صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أعيان العصر وأعوان النصر
المؤلف : الصفدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولكم أسكن عنك قلبا طامعا ... بوعود قربك وهو شوقا يخفق
منها:
والريح تكتب في الجداول أسطرا ... خط له نسخ النسيم محقق
والطير يقرأ والنسيم مردد ... والغصن يرقص والغدير يصفق
ومعاطف الأغصان غنتها الصبا ... طربا فذا عار وهذا مورق
وكان زهر اللوز أحداق إلى الزوار من خلل الغصون تحدق
وكأن أشجار الغياض سرادق ... في ظلها من كل لون نمرق
والورد باللون يجلو منظرا ... ونسيمه عطر كمسك يعبق
فبلابل منها تهيج بلابلي ... ولذاك أثواب الشقيق تشقق
وهزاره يصبو إلى شحروره ... ويجاوب القمري فيه مطوق
فكأنما في كل عود صارخ ... عود حلا مزمومه والمطلق
والورق في الأوراق يشبه شجوها ... شجوي وأين من الطليق الموثق
قلت: وهي طويلة جدا، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الأول من " التذكرة " التي لي.
محمد بن الحسن بن محمد
الخطيب كمال الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الإمام العلامة نجم الدين أبي محمد ابن الشيخ كمال الدين القرشي الأموي القرطبي الأصل الصفدي الخطيب بن الخطيب بن الخطيب، الدمشقي المولد.
كان خطيبا مصقعا، وأديبا ترك ربع البلاغة بعده بلقعا، كم أسال الدموع وفضها على الخدود من الخشوع، وكم علا ذروة المنبر واستقبل الناس فقالوا: هذا بدر قد بدا في سماء من العنبر. ليس للحمائم مثل أسجاعه إذا غردت، ولا للفصحاء مثل عبارته التي جمعت أنواع البيان فتفردت.
وكان ممن ينظم وينثر، ويجري قلمه في ميدان البلاغة ولا يعثر، يأتي فكره بقصائد كأنها قلائد، ونثره برسائل كلها فرائد:
لا تطلبن كلامه متشبها ... فالدر ممتنع على طلابه
كلم كنظم العقد يحسن تحته ... معناه حسن الماء تحت حبابه
خطب في حياة والده، وهو خالي الوجنة من النبات، وحير العقول بماله من الإقدام والثبات، وكان وهو أمرد يفتن القلوب بنظره، ويقسم الأفق أنه أحسن من قمره.
ومات والده وهو عار من حلي الآداب سار في ميعة الصبا والشباب، فلما مات والده - رحمه الله تعالى اجتهد ودأب، وتمسك بعرا الفضل والأدب، فنظم ونثر وكتب.
ولم يزل على حاله إلى أن خاطبه الخطب فجاءه، ولم يدفع الطبيب داءه.
وتوفي رحمه الله تعالى - يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده بدمشق، تقريبا سنة تسع وسبع مئة.
صلى الظهر بالناس يوم الاثنين، وجاء إليه المؤقت فقال له: إن بعض المؤذنين ما يلازم التأذين، فأحضره وأنكر عليه، وحصل له منه غيظ، دخل بعد ذلك إلى بيته ونام فجأة على فراشه. وكذلك توفي والده رحمه الله تعالى - فجأة بصفد أيضا، وقد تقدم ذكره في حرف الحاء مكانه.
وكان الخطيب كمال الدين يكتب خطا حسنا وهو من بيت بلاغة وكتابة، وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات، ذكرت أكثرها في كتابي " ألحان السواجع بين البادي والمراجع " ، وكنت أود ما يوده، وأختار ما يختاره من مسكنه دمشق - رحمه الله تعالى - وما اتفق له ذلك.
وكان قد كتب هو إلي من صفد في أواخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
سلام كنشر المسك يسري ويعبق ... على معهد كالبدر يعلو فيشرق
ومشهد أنس حله من أحبتي ... موال لهم في شاهد المجد مشرق
وسادات عز قيدوا القلب في الهوى ... على حبهم والدمع في الخد أطلقوا
يذكرنيهم كل شيء يروقني ... فلي بهم مع كل حسن تعلق
ويذكي فؤادي هجرهم وبعادهم ... ولي نحوهم في كل حين تشوق
يردده سار ينم به الشذا ... ويخبر عن جار من الدمع يسبق
ويتلو على سمع التعطف منهم ... حديثي عسى يوما يرق ويشفق
ويرفع حالا نكرت وصف لمتى ... بعطف ابتداء لي على الود ينسق
وينسخ أشواقي بريحان قربه ... ويرقمه حقا دنوي المحقق
أأحبابنا إن لم أفز بلقائكم ... فمنوا بطيف في الكرى وتصدقوا

(2/286)


فقد طال هذا البعد والزمن انقضى ... بأحلام قرب لا تتم فتصدق
وإن كان مع بعدي صحيحا ودادكم ... أكيد ولكن التداني أوفق
سقى دوحة كنا نلوذ بظلها ... من القرب سحاح الندى متدفق
وحيا زمانا كان فيه بوصلكم ... لسان حبوري بالمسرات ينطق
فما كان أهنا عيشنا وألذه ... وما راعنا بعد ولا شاب مفرق
ولا فرقت أيدي الحوادي شملنا ... ولا بات قلبي من لقا البين مورق
فواها على أوقات قرب قطعتها ... بكم وشبابي مائس الغصن مورق
ووصلكم داني الجنى في ربا المنى ... وصافي التصافي بيننا يترقرق
مضت بسلام ثم أعقبت الأسى ... فؤادا سوى إعراضكم ليس يفرق
فما ذات طوق راعها فقد إلفها ... وأشجى حشاها بينه والتفرق
وأنطقها بالنوح في الدوح والبكا ... غريم غرام شفها والتحرق
بأشجى فؤادا أو أشد تشوقا ... وأحرى لعبرات بها العين تشرق
وأبرح مني أو بأذكى تلهبا ... على قرب إلف أو على الطيف يطرق
لعمري لقد كنت البعيد مزاره ... فحبك في سوداء قلبي ملصق
وإن تنكر الأيام ما لي عندها ... فأنت على دعوى ودادي مصدق
فديتك كن لي في ودادي معاضدا ... فأنت بإسعادي أحق وأخلق
ورأيك مسعود فكن لي مساعدا ... فإنك ذو الرأي السعيد الموفق
وإن أنت لم تسمع لقول شكايتي ... فعش سالما مما يسوء ويرهق
فشكري أياديك الجميلة واجب ... أقوم به ما دمت أحيا وأرزق
وأسجع من مدحي بكل غريبة ... لأني بعقد المن منك مطوق
فدم في بقاء ينبت العز والغنى ... فأنت لنا الكنز الذي منه ننفق
يقبل الأرض التي يسأل الله تعالى أن يحمي حماها من الغير، ويجعلها كعبة تطوف بها الآمال والفكر، وأن يمنح ربها من مزيد النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وينهي أشواقه التي أصبح من حرها على خطر، ويذكره الذي كم له فيه من وطر، فلا يخلو منه أين كان ولا أنى نظر، وصحيح وده الذي هو بنقل الثقات معتبر، وحديث حبه المستطر، وقديم ولائه الذي هو للسان الملأ سمر.
وتلك نسبة رق قد عرفت بها ... حفظ الولا منكم حق لها يجب
يا مالكي أين إسعافي بما طمعت ... نفسي به من بعيد الدار يقترب
فقد سئمت حياتي مع بعادكم ... وقد خشيت الردى تأتي به النوب
وإن قضيت ولم يقض اللقاء لنا ... فكم مضى بحزازات الحشا وصب
فلا تعينوا على قلبي بقسوتكم ... فقد كفاه الجفا والشوق والنصب
وإن تباخل أحبابي بقربهم ... فالرسل والطيف يكفي الصب والكتب
وإن تجنوا برفع الود من خبر ... فالعبد للحب في الحالين ينتصب
فكتبت أنا الجواب إليه من رأس القلم ارتجالا:
تحية ذي ود براه التشوق ... وأضناه بل أفناه وجد مؤرق
تروق كم راقت معاني حديقة ... إليها عيون الناظرين تحدق
وتأتي بلطف من تخص ربوعه ... كدمعة صب ودقها يترقرق
إلى مجدك السامي البنا الغامر الثنا ... تروح وتغدو دائما تتأنق
بعثت كمال الدين نحوي مشرفا ... عقود لآليه لجيدي تطوق
تنزهت منه في رياض بلاغة ... بها أدب أنهاره تتدفق
كأن قوافيه كؤوس يديرها ... على السمع مني البابلي المعتق
قوى في قوافيه التي قد تمكنت ... يخور لها عند البيان الخورنق
به ألفات كالغصون تقومت ... من الهمز يعلوها الحمام المطوق

(2/287)


ولا عين إلا مثل عين مريضة ... يهيم بها في الناس من يتعشق
ولا ميم إلا مبسم من رضابه ... رضاب يحاكيه المدام المروق
وأين البها أعني زهيرا فلو رأى ... أزاهر هذا كان في الحال يطرق
وذلك شعر ليس للناس مثله ... ولكن ذا أندى وأحلى وأرشق
وذاك قريض قد سما للسما وذا ... على أذن الجوزاء قرط معلق
وذاك إمام في البلاغة شامل ... وهذا موشى بالبديع موشق
فأذكرتني عهد الصبا بقدومه ... وذلك عهد الصبا معرق
إذا ذكرت نفسي زمانا قطعته ... وغصن الصبا ريان باللهو مورق
تصوب على خدب سحائب أدمع ... فلولا زفيري كنت بالدمع أغرق
ولو كان لي صبر لقيت به الأسى ... ولكن ثوب الصبر عني ممزق
فيازمني بالغت في عكس مقصدي ... فما لي بالحرمان أرزى وأرزق
فلا وطني يدنو ولا وطري أرى ... ومن دون ما أبغيه هام تفلق
أمولاي مدت بيننا حجب النوى ... وما رفعت والعمر من ذاك أضيق
فإن كان مولانا صفد صفت ... فإنك قد جلت بقربك جلق
وهبك خطيبا قد علا فوق منبر ... أما في دمشق منبر بك أليق
أدم شق لج البين في عرصاتها ... فكم من أناس أفلحوا مذ تدمشقوا
وجدد لباس العز في غير ربعها ... فطول مقام المرء في الحي مخلق
وضم بنا شمل التآلف واللقا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
فكل مكان ينبت العز طيب ... وفي كل أفق للسعادة مشرق
فلو وضحت لي من مرادك لمحة ... لكنت لوفد الريح والبرق أسبق
فما أنا في حفظ الوفا متاصنعا ... ولا أنا للزور القبيح منمق
وأنت فتدري ما قضته جبلتي ... فما أدعي إلا وأنت تصدق
ولكن دهرا قد بلينا بأهله ... أباعوا به ثوب النفاق ونفقوا
أناس تنازلنا إلى أن ترفعوا ... علينا ألا يا ليتهم لو ترفقوا
فكانوا أصولا في صحائف عزهم ... ونحن على بعض الهوامش ملحق
فثق بقضاء الله وارض بحكمه ... فلي أمل لا بد فيك يحقق
يقبل الأرض وينهي ورود المثال الكريم الذي فضح كماله القمر، وسلب بسحره الألباب وقمر، وأحيا رسم البلاغة، فساد بما شاد وعمر، وهمى غمام فضله وسقى رياض الفصاحة وهمر، وقسم نظمه ونثره فهذا للندامى غناء، وهذا للمحدثين سمر، وخالف العادة لأنه جاء بستانا في ورقه، إلا أن جميعه زهر وثمر، وأمر ونهى في سلطان فضله، فأذعن الفصحاء له وقالوا له: السمع والطاعة فيما نهى وأمر، وأطرب المسامع فعلم أن من أنشأه لو شاء بالطرس طبل وزمر، فوقف المملوك على أبياته وآمن بآياته وعلم أنه يقصر عن مباراة مباديه وهو في غاياته، وتصور عتبه فتضور وتفكر في أمره الأمر فتكفر، وتربض لما يدبره في معناه فما تصبر، وترفق للحيلة فما رأى لها دليلا تقرر، وتحرى فيما يعتمده فما وجد فيه بحثا تحرر:
سوى حضورك في أمن وفي دعة ... ليقضي الله ما نرجو ونرتقب
أو فالتصبر أولى ما ادرعت له ... فالسول يقضى به والقصد والأرب
فلي أماني خير فيك أرقبها ... أرى بعيد مداها وهو مقترب
فلا يضيق لك صدر من أذى زمن ... أيامه تمنح الحسنى وتستلب
وربما كان مكروه الأمور إلي ... معروفها سببا ما مثله سبب
وكنت قد كتبت له توقيعا من الفخري لما كان بدمشق، على أن يكون موقعا بصفد في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، ونسخته:

(2/288)


رسم بالأمر العالي، لا زال يزيد بدور أوليائه كمالا، ويفيد سفور نعمائه جمالا، ويعيد وفور آلائه على من بهر بفوائده التي غدا سحر بيانها حلالا، أن يرتب المجلس السامي القضائي الكمالي في كذا، لأنه الأصيل الذي ثبت في البيت الأموي ركنه، وتفرع في الدوحة العثمانية غصنه، وكمل قبل بلوغ الحلم حلمه، فلم يكن في هضبات الأبرقين وزنه، وألف حين أشبل غاب المجد حتى كأنه كنه، والبليغ الذي تساوى في البديع نظمه ونثره، وخلب العقول من كلامه سحره، وفاق زهر الليالي لآليه ودراريها دره، والفاضل الذي ألقى إليه العلم فضل الرسن ومج السهاد فم جفنه وغيره قد ذر الكسل فيها فترة الوسن، وبهر في مذهبه فللشافعية به كما للحنفية محمد بن الحسن، والخطيب الذي يعلو صهوة المنبر فيعرفه وإن لم يضع العمامة، ويطمئن له مطاه حتى كأنه بينه وبين علميه علامه، ويبرز في سواد شعاره بوجه يخجل البدر إذا بدا في الغمامة، ويود السمع إذا أطاب لو أطال، فإنه ما سامه منه سآمه، ويغسل دون الذنوب إذا أيه بالناس وذكر أهوال القيامة، ويتحقق الناس أن كلامه روض ومنبره غصن، وهو في أعلاه حمامه.
فليباشر ذلك مباشرة هي في كفالة مخائله، وملامح شمائله، ومطامح الآمال في نتيجة المقدمات من أوائله، وليدبج المهارق بأقلامه التي تنفث السحر في العقد، وتشب برق الإسراع حتى يقال: هذا الجمر قد وقد، وتنبه على قدر هذا الفن فإنه من عهد والده خمل وخمد، وتنبهه فإن ما رقى لما رقد، ليسر ذلك الليث الذي شب له منه شبله، وذلك الغيث الذي فض له منه فضله، والوصايا كثيرة وهو غني عن شرحها. ملي بحراسة سرحها، فلا يهدى إلى هجره منها تمره، ولا يلقن إلى بحره منها دره، ولكن تقوى الله تعالى أعم الوصايا وأهم نفعا مما في حنايا الزوايا من الخبايا، وهو بها يأمر الناس على المنابر، والآن تنطق بها ألسنة أقلامه من أفواه المحابر، فليكن بها أول مأمور، وأول متصف أسفر له صبحها من سواد الديجور. والله يزيده فضلا، ويزيده من القول المحكم فصلا.
والخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه حجة ثبوته، والعمل بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
محمد بن الحسن
الأمير ناصر الدين ابن الأمير عماد الدين بن النشائي.
كان أمير عشرة مقدما على خمسين بدمشق، وأحد الحجبة بين يدي النواب وأخذ حكومة البندق بعد الأمير سيف الدين بلغاق المقدم ذكره في حرف الباء.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي ودفن بسفح قاسيون.
محمد بن الحسن بن يوسف الأرموي
الفقيه المحدث الصالح، صدر الدين الشافعي نزيل دمشق.
قدم دمشق ولزم ابن الصلاح، وحدث عنه، وعن كريمة، والتاج بن حموية، وابن قميرة، وعدة، وتفقه وحصل وتعبد.
قال شيخنا الذهبي: كتبت أنا عنه وسائر الرفاق.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع مئة.
ومولده سنة عشر وست مئة.
محمد بن الحسن
الأمير صلاح الدين أبو الحسن ابن الملك الأمجد مجد الدين ابن السلطان الملك الناصر داود ابن السلطان الملك المعظم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
سمع حضورا من والده، وروى عنه، وسمع من ابن البخاري والفاروثي وجماعة. وكانت له ديون كثيرة.
ولم يزل في تعب إلى أن توفي - رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده في رابع عشري القعدة سنة أربع وستين وست مئة.
محمد بن الحسين بن محمد
ابن يحيى الأرمنتي، جمال الدين.
كان فقيها ذكيا، كريم النفس أبيا، لطيف الذات، ظريف الصفات، نهاية في السماح، لا يلحقه البرق في ذلك ولا عاصف الرياح، حتى أفضى به ذلك إلى الفقر، وأدى بحاله إلى العقر.
وكان أديبا ناظما ناثرا، إذا جرى في فن الإنشاء لم يكن عاثرا.
ولم يزل على حاله إلى أن حضرت منيته، وانقطعت من الحياة أمنيته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بأرمنت سنة إحدى عشرة وسبع مئة.

(2/289)


كان قد أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين القفظي، والشيخ جلال الدين أحمد الدشناوي، والأصول عن الشيخ شهاب الدين القرافي والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري الخطيب، وأصول الدين والمنطق عن بعض العجم، وذكر للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فقال: الفقيه ابن يحيى ذكي جدا، فاضل جدا. وتولى الحكم بأدفو، ناب في الحكم بقوص وبنى بأرمنت مدرسة ودرس بها.
ومن شعره:
عريب النقى قلبي بنار الجوى يكوى ... وجيدي عنكم دائم الدهر لا يلوى
ولي مقلة تبكي اشتياقا إليكم ... ولي مهجة ليست على هجركم تقوى
نشرتم بساط البعد بيني وبينكم ... ألا يا بساط البعد قل لي متى تطوى
بعادكم والله مر مذاقه ... وقربكم أحلى من المن والسلوى
محمد بن الحسين بن تغلب
موفق الدين الأدفوي خطيب أدفو.
كان فيه كرم وجود وسماح، شاع خبره في الوجود، وله في الطب يد باسطه، وقوة في العلاج ناشطة، وينظم وينثر، ويخطو لما يخطب فلا يعثر. ومعرفته بالوثائق جيدة وكتابته.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح فلم يجد لعلته علاجا، وأمسى وقد اتخذ إلى المعاد معاجا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة سبع وتسعين وست مئة.
قال الفاضل كما الدين الأدفوي: رأيته مرات، وكان يأتي الجماعة أصحابنا أقاربه فيسمعهم يشتمونه، فيرجع ويأتي من طريق أخرى حتى لا يتوهموا أنه سمعهم.
ووقفت له على كتاب لطيف تكلم فيه على تصوف وفلسفة.
وكان وصيا على ابن عمه وعليه ثمر للديوان وقف، عليه منه خمسة وعشرين أردبا، فشدد الطلب عليه، فتقدم الخطيب إلى الأمير وأنشده:
وقفت علي من المقرر خمسة ... مضروبة في خمسة لا تنكر
من ثمر ساقية اليتيم حقيقة ... ليت السواقي بعدها لا تثمر
حمت النصارى بينهم رهبانهم ... وأنا الخطيب وذمتي لا تخفر
واجتمع يوما بالجامع جماعة وعملوا طعاما وطلبوا جعفر المؤذن ولم يطلبوا الخطيب، فبلغه ذلك، فكتب إليهم أبياتا منها:
وكيف رضيتم بما قد جرى ... صحبتوا المؤذن دون الخطيب
أمنتم من الأكل أن تمرضوا ... ويحتاج مرضاكم للطبيب
قال: وكان يمشي للضعفاء والرؤوساء ويطبهم - رحمه الله تعالى - .
محمد بن الحسين
الشيخ شمس الدين الغوري، بضم الغين المعجمة وسكون الواو بعد راء، الحنفي المدرس.
كان فاضلا، وكان في لسانه عجمة، وكتب بخطه كتبا في العربية، ووقع المسكين في لسان الفخر عثمان النصيبي، فجعل يمسخر به في حكاياته، ويذكر وقائعه ويزيد في بعضها من مضحكاته. ولقد حكي عنه مرة حكاية تنمر فيها تنكز نائب الشام ورسم بقتل الشيخ شمس الدين بالمقارع، وما خلص من ذلك إلا بالجهد.
وأهل دمشق يحكون عنه حكايات مشهورة بينهم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
محمد بن الحسين بن القاسم
ابن علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، الصدر الأصيل بدر الدين ابن العدل عماد الدين ابن الحافظ بهاء الدين ابن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر.
كان رجلا حسنا.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن ابن أبي اليسر، وسمع على جماعة، وشهد على الحكام بدمشق، وولي الولايات من جهة الكتابة، وحج وأقام باليمن مدة، وكان له ثلاثة أولاد نجباء قدمهم بين يديه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
محمد بن الحسين بن عبد الله
ابن الحسين، زين الدين أبو عبد الله القرشي ابن الفويي.
روى " الخلعيات " كاملة عن ابن العماد، وكان من الفقهاء بمصر.
وكان عدلا خيرا، عمر وتفرد في وقته، وأخذ الناس عنه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سادس عشري المحرم سنة ثلاث وسبع مئة.
ومولده سنة أربع عشرة وست مئة.
وأجاز شيخنا البرزالي.
محمد بن الحسين بن عتيق
ابن رشيق، الشيخ الإمام علم الدين المصري المالكي.
سمع " الأربعين المخرجة " لابن الجميزي عليه، وسمع " صحيح " مسلم من ابن البرهان.

(2/290)


وكان فقيها عارفا بالمذهب مفتيا، ولي نيابة القضاء بالإسكندرية نحو اثنتي عشرة سنة، وليها قبل شرف القضاة ابن الربعي نحو سنة وأكثر، ثم وليها بعده بقية المدة، ثم عزل واستمر إلى أن مات.
وكان متعينا للقضاء، وعينه بدر الدين بن جماعة لقضاء دمشق، وكان يقول: ما عندي مثله.
وتوفي - رحمه الله تعالى - حادي عشر المحرم سنة عشرين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
وكان يكتب في الإجازات:
أجزت لهم أبقاهم الله كل ما ... رويت عن الأشياخ في سلف الدهر
وما سمعت أذناي من كل عالك ... وما جاد من نظمي وما راق من نثري
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريا من التصحيف عار من النكر
وبالله توفيقي عليه توكلي ... له الحمد في الحالين والعسر واليسر
محمد بن الحسين
السيد الشريف شمس الدين ابن السيد شهاب الدين الحسيني الموقع، تقدم نسبه في ترجمة والده رحمهما الله تعالى.
كان يكتب خطا حسنا، ويجعل الطروس بسطوره تختال بين سناء وسنى، كأن المهارق تحت خطه خمائل، وألفاته فيها غصون تتمايل، وكان والده ينشئ وهو يكتب، فما ترى أحدا يتعنت ولا يعتب.
ولم يزل على حاله إلى أن لحق أباه قريبا، وما خلص من شرك المنية من كان الأجل لأجله رقيبا.
وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في حادي عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده...
وكان قد دخل إلى توقيع الدست الشريف بالديار المصرية لما توجه والده لكتابة السر بحلب، واستمر على ذلك، وحضر صحبة ركاب السلطان الملك الصالح في سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وحضر صحبة ركاب السلطان المنصور صلاح الدين محمد بن حاجي إلى دمشق، وعاد إلى مصر.
وكان قد اختص بالكتابة عند الأمير سيف الدين الداودار، وما سمعت له بنظم ولا نثر، وإنما كان عنده من إنشاء والده شيء كثير إلى الغاية.
محمد بن حسينا الأمير
كان قد حكم في مملكة التتار بأذربيجان، أعطاه يوما النوين جوبان قدحا ليشربه، وذلك في سنة أربع وعشرين وسبع مئة فقال: إن لم تشربه تؤدي ثلاثين تومانا من المال، فقال: أنا أؤدي ذلك ولا أشربه، فأشار جوبان إلى جماعة بأن يلازموه على المبلغ، فخرج محمد حسينا من عنده، ومضى إلى الأمير نكباي وهو ذو مال عظيم، فقال له: أعطني ثلاثين تومانا، فقال له: بربح عشرة توامين، فقال: نعم، وكتب عليه حجة بأربعين تومانا وسلمها إليها، فقال الأمير نكباي للجماعة الذين هم مع حسينا: اذهبوا إلى النوين جوبان وقولوا له: إن المال عندي، فهل أحمله إلى خزانته أو أسلمه إلى العسكر، وأي شيء تريد من النقود. فحضروا إلى جوبان وعرفوه ذلك، فطلب محمد حسينا، وقال له: تعطي أربعين تومانا من الذهب ولا تشرب قدحا من الخمر؟! قال: نعم. فأعجب جوبان ذلك، وخلع عليه ملبوسه، ومزق الحجة، وحكمه حكما قويا، وصار عنده مقربا.
محمد بن الحشيشي
الشمس الرافضي الموصلي.
قال شيخنا الذهبي، ومن خطه نقلت: حدثني الإمام محمد بن منتاب أن عز الدين يوسف الموصلي، كتب إليه وأراني كتابه قال: كان رفيق معنا في سوق الطعام، يقال له الشمس بن الحشيشي، كان يسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ويبالغ، فلما ورد شأن تغيير الخطبة إذ ترفض القان خربندا، افترى وسب. فقلت له: يا شمس، قبيح عليك أن تسب هؤلاء، وقد شبت. مالك ولهم وقد درجوا من سبع مئة، والله تعالى يقول: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم " فكان جوابه: والله إن أبا بكر وعمر وعثمان في النار، قال ذلك في ملأ من الناس، فقام شعر جسدي، فرفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهم يا قاهر فوق عباده يا من لا يخفى عليه شيء، أسألك بنبيك إن كان هذا الكلب على الحق فأنزل بي آية، وإن كان ظالما فأنزل به ما يعلم هؤلاء الجماعة أنه على الباطل في الحال. فورمت عيناه حتى كادت تخرج من وجهه، واسود وجهه وجسمه حتى بقي كالقير، وخرج من حلقه شيء يصرع الطيور، فحمل إلى بيته، فما جاوز ثلاثة أيام حتى مات، ولم يتمكن أحد من غسله مما يجري من جسمه وعينيه. ودفن.
قال ابن منتاب: جاء إلى بغداد أصحابنا وحدثوا بهذه الواقعة، وهي صحيحة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة عشر وسبع مئة.
محمد بن حمزة بن أحمد بن عمر

(2/291)


القدوة الشيخ الصالح شمس الدين أبو عبد الله المقدسي الحنبلي.
سمع حضورا من ابن اللتي، وجعفر الهمذاني، وسمع من كريمة، والضياء، وجماعة. وتفقه ودرس وأفتى وأتقن المذهب.
قرأ الحديث بالصالحية التي بالسفح وكتب الخط المليح.
وكان صالحا خيرا إمام أمارا بالمعروف، داعية إلى ما يعتقده، يحط على من خالفه.
ناب في القضاء عن أخيه مديدة قبل موته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
محمد بن حمزة بن عبد المؤمن
أمين الدين الأصفوني الشافعي.
كان فقيها فاضلا متدينا، تولى الحكم بأبوتيج، وتولى إسنا، وأعاد بمدرسة سيوط.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده بسيوط.
محمد بن حمزة بن معد
الفرجوطي، مجد الدين.
كان له أدب ونظم. قال كمال الدين الأدفوي: أنشدني ابن أخيه أبو عبد الله محمد قال: أنشدني عمي لنفسه:
يا سيدا أسند في جاهه ... بجانب عز به جانبي
عساك أن تنظر في قصة ... واجبة تطلق لي واجبي
أوصلك الله إلى مطلب ... مؤيد بالطالب الغالب
وتوفي رحمه الله تعالى بفرجوط سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
محمد بن الخضر بن عبد الرحمن
ابن سليمان بن علي، القاضي تاج الدين بن زين الدين، المعروف بابن الزين خضر.
كان من جملة كتاب الدرج بباب السلطان، ثم إنه كتب قدام الوزير الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، وكان حظيا عنده، وكان يجلس في دار العدل هو وشمس الدين بن اللبان خلف موقعي الدست على عادة كتاب الدرج للوزير. ثم إن السلطان الملك الناصر محمد جهزه إلى حلب كاتب سرها لما عزل القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود. فتوجهه إليها في أوائل سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فباشرها إلى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة فحضر أو أوائلها صحبة الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب إلى باب السلطان، فهزلهما معا، وجهز بدلهما الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائبا والقاضي شهاب الدين أحمد بن القطب كاتب سر، فأقام القاضي تاج الدين بمصر بطالا مدة.
وكان الأمير سيف الدين طاجار يعتني به كثيرا، فسعى له حتى رتب من موقعي الدست بين يدي السلطان، فأقام على ذلك مدة. فلما توفي القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب سر دمشق، رسم السلطان الملك الكامل للقاضي تاج الدين بكتابه سر دمشق عوضا عنه، فحضر إليها في سلخ شعبان سنة ست وأربعين وسبع مئة، وأقام بها إلى ثامن شهر ربيع الآخر من السنة الثانية.
وتوفي ليلة الجمعة من الشهر سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون وصلى الناس عليه والقضاة والأعيان، وكان مرضه بدوسنطاريا انقطع به ثمانية أيام.
محمد بن خلف بن محمد بن عقيل
الشيخ بدر الدين المنبجي التاجر السفار.
كان رئيسا متمولا معروفا بالدين والعقل والثقة، يحضر بمجالس الحديث، ويسمع لأولاد ابنه.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
محمد بن خليل
الشيخ شمس الدين الصوفي.
سمع من الشيخ شمس الدين أبي بكر محمد بن إبراهيم المقدسي، وأبي الهيجاء غازي بن أبي الفضل بن الحلاوي، وغيرهما. حدث مرارا. أجاز لي...
محمد بن دانيال بن يوسف
الخزاعي الموصلي، الحكيم الفاضل الشاعر الأديب شمس الدين.
صاحب النظم الحلو، والقريض الذي ليس فيه بيت من النكت خلو، والنثر العذب الرائق، والكلام الذي أصبح وهو على زهر الرياض فائق، والطباع الداخله، والمخيلة التي هي بالصواب غير باخله.
كان ابن حجاج عصره، وابن سكرة مصره. لو كانا حيين لقلداه المجون. وعلما أن نكته تفعل بالألباب ما لا تفعله ابنة الزرجون. قد لطف كلامه، وظرف نظامه، يأتي بمضحكات تعجب منها الثكالى، وتنشط الكسالى، لو رآه أبو نواس لما قال: " أما ترى الشمس حلت الحمل " .
أو ابن الهبارية لما نظم " حي على خير عمل " . وكان لا يبالي بما يقول من سخفه، ولا يستحي في المجون إذا رفع مرخى سجفه:
لو عابه سيبويه قال له: ... خرا الكسائي في لحية الفراء
ولم يزل على حاله إلى أن استجن حشا ضريحه، وأوحش الزمان وأهله خفة روحه.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة ليلة الأحد ثاني عشري جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة.

(2/292)


وكان ابن دانيال رحمه الله تعالى طبيبا كحالا، أديبا شاعرا مطبوعا على الدخول في أقواله وأفعاله. توجه صحبة الأمير سيف الدين سلار إلى قوص ومع الأمير سلار حسن الحليق، وكان من جملة مماليك سلار غلام جميل الصورة، له صورة عند أستاذه، فتمشى الحليق ومعه الخادم، فوجدا ظل جميز وجدولا يجري، فرقد الحليق هناك، ونام الخادم عنده، فطلبه أستاذه فلم يجده، ففرق المماليك في طلبه، فوجدهما على تلك الحالة، فأحضروا وقد اشتد غضب سلار، فلما رأى ابن دانيال ذلك تقدم وقال: يا خوند، أقول لك ما تفعل بهذين، فقال: قل. قال: احلق ذقن هذا القواد حسن، واخص هذا الخادم. فضحك سلار وسكن غضبه.
حكى لنا شيخنا الحافظ فتح الدين قال: اجتزنا جماعة به وهو في دكان داخل باب الفتوح والناس عليه مجتمعون، فقالوا: تعالوا نخايل على الحكيم، فقلت لهم: ما أنتم وزنه فلا تشاكلوه فقالوا: لا بد وهو يكحل الناس. فقال بعضنا: يا حكيم تحتاج إلى عصيات؟ فقال: لا والله، إلا... أي من كان منكم يشتهي يقود فليتقدم قال: فقلت لهم: قلت لكم: لا تشاكلوه فما قبلتم قولي، أو كما قال.
وله نوادر كثيرة من هذا النمط. يقال إن الملك الأشرف أعطاه قبل أن يلي فرسا، وقال له: هذا اركبه إذا طلعت القلعة أو سافرت معنا إلى الصيد، لأنه كان في خدمته، فلما كان بعد أيام رآه وهو راكب على حمار مكسح، فقال له: يا حكيم أين الفرس الذي أعطيناك؟ فقال: بعتها وزدت عليها واشتريت هذا الحمار، فضحك منه.
وكان له راتب لحم على ديوان السلطان فعمل في وقت استيمار، وقطع هو وغيره، فدخل على الأمير سيف الدين سلار وهو يعرج فقال له: ما بك يا حكيم؟ قال: بي قطع لحم، فضحك منه، وأمر له بإعادة مرتبه من اللحم.
وله من التصانيف كتاب " طيف الخيال " أبدع فيه وقيل: إنه أخرجه من القوة إلى الفعل، ولبس ثيابه ورقص بآلاته جميعها، وله أيضا أرجوزة سماها: " عقود النظام في من ولي مصر من الحكام " .
ومن شعره يستهدي قطرا:
نعم أنت أولى من نؤمله قدرا ... وأكرم من نهدي المديح له درا
وما أنت إلا ديمة أي ديمة ... تسح فيحيي سحها البلد القفرا
ولو لم تكن يا ابن المكارم ديمة ... تجود لما استهديت من جودك القطرا
فجد لي به من ساعتي إنني امرؤ ... أخاف إذا جرعت في عسل صبرا
ودعني من رفع النحاة ونصبهم ... وجرهم أن يملأوا جرتي جرا
فقد لهبت عندي القطائف غلة ... عليه وأبدت ألسنا للظما حرا
وشقت له أيدي الكنافة جيبها ... وقد شيقت من طول وحشتها الصدرا
وقد صدع البين المشت لبعده ... قلوبا، فقلب اللوز منكسر كسرا
وإن جاءني مع ذلك القطر سكر ... أنقطه حتى يكون لكم شكرا
ومنه في الثقة عامل الملقة بالجيزة:
ما لي وللمنخرقه ... والعطف والمنزلقه
وغله الخالص في ... تحصيلها والملقه
ورحلتي في مركب ... بكل فدم موسقه
أرجاؤها علي من ... زحامهم مضيقه
بت بها لضيقها ... وضنكها في بوتقه
ترقص في البحر لدى ... أمواجه المصفقه
والريح لا تجري على ... طريقة متفقه
تهب غربا وتهب ... ب تارة مشرقه
كأنها من هوج ... رفيقنا اللص الثقه
أقبحنا خلقا فسب ... حان الذي قد خلقه
بصورة القر فلو ... لا، ذقنه والعنفقه
وأنه الكلب لمن ... عاينه أو حققه
والكلب لو جاراه في ... خساسة ما لحقه
شيخ لنقصه وإن ... كان ثقيلا طبقه
رافقته ولم تكن ... رفاقيته رفقه
حتى إذا ما غيب الأ ... فق لدينا شفقه
وهوم الناس فلا ... عين امرئ مؤرقة
نام فكان نائما ... كالحية المطوقه

(2/293)


وقام في الليل كمث ... ل من يريد السرقه
يسعى إلى عبد له ... وجه شبيه الدرقه
عبل الذراع أسود ... بشفة مشتقه
لو جاز رأس أيره ... في كم قاض فتقه
أولجه في سرمه ... ثم عليه طبقه
وفك سندان استه ... بفيشة كالمطرقه
ولم يزل حتى رمى ... بيض المخاصي زنبقه
فقلت في نفسي ترى ... خيطه أم فتقه
وعاد نحوي قائلا ... وجحره مبصقه
ما أطيب الأير سج ... قا والخصي مدققه
ولو أتاني نكته ... على سبيل الصدقه
أحسن من ذاك وذا ... جارية معشقه
جديدة في حسنها ... وقهوة معتقه
ذات حر يضيق بالأي ... ر إلى أن يخنقه
حر رميت طيره ... من خصيتي بندقه
فخر مصروعا ولم ... يقطع سواي سبقه
غنت فأغنت عن شدا ال ... حمامة المطوقه
لله صب لا يضي ... ع عهده وموثقه
أو شادن عليه أك ... باد الورى محترقه
علق نفيس كل كه ... جة به معتلقه
يموج عند نيكه ... تحتك مثل العلقه
يكاد موج ردفه ... للصب أن يغرقه
كم ليلة ركبني ... من خلفه في الحلقه
لما استجاد عدتي ... في العرض يوم النفقه
وجونة زاهية ... بظلمة وبرزقه
ذات شواء قد غدا ... مشتملا بجردقه
وافى ونفسي لم تزل ... إلى لقاء شيقه
لولا خلوق ثوبه ... لكدت أن أخلقه
في إثره دجاجة ... مصلوقة في مرقه
تتبع بوارانية ... في دهنها معرقه
فمن حبته هذه ... سبحان رب رزقه
وقال يوم كتب كتابه:
قد تجاسرت إذ كتبت كتابي ... طمعا في مكارم الأصحاب
وهي طويلة وقد أوردتها في الجزء الأول من " التذكرة " .
وقال وقد أبطلوا المنكرات في أيام الملك المنصور حسام الدين لاجين.
رأيت في النوم أبا مره ... وهو حزين القلب في مره
وعينه العوراء مقروحة ... تقطر دمعا قطرة قطره
يصيح واويلاه من حسرتي ... تلك التي ما مثلها حسره
وحوله من رهطه عصبة ... فيهم على قلتهم كثره
من كل علق مثل بدر الدجى ... قيمته في واحد بدره
مظفر اللحظ بعشاقه ... وإنما في جفنه كسره
شمس ضحى غصن نقى قدره ... وظله من خلفه الشعره
تجميشه نقل لمن ضمه ... وجوز التينة بالتمره
يهون وزن المال في وصفه ... طالعه الميزان والزهره
ومن سحور العين فتانة ... خود لها شمس الضحى ضره
تقول للعشاق من معصمي ... تنزهوا في الماء والخضره
إذا رأى عاشقها كسها ... يود لو ترضعه بظره
وكل قواد له ضرطة ... من شدقه يتبعها شخره
يسطو على العاشق في سومه ... مغالبا لما اقتضى حذره
يقول والكيفاح من خلفه ... وعنده في قوله شمره
زن ألف دينار إذا رمتها ... إن كنت ما ترضى بها بعره
سبحان من ولد في خدها الن ... قي بياضا فوقه حمره
هيا تمتع دي بحق الوفا ... لا تترك القصف على فشره
وكل لوطي له نهمة ... على سميط اللحم في السفره
إن وسوست في وجهه فسوة ... يقل لها يا طيبها نخره

(2/294)


وكل زناء يرى بولة ال ... قحبة في صبحته نشره
وكل بنت ما لها عذرة ... لكن هواها من بني عذره
سحاقة قد كلكلت بظرها ... وما لها في دلكها شعره
وكل خمار وفي كفه ... كأس على عاتقه جره
ومن حشيشي سطيل على ... شاربه قد بقلت خضره
ومن بني حام له مزرة ... صفى لها صاحبه المزره
وكل بغاء به أبنة ... مبادل أبغى من الإبره
وكل جلاد على خلوة ... عمرة هاجت به عميره
ومن خيالي ومن مطرب ... وزامر قد جاء في الزمره
فقلت يا إبليس ماذا الذي ... أسال من مقلتك العبره
وما الذي أزعج أشياعك النو ... كى وإن كانوا ذوي شره
فقال لي: يا بأبي أنت قد ... وقعت في مس أخت ما أكره
قلت جيوشي ووهى منصبي ... وعدت لا أمر ولا إمره
وأصبح الخمار لا يلتقي ... في بيته كوزا ولا جره
ومنزل المزار صفر وقد ... علته من ذلته صفره
وبات قلي الفار في حسرة ... وقلبه يقلى على جمره
وكاد أن يسطو الحشيشي وأن ... يجرح بالخنجر والشفره
وسائر الستات من قحبنا ... أكثرهن اليوم في الحجره
يطلبن أزواجا فلا قحبة ... منهن إلا أصبحت حره
وكل سالوس قمار وقد ... أجاد بالعفق بها مهره
كم جهد ما أغوي وأعوي وكم ... أصفف المقصوص والطره
وكم أرى العينين مكحولة ... لمن رمي بالعين والنظره
وكم وكم أشهر في خدمة ال ... عشاق في الليل إلى بكره
وما أرى اليوم ولا عاشقا ... إلا الذي أغويه في الندره
قد كسدت سوق المعاصي فلا ... شرب ولا قصف ولا عشره
هذا على أني ومن غيتي ... أقود لا أجر ولا أجره
فقلت: يا إبليس سافر بنا ... وطول الغيبة والسفره
إياك أن تسكن مصرا وأن ... تقربها إن كنت ذا خبره
فإن فيها صاحبا عادلا ... مبارك الطلعة والغره
قد علم السلطان في نصحه ... لملكه ما شاع بالشهره
جزاء من خالف مرسومه ... تجريسه والضرب بالدره
وقال على لسام المشاعلة:
لا ودخان المشعل ... وضوئه المشتعل
وعرفه الذي غدا ... يزري بعرف المندل
وقد جودها وهي طويلة، وقد أوردتها في الجزء الثالث من " التذكرة " . وقال:
قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق
كل من كان فاضلا كان مثلي ... فاضلا عند قسمة الأرزاق
وقال:
بي من أمير شكار ... وجد يذيب الجوانح
لما حكى الظبي جيدا ... حنت إليه الجوارح
وقال:
ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ولا بختي
قد بعت عبدي وحماري معا ... وصرت لا فوقي ولا تحتي
وقال:
يا سائلي عن صنعتي في الورى ... وحرفتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس
وقال:
إذا ما كنت متخوما ... فكن ضيفا على شير
فما يخرج منه الخب ... ز إلا بالمناشير
وقال:
يا رشا لحظه الصحيح عليل ... كل صب بسيفه مقتول
لك ردف غادرته رهن خصر ... وهو رهن كما علمت ثقيل
وقال:
وأقطع قلت له ... أنت لص أوحد
فقال هذي صنعة ... لم يبق لي فيها يد
وقال:
كم قيل لي: إذ دعيت شمسا ... لا بد للشمس من طلوع
فكان ذاك الطلوع داء ... يرقى إلى السطح من ضلوعي

(2/295)


وقال قد صلبوا ابن الكازروني، وفي عنقه جرة خمر في أيام الظاهر:
لقد كان حد الخمر من قبل صلبه ... خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي ... ألا تب فإن الحد قد جاوز الحدا
وقال أيضا:
لقد منع الإمام الخمر فينا ... وصير حدها حد اليماني
فما جسرت ملوك الجن خوفا ... لأجل الحد تدخل في القناني
وقال أيضا:
يقولون الحكيم أبو فلان ... حوى كرما وجودا في اليدين
فقلت علمت ذلك وهو سمح يضيع كل يوم ألف عين
وقال أيضا:
قطعت من يومين بطيخة ... وجدت فيها جعس مصمودي
قالوا خرى الخولي في أصلها ... من يوم جري الماء في العود
قال في مكارم اليهودي:
مكارم ما زال في طبه ... مكارها واللفظ فيه اشتباه
أعني به الغارق في ذقنه ... ولست أعني غارقا في خراه
قلت: وقد اخترت أنا " ديوانه " بالديار المصرية وهو أجمعه في الجزء الرابع عشرين من التذكرة.
وللحكيم شمس الدين بن دانيال موشحة ظريفة وهي:
غصن من البان مثمر قمرا ... يكاد من لينه إذا خطرا يعقد
أسمر مثل القناة معتدل
ولحظه كالسنان منصقل
نشوان من خمرة الصبا ثمل
عربد سكرا علي إذ خطرا ... كذاك في الناس كل من سكرا عربد
يا بأبي شادن فتنت به
يهواه قلبي على تقلبه
مذ زاد في التيه من تجنبه
أحرمني النوم عندما نفرا ... حتى لطيف الخيال حين سرى شرد
عيناه مثوى الفتور والسقم
قد زلزلا من سطاهما قدمي
سيفان قد جردا لسفك دمي
إن كان في الحب قتلتي نكرا ... فها دمي فوق خده ظهرا يشهد
لا تلحني بالملام يا عذلي
فإنني في هواه في شغل
وانظر لماذا المحب به بلي
لو عبد الناس قبله بشرا ... لكان من حسنه بغير مرا يعبد
حملت وجدا كردفه عظما
وصرت نضوا كخصره سقما
لو أن ما بي بالصخر لأنهدما
فالحب داء لو حمل الحجرا ... لذاب من هول ذاك وانفطرا وانهد
جوى أذاب الحشا فحرقني
ونيل دمع جرى فغرقني
لكنه بالدموع خلفني
فبت أجري في الدمع منحدرا ... ذاك لأني غدوت منكسرا مفرد
بديع حسن سبحان خالقه
أحمر خد يبدي لعاشقه
مسكا ذكي الشذا لناشقه
نمل عذار يحير الشعرا ... وفود شعر يستوقف الزمرا أسود
وقد عارض ابن دانيال بهذه الموشحة موشحة لأحمد بن حسن الموصلي الوشاح وهي:
بي رشا عندما رنا وسرا ... باللحظ للعاشقين إذ أسرا قيد
السحر من لفظه ومقلته
والرشد من فرقه وغرته
والغي من صدغه وطرته
بدر بصبح الجبين قد سترا ... بليل شعر وانظر له سترا أسود
إن قلت بدر فالبدر ينخسف
أو قلت شمس فالشمس تنكسف
أو قلت غصن فالغصن ينقصف
وسنان جفن سما عن النظرا ... وكل طرف إليه قد نظرا سهد
حاجبه مشرف على شغفي
عارضه شاهد على أسفي
ناظره عامل على تلفي
به غرامي قد شاع واشتهرا ... وسيفه في الحشا إذا اشهرا يغمد
زها بثغر كالدر والشنب
وأطلع الأقحوان كالحبب
رصع شبه اللجين في الذهب
حوى الثريا من نوره أثرا ... له أدمعي الذي نثرا نضد
عذاره النمل في القلوب سعى
والنحل من ثغره الأقاح رعى
ويوسف أيدي النسا قطعا
بالنور من وجهه سبا الشعرا ... وردني بالجفا وما شعرا مكمد
بما بأجفانه من الوطف
وما بأعطافه من الهيف
وما بأردافه من الترف
ذا الأسمر اللون ردني سمرا ... وفي فؤادي من قده سمرا أملد
خلد طول الحياة في خلدي
وكابدت لاعج الجوى كبدي
ضعيف خصر يوهي قوى جلدي
فخصره حالتي قد اعتبرا ... وعن سقامي فقد روى خبرا مسند

(2/296)


قلت: وسيأتي في ترجمة شمس الدين محمد بن علي الدهان عدة موشحات في هذا الوزن وهي جيدة.
محمد بن داود بن محمد بن منتاب
بضم الميم وسكون وبعدها تاء ثالثة الحروف وبعدها ألف وباء موحدة، التقي المأمون شمس الدين أبو عبد الله الموصلي السلامي الشافعي التاجر.
حضر غزاة عكا، وحفظ " التنبيه " و " الشاطبية " وسمع من أبي جعفر بن الموازيني، وببغداد من أبي القاسم وغيره.
وسافر للتجارة وغاب عن دمشق زمانا، ثم إنه عاد إليها وسكنها بعد العشرين وسبع مئة.
وكان مليح الشكل مهيبا جميل اللباس حسن البشر، دائم البذل والصدقة، خبيرا بالأمتعة، ذا خط من أوراد وتهجد ومروة، مجودا لكتاب الله. وكان التجار يخضعون له ويحتكمون إليه وثوقا بعلمه وورعه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة رابع عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة نيف وسبعين وست مئة.
وصلي عليه بعد الجمعة، وشيعه أمم من الناس.
محمد بن داود
المسند الجليل شرف الدين أبو الفضائل بن الخطيب عماد الدين بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن خطيب بيت الأبار.
روى عن السخاوي، وشيخ الشيوخ تاج الدين بن حويه، وإبراهيم الخشوعي، وعز الدين بن عساكر، وعتيق السلماني، والصفي عمر بن البراذعي، والرشيد بن مسلمة، وإسحق بن طرخان الشاغوري، والمرجا بن شقيرة، والحافظ ضياء الدين المقدسي، وابن الصلاح، وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى في عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن داود
مجير الدين بن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن عمر بن قزل المشد التركماني الأصل، سبط الملك الحافظ ابن السعيد بن الأمجد صاحب بعلبك، القاضي شمس الدين بن الحافظ.
كان فقيها حنفيا، شاعرا ذكيا يقع بقوة ذهنه على المعنى إذا كان خفيا، ويرى غوامض المواقيت وكيف لا وقد كان للشمس سميا، وله مشاركة في العربيه، ومداخلة في النكت الأدبيه. ونثره غير طائل، وخطه ليس بهائل.
يعرف الرياضي جيدا، أعني فيما يتعلق بالحساب، وآلات المواقيت من الربع والاصطرلاب، ويضع الآلات بيده ولكن وضعا عفشا، ويكتب رسومها رسما وحشا. وكان يضع من حيل بني موسى جمله، ويحمل نفسه من تجارب أعمالها ما لا يطيق حمله. قد أفنى عمره في ذلك وسلك طرائقها الموحشة وليله حالك. إلا أنه كان في حل المترجم آيه، وذهنه في حله بلا فاصلة غايه، وهو أول من كتب لي مترجما وحللته، وهززت له حسامه وسللته.
ولم يزل على حاله إلى أن ضاع من ابن الحافظ حساب عمره، وأذهل ذويه مبهم أمره.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس فيما أظن سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في تاسع عشر المحرم، ودفن هناك، وكان وصى بأن ينقل إلى دمشق.
وكان أولا بصفد ناظر الجيش، فأقام بها زمانا، ثم إنه نقل إلى نظر جيش طرابلس.
وكان قد سمع من ابن شيبان " ثلاثيات المسند " ، ومن ابن البخاري " كتاب الترمذي " ، وسمع بمصر والإسكندرية، وحدث.
ولما توجه الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب من صفد والأمير علم الدين الجاولي لحصار سلع، عمل رسالة في ذلك نظما ونثرا، وسمعتها من لفظة غير مرة، ومما جاء فيها نظما:
دعت قلعة السلع من مضى ... بلطف إلى حبها القاتل
وغرتهم حين أبدت لهم ... محيا كبدر دجى كامل
ولما استجابوا لها أعرضت ... دلالا وقالت إلى قابل
تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل
وقرأت عليه بصفد " رسالة الإصطرلاب " لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وأخبرني أنه قرأها على المصنف.
وحكى لي أن القاضي بدر الدين حكى له أن إنسانا من المغاربة جاء إليه وهو بمنزله دار الخطابة بالجامع الأموي، وكان إذ ذاك قاضي القضاة وخطيبا، وقال: يا سيدنا رأيت اليوم في الجامع إنسانا وفي كمه آلة الزندقة، فاستفهمت كلامه واستوضحته إلى أن ظهر لي أنه رآه وفي كمه إصطرلاب، قال: فقال لي: إذا جئت لتقرأ علي شيئا تحيل في إخفاء ذلك ما أمكن.

(2/297)


ووصف لي يوما حل المترجم وحببه وزينه، وقال لي: يعوزك أن تكون تحل المترجم، فقلت له: اكتب لي شيئا منه، فكتبه لي وأخذته من عنده، وبت بعض ليلتي أفكر فيه، وفتح الله علي بفكه من غير شيخ ولا موقف، فحللته وكتبت جواب ما كتبه لي، وكتبت فيه:
سلكت المترجم في ليلة ... ولولاك ما كنت ممن سلك
وما كان ليلي به ذا حيا ... لأنك شمس تضيء الحلك
وكتب إلي يوما، وقد بلغه عني كلام لم أقله، واستقالني من العتب فلم أقله:
أعيذك من ضمير غير صاف ... وأنت كما نراك أبو الصفاء
وغرس الدين لا يذوي ثراه ... فمحتاج لشمس الاستواء
فكيف يرى بعادا عن سناها ... ويعمل فكره طلب الخفاء
أحاشي ذهنك الوقاد يسطو ... عليه ظلمه الخل المراء
وأن تصغي إلى الواشي وأنت ال ... عليم بصدق ودي وانتمائي
فلا بالله لا تسمع حديثا ... ينمقه الحواسد بافتراء
فإني قد جعلتك في مماتي ... خليلا أصطفيه وفي بقائي
فكتبت أنا الجواب إليه:
أيا شمس العلوم لمجتليها ... ويا من فضله بادي السناء
ومن قد ظل منه الفضل فينا ... ولولاه نبذنا بالعراء
ألست إذ ادلهمت مشكلات ... جلاها بالتروي والذكاء
فما يخفى عليه مقال غش ... لأن الغش يظهر في الصفاء
أعيذك أن تصدق قول واش ... وأن تمشي على غير استواء
أتحسبني أفوه بغير شكر ... لفضلك لا وخلاق السماء
وبابك منذ كنت عرفت نفسي ... عقدت عليه ألوية الولاء
وما أهدى النسيم إليك طيبا ... وكان شذاه إلا من ثناء
وودي أنت تعلمه يقينا ... صحيح لا يكدر بالجفاء
فلا تسمع لما نقل الأعادي ... وما قد نمقوه من افتراء
فأصلك طيب حاشاه يجفو ... خليلا دأبه رفع الدعاء
وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لله در الخليج إن له ... تفضلا لا نطيق نشكره
حسبك منه بأن عادته ... يجبر من لا يزال يكسره
قلت: أخذه من قول الأول وفيه زيادة:
سد الخليج بكسره جبر الورى ... طرا فكل قد غدا مسرورا
الباء سلطان فكيف تواترت ... عنه البشائر إذ غدا مكسورا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وذي شنب مالت إلى فيه شمعة ... فردت لإشفاق القلوب عليه
فمالت إلى قدامه شغفا به ... فقبلت البطحاء بين يديه
وقالت بدا من فيه شهد فهزني ... تذكر أوطاني فملت إليه
فحالت يد الأيام بيني وبينه ... فعفرت أجفاني على قدميه
قلت: أخذ قول الأول، وزاد هو عليه:
أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل ذا الرشأ الأكحل
درت أن ريقته شهدة ... فحنت إلى إلفها الأول
محمد بن داود
الأمير ناصر الدين ابن الأمير نجم الدين بن الزيبق.
كان أولا أمير عشرة بعد وفاة والده، ثم أعطي نيابة الرحبة في أيام الأمير سيف الدين أيتمش، فأقام تقدير سنتين أو أقل، ثم عزل منها وأقام في دمشق وهو أمير طلبلخاناه، فولاه الأمير سيف الدين أغون الكاملي ولاية مدينة دمشق، فباشرها إلى أن أتى الأمير علاء الدين أمير المارداني إلى دمشق نائبا، فجعله والي الولاة بالصفقة القبلية، فسفك فيها الدماء، واستخرج الأموال، ولكن اطمأنت به البلاد من العشران والفتن.
ولم يزل بها أن مرض مدة، وتوفي رحمه الله تعالى، وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في أول شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ونقل إلى دمشق.
محمد بن رضوان
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن، زين الدين العذري، المعروف بابن الرعاد، براء وعين مهملة مشددة وبعدها ألف ودال مهملة.

(2/298)


أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: كان المذكور خياطا بالمحلة من الغربية وله مشاركة في العربية وأدب لا بأس به، وكان في غاية الصيانة والترفع عن الدنيا والتردد إليهم، واقتنى من صناعة الخياطة من الكتب كثيرا، وابتنى بها دارا حسنة، ورأيته بالمحلة مرارا.
وأنشدني لنفسه قال: أنشدني للشيخ بهاء الدين بن النحاس:
سلم على المولى البهاء وقل له: ... شوقي إليه وإنني مملوكه
أبدا يحركني إليه تشوق ... جسمي به مشطوره منهوكه
لكن نحلت لبعده فكأنني ... ألف وليس بممكن تحريكه
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا
وقد جاء لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضر إبراهيم لو صدق الرؤيا
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
نار قلبي لا تقري لهبا ... وامنعي أجفان عيني أن تناما
فإذا نحن اعتنقنا فارجعي ... نار إبراهيم بردا وسلاما
وأنشدني قال أنشدني لنفسه:
قالوا وقد عاينوا نحولي ... إلام في ذا الغرام تشقى
ضنيت أو كدت فيه تفنى ... وأنت لا تستفيق عشقا
فقلت: لا تعجبوا لهذا ... ما كان لله فهو يبقى
قلت: شعر عذب منسجم.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمحلة سنة سبع مئة.
وكان قد أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب.
ومن شعر ابن الرعاد أيضا:
أشكو إلى الله قصاصا يجرعني ... بالصد والهجر أنواعا من الغصص
إن تحسن القص يمناه فمقلته ... أيضا تقص علينا أحسن القصص
قال كمال الدين الأدفوي: أخبرني شيخنا أثير الدين قال: قال لي زين الدين المذكور: أرسل إلي شهاب الدين الخوبي حين كان قاضيا بالغربية أن أرسل إلي بالكتاب الذي استعرته مني، فقلت له: ما استعرت في دهري من أحد شيئا فأعاد الرسالة، فكتبت إليه هذه الأبيات:
غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا ... قناعتنا عنكم ومن قنع استغنى
ألا مالكم سدتم فساءت ظنونكم ... ومن عادة السادات أن يحسنوا الظنا
عسى سفرة شرقية حلبية ... تروح بكم منا وتغدو بكم عنا
وأرسلها إليه، فما فرغ من قراءته إلا بريدي وصل إليه أن يتوجه إلى حلب قاضيا.
ومن شعر ابن الرعاد أيضا قوله:
أعد نظرا فما في الخد نبت ... حماه الله من ريب المنون
ولكن رق ماء الوجه حتى ... أراك خيال أهداب الجفون
قلت: مأخوذ من قول الأول:
ولما استقلت أعين الناس حوله ... تراقبه حيث استقل وسارا
تمثلت الأهداب في صفو خده ... خيالا فخالوا الشعر فيه عذارا
ولعل هذا وما قبله منقول من قول ابن سناء الملك:
لم يهني إلا هواه ولا دل ... ل على السقام إلا دلاله
ما خلا خده الصقيل من الخا ... ل ولكن سواد عيني خاله
وزاده تصريحا نجم الدين بن صابر المنجنيقي حيث قال:
أهلا بوجه كالبدر حسنا ... صيرني حبه هلالا
قد رق حتى لحظت فيه ... سواد عيني فخلت خالا
وقال تاج الدين مظفر الذهبي:
لاح هلالا وانثنى مثقفا ... وصال لينا ورنا غزالا
لو لم تكن وجنته ماء لما ... خلت سواد العين فيه خالا
وكلهم أخذه من الشريف البياضي حيث قال:
بوجه شف ماء الحسن فيه ... فلو لثمت صحيفته لسالا
يؤثر فيه لحظ العين حتى ... رأيت سوادها في الخد خالا
محمد بن سالم
ابن نصر الله بن سالم بن واصل، القاضي الإمام العلامة جمال الدين بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة بحماة.
كان أحد الأئمة الأعلام، والقائمين بجمع العلوم الخافقة الذوائب والأعلام.

(2/299)


برع في العلوم الشرعية وطلع كالشمس في الفنون العقليه، وجمع شمل ما تفرق في العلوم الأدبيه. صنف وجمع وألف، ودخل في كل فن وما تخلى عنه ولا تخلف. وأفتى واشتغل ودرس، وقضى وحكم وفصل لما علم وتفرس. وبعد صيته واشتهر، وبرز على الأقران في الجدال ومهر. وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن جليسه، ويغيب عن وجوده في حضرة أنيسه:
وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهمت وعندكم عقلي
ولي القضاء مدة مديده، وفاز منها بالسيرة الحميده، وأضر أخيرا، وحاز بذلك أجرا كبيرا.
ولم يزل على حاله إلى أن قطع عمر ابن واصل، ولم يبق في حياته حاصل.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة ثاني عشري شوال سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده بحماة في ثاني شوال سنة أربع وست مئة.
ودفن بتربته بعقبة بيرين.
وقيل إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علما وأكثر، وحضر حلقته نجم الدين دبيران المنطقي، وأورد عليه إشكالا في المنطق.
وكان قد جهز عن صاحب مصر رسولا إلى الأنبرور، فتوجه، فأعظمه الأنبرور، وسأله عن مسائل تتعلق بعلم المناظر وغيرها، فأخذها وبات بها، وأصبح وقد أملى الجواب عليها في مجلد صغير، فعظم في عين الأنبرور وقال: يا قاضي ما سألناك عن حلال ولا حرام في دينك الذي أنت فيه قاض، وإنما سألناك عن أشياء لا يعرفها إلا الفلاسفة الأقدمون، فأجبت عنها، وليس معك كتب ولا ما تستعين به، مثلك يكون قسيسا، وحسد المسلمين عليه، وزاد في تعظيمه وإكرامه، وأحضر له الأرغل وهو الآلة عندهم في الطرب، ولا يضرب به إلا في أيام أعيادهم، فقيل: إنه ما اهتز له ولا تحرك، وعندهم إن أحدا ما يسمعه فيملك نفسه من الطرب، إلا أنه لما قام وجدوا كعابه مما حكها في البساط قد أدماها الحك، وبقي أثر الدم في البساط، فزاد تعجب الأنبرور منه أيضا وأعطاه شيئا كثيرا.
وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني غرائب من حفظه وذكائه، وحكى الحكيم السديد الدمياطي عنه أنه تعشى ليلة عند الشيخ علاء الدين بن النفيس، وصلينا العشاء الآخرة. قال: إلا أن القاضي جمال الدين كان يحتد في البحث ويحمار وجهه، والشيخ علاء الدين في غاية الرياضة، ثم إن القاضي آخرا قال: والله يا شيخ علاء الدين أما نحن فعندنا نكيتات ومواخذات وإيرادات وأجوبة، وأما أنت فهكذا خزائن علوم، هذا أمر بارع. أو كما قال.
وأخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: قدم المذكور علينا القاهرة مع الملك المظفر صاحب حماة، فسمعت منه، وأجاز لي جميع مروياته ومصنفاته، وذلك بالكبش من القاهرة في يوم الخميس التاسع والعشرين من المحرم سنة تسعين وست مئة. وهو من بقايا من رأيناه من أهل العلم الذين ختمت بهم المئة السابعة.
وأنشدني لنفسه مما كتب به لصاحب حماة الملك المنصور محمد بن مظفر:
يا سيدا ما زال نجم سعده ... في فلك العلياء يعلو الأنجما
إحسانك الغمر ربيع دائم ... فلا نرى في صفر محرما
ومن شعر قاضي القضاة جمال الدين بن واصل أيضا:
وأعيذ مصقول العذار صحبته ... وربع سروري بالتأهل عامر
وفارقته حينا فجاء بلحية ... تروع وقد دارت عليه الدوائر
فكررت طرفي في رسوم جماله ... وأنشدت بيتا قاله قبل شاعر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقال مجيبا والفؤاد كأنما ... يقلقه في القلب مني طائر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قلت: ومن مصنفاته " التاريخ " الذي له، وكان مفرج الكروب في دولة بني أيوب وله " مختصر الأربعين في أصول الدين " ، " وشرح الموجز في المنطق " لأفضل الدين الخونجي، و " شرح الجمل " له أيضا، و " شرح قصيدة ابن الحاجب " في العروض والقوافي، و " التاريخ الصالحي " ، و " مختصر الأدوية المفردة " لابن البيطار، واختصر " الأغاني الكبير " ، وملكت به نسخة عظمى. وكان خطه عليها بعدما أضر، وكتاب " نخبة الأملاك في هيئة الأفلاك " .
محمد بن سعد الله
ابن مروان بن عبد الله القاضي الرئيس عز الدين ابن القاضي سعد الدين أبي الفضل ابن الشيخ الفقيه العدل بدر الدين الفارقي.

(2/300)


كان جيد الكتابة يكتب المطالعة بديوان الإنشاء بدمشق، وهو مرشح لكتابة السر، مشارا إليه معظما.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة سابع عشري، شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة، وعمره اثنان وخمسون سنة.
وهو والد القاضيين محيي الدين محمد، وشهاب الدين أحمد، كاتبي الإنشاء بدمشق.
محمد بن سعيد بن أبي المنى
الإمام الفقيه بدر الدين الحلبي الحنبلي نزيل القاهرة.
سمع من التقي بن مؤمن، والعز بن الفراء، والأبرقوهي. ونسخ كثيرا، وحصل وأفاد. وكانت فيه صفات حميدة.
قال شيخنا الذهبي: انتقيت له جزءا حدث به.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وسبعين وست مئة.
محمد بن سعيد بن عبد الله
تقي الدين المدني الحجازي، قارئ الحديث بالمدينة النبوية.
كان أسود اللون، فاضلا في الأدب. ورد إلى دمشق، ثم توجه منها إلى القاهرة، ليعود إلى المدينة.
فتوفي رحمه الله بالقاهرة في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
وسمع بالشام ومصر وكتب عنه من شعره شيخنا البرزالي.
ومولده في أحد الربيعين سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد
الصدر الرئيس الفاضل شرف الدين ابن الصدر شمس الدين بن الأثير الكاتب، تقدم ذكر والده.
كان شابا حسنا عاقلا وقورا، كان قد أسره التتار في واقعة غازان فيمن أسروه، ومن الله عليه بالرجوع إلى وطنه، وكان وصوله إلى دمشق في تاسع عشر صفر سنة إحدى وسبع مئة، فأصيب بوالده، وترك له ميراثا جيدا، فلم يتمتع به.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة، وكان على طريق حميدة ودفن عند والده.
محمد بن سعيد بن ريان
الطائي، القاضي، تاج الدين ابن الرئيس عماد الدين.
أول ما عرفت من أمره أنه كان كاتب إنشاء بحلب، ثم إنه حضر إلى القاضي كريم الدين الكبير لما جاء لزيارة بيت المقدس في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وأخذ كتابه إلى الأمير سيف الدين تنكز بأن يكون مباشرا بدمشق، فتولى نظر بعلبك وأقام بها مدة، ثم إنه توجه إلى حلب صاحب الديوان، ثم إنه خرج منها في واقعة لؤلؤ وعاد إلى دمشق وأقام بها على نظر البيوت وصحابة ديوان الجامع الأموي.
ودام على ذلك مدة، ثم أصابه فالج فأقعده في بيته بقدر أربع سنين أو أكثر، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الاثنين ثاني عشري جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
وكان - رحمه الله تعالى - شكلا حسنا، فيه رئاسة وسؤدد، حسن الأخلاق كريما، يتجمل في ملبسه ومأكله، ويكتب خطا جيدا.
ورأيته يكتب الكتاب مقلوبا من الحسبلة إلى البسملة في أي معنى اقترح عليه.
وبرع في كتابة الحساب والإنشاء.
ومات - رحمه الله تعالى - وقد تجاوز الستين قليلا.
محمد بن سلمان بن حمائل بن علي
الصدر الرئيس الفاضل شمس الدين المقدسي، عرف بابن غانم. وقد تقدم ذكر أولاده شهاب الدين أحمد، وعلاء الدين علي، وبهاء الدين أبو بكر.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن ابن حمويه وابن الصلاح. وكان من أعيان الناس، معروفا بالكتابة والكفاية والمعرفة والتقدم وحسن المحاضرة، وحصل كتبا نفيسة.
ولي التدريس بالعصرونية. وسمع أيضا في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة من الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم بنابلس، وسمع بدمشق من القرطبي وابن مسلمة وجماعة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين
العلامة الزاهد جمال الدين أبو عبد الله البلخي الأصل، المقدسي، الحنفي المفسر، المعروف بابن النقيب، أحد الأئمة.
دخل القاهرة، ودرس بالعاشورية، ثم تركها وأقام بالجامع الأزهر مدة.
وكان صالحا زاهدا متواضعا عديم التكلف، أنكر على الشجاعي إنكارا تاما، بحيث إنه هابه وطلب رضاه. وكان الأكابر يترددون إليه ويلتمسون منه الدعاء.
صرف همته أكثر دهره إلى التفسير، وجمع تفسيرا حافلا، جمع فيه خمسين مصنفا. وذكر فيه أسباب النزول والقراءات والإعراب واللغات والحقائق في علم الباطن. قيل: إنه في ثمانين مجلدة. ولهذا التفسير نسخة في جامع الحاكم بالقاهرة.
قال شيخنا الذهبي: سمعت منه حديث علي بن حرب.

(2/301)


وتوفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة في شهر الله المحرم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى عشرة وست مئة.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوني في تاريخه " البدر السافر " في ترجمة ابن النقيب هذا: وله نظم، منه يمدح الشيخ قطب الدين القسطلاني وهو قوله:
سألت أخاك البحر عنك فقال لي ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب
لنا ديمتا ماء ومال، فديمتي ... تماسك أحيانا وديمته سكب
إذا نشأت تبريه فله الندى ... وإن نشأت بحرية فلي السحب
أقل عليه من سماح صفاته ... فإني أخشى أن يداخله العجب
قلت: كذا قال كمال الدين الأفودي، ونسب هذه الأبيات إلى ابن النقيب المفسر، وليس الأمر كذلك، وإنما هذه من قصيدة لابن اللبانة مدح بها المعتمد بن عباد وأولها:
بكت عند توديعي فما علم الركب ... أذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب
وتابعها سرب وإني لمخطئ ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب
وأظن ابن النقيب كتب بها إلى ابن القسطلاني مستشهدا بها على عادة الناس.
وأورد لابن النقيب أيضا:
نسيم الصبا هيجت من قلبي المضنى ... فنونا من الأشواق نفنى ولا تفنى
وعهدي بأنفاس الصبا تبرد الجوى ... وتهدي من الأرواح راحا لمن أنا
فما لي إذا هبت سحيرا يهزني ... غرام كما هزت جنوبية غصنا
وما لي إذا هبت صبا شام بارق ... من الحزن أنساني صميم الحشا حزنا
قلت: نعم هذا شعر ابن النقيب، وإلا فأين هذه الطبقة من تلك الطبقة الأولى، أين الثريا من الثرى.
محمد بن سليمان بن أبي العز بن وهيب
الإمام المفتي شمس الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين الحنفي مدرس النورية والعذراوية.
كان من كبار الحنفية مقصودا بالفتوى، أفتى نيفا وثلاثين سنة، وناب في القضاء عن والده، وكان منقبضا عن الناس.
توفي - رحمه الله تعالى - نهار الجمعة سادس عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وست مئة.
وكانت له إجازة بعد سنة خمسين وست مئة، ولم يحدث.
محمد بن سلمان
الإمام المفتي وجيه الدين الرومي القونوي الحنفي، إمام الربوة.
كان شيخا فاضلا متواضعا، ولي تدريس العزية التي بالميدان، وأعاد وأفتى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة.
محمد بن سليمان بن عمر بن سالم
الصدر الرئيس بدر الدين محمد بن قاضي القضاة جمال الدين الأذرعي المعروف بالزرعي.
كان رئيسا محتشما قد باشر عدة أنظار بالديار المصرية، وكان من أصحاب القاضي كريم الدين الكبير، وكان قد سمع من ابن البخاري وزينب بنت مكي وجماعة، وحدث بالقاهرة وبمنفلوط. وآخر ما تولى نظر الفيوم.
فتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن سليمان بن سومر البربري الزواوي
قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله المالكي.
قدم الإسكندرية حدثا، وتفقه بها، وبرع في المذهب، وفرط في السماع من ابن رواج والسبط.
ثم إنه سمع من أبي عبد الله المرسي، وأبي العباس القرطبي، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، والسيخ أبي محمد بن برطلة. وعالج الشروط، وناب في الحكم بالقاهرة، وحكم بالشرقية وغير مكان.
ثم إنه قدم على قضاء دمشق فحكم بها ثلاثين سنة، وكان حاكما ذا صرامه، قاضيا يبلغ بها الضعيف مرامه، ماضي الأحكام بتاتا، أراق دم جماعة تعرضوا لجناب النبي صلى الله عليه وسلم، عارفا بمذهبه، عالما بمقدمه ومنقلبه، لو رآه مالك رضي الله عنه لسره وأشهب لما ركب في إثره إلا المجره.
حصل له في آخر عمره فالج ورعشه، وبقي على نطقه من العجز وحشه، وكان لا ينطق إلا بمشقة، ولا يأتي بالكلمة إلا حسيت شفته منشقه، وعجز عن العلامه، واستناب من يكتب عنه من برئ عنده من الملامه.
وعزل قبل موته بقليل، وبقي إلى أن سلك تلك السبيل، ومضى إلى ربه ذي المن والفضل الجزيل.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبع مئة.
عزل قبل موته بنحو عشرين يوما بالقاضي فخر الدين بن سلامة المالكي.
ومولد القاضي جمال الدين الزواوي في حدود سنة ثلاثين وست مئة، ومات ولم يسرع إليه الشبهات.

(2/302)


وكان بمصر من أعيان العدول، وناب في الشرقية والغربية، وناب في القاهرة، وترجح لولاية القضاء بالقاهرة عقيب وفاة ابن شاش، وتولي ابن مخلوف، ثم إنه تولى قضاء دمشق ووصل إليها في عاشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وست مئة، واستمر بها قاضيا نحو ثلاثين سنة.
وظهر في أيامه ما لم يكن معروفا من مذهب مالك، وعمر المدرسة النورية والصمصامية، وحصلت له رعشة في وسط ولايته وكان يجد له مشقة، وثقل لسانه عن الكلام أخيرا.
وحدث " بصحيح " مسلم و " الموطأ " رواية يحيى بن يحيى، و " بالشفا " لعياض وغير ذلك.
محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف
الشيخ الصالح المقرئ الصنهاجي المراكشي الإسكندري، إمام مسجد قداح.
سمع عبد الوهاب بن رواج، ومظفر بن الفوي.
أخذ عنه الرحالون، وكتب في الإجازات.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة سبع عشرة وسبع مئة.
محمد بن سليمان بن حمزة
ابن أحمد بن عمر، ابن الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، قاضي القضاة عز الدين أبو عبد الله بن قاضي القضاة تقي الدين المقدسي الحنبلي.
وسمع الحديث من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، منهم الشيخ شمس الدين، وابن البخاري، وأبو بكر الهروي. وجدته خديجة بنت خلف، وحبيبة بنت الشيخ أبي عمرو، ومن جماعة غيرهم.
وخرج له شمس الدين بن سعد " مشيخة " عن أكثر من خمسين شيخا. وأجاز له ابن عبد الدائم وجماعة.
واشتغل وحصل، وقرأ الفقه على والده وغيره. وكان له محفوظ في الحديث. واستنابه والده في الحكم. وترك تدريس المدرسة الجوزية، وكتب في الفتوى. وكان فيه عقل وحسن تودد.
ولما مات والده باشر تدريس دار الحديث الأشرفية بالصالحية، وانقطع في بيته مدة ولاية قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم الحنبلي، ولما توفي ولوه مستقلا، ووصل توقيعه بذلك إلى دمشق في ثاني عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فباشره واختاره الناس لما تقدم لوالده من الحقوق، ولحسن خلقه وتودده، وقضاء حوائج الناس.
وحج ثلاث مرات، وحدث في كل حجة منها، وزار القدس مرات، وحضر بعض الغزوات، وتولى القضاء مستقلا أربع سنين ولم يكملها. وكان له ورد من التلاوة، ومن الصلاة في الليل.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الأربعاء تاسع صفر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وحضر جنازته خلق كثيرة، وكان يوما كثير المطر والوحل، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر.
ومولده في العشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وست مئة.
وولي المنصب بعده قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الله بن الحافظ.
محمد بن سليمان بن أحمد
تاج الدين بن الفخر.
سمع من أبي عبد الله محمد بن غالب الجياني بمكة، ومن تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة، ومن غيرهما.
وحدث بقوص وغيرها. واشتغل بالعلم. وكان متعبدا ممتنعا عن الغيبة وسماعها.
له في السماع حال حسنة، وكتب الخط الجيد، وكتب كثيرا من الحديث والفقه وغير ذلك.
قال كمال الدين جعفر الأدفوي: لما عدل بعض الجماعة بقوص في أيام ابن السديد قام في ذلك وقصد أن لا يقع، وتوجه إلى مصر وقال قصيدة سمعتها منه أولها:
شريعتنا قد انحلت عراها ... فحي على البكاء لما عراها
وأقام بمصر.
وتوفي فيها - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
قلت: أنشدت بالقاهرة وقد تعدل جماعة سقاط:
تعدل كل جمري بمصر ... وشاف إلى العدالة كل جمري
فقل للفاسقين ازنوا تزكوا ... ولا تتأخروا فالوقت بدري
محمد بن سليمان بن همام بن مرتضى
الصدر القاضي جلال الدين ابن العدل وجيه الدين، المعروف بابن البياعة، أحد كتاب الإنشاء بدمشق، وناظر ديوان الرباع. كان أبوه من عدول القاهرة.
روى عن جعفر الهمذاني وغيره، وسمع منه علاء الدين الوداعي وغيره.
كان يمني نفسه بالوزاره، ويزعم أن طيفها جاءه في النوم وزاره، ويعد أصحابه بوظائف، ويجعلهم في الذهن كبارا وهم ما بين حارس وطائف، وله في ذلك آثار، وعند رفاقه الموقعين أخبار.
ولم يزل على ذلك إلى أن مرض مرضة طول فيها، وانقطع عواده وعدم تلافيها، وانفلج أخيرا، ولم يجد له في ذلك أجرة ولا أجيرا، ثم إنه أصبح ثالث التراب والمدر، وانقبض عن الأحياء وانقبر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثلاثين وسبع مئة.

(2/303)


ومولده سنة خمسين وست مئة.
وكان شيخا طوالا، مسترسل الذقن خفيفها، وكانت له معرفة بابن الخليلي الوزير، وصحبه، فمن هنا كان يحدث نفسه الأمارة بالوزارة، وبلغت هذه الأماني شمس الدين غبريال وكان يضحك منه ويهزو به، وما ترتب على ذلك إلا مصلحة من خلاص جامكيته وماله على الديوان.
جاء الأمير علاء الدين ألطنبغا من مصر متوجها رسولا إلى مهنا عن السلطان قبل أن يلي نيابة حلب، فلما وصل إلى دمشق توجه إليه الصاحب شمس الدين وسلم عليه، وقال: يا مولانا الساعة يجيء إليك شيخ طوال صفته كذا وكذا، ونشتهي توهمه أنك سمعت هناك أنه يكون وزير الشام، وجاء الصاحب شمس الدين، وطلب جلال الدين وقال له: يا مولانا كنا عند هذا الأمير ورأيناه يسأل عنك كثيرا، وقال: لي معه كلام وأريد أجتمع به، رح إليه وعرفني أي شيء يقول لك، فتوجه إلى ألطنبغا، فحالما رآه عرفه بالصفة التي قررها عنده الصاحب شمس الدين، فقام إليه وأجلسه إلى جانبه وتلقاه، وقال: توقيع مولانا بوزارة دمشق قد كتب في مصر، وكان السلطان رسم بأن أحضره إليك ولكن تعوق ليكون التشريف قرينه، وفي هذه الأيام يصل إليك. ويا مولانا أنا والله قد بشرتك والحلاوة أنك لا تنسانا، فقال: بسم الله، وبينما هم في هذا الحديث دخل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، ولم يعلم القضية، فجلس فوقه إلى جانب الأمير، فتأذى جمال الدين وقال: هذا قلة أدب، فقال له الشيخ كمال الدين: إيش جرى؟ فذكروا له طرفا من ذلك وأن تقليده بالوزارة واصل في هذه الأيام. فقال له الشيخ كمال الدين: يا شيخ مسكين هؤلاء يضحكون عليك. فقام وخرج مغضبا.
وقال يوما للشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم: بلغني أنك لما كنت في مصر سعيت عند فخر الدين ناظر الجيش حتى أبطل كتابة تقليدي، فقال: والله يا مولانا ما دولة أكون أنا مشيرها وأنت وزيرها إلا دولة خرا.
وكان قد أنزل عليه الشيخ تاج الدين اليمني، وكان في زمن الأفرم بدمشق، وكان ينشئ له ما يحتاج إليه في الديوان.
محمد بن سليمان بن عبد الله بن سليمان
المحدث الفقيه الفاضل تقي الدين الجعبري، الشاهد.
سمع من الحجار وطبقته، وقرأ عليه كثيرا، وتخرج بوالد حميه شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، وقرأ على العامة، وهو رفيقي في أكثر مسموعاتي بالشام، وقد كنت أجزت له ولأولاده.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبع مئة.
محمد بن سليمان بن أحمد
القاضي شمس الدين القفصي، بالقاف المفتوحة والفاء الساكنة، وبعدها صاد مهملة، نائب الحكم العزيز المالكي بدمشق.
ناب لقاضي القضاة شرف الدين المالكي، ومن بعده لقاضي القضاة جمال الدين المسلاتي.
كان فهما بمذهب مالك رضي الله عنه، خبيرا بالأحكام، وفي لسانه عجمة المغاربة، يجعل الثاء سينا والجيم زايا. وكان يسكن المنيحة، ويدخل المدينة كل يوم ويخرج منها. وكان إذا رأى في مجلس حكمه ما لا يعجبه قال بفمه، وأشار بيده بالفحش، ويقول للمرأة التي يتأذى منها: واللك يا مومس.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثاني شوال يوم الأحد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وكانت له مشاركة في العربية والأصول، عفا الله عنه وسامحه.
وكان قد ولي نيابة الحكم في صفر سنة عشرين وسبع مئة.
محمد بن شرشيق
بكسر الشين المعجمة وبعدها راء ساكنة وسين ثانية معجمة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وقاف، ابن محمد بن عبد العزيز بن عبد القادر بن صالح بن دوست بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله الجون بن عبد الله المحسن بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الشيخ الإمام العارف الكامل شمس الدين أبو الكرم ابن الشيخ الإمام القدوة حسام الدين أبي الفضل ابن الشيخ الإمام القدوة جمال الدين أبي عبد الله ابن الشيخ الإمام علم الدين الزهاد شمس الدين أبي المعالي ابن الشيخ الإمام قطب العارفين أبي محمد الجيلي الحسني الحنبلي المعروف بالحيالي، بكسر الحاء المهملة والياء آخر الحروف وألف بعدها لام، والحيال: بلدة من أعمال سنجار.

(2/304)


حفظ القرآن العظيم في صباه، والفقه للإمام أحمد، وسمع الحديث وهو كثير من جماعة منهم الإمام فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد البخاري المقدسي بدمشق، وأبو العباس أحمد بن محمد النصيبي بحلب، والإمام عفيف الدين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن الزجاج بمكة، والإمام عفيف الدين أبو محمد عبد السلام بن محمد بن كزروع المصري البصري بالمدينة الشريفة. ورحل وحدث ببغداد ودمشق والحيال وغيرها من البلاد.
وروى عنه جماعة منهم أولاده المشايخ حسام الدين عبد العزيز، وبدر الدين حسن، وعز الدين الحسين، وظهير الدين أحمد، ومحدث العراق تقي الدين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود الدقوقي الحنبلي، والشيخ الإمام زين الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن شيخ العوينة الموصلي الشافعي، والإمام بدر الدين محمد بن الخطيب الإربلي الشافعي، وخلق.
كان مشهورا بالصلاح والعبادة والزهد والسماح، يكاثر الغمام إذا سح، ويتحقق البحر الزاخر معه أنه شح. وله هيبة في النفوس وعليه وقار وناموس، يعظمه الناس وهو لا يعبأ بأمرهم، ولا يلتفت إلى شواظ نارهم ولهيب جمرهم، وكان ملوك دار بكر يحبونه ويخدمونه ويحيونه ويقبلون إشاراته ويقبلون على رسائله وإماراته، ولهم فيه اعتقاد وانتفاء لما يؤثره منهم وانتقاد، ومع ذلك مليح الخلق، صبيح الخلق، زائد الحشمه، كثير الإحسان للناس والخدمه.
ولم يزل على حاله إلى أن حالت حياة الحيالي وأبلت جدته الأيام والليالي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده ليلة الجمعة منتصف شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وست مئة بالحيال.
وبيته بيت رياسة وحشمة وسؤدد ومروءة. والخير والإحسان معروف بهم، ولم تمس يد هذا الشيخ شمس الدين من نشأته إلى موته فضة ولا ذهبا، وجوده في تلك البلاد مشهور، وكان له كشف وأحوال وحلم وتجمل، وهو وأهل بيته معروفون بمناصحة الإسلام، ويكاتبون ملوك مصر ونواب أطراف بلاد الشام.
ولما كنت في الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة وما بعدها أهديت إليه قماشا إسكندريا وأهدى إلي أشياء من طرائف سنجار، ولم تزل رسله مدة مقامي بالرحبة تتردد إلى الرحبة وأخدمهم وأقوم بما يجب لأجله. رحمه الله تعالى.
محمد بن شريف بن يوسف
الفاضل الكاتب المجيد صاحب الخط الفائق، شرف الدين ابن الوحيد الزرعي.
سافر إلى الحجاز والعراق، واجتمع بياقوت المجود.
كان تام الشكل، متأنقا في اللبس والأكل، حسن الزه، لدن المهزه، موصوفا بالشجاعه، وبالعبارة السادة والبراعه، يتكلم بعدة ألسن، ويأتي فيها بما يروق ويحسن، وقد ضرب بحسن كتابة المثل، وسار ذكرها في السهل والجبل، لأنها أخملت زهرات الخمائل، وفاقت على من تقدمه الأوائل، فلو رآه ابن البواب لجود تحت مثاله، وعلم أن بدر هذا فاق على هلاله، أو ابن مقلة شخص إليه إنسانه، وعلم أنه ما تلحق إجادته ولا حسانه، أو الولي التبريزي لتحقق أنه قد برز وسبقه، وأنه ما يشم ريحانه ولا محققه.
وكان قد فضح الأوائل والأواخر بفصاح نشخه، وتفرد هو بكمال الخط وترك غيره يخبط في مسخه، فما أحقه بقول البستي:
إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمي هز عامله
وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
أما أنا فلا أرى أحدا مثله كتب في المحقق والريحان وفصاح النسخ، لأنه أتى في ذلك بالإبداع. وكان في حياته يبيع المصحف نسخا بلا تجليد ولا تذهيب بألف درهم. وكان ابن تمام قد كتب عليه وحكى طريقه، وكان يكتب المصاحف فيقول له: اكتب أنت المصحف وهاته إلي. فإذا أتى به يزن له أربع مئة درهم، ويأخذ الشيخ شرف الدين فيكتب في آخره: كتبه محمد بن الوحبد، ويبيعه هو بألف درهم.
وروى عنه البرزالي وقاضي القضاة جلال الدين القزويني.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن الوحيد في قبره وحيدا، وفقد الناس منه كاتبا فريدا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في البيمارستان المنصوري بالقاهرة في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده بدمشق سنة سبع وأربعين وست مئة.
وكان يتكلم بعدة ألسن، وكان يتهم في دينه. قيل: إنه وضع الخمر في دواته وكتب منها المصحف.

(2/305)


وأخوه علاء الدين مدرس البادرائية كان ممن يحط عليه ويذكره بكل سوء، وكان قد اتصل بخدمة الجاشنكير قبل السلطنة وأعجبه خطه. فكتب له ختمة في سبعة أجزاء في ورق بغدادي قطع النصف بليقة ذهب، قلم الأشعار، دخل فيها ألف وست مئة دينار ليقة، فدخل في الختمة ستة مئة دينار وأخذ هو الباقي، فقيل له في ذلك، فقال: متى يعود آخر مثل هذا يكتب علي مثل هذه الختمة، وزمكها صندل، ورأيتها أنا وهي وقف بجامع الحاكم بالقاهرة وما أظنها يكون لها ثان من حسنها، ولما فرغت أدخله الجاشنكير ديوان الإنشاء، فما أنجب في الديوان، فكانت الكتب التي تدفع إليه ليكتبها في أشغال الناس على القصص تبيت عنده وما تتنجز، وهذا تعجيز من الله تعالى لمثل هذا الكاتب العظيم. كما يحكى عن الحريري صاحب " المقامات " وأنه بعد عمل المقامات طلب إلى ديوان الإنشاء ببغداد فأعطاه صاحب الديوان كتابا فمكث فيه من بكرة النهار إلى الظهر وهو ينتف عثنونه، ولم يفتح الله عليه بشيء حتى قال فيه ابن حكينا:
شيخ لنا من ربيعة الغرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان وقد ... ألجمه في العراق بالخرس
هذا وقد كان يوما في بعض مجالس الأكابر، فجرى ذكر البستي وقوله في رجل بخيل شرير: إن لم يكن لنا طمع في درك فاعفنا من شرك شرك، فلم يبق أحد حتى استحسنها، وأقر بالعجز عن الإتيان بمثلها، فقال الحريري في الحال: وإن لم تدننا من مبارك فأبعدنا عن معارك معارك.
قلت: وما لابن الوحيد والحريري إلا قول أبي الطيب:
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان
ولهذا، إنه لما دخل ابن الوحيد ديوان الإنشاء بلغ القاضي شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان عنه كلام يفهم منه أنه ينقص به، فطلبه وقال: اقعد. أعطوه درجين قطع الثلاثين، وقال: أوصل أحدهما بالآخر وعجل، فوصلهما. فقال: اكتب وعجل إلى صاحب اليمن وهد قوائمه، وزعزع أركانه فيه، وتوعده وهدده، ثم لطف القول حتى لا ييأس، ثم عد ببعض تلك الغلطة الأولى وعرفه أن العساكر التي نجهزها إليه يكون أولها عنده وآخرها عندنا، وذكره باصطناعنا لوالده قبله، وأنه لو شئنا ما تركناه جالسا على سرير مملكته، ولكن نحن نرعى هذا البيت الأيوبي، ومن هذا وأشباهه. وعجل بكتابة هذا لأدخل وأقرأه على السلطان، فبهت شرف الدين وأسقط في يده وأرعدت فرائصه، ولم يدر ما يقول ولا ما يكتب، ثم إنه اعترف وقال: يا مولانا والله ما أنا قدر هذا، والعفو. فقال له: إذا كنت كذا فلا تكن بعدها تكثر فضولك. فاستغفر الله وخرج.
وكان الشيخ شرف الدين شيخ خطيب بعلبك وغيره ممن كتب عليه.
ونظمه فيه يبس قليل، إلا أنه كان جيد العربية، عارفا باللغة، وله رسائل كثيرة وقصيدة لامية سماها " سرد اللام في مادة لامية العجم " .
وكان الله قد رمى بينه وبين محيي الدين البغدادي حتى عمل له ذلك المنشور المشهور الذي أقطعه فيه قائم الهرمل وأبو عروق وما أشبه هذه الأماكن.
ولقد وقفت أنا بالديار المصرية على كتاب " خواص الحيوان " وفي بعضه ذكر الضبع، ومن خواص شعره أنه من تحمل بشيء منه حدث به البغاء، وقد كتب ابن البغدادي على الهامس: أخبرني الثقة شرف الدين بن الوحيد أنه جرب ذلك فصح معه، أو كما قال.
ومما ينسب إلى ابن الوحيد، ورأيته لغيره:
وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات في الحشا وثبات
تؤجج نارا في الحشا وهي جنة ... وتبدي مرير الطعم وهي نبات
ومن شعر ابن الوحيد:
الله باري قوس حاجبه التي ... مدت وإنسان العيون النابل
ولحاظه نبل لها من هدبه ... ريش وأفئدة الأنام مقاتل
ومنه:
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق ولا يزال مكانه
وكان السراج الوراق قد مرض في وقت، فجهز إليه شرف الدين بن الوحيد أبلوجة سكر ومعها رقعة بخطه المليح، فكتب إليه السراج ومن خطه نقلت:
أرسل لي ابن الوحيد لما ... مرضت بالأمس جام سكر
ومدحة لي بخطه لي ... فقلت ذا سكر مكرر

(2/306)


حلى وحلى فمي وجيدي ... عقد شراب وعقد جوهر
ووقف يوما شيخنا ناصر الدين شافع على شيء من نظم ابن الوحيد فقال:
أرانا يراع ابن الوحيد بدائعا ... تشوق بما قد أنهجته من الطرق
بها فات كل الناس سبقا فحبذا ... يمين له قد أحرزت قصب السبق
فقال ابن الوحيد:
يا شافعا شفع العليا بحكمته ... فساد من راح ذا علم وذا حسب
بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
فجاءني منه مدح صيغ من ذهب ... مرصعا بل أتى أبهى من الذهب
فكدت أنشد لولا نور باطنه ... أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
فلما بلغت هذه الأبيات ناصر الدين شافعا قال:
نعم نظرت ولكن لم أجد أحدا ... يا من غدا أوحدا في قلة الأدب
جازيت مدحي وتقريظي بمعيرة ... والعيب في الرأس دون العيب في الذنب
وزدت في الفخر حتى قلت منتسبا ... بخطك اليابس المرئي كالحطب
بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
كذبت والله لن أرضاه في عمري ... يا بن الوحيد وكم صنفت من كذب
جازيت نظمي وقد نضدته دررا ... يروق سمع الورى درا بمحتلب
وما فهمت مرادي في المديح ولو ... فهمته لم توجهه إلى الأدب
سأتبع القاف إذا جاوبت مفتخرا ... بالزاي يا غافلا عن سورة الغضب
خالفت وزني عجزا والروي معا ... وذاك أقبح ما يروى عن العرب
قلت: ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - معذور في العدول عن الوزن والقافية لأنه ما كان يجد في ذلك الوزن والقافية مثل قول أبي الطيب: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، فإن ناصر الدين كان ذلك الوقت قد أضر، وقد احترز ابن الوحيد بقوله: " لولا نور باطنه " احترازا، لكنه ما أفاده مع تسرع ناصر الدين شافع، ورحم الله كلا منهما.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري - رحمه الله تعالى - قال: كان شرف الدين بن الوحيد الكاتب يقول في قول القائل: " النبيذ بغير الدسم سم، وبغير النغم غم " : هاتان السجعتان ما وقع لهما ثالث، وهو قولي: " وبغير المليح قبيح " .
قلت أنا: ما كان ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - لمح فيهما من الجناس المرقص والمطرب، ولو أن الأمر راجع إلى السجع فقط أو إلى الوزن فقط عمل الناس مجلدات من هذا النوع، ولكن أنا تكلفت لهما ثالثا: " وبغير النهم هم " أعني أن الإكثار من الشراب سبب الانشراح والسرور، على العادة من كلام أولعوا بالشراب وبالغوا في الإكثار وحثوا على معاقرته.
محمد بن شكر
الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين الديري الشافعي الناسخ.
كتب ما لا يحصى كثرة، وكان مقرئا بالسبع، وكان يعرف علم الحرف ويتكلم عليه جيدا إلى الغاية، وله مشاركة في علوم كثيرة، وأظنه كتب في المصطبة في وقت. والله أعلم.
وكانت له عناية بتصانيفي، لا يسمع بشيء منها إلا ويكتبه لنفسه أولا وللناس ثانيا، وكتب من الكتب الستة الصحاح كثيرا، ومن كتب الفقه المطولة كثيرا.
ثم إنه آخر الحال أقام بدار الحديث الأشرفية يرتزق بالنسخ إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة وقد قارب التسعين عفا الله عنه.
محمد بن الشنبكي
بالشين المعجمة والنون الساكنة وبعدها باء موحدة وكاف، ناصر الدين.
كان من ظرفاء القاهرة، ساكنا خيرا، يلعب بالعود ويلوذ بالقاضي جمال الدين رئيس الأطباء، ورأيته بسوق الكتب مرات وكتب إلي يوما:
أيا صلاح الدين يا فاضلا ... لفظك ما أسمى وأسناه
كالدر منظوما وإن كان منثورا فما أغلى وأعلاه
إن دار بين الشرب في أكؤس ال ... أفواه ما أجلا وأحلاه
ما الزهر ما الزهر إذا استمتعوا ... منه برؤياه ورياه
فيطرب السمع لألفاظه ... ويرقص القلب لمغناه
فكتبت أنا الجواب إليه:

(2/307)


يا ناصر الدين الذي نظمه ... قد زان مغناه ومعناه
أتحفتني منه بشعر غدا ... كالزهر مرآه ورياه
فلفظه إن حال في منطق ... حلاه أو في السمع حلاه
يحكي محياك الكريم الذي ... حياه لي الله وحياه
كذا يكون الشعر يا مالكي ... ما كل من أنشاه وشاه
محمد بن شهري
الأمير شجاع الدين متولي بعلبك.
توفي يوم الأحد خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن بمقبرة اللوزة يوم الاثنين.
محمد بن صالح بن حسن
شمس الدين بن البنا القفطي الشافعي.
كان فقيها أديبا شاعرا، أخذ الفقه والأصول عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد وتلميذه بهاء الدين القفطي، وتولى الحكم بسمهود والبلينا وجرجا وطوخ.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يكرمه، وتوجه صحبته إلى دمشق، وسمع منه. قال ابن الوالي: قد سمع منه بقوص.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وتسعين وست مئة.
محمد بن صبيح بن عبد الله
بدر الدين، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي بدمشق المعروف بالتفليسي، لأن والده كان عتيق امرأة كانت ابنة كمال الدين التفليسي التاجر، وتارة كان ينتسب إلى الكرخي.
سمع على أبيك الجمالي سنة سبع وخمسين وهو حاضر في الخامسة، وسمع بعد ذلك على ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وأبي بكر بن النشبي، وأحمد بن نعمة المقدسي، وغيرهم.
وقرأ القرآن على الشيخ يحيى المنبجي. وكان حسن الصوت في القراءة والأذان والتسبيح موصوفا بذلك مشهورا في البلاد، سمع منه الطلبة وأم بنائب السلطنة مدة، وولي حسبة الصالحية والإشراف على الجامع الأموي. وكان يقرأ في المصحف على الكرسي عقيب صلاة الصبح ويخرج أمام الخطيب يوم الجمعة بالسواد.
توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وسبع مئة بخانقاه الطواويس.
ومولده تقريبا سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
محمد بن أبي طالب الأنصاري الصوفي
شمس الدين المعروف بشيخ حطين أولا، ثم أخيرا بشيخ الربوة.
رأيته بصفد مرات، واجتمعت به مدة مديدة.
كان من أذكياء العالم وأقوياء الفهم الذي من رزقه فقد سلم وسالم. له قدرة على الدخول في كل فن، وجرأة على التصدي لكل ما سنح في الأذهان وعن، رأيت له عدة من التصانيف في كل علم حتى في الأطعمه، وكل ما يعمل على النار المضرمه، وفي أصول الدين على غير طريق الأشاعره، ولا طريق الاعتزال ولا الحشوية المتظاهره، لأنه لم يكن له علم. وإنما كان ذكيا، وعقله بفهم الغرائب زكيا، فكنت يوما أراه أشعريا، ويوما أراه معتزليا، ويوما أراه حشويا، ويوما أراه يرى رأي ابن سبعين وقد نحا طريقه، وتكلم على العرفان والحقيقه. نعم كان يتكلم على الأوفاق ووضعها، وحفظها فيما يستعمله ورفعها، ويتكلم على أسرار الحروف كلاما مناسبا، ويدعي أنه لا يرى دونه في ذلك حاجبا، ويعرف الرمل ويتقنه ضربا، ويدريه جنسا ونوعا وضربا.
وكان ينظم نظما ليس بطائل، ويستعير فيه ما يريده من جميع القبائل، وكان قد لحقه الصم، وحصل به له ولمن يعرفه ألم، ثم أضر بأخرة من عينه الواحده، وبقي رحمه لمن يراه عدوا أو عنده له معانده.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى عين اليقين، وعلم أن معارات الدنيا لا يحمين من الموت ولا يقين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فيما أظن في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة بصفد.
ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة.
نقلته من خط شيخنا البرزالي.
كان ذكيا وعبارته حلوة، ما تمل محاضرته، وكان يدعي عمل الكيمياء، ودخل على الأفرم وأوهمه شيئا من ذلك، فولاه مشيخة الربوة، والظاهر أنه كان يعلم منها ما يخدع به العقول، ويتلعب بالألباب الأغمار، ولما جاء إلى صفد ورأيته بها كان شيخ قرية علمين الفقراء، وهي قرية عند قرية مغران بالقرب من الشريعة عند جسر يعقوب، وقف السلطان صلاح الدين يوسف تغمده الله تعالى برحمته.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: ومولده بزاوية جده الشيخ أبي طالب بقصر حجاج بدمشق.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: وأعرف جده أبا طالب، وكان صالحا يصلي الجمعة دائما تحت النسر، انتهى.

(2/308)


قلت أنا: وهو شيخ النجم الحطيني المعروف بنجيم الذي سمره السلطان الملك الناصر بالقاهرة وجهزه إلى دمشق مسمرا على جمل، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون مكانه، وكان هذا النجم يخدمه، وهو شيخ الخانقاه بحطين من بلاد صفد، وورد عليهم إنسان في تلك المدة أضافوه على العادة، وكان هذا النجم رأى مع الضيف ذهبا، فاتبعه لما سرى من الخانقاه، وقتله في الطريق وأخذ ذهبه، وبلغت القضية نائب صفد الأمير سيف الدين كراي، فأحضر الشيخ شمس الدين وضربه ألف مقرعة، على ما قيل، وعوقب زمانا، ثم أفرج عنه، ثم إن هذا النجيم كان بعد ذلك يؤذي الشيخ. حكى لنا الشيخ شمس الدين قال: كنت أخافه على نفسي، فأنام في الربوة وأغلق باب المكان وهو محدود، وأستوثق من الأقفال وغيرها، وأكون نائما آمنا، وما أشعر به إلا وقد أيقظني فأفتح فأرى السكين في يده مجردة، ويقول: يا أفخاذ الغنمة، ما تريد أن أفعل بك؟ قال: فأدخل بكل طريق من ضروب الخداع والتلطف أنه أي فائدة في قتلي، وفرضنا أني قتلت، فهل في هذا فائدة تحصل، ولا أزل أخدعه حتى يمضي ويتركني.
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت:
الله أكبر يا الله من قدر ... حارت عقول أولي الألباب في صدره
نجم به كسفت شمس وذا عجب ... أن يكسف الشمس جرم النجم مع صغره
ولم يزل الشيخ شمس الدين مروعا من هذا النجم إلى أن سمر. وكان ما يسميه بعد ذلك إلا الهالك، ويكني عن نفسه بالشخص. فيقول: جرى للشخص مع الهالك كيت وكيت، وما كانت حكاياته عنه تمل، لأنه يؤديها بعبارة فصحى وينمقها ويزمكها.
وجمع هذا الشيخ كتابا في علم الفراسة سماه " كتاب السياسة في علم الفراسة " كتبته بخطي من خطه، وتناولته منه بصفد، ولم أر في كتب الفراسة مثله، وقد نقله مني جماعة أفاضل بمصر والشام منهم الشيخ شمس الدين الأكفاني، لأنه جمع فيه كلام الشافعي رضي الله عنه وكلام ابن عربي وكلام صاحب المنصوري وكلام أفلاطون وكلام أرسطو، فجاء حسنا إلى الغاية.
ولحقه صم زائد قبل موته بعشرة أعوام، أضرت عينه الواحدة. وتوفي بمارستان الأمير سيف الدين تنكز بصفد رحمه الله تعالى.
كان من أفراد العالم وله في كل شيء يتحدث فيه مصنف.
وأنشدني من لفظه لنفسه، ومن خطه نقلت، في مليح كان يميل إليه، وتوكل بقرية فرادية من عمل صفد، ولاه الحاكم بصفد هذه الوكالة:
قل للمقيمين بفراديه ... من ذا الذي أفتى بإفراديه
ومن لحيني في الهوى عامدا ... أصدرني من قبل إفراديه
وما الذي أوجب هجري وأن ... تقصد الأتراك أكراديه
فقيل مت في حبهم أو فعش ... فما لمقتول الهوى من ديه
وهجرك الحكم العزيز اقتضى ... من غير ما ذنب ولا عاديه
وإنما سنة أهل الهوى ... تغاير الحضار والباديه
ونقلت من خطه له:
للنفس وجهان لا تنفك قابلة ... مما تقابل من عال ومستفل
كنحلة طرفاها في مقابلة ... فيها من اللسع ما فيها من العسل
ونقلت من خطه وأنشدنيه:
نظر الهلال إليه أول ليلة ... فرآه أحسن منظرا فتزيدا
ورآه أحسن وهو بدر فهو من ... غم يذوب ويضمحل كما بدا
ونقلت من خطه له:
يا من تعالى أن يجوز بذاته ... وصفاته التلويح والتصريح
أنت العلي عن الصفات بأسرها ... لكن تنزيلك اللطيف يبوح
والقول منا عند كل تعقل ... وتخيل وتوهم سبوح
ونقلت من خطه له، يعني نفسه:
تأدب حتى لم يجد من يناظره ... وحتى قلته كتبه ودفاتره
ودارس ما فيها فلم ير ذا حجى ... وذا أدب مما يراه يحاوره
وطاب به الحرمان من كل جانب ... وظل إليه الفقر تسعى بوادره
فلو رام بحرا زاخرا وهو ظامي ... يحاول منه شربة غاص زاخره
وكان يعرض شعرا كثيرا علي وأغير منه كثيرا.

(2/309)


وكان صبورا على القلة والفقر والوحدة، كثير الآلام والأوجاع. وكان به انفتاق في أنثييه يثور به كل قليل ويقاسي منه شدة، وكان قد كبر سنه وأنقى شيبه. والذين رأيتهم يقومون بعلم الفراسة ثلاثة: شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي الخطيب رحمه الله تعالى، وهذا الشيخ شمس الدين، والحكيم أسد اليهودي، وكان أصدقهم فراسة أسد اليهودي، ولكنه لما رأى هذا المصنف الذي ذكرته لشيخ الربوة معي بحلب سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة وطلبه مني لينسخه، فأبيت، ثم طلبه بدمشق، ثم طلبه بالقاهرة وما اتفق إعطاؤه.
محمد بن طرنطاي
الأمير ناصر الدين ابن الأمير الكبير حسام الدين، أمير مئة مقدم ألف بالديار المصرية.
وكان قد اتصل ببستان ابنة الأمير سيف الدين قبجق نائب الشام، أظنها كانت أولا زوجة الأمير سيف الدين كراي المنصوري نائب الشام.
كان جيدا خيرا، سليم الباطن، وعنده ثلاثة مماليك اسم أحدهم " حلب " والآخر " مصر " والآخر " دمشق " ، وهو ابن الأمير حسام الدين طرنطاي نائب الديار المصر لأستاذه الملك الناصر.
وحج الأمير ناصر الدين أربع مرات.
وكان قد أجاز له ولأخوته سنة سبع مئة الحافظ شرف الدين الدمياطي، والأبرقوهي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الخميس تاسع شهر رجب الفرد سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمدرسة والده داخل القاهرة.
محمد بن طغريل الصيرفي
المحدث، المخرج، مفيد الطلبة، ناصر الدين الدمشقي.
روى عن أبي بكر بن عبد الدائم، والمطعم. وقرأ الكثير. وسمعت بقراءته " صحيح " مسلم على البندينجي الصوفي وغير ذلك. وكان سريع القراءة فصيحها يأتي فيها إتيان السيل إذا تحدر، لا يكترث ولا يدأب فيها.
توفي - رحمه الله تعالى - غريبا في حماة سنة سبع وثلاثين وسبع مئة ولم يتكهل أو بلغ الأربعين.
قال شيخنا شمس الدين الذهبي: جيد التحصيل، مليح التصريح، كثير الشيوخ، حسن القراءة، ضعفوه من قبل العدالة، ثم ترددنا في ذلك وتوقفنا، فالله يصلحه، ولو قبل النصح لأفلح.
قلت: لم يطعنوا عليه إلا لأنه إذا قرأ قلب الورقتين والثلاث، والله أعلم.
محمد بن طغلق شاه
السلطان الأعظم العادل الفاضل أبو المجاهد، صاحب دهلي وسائر مملكة الهند والسند ومكران والمعبر، وكان يخطب له بمقدشوة وسرنديب وكثير من الجزر البحرية.
ورث الملك عن أبيه طغلق شاه، ملك هو إسكندر زمانه، وحاكم الأرض في عصره وأوانه، قد دوخ البلاد، ودخل في طاعته العباد، يحكم على بلاد الهند، وما دخل في مسمى السند، ليس في ملوك الأرض من يدانيه في اتساع ملكه، ولا من ينخرط در بلاده في سلكه، تكاثر الرمال عساكره، وتفاخر النجوم جواهره، وتغامر البحار الزاخرة ذخائره، وتحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره إذا تغلغل طرف المرء في طرف من ملكه غرقت فيه خواطره، كريم بخل الغمام، وجواد أضحت هباته هي الأطواق والناس الحمام، تغرق البحار في فضاء كرمه، وتستحي السيول أن تطأ مواطئ حرمه، قد وسع الناس طوله، وشملهم بالإحسان فعله وقوله، ما أمه عاف إلا وتلقاه الغنى، وسرى الفقر عنه والعنا، ونوله في مبادي جوده غايات المنى:
وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقين واليا
وأما تواضعه لله تعالى مع هذه العظمة فأمر عجيب، وفعل لا يصدر إلا ممن إذا دعاه الهدى يجيب.
وأما محبته لأهل العلم فشيء زاد على الصفة، وعجزت عن إدراك كنهها بنت كل شفة، يجعلهم ندماءه الخواص وجلساءه الذين هم في بحر كرمه غواص، يتقرب إليهم بالمكارم، ويحكمهم في أمواله كما يحكم في فريسته الليث الضبارم.
لم يزل على حاله إلى أن أوحش منه إيوانه، وما أغنى عنه ماله وهلك عنه سلطانه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة تقريبا.
مما يستدل به على عظمة هذا السلطان أنه ورد في وقت كتابه إلى سلطاننا الأعظم محمد في مقلمة ذهب وزنها ألفا دينار، وهي مرصعة بجوهر قوم بثلاث آلاف دينار.

(2/310)


وكنت يوما عند الأمير عز الدين أيدمر الخطيري وقد جاء إنسان في زي فقير، فقال: يا خوند أنا جئت في جملة من أرسله السلطان صاحب الهند محمد بن طغلق شاه، وسبب الرسالة أن السلطان فتح تسعة آلاف مدينة وقرية أو قال: تسعة عشر ألف، وأخذ من ذلك ذهبا عظيما يتجاوز الحد والوصف، وانتعل من مدينة دهلي كرسي ملكه إلى وسط هذه البلاد التي فتحها ليكون قريبا من الأطراف، وأنه أجري يوما عنده ذكر مكة والمدينة. فقال: أريد أن يتوجه من عندنا ركب يحج في كل سنة، فقيل له: إن ذلك في مملكة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فقال: نجهز إليه هدية، ونطلب منه الإذن في ذلك. وأنه جهز إليه مركبا قد ملئ من التفاصيل الهندية الفائقة خيار ما يوجد، وعشرة بزاة بيض وخدم وجواري، وأربعة عشر حقا قد ملئت من فصوص الماس، وكنت أنا في جملة المسفرين. وأننا لما وصلنا إلى اليمن أحضر صاحب اليمن المماليك الذين في خدمة الرسول، وقال لهم: أي شيء يعطيكم صاحب مصر، اقتلوا أستاذكم وأنا أجعلكم أمراء عندي، فلما قتلوه شنق الجميع وأخذ المركب بما فيه، وأريد أن تحضرني عند السلطان فأدخله الأمير عز الدين الحظيري إلى السلطان وحكى له الواقعة.
وكتب القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله في ذلك الوقت كتابا إلى صاحب اليمن جاء فيه عند ذكر ذلك: وبعد أن كان في عداد الملوك أصبح وهو من قطاع الطريق.
ومن الأدلة على سعة ملكه وكثرة الذهب عنده أنه أقل ما يوجد الدينار عنده مثقالين وثلاثة كثيرا، ويوجد الدينار خمسين مثقالا، وأنا رأيت في الرحبة دينارا زنته تسعون مثقالا.
قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: وكان طغلق شاه رجلا تركيا من مماليك ملوك الهند، ويقال إنه الذي عمل أبيه فقتله. قالوا: صورة قتله أنه تركه في خركاه وقد بدت به علة، ثم إنه هيج عليه الفيلة حتى أتى فيل منها على الخركاه وحطمها وألقاها عليه، وتمادوا في إخراجه حتى أخرجوه ميتا لا روح فيه.
قال: وكان محمد هذا عنينا لكي كوي على صلبه أيام الحداثة لعلة حصلت له، وهو متمذهب بمذهب أبي حنيفة، يحفظ في المذهب كتاب " الهداية " . وقد شدا طرفا جيدا من الحكمة، ويحضر مجلسه الفقهاء للمناظرة بين يديه، ويجيز الجوائز السنية، وملكه ملك متسع جدا، وعسكره كثير.
قال: ذكر الافتخار عبد الله دفتر خوان الواصل في الرسلية في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون أن عسكره مبلغ تسع مئة ألف فارس، قال: وفي ذلك نظر، إنما الشائر الذائع أنه يقارب الست مئة ألف يجري على كلهم ديوانه، منهم الفارس والراجل، والراجل أكثر لقلة الخيل عندهم، لأن بلادهم لا تنتج الخيل وتفسد ما يجلب إليها من الخيل. وذكر أن عنده ألفا وسبع مئة فيل وأن عنده عددا كثيرا من الأطباء والندماء والشعراء بالعربية وبالفارسية وبالهندية، وعددا كثيرا من المغاني رجال وجواري قال: ونعته في بلاده: " سلطان العالم، إسكندر الزمان الثاني، خليفة الله في أرضه " ، ولهذا يدعو له الخطباء على المنابر في ممالكه والدعاة.
وفي بلاده معادن كثيرة وتجاوره كوة قراجل، بالقاف والراء والألف والجيم واللام، وهو جبل يقارب البحر المحيط الشرقي، وهي بلادكفار، وفيها معادن الذهب، وله عليها أتاوة جزيلة إلى غير ذلك. ومما يوجد في بعض بلاده من نفائس الياقوت والماس عين الهر والمسمى بالماذنبي. قلت: هو البنفش الماذنبي، يعنون أنه يقول: ما ذنبي كوني لم أكن بسعر البلخش.
قال: وذكر لي الشيخ مبارك الأنباتي، وكان من كبار دولته ثم تزهد: أن ابن قاضي شيراز أتاه بكتب حكمية منها كتاب " الشفاء " لابن سينا بخط ياقوت في مجلدة، فأجازه عن ذلك جائزة عظيمة، ثم إنه أمر بإدخاله إلى خزائنه ليأخذ منها ما يريد، فأخذ منها دينارا واحدا وضعه في فمه فلما خرج ليقبل يده قيل له: ما فعل شيئا، وأنه لم يتعرض إلا لدينار واحد فسأله عن ذلك. فقال: أخذت حتى امتلأ بطني، وطلع هذا الدينار من فمي، فأعجبه ذلك وضحك منه وأمر له بلك من الذهب، واللك عبارة عما يقارب المئتي ألف مثقال وسبعين ألف مثقال بالمصري.
قال: ولحقه يبس مزاج من قبيل السوداء، انتهى.
قلت: ومما يؤكد كرمه المفرط ما ذكرته في ترجمة الشريف عضد المذكور في حرف العين مكانه.
محمد بن طولو بغا
المحدث ناصر الدين أنو نصر التركي.

(2/311)


شاب ساكن دين، كتب الأجزاء، ودار على الشيوخ وحصل. أجزت أنا له. وكان قد سمع من الحجار بعض " الصحيح " ، وسمع من ابن أبي التائب، وبنت صصرى، وخلق بنفسه. وكتب، وتخرج.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ......
ومولده سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
محمد بن طينال
الأمير ناصر الدين ابن الأمير الكبير سيف الدين نائب طرابلس وغزة وصفد.
كان الأمير ناصر الدين المذكور من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق. وكان ذا صورة بديعة ومحيا جعله البدر طلعته في الكمال طليعة، ووجنات يقطف الورد من جناتها الغضة، ويخال أنها خليطا عقيق أحمر وبلور أو مرجان وفضة، بحيث إنه ظهر للنساء في دمشق قماش يعرف بخدود ابن طينال، وبذل الناس في ذلك جملة من الأموال.
وكان في مرح الشبيبة يجري مرخى الرسن، ويملأ عينيه في غفلة الزمان عنه من الوسن، وورثه والده جملة من الأملاك والعين، ورخت الإمرة الذي هو من النعمة الطائلة أحد النصفين، فأذهب الجميع وتحمل ما يقاربه من الدين.
ولم يزل على حاله إلى أن خسف الموت بدره في الكمال، وأودع في بطن الأرض منه جملة من الجمال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الأربعاء تاسع عشري شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
محمد بن عالي بن نجم
الشيخ شمس الدين الدمياطي.
سمع من النجيب، والمعين الدمشقي.
وأجاز لي بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في...
ومولده سنة خمسين وست مئة.
محمد بن عبد الجبار
معين الدين الأرمنتي الفلكي المعروف بابن الدويك.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: كان ينظم، وأنشدني من نظمه، وكان يعمل التقاويم، وأخبرني في بعض السنين أن النيل يقصر فجاء نيلا جيدا، فعمل فيه بعض الشعراء أبياتا منها قوله:
أخرم تقويمك يابن الدويك ... من أين علم الغيب يوحى إليك
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد
الإمام المفتي البارع شمس الدين أبو عبد الله ابن الشيخ المفتي الزاهد فخر الدين البعلبكي الحنبلي.
سمع من خطيب مردا، وشيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري، والفقيه محمد الونيني، والزين بن عبد الدائم، والرضي بن البرهان، والنجم البادرائي، وجماعة، وتفقه على والده على الشيخ شمس الدين بن قدامة، وجمال الدين بن البغدادي، ونجم الدين بن حمدان.
وقرأ الأصول على مجد الدين الرووراوري، وبرهان الدين المراغي.
وقرأ الأدب على الشيخ جمال الدين بن مالك. وحفظ القرآن وصلى بالناس وهو ابن تسع، وحفظ " المقنع " و " منتهى السول " ، و " مقدمتي " أبي البقاء، وقرأ معظم " الشافية " لابن مالك.
وكان أحد الأذكياء المناظرين العارفين بالمذهب وأصوله، والنحو وشواهده، وله معرفة حسنة بالحديث والأسماء غير ذلك وعناية بالرواية. وأسمع أولاده الحديث.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين.
قال شيخنا الذهبي: سمع بقراءتي " معجم " الشيخ علي بن العطار، ولي منه إجازة.
وكان يبحث مع الشيخ تقي الدين بن تيمية.
محمد بن عبد الرحمن بن سامة
ابن كوكب بن عز بن حميد الطائي السوادي، الدمشقي الصالحي الحنبلي، الحافظ المتقن المحدث الصالح شمس الدين أبو عبد الله، نزيل القاهرة.
سمعوه من ابن عبد الدائم. وطلب بنفسه فسمع من ابن أبي عمر، وابن الدرجي، والكمال عبد الرحيم، وأصحاب حنبل والكندي. وارتحل فسمع بمصر من العز الحراني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وببغداد من الكمال الفويرة وعدة بواسط وحلب والثغر، وانتهى إلى أصبهان. قال شيخنا الذهبي: وما أظنه ظفر بها برواية.
وقرأ الكثير من الأمهات، وانتفع به الطلبة.
وكان فصيحا سريع القراءة حسن الخط، له مشاركة في أشياء، وفيه كيس وتواضع ودين وتلاوة، وله أوراد، وتزوج بأخرة.
وكان عمه شهاب الدين بن سامه محدثا عدلا شروطيا، نسخ الأجزاء وحمل عن ابن عبد الدائم وعدة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - رابع عشري ذي القعدة يوم الثلاثاء سنة ثمان وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة.
وكانت وفاته بالقاهرة، ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي.
محمد بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب

(2/312)


بهاء الدين الأسنائي.
كان فقيها فرضيا فاضلا، تفقه على الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، وقرأ عليه الأصول والفرائض والجبر والمقابلة، وكان يقول له: إن اشتغلت ما يقال لك إلا الإمام.
وكان حسن العبارة، ثاقب الذهن، ذكيا، فيه مروة، بسببها يقتحم الأهوال، ويسافر في حاجة صاحبه الليل والنهار.
قال كمال الدين جعفر: ثم ترك الاشتغال بالعلم وتوجه لتحصيل المال فما حصل عليه ولا وصل إليه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص ليلة الأضحى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن زيد
البقراط الدندري، بدالين مهملتين بينهما نون ساكنة وبعد الدال راء.
قرأ القرآن على أبي الربيع سليمان الضرير البوتيجي، وقرأ أبو الربيع على الكمال الضرير، وتصدر للإقراء، وقرأ عليه جماعة بدندرا، واستوطن مصر مدة واشتغل بالنحو مدة، واختصر " اللمحة " نظما، وقال في أول اختصاره:
وها أنا اخترت اختصار اللمحة ... أمنحه الطلاب فهو منحه
وفي الذي اختصرته الحشو سقط ... ليقرب الحفظ ويبعد الغلط
وفيه أيضا بما أريد ... فائدة يحتاجها المريد
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وهو الآن حي.
قلت:....
محمد بن عبد الرحمن بن محمد
ابن عمر بن عبد الرحيم، الصدر الرئيس الكاتب شهاب الدين، أبو عبد الله بن العجمي كاتب الدرج بحلب، وهو أخو الشيخ عز الدين عبد المؤمن، وأخو الخطيب شمس الدين أحمد.
وقد تقدم ذكرهما في مكانيهما، وكانوا قد سمعوا على الشيخ كمال الدين بن النصيبي " الشمائل " للترمذي في سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - تاسع عشر شوال سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربتهم.
محمد بن عبد الرحمن بن عمر
الشيخ الإمام العلامة، ذو الفنون، قاضي القضاة جلال الدين أبو عبد الله القزويني الشافعي الأشعري.
سمع من الشيخ عز الدين الفاروثي وطائفة. وأخذ المعقول عن شمس الدين الأيكي.
كان قاضي القضاة جلال الدين شريف الخلال، منيف الجلال، وارف الظلال، صارف الملال، طود حلم، وبحر علم، يتموج فضائل، ويتبرج براهين ودلائل، بذهن يتوقد، ويدور على قطب الصواب كالفرقد، قد ملأ الزمان جودا، وجعل أقلام الثناء عليه ركعا وسجودا.
ولم ير قاض أشبه منه بوزير، ولا إنسان كأنه وفي أثوابه أسد يزير، يجلس إلى جانب السلطان في دار عدله، ويغدو كالشمس بين أهلة وأهله، مهما أشار به هو الذي يكون، ومهما حركه فهو الذي لا يعتريه سكون. يرمل على يد السلطان لا يفعل ذلك غيره إذا حضر، ولا يتقدم عليه سواه من أشراف ربيعة أو مضر:
فالأمر مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد
جمع بين قضاء الشام والخطابة، وفاز في كل المنصبين بالإصابة، وطلب إلى قضاء الديار المصرية فسد ما فسد، وعوذته مكارمه " من شر حاسد إذا حسد " ، وأقام هناك مدة ينشر ألوية علومه، ويفيض على الناس سواكب غيومه. ثم إنه عاد إلى الشام عود الغمام إلى الروض إذا ذوى، والبدر التمام إلى الأفق الذي زل نجمه وهوى، فجدد معاهد الفضل والإفضال، وعمر غابه بالليث الخادر أبي الأشبال.
ولم يزل على حاله إلى أن زال ذلك الطود، وزل وتقشع ذلك المطر الجود.
وتوفي - رحمه الله تعالى - منتصف جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. وشيع جنازته خلق عظيم، ودفن في مقابر الصوفية.
ومولده بالموصل سنة ست وستين وست مئة.
وسكن الروم مع والده وأخيه، وولي بها قضاء ناحية وله من العمر نحو ثلاثين سنة، وتفقه وناظر واشتغل، وتخرج به الأصحاب، وناب في قضاء لأخيه قاضي القضاة سنة ست وتسعين، وناب في ما أظن لقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى في أول المحرم سنة خمس وسبع مئة. وولي خطابة الجامع الأموي مدة.

(2/313)


وطلبه السلطان إلى دمشق في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وشافهه بولاية قضاء الشام، ووصله بذهب كثير ولما طلبه دافع عنه تنكز، فقال: هذا عليه ديون كثيرة، وابنه نحس ما يجمل أن يكون أبوه قاضي القضاة. فقال السلطان: أنا أوفي دينه، وولده أنا أدعه يقيم في الديار المصرية. فجهزه في نصف جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة. صلى بالناس صلاة الخسوف لأن القمر خسف تلك الليلة. ثم إنه صلى الصبح يوم الخميس وسافر إلى القاهرة.
وعاد إلى دمشق في خامس شهر رجب يوم الخميس، وباشر المنصب على أتم ما يكون وصرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين وراك المدارس، واستناب الشيخ جمال الدين بن جملة والشيخ فخر الدين المصري.
ولما كان في يوم الجمعة نصف جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة وصل البريد إلى دمشق فطلبه إلى مصر وولاه السلطان قضاء الديار المصرية، وعظمه ورفع شأنه، ورأى من العز والوجاهة ما لا رآه غيره.
وكان يرمل على يد السلطان في دار العدل.
قال لي القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود، وقد كان كاتب السر بمصر، وقد خرج من يوم اثنين نهار دار عدل: اليوم أخرج قاضي القضاة جلال الدين من كمه ست عشرة قصة غير ما شفع فيه وأشار به وشكر منه، والجميع يقضيه السلطان وما يرده.
وحج مع السلطان، ورتب له ما يكفيه بزيادات، وأحسن في مصر إلى أهلها وإلى الشاميين، وكان في باب السلطان ذخرا وملجأ لمن يقصده من الشاميين يشفع له ويساعده على مقاصده، ويصله عند قدومه وعند سفره وما بين ذلك. وأحبه المصريون، وفتح لهم باب الاشتغال في الأصول. كنت يوما عنده وقد جاء إليه محضر فيه شهود، فوقف على أسماء الشهود اسما اسما، والتفت وقال: من هو فلان؟ فقال أحد الواقفين: أنا يا مولانا، فقال له: ما أنت الذي كان يعمل الدوادارية لقبجق؟ قال: نعم. قال: ما هذه الحالة؟ فشكا بطالة وقلة. فقال له: اصعد إلى فوق، وأجلسه. ولما انقضى ذلك الشغل وخف المجلس ولم يبق إلا من هو به خاص أخرج كيس النفقة ونفضه فنزل منه ما يقارب المئة. فقال: خذ هذه ارتفق بها في هذا الوقت وعد إذا فرغت، ولما كان في... رسم له السلطان بالعود إلى دمشق قاضي القضاة كما كان أولا، فحضر إليها وصحبه، وصحب أولاده من المجلدات النظيفة النفيسة ما يزيد على خمسة آلاف مجلد، وفرح الناس به. فأقام قليلا وتعلل، وأصابه فالج إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور، وتأسف الناس عليه لما كان فيه من الحلم والمكارم وعدم الشر وعدم المجازاة لمن أساء إليه بالإحسان.
وكان ينتسب إلى أبي دلف العجلي وكرمه بصدق هذه الدعوى.
وكان فصيحا بليغا في وقت البحث والجدل، منطقيا إلا إذا علا صهوة المنبر فإنه ليس ذلك، لغلبة الحياء.
وكان مليح الصورة، حلو العبارة، كبير الذقن رسلها، موطأ الأكناف، سمحا، جوادا حليما، جم الفضائل، حاد الذهن، يراعي قواعد البحث. وكان يحب الأدب ويحاضر به، وله فيه ذوق كثير يستحضر نكته، ويكتب خطا جيدا حسنا. وصنف في المعاني والبيان مصنفا وسماه " تلخيص المفتاح " وشرحه وسماه " الإيضاح " ، وقرأ عليه جماعة بمصر والشام، وكان يعظم الأرجاني الشاعر، يرى أنه من مفاخر العجم، واختار شعره وسماه " الشذر المرجاني من شعر الأرجاني " .
وعلى الجملة فكان من أفراد الزمان في مجموعه علما وعقلا وأخلاقا. وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين بالقاهرة.
وكتبت أنا إليه أهنيه في الديار المصرية لما قدم من الحج سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بقصيدة فائية وهي:
من خص ذاك البنان الغض بالترف ... وزان ذاك القوام اللدن بالهيف
وضم في شفتيها در مبسمها ... فراح من أحمر المرجان في صدف
وحلل الفرق فرعا من ذوائبها ... والبدر أحسن ما تلقاه في السدف
علقتها من بنات الترك قد غنيت ... بدمع عاشقها عن منة الشنف
يلقى المتيم من تثقيف قامتها ... ما لا يلاقيه كوفي من الثقفي
ومنها:
في حفظ سالفها للحسن ترجمة ... فاقت وما اتفقت للحافظ السلفي
يا للهوى عينها عين؛ وحاجبها ... نون وتم العنا من قدها الألفي

(2/314)


يا هذه إن للأشعار معجزة ... تبقى عن السلف الماضين للخلف
ضعي بنانك مخضوبا على جسدي ال ... بالي ليجتمع العناب بالحشف
يا عاذلي في هوى عيني محجبة ... خف شر ناظرها، فالسر فيه خفي
ودع فؤادي ودعه نصب ناظرها ... لا ترم نفسك بين السهم والهدف
إني لأعجب للعذال كيف رأوا ... شخص وقد رحت ذا روح تردد في
أليس يشغلهم طيب الثناء على ... قاضي القضاة جلال الدين عن شغفي
ويستفزهم أفراح مقدمه ... من حجه وهو مثل الشمس في الشرف
حج غدا حجة في الدهر ثابتة ... إن ينكسف نورها للشمس تنكسف
كم جاب في سيره والعيس قد سئمت ... جذب البرى والسرى في مهمه قذف
والركب من فضله أو من فضائله ... ما بين مغترف منه ومعترف
حتى نضا الإحرام ملبسه ... عن الهدى والندى والعلم والصلف
وراح ذا جسد قد طاب عنصره ... عار من العار بالإحسان ملتحف
ما مس طيبا وإن كان الحجيج بما ... أثنوا عليه غدوا في روضة أنف
وأم أم القرى ذات القرار ومن ... يطلب رضى الله في تلك الديار كفي
وطاف بالبيت فارتاح المقام له ... لما تمسك بالأستار والسجف
فكل ركن إذا حاذاه منكبه ... يود لو كان عنه غير منعطف
وراح في عرفات واقفا وله ... عرف يسير به عرق ولم يقف
وفي منى كم أنال الطالبين منى ... أمسوا بها عن سطا الأعداء في كنف
وجاء طيبة يقضي حق ساكنها ... ومثل ذمته ترعى له وتفي
وزار من لم يزل في نصر ملته ... وشرعه بالقضا يا خير معتكف
هذا الإمام الذي ترضى حكومته ... خلاف ما قاله النحوي في الصحف
حبر متى جال في بحث وجاد فلا ... تسأل عن البحر والهطالة الوكف
له على كل قول بات ينصره ... وجه يصان عن التكليف بالكلف
قد دب عن ملة الإسلام ذب فتى ... يحمي الحمى بالعوالي السمر والزعف
ومذهب السنة الغراء قام به ... وثقف الحق من حيف ومن جنف
يأتي بكل دليل قد جلا جبلا ... فليس ينسفه ما مغلط النسفي
وقد شفى العي لما بات منتصرا ... للشافعي بزعم المذهب الحنفي
تحمي دروس ابن إدريس مباحثه ... فحبذا خلف منه عن السلف
فما رأى ابن سريج إذ يناظره ... من خيل ميدانه فليمض أو يقف
ولو أتى مزني الوقت أغرقه ... ولم يعد قطرة في سحبه الذرف
وقد أقام شعار الأشعري فما ... يشك يوما ولا يشكو من الدنف
وليس للسيف حد يستقيم له ... ولو تصدى له ألقاه في التلف
والكاتبي غدا في عينه سقم ... إذ راح ينظر من طرف إليه خفي
من معشر فخرهم أبقاه شاعرهم ... في قوله: " إنما الدنيا أبو دلف "
هو الحفي بما يوليه من كرم ... فما جرى قلم في مدحه فحفي
لو شاء في رفعة من مجده وغلا ... لمد نحو الثريا كف مقتطف
قد زان أيامه عدل ومعرفة ... فسعده في دوام غير منصرف
يغدو الضعيف على الباغين منتصرا ... ولم يكن قبله منهم بمنتصف
لو يشتكي النهر مثل الغصن عنه مع الصبا إليه رمى عطفيه بالقصف
بل لو شكى الدهر خصم من بنيه غدا ... من خوفه بين مرتج ومرتجف
دامت مآثره اللاتي أنظمها ... تهدي لسمع المعالي أحسن التحف
ما رسخت عذبات البان سافحة ... من الصبا وشفت صبا من الأسف
فكتب هو إلي قرين ما بعث به:

(2/315)


يا مولانا هذه الأبيات التي تفضلت بإرسالها، وأنبطت معين زلالها، ما أقول فيها إلا أنها ذهب مسبوك، أو وشي محبوك، أو ستر ظلام عن الذراري مهتوك، أو دمع مسفوح من صب دمه في الحب مسفوك، قد رق وراق وراع، وأمال الأعطاف وشنف الأسماع، وتألق في دياجي سطوره برق معناه اللماع. كم قد تلعبت فيه بضروب الفنون، وخضت من أنواع العلوم في شجون، أخملت أرج الخمائل من الأرجاني، وأهنت ما عز من أبكار ابن هاني:
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع ... قولا يقال ولا بديعا يدعى
فكذا فليكن كلام الأفاضل، وكذا فليكن من يناصر أو يناضل. لقد تفضل مولانا بأوصاف هو أحق بها ممن وصفه، وأولى بأن يجعل إليه مرجعه ومصرفه، ومن تمام الإحسان العميم والبر الجسيم، قبول ما جهزه المملوك صحبة محكم القاضي ضياء الدين فإنه نزر، وما يقابل من هذا مده بهذا الجزر، والله تعالى يمتع الزمان وأهله بهذه الكلمات، ويمد بعونه في الحركات والسكنات، إن شاء الله تعالى.
محمد بن عبد الرحمن
الصدر الرئيس الكبير، القاضي شرف الدين ابن القاضي الكبير ابن العدل أمين الدين سالم ابن الحافظ بهاء الدين أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التغلبي الدمشقي.
سمع كثيرا من الحديث. وسمع رضيعا بقراءة شيخنا البرزالي على والديه وجدته وخاله، ثم سمع على الشيخ فخر الدين بن البخاري " مشيخة " بكمالها. وكان صدرا يملأ العين والصدر، ويجعل لمحاسنه البدر، يستحيي الغمام من جوده، ويهب كل ما هو في موجوده، ساد على الدماشقة، بكثرة المكارم، وعلم الناس السماح حتى الغمائم:
ولهذا أثنت عليه الليالي ... ومشت دون سعيه الأيام
ولم يزل في المعالي يترقى ويحاذر الملام ويتوقى إلى أن فاضت نفسه وهو محرم يلبي، وختم الله له بخير فهو يخبأ له عمله ويربي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سابع ذي الحجة سنة سبع عشرة وسبع مئة، وعمره خمسة وثلاثون سنة، ودفن ضحوة يوم التروية بمقبرة الحجون على باب مكة.
وكان له همة وعزمة ومعرفة وكفاية. باشر بدمشق نظر الأشراف، ونظر الجامع الأموي، ولبس خلعة بصحابة الديوان في سادس عشر المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولبس الصاحب غبريال أيضا لنظر الدواوين، وكان هو قد وصل من حماة إلى دمشق في شهر رمضان سنة ثمان وسبع مئة، وكان لها ناظرا لما أقطعت حماة للأمير سيف الدين قبجق، وولي عوضه بهاء الدين عبد الصمد بن المغيزل وباشر نظر الجامع الأموي في ذي القعدة من السنة المذكورة.
ومن مكارمه ما حكاه لي عنه القاضي الرئيس ضياء الدين أبو بكر بن خطيب بيت الآبار بالقاهرة، قال: كنا عنده ليلة وقد أحضر حلوى ليجهزها لبعض أصحابه الذين يقدمون من الحجاز، قال: فأكلناها بمجموعها، ثم إنه أحضر عوضها مرة أخرى، فأكلناها بمجموعها، ثم إنه أحضر الثالثة، وأنا في شك هل قال: فأكلناها، وأحضر الرابعة أو لا، وأهل دمشق يحكون عن كرمه غرائب - رحمه الله تعالى - .
وكان قد تولى صحابة الديوان بدمشق في سادس عشر المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وخلع عليه وعلى الصاحب شمس الدين غبريال.
محمد بن عبد الرحيم بن الطيب القيسي
الأندلسي الضرير العلامة الضرير المقرئ أبو القاسم.
تلا بالسبع على جماعة، وسكن سبتة، أراده الأمير العزفي أن يقرأ في شهر رمضان " السيرة " فبقي يدرس في كل يوم ميعادا ويورده، فحفظها في شهر رمضان. وكان طيب الصوت صاحب فنون، يروي عن أبي عبد الله الأزدي، وأخذ عنه أئمة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رمضان سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاثين وست مئة أو نحوها.
محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي
الشيخ الإمام العلامة المحقق صفي الدين أبو عبد الله الشافعي الأشعري المعروف بالهندي.

(2/316)


كان قيما لفن الكلام، عارفا بغوامضه التي خفيت عن السيف والإمام، لو رآه ابن فورك لانفرك، أو الباقلاني لقلا معرفته، ووقع معه في الدرك، أو أمام الحرمين لتأخر عن مقامه، أو الغزالي لما نسج " المستصفى " إلا على منواله ولا رصفه إلا على نظامه، أو ابن الحاجب لحمل العصا أمامه، وجعله دون الناس إمامه. مع سلامة باطن تنعته يوم حشره، وديانة طواها الحافظان له إلى يوم نشره، ومودة لا تنسى عهودها، ولا تجفو على كبره مهودها، وانعطاف على الفقراء وحنو، وبراءة من الكبرياء والعتو. أقرأ الكبار وأفادهم، وأفاض عليهم فضلة فضله وزادهم.
ولم يزل على حاله إلى أن تكدر للصفي مورد حياته، وناداه الموت بإغفال شياته، فبات الدين وقد ثلم هنديه، وثل عرش الأصول بل هد نديه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الثلاثاء تاسع عشري صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة بمنزله بالمدرسة الظاهرية بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية.
ومولده في ليلة الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وست مئة بالهند.
وكان له جد لأمه فاضل من أهل العلم هو شيخه، قرأ عليه ومات سنة ستين وست مئة، وخرج من دهلي البلد المشهور بالهند في شهر رجب سنة سبع وستين وست مئة، ودخل اليمن، وأقام بمكة نحوا من ثلاثة أشهر، واجتمع بابن سبعين.
ولما كان باليمن أكرمه المظفر وأعطاه أربع مئة دينار. ثم إنه ركب البحر، ودخل الديار المصرية في سنة سبعين، وخرج منها، ودخل البلاد الرومية وأقام بها إحدى عشرة سنة، منها خمسة بقونية، وخمسة بسيواس، وسنة بقيصرية. ودرس بقونية وسيواس، واجتمع بالقاضي سراج الدين الأرموي وأكرمه وأخذ عنه المعقول.
وخرج من الروم سنة خمس وثمانين وست مئة، وقدم دمشق وأقام بها واستوطنها وعقد حلقة الإشغال بالجامع الأموي وقرأ عليه الأعيان وفضلاء الناس، ودرس في دمشق بالروحانية والدولعية والأتابكية والظاهرية. وكان مقصودا بالاستفتاء، ويكتب كثيرا في الفتاوى. وكان فيه خير وديانة وبر للفقراء يفطر في شهر رمضان عشرة من الفقراء الضعفاء.
وصنف في أصول الدين كتاب " الفائق " ، وكان يقوم في الليل فيتوضأ ويلبس أفخر ثيابه، وعلى ما قيل حتى الخف والمهماز، ويصلي ورده في جوف الليل، وكان يحفظ ربع القرآن لا غير. قيل عنه إنه قرأ يوما في الدرس: " المص " ، مصدر يمص مصا، ولم ينطق بها حروفا مقطعة كما هو لفظ التلاوة.
وممن تخرج عليه الشيخ صدر الدين بن الوكيل وغيره، وأظن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أيضا، وكان في بعض مدارسه ناظر لا ينصفه، فقال: هذه المدرسة يعمل فيها بآيتين من كتاب الله تعالى، المدرس: " ليس لك من الأمر شيء " ، والناظر: " لا يسأل عما يفعل " .
ولما عقد بعض المجالس للعلامة تقي الدين بن تيمية عين صفي الدين الهندي لمناظرته، فلما وقع الكلام قال لابن تيمية: أنت مثل العصفور تنط من هنا إلى هناك. وقيل: إن الشيخ تقي الدين ذكر ما هو المشهور في سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم، وهو أن واصل بن عطاء لما اعتزل حلقة الحسن البصري سمي بذلك معتزلا، فيقال إن الشيخ صفي الدين قال: لا نسلم. فقال الحاضرون: ما يقال في نقل التاريخ لا نسلم، وكان ذلك سبب نصرة ابن تيمية. ومنها أن قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى قال لابن تيمية: هذا الكلام الذي يثلج الصدر. فقال له الشيخ كمال الدين بن الزملكاني: والله تسخر وجه الشافعية بتلك الحاجة لما كنت أنت حاكمهم، فقال لابن صصرى: لي يقال هذا الكلام؟ اشهدوا علي أني عزلت نفسي من القضاء، فانفصل المجلس على غضب ابن صصرى.
قلت: وما أنصف تقي الدين الهندي في قوله، لعله كان عنده سبب آخر لتسمية المعتزلة غير ذلك، إذ هو ممكن.
وما رأيت أضعف ولا أوحش من خطه ومن خط الشيخ شمس الدين بن الأكفاني، وقد تقدم ذكره. وقيل إنه أجري بين يديه ذكر خطه، فقال له بعض الطلبة: والله يا سيدي ما رأينا أوحش من خطك. فقال: والله البارحة رأيت كراسا أوحش من خطي. فقالوا له: هذا يمكن. فقام وأتى بالكراسة فإذا بها أوحش من خطه، واعترفوا بذلك، ثم إن ذلك الطالب تتبع الكلام إلى آخره فوجد آخره: وكتب محمد بن عبد الرحيم الأرموي. فقالوا: هذه بخطك، فأعجبه ذلك، وضحك.

(2/317)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية