صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ ابن خلدون
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

خلافة الموحدين نهض الامير أبو زكريا إلى المغرب الاوسط ودخلت في طاعته قبائل صنهاجة وفرت زناتة أمامه وردد إليهم الغزو فأصاب منهم وتقبض في بعض غزواته
على عبد القوى بن العباس أمير بنى توجين فاعتقله بالحضرة ثم من عليه وأطلقه على أن يستألف له قومه فصاروا شيعة له ولقومه آخر الدهر ونهض الامير أبو زكريا بعدها إلى تلمسان فكان عبد القوى وقومه في جملته حتى إذا ملك تلمسان ورجع إلى الحضرة عقد لعبد القوى هذا على قومه ووطنه وأذن له في اتخاذ الآلة فكانت أول مراسم الملك لبنى توجين هؤلاء وكانت حالهم مع بنى عبد الواد تختلف في السلم والحروب ولما هلك السعيد على يد يغمراسن وقومه كما ذكرناه استنفر يغمراسن سائر أحياء زناتة لغزو المغرب ومسابقة بنى مرين إليه فنفر معه عبد القوى في قومه سنة سبع وأربعين وانتهوا إلى تازى واعترضهم أبو يحيى بن عبد الحق أمير بنى مرين في قومه فنكصوا واتبعهم إلى انكاد فكان اللقاء وانكشفت جموع بنى يادين وكانت الهزيمة التى ذكرناها في أخبار بنى عبد الواد وهلك عبد القوى مرجعه منها في سنته بالموضع المعروف باحمون من مواطنهم وتصدى للقيام بعده بامرهم ابنه يوسف فمكث في تلك الامارة اسبوعا ثم قتله على جدث أبيه أخوه محمد بن عبد القوى ولى عهد أبيه سابع مواراته وفر ابنه صالح بن يوسف إلى بلاد صنهاجة بجبال لمدية فأقام بها هو وبنوه واستقل محمد برياسة بنى توجين واستغلظ ملكه وكان الفحل الذى لا يقرع أنفه ونازعه يغمراسن أمره ونهض إلى حربه سنة تسع وأربعين وعمد إلى حصن تافركينت فنازله وبه يومئذ حافده على بن زيان بن محمد في عصابة من قومه فحاصره أياما وامتنعت عليه فارتحل عنها ثم تواضعوا أوزار الحرب ودعاه يغمراسن إلى مثل ما دعا إليه أباه من غزو بنى مرين في بلادهم فأجاب ونهضوا سنة سبع وخمسين ومعهم مغراوة فانتهوا إلى كلدمان ما بين تازى وأرض الريف ولقيهم يعقوب بن عبد الحق في جموعه فانكشفوا ورجعوا منهزمين إلى بلادهم كما ذكرناه وكانت بينه وبين يغمراسن بعد ذلك فتن وحروب فنازله فيها بجبل وانشريس مرات وجاس خلال وطنه ولم يقع بعدها بينهما مراجعة لاستبداد يغمراسن بالملك وسموه إلى التغلب على زناتة أجمع وبلادهم وكانوا
جميعا منحاشين إلى الدولة الحفصية وكان محمد بن عبد القوى كثير الطاعة للسلطان المستنصر (ولما نزل) النصارى الافرنجة بساحل تونس سنة ثمان وستين وطمعوا في ملك الحضرة بعث المستنصر إلى ملوك زناتة بالصريخ فصرفوا وجوههم إليه وخف من بينهم محمد بن عبد القوى في قومه ومن احتشد من أهل وطنه ونزل على السلطان بتونس وأبلى في جهاد العدو أحسن البلاء وكانت له في أيامه معهم مقامات مذكورة ومواقف

(7/156)


مشهورة وعند الله محتسبة معدودة ولما ارتحل العدو عن الحضرة وأخذ محمد بن عبد القوى في الانصراف إلى وطنه أسنى السلطان جائزته وعم بالاحسان وجوه قومه وعساكره وأقطعه بلاد مغراوة وأوماش من وطن الزاب وأحسن متقلبه ولم يزل بعد ذلك معتقلا بطاعته مستظهرا على عدوه بالانحياش إليه ولما استغلظ بنو مرين على يغمراسن بعد استيلائهم على أمصار المغرب واستبدادهم بملكه وصل محمد يده بهم في الاستظهار على يغمراسن وأوفد ابنه زيان بن محمد عليهم ولما نهض يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان سنة سبعين وأوقع بيغمراسن في الوقيعة التى هلك فيها ابنه فارس نهض محمد بن عبد القوى للقائه ومر في طريقه بالبطحاء وهى يومئذ ثغر لاعمال يغمراسن فهدمها ولقى يعقوب بن عبد الحق في ساحة تلمسان مباهيا بآلته فأكرم يعقوب وفادته وبر مقدمه ونازلوها أياما فامتنعت عليهم وأجمعوا على الافراج وتأنى لهم يعقوب بن عبد الحق متلوما عليها إلى أن يلحق محمد وقومه بلادهم حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ففعل وملا حقائبهم باتحافه وجنب لهم مائة من الجياد العتاق بالمراكب الثقيلة وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالصلات والخلع الفاخرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والاخبية والعملان وارتحلوا ولحق محمد بن عبد القوى بمكانه من جبل وانشريس واتصلت حروبه مع يغمراسن وكثر اجلابه على وطنه وعيثه في بلاده وهو مع ذلك مقيم على موالاة يعقوب واتحافه بالعتاق من الخيل والمستجاد من الطرف
حتى ان يعقوب إذا اشترط على يغمراسن في مهادنته جعل سلمهم من سلمه وحربهم من حربه وبسببهم كان نهوض يعقوب بن عبد الحق سنة ثمانين لما اشترط عليه ذلك ولج في قبوله فنهض إليه واوقع به بخرزوزة ثم أناخ عليه بتلمسان ووافاه هنالك محمد بن عبد القوى فلقيه بالقصاب وعاثوا في نواحى تلمسان نهبا وتخريبا ثم أذن يعقوب لمحمد وقومه في الانطلاق إلى بلادهم وتلوم هو بمكانه من ضواحي تلمسان مدة منجاتهم إلى مكانهم من وانشريس حذرا عليهم من اعتراض يغمراسن ولم يزل شأنهما ذلك إلى أن هلك يغمراسن بسدلونة من بلاد مغراوة خاتمة احدى وثمانين وفى خلال ذلك استغاظ بنو مرين على بنى عبد الواد واستوسق لمحمد هذا ملكه فتغلب على أوطان صنهاجة بجبال لمدية وأخرج الثعالبة من جبل تيطرى بعد أن غدر بمشيختهم وقتلهم فانزاحوا عنه إلى بسائط متيجة وأوطنوها واستولى محمد على حصن لمدية وهو المسمى بأهله لمدية بفتح اللام والميم وكسر الدال وتشديد الياء بعدها وهاء النسب في آخرها وهم بطن من بطون صنهاجة وكان المختط لها بلكين بن زيرى ولما استولى محمد عليها وعلى ضواحيها انزل أولاد عزيز بن يعقوب من حشمه بها وجعلها لهم موطنا وولاية وفر بنو صالح بن

(7/157)


أخيه يوسف بن عبد القوى من مكانهم بين صنهاجة منذ مقتل أبيه يوسف كما ذكرناه ولحقوا ببلاد الموحدين بافريقية فلقوهم مبرة وتكريما وقطعوا لهم بضواحي قسنطينة في ايالة الملوك من آل أبى حفص يعسكرون معهم في غزاوتهم ويبلون في حروبهم ويقومون بوظائف خدمتهم وكان الموالى من أولاد عزيز على لمدية حسن بن يعقوب وبنوه من بعده يوسف وعلى وكانت مواطنهم ما بين لمدية وموطنهم الاول ماخنون وكان بنو يدللتن أيضا من بنى توجين قد استولوا على حصن الجعبات وقلعة تاوغزوت ونزل القلعة كبيرهم سلامة بن على مقيما على طاعة محمد بن عبد القوى وقومه فاتصل ملك محمد بن عبد القوى في ضواحي المغرب الاوسط ما بين مواطن بنى راشد إلى جبال
صنهاجة بنواحي لمدية وما في قبلة ذلك من بلاد السرسو ووجبا له إلى أرض الزاب وكان يبعد الرحلة في مشتاه فينزل الروسن ومغرة والمسيلة ولم يزل دأبه ذلك ولما هلك يغمراسن سنة احدى وثمانين كما ذكرناه استجدت الفتنة بين عثمان ابنه وبين محمد بن عبد القوى على اثر ذلك سنة أربع وثمانين وولى من بعده ابنه سيد الناس فلم تطل مدة ملكه وقتله أخوه موسى لسنة أو نحوها من بعد مهلك أبيه وقام موسى بن محمد في امارة بنى توجين نحوا من عامين وكان أهل مرات من أشد أهل وطنه شوكة وأقواهم غائلة فحدثته نفسه أن يستلحم مشيختهم ويريح نفسه من محاذرتهم فأجمع لذلك ونزلها ونذروا بشأنه ورأيه فيهم فاستماتوا جميعا وثاروا به فقاتلهم ثم انهزم مثخنا بالجراحة وألجؤه إلى مهاول الحصن فتردى منها وهلك وولى من بعده عمر بن اخيه اسمعيل بن محمد مدة اربعة أعوام ثم غدر به أولاد عمه زيان بن محمد فقتلوه وولوا كبيرهم ابراهيم بن زيان وكان حسن الولاية عليهم يقال ما ولى بعد محمد فيهم مثله وفى خلال هذه الولايات استغلظ عليهم بنو عبد الواد واشتدت وطأة عثمان بن يغمراسن عليهم بعد مهلك أبيهم محمد فنهض إليهم سنة ست وثمانين وحاصرهم بجبل وانشريس وعاث في أوطانهم ونقل زروعها إلى مازونة حين غلب عليها مغراوة ثم نازل حصن تافركينت وملكها بمداخلة القائد بها غالب الخصى مولى سيد الناس بن محمد وقفل إلى تلمسان ثم نهض إلى أولاد سلامة بقلعة تاوغزوت وامتنعوا عليه مرارا ثم أعطوه اليد على الطاعة ومفارقة بنى محمد بن عبد القوى فنبذوا لهم العهد وصاروا إلى ايالة عثمان بن يغمراسن وفرضوا لهم المغارم على بنى يدللتن وسلك عثمان بن يغمراسن مسلك التضريب بين قبائل بنى توجين وتحريضهم على ابراهيم بن زيان أميرهم فعدا عليه زكرار بن أعجمى شيخ بنى ما دون وقتله بالبطحاء في احدى غزواته لسبعة أشهر من ملكه وولى بعده موسى بن زرارة بن محمد بن عبد القوى بايع له بنو تيغرين واختلف سائر بنى توجين فأقام بعض سنة

(7/158)


وعثمان بن يغمراسن في خلال هذا يستألف بنى توجين شبعا فشعبا إلى أن نهض إلى جبل وانشريس فملكه وفر أمامه موسى بن زرارة إلى نواحى لمدية وهلك في سفره ذلك ثم نهض عثمان إلى لمدية سنة ثمان وثمانين بعدها فملكها بمداخلة لمدية من قبائل صنهاجة غدروا بأولاد عزيز وأمكنوه منها ثم انتقضوا عليه لسبعة أشهر ورجعوا إلى ايالة أولاد عزيز فصالحوا عثمان بن يوسف على الاتاوة والطاعة كما كانوا مع محمد بن عبد القوى وبنيه فملك عثمان بن يغمراسن عامة بلاد توجين ثم شغل بما دهمه من مطالبة بنى مرين أيام يوسف بن يعقوب فولى على بنى توجين من بنى محمد بن عبد القوى أبو بكر بن ابراهيم بن محمد مدة عامين أخاف فيها الناس وأساء السيرة ثم هلك فنصب بنو تيغرين بعده أخاه عطية المعروف بالاصم وخالفهم أولاد عزيز وجميع قبائل توجين فبايعوا ليوسف ابن زيان بن محمد وزحفوا إلى جبل وانشريس فحاصروا به عطية وبنى تيغرين عاما أو يزيد وكان يحيى بن عطية كبير بنى تيغرين هو الذى تولى البيعة لعطية الاصم فلما اشتد بهم الحصار واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان ورغبه في ملك جبل وانشريس فبعث معه الجيوش لنظر أخيه أبى سرحان ثم أخيه أبى يحيى وكان نهوض أبى يحيى سنة احدى وسبعمائة فتوغل في ناحية الشرق ولما رجع صمد إلى جبل وانشريس فهدم حصونه وقفل ونهض ثانية إلى بلاد بنى توجين فشردهم عنها وأطاعه أهل تافركينت ثم انتهى إلى لمدية فافتتحها صلحا واختط قصبتها ورجع إلى أخيه يوسف بن يعقوب فانتقض أهل تافركينت بعد صدوره عنهم ثم راجع بنو عبد القوى بصائرهم في التمسك بالطاعة ووفدوا على يوسف بن يعقوب فتقبل طاعتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم على بن الناصر بن عبد القوى وجعل وزارته ليحيى بن عطية فغلبه على دولته واستقام ملكه وهلك خلال ذلك فعقد يوسف بن يعقوب مكانه لمحمد بن عطية الاصم واستقام على طاعته وقتا ثم انتقض بين يدى مهلكه سنة ست وحمل قومه على الخلاف ولما هلك يوسف بن يعقوب وتجافى بنو مرين من بعدها لبنى يغمراسن عن
جميع الامصار التى تملكوها بالمغرب الاوسط استمكن بنو يغمراسن منها ودفعوا المتغلبين عنها ولحق الفل من أولاد عبد القوى ببلاد الموحدين فحلوا من دولتهم محل الايثار والتكرمة وكان للعباس بن محمد بن عبد القوى مع الملوك من آل أبى حفص مقام الخلة والمصافاة إلى أن هلك وبقى عقبه في جند السلطان ولما خلا الجو من هؤلاء المرشحين تغلب على جبل وانشريس من بعدهم كبير بنى تيغرين أحمد بن محمد من أعقاب يعلى بن محمد سلطان بنى يفرن فأقام يحيى بن عطية هذا في رياستهم أياما ثم هلك وقام بأمره من بعده أخوه عثمان بن عطية ثم هلك وولى من بعده ابنه عمر بن عثمان واستقل مع قومه بجبل

(7/159)


وانشريس واستقل أولاد عزيز بلمدية ونواحيها ورياستهم ليوسف وعلى ابني حسن ابن يعقوب والكل في طاعة أبى حمو سلطان بنى عبد الواد لما غلبهم على أمرهم وانتزع الرياسة من بنى عبد القوى أمرائهم إلى أن خرج على السلطان أبى حمو ابن عمه يوسف ابن يغمراسن ولحق بأولاد عزيز فبايعوه وداخلوا في كشانة عمر بن عثمان كبير بنى تيغرين وصاحب جبل وانشريس فأجابهم وأصفق معهم سائر الاعشار ويكوشة وبنو يرناتن وزحفوا مع محمد بو يوسف إلى السلطان أبى حمو في عسكره بتهل ففضوه وكان من شأن فتنته معهم ما ذكرناه في أخبار بنى عبد الواد إلى ان هلك السلطان أبو حمو وولى ابنه أبو تاشفين فنهض إليهم في العساكر وكان عمر بن عثمان قد لحقته الغيرة من مخالصة محمد بن يوسف لاولاد عزيز دون قومه فداخل السلطان أبا تاشفين في الانحراف عنه فلما نزل بالجبل ولحق محمد بن يوسف بحصن توكال ليمتنع به نزع عنه عمر ابن عثمان ولحق بأبى تاشفين ودله على مكامن الحصن فدلف إليه أبو تاشفين وأخذ بمخنقه وافترق عن محمد بن يوسف أولياؤه وأشياعه فتقبض عليه وقيد أسيرا إلى السلطان أبى تاشفين فقتل بين يديه قعصا بالرماح سنة تسع عشرة وبعث برأسه إلى تلمسان وصلب شلوه بالحصن الذى امتنع فيه أيام انتزائه ورجع أمر وانشريس إلى عمر بن عثمان هذا
وحصلت ولايته لابي تاشفين إلى أن هلك بتلمسان في بعض أيامهم مع بنى مرين أعوام نازلها السلطان أبو الحسن كما ذكرنا في أخبار الحصار ثم لما تغلب بنو مرين على المغرب الاوسط استعمل السلطان أبو الحسن ابنه نصر بن عمر على الجبل وكان خير وال وفاء بالمة والطاعة وخلوصا في الولاية وصدقا في الانحياش واحسانا للمملكة وتوفيرا للجباية ولما كانت نكبة السلطان أبى الحسن بالقيروان وتطاول الاعياص من زناتة إلى استرجاع ملكهم انتزى بضواحي لمدية من آل عبد القوى عدى بن يوسف بن زيان ابن محمد بن عبد القوى وناغى الخوارج في دعوتهم واشتمل عليه بنو عزيز هؤلاء وبنو يرناتن جيرانهم وزحف إلى جبل وانشريس لينال مع الحشم من يلى أمرهم والمداخلين لعدوهم في قطع دابرهم وكبيرهم يومئذ نصر بن عمر بن عثمان وبايع نصر المسعود بن أبى زيد بن خالد بن محمد بن عبد القوى من أعقابهم ثم خلص إليهم من جملة عدى بن يوسف حذرا على نفسه من أصحابه وقاتلهم عدى وقومه فامتنعوا عليه ودارت بينهم حروب كانت العاقبة فيها والظهور لنصر بن عمر وقومه ثم دخل عدى في جملة السلطان أبى الحسن لما خلص من تونس إلى الجزائر وبقى مسعود بينهم وملكه أبو سعيد بن عبد الرحمن لما ملك تلمسان هو وقومه فلم يزل هنالك إلى أن غلبهم السلطان أبو عنان فسار في جملته بعد أن فر إلى زواوة واستنزله منها ونقله إلى فاس وانقضى

(7/160)


ملكهم ودولتهم وانقطع أثر بنى محمد بن عبد القوى وأقام نصر بن عمر في ولاية جبل وانشريس وعقد له السلطان أبو عنان عليه سائر دولته ولم يزل قائما بدعوة بنى مرين من بعده إلى أن غلبهم السلطان أبو حمو الاخير وهو ابن موسى بن يوسف على الامر فأعطاه نصر الطاعة ثم اضطرمت نار الفتنة بين العرب وبين بنى عبد الواد أعوام سبعين وسبعمائة وقاموا بدعوة بنى زيان بن السلطان أبى سعيد عم أبى حمو فانحاش نصر بن عمر إليهم وأخذ بدعوة الامير أبى زيان حينا ثم هلك أيام تلك الفتنة وقام بأمرهم من
بعده أخوه يوسف بن عمر متقبلا مذاهبه وهو لهذا العهد وهو سنة ثلاث وثمانين صاحب جبل وانشريس وحاله مع أبى حمو مختلف في الطاعة والخلاف والله مالك الامور لارب غيره ولا معبود سواه.

(7/161)


مسعود بن بو زيد بن خالد محمد بن عطية بن ابراهيم أبو زكريا سيد الناس موسى يحيى بن صالح بن عمر بن يوسف نجتين زيان بن يوسف بن موسى ابراهيم موسى بن زرارة عمر بن اسمعيل عدى بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوى بن العباس بن عطية الحيو بن مناد بن العباس بن دافلتن بن أبى بكر بن الغلب قالوا محمد بن عيسى بن موسى بن محمد عمر

(7/162)


{ الخبر عن بنى سلامة أصحاب قلعة تاوغزوت رؤساء بنى يدللتن من بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وأوليتهم ومصايرهم }
كان بنو يدللتن هؤلاء من شعوب بنى توجين وأشدهم شوكة وأوفرهم عددا وكان لهم ظهور من بين سائر تلك البطون وكان بنو عبد القوى ملوك بنى توجين يعرفون لهم ذلك ويوجبون لهم حقه ولما دخل إلى التلول بعد انقراض بنى يلومى وبنى وماتوا بنو قاضى وبنو ما دون بأرض منداس فأوطنوها وجاء بنو يدللتن على اثرهم فأوطنوا الجعبات وتاوغزوت ورياستهم يومئذ لنصر بن سلطان بن عيسى ثم هلك فقام بأمرهم ابنه مناد بن نصر ثم أخوه على بن نصر ثم ابنه ابراهيم بن على من بعده ثم هلك وقام بأمرهم أخوه سلامة بن على على حين استفحل ملك عبد القوى وبنيه فاستفحل أمره هو في قومه واختط القلعة بتاوغزوت المنسوبة إليه والى بنيه وكانت من قبل رباطا لبعض المنقطعين من عرب سويد ويزعم بنو سلامة هؤلاء أنهم دخلاء في نسب توجين وأنهم من العرب من بنى سليم بن منصور وجاء جدهم عيسى أو سلطان نازعا عن قومه لدم أصابه فيهم فخلطه شيخ بنى يدللتن من بنى توجين بنسبه وكفل بنيه من بعده ولما هلك سلامة بن على قام بأمرهم من بعده ابنه يغمراسن بن سلامة على حين استغلظ بنو عبد الواد على بنى توجين من بعد مهلك محمد بن عبد القوى سلطانهم الاكبر فكان عثمان بن يغمراسن يتردد إلى بلادهم بالغزو ويطيل فيها العيث ونازل في بعض غزواته قلعتهم هذه وبها يغمراسن فامتنع عليه وخالفه يوسف بن يعقوب وبنو مرين إلى تلمسان فأجفل على القلعة وسابق بنى مرين إلى دار ملكه واتبعه يغمراسن بن سلامة مغيرا في أعقابه فكر عليه بالمكان المعروف بتليوان ودارت بينهم هناك حروب هلك فيها يغمراسن بن سلامة وقام بالامر من بعده أخوه محمد بن سلامة فأذعن لطاعته عثمان بن يغمراسن وخالف بنو عبد القوى وجعل الاتاوة على قومه ووطنه لملوك بنى عبد الواد فلم تزل عليهم لملوك تلمسان ولحق أخوه سعد بالمغرب وجاء في جملة السلطان يوسف بن يعقوب في غزوته التى حاصر فيها تلمسان حصاره الطويل فرعى لسعد بن سلامة هجرته إليه وولاه على بنى يدللتن والقلعة وفر أخوه محمد بن سلامة فلحق بجبل راشد وأقام هنالك إلى أن هلك يوسف بن يعقوب
ورجع أمر المغرب الاوسط لبنى عبد الواد فوضعوا الاتاوة على بنى توجين وأصاروهم إلى الجباية ولم يزل سعد على ولايته إلى أن هلك أبو حمو وولى أبو تاشفين فسخط سعدا وبعث عن أخيه محمد بن جبل راشد فولاه مكانه ولحق سعد بالمغرب وجاء في جملة السلطان أبى الحسن ودخل أخوه محمد مع أبى تاشفين فانحصر بتلمسان وولى سعد بن سلامة مكانه ثم هلك محمد في بعض أيام الحصار وحروبه ولما انقرض أمر بنى عبد

(7/163)


الواد رغب سعد من السلطان تخلية سبيله لقضاء فرضه فحج وهلك مرجعه من الحج في طريقه وعهد إلى السلطان أبى الحسن واستوصاه ببنيه على لسان وليه عريف بن يحيى كبير بنى سويد فولى السلطان أبو الحسن ابنه سليمان بن سعد على بنى يدللتن والقلعة وانتقض أمر السلطان أبى الحسن وعاد الامر إلى أبى سعيد وأبى ثابت ابني عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن فكانت بينه وبينهم ولاية وانحراف وكان أولياؤهم من العرب بنى سويد من زغبة لما كانوا جيرانهم في مواطنهم من ناحية القبلة فطمع وترمارين عريف شيخهم في التغلب على وطن بنى يدللتن ومانعه دونه سليمان هذا وبالغ في دفاعه إلى أن ملك السلطان أبو عنان بلاد المغرب الاوسط ورعى لوترمار وابنه عريف حق انحياشهم إليه وهجرتهم إلى قومه فأقطع وترمار بن عريف القلعة وما إليها وجباية بنى يدللتن أجمع وألحق سليمان بن سعد بن سلامة في جنده ووجوه عسكره إلى أن هلك السلطان وعاد الامر لبنى عبد الواد على يد أبى حمو الاخير فولى سليمان على القلعة وعلى قومه واستغلظ أمر العرب عليه فاستراب سليمان هذا ونذر بالشر منه فلحق باولاد عريف ثم راجع الطاعة فتقبض عليه واغتاله وذهب دمه هدرا ثم غلبه العرب على عامة المغرب الاوسط وأقطع القلعة وبنى يدللتن لاولاد عريف استئلافا لهم ثم أقطعهم بنى ما دون ثم منداس فأصبحت بطون بنى توجين كلها خولا لسويد وعبدا لجبايتهم الا جبل وانشريس فانه لم يزل لبنى تيغرين والوالى عليهم يوسف بن عمر منهم كما قلناه ونظم أبو حمو
أولاد سلامة في جنده وأثبتهم في ديوانه وأقطعهم القصبات من نواحى تلمسان في عطائهم وهم على ذلك لهذا العهد ولله الخلق والامر لارب سواه ولا معبود الا اياه له الحكم واليه ترجعون وهو نعم المولى ونعم النصير وهو على كل شئ قدير ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم يغمراسن يغمراسن الحسن محمد ابراهيم مناد سليمان بن سعد بن سلامة بن على بن نصر بن سلطان بن عيسى

(7/164)


{ الخبر عن بنى يرناتن احدى بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وما كان لهم من التقلب والامارة وذكر أوليتهم ومصايره } كان بنو يرناتن هؤلاء أوفر قبائل بنى توجين وأعزهم جانبا وأكبرهم صيتا ولما دخل بنو توجين إلى تلول المغرب الاوسط أقاموا بمواطنهم الاولى ما بين ما حون وزمتة ثم يعود من القبلة يجولون جانبى نهر واصل من أعلى وادى شلف وكانت رياستهم في نصر بن على بن تميم بن يوسف بن بونوال وكان شيخهم مهيب بن نصر منهم وكان عبد القوى بن العباس وابنه محمد أمراء بنى توجين يختصونهم بالاثرة والتجلة لمكانهم من قومهم وما يؤنسون من عظيم غنائهم وكان محمد بن عبد القوى في سلطانه يؤثر عليهم من أولاد عزيز وكان واليهم لعهده وعهد بنيه عبو بن حسن بن عزيز وقد كان أصهر مهيب بن نصر إلى عبد القوى في ابنته فأنكحه اياها وولدت له نصر بن مهيب
فشرفت خؤلته لمحمد بن عبد القوى وعلا كعبه في امارته ثم ولى بعده ابنه على بن نصر وكان له من الولد نصر وعشر وآخرون يعرفون بأمهم واسمها تاسرغيفت وولى بعده ابنه نصر بن على فطال أمد امارته في قومه واختلف بنو عبد القوى وغلب بنو عبد الواد على ما بأيديهم فصرفت ملوك زناتة وجه العناية إليه فبعد صيته وعرف بنوه من بعده بشهرته وكان ولودا فيقال انه خلف ثلاثة عشر من البنين ما منهم الا صاحب حرب أو مقنب ومن مشاهيرهم عمر الذى قتله السلطان أبو الحسن بمرات حين سعى به أنه داخل في اغتياله ففر وأدرك فقتل بمرات ومنهم منديل الذى قتله بنو تيغرين أيام ولوا على بن الناصر وقتلوا معه عبو بن حسن بن عزيز ومنهم عنان ومات قتيلا في حصار تلمسان أيام أبى تاشفين ومنهم مسعود ومهيب وسعد وداود وموسى ويعقوب والعباس ويوسف في آخرين معروفين عندهم هذا شأن أولاد نصر بن على بن نصر بن مهيب وأما ولد عشر أخيه فكان منهم أبو الفتوح بن عشر ثم من ولده عيسى بن أبى الفتوح فكان رئيسا على بنى أبيه وكانت احدى وصائفهم سقطت بدار عثمان بن يغمراسن وادعت الحمل من سيدها أبى الفتوح وجاءت بأخ لعيسى يسمى معروفا ربى بدارهم واستوزره أبو حمو وابنه من بعده وبلغ المبالغ في دولتهم وكان يدعى معروفا الكبير ولحق به أيام رياسته في دولة أبى حمو الاول أخوه عيسى بن أبى الفتوح مغاضبا لقومه فسعى له في الولاية على بنى راشد وجباية أوطانهم وأنزله بلد سعيدة فكانت له بها امارة وكان له من الولد أبو بكر وعبو وطاهر ووترمار وعندما بلغ بنو مرين على بنى عبد الواد ولاهم السلطان أبو الحسن على بن يرناتن متداولين وأما ولد تاسرغينت من بنى على بن نصر بن مهيب فلم يكن لهم ذكر في رياسة قومهم الا أن بعض وصائفهم سقطت أيضا إلى دار أبى

(7/165)


تاشفين فولدت غلاما يعرف بعطية بن موسى نشأ في دارهم بنسب إلى بنى تاسرغينت هؤلاء وتناولته النجابة في خدمتهم فولوه الاعمال النبيهة وهو لهذا العهد عامل أبى حمو
الاخير على شلف وما إليها وقد غلب العرب لهذا العهد على وطن بنى يرناتن وملكوا عليهم بعود وماحون وبقيت ضبابتهم بجبل ورنيد وعليهم لهذا العهد سعيد بن عمر من ولد نصر بن على بن نصر بن مهيب يعطونه المغرم للسلطان ويصانعون العرب بالاتاوة وبيد الله تصاريف الامور سبحانه لارب غيره عنان مهيب يعقوب موسى عيسى بن ابى الفتوح بن عشر معروف الكبير منديل مسعود سعيد العباس عطية بن موسى بن تاسرغينت سعيد بن عمر بن نصر بن على بن نصر بن على بن تميم بن يوسف بن بنو نوال بن نوال { الخبر عن بنى مرين وأنسابهم وشعوبهم وما تأثلوا بالمغرب من السلطان والدولة التى استعملت سائر زناتة وانتظمت كراسي الملك بالعدوتين وأولية ذلك ومصايره } قد ذكرنا أن بنى مرين هولاء من شعوب بنى واسين وذكرنا نسب واسين في زناتة وذكرنا أنهم بنو مرين بن ورتاجن بن ماخوخ بن جديج بن فاتن بن يدر بن يخفت بن عبد الله بن ورتنيص بن المعز بن ابراهيم بن سجيك بن واسين وأنهم اخوة بنى يلومى ومديونة وربما

(7/166)


وعقد له على ذلك الثغر وضم الاعمال إليه وبلغ الخبر بذلك إلى المرتضى فأهمه الشأن وأحضر الملا من الموحدين وفاوضهم واعتزم على حرب بنى مرين وسرح العساكر سنة خمسين فأحاطت بسلا فافتتحوها وعادت إلى طاعة المرتضى وعقد عليها لابي عبد الله بن أبى يعلوا من مشيخة الموحدين وكان المرتضى قد صمد بنفسه سنة تسع وأربعين إلى محاربة بنى مرين في جموع الموحدين وعساكر الدولة وصمد بنو مرين للقائه والتقى الجمعان بايميلواين ففضوا جموعه وكانت الدبرة عليه والظهور لهم ثم كان بعد فتح سلا وغلب الموحدين عليها وأجمع المرتضى بعدها على احتشاد أهل سلطانه ومعاودة الخروج بنفسه إلى غزوهم لما خشى من امتداد أمرهم وتقلص ملك الموحدين فعسكر خارج حضرته سنة ثلاث وخمسين وبعث الحاشد في الجهات فاجتمع إليه أمم الموحدين والعرب والمصامدة وأغذ السير تلقاءهم حتى إذا انتهوا إلى جبال بهلولة من نواحى فاس وصمد إليه الامير أبو يحيى في عساكر بنى مرين ومن اجتمع إليهم من ذويهم والتقى الجمعان هنالك وصدقهم بنو مرين القتال فاختل مصاف السلطان وانهزمت عساكره وأسلمه قومه ورجع إلى مراكش مغلولا واستولى القوم على معسكره واستباحوا سرادقه وفساطيطه وانتهبوا جميع ما وجدوا بها من المال والذخيرة واستاقوا سائر الكراع والظهر وامتلات أيديهم من الغنائم واعتز أمرهم وانبسط سلطانهم وكان يوما له ما بعده واغزي اثر هذه الحركة ببنى مرين تادلا واستباح بنى جابر حاميتها من جشم ببلد ابني نفيس واستلحم ابطالهم ولا أن من حدهم وخضد من شوكتهم وفى أثناء هذه الحروب كان مقتل على بن عثمان بن عبد الحق وهو ابن أخى الامير أبى يحيى شعر منه بفساد الدخلة والاجماع للتوثب به فدس لابنه أبى حديد مفتاح بقتله فقتله في جهات مكناسة سنة احدى وخمسين والله تعالى أعلم * (الخبر عن فتح سلجماسة وبلاد القبلة وما كان في ذلك من الاحداث) * لما يئس بنو عبد المؤمن من غلبهم بنى مرين على ما صار في أيديهم من بلاد المغرب
وعادوا إلى مدافعتهم عن صمامة الدولة التى تحملت اياها شفافههم لو أطاقوا المدافعة عنها وملك بنو مرين عامة بلاد التلول اعتزم الامير أبو يحيى بعدها على الحركة إلى بلاد القبلة ففتح سجلماسة ودرعة وما إليها سنة ثلاث وخمسين وافتتحها بمداخلة من ابن القطراني غدر بعامل الموحدين فتقبض عليه وأمكن منها الامير أبا يحيى فملكها وما إليها من درعة وسائر بلاد القبلة وعقد لابنه أبى حديد وبلغ الخبر إلى المرتضى فسرح العساكر سنة أربع وخمسين لاستنقاذها وعقد عليهم لابن عطوش ففر راجعا إلى مراكش ثم نهض سنة خمس وخمسين إلى محاربة يغمراسن وبنيه بأبى سليط فأوقع بهم

(7/167)


منصور بن منديل بن عثمان بن الاعذر بن عسكر لبكوم المخصب ابويكى بنو تنابعت عمر بن عثمان بن يوسف بن اسمعيل بن عيسى بن يحيى بن وسنان ابن عباد بن يحيى فروت وراغ سكيمان سنكيان عمرسكم
تير بيعين سليمان على عبد الحق عبد الحق بن محيوابن أبى بكر بن حمامة بن محمد بن ورزير بن فكوس بن كرماط بن مرين بن ورتاجن بن ماخوخ بن جديج بن فاتن بن يدر بن يخفت

(7/168)


{ الخبر عن امارة عبد الحق بن محيو المستقرة في بنيه وامارة ابنه عثمان بعده ثم أخيه محمد بن عبد الحق بعدهما وما كان فيها من الاحداث } لما هلك محيو بن أبى بكر بن حمامة من جراحته كما قلناه وكان له من الولد عبد الحق ومساي ويحياتن وكان عبد الحق أكبرهم فقام بأمر بنى مرين وكان خير أمير عليهم قياما بمصالحهم وتعففا عما في أيديهم وتقويما لهم على الجادة ونظرا في العواقب واستمرت أيامهم ولما هلك الناصر رابع خلفاء الموحدين بالمغرب سنة عشر وستمائة مرجعه من غزاة العقاب وقام بأمر الموحدين بعده ابنه يوسف المستنصر نصبه الموحدون غلاما لم يبلغ الحلم وشغلته أحوال الصبا وجنونه عن القيام بالسياسة وتدبير الملك فأضاع الحزم وأغفل الامور وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه ونفس عن مخنقهم من قبضة الاستبداد والقهر فضاعت الثغور وضعفت الحامية وتهاونوا بأمرهم وفشلت ريحهم وكان هذا الحى لذلك العهد بمجالات القفار من فيكيك إلى صاوملوية كما قدمناه من شأنهم وكانوا يطرقون في صعودهم إلى التلول والارياف منذ أول دولة الموحدين وما قبلها جهات كرسيف إلى وطاط ويأنسون بمن هناك من بقايا زناتة الاولى مثل مكناسة بجبال تازى وبنى يدنيان ومغراوة الموطنين قصور طاط من أعالي ملوية يتقلبون بتلك الجهات عامة المربع والمصيف وينحدرون إلى مشاتيهم بما يتمارونه من الحبوب لاقواتهم فلما رأوا من اختلال بلاد المغرب ما رأوا انتهزوا فيها الفرصة وتخلصوا إليه من القفر ودخلوا من ثناياه وتفرقوا في جهاته
وأوجفوا بخيلهم وركابهم على ساكنيه واكتسحوا بالغارة والنهب سائر بسائطه ولجأت الرعايا إلى معتصماتهم ومعاقلهم وكثر شاكيهم وأظلم الجو بينهم وبين السلطان والدولة فاذنوهم بالحرب وأجمعوا لغزوهم وقطع دابرهم وأغزى الخليفة المستنصر عظيم الموحدين أبا على بن وانودين بجميع العساكر والحشود من مراكش وسرحه إلى السيد أبى ابراهيم أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بمكانه من امارة فاس وأوعز إليه أن يخرج بهم لغزو بنى مرين وأمره أن يثخن ولا يستبقى واتصل الخبر ببنى مرين وهم في جهات الريف وبلاد بطوية فتركوا أثقالهم بحصن تاروطا وصمدوا إليهم فالتقى الجمعان بوادي بكور فكان الظهور لبنى مرين والدبرة على الموحدين وامتلات الايدى من اسلابهم وأمتعتهم ورجعوا إلى فاس يخصفون عليهم من ورق النبات المعروف عند أهل المغرب بالمشعلة لكثرة الخصب حينئذ واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلا حتى لقد سميت الواقعة يومئذ بعام الشعلة وصمد بنو مرين بعدها إلى تازى ففلوا حاميتها أخرى ثم اختلفت بنو محمد رؤساؤهم وانتبذ عنهم من عشائرهم بنو

(7/169)


عسكر بن محمد لمنافسة وجدوها في أنفسهم من استقلال بنى عمهم حمامة بن محمد بالرياسة دونهم بعد أن كان أومض عندهم منها في عسكر وابنه المخضب ايماض أخاف بارقه فحالفوا عبد الحق أميرهم وقومه إلى مظاهرة أولياء الموحدين وحامية المغرب من قبائل رياح الموطنين بالهبط وازغار الحديث عهدهم بالتحرش والعز منذ انزال المنصور اياهم بذلك المنظر من افريقية فتحيزوا إليهم وكاثرهم على قومهم وصمدوا اجمعون إلى لقاء بنى مرين سنة أربع عشرة ودارت بينهم حرب تولى الصبر مقامها وهلك فيها أميرهم عبد الحق وكبير بنيه ادريس وقد أمر لمهلكها بنو مرين وجلا في تلك الحومة حمامة بن يصلتن من بنى عسكر وطيرا بن محيو بن السكمى فانكشف رياح آخرا وقتل منهم ابطال وولى بنو مرين عليهم بعد مهلك عبد الحق ابنه عثمان تلو ادريس
وشهرته بينهم ادرغال ومعناه برطانتهم الاعور وكان لعبد الحق من الولد عشرة تسعة ذكور وأختهم ورتطليم فادريس وعبد الحق ورحولا مرأة من بنى على اسمها سوط النساء وعثمان ومحمد لامرأة من بنى ونكاس تسمى السوار بنت تصاليت وأبو بكر لامرأة من بنى تنالفت وهى تاغزونت بنت أبى بكر بن حفص وزيان لامرأة من بنى ورتاجن وأبو عياد لامرأة من بنى وللواحدي بطون عبد الواد اسمها أم الفرح ويعقوب لام اليمن بنت على من بطوية وكان أكبرهم ادريس الهالك مع أبيه عبد الحق فقام بأمر بنى مرين من بعد عبد الحق ابنه عثمان بايعه لوقته حمامة بن يصلتن وطير بن محيو ومن اليهما من مشيخة قومهما واتبعوا منهزمة رياح وأثخنوا فيهم وثأر عثمان بأبيه وأخيه حتى شفى نفسه منهم ولاذوا بالسلم فسالموهم على اتاوة يؤدونها إليه ولقومه كل سنة ثم استشرى من بعد ذلك داء بنى مرين وأعضل خطبهم وكثر الثوار بالمغرب وامتنع عامة الرعايا عن المغرب وفسدت السابلة واعتصم الامراء والعمال من السلطان فمن دونه بالامصار والمدن وغلبوا أولئك على الضاحية وتقلص ظل الحكام عن البد وجملة وافتقدوا بنو مرين الحامية دون الوطن والرباع فمدوا للبلاد يدا وسار بهم أميرهم أبو سعيد عثمان بن عبد الحق في نواحى المغرب يتقرى مسالكه وشعوبه ويضع المغارم على أهله حتى دخل أكثرهم في أمره فبايعوه من الضواحى عن الشاوية والقبائل الآهلة هوارة وزكارة ثم تسول ومكناسة ثم بطوية وفشتالة ثم صدراته وبهلولة ومديونة ففرض عليهم الخراج وألزمهم المغارم وفرق فيهم العمال ثم فرض على أمصار المغرب مثل فاس وتازى ومكناسة وقصر كتامة ضريبة معلومة يؤدونها على رأس كل حول على أن يكف الغارة عنهم ويصلح سابلتهم ثم أغزى ضواعن زناتة سنة عشرين وأثخن فيهم حتى أذعنوا وقبض ايديهم عما امتدت إليه من الفساد والنهب وعطف

(7/170)


بعدها على رياح أهل ازغار والهبط وآثار باببه فأثخن فيهم ولم يزل دأبه ذلك إلى أن
هلك باغتيال علجه سنة سبع وثلاثين وقام بامر بنى مرين بعده أخوه عبد الحق فتقبل سنن أخيه في تدويخ بلاد المغرب وأخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم والوصال مع ضواعنه وبدوه وسائر رعاياه وبعث الرشيد أبا محمد بن واندين لحربهم وعقد له على مكناسة وأجحف بأهلها في المغارم ثم نزل بنو مرين وغير من نواحيها فنادى في عسكره وخرج إليهم فدارت بينهم حرب شديدة هلك فيها خلق من الجانبين وبارز محمد بن ادريس بن عبد الحق قائدا من الروم واختلفا ضربتين هلك العلج باحداهما واندرج محمد واندمل جرحه فصار أثرا في وجهه لقب من أجله باضربة ثم شد بنو مرين على الموحدين فانكشفوا ورجع ابن واندين إلى مكناسة مغلولا وبقى بنو عبد المؤمن أثناء ذلك في مرض من الايام وتثاقل عن الحماية ثم أومضت دولتهم ايماضة الخمود وذلك أنه لما هلك الرشيد بن المأمون سنة أربعين وستمائة وولى أخوه على وتلقب بالسعيد وبايعته أهل المغرب انصرفت عزائمه إلى غزو بنى مرين وقطع أطماعهم عما سمت إليه من تلك المواطن فأغرى عساكر الموحدين بقتالهم ومعهم قبائل العرب والمصامدة وجموع الروم فنهضوا سنة ثنتين وأربعين في جيش كثيف يناهز عشرين ألفا فيما زعموا وزحف ليهم بنو مرين بوادي ما عاش وصبر الفريقان وهلك الامير محمد بن عبد الحق في الجولة بيد زعيم من زعماء الروم وانكشفت بنو مرين وأتبعهم الموحدون ودخلو تحت الليل فلحقوا بجبال عياثة من نواحى تازى واعتصموا بها أياما ثم خرجوا إلى بلاد الصحراء وولوا عليهم أبا يحيى بن عبد الحق فقام بأمرهم على ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن دولة الامير أبى يحيى بن عبد الحق مديل الامر لقومه بنى مرين وفاتح الامصار ومقيم الرسوم الملوكية من الآلة وغيرها لمن بعده من أمرائهم } لما ولى أبو يحيى بن عبد الحق أمر بنى مرين سنة ثنتين وأربعين كان من أول ما ذهب إليه ورآه من النظر لقومه ان قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين بنى مرين وأنزل كلا
منهم بناحية سوغها سائر الايام طعمة فاستركبوا الرجل اتباعهم واستلحقوا من غاشيتهم وتوفرت عساكرهم ثم نار المنافسة بين أحيائهم وخالف بنو عسكر جماعتهم وصاروا إلى الموحدين فحرضوهم على أبى يحيى بن عبد الحق وبنى حمامة وأغروهم بهم وبعثوا الصريخ إلى يغمراسن بن زيان فوصل في قومه إلى فاس فاجتمعوا جميعا إلى قائد الموحدين وأعطوا الرهن على صدق اللقاء في الامير أبى يحيى وأشياعه وصمدوا إليه حتى انتهوا إلى ورغة ثم إلى كرت وأعجزهم فانكفؤا راجعين

(7/171)


إلى فاس ونذر يغمراسن بقدر الموحدين فخرج في قومه مع أوليائه بنى عسكر وعارضهم الامير أبو يحيى بوادي سبوا فلم يطق حربهم ورجع عنهم عسكر الموحدين لما صرخ في معسكرهم من موت الخليفة السعيد ثم بعثوا إليه لملاطفتهم في الفيئة إلى الطاعة ومذاهب الخدمة القائد عنبر الخصى مولى الخليفة في حصة من الروم والناشبة فتقبض عليهم بنو عسكر وتمسكوا بهم في رهنهم وقتلوا كافة النصارى فأطلق أبناءهم ولحق يغمراسن وقومه بتلمسان ثم رجع بنو عسكر إلى ولاية أميرهم أبى يحيى واجتمع بنو مرين لشأنهم وتملكوا الاعمال ثم مدوا عيونهم إلى تلك الامصار فنزل أبو يحيى بجملته جبل زرهون ودعا أهل مكناسة إلى بيعة الامير أبى زكريا بن حفص صاحب افريقية لما انه كان يومئذ على دعوته وفى ولايته وحاصرها وضيق عليها بمنع المرافق وترديد الغارات ومقادات الحرب إلى أن أذعنوا لطاعته فاقتحمها صلحا بمداخلة أخيه يعقوب بن عبد الحق لزعيمها أبى الحسن بن أبى العافية وبعثوا بيعتهم إلى الامير أبى زكريا وكانت من انشاء أبى المطرف بن عميرة كان قاضيا فيهم يومئذ فأقطع السلطان ليعقوب ثلث جبايتها ثم أحس الامير أبو يحيى بن عبد الحق من نفسه الاستبداد ومن قبيله الاستيلاء فاتخذ الآلة وبلغ الخبر إلى السعيد بتغلبه على مكناسة وصرفها لابن أبى حفص فوجم لها وفاوض الملا من أهل دولته في أمره وأراهم كيف اقتطع
الامر عنهم شيأ فشيأ فابن أبى حفص أقتطع افريقية ثم يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد اقتطعوا تلمسان والمغرب الاوسط وأقاموا فيها دعوة ابن أبى حفص وأطمعوه في الحركة إلى مراكش بمظاهرتهم وابن هود اقتطع عدوة الاندلس وأقام فيها دعوة بنى العباس وابن الاحمر بالجانب الآخر مقيم لدعوة ابن أبى حفص وهؤلاء بنو مرين تغلبوا على ضواحي المغرب ثم سموا إلى تملك أمصاره ثم افتتح أبو يحيى أميرهم مكناسة وأظهر فيها دعوة ابن أبى حفص وجاهر بالاستبداد ويوشك ان رضينا بهذه الدنية وأغضينا عن هذه الواقعات أن يختل الامر وتنقرض الدعوة فتدامروا وامتعضوا وتداعوا للصمود إليهم فجهز السعيد عساكر واحتشد عرب المغرب وقبائله واستنفر الموحدين والمصامدة ونهض من مراكش سنة خمس وأربعين يريد مكناسة وبنى مرين أولا ثم تلمسان ويغمراسن ثانيا ثم افريقية وابن أبى حفص آخرا واعترض العساكر والحشود بوادي بهت ووصل الامير أبو يحيى بمعسكره متواريا عنهم عينا لقومه حتى صدقهم كنه الخبر وعلم أن لا طاقة له بهم فأفرج عن البلاد وتناذر بنو مرين بذلك من أماكنهم فتلاحقوا واجتمعوا إليه بتازوطا من بلاد الريف ونزل السعيد مكناسة ولاذ أهلها بالطاعة وسألوا العفو عن الجزيرة واستشفعوا بالمصاحف برز بها الاولاد على رؤسهم وانتظموا مع النساء

(7/172)


في صعيد حاسرات منكسرات الطرف من الخشوع ووجوم الذنب والتوسل فعفا عنهم وتقبل فيئتهم وارتحل إلى تازى في اتباع بنى مرين وأجمع بنو واطاس الفتك بأبى يحيى بن عبد الحق غيرة ومنافسة ودس إليه بذلك مهيب من مشيختهم فترحل إلى بنى يرناسن ابن نزول بعين الصفا ثم راجع نظره في مسالمة الموحدين والفيئة إلى أمرهم ومظاهرتهم على عدوهم يغمراسن وقومه من بنى عبد الواد ليكون فيه شفاء نفسه منهم فأوفد مشيخة قومه عليه بتازى فأدوا طاعته وفيئته فتقبلها وصفح لهم عن الجرائر التى أتوها وسألوه أن يستكفى بالامير أبى يحيى في أمر تلمسان ويغمراسن على أن يمده بالعساكر
رامحة وناشبة فاتهمهم الموحدون وحذروا منهم غائلة العصبية فأمرهم السعيد بالعسكرة معه فأمده الامير أبو يحيى بخمسمائة من قبائل بنى مرين وعقد عليهم لابن عمه أبى عياد بن أبى يحيى بن حمامة وخرجوا تحت رايات السلطان ونهض من تازى يريد تلمسان وما وراءها وكان من خبر مهلكه على جبل تامزردكت بنى عبد الواد كما ذكرناه في أخبارهم ولما هلك وانفضت عساكره متسابقين إلى مراكش وجمهورهم مجتمعون إلى عبد الله ابن الخليفة السعيد ولى عهده وتحت رايات أبيه وطار الخبر بذلك إلى الامير أبى يحيى بن عبد الحق وهو بجهات بنى يرناسن وقد خلص إليه هنالك ابن عمه أبو عياد وبعث بنى مرين من تيار تلك الصدمة فانتهز الفرصة وأرصد لعساكر الموحدون وفلهم بكرسف فأوقع بهم وامتلات أيدى بنى مرين من اسلابهم وانتزعوا الآلة من أيديهم وأصار إليه كثيبة الروم والناشبة من الغزو واتخذ المركب الملوكى وهلك الامير عبد الله بن السعيد في جوانب تلك الملحقة وللموحدين بعدها من الكرة فنهض الامير أبو يحيى وقومه إلى بلاد المغرب مسابقين إليه يغمراسن بن زيان بما كان ملوك الموحدين أوجبوهم السبيل إلى ذلك باشنجاشته على بنى مرين أيام فتنتهم معهم فكانوا يبيحونه حرم المغرب ويوطونه عساكر قومه ما بين تازى إلى فاس إلى القصر مع عساكر الموحدين فكان ليغمراسن وقومه بذلك طمع فيها لولا مكافحتهم بأس بنى مرين وجدعهم من أنوفهم وكان أول ما بدا به أبو يحيى بن عبد الحق أعمال وطاط فافتتح حصونهم بملوية ودوخ جيلهم ثم رجع إلى فاس وقد أجمع أمره على انتزاعها من ملكة بنى عبد المؤمن واقامة الدعوة لابن أبى حفص بها وبسائر نواحيها والعامل بها يومئذ السيد أبو العباس بن فأناخ عليها بركابه وتلطف في مداخلة أهلها وضمن لهم جميل النظر وحميد السيرة وكف الاذى عنهم والحماية الكفيلة لهم بحسن المغبة وصالح العائدة فأجابوه ووثقوا بعهده وغنائه واووا إلى ظله وركنوا إلى طاعتهم وانتحال الدعوة الحفصية بأمره ونبذوا طاعة بنى عبد المؤمن يأسا من صريخهم وحضر

(7/173)


أبو محمد الفشتالى وأنشده الله على الوفاء بما اشترط على نفسه من النظر لهم والذب عنهم وحسن الملك والكفالة وتقبل مذاهب العدل فيهم فكان حضوره ملاك تلك العقدة والبركة التى يعرف أثرها خلفهم في تلك البيعة وكانت البيعة بالرابطة خارج باب الفتوح ودخل قصبة فاس لشهرين اثنين من مهلك السعيد فاتح ست وأربعين وخرج السيد أبو العباس من القصبة وأخرج معه سبعين فارسا أجازوه أم الربيع ورجعوا ثم نهض إلى منازلة تازى وبها السيد أبو على بن فنازلها أربعة أشهر ثم نزلوا على حكمه فقتلهم ومن على آخرين منهم وسد ثغرها وثقف أطرافها وأقطع رباط تازى وحصون ملوية لاخيه يعقوب بن عبد الحق ورجع إلى فاس فوفد عليه بها مشيخة أهل مكناسة وجددوا بيعتهم وعاودوا طاعتهم ولحق بهم على أثرهم أهل سلا ورباط الفتح فتملك الامير أبو يحيى هذه البلاد الاربعة أمهات أمصار المغرب واستولى على نواحيها إلى وادى ربيع وأقام فيها دعوة ابن أبى حفص وبعث إليه واستبد بنو مرين بملك المغرب الاقصى وبنو عبد الواد بملك المغرب الاوسط وبنو أبى حفص بافريقية وخمدت ذبال عبد المؤمن وركدت ريحهم وأذنت بالانقراض دولتهم وأشرف على الفناء أمرهم والى الله عاقبة الامور سبحانه ما أعظم شأنه لا اله غيره لما ملك الامير أبو يحيى بن عبد الحق مدينة فاس سنة ست وأربعين واستولى على بلاد المغرب بعد مهلك السعيد وقام بأمر الموحدين بمراكش أبو حفص عمر المرتضى بن السيد ابراهيم بن اسحق الذى كان قائد عسكر الموحدين في حربهم مع بنى مرين عام الشعلة بن أمير المؤمنين أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كان السعيد تركه واليابقصبة رباط الفتح من سلا فاستدعاه الموحدون وبايعوه وقام بأمرهم فلما تغلب الامير أبو يحيى على بلاد المغرب وملك مدينة فاس كما ذكرناه وخرج إلى بلاد فازاز والعدن لفتح بلاد زناتة وتدويخ نواحيها واستعمل على فاس مولاه المسعود بن خرباش من
جماعة الحشم أحلاف بنى مرين وصنائعهم وكان الامير أبو يحيى استبقى من كان فيها من عسكر الموحدين من غير عيصهم في السبيل التى كانوا عليها من الخدمة وكان فيهم طائفة من الروم استخدمهم لنظر قائدهم فكانوا من حصة المسعود هنالك ووقعت بينهم وبين شيع الموحدين من أهل البلد مداخلة وفتكوا بالمسعود عاملهم وقلبوا الدعوة للمرتضى الخليفة بمراكش ومحلف المصار وكان المتولي لكبر تلك الثورة ابن حشار المشرف وأخوه ابن أبى طاهر وابنه اجتمعوا إلى القاضى أبى عبد الرحمن المغياى زعيم فئة الثوري بينهم يومئذ وتآمروا فيها وأوعزوا قائد الروم فقتل

(7/174)


المسعود وعدوا عليه بمقعد حكمه من القصبة وهاجوه ببعض المحاورات فغضب ووثب عليه الرومي فقتله وطار برأسه الهاتف بسكك المدينة في شوال سنة سبع وأربعين وانتهبت داره واستبيحت حرمه ونصبوا قائد الروم لضبط البلد وبعتوا بيعتهم إلى المرتضى واتصل الخبر بالامير أبى يحيى وهو منازل بلاد فازاز فأفرج عنها وأغذ السير إلى فاس فأناخ بعساكره عليها وشمر لحصارها وقطع السابلة عنها وبعثوا إلى المرتضى بالصريخ فلم يرجع إليهم قولا ولاملك لهم ضرا ولا نفعا ولا وجد لما نزل بهم وجها غير انه استجاش بالامير أبى يحيى يغمراسن بن زيان على أمره وأغراه بعدوه وأمله لكشف هذه النازلة عمن انحاش إلى طاعته وتعلقت أطماع يغراسن بطروق بلاد المغرب فاحتشد لحركته ونهض من تلمسان للاخذ بحجزة الامير أبى يحيى عن فاس وأجاب صريخ الخليفة لذلك وبلغ الامير أبا يحيى خبر نهوضه إليه لتسعة أشهر من منازلة البلد فجمر الكتائب عليها وصمد إليه قبل فصوله عن تخوم بلاده والتقى الجمعان باسيلى من بسائط وجدة فتزاحف القوم وأبلوا وكانت ملحمة عظيمة هلك فيها عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بيد ابراهيم بن هشام من بنى بعد الواد ثم انكشف بنو عبد الواد وهلك يغمراسن بن تاشفين من أكابر مشيختهم ونجا يغمراسن بن زيان إلى تلمسان وانكف
الامير أبو يحيى بعسكره للاخذ بمخنق فاس فسقط في أيدى أهلها ولم يجدوا وليجة من دون طاعته فسألوه الامان فبذله لهم على غرم ما تلف له من المال بداره يوم الثورة وقدره مائة ألف دينار فتحملوها وأمكنوه من قياد البلد فدخلها في جمادى من سنة ثمان وأربعين وطالبهم بالمال فعجزوا ونقضوا شرطه فحق عليهم القول وتقبض على القاضى أبى عبد الرحمن وابن أبى طاطوا وابنه وابن حشار وأخيه المتولي كبر الفعلة فقتلهم ورفع على الشرفات رؤسهم وأخذ الباقين بغرم المال طوعا أو كرها فكان ذلك مما عبد رعية فاس وقادهم لاحكام بنى مرين وضرب الرهب على قلوبهم لهذا العهد فخشعت منهم الاصوات وانقادت الهمم ولم يحدثوا بعدها أنفسهم بغمس يد في فتنة والله مالك الارض ومن عليها سبحانه { الخبر عن تغلب الامير أبى يحيى على مدينة سلا وارتجاعها من يده وهزيمة المرتضى بعدها } لما كمل للامير أبى يحيى فتح مدينة فاس واستوسق أمر بنى مرين بها رجع إلى ما كان فيه من منازلة بلاد فازاز فافتتحها ودوخ أوطان زناتة واقتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين فيها ثم تخطى إلى مدينة سلا ورباط الفتح سنة تسع وأربعين فملكها وتاخم الموحدين بثغرها واستعمل عليها ابن أخيه يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق

(7/175)


يشهد بذلك جوار مواطنهم قبل الملك ما بين صاو ملوية وذكرنا كيف اقتسموا الضاحية والقفر مع اخوانهم بنى يادين بن محمد وكيف اتصلت فتنتهم معهم سائر أيامهم وكان الغلب أولا لبنى يادين بن محمد لكثرة عددهم فانهم كما ذكرنا خمسة بطون بنو عبد الواد وتوجين ومصاب وبنو زردال واخوانهم بنو راشد بن محمد وكانوا أهل تلول المغرب الاوسط دونهم وبقى هذا الحى من بنى مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملوية وربما يخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب ويذكر نسابتهم أن الرياسة فيهم قبل تلك العصور
وكانت لمحمد بن ورزير بن فكوس بن كرماط بن مرين وأنه كان لمحمد اخوة آخرون يعرفون بأمهم تنابعت وكان بنو عمه ونكاس بن فكوس وكان لمحمد سبعة من الولد شقيقان وهما حمامة وعسكر وابناء علات أمهات أولادهم سنكيان وسكيمان وسكم ووراغ وفروت ويسمى هؤلاء الخمسة في لسانهم تير بيعين ومعناه عندهم الجماعة يزعمون أن محمدا لما هلك قام بأمره في قومه ابنه حمامة وكن الاكبر ثم من بعده أخوه عسكر وكان له من الولد ثلاثة لكوم وأبو يكى ويلقب المخضب وعلى ويلقب الاعذر ولما هلك قام برياسته فيهم ابنه المخضب فلم يزل أميرا عليهم إلى أن كان أمر الموحدين وزحف عبد المؤمن إلى تاشفين بن على فحاصره بتلمسان وسرح أبا حفص في العساكر لحرب زناتة بالمغرب الاوسط وجمع له بنو يادين كلهم بنو يادين كلهم وبنو يلومى وبنو مرين ومغراوة ففض الموحرون جموعهم واستلحموا أكثرهم ثم راجع بنو يلومى وبنو يادين طاعتهم وأخلص بنو عبد الواد في خدمتهم ونصيحتهم ولحق بنو مرين بالقفر فلما غلب عبد المؤمن بن على على وهران واستولى على أموال لمتونة وذخيرتهم بعث بتلك الغنائم إلى جبل تيمال حيث كانت داره ومن أين كان منبعث الدعوة وبلغ الخبر إلى بنى مرين بمكانهم بالزاب وشيخهم يومئذ المخضب بن عسكر فاجمع اعتراضها بقومه ولحق العير بوادي تلاغ فاحتازوها من أيدى الموحدين واستنفر عبد المؤمن لاستنقاذها أولياءه من زناتة وسرحهم مع الموحدين لذلك فأبلى بنو عبد الواد فيها بلاء حسنا وكان اللقاء في فحص حسون وانكشف بنو مرين وقتل المخضب بن عسكر واكتسح بنو عبد الواد حللهم وذلك سنة أربعين وخمسمائة فلحق بنو مرين بعدها بصحرائهم ومجالات قفرهم وقام بأمرهم من بعد المخضب ابن عمه حمامة بن محمد إلى أن هلك فقام بأمرهم ابنه محيو ولم يزل مطاعا فيهم إلى أن استنفرهم المنصور لغزاة الارك فشهدوها وأبلوا فيها البلاء الحسن وأصابت محيو يومئذ جراحة هلك منها بصحراء الزاب سنة احدى وتسعين وخمسمائة وكان من رياسة عبد الحق ابنه من بعده وبقائها في عقبه ما نذكره ان شاء الله سبحانه
وتعالى

(7/176)


واعتزم على اتباعه فثناه عن رأيه في ذلك أخوه يعقوب بن عبد الحق لعهد تأكد بينه وبين يغمراسن فرجع ولما انتهى إلى المقر مدة هذه بلغه أن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة من بعض أهلها أطمعته في ملكها فأغذ اليهما السير بجموعه ودخلها ولصبيحة دخوله وصل يغمراسن لشأنه فلما علم بمكان أبى يحيى من البلد سقط في يده ويئس من غلا به ودارت بينهم حرب تكافؤا فيها وهلك سليمان بن عثمان بن عبد الحق ابن أخى الامير أبى يحيى وانقلب يغمراسن إلى بلده وعقد الامير أبو يحيى على سجلماسة ودرعة وسائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن واستعمل على الجباية عبد السلام الاوربي وداود بن يوسف وانكفأ راجعا إلى فاس والله تعالى أعلم { الخبر عن مهلك أبى يحيى وما كان اثر ذلك من الاحداث التى تمحضت عن استبداد أخيه يعقوب بن عبد الحق بالامر } لما رجع الامير أبو يحيى من حرب يغمراسن بسجلماسة أقام أياما بفاس ثم نهض إلى سجلماسة متفقدا لثغورها فانقلب منها عليلا وهلك حتف أنفه على سرير ملكه في رجب سنة ست وخمسين أمضى ما كان عزما وأطول إلى تناول الملك يد اختطفته المنون عن شأنه ودفن بمقبرة باب الفتوح من فاس ضجيعا للولى أبى محمد الفشتالى كما عهد لاهل بيته وتصدى للقيام بأمره ابنه عمر واشتمل عليه عامة قومه ومالت المشيخة وأهل الحل والعقد إلى عمه يعقوب بن عبد الحق وكان غائبا عن مهلك أخيه بتازى فلما بلغه الخبر أسرع اللحاق بفاس وتوجهت إليه وجوه الاكابر وأحس عمر بصاغية الناس إليه وحرضه أتباعه على الفتك بعمه فاعتصم بالقصبة وسعى الناس في اصلاح ذات بينهما فتفادى يعقوب عن الامر ودفعه لابن أخيه على أن تكون له بلاد تازى وبطوية وملوية ولما لحق بتازى واجتمع إليه كافة بنى مرين عذلوه فيما كان منه
فاستلام وحملوه على العودة في الامر ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والموازرة فأجاب وبايعوه وصمد إلى فاس وبرز عمر للقائه فانتهى إلى ولما تراءى الجمعان خذله جنوده وأسلموه فرجع إلى فاس مغلولا ووجه الرغبة إلى عمه أن يقطعه مكناسة وينزل له عن الامر فأجابه إلى ذلك ودخل السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق مدينة فاس فملكها سنة سبع وخمسين وتمشت طاعته في بلاد المغرب ما بين ملوية وأم الربيع وسجلماسة وقصر كتامة واقتصر عمر على امارة مكناسة فتولاها أياما ثم اغتاله من عشيره عمر وابراهيم ابنا عمه عثمان بن عبد الحق والعباس بن عمه محمد بن عبد الحق فقتلوه وثأروا منه بدم كانوا يعتدونه عليه وهلك لعام أو بعد عام من امارته فكفى يعقوب شأنه واستقام سلطانه وذهب التنازع والمشاق عن أمره وكان يغمراسن بعد مهلك قرنه

(7/177)


الامير أبى يحيى سما له أمل في الاجلاب على المغرب فجمع ذلك قومه واستجاش بنى توجين ومغراوة وأظمعهم في غبل الاسد ونهض إلى المغرب حتى انتهوا إلى كلدامان وصمد السلطان يعقوب بن عبد الحق إلى لقائهم فغلبهم ورجعوا إلى تفيئته ومر يغمراسن ببلاد بطوية فأحرق وانتسف واستباح وأعظم فيها لنكاية ورجع السلطان إلى فاس وتقبل مذاهب أخيه الامير أبى يحيى في فتح أمصار المغرب وتدويخ أقطاره وكان مما أكرمه الله به أن فتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدى النصارى فكان له بها أثر جميل وذكر خالد على ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن فجأة العدو مدينة سلام واستنقاذها من أيديهم) * كان يعقوب بن عبد الله قد استعمله عمه الامير أبو يحيى على مدينة سلا لما ملكها كما ذكرناه ولما استرجعها الموحدون من يده أقام بتغلب في جهاتها مراصدا لاهلها وحاميتها ولما بويع عمه يعقوب بن عبد الحق اسفته بعض الاحوال فذهب مغاضبا حتى نزل غبولة وألطف الحيلة في تملك رباط الفتح وسلا ليعتدها ذريعة لما أسر في
نفسه فتمت له الحيلة وركب عاملها ابن يعلو البحر فارا إلى أزمور وخلف أمواله وحرمه فتملك يعقوب بن عبد الله البلد وجاهر بالخلع وصرف إلى منازعة عمه السلطان أبى يوسف وجوه العزم وداخل تجار الحرب في الامداد بالسلاح فتماروا في ذلك وكثر سفر المترددين بينهم حتى كثروا أهلها وأسملوا فيها غرة عيد الفطر من سنة ثمان وخمسين عند شغل الناس بعيدهم وثاروا بسلا وسبوا الحرم وانتهبوا الاموال وضبطوا البلد وامتنع يعقوب بن عبد الله برباط الفتح وطار الصريخ إلى السلطان أبى يوسف وكان بتازى مستشرفا لاحوال يغمراسن فنادى في قومه وطار بأجنحة الخيول ووصلها اليوم وليلة وتلاحقت به امداد المسلمين من أهل الديوان والمطوعة ونازلها أربع عشرة ليلة ثم اقتحمها عليهم عنوة وأثخن فيهم بالقتل ثم رم بالبناء ماكان متثلما بسورها الغربي حيث أمكنت منه الفرصة في البلد وتناول البناء فيه بيده والله لا يضيع عمل عامل وخشى يعقوب بن عبد الله بادرة السلطان فخرج من رباط الفتح وأسلمه فضبطه السلطان وثقفه ثم نهض إلى بلاد تامسنا وأنفى فملكها وضبطها ولحق يعقوب ابن عبد الله بحصن علودان من حبال غمارة فامتنع به وسرح السلطان ابنه أبا مالك عبد الواحد وعلى بن زيان لمنازلته وسار إلى لقاء يغمراسن لقاء المهادنة فلقيه بجو حرمان وافترقا على السلم ووضع أوزار الحرب ورجع السلطان إلى المغرب فخرج عليه أبناء أخيه أولاد ادريس ولحقوا بقصر كتامة وتابعوا يعقوب ابن عمهم عبد الله على رأيه واجتمعوا إلى اكبيرهم محمد بن ادريس فبمن إليهم من العشير والصنائع فنهض

(7/178)


إليهم واعتصموا بجبال غمارة ثم استنزلهم واسترضاهم وعقد لعامر بن ادريس سنة ستين على عسكر من ثلاثة آلاف فارس أو يزيدون من المطوعة من بنى مرين وأغزاهم إلى العدوة لجهاد العدو وحملهم وفرض لهم وشفع بها عمله في واقعة سلا وهو أول جيش أجاز من بنى مرين فكان لهم في الجهاد والمرابطة مقامات محمودة وكذر خالد تقبل سلفهم
فيها خلفهم من بعدهم حسبما نذكره وأقام يعقوب بن عبد الله خارجا بالنواحي مثقلا في الجهات إلى أن قتله طلحة بن على بساقية غبولة من ناحية سلا سنة ثمان وستين فكفى السلطان شأنه وكان المرتضى مذ توالت عليهم الوقائع واستمر الظهور لبنى مرين انحجر في جدرانه وتوارى بالاسوار عن عدوه فلم يسم إلى لقاء زحف ولاحدث نفسه بشهود حرب واستأنيد بنو مرين على الدولة وشرهوا إلى التهام وأسفوا إلى منازلة مراكش دار الخلافة كما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن منازلة السلطان أبى يوسف حضرة مراكش دار الخلافة وعنصر الدولة وما كان اثر ذلك من نزوع أبى دبوس إليه وكيف نصبه للامر وكان مهلك المرتضى على يده ثم انتقض عليه } لما فرغ السلطان من شأن الخوارج عليه من عشيره استجمع لمنازلة المرتضى والموحدين في دارهم ورأى أنه أوهن لدولتهم وأقوى لامره عليهم وبعث قومه واحتشد أهل ممالكه واستكمل تعبيته وسار حتى انتهى إلى ايكليز واعتزم على ذلك سنة ستين وشارف دار الخلافة ثم نزل بقعرها وأخذ بمخنقها وعقد المرتضى لحربهم للسيد أبى العلاء ادريس لمكنى بأبى دبوس ابن السيد أبى عبد الله ابن السيد أبى حفص بن عبد المؤمن فعبى كتائبه ورتب مصافه وبرز لمدافعتهم ظاهرا نصرة فكانت بينهم حروب بعد العهد بمثلها استشهد فيها الامير عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق وكانوا يسمونه برطانتهم العجوب ففت مهلكه في عضدهم وارتحلوا عنها إلى أعمالهم د واعترضهم عساكر الموحدين بوادي أم الربيع وعليهم يحيى بن عبد الله بن وانودين فاقتتلوا في بطن الوادي وانهزمت عساكر الموحدين وكان في مسيل الواد كدى تحسر عنها غمر الماء تبدو كأنها أرجل فسميت الواقعة بها أم الرجلين ثم سعى سماسرة الفتن عند الخليفة المرتضى في ابن عمه وقائد حربه السيد أبى دبوس بطلبه الامر لنفسه وشعر بالسعاية فخشى بادرة المرتضى ولحق بالسلطان أبى يوسف مدخله إلى فاس من منازلته آخر سنة احدى وستين نازعا إليه فأقام عنده
مليا ثم سأل منه الاعانة على أمره بعسكر يمده وآلة يتخذها لملكه ومال يصرفه في ضروراته على أن يشركه في القسمة والفتح والسلطان فامده بخمسة آلاف من بنى مرين وبالكفاية من المال والمستجاد من الآلة وأهاب له بالعرب والقبائل من أهل

(7/179)


مملكته ومن سواهم أن يكونوا يدا معه وسار في الكتائب حتى شارف الحضرة ودس إلى أشياعه ومن يداخله من الموحدين في أمره فثاروا بالمرتضى وأخفضوه عنها فلحق بازمور مستجيشا بصهره ابن عطوش ودخل أبو دبوس الحضرة في المحرم فاتح خمس وستين وتقبض ابن عطوش عامل أزمور على المرتضى واقتاده أسيرا إلى أبى دبوس فبعث مولاه مزاحما فاحتز رأسه في طريقه واستقل بالخلافة وصبا به آل عبد المؤمن ثم بعث إليه السلطان في الوفاء بالمشارطة فاستنكف وعتا ونقض العهد وأساء الخطاب فنهض إليه في جموع بنى مرين وعساكر المغرب فخام عن اللقاء وانحجز بمراكش ونازله السلطان أياما تباعا ثم سار في الجهات والنواحى يحطم الزرع وينسف الاقوات وعجز أبو دبوس عن دفاعه فاستجاش عليه بيغمراسن بن زيان ليفت في عضده ويشغله عما وراءه ويأخذ بحجزته عن التهامه على ما نذكر لو أمهلته الايام وانفسح له الاجل { الخبر عن وقيعة تلاغ بين السلطان يعقوب بن عبد الحق ويغمراسن بن زيان باغراء أبى دبوس وتضريبه } لما نازل السلطان أبو يوسف حضرة مراكش وقعد على ترائبه للتوثب عليها لم يجد أبو دبوس وليجة من دون قصد الاستجاشة بيعمراسن وقومه عليه ليأخذوا بحجزته عنه ويشغلوه من ورائه فبعث إليه الصريخ في كشف بلواه ومدافعة عدوه وأكد العهد وأسنى الهدية فشمر يغمراسن لاستنقاذه وجذب عدوه من ورائه وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرم نارا فأهاج عليه وعلى قومه من السلطان يعقوب لثا عاديا وأرهف منه عزما ماضيا وأفرج يعقوب على مراكش بعزم النهوض إلى تلمسان ونزل بفاس
فتلوم بها اياما حتى أخذ أهبة الحرب وأكمل استعدادها ورحل فاتح ست وستين وسلك على كرسيف ثم على تافرطا وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ وعبى كل منهم كتائبه وزحف مصافه وبرز النساء مسافرات الوجوه على سبيل التحريش لحسن وسعد بن ويرغين ولما فاء الفئ ومال النهار وكثرت حشود المغرب وجموع بنى عبد الواد ومن إليهم انكشفوا ومنحوا العدو أكتافهم وهلك أبو حفص عمر كبير ولد يغمراسن وولى عهده في جماعة من عشيره ذكرناهم في أخباره وأخذ يغمراسن بأعقاب قومه فكان لهم ردأ إلى أن خلصوا من المعترك ووصلوا إلى بلادهم في جمادى من سنتهم وعاد السلطان أبو يوسف إلى مكانه من حصار مراكش والله أعلم { الخبر عن السفارة والمهاداة التى وقعت بين السلطان يعقوب ابن عبد الحق وبين المنتصر الخليفة بتونس من آل أبى حفص } كان الامير أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبى حفص منذ دعا لنفسه بتونس سنة خمس

(7/180)


وعشرين طموحا إلى ملك مراكش مقر الدعوة ومنبعث الدعوة وأصل الخلافة وكان يؤمل لذلك زناتة من خضد شوكة آل عبد المؤمن وتقليم أظافر بأسهم وردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه وتغلب على تلمسان سنة أربعين ودخل يغمراسن بن زيان في دعوته وصار فئة له وشيعة على عدوه كما ذكرناه فوصل به جناحه للمدافعة وناغاه بنو مرين في مراسلة ابن أبى حفص ومخاطبته والتخفيض عليه فيما يهمه من شأن عدوه وحمل ما يفتحون من بلاد المغرب على البيعة له والطاعة مثل فاس ومكناسة والقصر وكان هو يلاطفهم بالتحف والهدياا ويريهم البر في الكتاب والخطاب والمعاملة والتكريم للوفد غير سبيل آل عبد المؤمن فكانوا يجنحون بذلك إلى مراسلته وايفاد قرابتهم عليه وولى ابنه المستنصر بعده سنة سبع وأربعين فتقبل مذاهب أبيه وأوفى عليه بالايعاز إليهم بمنازلة مراكش وضمان الانفاق عليهم فيها فكان يبعث لذلك أحمالا
من المال والسلاح وأعدادا وافرة من الخيل بمراكبها للحملان ولم يزل ذلك دأبه معهم ولما فعل أبو دبوس فعلته في نقض العهد واستجمع السطان لمنازلته قدم بين يدى عمله مراسلة الخليفة المستنصر يخبره الخبر ويتلطف له في استنزال المدد فأوفد عليه ابن أخيه عامر بن ادريس بن عبد الحق وأصحبه عبد الله بن كندور لعبد الواد كبير بنى كمى وقريع يغمراسن الذى ثأر يغمراسن من أبيه كندور بأبيه زيان كما ذكرناه في أخبارهم وكان خلص إليه من حضرة المستنصر فلقاه مبرة وتكريما وأوفد معهم الكاتب أبا عبد الله محمد الكنانى من صنائع دولة آل عبد المؤمن كان نزع إلى أخيه الامير أبى يحيى لما رأى من اختلال الدولة وأنزله مكناسة وآثره بالصحبة والخلة فجمع له يعقوب بن عبد الحق في هذا الوفد من الاشراف من يحسن الرياسة ويعرب عما في ضمائر الناس ويدله على شرف مرسله فوفدوا على المستنصر سنة خمس وستين وأدوا رسالتهم وحركوا له جوار المظاهرة على صاحب مراكش عنانه فحن واهتز سرورا من أعواده ولقاهم مبرة التكريم واسحان النزل ورد الامير عامر بن ادريس وعبد الله بن كندور لوقتهما وتمسك بالكناني من بينهم لمصاحبة وفده فطال مقامه عنده إلى أن كان من فتح مراكش ما نذكره ثم أوفد المستنصر على السلطان يعقوب بن عبد الحق آخر سنة سبع وثمانين بعدها شيخ الجماعة من الموحدين لعهده أبا زكريا يحيى بن صالح الهنتائى مع جماعة من مشيخة الموحدين في مرافقة محمد الكنانى وبعث معهم إلى السلطان هدية سنية يلاطفه بها ويتاحفه انتخب فيها من الجياد والسلاح وأصناف الثياب الغريبة العمل ما انتقاه ووفق رضاه وهمته على الاستكثار منه فحسن موقعها وتحدث وانقلب وفده أحسن منقلب بعد أن تلطف محمد الكنانى في ذكر الخليفة المستنصر على منبر مراكش فتم له

(7/181)


وشهد له وفد الموحدين فعظم سرورهم وانقلبوا محبورين مسرورين واتصلت بعد ذلك مهاداة المستنصر ليعقوب بن عبد الحق إلى أن هلك وحذا ابنه الواثق من بعده على
سننه فبعث إليه سنة سبع وستين هدية حافلة بعث بها القاضى أبا العباس الغمارى قاضى بجاية فعظم موقعها وكان لابي العباس الغمارى بالمغرب ذكر تحدث به الناس والله أعلم * (الخبر عن فتح مراكش ومهلك أبى دبوس وانقراض دولة الموحدين من المغرب) * لما رجع السلطان أبو يوسف من حرب يغمراسن ورأى أن قد كفى عدوه وكف غربه ورد من كيده وكيد أبى دبوس صريخه صرف حينئذ عزائمه إلى غزو مراكش والعود إلى مضايقتها كما كان لاول أمره ونهض لغزاته من فاس في شعبان من سنته ولما جاوزوا أم الربيع بث السرايا وسرح الغارات وأطلق الايدى والاعنة لنهب والعبث فحطموا رزوعها وانتسفوا آثارها وتقري نواحيها كذلك بقية عامه ثم غزا عرب الخلط من جشم بتادلا فأثخن فيهم واستباحهم ثم نزل وادى العبيد ثم غزا بلاد صنهاجة ولم يزل ينقل ركابه بأنحاء البلاد المراكشية واحوازها حتى حضرت صدور بنى عب دالمؤمن وقومه وأغزاهم أولياء الدوة من عرب جشم بنهوض الخليفة لمدافعة عدوه فجمع لذلك وبرز في جيوش صخمة وجموع وافرة واستجره أبو يوسف بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ فيستمكن منه حتى نزل عفو ثم كر إليه والتحم القتال فاختل مصافه وخر صريعا لليدين وللفم واجتز رأسه وهلك بمهلكه وزيره عمران وكاتبه على بن عبد الله المغيلى وارتحل السلطان أبو يوسف إلى مراكش وفر من كان بها من الموحدين فلحقوا بجبل تيمال وبايعوا اسحق أخا المرتضى فبقى ذبالة هنالك سنين ثم تقبض عليه سنة أربع وسبعين وسيق إلى السلطان هو وأبو سعيد ابن عمه السيد أبى الربيع والقبائلي وأولاده فقتلوا جميعا وانقرض أمر بنى عبد المؤمن والله وارث الارض ومن عليها وخرج الملا وأهل الشورى من الحضرة إلى السلطان فأمنهم ووصلهم ودخل مراكش في بروز فخم فاتح سنة ثمان وستين وورث ملك آل عبد المؤمن وتمالاه واستوسق أمره بالمغرب وتطامن الناس لباسه وسكنوا الظل سلطانه وقام بمراكش إلى رمضان من سنته وأغزى ابنه الامير أبا مالك إلى بلاد السوس فافتتحها
وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها ثم خرج بنفسه إلى بلاد درعة فأوقع بهم الوقيعة المشهورة التى خضدت من شوكتهم ورجع لشهرين من غزاته ثم أجمع الرحلة إلى داره بفاس فعقد على مراكش وأعمالها لمحمد بن على بن يحيى من كبار أوليائهم ومن أهل خولته وكان من طبقة الوزراء حسبما يأتي التعريف به وبعشيرته وأنزله بقصبة مراكش وجلع المسالح في أعمالها لنظره وعهد إليه بتدويخ الاقطار ومحو آثار بنى

(7/182)


عبد المؤمن وفصل إلى حضرته في شوال وأراح بسلا فكان من خبر عهده لابنه ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن عهد السلطان لابنه أبى مالك وما كان عقب ذلك من خروج القرابة عليها أولاد أخيه ادريس واجازتهم إلى الاندلس } لما تلوم السلطان بسلا منصرفه من رباط الفتح وأراح بها ركائبه عرض له طائف من المرض ووعك وعكا شديدا فلما أقفل جمع قومه وعهد لابنه فيهم أبى مالك عبد الواحد كبير ولده لما علم من أهليته لذلك وأخذ له البيعة عليهم فأعطوها طواعية وأسف لقرابة من ولد أخويه عبد الله وادريس لامهما سوط النساء ووجدوا في أنفسهم لما يرون أن عبد الله وادريس أكابر ولد عبد الحق ولهما التقدم على من بعدهما من ولده وأنهما أحق بالامر فرجعت هنت إلى أذنا بها ونفسوا عن ابن السلطان لما أخذ له من البيعة والعهد ونزعوا عنه إلى جبل علودان من جبال غمارة عش خلافهم ومدرج فتنتهم وذلك سنة تسع وستين ورياستهم يومئذ لمحمد بن ادريس وموسى بن رحو بن عبد الله وخرج معهم ولد أبى عياد بن عبد الحق وأغزاهم السلطان ولده أبا يعقوب يوسف في خمسة آلاف من عسكره فأحاط بهم وأخذ بمخنقهم ولحق به أخوه أبو مالك في عسكره ومعه مسعود بن كانون شيخ بسفيان ثم خرج في أثرهم السلطان إبو يوسف واجتمع معسكرهم بتافركا ونازلوهم ثلاثا وهلك في حروبهم منديل بن ورتطليم
ولما رأوا ان أحيط بهم سألوا الامان فبذله وأنزلهم واستل سخائمهم ومسح ما في ارتكبوه فأذن لهم وأجازوا البحر إلى الاندلس وخالفهم عامر بن ادريس لما أنس من صاغية السلطان إليه فتخلف عنهم بتلمسان حتى توثق لنفسه بالعهد وعاد إلى قومه بعد منازلة السلطان بتلمسان كما نذكره الآن واحتل بنو ادريس وعبد الله وابن عمهم أبو عياد باندلس على حين أقفر من الحامية جوها واستأسد العدو على ثغرها وغلبت شفاههم فاحتلوها أسودا ضارية وسيوفا ماضية معودين لقاء الابطال وقراع الحتوف والنزال مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة العز وبسالة التوحش فعظمت نكايتهم في العدو واعترضوا شجى في صدره دون الوطن الذى كان طعمة له في ظنه وارتدوه على عقبه ونشطوا من همم المسلمين المستضعفين وراء البحر وبسطوا من أمالهم لمدافعة طاغيتهم وزاحموا أمير الاندلس في رياستها بمنكب فتجافى لهم عن خطة الحرب ورياسة الغزاة من أهل العدوة من أعياصهم وقبائلهم ومن سواهم من أمم البرابرة وتناقلوه وساهموه في الجباية لفرط العطاء والديوان فبذله لهم واستمدوا على العدو وحسن أثرهم

(7/183)


فيها كما نذكره بعد في أخبار القرابة ثم أعمل السلطان نطره في غزو تلمسان على ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن حركه السلطان أبى يوسف إلى تلمسان وواقعيته على يغمراسن وقومه بايسيلى } لما غلب السلطان أبو يوسف على بنى عبد المومن وفتح مراكش واستولى على ملكهم سنة ثمان وستين وعاد إلى فاس كما ذكرناه تحرك ما كان في نفسه من ضغائن يغمراسن وبنى عبد الواد وما أسفوا به من تخذيل عزائمه ومجادلته عن قصده ورأى أن واقعة تلاغ لم تشف صدره ولا أطفأت نار موجدته فأجمع أمره على غزوهم واقتدر بما صار إليه من الملك والسلطان على حشد أهل المغرب لحربهم وقطع دابرهم
فعسكر بفاس وسرح ولده وولى عهده أبا مالك إلى مراكش في خواصه ووزرائه حاشدين في مدائنها وضواحيها وقبائل العرب والمصامدة وبنى ورا وغمرة وصنهاجة وبقايا عساكر الموحدين بالحضرة وحامية الانصار من جند الروم وناشبة العز فاستكثر من أعدادهم واستوفى حشدهم واحتفل السلطان بحركته وارتحل عن فاس سنة سبعين وستمائة وتلوم بملوية إلى أن لحقته الحشود وتوافت إليه أمداد العرب من قبائل جشم أهل تامسنا الذين هم سفيان والخلط والعاصم وبنو جابر ومن معهم من الاثبج وقبائل ذوى حسان والشبانات من المعقل أهل السوس الاقصى وقبائل رياح أهل ازغار والهبط فاعترض هنالك عساكره وعبى مواكبه فيقال بلغت ثلاثين ألفا وأرتحل يريد تلمسان ولما انتهى إلى انكاد وافته رسل ابن الاحمر هنالك ووفد المسلمين بالاندلس صريخا على العدو يستجيشون باخوانهم المسلمين ويسألونم الاعانة فتحركت همته للجهاد ونصر المسلمين من عدوهم ونظر في صرف الشواغل عن ذلك وجنح إلى السلم مع يغمراسن وصوب الملا في ذلك رأيه لما كانوا عليه من ايثار الجهاد وانتدب جماعة من المشيخة إلى السعي في صلاح ذات بينهما وانكفا من غرب عدوتهما وساروا الى يغمراسن فوافوه بظاهر تلمسان وقد أخذ أهبته واستعد للقاء واحتشد زناتة أهل ممالكه بالشرق من بنى عبد الواد وبنى راشد ومغراوة وأحلافهم من العرب زغبة فلج في لك واستكبر وصم عن اسعافهم وزحف في جموعه والتقى الجمعان بوادي ايسيلى من بسائط وجدوة السلطان أبو يوسف قد عبى كتائبه ورتب مصافه وجعل ولديه الاميرين أبا مالك وأبا يعقوب في الجناحين وسار في القلب فدارت بينهم حرب شديدة أجلت عن هلاك فارس بن يغمراسن وجماعة من بنى عبد الواد وكاثرهم حشود المغرب الاقصى وقبائله وعساكر الموحدين والبلاد المراكشية فولوا الادبار وهلك عامة عسكر الروم

(7/184)


لثباتهم بثبات السلطان فطحنتهم رحى الحرب وتقبض على قائدهم بيرنيس ونجا
يغمراسن بن زيان في فله مدافعا دونه إلى تلمسان ومر بفساطيطه فأضرمها نارا وانتهب معسكره واستبيحت حرمه وأقام السلطان أبو يوسف على وجدة حتى خربها وأصرع بالتراب أسوارها وألصق بالرغام جدرانها ثم نهض إلى تلمسان فحاصرها أياما وأطلق الايدى في ساحتها بالنهب والعيث وشن الغارات على البسائط فاكتسحها سبيا ونسفها نسفا وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساى وكان من علية وزرائه وحماة ميدانه له في ذلك أخباره مذكورة وكان مهلكه في شوال من هذه السنة ووصله بمثواه من حصارها محمد بن عبد القوى أمير بنى توجين ومستصرخه على بنى عبد الواد لما نال منه يغمراسن من طبخ القهر وذل الغلب والنحيف في كافة قبيله مباهيا بآلته فأكرم السطان أبو يوسف وفادته واستركب الناس للقائه وبرور مقدمه واتخاذ رتبة السلاح لمباهاته وأقام محاصر التلمسان معه أياما حتى وقع اليأس وامتنع البلد واشتد شوكة حاميته ثم أجمع السلطان أبو يوسف على الافراج عنها وأشار على الامير محمد بن عبد القوى وقومه بالقفول قبل قفوله وأن يغذوا السير إلى بلادهم وملا حقائبهم باتحافه وجنب لهم من المائة من المقربات بمراكبها وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالخلع مع الصلات والخلع الفاخرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والفساطيط وحملهم على الظهر وارتحلوا وتلوم السلطان أياما لمنجاتهم إلى مقرهم من جبل وانشريس حذرا من غائلة يغمراسن من انتهاز الفرصة فيهم ثم دخل إلى فاس ودخلها مفتتح احدى وسبعين وهلك ولده الامير أبو مالك ولى عهده لايام من مقدمه فأسف لمهلكه ثم تعزى بالصبر الجميل عن فقده ورجع إلى حاله في افتتاح بلاد المغرب وكان في غزوته هذه ملك حصن تاوتت وهو معقل مطغرة وشحنه بالاقوات لما رآه ثغرا مجاورا لعدوه وأسلمه لنظر هرون بن شيخ مطغرة ثم ملك حصن مليلة بساحل الريف مرجعه من غزاته هذه وأقام هرون بحصن تاونت ودعا لنفسه ولم يزل يغمراسن يردد الغزو إليه حتى فر من الحصن واستلمه سنة خمس وسبعين ولحق بالسلطان أبى يوسف كما ذكرناه
في أخباره عند ذكر قبيلة مطغرة وكان من شأنه ما ذكرناه { الخبر عن افتتاح مدينة طنجة وطاعة أهل سبتة وفرض الاتاوة عليهم وما قارن ذلك من الاحداث } كانت هاتان المدينتان سبته وطنجة من أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر ممالكهم بما كانت ثغر العدوة ومرفا الاساطيل ودار الانشاء الآلات التجرية وفرضة الجواز إلى الجهاد فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بنى عبد المؤمن وقد ذكرنا

(7/185)


أن الرشيد كان عقد على أعمالها لابي على بن الخلاص من أهل بلنسية وأنه بعد استفحال الامير أبى زكريا بافريقية ومهلك الرشيد صرف الدولة إليه سنة أربعين وبعث إليه بالمال والبيعة مع ابنه أبى القاسم وولى على طنجة يوسف بن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني المعروف بابن الامير قائدا على الرجل الاندلسيين وضابطا للقصبة وعقد الامير أبو زكريا على سبتة لابي يحيى بن أبى زكريا ابن عمه أبى يحيى السيد بن الشيخ أبى حفص فنزل بها واستراب أبو على بن خلاص من العواقب عند مهلك ابنه الوافد على السلطان غريقا في البحر فرحل بجملته إلى تونس في السفن وأراح ببجاية فكان فيها هلاكه سنة ست وأربعين ويقال هلك في سفينته ودفن ببجاية ولما هلك الامير أبو زكريا سنة سبع بعدها انتقض أهل سبتة على ابنه المنتصر وطردوا ابن الشهيد وقتلوا العمال الذين كانوا معه وصرفوا الدعوة للمرتضى وتولى ذلك حجفون الرنداحى بمداخلة أبى القاسم الغرفى كبير المشيخة بسبتة وأعظمهم تجلة نشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبى العباس أحمد مكنوفا بالجلالة مغذوا بالعلم والدين لما كان له فيها قدم إلى أن هلك فاوجب أهل البلد لابنه ما عرفوه من حقه وحق أبيه من قبله وكانوا يفزعون إليه في المهمات ويسلمون له في الشورى فأغرى الرنداحى بهذه الفعلة ففعلها وعقد المرتضى لابي القاسم الغرفى على سبتة مستقلا من غير اشراف أحد من السادة ولا
من الموحدين واكتفى بغنائه في ذلك الثغر وعقد لحجفون الرنداحى على قيادة الاساطيل بالمغرب فورثها عنه بنوه إلى أن زاحمهم الغرفى بمناكب رياسته فقوضوا عن سبتة فمنهم من نزل بمالقة على ابن الاحمر ومنهم من نزل ببجاية على أبى حفص ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم واستقل الفقيه أبو القاسم الغرفى برياسة سبتة وأورثها بنيه من بعده على ما نذكره بعد وكانت طنجة تالية سبتة في سائر الاحوال وتبعا لها فاتبع ابن الامير صاحبها امارة الفقيه أبى القاسم ثم انتقض عليه لسنة واستبد وخطب لابن أبى حفص ثم للعباسي ثم لنفسه وسلك فيها مسلك الغرفى في سبتة ولبثوا كذلك ما شاء الله حتى إذا ملك بنو مرين الغرب وابثوا في شعابه ومدوا اليد في ممالكه فتناولوها ونزلوا معاقله وحصونه فافتتحوها وهلك الامير أبو يحيى عبد الحق وابنه عمر من بعده وتحيز بنوه في ذويهم واتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا فأوطنوا ضاحيتها وأفسدوا سابلتها وضيقوا على ساكنها واكتسحوا ما حواليها وشارطهم ابن الامير على خراج معلوم على أن يكفوا الاذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة فاتصلت يده بيدهم وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم ثم مكروا وأضمروا الغدر ودخلوا في بعض أيامهم متأبطين السلاح وفتكوا بابن الامير غيله فثارت بهم العامة لحينهم واستلحموا في مصرع واحد

(7/186)


سنة خمس وستين واجتمعوا إلى ولده وبقيت في ملكته خمسة أشهر ثم استولى عليها الغرفى فنهض بعساكره من الرجل برا وبحرا واستولى عليها وفر ابن الامير ولحق بتونس ونزل على المستنصر واستقرت طنجة في ايالة الغرفى فضبطها وقام بأمرها وولى عليها من قبله وأشرك الملا من أشرافها في الشورى ونازلها الامير أبو مالك سنة ست وستين فامتنعت عليه وأقامت على ذلك حتى إذا انتظم السلطان أبو يوسف ببلاد المغرب في مملكته واستولى على حضرة مراكش ومحا دولة بنى عبد المؤمن وفرغ من أمر عدوة يغمراسن وهم بتلك الناحية واستضافة عملها فأجمع الحركة إليها ونازل طنجة
مفتتح سنة ثنتين وسبعين بما كانت في البسيط من دون سبتة وأقام عليها أياما ثم اعتزم على الافراج عنها فقذف الله في قلوبهم الرعب وافترق بينهم وتنادى في بعض الناشية من السور بشعاب بنى مرين فبادر سرعان أناس إلى تسور حيطانها فملكوها عليهم وقاتلوا أهل البلد ظلام ليلتهم ثم دخلوا البلد من صبيحتها عنوة ونادى منادى السلطان في الناس بالامان والعفو عن أهل البلد فسكن روعهم ومهد وفرغ من شأن طنجة ثم بعث ولده الامير أبا يعقوب في عساكر ضخمة لمنازلة الغرفى في سبتة وارغامه عن الطاعة فنازلها أياما ثم لاذ بالطاعة على المنعة واشترط على نفسه خراجا يؤديه كل سنة فتقبل السلطان منه وأفرجت عساكره عنهم وقفل إلى حضرته وصرف نظره إلى فتح سجلماسة وازعاج بنى عبد الواد المتغلبين عليها كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن فتح سجلماسة ودخولها عنوة على بنى عبد الواد والمنبات من عرب المعقل } قد ذكرنا ما كان من تغلب الامير أبى يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وبلاد درعة وأنه عقد عليها وعلى سائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن وأنزل معه ابنه مفتاحا المكنى بأبى حديد في مشيخته لحياطتها وأن المرتضى سرح وزيره ابن عطوش سنة أربع وخمسين في العساكر لارتجاعها فنهض الامير أبو يحيى إليه وشرده عنها ورجعه على عقبه وأن يغمراسن بن زيان من بعد واقعة أبى سليط سنة خمس وخمسين قصدها لعورة دل عليها وغرة أمل اصابتها فسابقه إليها الامير أبو يحيى وما لقه من دونها ورجع عنها خائب المسعى مفلول الحامية وكان الامر أبو يحيى من بعد أن عقد عليها ليوسف ابن يزكاسن عقد عليها من بعده لسنة ونصف من ولايته ليحيى بن أبى منديل كبير بنى عسكرا قتالهم ومقاسميهم نسب محمد بن وطيص ثم عقد عليها لشهرين لمحمد بن عمران ابن عبلة من بنى يرسان صنائع دولتهم واستعمل معه على الجباية أبا طالب الحبشى وجعل مسلحة الجند بها لنظر أبى يحيى القطراني وملكه قيادتهم وأقاموا على ذلك

(7/187)


سنة ثنتين ولما هلك الامير أبو يحيى وشغل السلطان أبو يوسف بحرب يغمراسن ومنازلة مراكش سما للقطراني أمل في الاستبداد بها وداخل في ذلك بعض أهل الفتن وظاهره يوسف بن الغزى وفتكوا بعمار الورند غزاني شيخ الجماعة بالبلد وائتمروا بمحمد بن عمران بن عبلة فخرج ولحق بالسلطان واستبد القطراني بها ثم ثار بهأهل البلد سنة ثمان وخمسين لسنة ونصف من لدن استبداده وقتلوه وصرفوا بيعتهم إلى الخليفة المرتضى بمراكش وتولى كبر ذلك القاضى بن حجاج وعلى بن عمر فعقد له المرتضى عليها وأقام بها أميرا ونازلهم عساكر بنى مرين والسلطان أبو يوسف سنة ستين ونصب عليها آلات الحصار فأحرقوها وامتنعوا وأفرج عنهم وأقام على بن عمر في سلطانه ذلك ثلاث سنين ثم هلك وكان الامير يغمراسن بن زيان منذ غلب الموحدين على تلمسان والمغرب الاوسط وصار في ملكته تحيز إليه من عرب المعقل قبيل المنبات من ذوى منصور بما كانت مجالات المعقل مجاورة لمجالات بنى يادين في القفر وانما ارتحلوا عنها من بعد ما جأجأ يغمراسن من بنى عامر بمجالاتهم من مصاب ببلاد بنى يزيد فزاحموا المعقل بالمناكب عن مجالاتهم ببلاد فيكيك وصاروا حولهم إلى ملوية وما وراءها من بلاد سجلماسة فملكوا تلك المجالات ونبذ يغمراسن العهد إلى ذوى عبيد الله منهم واستخلص المنبات هؤلاء فكانوا له حلفاء وشيعة ولقومه ودعوته خالصة وكانت سجلماسة في مجالاتهم ومتقلب ظعنهم وناجعتهم ولهم فيها طاعة معروفة فلما هلك على بن عمر آثروا يغمراسن بملكها فحملوا أهل البلد على القيام بطاعته وخاطبوه وجأجؤا به فغشيها بعساكره وملكها وضبطها وعقد عليها لعبد الملك بن محمد بن على بن قاسم بن درع من ولد محمد بن زكراز بن يندوكس ويعرف بابن حنينة نسبة إلى أم أبيه أخت يغمراسن ومعه يغمراسن بن حمامة وأنزل معهما ولده الامير يحيى لاقامة الرسم الملوكى ثم أداله بأخيه من السنة الاخرى وكذا كان شأنه في كل سنة ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد
المغرب وانتظم أمصاره ومعاقله في طاعته وغلب بنى عبد المؤمن على دار خلافتهم ومحا رسمهم وافتتح طنجة وطوع سبتة مرفأ الجواز إلى العدوة وثغر المغرب سما أمله إلى بلاد القبلة فوجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة من أيدى بنى عبد الواد المتغلبين عليها وادالة دعوته فيها من دعوتهم فنهض إليها في العساكر والحشود في رجب من سنة ثنتين وسبعين فنازلها وقد حشد إليها أهل المغرب أجمع من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات وهندام الغفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من حربة النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الافعال إلى قدرة باريها فأقام عليها حولا كريتا يغاديها القتال ويراوحها إلى أن سقطت

(7/188)


ذات يوم على حين غفلة طائفة من سورها بالحاح الحجارة من المنجنيق عليها فبادروا إلى اقتحام البلد فدخلوها عنوة من تلك الفرجة في صفر من سنة ثلاث وسبعين فقتلوا المقاتلة والحامية وسبوا الذرية وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة ومن كان معهم من بنى عبد الواد وأسراء المنباة وكمل فتح بلاد المعرب للسلطان أبى يوسف وتمشت طاعته في أقطاره فلم يبق فيه معقل يدين بغير دعوته ولا جماعة تتحيز إلى غير فئته ولا امل ينصرف إلى سواه ولما كملت له نعم الله في استيساق ملكه وتمهيد أمره انصرف أمله إلى الغزو وايثار طاعة الله بجهاد أعدائه واستنقاذ المستضعفين من وراء البحر من عباده على ما نذكره ان شاء الله تعالى ولما انكفأ راجعا من سجلماسة قصد مراكش من حيث جاء ثم وقف إلى سلا فأراح بها أياما ونظر في شؤنها وسد ثغورها وبلغه الخبر بوفادة أبى طالب صاحب سبتة الفقيه أبى القاسم الغرفى على فاس فأغذ السير إلى حضرته وأكرم وفادته وأحسن منقلبه إلى أبيه مملوء الحقائب ببره رطب اللسان بشكره ثم شرع في اجازة ولده كما نذكره الآن ان شاء الله تعالى { الخبر عن شأن الجهاد وظهور السلطان أبى يوسف
على النصارى وقتل زعيمهم ذننة وما قارن ذلك } كانت عدوة الاندلس منذ أول الفتح ثغرا للمسلمين فيه جهادهم ورباطهم ومدارج شهادتهم وسبيل سعادتهم وكانت مواطنهم فيه على مثل الرضف وبين الظفر والناب من أسود الكفر لتوفر أممهم جوارها واحاطهم بها من جميع جهاتها وحجز البحر بينهم وبين اخوانهم المسلمين منها لانقطاعهم عن قومهم وأهل دينهم وبعدهم عن الصريخ وشاور في ذلك كبار التابعين وأشراف العرب فرأوه رأيا واعتزم عليه لولا ما عاقه من المنية وعلى ذلك فكان للاسلام فيه اعتزاز على من جاورهم من أهل الكفر بطول دولة العرب من قريش ومضر واليمن وكانت نهاية عزهم وسورة غلبهم أيام بنى أمية بها الطائرة الذكر الباسطة جناحها على العدوتين منذ ثلاث مئين من السنين أو ما يقاربها حتى انتثر سلكها بعد المائة الرابعة من الهجرة وافترقت الجماعة طوائف وفشلت ريح المسلمين وراء البحر بفناء دولة العرب واعتز البربر بالمغرب واستفحل شأنهم وجاءت دولة المرابطين فجمعت ما كان مفترقا بالمغرب من كلمة الاسلام وتمسكوا بالسنة وتشوفوا إلى الجهاد واستدعاهم اخوانهم من وراء البحر للمدافعة عنهم فأجازوا إليهم وأبلوا في الجهاد العد وأحسن البلاء وأوقعوا بالطاغية بن أدفوش يوم الزلاقة وغيرها وفتحوا حصونا واسترجعوا أخرى واستنزلوا الثوار ملوك الطوائف وجمعوا الكلمة بالعدوتين وجاء على اثرهم الموحدون سالكين أحسن مذاهبهم فكان لهم في الجهاد آثار وعلى

(7/189)


الطاغية أيام منها يوم الارد ليعقوب بن المنصور وغيره من الايام حتى إذا فشلت ريح الموحدين وافترقت كلمتهم وتنازع الامر سادة بنى عبد المؤمن الامراء بالاندلس وتحاربوا على الخلافة واستجاشوا بالطاغية وأمكنوه من كثير من حصون المسلمين طعمة على الاستظهار فخشى أهل الاندلس على أنفسهم وثاروا بالموحدين وأخرجوهم وتولى ذلك ابن هود بمرسية وشرق الاندلس وعم بدعوته سائر أقطارها
وأقام الدعوة فيها للعباسيين وخاطبهم ببغداد كما ذكرناه في أخبارهم واستوفينا كلا بما وضعناه في مكانه ثم انحجز ابن هود على الغريبة لبعدها عنه وفقده للعصابة المتناولة لها وانه لم تكن صنعته في الملك مستحكمة وتكالب الطاغية على الاندلس من كل جهة وكثر اختلاف المسلمين منهم وشغل بنو عبد المؤمن بما دهمهم من المغرب من شأن بنى مرين من زناتة فتكافى محمد بن يوسف بن الاحمر أمر الغربية وثار بحصنه أرجولة وكان شجاعا قرما ثبتا في الحروب فتلقف الكرة من يد ابن هود يجاذبه الحبل ويقارعه على عمالات الاندلس واحدة بعد أخرى إلى أن هلك ابن هود سنة خمس وثلاثين وتكالب العدو خلال ذلك على جزيرة الاندلس من كل جانب ووفر له ابن هود الجزية وبلغ بها أربعمائة ألف من الدنانير في كل سنة ونزل له على ثنتين من حصون المسلمين وخشى ابن الاحمر أن يستغلظ عليه بالطاغية فجنح هو إليه وتمسك بعروته ونفر في جملته إلى منازلة اشبيلية نكاية لاهلها ولماهلك الامير أبو زكريا نبذ الدعوة الحفصية واستبد لنفسه وتسمى بأمير المسلمين ونازعه بالشرق أعقاب ابن هود وبنى مردنيش ودعاه الامر إلى النزول للطاغية من بلاد الفرنتيرة فنزل عليها بأسرها وكانت هذه المدة من سنة سبعين فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم والتهم العدو بلادهم وأموالهم نهبا في الحروب ووضيعة ومداراة في السلم واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها فملك ابن أدفوش قرطبة سنة ست وأربعين وتملك قط برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين إلى ما بينهما من الحصون والمعاقل التى لا تعد ولا تحصى وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرد ابن الاحمر بغرب الاندلس وضاق نطاقه عن الممانعة دون البسائط الفيح من الفرنتيرة وما قاربها ورأى أن التمسك بها مع قلة العدد وضعف الشوكة مما يوهن أمره ويطمع فيه عدوه فعقد السلم مع الطاغية على النزول عنها أجمع ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره من عدوهم واختار لنزله مدينة غرناطة وابتنى بها لسكانه حصن الحمراء حسبما شرحنا ذلك كله في مواضعه وفى أثناء هذا كله لم يزل صريخه
ينادى بالمسلمين من وراء البحر والملا من أهل الاندلس يفسدون على أمير المسلمين أبى يوسف للاعانة ونصر الملة واستنقاذ الحرم والولد ان من أنياب العدو فلا يجد مفزعا إلى

(7/190)


ذلك بما كان فيه من مجاذبة الحبل مع الموحدين ثم مع يغمراسن ثم شغله بفتح بلاد المغرب وتدويخ أقطاره إلى أن هلك السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الاحمر المعروف بالشيخ وأبى دبوس لقبين كانا له على حين استكمال أمير المسلمين فتح المغرب وفراغه من شأن عدوه سنة احدى وسبعين على أن بنى مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه وفى نفوسهم جنوح إليه وصاغية ولما استوحش بنو ادريس بن عبد الحق فخرجوا سنة احدى وستين على السلطان يعقوب بن عبد الحق واسترضاهم واستصلحهم انتدب الكثير منهم للغزو واجازة البحر لصريخ المسلمين بالاندلس واجتمع إليهم من مطوعة بنى مرين عسكر ضخم من الغزاة ثلاثة آلاف أو يزيدون وعقد السلطان على ذلك العسكر لعامر بن ادريس فوصلوا إلى الاندلس فكان لهم فيها ذكر ونكاية في العدو وكان الشيخ ابن الاحمر عهد إلى ولده القائم بالامر بعده محمد الشهير بالفقيه لانتحاله طلب العلم أيام أبيه وأوصاه أن يتمسك بعروة أمير المسلمين ويخطب نصره ويدر أبه ويقدمه عن نفسه وعن المسلمين تكالب الطاغية فبادر لذلك لحين مواراة أبيه وأوفد مشيخة الاندلس كافة عليه ولقيه وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة خاتم الفتوح بالثغور المغربية وملاذ العز ومقاد الملك وتبادروا للاسلام وألقوا إليه كنه الخبر عن كلب العدو على المسلمين وثقل وطأته فحيا وفدهم ورؤساءهم وبادر لاجابة داعى الله واستئثار الجنة وكان أمير المسلمين منذ أول أمره مؤثرا أعمال الجهاد كلفا به مختارا له حتى أعطى الخيار سائر آماله حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الاندلس أيام أخيه الامير أبى يحيى وطلب اذنه في ذلك عندما ملكوا مكناسة سنة ثلاث وأربعين فلم يأذن له وفصل إلى الغزو في حشمه وذويه ومن أطاعه من عشيرته وأوعز الامير أبو يحيى لصاحب
الامر بسبتة لذلك العهد أبى على بن خلاص بأن يمنعه الاجازة ويقطع عنه أسبابها ولما انتهى إلى قصر الجواز ثنى عزمه عن ذلك الولى يعقوب بن هرون الخبرى ووعده بالجهاد أمير امستنفر للمسلمين ظاهرا على العدو فكان في نفسه من ذلك شغل واليه صاغية فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزائمه وذكروا همته فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير ونهض من فاس شهر شوال من سنة ثلاث وسبعين إلى فرصة المجاز من طنجة وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم وعقد عليهم لابنه منديل وأعطاه الراية واستدعى من الغد في صاحب سبتة السفن لاجازتهم فوافاه بقصر الجواز عشرون من الاساطيل فأجازوا العسكر ونزل بطريف وأراح ثلاثا ودخل دار الحرب وتوغل فيها وأجلب على ثغورها وبسائطها وامتلات أيديهم من المغانم واثخنوا بالقتل والاسر وتخريب العمران ونسف الآثار حتى نزل بساحة شريس فحام حاميتها عن اللقاء

(7/191)


وانحجزوا في البلاد وقفل عنها إلى الجزيرة وقد امتلات أيديهم من الاموال وحقائبهم من السبى وركائبهم من الكراع والسلاح ورأى أهل الاندلس قد ثاروا بعام العقاب حتى جاءت بعدها الطاعة الكبرى على أهل الكفر واتصل الخبر بأمير المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه وخشى على ثغور بلاده من عادية يغمراسن في الفتنة فبعث حافده تاشفين بن عبد الواحد في وفد من بنى مرين لعقد السلم مع يغمراسن والرجوع للاتفاق والموادعة ووضع أوزار الحرب بين المسلمين للقيام بوظيفة الجهاد فأكرم موصله وموصل قومه وبادر إلى الاجابة والالفة وأوفد مشيخة بنى عبد الواد على السلطان لعقد السلم وبعث معهم الرسل وأسنى الهدية وجمع الله كلمة الاسلام وعظم موقع هذا السلم من أمير المسلمين لما كان في نفسه من الصاغية إلى الجهاد وايثاره مبرورات الاعمال وبث الصدقات يشكر الله على ما منحه من التفرغ لذلك ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع ودعا المسلمين إلى الجهاد وخاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة
والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة وجميع قبائل البرابرة وأهل المغرب من المرتزقة والمطوعة وأهاب بهم وشرع في اجازة البحر فأجازه من فرضة طنجة لصفر من سنة أربع وسبعين واحتل بساحة طريف وكان لما استصرخه السلطان ابن الاحمر وأوفد عليه مشايخ الاندلس اشترط عليه النزول عن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره فتجافى له عن رندة وطريف ولما احتل بطنجة بادر إليه ابن هشام السائر بالجزيرة الخضراء وأجاز البحر إليه ولقيه بظاهر طنجة فأدى له طاعته وأمكنه من قياد بلده وكان الرئيس أبو محمد بن اشقيلولة وأخوه أبو اسحق صهر السلطان ابن الاحمر تبعا له في أمره وموازرا له على شأنه كله وأبوهما أبو الحسن هو الذى تولى كبر الثورة على ابن هود ومداخلة أهل اشبيلية في الفتك بابن الباجى فلما استوت قدمه في ملكه وغلب الثوار على أمره فسد ما بينهما بعد أن كان ولى أبا محمد على مقاله وأبا اسحق على وادى آش فامتنع أبو محمد بن اشقيلولة بمالقة واستأثر بها ونفر بيتها دونه ومع ذلك فكانوا على الصاغية فئة ولحمة ولما أحس أبو محمد باجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق قدم إليه الوفد من أهل ما لقة ببيعتهم وصريخهم وانحاش إلى جانب السلطان وولايته وأمحضه المخالصة والنصيحة فلما احتل السلطان بناحية طريف ملات كتائبه ساحة الارض ما بينهما وبين الجزيرة وتسابق السلطان ابن الاحمر وهو الفقيه أبو محمد بن الشيخ أبى دبوس صاحب غرناطة والرئيس أبو محمد بن اشقيلولة صاحب ما لقة والغربية إلى لقاء السلطان وتنازعوا في برور مقدمه والاذعان له ففاوضهما في أمور الجهاد وأرجعهما لحينه إلى بلديهما وانصرف ابن الاحمر مغاضبا لبعض النزغات

(7/192)


أحفظته وأغذ السير إلى الفرتيرة وعقد لولده الامير أبى يعقوب على خمسة آلاف من عسكره وسرح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل تنسف الزرع وتحطم الغروس وتخرب العمران وتنتهب الاموال وتكتسح السرح وتقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية
حتى انتهى إلى المدور وتالسة وأبده وأقتحم حصن بلمة عنوة وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها وقفل والارض تموج سبيا إلى أن عرس باستجة من تخوم دار الحرب وجاء النذير باتباع العدو آثارهم لاستنقاذه أسراهم وارتجاع أموالهم وان زعيم الروم وعظيمهم ذننه خرج في طلبهم بأمم بلاد النصرانية من المحتلم فما فوقه فقدم السلطان الغنائم بين يديه وسرح ألفا من الفرسان أمامها وسار يقتفيها حتى إذا طلت رايات العدو من ورائهم كان الزحف ورتب المصاف وجرد وذكر وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها وأبلت في طاعة ربها والذب عن دينها وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها في مقاماتها ومواقفها ولم يكن الا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشفت جموع النصرانية وقتل الزعيم ذننه والكثير من جموع الكفر ومنح الله المسلمين اكتافهم واستمر القتل فيهم واحصى القتلى في المعركة فكانوا ستة آلاف واستشهد من المسلمين ما يناهز الثلاثين أكرمهم الله بالشهادة وآثرهم بما عنده ونصر الله حزبه وأعز أولياءه ونصر دينه وبدا للعدو ما لم يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملة وقيامها بنصر الكلمة وبعث أمير المسلمين برأس الزعيم ذننه إلى ابن الاحمر فرده زعموا سرا إلى قومه بعد أن طيبه وأكرمه ولاية أخلصها لهم مداراة وانحرافا عن أمير المسلمين ظهرت شواهده عليه بعد حين كما نذكره وقفل أمير المسلمين من غزاته إلى الجزيرة منتصف ربيع من سنته فقسم في المجاهدين الغنائم وما نفلوه من أموال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم بعد الاستئثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنة ليصرفه في مصارفه ويقال كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة مائة ألف من البقر وأربعة وعشرين ألفا ومن الاسارى سبعة آلاف وثمان مائة وثلاثين ومن الكراع أربعة عشر ألفا وستمائة وأما الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة حتى لقد زعموا بيع الشاة في الجزيرة بدرهم واحد وكذلك السلاح وأقام أمير المسلمين بالجزيرة أياما ثم خرج غازيا إلى أشبيلية فجاس خلالها وتقري نواحيها وأقطارها وأثخن
بالقتل والنهب في مجهاتها وعمرانها وارتحل إلى شريش فأذاقها وبال العيث والاكتساح ورجع إلى الجزيرة لشهرين من غزاته ونظر في اختطاط مدينة بفرضة المجاز من العدوة لنزل عسكره منتبذا عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العسكر وجفائهم وتحيز لها مكانا لصق الجزيرة فأوغر ببناء المدينة المشهورة بالبنية وجعل ذلك لنظر من يثق به من

(7/193)


ذويه ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب من سنة أربع وسبعين فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على بادس مرفأ الجواز ببلاد غمارة وتولى ذلك ابراهيم بن عيسى كبير بنى وسناف بن محيو ثم رحل إلى فاس فدخلها في شعبان وصرف النظر إلى أحوال دولته واختطاط البلد الجديد لنزله ونزل حاشيته واستنزال الثوار عليه بالمغرب على ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن اختطاط البلد الجديد بفاس وما كان على بقية ذلك من الاحداث) * لما قفل السلطان أمير المسلمين من غزاته الجهادية وتم صنع الله لديه في ظهور الاسلام على يديه واعتزاز أهل الاندلس بفيئته راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته شفعت مواهب السعادة وأجملت عوائد الصنع وذلك ان صبابة بنى عبد المؤمن وفلهم لما فروا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تينمال جرثومة أمرهم ومنبعث دعوتهم وملاحد خلفائهم وحضرة سلفهم ودار امامهم ومسجد مهديهم كانوا يعكفون عليه متيمنين بطيره ملتمسين بركة زيارته ويقدمون ذلك أمام غزاوتهم قرية بين يدى أعمالهم يعتدونها من صالح مسايهم فلما خلص الغل إليه اعتصموا بمعقله وآووا إلى ركونه ونصبوا للقيام بأمرهم عيصا من أعياص خلفاء بنى عبد المؤمن ضعيف المنبه خاسر الصفقة من مواهب الحظ وهو اسحق أخو المرتضى وبايعوه سنة تسع وستين يرجون منه رجع الكرة وادالة الدولة وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطوش ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن على بن محلى
على أعمال مراكش لم يقدم عملا على محاربتهم وتخذيل الناس عنهم واستمالة أشياعهم وجمعوا له سنة أربع وسبعين على غرة ظنوها فأوقع بهم وفل من غربهم ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتض عذرته وفض ختامه واقتحمه عليهم عنوة بعد مطاولة النزال والحرب وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة وتقبض على خليفته المستضعف وابن عمه أبى سعيد بن السيد أبى الربيع ومن معهما من الاولياء وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة بمراكش فضربت أعناقهم وصلبت اشلاؤهم وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده وعاثت العساكر في جبل تينمال وآ ؟ ؟ سحت أمواله وقبور الخلفاء بنى عبد المؤمن واستخرج يوسف وابنه يعقوب المنصور رؤسهم وتولى كبر ذلك أبو على المليانى النازع إلى السلطان أبى يوسف من مليانة عش غوانيه ومواطن انتزائه كما قدمناه وكان السلطان أقطعه بلاد اغوات اكراما لوفادته فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر ورأى أن قد شفى نفسه باخراج هؤلاء الخلائق من أرماسهم والعيث باشلائهم لما نقم منه الموحدون

(7/194)


وعثمان بن يغمراسن في خلال هذا يستألف بنى توجين شعبا فشعبا إلى أن نهض إلى جبل وانشريس فملكه وفر أمامه موسى بن زرارة إلى نواحى لمدية وهلك في سفره ذلك ثم نهض عثمان إلى لمدية سنة ثمان وثمانين بعدها فملكها بمداخلة لمدية من قبائل صنهاجة غدروا بأولاد عزيز وأمكنوه منها ثم انتقضوا عليه لسبعة أشهر ورجعوا إلى ايالة أولاد عزيز فصالحوا عثمان بن يوسف على الاتاوة والطاعة كما كانوا مع محمد بن عبد القوى وبنيه فملك عثمان بن يغمراسن عامة بلاد توجين ثم شغل بمادهمه من مطالبة بنى مرين أيام يوسف بن يعقوب فولى على بنى توجين من بنى محمد بن عبد القوى أبو بكر بن ابراهيم بن محمد مدة عامين أخاف فيها الناس وأساء السيرة ثم هلك فنصب بنو تيغرين بعده أخاه عطية المعروف بالاصم وخالفهم أولاد عزيز وجميع قبائل توجين فبايعوا ليوسف
ابن زيان بن محمد وزحفوا إلى جبل وانشريس فحاصروا به عطية وبنى تيغرين عاما أو يزيد وكان يحيى بن عطية كبير بنى تيغرين هو الذى تولى البيعة لعطية الاصم فلما اشتد بهم الحصار واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان ورغبه في ملك جبل وانشريس فبعث معه الجيوش لنظر أخيه أبى سرحان ثم أخيه أبى يحيى وكان نهوض أبى يحيى سنة احدى وسبعمائة فتوغل في ناحية الشرق ولما رجع صمد إلى جبل وانشريس فهدم حصونه وقفل ونهض ثانية إلى بلاد بنى توجين فشردهم عنها وأطاعه أهل تافركينت ثم انتهى إلى لمدية فافتتحها صلحا واختط قصبتها ورجع إلى أخيه يوسف بن يعقوب فانتقض أهل تافركينت بعد صدوره عنهم ثم راجع بنو عبد القوى بصائرهم في التمسك بالطاعة ووفدوا على يوسف بن يعقوب فتقبل طاعتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم على بن الناصر بن عبد القوى وجعل وزارته ليحيى بن عطية فغلبه على دولته واستقام ملكه وهلك خلال ذلك فعقد يوسف بن يعقوب مكانه لمحمد بن عطية الاصم واستقام على طاعته وقتا ثم انتقض بين يدى مهلكه سنة ست وحمل قومه على الخلاف ولما هلك يوسف بن يعقوب وتجافي بنو مرين من بعدها لبنى يغمراسن عن جميع الامصار التى تملكوها بالمغرب الاوسط استمكن بنو يغمراسن منها ودفعوا المتغلبين عنها ولحق الفل من أولاد عبد القوى ببلاد الموحدين فحلوا من دولتهم محل الايثار والتكرمة وكان للعباس بن محمد بن عبد القوى مع الملوك من آل أبى حفص مقام الخلة والمصافاة إلى أن هلك وبقى عقبه في جند السلطان ولما خلا الجو من هؤلاء المرشحين تغلب على جبل وانشريس من بعدهم كبير بنى تيغرين أحمد بن محمد من أعقاب يعلى بن محمد سلطان بنى يفرن فأقام يحيى بن عطية هذا في رياستهم أياما ثم هلك وقام بأمره من بعده أخوه عثمان بن عطية ثم هلك وولى من بعده ابنه عمر بن عثمان واستقل مع قومه بجبل

(7/195)


في العساكر فجاس خلاله ثم انكفأ راجعا وخطب قبائل المغرب كافة بالنفير فتباطؤا
واستمر على تحريضهم ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة فتثبطوا فخف في خاصته وحاشيته واحتل بالفرضة من قصر المجاز وتلاحق به الناس فأجازوا البحر واحتل بظريف أخر محرم ثم ارتحل إلى الجزيرة ثم إلى رندة ووافاه هنالك الرئيسان أبو اسحق بن اشقيلولة صاحب قارش وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه وارتحلوا إلى منازلة اشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوى وكان بها ملك الجلالقة بن ادفونش فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محاميا عن أهله ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الامير أبا يعقوب في المقدمة وزحف في التعبية فأحجروا العدو في البلد واقتحموا اثرهم الوادي وأثخنوا فيهم وباتت العساكر ليلتهم يجادون في متون الخيل وقد أضرموا النيران بساحتها وارتحل من الغد إلى أرض الشرق وبث السرايا والغوازي في سائر النواحى وأناخ بجمهور العسكر عليها فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها ودخل حصن قطيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة وأثخن في القتل والسبي ثم ارتحل بالغنائم والاثقال إلى الجزيرة لسرار شهره فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين ثم خرج غازيا إلى شريش منتصف ربيع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الحرب وأقفر نواحيها وقطع أشجارها وأباد خضراءها وحرق ديارها ونسف آثارها وأثخن فيها بالقتل والاسر وبعث ولده الامير أبا يعقوب في سرية من معسكره للغوار على اشبيلية وحصون الواد فبالغ في النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطير ثم صبح اشبيلية بمقاره فاكتسحها وانكفأ إلى أمير المسلمين فقفلوا جميعا إلى الجزيرة وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم ثم ندب إلى غزو قرطبة ورغبهم في عمرانها وثروة ساكنها وخصب بلادها فانعطفوا إلى اجابته وخاطب ابن الاحمر يستنفره وخرج لاول جمادى من الجزيرة ووافاهم ابن الاحمر بناحية أرشدونه فأكرم وصوله وشكر حفوفه إلى الجهاد وبداره ونازلوا حصن بنى بشير فدخله عنوة وقتلت المقاتلة وسبيت النساء ونفلت الاموال وخرب الحصن ثم بث السرايا والغارات
في البسائط فاكتسحها وامتلات الايدى وأثرى العسكر وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها وانحجرت حامية العدو من وراء الاسوار وانبثت بعوث المسلمين وسراياه في نواحيها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها وترددوا على جهاتها ودخل حصن بركونة عنوة ثم ارجونة كذلك وقدم بعثا إلى حيانة قاسمها حظها من الخسف والدمار وخام الطاغية عن اللقاء وأيقن بخراب عمرانها واتلاف بلده فجنح إلى السلم وخطبه من أمير المسلمين فدفعه إلى

(7/196)


ابن الاحمر وجعل الامر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه وأجابهم ابن الاحمر إليه بعد عرضه على أمير المسلمين والتماس اذنه فيه لما فيه من المصلحة وجنوح أهل الاندلس إليه منذ المدد الطويلة فانعقد السلم وقفل أمير المسلمين من غزاته وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان ابن الاحمر وخرج له عن الغنائم كلها فاحتوى عليها ودخل أمير المسلمين إلى الجزيرة في أول رجب من عامئذ فأراح ونظر في ترتيب المسالح على الثغور وتملك مالقة كما نذكره * (الخبر عن تملك السلطان مدينة مالقة من يد ابن اشقيلولة) * كان بنو اشقيلولة هؤلاء من روساء الاندلس المؤملين لمدافعة العدو وكانوا نظراء لابن الاحمر في الرياسة وهما أبو محمد عبد الله وأبو اسحق ابراهيم ابنا أبى الحسن بن اشقيلولة وكان أبو محمد منهم صهرا له على ابنته فكانوا له بذلك خاصة فأشركهم في أمره واعتضد بعصابتهم وبابيهم من قبل على مقاومة بن هود وسائر الثوار حتى إذا استمكن من فرصته واستوى على كرسيه استبد دونهم وأنزلهم إلى مقامات الوزراء وعقد لابي محمد صهره على ابنته على مدينة مالقة والغربية وعقد لابي الحسن صهره على أخته على وادى آش وما إليها وعقد لابنه أبى اسحق ابراهيم بن على على قمارش وما إلى ذلك ووجدوا في أنفسهم واستمر الحال على ذلك ولما هلك الشيخ ابن الاحمر سنة احدى وسبعين وولى
ابنه الفقيه محمد سموا إلى منازعته وأوفد أبو محمد صاحب مالقة ابنه أبا سعيد على السلطان يعقوب بن عبد الحق وهو منازل طنجة ووفد معه أبو محمد إلى السلطان بطاعته وبيعته أهل مالقة سنة ثلاث وسبعين وعقد له عليها ونزع ابنه أبو سعيد فرج إلى دار الحرب ثم رجع لسنته فقتل بمالقة ولما أجاز السلطان إلى الاندلس اجازته الاولى سنة أربع وسبعين تلقاه أبو محمد بالجزيرة مع ابن الاحمر وفاوضهما السلطان في أمر الجهاد وردهما إلى أعمالهما ولما أجاز اجازته الثانية سنة ست وسبعين لقيه بالجزيرة الرئيسان ابنا اشقيلولة أبو محمد صاحب مالقة واخوه اسحق صاحب وادى آش وقمارش فشهدا معه الغزاة ولما قفل اعتل أبو محمد صاحب مالقة ثم هلك غرة جمادى من سنته فلحق به ابنه محمد بالسلطان آخر شهر رمضان وهو متلوم بالجزيرة منصرفه من الغزو كما ذكرناه فنزل له عن البلد ودعاه إلى احتيازها فعقد عليها لابنه أبى زيان منديل فسار إليها فبعث وكان ابن اشقيلولة لحين فصوله إلى لقاء السلطان أمر ابن عمه محمد الازرق بن أبى الحجاج يوسف بن الزرقاء باخلاء منازل السلطان بالقصبة واعدادها فتم ذلك لثلاث ليال واضطرب الامير أبو زيان معسكره بخارجها وأنفذ محمد بن عمران بن عيلة في رهط من رجال بنى مرين إلى قصبة فنزلها وملك أمر البلد وكان السلطان بن الاحمر لما بلغه

(7/197)


وفاة أبى محمد بن اشقيلولة سما أمله إلى استيلائه على مالقة وان ابن أخته شيعة له وبعث لذلك وزيرة أبا سلطان عزيز الدانى فوافى معسكر الامير أبى زيان بساحتها ورجا أن يتجافى عنها السلطان فأعرض عن ذلك وتجهم له ودخل إليها لثلاث بقين من رمضان وانقلب الدانى عنها بخفى حنين ولما قضى السلطان بالجزيرة صومه ونسكه خرج إلى مالقة فوافاها سادس شوال وبرز إليه أهلها في يوم مشهود واحتفلوا له احتفال أيام الزينة سرورا بمقدم السلطان ودخولهم في ايالته وأقام فيهم إلى خاتم سنته ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلى من صنائع دولتهم وأنزل معه المسالح وزيان بن أبى عياد بن عبد الحق
في طائفة لنظره من ابطال بنى مرين واستوصاه بمحمد بن اشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة ثم أجاز إلى المغرب سنة سبع وسبعين وقد اهتزت الدنيا لقدومه وامتلات القلوب سرورا بما كيفه الله من نصر المسلمين بالعدوة وعلو راية السلطان على كل راية وعظمت لذلك موجدة ابن الاحمر ونشأت الفتنة كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن تظاهر ابن الاحمر والطاغية على منع السلطان أبى يوسف من اجازة ابن الاحمر واصفاق يغمراسن بن زيان معهم من وراء البحر على الاخذ بحجزته عنهم وواقعة السلطان على يغمراسن بخرزوزة } لما أجاز أمير المسلمين إلى العدوة اجازته الاولى ولقى العدو باستجه وقتل الله ذننه بإيدى عسكره وصنع له من الظهور والعز مالا كفاء له ارتاب ابن الاحمر بمكانه فبدا له ما لم يكن يحتسب وظن بأمير المسلمين الظنون واعترض ذكره شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد سلطان الاندلس وأكد ذلك عنده جنوح الرؤساء من بنى اشقيلولة وغيرهم إليه وانقيادهم لامره فشرق بمكانه وحذر غوائله وتكدر الجو بينهما واجاز الاجازة الثانية فانقبض ابن الاحمر عن لقائه ودارت بينهما مخاطبات شعرية في معنى العتاب على السنة كتابهما نسردها الآن (فمن ذلك) قصيدة كتبها إليه ابن الاحمر سنة أربع وسبعين بعد واقعة ذننه واعتزامه على الرجوع إلى المغرب فخاطبه بها ليلة الاقامة بالجزيرة حذرا من غائلة العدو وينحو فيها منحى الاستعطاف وهى من نظم كاتبه أبى عمر بن المرابط هل من معينى في الهوى أو منجدى * من متهم في الارض أو من منجد هذا الهوى داع فهل من مسعف * باجابة وانابة أو مسعد هذا سبيل الرشد قد وضحت فهل * بالعدوتين من امرئ مسترشد يرجو النجاة بجنة الفردوس أو * يخشى المصير إلى الجحيم الموقد يا آمل النصر العزيز على العدا * أجب الهدى تسعد به وتؤيد

(7/198)


سر النجاة إلى النجاة مشمرا * ان الهدى لهو النجاة لمن هدى يامن يقول غدا أتوب ولا غد * الديك علم أن تعيش إلى غد لا تغترر بنسيئة الاجل الذى * ان لم يحن لك نقده فكان قد سفر عليك طويلة أيامه * لم تستعدا لطوله فاستعدد أوما علمت بأنه لا بد من * زاد لكل مسافر فتزود هذا الجهاد رئيس أعمال التقا * خذ منه زادك لارتحالك تسعد هذا الرباط بأرض اندلس فرح * منه لما يرضى الهك واغتد سودت وجهك بالمعاصى فالتمس * وجها للقيا الله غير مسود وامح الخطايا بالذنوب فربما * محت الدموع خطيئة المتعمد من ذا يتوب لربه من ذنبه * أو يقتدى بنبيه أو يهتدى من ذا يطهر نفسه بعزيمة * مشحوذة في نصر دين محمد أتعز من أرض العدو مدائن * والله في أقطارها لم يعبد وتذل أرض المسلمين وتبتلي * بمثلثين سطوا بكل موحد كم جامع فيها أعيد كنيسة * فاهلك عليه أسى ولا تتجلد القس والناقوس فوق مناره * والخمر والخنزير وسط المسجد أسفا عليها أقفرت صلواتها * من قانتين وراكعين وسجد وتعوضت منهم بكل معاند * مستكبر قد كان لم يتشهد كم من أسير عندهم وأسيرة * فكلاهما يبغى الفداء فما فدى كم من عقيلة معشر معقولة * فيهم تود لو انها في ملحد كم من وليد بينهم قد ود من * ولداه ودا أنه لم يولد كم من تقى في السلاسل موثق * يبكى لآخر في الكبول مقيد
وشهيد معترك توزعه الردى * مابين حدى ذابل ومهند ضجت ملائكة السماء لحالهم * ورثى لهم من قلبه كالجلمد أفلا تذوب قلوبكم اخواننا * مما دهانا من ردى أو من ردى أفلا تراعون الاذمة بيننا * من حرمة ومحبة وتودد أكذا يعيث الروم في اخوانكم * وسيوفكم للثار لم تتقلد يا حسرتى لحمية الاسلام قد * خمدت وكانت قبل ذا تتوقد أين العزائم ما لها لا تقتضي * هل يقطع الهندي غير مجرد أبنى مرين أنتم جيراننا * وأحق من في صرخة بهم ابتدى

(7/199)


فالجار كان به يوصى المصطفى * جبريل حقا في الصحيح المسند ابني مرين والقبائل كلها * في المغرب الادنى لنا والابعد كتب الجهاد عليكم فتبادروا * منه إلى الفرض الاحق الاوكد وارضوا باحدى الحسنين وأقرضوا * حسنا تفوزوا بالحسان الخرد هذى الجنان تفتحت أبوابها * والحور قاعدة لكم بالمرصد هل من بايع من ربه من مشتر * منه الحصول على النعيم السرمد لله في نصر الخليفة موعد * صدق فثوروا لانتجاز الموعد هذى الثغور بكم اليكم تشتكى * شكوى العديم إلى الغنى الاوجد ما بال شمل المسلمين مبدد * فيها وشمل الكفر غير مبدد إنتم جيوش الله مل ء فضائه * تأسون للدين الغريب المفرد ماذا اعتذاركم غدا لنبيكم * وطريق هذا العذر غير ممهد ان قال لم فرطتم في أمتى * وتركتموهم للعدو المعتدى تالله لو أن العقوبة لم تخف * لكفى الحياء من وجه ذاك السيد
اخواننا صلوا عليه وسلموا * وسلوا الشفاعة منه يوم المشهد واسعوا لنصرة دينه يسقيكم * من حوضه في الحشر أعذب مورد وصدر جوابها من نظم عبد العزيز شاعر السلطان يعقوب بن عبد الحق بما نصه لبيك لا تخش اعتداء المعتدى الخ وكذلك أجاب عنها أيضا مالك بن المرحل بقوله شهد الاله وأنت يا أرض اشهدي الخ فأجابهما أبو عمرو بن المرابط كاتب ابن الاحمر بقوله قل للبغاة وللعداة الحسد الخ ولما أجاز السلطان يعقوب بن عبد الحق الاجازة الثانية سنة ست وسبعين كما نذكره صار ابن الاحمر إلى الاستعتاب والرضا ولقى يعقوب بن عبد الحق فأنشد كاتبه أبو عمرو بن المرابط يوم اجتماعهما قوله * بشرى لحزب الله والايمان الخ ولما انقضى المجلس امر السلطان شاعره عبد العزيز بمساجلة قصيدته وأنشدها ثانى المجلس بحضرة ابن الاحمر ونصها * اليوم كن في غبطة وأمان * الخ ثم كان أثناء ذلك ما وقع من استيلاء السلطان يعقوب بن عبد الحق على مدينة مالقة والغربية جل عمله بعد مهلك صاحبها أبى عبد الله بن اشقيلولة فبرم لذلك وخيل عليه ففزع إلى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده بيده وان يعود إلى مكان أبيه من ولايته ليدافع به السلطان وقومه على أرضه ويأمن معه من زوال سلطانه لما كانت كلمة الاسلام حجرا دونه فاهتبل الطاغية غرتها ونكث عهد أمير المسلمين ونقض السلم ونبذ إليه العهد واغزي أساطيله الجزيرة الخضراء حيث مسالح السلطان وعساكره وأرست بالزقاق حيث فراض الجواز

(7/200)


وانقطع المسلمون من جنود السلطان وقومه وراء البحر ويئسوا من صريخه وانتبذ عمر ابن يحيى بن محلى عن قومه بمكان امارته مالقة وكان بنو محلى هؤلاء من كبار قومهم بطوية وكانوا حلفاء لبنى حمامة بن محمد منذ دخولهم المغرب وأصهر عبد الحق أبو الاملاك إلى أبيهم محلى في ابنته أم اليمن فكان من ولدها السلطان يعقوب بن عبد الحق وكانت امرأة صالحة خرجت إلى الحج سنة ثلاث وأربعين فقضت فريضة الله عليها وعادت
إلى المغرب رابعة من السنين سنة سبع وأربعين ثم خرجت ثانية سنة ثنتين وخمسين فتطوعت بحجة أخرى وهلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة ثلاث وخمسين فكان لبنى محلى أبيها مكان من الدولة والة على السلطان لخولتهم وغنائهم في قومهم ولما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش عقد لمحمد بن على بن محلى على جميع أعمالها فكانت له بالاصطناع بها مقاما محمودة واتصلت ولايته عليها من لدن سنة ثمان وستين إلى سنة سبع وثمانين ثم كان مهلكه أيام يوسف بن يعقوب كما نذكر ولما نازع محمد ابن اشقيلولة إلى السلطان بالجزيرة سنة ست وسبعين متجافيا له عن ولاية مالقة بعد وفاة أبيه الرئيس أبى محمد واستولى السلطان عليها واعتزم على الاجازة كما قدمناه وعقد على مالقة والغربية وسائر ثغورها وأعمالها لعمر بن يحيى بن محلى وكان أخوه طلحة بن يحيى ذا بأس وصرامة وقوة شكيمة واعتزاز على السلطان بمكان الخولة وهو الذى قتل يعقوب بن عبد الحق سنة ثمان وستين كما قلناه وظاهر فتح الله الهدراى مولى السلطان ووزيره على قتال أبى العلاء بن أبى طلحة بن أبى قريس عامر المغرب بكدية العرايس بظاهر فاس سنة ثنتين وستين ونزع سنة أربع وسبعين إلى جبل آزروا عند مرجع السلطان من أمر مالقة وأجاز البحر إلى بلاد الريف ثم رجع إلى القبلة وأقام بين بنى توجين ثم أجاز إلى الاندلس سنة سبع وسبعين عندما أضرم نار هذه الفتنة بين هذا السلطان وبين ابن الاحمر والطاغية واحتل أسطول النصارى بالزقاق وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر وأحس أخوه عمر صاحب مالقة باظلام الجو بينه وبين السلطان بما كان من أمر أخيه طلحة من قبل فلاطفه ابن الاحمر عند استقراره بغرناطة في مداخلة أخيه عمر في النزول على مالقة والاعتياض عنها بشلوبانية والمكب طعمة وخاطبه في ذلك أخوه طلحة فأجاب وخرج ابن الاحمر بعساكره إلى مالقة وتقبض عمر بن محلى على زيان بن بو عياد قائد بنى مرين ومحمد بن اشقيلولة وأمكن ابن الاحمر من البلد فداخلها آخر رمضان من سنته وأنزل ابن محلى بشلوبانية واحتمل ذخيرته وما كان
السلطان ائتمنه عليه من المال والعدد الجهادية واتصلت يد ابن الاحمر بيد الطاغية على منع أمير المسلمين من الاجازة وراسلوا يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم في

(7/201)


مشاقة السلطان وافساد ثغوره وانزال العوائق به المانعة من حركته والاخذ باذياله عن النهوض إلى وأسنوا فيما بينهما الاتحاف والمهاداة وجنب يغمراسن إلى ابن الاحمر ثلاثين من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف وبعث إليه بان الاحمر صحبة ابن مروان التجانى كف ء ذلك عشرة آلاف دينار فلم يرض بالمال في هديته وردها وأصففت أيديهم جميعا على السلطان ورأوا أن قد بلغوا في احكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم واتصل الخبر بأمير المسلمين وهو بمراكش كان صمد إليها مرجعه من الغزو في شهر المحرم فاتح سبع وسبعين لما كان من عيث العرب شجم بتامسنا وافسادهم السابلة فنقف أطرافها وحسم أدواءها ولما بلغه خبر ابن محلى ومالقة ومنازلة الطاغية للجزيرة نهض لثالثة من شوال يريد طنجة ولما انتهى إلى تامسنا وافاه الخبر بنزول الطاغية على الجزيرة واحاطة عساكره بها بعد ان كانت أساطيله منازلتها منذ ربيع وانه مشرف على التهامها وبعثوا إليه يستعدونه فاعتزم على الرحيل ثم اتصل به الخبر بخروج مسعود بن كانون أمير سفيان من جشم ببلاد نفيس من المصامدة خامس ذى القعدة وان الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم فكر إليه راجعا وقدم بين يديه حافده تاشفين بن أبى مالك ووزيره يحيى حازم وجاء على ساقتهم وفروا أمام جيوشه وانتهب معسكرهم وحللهم واستباح عرب الحرث بن سفيان ولحق مسعود بمعقل الكسيوى ونازله السلطان بعساكره أياما وسرح ابنه الامير أبا زيان منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها فأوغل في ديارها وقف إلى أبيه خامس سنته واتصل بالسلطان ما نال أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال واعواز الاقوات وانهم قتلوا الاصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر فأهمه ذلك
وأعمل النظر فيه وعقد لولى عهده ابنه الامير أبى يعقوب من مراكش على الغزو إليها وأعزى الاساطيل في البحر إلى جهاد عدوهم فوصل إلى طنجة لصفر من سنة ثمان وتسعين وأوعز إلى البلاد البحرية لاعداد الاساطيل بسبتة وطنجة وسلا وقسم الاعطاآت وتوفرت همم المسلمين على الجهاد وصدقت عزائمهم على الموت وأبلى الفقيه أبو حاتم العزفى صاحب سبتة لما بلغه خطاب أمير المسلمين في ذلك البلاء الحسن وقام فيه المقام المحمود واستقر كافة أهل بلده فركبوا البحر أجمعين من المحتلم فما فوقه ورأى ابن الاحمر ما نزل بالمسلمين في الجزيرة وأشراف الطاغية على أخذها فندم في ممالاته ونبذ عهده وأعد أساطيل سواحله من والمرية ومالقة مدد للمسلمين واجتمعت الاساطيل بمرفا سبتة تناهز السبعين قد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زى وأحسن قوة وأكمل كل عدة وأوفر عدد وعقد عليهم الامير أبو يعقوب رايته وأقلعوا

(7/202)


عن طنجة ثامن ربيع الاولى وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه وباتوا ليلة المولد الكريم بمرفا الجبل وصبحوا العدو وأساطيلهم تناهز أربعمائة فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من شكتهم وأخلصوا لله عزائمهم وصدقوا مع الله نياتهم وتنادوا بالجنة شعارهم ووعظ وذكر خطباؤهم والتحم القتال ونزل الصبر ولم يكن الا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل فانكشفوا وتساقطوا في العباب فاستلحمهم السيف وغشيهم اليم وملك المسلمون أساطيلهم ودخلوا مرفا الجزيرة وفرضتها عنوة فاختل معسكر الطاغية وداخلهم الرعب من اجازة الامير أبى يعقوب ومن معه من الحامية فأفرج لحينه عن البلد وانتشرت النساء والصبيان بساحته وغلبت المقاتلة كثيرا من العسكر على مخلفهم فغنموا من الحنطة والادام والفواكه ما ملا أسواق لبلد أياما حتى وصلتها الميرة من النواحى وأجاز الامير أبو يعقوب من حينه فأرهب العدو في كل ناحية وصده عن الغزو شأن الفتنة مع ابن الاحمر فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما
ويصل به لمنازلة غرناطة يدا وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسه وموجدة على ابن الاحمر في مدد أهل الجزيرة وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الامير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها ونكر على ابنه وزوى عنه وجه رضاه ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي وأجاز إبو يعقوب بن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة فلقوا السلطان بمكانهم من السوس وولى عليهم ابنه أبا زيان فنزل بالجزيرة وأحكم العقدة مع الطاغية ونازل المربلة من طاعة ابن الاحمر برا وبحرا فامتنعت عليه وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذرا من الطاغية فتقبلهم ثم جاءه المدد من المغرب ونازل رقدة فامتنعت والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الاندلس ونازل ابن الاحمر بغرناطة مع بنى اشقيلولة وابن الدليل ثم راجع ابن الاحمر مسالمة بنى مرين وبعث لابي زيان بن السلطان بالصلح واجتمع معه باحواز مريلة كما نذكر بعد ولما ارتحل السلطان من معسكره على جبل السكسيوى يريد السوس ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه إلى مراكش حتى إذا انقضت غزاة البربر رجع إلى فاس وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفرا في الجهاد وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة وما جرت إليه فتنة ابن الاحمر من اعتزاز الطاغية وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الاندلسية ومن فيها وظاهره على ابن الاحمر منافسوه في رياسته ببنى اشقيلولة فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبى اسحاق صاحب وادى آش ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين خمسة عشر يوما ثم أفرجوا ولقيهم عساكر غرناطة من زناتة بعد ذلك من سنتهم وغلبهم طلحة بن محلى وتاشفين بن معطى كبير

(7/203)


يتر بيعين بحصن المسلى فأظهرهم الله عليهم وهلك من النصارى ما يناهز سبعمائة من فرسانهم واستشهد فيها من أعياص بنى مرين عثمان بن محمد بن عبد الحق واستجر لطاغية بعدها الرئيس أبو محمد عبد الله أخو صاحب وادى آش إلى منازلة
غرناطة فنازلها الطاغية وأقام عليها أياما ثم ارتحل وقد اعتز عليهم وأشفق السلطان على المسلمين وعلى ما نال ابن الاحمر من خسف الطاغية فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة وشرط عليه النزول عن مالقة فرجع السلطان إلى ازالة العوائق عن شأنه من الجهاد وكان من أعظمها فتنة يغمراسن واستيقن ما دار بينه وبين ابن الاحمر والطاغية بن أخى أدفونش من الاتصال والاصفاق في تجديد الصلح والاتفاق فلج وكشف الوجه في العناد وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة مسلمهم وكافرهم من الوصلة وانه معتزم على طى بلاد المغرب فصرف أمير المسلمين عزمه إلى غزو يغمراسن وقفل إلى فاس لثلاثة أشهر من نزوله طنجة فدخلها آخر شوال وأعاد الرسل إلى يغمراسن لاقامة الحجة عليه والتجأ بمسالمة بنى توجين والتجافي عنهم لموالاتهم أمر المسلمين فقام يغمراسن في ركائبه وقعد ولج في طغيانه وارتحل أمير المسلمين من فاس سنة تسع وقدم ابنه أبا يعقوب في العساكر وأدركه بتازى ولما انتهى إلى ملوية تلوم في انتظار العساكر ثم ارتحل إلى تاسة ثم تاقيا وصمد إليه يغمراسن بحشود زناتة والعرب بحللهم وكافة ناجعتهم والتقت عيون القوم فكانت بينهما حرب وركب على آثارهما العسكران والتحم القتال وكان الزحف بخرزوزة من ملعب سبعى ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل كتيبته وكتيبة ابنه الامير أبى يعقوب جناحين للعسكر واشتد القتال سائر النهار وانكشف بنو عبد الواد عندما أراح القوم وانتهب جميع مخلفهم وما كان في معسكرهم من المتاع والكراع والسلاح والفساطيط وبات عسكر أمير المسلمين ليلتهم في صهوات خيلهم واتبعوا من الغد آثار عدوهم واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن وامتلات أيدى بنى مرين من نعمهم وشأنهم ودخلوا بلاد يغمراسن وزناتة ووافاه هنالك محمد بن عبد القوى أمر بنى توجين لقيه بناحية القصبات وعاثوا جميعا في بلاده نهبا وتخريبا ثم أذن لبنى توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان متلوما لوصول محمد بن عبد القوى وقومه إلى منجاتهم من
جبل وانشريس حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب ودخل فاس شهر رمضان من سنة ثمانين ثم نهض إلى مراكش فاحتل بها احدى وثمانين بعدها وسرح ابنه الامير أبا يعقوب إلى السوس لتدويخ أقطاره ووافاه بمراكش صريخ الطاغية على ابنه شانجة الخارج عليه فاغتنم الفرصة في فساد بينهم

(7/204)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية