب الستة أبو بعضها، لأنني طالعت مسودة تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجاج يوسف المزي، ثم طالعت المبيضة كلها. فمن على اسمه ع فحديثه الستة، ومن عليه فهو في السنن الأربعة، ومن عليه خ فهو في البخاري، ومن عليه م ففي مسلم، ومن عليه د ففي سنن أبي داود، ومن عليه ت ففي جامع الترمذي، ومن عليه ن ففي سنن النسائي، ومن عليه ق ففي سنن ابن ماجة. وإن كان الرجل في الكتب إلا فرد كتاب فعليه سوى ت مثلا أو سوى د.
وقد طالعت أيضا عليه من التواريخ التي اختصرتها: تاريخ أبي عبد الله الحاكم.
وتاريخ أبي سعيد بن يونس.
وتاريخ أبي بكر الخطيب.
وتاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ.
وتاريخ أبي سعد بن السمعاني.
والأنساب له.
وتاريخ القاضي شمس الدين بن خلكان.
وتاريخ العلامة شهاب الدين أبي شامة.
وتاريخ الشيخ قطب الدين بن اليونيني، وتاريخه ذيل على تاريخ مرآة الزمان للواعظ شمس الدين يوسف سبط ابن الجوزي وهما على الحوادث والسنين.
وطالعت أيضا كثيرا من: تاريخ الطبري.
وتاريخ ابن الأثير.
وتاريخ ابن الفرضي.
وصلته لابن بشكوال.
وتكملتها لابن الأبار.
والكامل لابن عدي.
وكتبا كثيرة وأجزاء عديدة، وكثيرا من: مرآة الزمان.

(1/1)


ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتكلوا على حفظهم، فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعي، فكتبنا أسماءهم على الطبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين وجهلت وفيات أئمة من المعروفين. وأيضا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها إما لكونها لم يؤرخ علماءها أحد من الحفاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا.
وأنا أرغب إلى الله تعالى وأبتهل إليه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لجامعه وسامعه ومطالعه وللمسلمين آمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
السيرة النبوية
نسب سيد البشر
محمد رسول الله أبو القاسم سيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب واسم عبد المطلب شيبة بن هاشم ، واسمه عمرو بن عبد مناف ، واسمه المغيرة بن قصي ، واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة ، واسمه عامر ، بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ، صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم ، بإجماع الناس.
لكن اختلفوا فيما بين عدنان وبين إسماعيل من الآباء، فقيل بينهما تسعة آباء، وقيل سبعة، وقيل مثل ذلك عن جماعة. لكن اختلفوا في أسماء بعض الآباء، وقيل بينهما خمسة عشر أبا، وقيل بينهما أربعون أبا وهو بعيد، وقد ورد عن طائفة من العرب ذلك.
وأما عروة بن الزبير فقال: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا.
وعن ابن عباس قال: بين معد بن عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أبا قاله هشام بن الكلبي النسابة، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ولكن هشام وأبوه متروكان.
وجاء بهذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهى إلى عدنان أمسك ويقول: كذب السابون قال الله تعالى: " وقرونا بين ذلك كثيرا " .
وقال أبو الأسود يتيم عروة: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وكان من أعلم قريش بأنسابها وأشعارها يقول: ما وجدنا أحدا يعلم ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم.
قال هشام بن الكلبي: سمعت من يقول: إن معدا كان على عهد عيسى ابن مريم عليه السلام.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود، ومحمد بن كعب القرظي، وعمرو بن ميمون الأودي إذا تلوا: " والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله " قالوا: كذب النسابون، قال أبو عمر: معنى هذا عندنا على غير ما ذهبوا إليه، وإنما المعنى فيها والله أعلم: تكذيب من ادعى إحصاء بني آدم.
وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك.
والذي عليه أئمة هذا الشأن أنه: عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور، ابن تيرح، ين يعرب، بن يشجب، بن نابت، بن إسماعيل، بن إبراهيم الخليل، بن آزر ، واسمه تارح ،، بن ناحور، بن ساروغ بن راغو، ابن فالخ، بن عيبر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح عليه السلام، لن لمك، بن متوشلخ، بن خنوخ ، وهو إدريس عليه السلام ،، ابن يرد، بن مهليل، بن قينن، بن يانش، بن شيث، بن آدم أبي البشر عليه السلام، قال: وهذا الذي اعتمده محمد بن إسحاق في السيرة، وقد اختلف أصحاب ابن إسحاق عليه في بعض الأسماء.
قال ابن سعد: الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل.
وروى سلمة الأبرش، عن ابن إسحاق هذا النسب إلى يشجب سواء، ثم خالفه فقال: يشجب، بن يانش، بن ساروغ، بن كعب، بن العوام، ابن قيذار، بن نبت، بن إسماعيل، بن إبراهيم الخليل عليهم السلام.
وقال ابن إسحاق: يذكرون أن عمر إسماعيل بن إبراهيم الخليل مائة وثلاثون سنة، وأنه دفن في الحجر مع أمه هاجر.

(1/2)


وقال عبد الملك بن هشام: حدثني بن قرة بن خالد السدوسي، عن شيبان بن زهير، عن قتادة قال: إبراهيم خليل الله هو ابن تارح، بن ناحور، بن أشرع، بن أرغو، بن فالخ، بن عابر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح، بن لامك، بن متوشلخ، بن خنوخ، ابن يرد، بن مهلاييل، بن قاين، بن أنوش، بن شيث، بن آدم.
وروى عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، أنه وجد نسب إبراهيم عليه السلام في التوراة: إبراهيم، بن تارح، بن ناحور، ابن شروغ، بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح، بن لمك، بن متشالخ، بن خنوخ ، وهو إرديس ،، بن يارد، بن مهلاييل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم.
وقال ابن سعد: ثنا هشام بن الكلبي قال: علمني أبي وأنا غلام نسب النبي صلى الله عليه وسلم محمد، الطيب المبارك ولد عبد الله بن عبد المطلب ، واسمه شيبة الحمد ، بن هاشم ، واسمه عمرو ، بن عبد مناف ، واسمه المغيرة ، بن قصي ، واسمه زيد ، بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
قال أبي: وبين معد وإسماعيل نيف وثلاثون أبا، وكان لا يسميهم ولا ينفذهم.
قلت: وسائر هذه الأسماء أعجمية، وبعضها لا يمكن ضبطه بالخط إلا تقريبا.
وقد قيل في قوله تعالى: " وفصيلته التي تؤويه " : فصيلة النبي صلى الله عليه وسلم بنو عبد المطلب أعمامه وبنو أعمامه، وأما فخذه فبنو هاشم قال: وبنو عبد مناف بطنه، وقريش عمارته، وبنو كنانة قبيلته. ومضر شعبه.
قال الأوزاعي: حدثني شداد أبو عمار، حدثني واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اصطفى الله كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من بني هاشم " رواه مسلم.
وأمه آمنة وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فهي أقرب نسبا إلى كلاب من زوجها عبد الله برجل.
مولده المبارك
صلى الله عليه وسلم
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق ، نا أحمد بن أبي الفتح، والفتح ابن عبد الله قالا: أنبأ محمد بن عمر الفقيه، أنا أبو الحسين أحمد بن محمد ابن النقور، أنا علي بن عرم الحربي، ثنا أحمد بن الحسن الصوفي، ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الفيل صحيح.
وقال ابن إسحاق: حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة بن المطلب قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. كنا لدين أخرجه الترمذي، وإسناده حسن.
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا سليمان النوفلي، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل. وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة من الفيل.
قال شباب العصفري: ثنا يحيى بن محمد، ثنا عبد العزيز بن عمران، حدثني الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، سمعت قباث بن اشيم يقول: أنا أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكبر مني، وقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله، وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
يحيى أبو زكير، وشيخه متروك الحديث.
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، وكان بينه وبين مبعثه وبين أصحاب الفيل سبعون سنة. كذا قال.
وقد قال إبراهيم بن المنذر وغيره: هذا وهم لا يشك فيه أحد من علمائنا. إن رسول الله ولد عام الفيل وبعث على راس أربعين سنة من الفيل.
وقال يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن ابزى قال: كان بين الفيل وبين مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. وهذا قول منقطع.
وأضعف منه ما روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة وهو ضعيف قال:

(1/3)


ثنا عقبة بن مكرم، ثنا المسيب بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في عاشوراء المحرم، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل وهذا حديث ساقط كما نرى.
وأوهى منه ما يروى عن الكلبي ، وهو متهم ساقط، عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفيل بخمس عشرة سنة. قد تقدم ما يبين كذب هذا القول عن ابن عباس بإسناد صحيح.
قال خليفة بن خياط: المجمع عليه أنه ولد عام الفيل.
وقال الزبير بن بكار: ثنا محمد بن حسن، عن عبد السلام بن عبد الله، عن معروف بن خربوذ وغيره من أهل العلم قالوا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وسميت قريش آل الله وعظمت في العرب، ولد لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول وقيل: من رمضان يوم الإثنين حين طلع الفجر.
وقال أبو قتادة الأنصاري: سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقول في صوم يوم الإثنين - قال: " ذاك يوم ولدت فيه وفيه أوحي إلي " . أخرجه مسلم.
وقال عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد في ليلة الاثنين من ربيع الأول عند أبهرار النهار.
وروى ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت، قال: إني لغلام يفعة، إذا سمعت يهوديا وهو على أطمة يثرب يصرخ: يا معشر يهود، فلما اجتمعوا إليه قالوا: ويلك ما لك - قال: طلع نجم احمد الذي يبعث الليلة.
وقال ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين ونبئ يوم الإثنين. وخرج من مكة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وفتح مكة يوم الإثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين. رواه أحمد في مسنده، وأخرجه الفسوي في تاريخه.
وقال شيخنا أبو محمد الدمياطي في السيرة من تأليفه، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وكان قدوم أصحاب الفيل قبل ذلك في النصف من المحرم.
وقال أبو معشر نجيح: ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
قال الدمياطي: والصحيح قول أبي جعفر، قال: ويقال: إنه ولد في العشرين من نيسان.
وقال أبو أحمد الحاكم: ولد بعد الفيل بثلاثين يوما. قاله بعضهم: قال: وقيل بعده بأربعين يوما.
قلت: لا أبعد أن الغلط وقع من هنا على من قال ثلاثين عاما أو أربعين عاما، فكأنه أراد أن يقول يوما فقال عاما.
وقال الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدا.
وهذا أصح مما رواه ابن سعد: أنبأ يونس بن عطاء المكي، ثنا الحكم بن أبان العدني، ثنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه العباس قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا، فأعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده وقال: ليكونن لابني هذا شأن.
تابعه سليمان بن سلمة الخبائري، عن يونس، لكن أدخل فيه بين يونس والحكم: عثمان بن ربيعة الصدائي.
قال شيخنا الدمياطي: ويروى عن أبي بكرة قال: ختن جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طهر قلبه.
قلت: هذا منكر.
أسماء النبي
صلى الله عليه وسلم وكنيته
الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب قال الزهري: والعاقب الذي ليس بعده نبي. متفق عليه. وقال الزهري: وقد سماه الله رؤوفا رحيما.
وقال حماد بن سلمة، عن جعفر بن أبي وحشية، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، والخاتم، والعاقب. وهذا إسناد قزي حسن.

(1/4)


وجاء بلفظ آخر قال: أنا أحمد، ومحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة.
وقال عبد الله بن صالح: ثنا الليث، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن عقبة بن مسلم، عن نافع بن جبير بن مطعم: أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أتحصي أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان جبير يعدها - قال: نعم، هي ستة: محمد، وأحمد، وخاتم، وحاشر، وعاقب، وماح.
فأما حاشر فبعث مع الساعة نذيرا لكم، وأما عاقب فإنه عقب الأنبياء، وأما ماحي فإن الله محا به سيئات من اتبعه.
فأما عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال أنا محمد، وأحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي التوبة، والملحمة. رواه مسلم.
وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال: أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة.
ورواه زياد بن يحيى الحساني، عن سعير بن الخمس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولا.
وقد قال الله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.
وقال وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن ابن عمر، عن ابن الحنفية قال: يس محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن بعضهم قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن خمسة أسماء: محمد، وأحمد، وعبد الله، ويس، وطه.
وقيل: طه، لغة لعك، أي يا رجل، فإذا قلت لعكي: يا رجل، لم يلتفت، فإذا قلت له: طه، التفت إليك. نقل هذا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والكلبي متروك. فعلى هذا القول لا يكون طه من أسمائه.
وقد وصفه الله تعالى في كتابه فقال: رسولا، ونبيا أميا، وشاهدا، ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ورؤوفا رحيما، ومذكرا، ومدثرا ومزملا، وهاديا، إلى غير ذلك.
ومن أسمائه: الضحوك، والقتال. جاء في بعض الآثار عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا الضحوك أنا القتال.
وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، وفي التوراة فيما بلغنا أنه حرز للأميين، وأن اسمه المتوكل.
ومن أسمائه: الأمين. وكانت قريش تدعوه به قبل نبوته. ومن أسمائه الفاتح، وقثم.
وقال علي بن زيد بن جدعان: تذاكروا أحسن بيت قالته العرب فقالوا: قول أبي طالب في النبي صلى الله عليه وسلم:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة فقال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، والمقفي، وأنا الحاشر، ونبي الملحمة قال: المقفي الذي ليس بعده نبي، رواه الترمذي في الشمائل وإسناده حسن، وقد رواه حماد بن سلمة، عن عاصم، فقال عن زر، عن حذيفة نحوه.
ويروى بإسناد واه عن أبي الطفيل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لي عشرة أسماء، فذكر منها الفاتح، والخاتم.
قلت: وأكثر ما سقنا من أسمائه صفات له لا أسماء أعلام.
وقد تواتر أن كنيته أبو القاسم.
قال ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: سموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي متفق عليه.
وقال محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجمعوا اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم.
وقال ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس قال: لما ولد إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية كاد يقع في نفسه منه، حتى أتاه جبريل عليه السلام ، قال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. ابن لهيعة ضعيف.
ما ورد في قصة سطيح
وخمود النيران ليلة المولد وانشقاق الإيوان

(1/5)


قال ابن أبي الدنيا وغيره: ثنا علي بن حرب الطائي، أنا أبو يعلى أيوب بن عمران البجلي، حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه، وكان قد أتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى من شأن إيوانه فصبر عليه تشجعا، ثم رأى أن لا يستر ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم، فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيم بعثت إليكم - قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينا هم على ذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار، فازداد غما إلى غمه، فقال الموبذان: وأنا قد رأيت ، أصلح الله الملك ، في هذه الليلة، ثم قص على رؤياه فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان - قال: حدث يكون في ناحية العرب، وكان أعلمهم في أنفسهم، فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد، فوجه إلي رجل عالم بما أريد أن أسأله عنه. فوجه إليه بعبد المسيح بن حيان بن بقيلة الغساني، فلما قدم عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه - قال: ليسألني الملك فإن كان عندي علم إلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له سطيح قال: فائته فسله عما سألتك وائتني بجوابه، فركب حتى أتى على سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وحياه فلم يحر سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاد فازلم به شأو العنن
يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حجن ... أزرق نهم الناب صرار الأذن
أبيض فضفاض الرداء والبدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن
تجوب بي الأرض علنداة شزن ... ترفعني وجنا وتهوي بي وجن
لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ... كأنما أخرج من جوف ثكن
حتى أتى عاري الجآجي والقطن ... تلفه في الريح بوغاء الدمن
فقال سطيح: عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى شطيح مكانه، وسار عبد المسيح إلى رحله، وهو يقول:
شمر فإنك ماضي الهم شمير ... لا يفزعنك تفريق وتغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما ربما أضحوا بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور
وهم بنو الأم إما إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مصفودان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
فلما قدم على كسرى أخبره بقول سطيح فقال كسرى: إلى متى يملك منا أربعة عشر ملكا تكون أمور، فملك منهم عشرة أربع سنين، وملك الباقون إلى آخر خلافة عثمان رضي الله عنه. هذا حديث منكر غريب.

(1/6)


وبالإسناد إلى البكائي، عن ابن إسحاق قال: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا وفظع منها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها وبتأويلها، قالوا: أقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم عنها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها، فقيل له: إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما، فبعث إليهما فقدم سطيح قبل شق، فقال له: رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض، تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة.
قال: ما أخطأت منها شيئا، فما تأويلها - فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش.
فقال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائط موجع، فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده - قال: بل بعده بحين، أكثر ن ستين أو سبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون هاربين.
قال: نم يلي ذلك من إخراجهم - قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا باليمن.
قال: أفيدوم ذلك - قال: بل ينقطع بنبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي.
قال: وممن هو - قال: من ولد فهر، بن مالك، بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.
قال: وهل للدهر من آخر - قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون.
قال: أحق ما تخبرني - قال: نعم والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق.
ثم قدم عليه شق، فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال لسطيح لينظر أيتفقان قال: نعم حممة خرجت من ظلمه، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة، فلما قال ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فوقع في نفسه، فجهز أهل بيته إلى العراق، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر: النعمان بن المنذر فهو في نسب اليمن: النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر.
باب من ليلة المولد
عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح. هذا حديث ضعيف، فيه متروكان: الواقدي، وأبو بكر بن أبي سبرة.
وورد مثله عن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن الحسين، عن علي، وهو منقطع إن صح عن جعفر بن محمد، ولكن معناه صحيح.
وقال خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن أبي الجدعاء قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيا - قال: وآدم بين الروح والجسد.
وقال منصور بن سعد، وإبراهيم بن طهمان واللفظ له: ثنا بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا - قال: وآدم بين الروح والجسد.
وقال الترمذي: ثنا الوليد بن شجاع، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: متى وجبت لك النبوة - قال: بين خلق آدم ونفخ الروح فيه قال الترمذي: حسن غريب.
قلت: لولا لين في الوليد بن مسلم لصححه الترمذي.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كان نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام.
وروينا بإسناد حسن ، إن شاء الله ، عن العرباض بن سارية، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى لي، ورؤيا أمي التي رأت. وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام.
رواه الليث، وابن وهب، عن معاوية بن صالح، سمع سعيد بن سويد يحدث عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض فذكره.
ورواه أبو بكر بن أبي مريم الغساني، عن سعيد بن سويد، عن العرباض نفسه.

(1/7)


وقال فرج بن فضالة: ثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة، قال قلت: يا رسول الله، ما كان بدء أمرك - قال: دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام. رواه أحمد في مسنده عن أبي النضر، عن فرج.
قوله: لمنجدل أي ملقى، وأما دعوة إبراهيم فقوله: " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " وبشارة عيسى قوله: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " .
وقال أبو ضمرة: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قسم الله الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النصف على ثلاثة فكنت في خير ثلت منها، ثم اختار العرب من الناس، ثم اختار قريشا من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب هذا حديث مرسل.
وروى زحر بن حصن، عن جده حميد بن منهب قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فسمعت العباس، يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك. قال: قل لا يفضض الله فاك. فقال:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأ،رض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن،ور وسبل الرشاد تخترق
الظلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى " إن المتقين في ظلال وعيون " . والمستودع: هو الموضع الذي كان فيه آدم وحواء يخصفان عليهما من الورق، أي يضمان بعضه إلى بعض يتستران به، ثم هبطت إلى الدنيا في صلب آدم، وأنت لا بشر ولا مضغة.
وقوله: تركب السفين يعني في صلب نوح. وصالب لغة غريبة في الصلب، ويجوز في الصلب الفتحتان كسقم وسقم.
والطبق: القرن، كلما مضى عالم وقرن جاء قرن، ولأن القرن يطبق الأرض بسكناه بها. ومنه قوله عليه السلام في الاستسقاء: " اللهم اسقنا غيثا مغيثا طبقا غدقا " أي يطبق الأرض. وأما قوله تعالى " لتركبن طبقا عن طبق " أي حالا بعد حال.
والنطق: جمع نطاق وهو ما يشد به الوسط ومنه المنطقة. أي أنت أوسط قومك نسبا. وجعله في علياء وجعلهم تحته نطاقا. وضاءت: لغة في أضاءت.
وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب، مع عمه حمزة، ومع أبي سلمة ابن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنهما.
قال شعيب، عن الزهري، عن عروة إن زينب بنت أبي سلمة وأمها أخبرته، أن أم حبيبة أخبرتهما قالت: قلت: يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان. قال: أو تحبين ذلك - قلت: لست لك بمخلية وأحب إلي من يشركني في خير، أختي. قال: إن ذلك لا يحل لي، فقلت: يا رسول الله إنا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة، فقال: والله لو لم تكن ريبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن. أخرجه البخاري.
وقال عروة في سياق البخاري: ثويبة مولاة أبي لهب، أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم بشر حيبة، يعني حالة. فقال له: ماذا لقيت - قال: لم ألق بعدكم رخاء، غير أني أسقيت في هذه مني بعتاقتي ثويبة. وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها.
ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وأخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد نحو أربع سنين، ثم ردته إلى أمه.

(1/8)


قال يحيى بن أبي زائدة: قال محمد بن إسحاق، عن جهم بن أبي جهم، عن عبد الله بن جعفر، عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدية قالت: خرجت في نسوة نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي قمراء قد أذمت بالركب، وخرجنا في سنة شهباء لم تبق شيئا، ومعنا شارف لنا، والله إن تبض علينا بقطرة، ومعي صبي لي لا ننام ليلنا مع بكائه، فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعة من أبيه، وكان يتيما، فلم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيا، غيري. فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فأتيته فأخذته، فقال زوجي: عسى الله أن يجعل فيه خيرا.
قالت: فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن، فشرب وشرب أخوه رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلب وشربنا حتى روينا، فبتنا شباعا رواء، وقد نام صبياننا، قال أبوه: والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبت نسمة مباركة، ثم خرجنا، فوالله لخرجت أتاني أمام الركب قد قطعتهن حتى ما يتعلق بها أحد، فقدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر، فقدمنا على اجدب أرض الله، فوالذي نفسي بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم ويسرح راعي غنمي، فتروح غنمي بطانا لبنا حفلا، وتروح أغنامهم جياعا، فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث تسرح راعي حليمة - فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعا ما بها من لبن، وتروح غنمي لبنا حفلا.
فكان صلى الله عليه وسلم يشب في يومه شباب الصبي في الشهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، قالت: فقدمنا على أمه فقلنا لها: ردي علينا ابني فإنا نخشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضن شيء به مما رأينا من بركته، قالت: ارجعا به، فمكث عندنا شهرين فبينا هو يلعب وأخوه خلف البيوت يرعيان بهما لنا، إذ جاء أخوه يشتد قال: أدركا أخي قد جاءه رجلان فشقا بطنه، فخرجنا نشتد، فأتيناه وهو قائم منتقع اللون، فاعتنقه أبوه وأنا، ثم قال: ما لك يا بني - قال: أتاني رجلان فأضجعاني ثم شقا بطني فوالله ما أدري ما صنعا، فرجعنا به. قالت: يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا أنه أضيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله. فرجعنا به إليها، فقالت: ما ردكما به - فقلت: كفلناه وأدينا الحق، ثم تخوفنا عليه الأحداث.
فقالت: والله ما ذاك بكما، فأخبراني خبركما، فما زالت بنا حتى أخبرناها، قالت: فتخوفتما عليه - كلا والله إن لابني هذا شأنا، إني حملت به فلم أحمل حملا قط كان أخف منه ولا أعظم بركة، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصبيان، وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء، دعاه والحقا شأنكما.
هذا حديث جيد الإسناد.
قال أبو عاصم النبيل: أخبرني جعفر بن يحيى، أنا عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلت إليه امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فقلت: من هذه - قالوا: أمه التي أرضعته.
أخرجه أبو داود.
قال مسلم: ثنا شيبان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق قلبه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، وثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعني مرضعته، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه منتقع اللون.
قال أنس: قد كنت أرى أثر المخيط في صدره.
وقال بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد، فذكر نحوا من حديث أنس. وهو صحيح أيضا وزاد فيه: فرحلت ، يعني ظئره ، بعيرا، فحملتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك فقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام.

(1/9)


وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيت وأنا في أهلي، فانطلق بي إلى زمزم فشرح صدري، ثم أتيت بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فحشي بها صدري ، قال أنس: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرينا أثره ، فعرج بي الملك إلى السماء الدنيا. وذكر حديث المعراج.
وقد روى نحوه شريك بن أبي نمر، عن أنس، عن أبي ذر، وكذلك رواه الزهري، عن أنس، عن أبي ذر أيضا. وأما قتادة فرواه عن أنس، عن مالك بن صعصعة بنحوه.
وإنما ذكرت هذا ليعرف أن جبريل شرح صدره مرتين: في صغره ووقت الإسراء به.
وفاة عبد الله بن عبد المطلب
وتوفي عبد الله أبوه وللنبي صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون شهرا. وقيل: اقل من ذلك. وقيل: وهو حمل.
توفي بالمدينة غريبا، وكان قدمها ليمتار تمرا، وقيل: بل مر بها مريضا راجعا من الشام، فروى محمد بن كعب القرظي وغيره: أن عبد الله ابن عبد المطلب خرج إلى الشام إلى غزة في عير تحمل تجارات، فلما قفلوا مروا بالمدينة وعبد الله مريض فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا مدة شهر، فبلغ ذلك عبد المطلب، فبعث إليه الحارث وهو أكبر ولده؛ فوجده قد مات؛ ودفن في دار النابغة أحد بني النجار؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ حمل، على الصحيح.
وعاش عبد الله خمسا وعشرين سنة.
قال الواقدي: وذلك أثبت الأقاويل في سنه ووفاته.
وترك عبد الله من الميراث أم أيمن وخمسة أجمال وغنما، فورث ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
وتوفيت أمه آمنة بالأبواء وهي راجعة به ، صلى الله عليه وسلم ، إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بن عدي بن النجار، وهو يومئذ ابن ست سنين ومائة يوم.
وقيل: ابن أربع سنين.
فلما ماتت ودفنت، حملته أم أيمن مولاته إلى مكة إلى جده، فكان في كفالته إلى أن توفي جده، وللنبي ، صلى الله عليه وسلم ، ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه أبي طالب.
قال عمرو بن عون: أنبا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن عباس بن عبد الرحمن، عن كندير بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز يقول:
رب رد إلي راكبي محمدا ... يا رب رده واصطنع عندي يدا
قلت: من هذا - قال عبد المطلب ذهب إبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، وقد احتبس عليه، فما برحت حتى أتى محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وجاء الإبل فقال: يا بني لقد حزنت عليك حزنا؛ لا تفارقني أبدا.
وقال خارجة بن مصعب، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده، أن حيدة بن معاوية اعتمر في الجاهلية، فذكر نحوا من حديث كندير عن أبيه.
وقال إبراهيم بن محمد الشافعي، عن أبيه، عن أبان بن الوليد، عن أبان بن تغلب، حدثني جلهمة بن عرفطة قال: إني لبالقاع من نمرة، إذا أقبلت عير من أعلى نجد، فلما حاذت الكعبة إذا غلام قد رمى بنفسه عن عجز بعير، فجاء حتى تعلق بأستار الكعبة، ثم نادى يا رب البنية أجرني؛ وإذا شيخ وسيم قسيم عليه بهاء الملك ووقار الحكماء.
فقال: ما شأنك يا غلام، فأنا من آل الله وأجير من استجار به - قال: إن أبي مات وأنا صغير، وإن هذا استعبدني، وقد كنت أسمع أن لله بيتا يمنع من الظلم، فلما رأيته استجرت به.
فقال له القرشي: قد أجرتك يا غلام، قال: وحبس الله يد الجندعي إلى عنقه.
قال جلهمة: فحدثت بهذا الحديث عمرو بن خارجة وكان قعدد الحي فقال: إن لهذا الشيخ ابنا يعني أبا طالب.
قال فهويت رحلي نحو تهامة، اكسع بها الحدود، وأعلوا بها الكدان، حتى انتهيت إلى المسجد الحرام، وإذا قريش عزين، قد ارتفعت لهم ضوضاء يستسقون، فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللات والعزى؛ وقائل يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى.
وقال شيخ وسيم قسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم عليه السلام وسلالة إسماعيل - قالوا له: كأنك عنيت أبا طالب. قال: إيها. فقاموا بأجمعهم، وقمت معهم فدققنا عليه بابه، فخرج إلينا رجل حسن الوجه مصفر، عليه إزار قد اتشح به، فثاروا إليه فقالوا:

(1/10)


يا أبا طالب قحط الوادي، وأجدب العباد فهلم فاستسق؛ فقال: رويدكم زوال الشمس وهبوب الريح؛ فلما زاغت الشمس أو كادت، خرج أبو طالب معه غلام كأنه دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة؛ فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام، وبصبصت الأغيلمة حوله وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي؛ وفي ذلك يقول أبو طالب:
وابيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل
تطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
وميزان عدل لا يخيس شعيرة ... ووزان صدق وزنه غير عائل
وقال عبد الله بن شبيب ، وهو ضعيف ، ثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثهم سعيد بن سالم، نا ابن جريج قال: كنا مع عطاء فقال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسنهم وجها، ما رآه أحد قط إلا أحبه، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد، وكان الندى من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش؛ فجاء رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو غلام لم يبلغ فجلس على المفرش، فجبذه رجل فبكى؛ فقال عبد المطلب ، وذلك بعد ما كف بصره ،: ما لابني يبكي - قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال: دعوا ابني يجلس عليه، فإنه يحس من نفسه شرفا، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده.
قال: ومات عبد المطلب والنبي ، صلى الله عليه وسلم ، ابن ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبد المطلب يبكي حتى دفن بالحجون.
وقد رعى الغنم
فروى عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من نبي إلا وقد رعى الغنم " قالوا: وأنت يا رسول الله - قال: " نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. رواه البخاري.
وقال أبو سلمة، عن جابر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتني الكباث فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيب قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله - قال: نعم وهل من نبي إلا وقد رعاها. متفق عليه.
سفره مع عمه إن صح
قال قراد أبو نوح: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه محمد صلى الله عليه وسلم وأشياخ من قريش؛ فلما أشرفوا على الراهب بحيرى نزلوا فخرج إليهم، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، فجعل يتخللهم وهم يحلون رحالهم؛ حتى جاء فأخذ بيده ، صلى الله عليه وسلم ، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين؛ فقال أشياخ قريش: وما علمك بهذا - قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي لأعرفه بخاتم النبوة، أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاما؛ فلما أتاهم به و كان ، صلى الله عليه وسلم ، في رعية الإبل قال: فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه ، يعني إلى فيء شجرة ، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينا هو قائم عليه يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم لو رأوه عرفوه بصفته فقتلوه؛ فالتفت فإذا بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم الراهب، فقال: ما جاء بكم - قالوا: جئنا إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا قد بعث إليه ناس، وإنا قد أخبرنا فبعثنا إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم - قالوا: لا. إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا؛ قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده - قالوا: لا.
قال: فتابعوه وأقاموا معه، فأتاهم فقال: أنشدكم الله أيكم وليه - قال أبو طالب: أنا؛ فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت.
تفرد به قراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتج به البخاري والنسائي؛ ورواه الناس عن قراد، وحسنه الترمذي.

(1/11)


وهو حديث منكر جدا؛ وأين كان أبو بكر - كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بسنتين ونصف؛ وأين كان بلال في هذا الوقت - فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد؛ وأيضا، فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة - لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ذكر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ، مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقي عنده ، صلى الله عليه وسلم ، حس من النبوة؛ ولما أنكر مجيء الوحي إليه، أولا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه ، صلى الله عليه وسلم ،. وأيضا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده، كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا لخديجة - .
وفي الحديث ألفاظ منكرة، تشبه ألفاظ الطرقية، مع أن ابن عائد قد روى معناه في مغازيه دون قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا إلى آخره، فقال: ثنا الوليد بن مسلم، أخبرني أبو داود سليمان بن موسى، فذكره بمعناه.
وقال ابن إسحاق في السيرة: إن أبا طالب خرج إلى الشام تاجرا في ركب، ومعه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهو غلام، فلما نزلوا بصرى، وبها بحيرا الراهب في صومعته، وكان أعلم أهل النصرانية؛ ولم يزل في تلك الصومعة قط راهب يصير إليه علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر؛ قال: فنزلوا قريبا من الصومعة، فصنع بحيرا طعاما، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، فنزل بظل شجرة، فنزل بحيرا من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فجاءوه فقال رجل منهم: يا بحيرا ما كنت تصنع هذا، فما شأنك - قال: نعم، ولكنكم ضيف، وأحببت أن أكرمكم، فاجتمعوا، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لصغره في رحالهم. فلما نظر بحيرا فيهم ولم يره قال: يا معشر قريش لا يتخلف عن طعامي هذا أحد.
قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا.
قال: فلا تفعلوا، ادعوه.
فقال رجل: واللات والعزى إن هذا للؤم بنا، يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا، ثم قام واحتضنه، وأقبل به فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا شبعوا وتفرقوا قام بحيرا فقال: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فزعموا أنه قال: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط.
فقال له: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، فتوافق ما عنده من الصفة.
ثم نظر فيه أثر خاتم النبوة، فأقبل على أبي طالب، فقال: ما هو منك - قال: ابني.
قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيا.
قال: فإنه ابن أخي.
قال: إرجع به واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفته ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك شأن، فخرج به أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته. وذكر الحديث.
وقال معتمر بن سليمان: حدثني أبي، عن أبي مجلز: أن أبا طالب سافر إلى الشام ومعه محمد، فنزل منزلا، فأتاه راهب فقال: فيكم رجل صالح، ثم قال: أين أبو هذا الغلام - قال: أبو طالب: هاأنذا وليه. قال: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشام - إن اليهود قوم حسد، وإني أخشاهم عليه. فرده.
وقال ابن سعد: أنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن جعفر وجماعة، عن داود بن الحصين، أن أبا طالب خرج تاجرا إلى الشام، ومعه محمد، فنزلوا ببحيرا، الحديث.
روى يونس عن ابن شهاب حديثا طويلا فيه: فلما ناهز الاحتلام، ارتحل به أبو طالب تاجرا، فنزل تيماء، فرآه حبر من يهود تيماء، فقال لأبي طالب: ما هذا الغلام - قال: هو ابن أخي، قال: فوالله إن قدمت به الشام لا تصل له إلى أهلك أبدا، ليقتلنه اليهود إنه عدوهم، فرجع به أبو طالب من تيماء إلى مكة.

(1/12)


قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما ذكر لي ، يحدث عما كان الله تعالى يحفظه به في صغره، قال: لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب الغلمان به، كلنا قد تعرى وجعل إزاره على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراها، لكمة وجيعة، وقال: شد عليك إزارك، فأخذته فشددته ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي.
حرب الفجار
قال ابن إسحاق: وهاجت حرب الفجار ولرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، سميت بذلك لما استحلت كنانة وقيس عيلان في الحرب من المحارم بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت أنبل على أعمامي أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم. وكان قائد قريش حرب بن أمية.
شأن خديجة
قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهي أقرب منه صلى الله عليه وسلم إلى قصي برجل، كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، وكانت تستأجر الرجال في مالها، وكانت قريش تجارا فعرضت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج في مال لها إلى الشام، ومعه غلام لها اسمه ميسرة، فخرج إلى الشام، فنزل تحت شجرة بقرب صومعة، فأطل الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا - فقال: رجل من قريش، قال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي.
ثم باع النبي صلى الله عليه وسلم تجارته وتعوض ورجع، فكان ميسرة ، فيما يزعمون ، إذا اشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير.
وروى قصة خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الشام تاجرا، المحاملي، عن عبد الله ابن شبيب وهو واه، ثنا أبو بكر بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر العدوي، حدثني موسى بن شيبة، حدثتني عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منيه أخت يعلى قالت: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة. فذكر الحديث بطوله، وهو حديث منكر. قال: فلما قدم مكة باعت خديجة ما جاء به فأضعف أو قريبا.
وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعن الملكين، وكانت لبيبة حازمة، فبعثت إليه تقول: يا بن عمي، إني رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وصدقك وحسن خلقك، ثم عرضت عليه نفسها، فقال ذلك لأعمامه، فجاء معه حمزة عمه حتى دخل على خويلد فخطبها منه، وأصدقها النبي صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، فلم يتزوج عليها حتى ماتت. وتزوجها وعمره خمس وعشرون سنة.
وقال أحمد في مسنده: حدثنا أبو كامل، ثنا حماد، عن عمار ابن أبي عمار، عن ابن عباس ، فيما يحسب حماد ،: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت هي طعاما وشرابا، فدعت أباها وزمرا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت لأبيها: إن محمدا يخطبني فزوجني إياه، فزوجها إياه، فخلقته وألبسته حلة كعادتهم، فلما صحا نظر، فإذا هو مخلق فقال: ما شأني - فقالت: زوجتني محمدا، فقال: وأنا أزوج يتيم أبي طالب! لا لعمري، فقالت: أما تستحي - تريد أن تسفه نفسك معي عند قريش بأنك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي.
وقد روى طرفا منه الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة أو غيره.
وأولاده كلهم من خديجة سوى إبراهيم، وهم: القاسم، والطيب، والطاهر، وماتوا صغارا رضعا قبل المبعث، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وفاطمة ، رضي الله عنهم ، فرقية، وأم كلثوم تزوجتا عثمان بن عفان وزينب زوجة أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، وفاطمة زوجة علي ، رضي الله عنهم ، أجمعين.
حديث بنيان الكعبة
وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر
قال ابن إسحاق: فلما بلغ صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها.

(1/13)


وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة فتحطمت، فاخذوا خشبها وأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار قبطي، فتهيا لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتشرف على جدار الكعبة، فكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا أحزالت وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة بعث الله إليها طائرا فاختطفها، فذهب بها، قال: فاستبشروا بذلك، ثم هابوا هدمها.
فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فاخذ المعول وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم لم نرد إلا خيرا. ثم هدم من ناحية الركنين، وهدموا حتى بلغوا أساس إبراهيم ، عليه السلام ، فإذا حجارة خضر آخذ بعضها ببعض.
ثم بنوا، فلما بلغ البنيان موضع الركن، يعني الحجر الأسود، اختصموا فيمن يضعه، وحرصت كل قبيلة على ذلك حتى تحاربوا ومكثوا أربع ليال.
ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتناصفوا فزعموا أن أبا أمية بن المغيرة، وكان أسن قريش، قال: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب المسجد، ففعلوا، فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوهو قالوا: هذا الأمين رضينا به، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال: هاتوا لي ثوبا فأتوا به، فأخذ الركن بيده فوضعه في الثوب، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو صلى الله عليه وسلم بيده وبني عليه.
حديث الحمس
وقال ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترقت، فهدموها حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تضعه - قالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخذ سيد كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه، ثم طفق لا يزداد على السن إلا رضا حتى دعوه الأمين، قبل أن ينزل عليه وحي، فطفقوا لا ينحرون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها.
ويروى عن عروة ومجاهد وغيرهما: أن البيت بني قبل المبعث بخمس عشرة سنة.
وقال داود بن عبد الرحمن العطار، ثنا ابن خثيم عن أبي الطفيل قال: قلت: له يا خال، حدثني عن شأن الكعبة قبل أن تبنيها قريش قال: كان برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق وتوضع الكسوة على الجدر ثم تدلى، ثم إن سفينة للروم أقبلت، حتى إذا كانت بالشعيبة انكسرت، فسمعت بها قريش فركبوا إليها وأخذوا خشبها، ورومي يقال له باقوم نجار بان فلما قدموا مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا ، عز وجل ، واجتمعوا لذلك ونقلوا الحجارة من أجياد الضواحي، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل إذ انكشفت نمرته، فنودي: يا محمد عورتك، فذلك أول ما نودي، والله أعلم. فما رؤيت له عورة بعد.
وقال أبو الأحوص، عن سماك بن حرب: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بنى البيت وذكر الحديث، إلى أن قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة، فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم، فمر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش. وذكر في الحديث وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود مكانه.
وقال يونس، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: ما زلنا نسمع أن إسافا ونائلة ، رجل وامرأة من جرهم ، زينا في الكعبة فمسخا حجرين.
وقال موسى بن عقبة: إنما حمل قريشا على بناء الكعبة أن السيل كان يأتي من فوقها من فوق الردم الذي صنعوه فأخربه، فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة، فأرادوا أن يشيدوا بناءها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا، فأعدوا لذلك نفقة وعمالا.

(1/14)


وقال زكريا بن إسحاق: ثنا عمرو بن دينار أنه سمع جابرا يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل الحجارة للكعبة مع قريش وعليه إزار، فقال له عمه العباس: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، ففعل ذلك، فسقط مغشيا عليه، فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا. متفق عليه.
وأخرجاه أيضا من حديث ابن جريج.
مسلم الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: جلس رجال من قريش فتذاكروا بنيان الكعبة فقالوا: كانت مبنية برضم يابس، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف، وإنما تدلى الكسوة على الجدر، وتربط من أعلى الجدر من بطنها، وكان في بطن الكعبة عن يمين الداخل جب يكون فيه ما يهدى للكعبة بنذر من جرهم، وذلك أنه عدا على ذلك الجب قوم من جرهم فسرقوا ما به فبعث الله تلك الحية فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة إلى أن بنتها قريش، وكان قرنا الكبش معلقين في بطنها مع معاليق من حلية.
إلى أن قال: حتى بلغوا الأساس الذي رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد، فرأوا حجارة كأنها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا يحرك الحجر منها، فترتج جوانبها، قد تشبك بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلة بين حجرين فانفلقت منه فلقة، فأخذها رجل فنزت من يده حتى عادت في مكانها، وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم، ورجفت مكة بأسرها، فأمسكوا.
إلى أن قال: وقلت النفقة عن عمارة البيت، فأجمعوا على أن يقصروا عن القواعد ويحجروا ما يقدرون ويتركوا بقيته في الحجر، ففعلوا ذلك وتركوا ستة أذرع وشبرا، ورفعوا بابها وكسوها بالحجارة حتى لا يدخلها السيل ولا يدخلها إلا من أرادوا، وبنوها بساف من حجارة وساف من خشب، حتى انتهوا إلى موضع الركن فتنافسوا في وضعه.
إلى أن قال: فرفعوها بمدماك حجارة ومدماك خشب، حتى بلغوا السقف، فقال لهم باقوم النجار الرومي: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا أو مسطحا - قالوا: بل مسطحا، وجعلوا فيه ست دعائم في صفين، وجعلوا ارتفاعها من ظاهرها ثمانية عشر ذراعا وقد كانت قبل تسعة أذرع، وجعلوا درجة من خشب في بطنها يصعد منها إلى ظهرها، وزوقوا سقفها وحيطانها من بطنها ودعائمها، وصوروا فيها الأنبياء والملائكة والشجر، وصوروا إبراهيم يستقسم بالأزلام، وصوروا عيسى وأمه، وكانوا أخرجوا ما في جب الكعبة من حلية ومال وقرني الكبش، وجعلوه عند أبي طلحة العبدري، وأخرجوا منها هبل، فنصب عند المقام حتى فرغوا فأعادوا جميع ذلك، ثم ستروها بحيرات يمانية.
وفي الحديث عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن حويطب بن عبد العزى وغيره: فلما كان يوم الفتح دخل رسول الله ، صلى اله عليه وسلم ، إلى البيت، فأمر بثوب فبل بماء وأمر بطمس تلك الصور، ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي. رواه الأزرقي.
ابن جريج قال: سأل سليمان بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح، وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثال مريم وعيسى - قال: نعم أدركت تمثال مريم مزوقا في حجرها عيسى قاعد، وكان في البيت ستة أعمدة سواري، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب، فقلت لعطاء: متى هلك - قال في الحريق زمن ابن الزبير، قلت: أعلى عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، تعني كان - قال: لا أدري، وإني لأظنه قد كان على عهده.
قال داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج: ثم عاودت عطاء بعد حين فقال: تمثال عيسى وأمه في الوسطى من السواري.
قال الأزرقي: ثنا داود العطار، عن عمرو بن دينار قال: أدركت في الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيسى وأمه، قال داود: فأخبرني بعض الحجبة عن مسافع بن شيبة: أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال: يا شيبة امح كل صورة إلا ما تحت يدي قال: فرفع يده عن عيسى ابن مريم وأمه.
قال الأزرقي، عن سعيد بن سالم، حدثني يزيد بن عياض بن جعدبة، عن ابن شهاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها صور الملائكة، فرأى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام، ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها فقال: امحوا ما فيها إلا صورة مريم. ثم ساقه الأزرقي بإسناد آخر بنحوه، وهو مرسل، ولكن قول عطاء وعمرو ثابت، وهذا أمر لم نسمع به إلى اليوم.

(1/15)


وقال معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال: لما بني البيت كان الناس ينقلون الحجارة والنبي صلى الله عليه وسلم معهم، فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه فنودي: لا تكشف عورتك فألقى الحجر ولبس ثوبه. رواه أحمد في مسنده.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي: ثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه قال: كنت أنا وابن أخي ننقل الحجارة على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس ائتزرنا، فبينا هو أمامي خر على وجهه منبطحا، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك - فقام وأخذ إزاره وقال: نهيت أن أمشي عريانا فكنت أكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون. رواه قيس بن الربيع بنحوه، عن سماك.
وقال حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي ، رضي الله عنه ، قال: لما تشاجروا في الحجر أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فكان أول من دخل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: قد جاء الأمين.
أخبرنا سليمان بن حمزة، أنا محمد بن عبد الواحد، أنا محمد بن أحمد، أن فاطمة بنت عبد الله أخبرتهم، أنبأ ابن بريدة، أنبأ الطبراني، ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خيثم، عن أبي الطفيل قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، ليس فيها مدر، وكانت قدر ما نقتحمها، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها، ثم تسدل عليها سدلا، وكان الركن الأسود موضوعا على سورها باديا، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من أرض الروم فانكسرت بقرب جدة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا رجلا روميا عندها، فاخذوا الخشب، وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارا، فقدموا به وبالخشب، فقالت قريش: نبني بهذا الذي في السفينة بيت ربنا، فلما أرادوا هدمه إذا هم بحية على سور البيت، مثل قطعة الجائز سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد إلى البيت ليهدم أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها، فاجتمعت قريش: عند المقام فعجوا إلى الله وقالوا: ربنا لم نرع، أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فما بدا لك فافعل، فسمعوا خوارا في السماء، فإذا هم بطائر أسود الظهر، أبيض البطن، والرجلين، أعظم من النسر، فغرز مخلابه في رأس الحية، حتى انطلق بها يجرها، ذنبها أعظم من كذا وكذا ساقطا، فانطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، فبينا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبرزت عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد، خمر عورتك، فلم ير عريانا بعد ذلك.
وكان بين بنيان الكعبة، وبين ما أنزل عليه خمس سنين. هذا حديث صحيح.
وقد روى نحوه داود العطار، عن ابن خثيم.
ورواه محمد بن كثير المصيصي، عن عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن نافع بن سرجس قال: سألت أبا الطفيل، فذكر نحوه.
وقال عبد الصمد بن النعمان: حدثنا ثابت بن يزيد، ثنا هلال بن خباب، عن مجاهد، عن مولاه، أنه حدثه أنه كان فيمن يبني الكعبة في الجاهلية قال: ولي حجر أنا نحته بيدي أعبده من دون الله، فأجئ باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي فاصبه عليه، فيجئ الكلب فيلحسه، ثم يشغر فيبول، فبنينا حتى بلغنا الحجر، وما يرى الحجر منا أحد، فإذا هو وسط حجارتنا، مثل رأس الرجل، يكاد يتراءى منه وجه الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: بل نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكما. قالوا: أول رجل يطلع من الفج، فجاء النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فاخذوا بنواحيه معه، فوضعه هو.
اسم مولى مجاهد: السائب بن عبد الله.
وقال إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة وإذا الأرض مدت قال: من تحته مدا. وروى نحوه عن منصور، عن مجاهد.
ومما عصم به من أمر الجاهلية

(1/16)


إن قريشا كانوا يسمون الحمس، يعني الأشداء الأقوياء، وكانوا يقفون في الحرم بمزدلفة، ولا يقفون مع الناس بعرفة، يفعلون ذلك رياسة وبأوا، وخالفوا بذلك شعائر إبراهيم ، عليه السلام ، في جملة ما خالفوا. فروى البخاري ومسلم من حديث جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه بعرفة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفا مع الناس بعرفة، فقلت: هذا من الحمس، فما شأنه ها هنا.
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن جده، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية مرتين، عصمني الله فيهما، قلت ليلة لفتى من قريش: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما تسمر الفتيان. قال: نعم، فخرجت حتى جئت أدنى دار من دور مكة، فسمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا - قالوا: فلان تزوج، فلهوت بذلك حتى غلبتني عيني، فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك، فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمله أهل الجاهلية، حتى أكرمني الله بنبوته.
وروى مسعر، عن العباس بن ذريح، عن زياد النخعي، ثنا عمار ابن ياسر أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتيت في الجاهلية شيئا حراما - قال: لا، وقد كنت معه على ميعادين، أما أحدهما فحال بيني وبينه سامر قومي، والآخر غلبتني عيني أو كما قال. وقال ابن سعد: أنا محمد بن عمر، ثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: حدثتني أم أيمن قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش، تعظمه وتنسك له النساك، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويعكفون عنده يوما في السنة، وكان أبو طالب يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد، فيأبى، حتى رأيت أبا طالب غضب، ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوبا، فقلن: ما دهاك - قال: إني أخشى أن يكون لي لمم، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت - قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح: وراءك يا محمد لا تمسه قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ.
وقال أبو أسامة: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن أبيه قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة بتمسح المشركون به إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمسه، قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تنه.
هذا حديث حسن. وقد زاد فيه بعضهم عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد فوالله ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أنزل عليه.
وقال جرير بن عبد الحميد، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم شهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله، فقال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل - قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم.
تفرد به جرير، وما أتى به عنه سوى شيخ البخاري عثمان بن أبي شيبة. وهو منكر.
وقال إبراهيم بن طهمان، ثنا بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعا قبل أن يبعث، فبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث، فوجدته في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت علي، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك.
أخرجه أبو داود.

(1/17)


وأخبرنا الخضر بن عبد الرحمن الأزدي، أنبأ أبو محمد بن البن، أنا جدي، أنا أبو القاسم علي بن أبي العلاء، أنا عبد الرحمن بن أبي نصر، أنا علي بن أبي العقب، أنا أحمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن عائذ، حدثني الوليد، أخبرني معاوية بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، عمن حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا بأعلى مكة، إذا براكب عليه سواد فقال: هل بهذه القرية رجل يقال له أحمد - فقلت ما بها أحمد ولا محمد غيري، فضرب ذراع راحلته فاستناخت، ثم أقبل حتى كشف عن كتفي حتى نظر إلى الخاتم الذي بين كتفي فقال: أنت نبي الله - قلت: ونبي أنا - قال: نعم.
قلت: بم أبعث - قال بضرب أعناق قومك، قال: فهل من زاد - فخرجت حتى أتيت خديجة فأخبرتها، فقالت: حريا أو خليقا أن لا يكون ذلك، فهي أكبر كلمة تكلمت بها في أمري، فأتيته بالزاد، فأخذه وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى زودني نبي الله صلى الله عليه وسلم طعاما، وحمله لي في ثوبه.
زيد بن عمر بن نفيل
قال موسى بن عقبة: اخبرني سالم أنه سمع أباه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل أسفل بلدح، وذلك قبل الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل وقال: لا آكل مما يذبحون على انصابهم، أنا لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه. رواه البخاري؛ وزاد في آخره: فكان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله - إنكارا لذلك وإعظاما له.
ثم قال البخاري: قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا تحدث به، عن ابن عمر: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسال عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينهم فقال: إني لعلي أن أدين دينكم قال: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله.
قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأني أستطيعه، فهل تدلني على غيره - قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا. قال: وما الحنيف - قال دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقي عالما من النصارى، فذكر له مثله فقال: لن تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلا من لعنة الله، فقال له كما قال اليهودي، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم. هكذا أخرجه البخاري.
وقال عبد الوهاب الثقفي: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حارا وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب، وقد ذبحنا له شاة فأنضجناها، فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا زيد ما لي أرى قومك قد شنفوا لك - قال: والله يا محمد إن ذلك لبغير نائلة ترة لي فيهم، ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار فدك فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فقلت: ما هذا بالدين الذي أبغي، فقدمت الشام فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فخرجت فقال لي شيخ منهم: إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخ بالجزيرة، فأتيته، فلما رآني قال: ممن أنت - قلت: من أهل بيت الله، قال: من أهل الشوك والقرظ - إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بعث نبي قد طلع نجمه، وجميع من رأيتهم في ضلال، قال: فلم أحس بشيء، قال: فقرب إليه السفرة فقال: ما هذا يا محمد - قال: شاة ذبحت للنصب. قال: ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه قال: فتفرقا. وذكر باقي الحديث.
وقال الليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم أحد على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: مه! لا تقتلها أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها. هذا حديث صحيح.

(1/18)


وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، أن زيد بن عمرو بن نفيل مات، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. إسناده حسن.
أنبئت عن أبي الفخر أسعد، أخبرتنا فاطمة، أنا ابن ريدة، أنا الطبراني، أنا علي بن عبد العزيز، أنا عبد الله بن رجاء، أنا المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده قال: خرج أبي وورقة بن نوفل يطلبان الدين حتى مرا بالشام، فأما ورقة فتنصر، وأما زيد فقيل له: إن الذي تطلب أمامك، فانطلق حتى أتى الموصل، فإذا هو براهب فقال: من أين أقبل صاحب الراحلة - قال: من بيت إبراهيم، قال: ما تطلب - قال: الدين، فعرض عليه النصرانية، فأبى أن يقبل، وقال: لا حاجة لي فيه، قال: أما إن الذي تطلب سيظهر بأرضك، فأقبل وهو يقول:
لبيك حقا تعبدا ورقا
البر أبغى لا الخال وما مهجر كمن قال
عذت بما عاذ به إبراهيم
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشمني فإني جاشم
ثم يخر فيسجد للكعبة. قال: فمر زيد بالنبي صلى اله عليه وسلم وبزيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعياه فقال: يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب، قال: فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذاك حتى بعث.
قال: وجاء سعيد بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله إن زيدا كان كما رأيت، أو كما بلغك، فاستغفر له، قال: نعم فاستغفروا له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: كانت قريش حين بنوا الكعبة يتوافدون على كسوتها كل عام تعظيما لحقها، وكانوا يطوفون بها، ويستغفرون الله عندها، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشرك في ذبائحهم ودينهم كله.
وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وهو ابن عم ورقة، وعبيد الله بن جحش بن رئاب، وأمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين إبراهيم وخالفوه، وما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها، يتبعون الحنيفية دين إبراهيم، فأما ورقة فتنصر، ولم يكن منهم أعدل شأنا من زيد ابن عمرو، اعتزل الأوثان وفارق الأديان إلا دين إبراهيم.
وقال الباغندي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: حدثني هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي بيده! ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ثم يسجد على راحلته.
قال ابن إسحاق: فقال في فراق دين قومه:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
في أبيات.
قال ابن إسحاق: وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخوه لأمه يعاتبه ويؤذيه حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل مكة، فإذا دخل مكة سرا آذوه وأخرجوه، كراهية، أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد. ثم خرج يطلب دين إبراهيم، فجال الشام والجزيرة.
إلى أن قال ابن إسحاق: فرد إلى مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.
باب

(1/19)


أخبرتنا ست الأهل بنت علوان، أنبأنا البهاء عبد الرحمن، أنا منوجهر بن محمد، أنا هبة الله بن احمد، حدثنا الحسين بن علي بن بطحا، أنبأ محمد بن الحسين الحراني، ثنا محمد بن سعيد الرسعني، ثنا المعافى بن سليمان، ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوارة بصفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبا يقول بلغته: أعينا عموما، وآذانا صموما وقلوبا غلوفا.
أخرجه البخاري عن العوفي، عن فليح.
وقد رواه سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام، فذكر نحوه.
ثم قال عطاء: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ا قال ابن سلام.
قلت: وهذا أصح فإن عطاء لم يدرك كعبا.
وروى نحوه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، أن عبد الله بن سلام قال: صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وذكر الحديث.
وروى عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: إن الله ابتعث نبيه لإدخال رجل الجنة، فدخل الكنيسة، فإذا هو بيهود، وإذا بيهودي يقرأ التوراة، فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا، وفي ناحية الكنيسة رجل مريض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم أمسكتم - قال المريض: أتوا على صفة نبي فامسكوا، ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، فقال: هذه صفتك وأمتك أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لوا أخاكم. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده.
أخبرنا جماعة عن ابن اللتي أن أبا الوقت أخبره، أنا الداودي، أنا ابن حمويه، أنا عيسى السمرقندي، أنا الدارمي، أنبا مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عباس أنه سأل كعبا: كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة - قال: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء ويكبرون الله على كل نجد، يوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء.
قلت: يعني الأذان.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الحبر: كيف تجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة. فذكر نحو حديث عطاء.
قصة سلمان الفارسي
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس. حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلا من أهل فارس من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان أرضه، وكان يحبني حبا شديدا، لم يحبه شيئا من ماله ولا ولده، فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي يوقدها، فلا أتركها تخبو ساعة، فكنت لذلك لا أعلم من أمر الناس شيئا إلا ما أنا فيه، حتى بنى أبي بنيانا له، وكانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، ولا بد لي من إطلاعها، فانطلق إليها فمرهم بكذا وكذا، ولا تحتبس علي فإنك إن احتبست عني شغلني ذلك عن كل شيء، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة للنصارى، فسمعت أصواتهم فقلت: ما هذا - قالوا: النصارى، فدخلت فأعجبني حالهم، فوالله ما زلت جالسا عندهم حتى غربت الشمس.

(1/20)


وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته فقال: أين كنت - فقلت: مررت بالنصارى، فأعجبني صلاتهم ودعاؤهم، فجلست أنظر كيف يفعلون. قال: أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، هؤلاء قوم يعبدون الله، ويدعونه ويصلون له، نحن نعبد نارا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت، فخاف فجعل في رجلي حديدا وحبسني، فبعثت إلى النصارى فقلت: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه - قالوا: بالشام، فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني، قالوا: نفعل، فقدم عليهم ناس من تجارهم فآذنوني بهم، فطرحت الحديد من رجلي ولحقت بهم، فقدمت معهم الشام، فقلت: من أفضل أهل هذا الدين - قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة، فجئته فقلت: إني قد أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير، قال: فكن معي، قال: فكنت معه، فكان رجل سوء، يأمر بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوها له اكتنزها ولم يعطها المساكين، فأبغضته بغضا شديدا، لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاءوا ليدفنوه قلت لهم: هذا رجل سوء، كان يأمركم بالصدقة ويتكنزها، قالوا: وما علامة ذلك - قلت: أنا أخرج إليكم كنزه، فأخرجت لهم سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبدا، فصلبوه ورموه بالحجارة، وجاءوا برجل فجعلوه مكانه، ولا والله يا بن عباس، ما رأيت رجلا قط لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، وأشد اجتهادا، ولا أزهد في الدنيا، ولا أدأب ليلا ونهارا، وما أعلمني أحببت شيئا قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: قد حضرك ما ترى من أمر الله فماذا تأمرني وإلى من توصيني - قال لي: أي بني، والله ما أعلمه إلا رجلا بالموصل، فأته فإنك ستجده على مثل حالي.
فلما مات لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد، فقلت له: إن فلانا أوصى بي إليك. قال: فأقم أي بني، فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت: إن فلانا أوصى بي إليك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصيني - قال: والله ما أعلمه إلا رجلا بنصيبين، فلما دفناه لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم، حتى حضره الموت فأوصى بي إلى رجل من عمورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثل حالهم، فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقيرات، ثم احتضر فكلمته، فقال: أي بني والله ما أعلم بقي أحد على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه، فلما واريناه أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأنا أعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي - قالوا: نعم، فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاءوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عبدا من رجل يهودي بوادي القرى، فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي، وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة فابتاعني، فخرج بي حتى قدمنا المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعتها فأقمت في رقي.

(1/21)


وبعث الله رسوله صلى اله عليه وسلم بمكة، لا يذكر لي شيء من أمره، مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم قباء، وأنا اعمل لصاحبي في نخله، فوالله إني لفيها، إذ جاء ابن عم له فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن مجتمعون على رجل جاء من مكة، يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء ، يقول الرعدة ، حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ونزلت أقول: ما هذا الخبر - فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: ما لك ولهذا أقبل على عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرا فأحببت أن أعلمه، فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابا لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة، فرايتكم أحق من بهذه البلاد فهاكها فكل منه، فامسك وقال لأصحابه: كلوا، فقلت في نفسي هذه واحدة، ثم رجعت وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجمعت شيئا ثم جئته به، فقلت: هذا هدية، فأكل وأكل أصحابه، فقلت: هذه خلتان، ثم جئته وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي، وهو في أصحابه، فاستدرت لأنظر إلى الخاتم، فلما رآني استدبرته عرف أني استثبت شيئا وصف لي، فوضع رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال: تحول يا سليمان هكذا، فتحولت، فجلست بين يديه، وأحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا بن عباس كما حدثتك.
فلما فرغت قال: كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له وأربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل ثلاثين ودية وعشرين ودية وعشرا، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرها، فإذا فرغت فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي، ففقرتها وأعانني أصحابي، يقول حفرت لها بموضع حيث توضع حتى فرغنا منها، وخرج معي، فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوي عليها، فوالذي بعثه ما مات منها ودية واحدة.
وبقيت علي الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب فقال: أين الفارسي فدعيت له فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك، قلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه مما علي - قال: فإن الله سيؤدي بها عنك، فوالذي نفس سلمان بيده، لوزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وعتق سلمان، وحبسني الرق حتى فاتتني بدر وأحد، ثم شهدت الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد.
قوله: قطن النار جمع قاطن، أي مقيم عندها، أو هو مصدر، كرجل صوم وعدل.
وقال يونس بن بكير وغيره، عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، حدثني من سمع عمر بن عبد العزيز قال: وجدت هذا من حديث سلمان قال: حدثت عن سلمان: أن صاحب عمورية قال له لما احتضر: إئت غيضتين من أرض الشام، فإن رجلا يخرج من إحداهما إلى الأخرى، في كل سنة ليلة، ذوو الاسقام، فلا يدعو لأحد به مرض الإشفعي، فسله عن هذا الدين دين إبراهيم، فخرجت حتى أقمت بها سنة، حتى خرج تلك الليلة وإنما كان يخرج مستجيزا، فخرج وغلبني عليه الناس، حتى دخل في الغيضة، حتى ما بقي إلا منكبه، فأخذت به فقلت: رحمك الله! الحنيفية دين إبراهيم - فقال: تسأل عن شيء ما سأل عنه الناس اليوم، قد أظلك نبي يخرج عند أهل هذا البيت بهذا الحرم، ويبعث بسفك الدم، فلما ذكر ذلك سلمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد رأيت حواري عيسى ابن مريم عليه السلام.
وقال مسلمة بن علقمة المازني: ثنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن سلامة العجلي قال: جاء ابن أخت لي من البادية يقال له قدامة فقال: أحب أن ألقى سلمان الفارسي فأسلم عليه، فخرجنا إليه فوجدناه بالمدائن، وهو يومئذ على عشرين ألفا، ووجدناه على سرير يشق خوصا فسلمنا عليه فقلت: يا أبا عبد الله هذا ابن أخت لي قد قدم علي من البادية، فأحب أن يسلم عليك، قال: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.
قلت: يزعم أنه يحبك، قال: أحبه الله، فتحدثنا وقلنا: يا أبا عبد الله، ألا تحدثنا عن أصلك

(1/22)


قال: أما أصلي فأنا من أهل رامهرمز، كنا قوما مجوسا، فأتى رجل نصراني من أهل الجزيرة كانت أمه منا، فنزل فينا واتخذ فينا ديرا، وكنت من كتاب الفارسية، فكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروبا يبكي، قد ضربه أبواه، فقلت له يوما: ما يبكيك - قال: يضربني أبواي.
قلت: ولم يضربانك - فقال: آتي صاحب هذا الدير، فإذا علما ذلك ضرباني، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثا عجبا.
قلت: فاذهب بي معك، فأتيناه، فحدثنا عن بدء الخلق وعن الجنة والنار فحدثنا بأحاديث عجب، فكنت أختلف إليه معه، وفطن لنا غلمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا، فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا: يا هناه إنك قد جاورتنا فلم تر من جوارنا إلا الحسن، وإنا نرى غلماننا يختلفون إليك، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا، أخرج عنا.
قال: نعم.
فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: أخرج معي.
قال: لا أستطيع ذلك.
قلت: أنا أخرج معك، وكنت يتيما لا أب لي، فخرجت معه، فأخذنا جبل رامهرمز، فجعلنا نمشي ونتوكل، ونأكل من ثمر الشجر، فقدمنا نصيبين.
فقال لي صاحبي: يا سلمان، إن ها هنا قوما هم عباد أهل الأرض، فأنا أحب أن ألقاهم.
قال: فجئناهم يوم الأحد، وقد اجتمعوا، فسلم عليهم صاحبي، فحيوه وبشوا به.
وقالوا: أين كانت غيبتك - فتحدثنا، ثم قال: قم يا سلمان، فقلت: لا، دعني مع هؤلاء.
قال: إنك لا تطيق ما يطيقون، هؤلاء يصومون من الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، وإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الملك ودخل في العبادة، فكنت فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحدا واحدا إلى غاره الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال ذاك الرجل الذي من أبناء الملوك: هذا الغلام لا تضيعوه ليأخذه رجل منكم، فقالوا: خذه أنت، فقال لي: هلم، فذهب بي إلى غاره وقال لي: هذا خبز وهذا أدم فكل إذا غرثت، وصم إذا نشطت، وصل ما بدا لك، ونم إذا كسلت، ثم قام في صلاته فلم يكلمني، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد، حتى كان الأحد، وانصرف إلي، فذهبنا إلى مكانهم الذي يجتمعون فيه في الأحد، فكانوا يفطرون فيه، ويلقى بعضهم بعضا ويسلم بعضهم على بعض، ثم لا يلتقون إلى مثله، قال: فرجعنا إلى منزلنا فقال لي مثل ما قال أول مرة، ثم لم يكلمني إلى الأحد الآخر، فحدثت نفسي بالفرار فقلت: اصبر أحدين أو ثلاثة فلما كان الأحد واجتمعوا، قال لهم: إني أريد بيت المقدس.
فقالوا: ما تريد إلى ذلك - قال: لا عهد لي به.
قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا، قال: فلما سمعته يذكر ذلك خرجت، فخرجت أنا وهو، فكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويصلي الليل كله، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يصلي، فأتينا بيت المقدس، وعلى الباب مقعد يسأل فقال: أعطني قال: ما معي شيء، فدخلنا بيت المقدس، فلما رأوه بشوا إله واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به، فانطلقوا بي فأطعموني خبزا ولحما، ودخل في الصلاة، فلم ينصرف إلى الأحد الآخر، ثم انصرف فقال: يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي، فإذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني، فبلغ الظل الذي قال، فلم أوقظه مأواة له مما دأب من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعورا، فقال يا سلمان، ألم أكن قلت لك: إذا بلغ الظل مكان كذا فأيقظني - قلت: بلى، ولكن إنما منعني مأواة لك من دأبك.
قال: ويحك إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل لله فيه خيرا، ثم قال: اعلم أن أفضل دين اليوم النصرانية، قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية ، كلمة ألقيت على لساني ،.
قال: نعم يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه.
قلت: وإن أمرني أن أدع النصرانية - قال: نعم فإنه لا يأمر إلا بحق ولا يقول إلا حقا، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعت فيها.

(1/23)


ثم خرجنا من بيت المقدس، فممرنا على ذلك المقعد فقال له: دخلت فلم تعطني، وهذا تخرج فأعطني، فالتفت فلم ير حوله أحدا، قال: أعطني يدك، فأخذ بيده، فقال: قم بإذن الله، فقام صحيحا سويا فتوجه نحو أهله فأتبعته بصري تعجبا مما رأيت، وخرج صاحبي مسرعا وتبعته، فتلقاني رفقة من كلب فسبوني فحملوني على بعير وشدوني وثاقا فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة، فاشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط له، ومن ثم تعلمت عمل الخوص، أشتري بدرهم خوصا فأعمله فأبيعه بدرهمين، فأنفق درهما، أحب أن آكل من عمل يدي وهو يومئذ أمير على عشرين ألفا.
قال: فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أن الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، فهاجر إلينا، فقلت: لأجربنه، فذهبت فاشتريت لحم خروف بدرهم، ثم طبخته، فجعلت قصعة من ثريد، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه.
فقال: أصدقة أم هدية - قلت: صدقة.
فقال لأصحابه: كلوا باسم الله وأمسك ولم يأكل، فمكثت أياما، ثم اشتريت لحما فاصنعه أيضا وأتيته به، فقال: ما هذه - قلت: هدية.
فقال لأصحابه: كلوا باسم الله وأكل معهم قال: فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، فأسلمت، ثم قلت له: يا رسول الله أي قوم النصارى - قال: لا خير فيهم، ثم سألته بعد أيام قال: لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم، قلت في نفسي: فأنا والله أحبهم، قال: وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف، فسرية تدخل وسرية تخرج، والسيف يقطر.
قلت يحدث لي الآن أني أحبهم، فيبعث فيضرب عنقي، فقعدت في البيت، فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا سلمان أجب قلت: هذا والله الذي كنت أحذر فانتهيت إلى رسول الله فتبسم وقال: أبشر يا سلمان فقد فرج الله عنك ثم تلا علي هؤلاء الآيات: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله أولئك يؤتون أجرهم مرتين قلت: والذي بعثك بالحق، لقد سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها.
هذا حديث منكر غريب، والذي قبله أصح، وقد تفرد مسلمة بهذا، وهو ممن احتج به مسلم، ووثقه ابن معين، وأما أحمد بن حنبل فضعفه، رواه قيس بن حفص الدرامي شيخ البخاري عنه.
وقال عبد الله بن عبد القدوس: حدثنا عبيد المكتب، نا أبو الطفيل، حدثني سلمان قال: كنت من أهل جي، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البلق، فكنت أعرف انهم ليسوا على شيء، فقيل لي: إن الدين الذي تطلب بالمغرب، فخرجت حتى أتيت الموصل، فسألت عن أفضل رجل بها، فدللت على رجل في صومعة، ثم ذكر نحوه. كذا قال الطبراني، قال وقال في آخره: فقلت لصاحبي: بعني نفسي، قال: على أن تنبت لي مائة نخلة، فإذا نبتن جئتني بوزن نواة من ذهب، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: اشتر نفسك بالذي سألك، وائتني بدلو من ماء النهر الذي كنت تسقي منه ذلك النخل، قال: فدعا لي، ثم سقيتها، فوالله لقد غرست مائة فما غادرت منها نخلة إلا نبتت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن النخل قد نبتن، فأعطاني قطعة من ذهب، فانطلقت بها فوضعتها في كفة الميزان، ووضع في الجانب الآخر نواة قال: فوالله ما استعلت القطعة الذهب من الأرض، قال: وجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأعتقني.

(1/24)


علي بن حاتم، أنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن زيد بن صوحان، أن رجلين من أهل الكوفة كانا صديقين لزيد بن صوحان أتياه يكلم لهما سلمان أن يحدثهما بحديثه، كيف كان إسلامه، فأقبلا معه حتى لقوا سلمان رضي الله عنه وهو بالمدائن أميرا عليها، وإذا هو على كرسي قاعد، وإذا خوص بين يديه وهو يشقه، قالا: فسلمنا وقعدنا، فقال له زيد: يا أبا عبد الله، إن هذين لي صديقان ولهما أخ، وقد أحبا أن يسمعا حديثك كيف كان أول إسلامك - قال، فقال سلمان: كنت يتيما من رامهرمز، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه، وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنيا في نفسه، وكنت غلاما فقيرا، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج فتقنع بثوبه، ثم يصعد متنكرا، فقلت: لم لا تذهب بي معك - فقال: أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء، قلت: لا تخف، قال: فإن في هذا الجبل قوما في برطيل، لهم عبادة يزعمون أنا عبدة النيران، وأنا على غير دين فأستأذن لك، قال: فاستأذنهم ثم واعدني وقال: أخرج في وقت كذا، ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم بهم قتلهم، قال: فصعدنا إليهم.
قال علي ، وأراه قال: وهم ستة أو سبعة، قال: وكأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم، فذكر الحديث بطوله، وفيه أن الملك شعر بهم، فخرجوا، وصحبهم سلمان إلى الموصل، واجتمع بعابد من بقايا أهل الكتاب، فذكر من عبادته وجوعه شيئا مفرطا، وأنه صحبه إلى بيت المقدس، فرأى مقعدا فأقامه، فحملت المقعد على أتانه ليسرع إلى أهله، فانملس مني صاحبي، فتبعت أثره، فلم اظفر به، فأخذني ناس من كلب وباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراني أبو بكر فأعتقني.
وهذا الحديث يشبه حديث مسلمة المزني، لان الحديثين يرجعان إلى سماك، ولكن قال هنا عن زيد بن صوحان، فهو منقطع، فإنه لم يدرك زيد بن صوحان، وعلي بن عاصم ضعيف كثير الوهم، والله أعلم.
عمرو العنقزي: أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي قرة الكندي، عن سلمان قال: كان أبي من الأساورة فأسلمني الكتاب، فكنت أختلف ومعي غلامان، فإذا رجعا دخلا على راهب أو قس، فدخلت معهما، فقال لهما ألم أنهكما أن تدخلا علي أحدا، فكنت أختلف حتى كنت أحب إليه منهما، فقال لي: يا سلمان، إني أحب أن أخرج من هذه الأرض. قلت: وأنا معك، فأتى قرية فنزلها، وكانت امرأة تختلف إليه، فلما حضر قال: احفر عند رأسي، فحفرت فاستخرجت جرة من دراهم، فقال: ضعها على صدري، فجعل يضرب بيده على صدره ويقول: ويل للقنائين! قال: ومات فاجتمع القسيسون والرهبان، هممت أن أحتمل المال، ثم إن الله عصمني، فقلت للرهبان، فوثب شباب من أهل القرية، فقالوا: هذا مال أبينا كانت سريته تختلف إليه، فقلت لأولئك: دلوني على عالم أكون معه، قالوا: ما نعلم أحدا أعلم من راهب بحمص، فأتيته فقال: ما جاء بك إلا طلب العلم. قلت: نعم. قال: فإني لا أعلم أحدا أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة في هذا الشهر، فانطلقت فوجدت حماره واقفا، فقصصت عليه، فقال: اجلس ها هنا حتى أرجع إليك، فذهب فلم يرجع إلى العام المقبل فقال: وإنك لها هنا بعد - قلت: نعم، قال: فإني لا أعلم أحدا في الأرض أعلم من رجل يخرج بأرض تيماء وهو نبي وهذا زمانه، وإن انطلقت الآن وافقته، وفيه ثلاث: خاتم النبوة، ولا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية. وذكر الحديث.
وقال ابن لهيعة: أنبأنا يزيد بن أبي حبيب، حدثني السلم ين الصلت، عن أبي الطفيل، عن سلمان قال: كنت رجلا من أهل جي مدينة إصبهان، فأتيت رجلا يتحرج من كلام الناس، فسألته: أي الدين أفضل - قال ما أعلم أحدا غير راهب بالموصل، فذهبت إليه. وذكر الحديث.
وفيه: فأتيت حجازيا، فقلت: تحملني إلى المدينة - قال ما تعطيني - قلت: أنا لك عبد، فلما قدمت جعلني في نخله، فكنت أستقي كما يستقي البعير حتى دبر ظهري وصدري من ذلك، ولا أجد أحدا يفقه كلامي، حتى جاءت عجوز فارسية تستقي، فقلت لها: أين هذا الرجل الذي خرج - فدلتني عليه، فجمعت تمرا وجئت فقربته إليه. وذكر الحديث.
مبعثه

(1/25)


صلى الله عليه وسلم
قال الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أول ما بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه، أي يتعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجاه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: إقرأ، قال: فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: إقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني الثانية فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: إقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: إقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ إلى قوله ما لم يعلم قالت: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة مالي! وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت علي، فقالت له: كلا فوالله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان أمرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الخط العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا قد عمي.
فقالت: اسمع من ابن أخيك، فقال: يا بن أخي ما ترى - فأخبره فقال ورقة: هذا الناموس الذي انزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا حين يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم - .
قال: نعم، لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي وأوذي، ون يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي.
فروى الترمذي، عن أبي موسى الأنصاري، عن يونس بن بكير، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ورقة، فقالت له خديجة: إنه ، يا رسول الله ، كان صدقك، وإنه مات قبل أن تظهر، فقال رأيته في المنام عليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك.
وجاء من مراسيل عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت لورقة جنة أو جنتين.
وقال الزهري، عن عروة، عن عائشة: وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، وغدا مرارا كي يتردى من شواهق الجبال، وكلما أوفى بذروة ليلقي نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال مثل ذلك. رواه أحمد في مسنده، والبخاري.
وقال هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عيه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين. رواه البخاري.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: أنزل على رسول الله صلى اله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا.
وقال محمد بن أبي عدي عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، ومات وهو ابن ثلاث وستين.

(1/26)


أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهي، أنا عبد القوي بن الجباب، أنبأ عبد الله بن رفاعة، أنا علي بن الحسن الخلعي، أنا أبو محمد بن النحاس، أنا عبد الله بن الورد، أنا عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، ثنا عبد الملك بن هشام، ثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق قال: كانت الأحبار والرهبان وكهان العرب قد تحدثوا بأمر محمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه، أما أهل الكتاب فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان عهد إليهم أنبياؤهم من شأنه، وأما الكهان فأتتهم الشياطين بما استرقت من السمع، وأنها قد حجبت عن استراق السمع ورميت بالشهب. قال الله تعالى " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " فلما سمعت الجن القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم عرفت أنها منعب من السمع قبل ذلك، لئلا يشكل الوحي بشيء من خير السماء فيلتبس الأمر، فآمنوا وصدقوا وولوا إلى قومهم منذرين.
وعن يعقوب بن عتبة أنه بلغه أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم ثقيف، فجاءوا إلى عمرو بن أمية وكان أدهى العرب، فقالوا: ألا ترى ما حدث - قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها وتعرف بها الأنواء هي التي يرمى بها، فهي والله طي الدنيا وهلاك أهلها، وإن كانت نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا أمر أراد الله به هذا الخلق فما هو.
قلت: روى حديث يعقوب بنحوه حصين، عن الشعبي، لكن قال: فأتوا عبد يا ليل بن عمرو الثقفي، وكان قد عمي.
وقد جاء غير حديث بأسانيد واهية أن غير واحد من الكهان أخبره رئية من الجن بأسجاع ورجز، فيها ذكر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من هواتف الجان من ذلك أشياء.
وبالإسناد إلى ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا، أنا كنا نسمع من يهود، وكنا أصحاب أوثان، وهم أهل كتاب، وكان لا يزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم قالوا إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، وكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول اله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففي ذلك نزل ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا. الآيات.
حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش قال: كان لنا جار يهودي، فخرج يوما حتى وقف على بني عبد الأشهل، وأنا أحدثهم سنا، فذكر القيامة والحساب والميزان والجنة والنار، قال ذلك لقوم أصحاب أوثان لا يرون بعثا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، أو ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون! قال: نعم قالوا: فما آية ذلك - قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار إلى مكة واليمن، قالوا: ومتى نراه - قال: فنظر إلي وأنا حدث فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: ويحك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت! قال: بلى، ولكن ليس به.

(1/27)


حدثني عاصم بن عمر، عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عم كان الإسلام لثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، نفر من إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام - قلت: لا بد والله، قال: إن رجلا من يهود الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكان إذا قحط عنا المطر يأمرنا بالصدقة ويستسقي لنا، فوالله ما يبرح من مجلسه حتى نسقى، قد فعل ذلك غير مرتين ولا ثلاث، ثم حضرته الوفاة، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير، إلى أرض البؤس - قلنا: أنت أعلم، قال: إنما قدمت أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأبتعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن غليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه.
فلما بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر خيبر قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبانا أحداثا: يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا: ليس به، فنزل هؤلاء وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهاليهم.
وبه قال ابن إسحاق: وكانت خديجة قد ذكرت لعمها ورقة بن نوفل، وكان قد قرأ الكتب وتنصر، ما حدثها ميسرة من قول الراهب وإظلال الملكين، فقال: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرف أن لهذه الأمة نبيا ينتظر زمانه، قال: وجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى، وقال:
لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما ... ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتني إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا
فإن يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا
وقال سليمان بن معاذ الضبي، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني لأعرفه الآن رواه أبو داود.
وقال يحيى بن أبي كثير: ثنا أبو سلمة قال: سألت جابرا أي القرآن أنزل أول " يا أيها المدثر " أو " إقرأ باسم ربك " فقال: ألا أحدثكم بما حدثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: إني جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت، فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو على عرش في الهواء، يعني الملك، فأخذني رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، ثم صبوا علي الماء، فأنزل الله " يا أيها المدثر قم فأنذر " .
وقال الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي، قال: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا، فرجعت، فقلت: زملوني فدثروني، ونزلت: " يا أيها المدثر " إلى قوله " والرجز فاهجر " وهي الأوثان. متفق عليه. وهو نص في أن " يا أيها المدثر " نزلت بعد فترة الوحي الأول، وهو " إقرأ باسم ربك " فكان الوحي الأول للنبوة والثاني للرسالة.
باب فأول من آمن به خديجة
رضي الله عنها
قال عز الدين أبو الحسن بن الأثير: خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة.
وقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، وغيرهم: أول من آمن بالله ورسوله: خديجة وأبو بكر، وعلي.
وقال حسان بن ثابت وجماعة: أبو بكر أول من أسلم.
وقال غير واحد: بل علي.

(1/28)


وعن ابن عباس: فيهما قولان، لكن اسلم علي وله عشر سنين أو نحوها على الصحيح، وقيل: وله ثمان سنين، وقيل: تسع، وقيل: اثنتا عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول شاذ، فإن ابنه محمدا، وأبا جعفر الباقر، وأبا إسحاق السبيعي وغيرهم قالوا: توفي وله ثلاث وستون سنة.
فهذا يقضي بأنه اسلم وله عشر سنين، حتى إن سفيان بن عيينة روى عن جعفر الصادق، عن أبيه قال: قتل علي وله ثمان وخمسون سنة.
وقال ابن إسحاق: أول ذكر آمن بالله علي رضي الله عنه، وهو ابن عشر سنين، ثم أسلم زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم أبو بكر.
وقال الزهري: كانت خديجة أول من آمن بالله، وقبل الرسول رسالة ربه وانصرف إلى بيته، وجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة إلا سلمت عليه، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتك الذي كنت أحدثك أني رأيته في المنام، فإنه جبريل استعلن لي، أرسله إلي ربي، وأخبرها بالوحي، فقالت: أبشر، فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، فأقبل الذي جاءك من الله فإنه حق، ثم انطلقت إلى عداس غلام عتبة بن ربيعة، وكان نصرانيا من أهل نينوى فقالت: أذكرك الله إلا ما أخبرتني، هل عندك علم من جبريل - فقال عداس: قدوس قدوس. قالت: أخبرني بعلمك فيه، قال: فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى، وعيسى عليهما السلام. فرجعت من عنده إلى ورقة. فذكر الحديث.
وقد رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير بنحو منه، وزاد: ففتح جبريل عينا من ماء فتوضأ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فوضا وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم نضح فرجه، وسجد سجدتين مواجه البيت، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل يفعل.
ومن معجزاته
صلى الله عليه وسلم
قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، عن بعض أهل العلم، أن رسول اله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، وكان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه.
وقال سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لأعرف حجرا بمكة يسلم علي قبل أن أبعث " . أخرجه مسلم.
وقال الوليد بن أبي ثور وغيره، عن إسماعيل السدي، عن عباد بن عبد الله، عن علي رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. أخرجه الترمذي وقال غريب.
وقال يوسف بن يعقوب القاضي: ثنا أبو الربيع، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من مكة، قد خضبه أهل مكة بالدماء، قال: ما لك - قال: خضبني هؤلاء بالدماء وفعلوا وفعلوا، قال: تريد أن أريك آية - قال: نعم، قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه، قال: مرها فلترجع إلى مكانها، قال: ارجعي إلى مكانك فرجعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبي. هذا حديث صحيح.
وقال ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان، سمعت عبد الله بن الزبير يقول لعبد الله بن عمير بن قتادة الليثي، حدثت أبا عبيد الله عن كيف كان بدء ما ابتدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل، فقال عبيد الله بن عمير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تتحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث التبرر.
قال ابن إسحاق: فكان يجاور ذلك في كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره، كان أول ما يبدأ به الكعبة، فيطوف ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله كرامته، وذلك الشهر رمضان، خرج صلى الله عليه وسلم إلى جراء ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل بأمر الله تعالى. قال رسول الله صلى اله عليه وسلم:

(1/29)


" جاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: إقرأ، قلت: ما أقرأ - قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ، فقلت: وما أقرأ - فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ، قلت: وما أقرأ - ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: إقرأ باسم ربك إلى قوله ما لم يعلم، فقرأتها ثم انتهى عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابا " .
في هذا المكان زيادة، زادها يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وهي: ولم يكن في خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق أن أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد، يعني نفسه، لشاعر أو مجنون، ثم قلت: لا تحدث عني قريش بهذا أبدا، لأعمدن إلى حالق من الجيل، فلأطرحن نفسي فلأستريحن، فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء فقال: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني، فانصرفت إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها فقالت: يا أبا القاسم أين كنت - فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا بن عمي واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب، فأخبرته بما رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقت يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى جواره طاف بالكعبة، فلقيه ورقة وهو يطوف فقال: أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذنه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه.
وقال موسى بن عقبة في مغازيه: كان صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا أول ما رأى أن الله أرآه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها لخديجة، فعصمها الله وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر، ثم أخبرها أنه رأى بطنه شق ثم طهر وغسل ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه في مجلس كريم معجب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أجلسني على بساط طهيئة الدرنوك فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن.
الذي فيها من شق بطنه يحتمل أن يكون أخبرها بما تم له في صغره ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم شق مرة ثالثة حين عرج به إلى السماء.
وقال ابن بكير عن ابن إسحاق، فأنشد ورقة:
إن يك حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فار فيها بتوبة ... ويشقى به العاني الغوي المضلل
فسبحان من تهوي الرياح بأمره ... ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السماوات كلها ... وأقضاؤه في خلقه لا تبدل

(1/30)


وقال ابن إسحاق حدثني إسماعيل بن أبي حكيم أن خديجة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ابن عم، إن استطعت أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك، قال: نعم، قال، فلما جاءه قال: يا خديجة هذا جبريل هل تراه - قالت: يا بن عم قم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام فجلس عليها، قالت: هل تراه: قال نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول فقعد على فخذها، قالت: هل تراه - قال: نعم، قالت: فاجلس في حجري، ففعل، قالت: هل تراه: قال: نعم، فتحسرت فألقت خمارها، ثم قالت: هل تراه - قال: لا قالت: إثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان.
قال: وحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث هذا الحديث، عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبريل، فقالت: إن هذا لملك وما هو بشيطان.
وقال أبو صالح: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله على نبيه إقرأ باسم ربك إلى قوله ما لم يعلم فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء، ثم أنزل آخرها بعد بما شاء الله.
وقال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في رمضان، قال الله تعالى: " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " ، وقال تعالى: " إنا أنزلناه في ليلة القدر " وقال تعالى: " إنا أنزلناه في ليلة مباركة " .
قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: همز جبريل بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت عين، فتوضأ جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم، ثم صلى ركعتين ورجع، وقد أقر الله عينه، وطابت نفسه، فأخذ بيد خديجة، حتى أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم صلى ركعتين هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سرا، ثم إن عليا جاء بعد ذلك بيوم فوجدهما يصليان فقال علي: ما هذا يا محمد.
فقال: دين اصطفاه الله لنفسه وبعث به رسله فأدعوك إلى الله وحده، وكفر باللات والعزى.
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن عليه أمره، فقال له: يا علي إن لم تسلم فاكتم، فمكث علي تلك الليلة ثم أوقع الله في قلبه الإسلام، فأصبح فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم إسلامه.
وأسلم زيد بن حارثة، فمكثا قريبا من شهر يختلف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مما أنعم الله على علي أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام.
وقال سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أصابت قريشا أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس عمه ، وكان موسرا ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس، ما ترى، فانطلق لنخفف عنه من عياله، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عليا، وضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي وآمن به.
وقال الدراوردي، عن عمر بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أول من اسلم خديجة، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي، وإن أبا بكر أول من أظهر الإسلام، وإن عليا كان يكتم الإسلام فرقا من أبيه، حتى لقيه أبوه فقال: أسلمت - قال: نعم، قال: آزر ابن عمك وانصره.
وقال: أسلم علي قبل أبي بكر.
وقال يونس: عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته وما تردد فيه.
وقال إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن أبي ميسرة إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا برز، سمع من يناديه، يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فأسر ذلك إلى أبي بكر، وكان نديما له في الجاهلية.
إسلام السابقين الأولين

(1/31)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية