صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ ابن خلدون
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الفراض وشدوا عليهم فانهزموا وقتل أكثرهم وعوروا من الطعن في العيون وعاينهم المسلمون على الفراض فاقتحموا في اثرهم يصيحون نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم وساروا في دجلة وقد طبقوا ما بين عدوتيها وخيلهم سابحة بهم وهم يهينمون تارة ويتحادثون أخرى حتى أجازوا البحر ولم يفقدوا شيئا الا قدحا لبعضهم غلبت صاحبه عليه جرية الماء وألقته الريح إلى الشاطئ ورآى الفرس عساكر المسلمين قد أجازوا البحر فخرجوا هاربين إلى حلوان وكان يزدجرد قدم إليها قبل ذلك عياله ورفعوا ما قدروا عليه من عرض المتاع وخفيفه ومن بيت المال والنساء والذراري وتركوا بالمدائن من الثياب والامتعة والآنية والالطاف مالا تحصر قيمته وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف مكررة ثلاث مرات تكون جملتها ثلاثة آلاف قنطار من الدنانير وكان رستم عند مسيره إلى القادسية حمل نصفها لنفقات العساكر وابقى النصف واقتحمت العساكر المدينة تجول في سككها لا يلقون بها أحدا وأرز سائر الناس إلى القصر الابيض حتى توثقوا لانفسهم على الجزية ونزل سعد القصر الابيض واتخذ الايوان به مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل ولما دخله قرأ كم تركوا من جنات وعيون الآية وصلى فيه صلاة الفتح ثمانى ركعات لا يفصل بينهن وأتم الصلاة بنية الاقامة وسرح زهرة بن حيوة في آثار الاعاجم إلى النهروان وقراها
من كل جهة وجعل على الاخماس عمرو بن عمرو بن مقرن وعلى القسم سلمان بن ربيعة الباهلى وجمع ما كان في القصر والايوان والدور وما نهبه أهل المدائن عند الهزيمة ووجدوا حلية كسرى ثيابه وخرزاته وتاجه ودرعه التى كان يجلس فيها للمباهاة أخذ ذلك من أيدى الهاربين على بغلين وأخذ منهم أيضا وقر بغل من السيوف وآخر من الدروع والمغافر منسوبة كلها درع هرقل وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام جور وسياوخش والنعمان بن المنذر وسيف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان أحضرها القعقاع وخيره في الاسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام وبعث إلى عمر سيف كسرى والنعمان وتاج كسرى وحليته وثيابه ليراها الناس وقسم سعد الفئ بين المسلمين بعد ما خمسه وكانوا ستين ألفا فصار للفارس اثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل ونفل من الاخماس في أهل البلاد وقسم في المنازل بين الناس واستدعى العيالات من العتيق فأنزلهم الدور ولم يزالوا بالمدائن حتى تم فتح جلولاء وحلوان وتكريت والموصل واختطت الكوفة فتحولوا إليها وارسل في الخمس كل شئ يعجب العرب منهم أن يضع إليهم وحضر إليهم نهار كسرى وهو الغطف وهو بساط طوله

(2/101)


ستون ذراعا في مثلها مقدار مزرعة جريب في أرضه وهى منسوجة بالذهب طرقا كالانهار وتماثيل خلالها بصدف الدر والياقوت وفى حافاتها كالارض المزدرعة والمقبلة بالنبات ورقها من الحرير على قضبان الذهب وزهره حبات الذهب والفضة وثمره الجوهر كانت الاكاسرة يبسطونه في الايوان في فصل الشتاء عند فقدان الرياحين يشربون عليه فلما قدمت الاخماس على عمر قسمها في الناس ثم قال أشيروا في هذا القصب فاختلفوا وأشاروا على نفسه فقطعه بينهم فأصاب على قطعة منه باعها بعشرين ألفا ولم تكن بأجودها وولى عمر سعد بن أبى وقاص على الصلاة والحرب فيما غلب عليه
وولى حذيفة بن اليمان على سقى الفرات وعثمان بن حنيف على سقى دجلة ولما انتهى الفرس بالهرب إلى جلولاء وافترقت الطرق من هنا لك بأهل آذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس وقفوا هنا لك خشية الافتراق واجتمعوا على مهران الرازي وخندقوا على أنفسهم وأحاطوا الخندق بجسره الحديد وتقدم يزدجرد إلى حلوان وبلغ ذلك سعدا فكاتب عمر بذلك يأمره ان يسرح بجلولاء هاشم ابن أخيه عتبة في اثنى عشر ألفا وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو وان يولى القعقاع بعد الفتح ما بين السواد والجبل فسار هاشم من المدائن لذلك في وجوه المسلمين واعلام العرب حتى قدم جلولاء فأحاط بهم وحاصرهم في خنادقهم وزاحفوهم ثمانين يوما ينصرون عليهم في كلها والمدد متصل من ههنا وههنا ثم قاتلهم آخر الايام فقتلوا منهم أكثر من ليلة الهرير وأرسل الله عليهم ريحا وظلمة فسقط فرسانهم في الخندق وجعلوه طرقا مما يليهم ففسد حصنه وشعر المسلمون بذلك فجاء القعقاع إلى الخندق فوقف على بابه وشاع في الناس أنه أخذ في الخندق فحمل الناس حملة واحدة انهزم المشركون لها وافترقوا ومروا بالجسرة التى تحصنوا بها فعقرت دوابهم فترجلوا ولم يفلت منهم الا القليل يقال انه قتل منهم يومئذ مائة ألف واتبعهم القعقاع بالطلب إلى خانقين وأجفل يزدجرد من حلوان إلى الرى واستخلف عليها حشر شوم وجاء القعقاع إلى حلوان فبرز إليه حشر شوم وعلى مقدمته الرمى فقتله القعقاع وهرب حشر شوم من ورائه وملك القعقاع حلوان وكتب إلى عمر بالفتح واستأذنوا في اتباعهم فأبى وقال وددت أن بين السواد والجبل سدا حصينا من ريف السواد فقد آثرت سلامة المسلمين على الانفال واحصيت الغنيمة فكانت ثلاثين ألف ألف فقسمها سلمان بن ربيعة يقال انه أصاب الفارس تسعة آلاف وتسعة من الدواب وبعثوا بالاخماس إلى عمر مع زياد ابن أبيه فلما قدم الخمس قال عمر والله لا يجنه سقف حتى أقسمه فجعله في المسجد وبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن ارقم يحرسانه ولما أصبح جاء في الناس ونظر إلى ياقوتة وجوهرة فبكى فقال عبد الرحمن بن عوف

(2/102)


ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر قال والله ما أعطى الله هذا قوما الا تحاسدوا وتباغضوا فيلقى الله بأسهم بينهم ومنع عمر من قسمة السواد ما بين حلوان والقادسية فاقره حبسا واشترى جرير بعضه بشاطئ الفرات فرد عمر الشراء (ولما) رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغهم ان أدين بن الهرامون جمع جمعا وجاء بهم إلى السهل فبعث إليه ضرار بن الخطاب في جيش فلقيهم بما سبدان فهزمهم وأسر أدين فقتله وانتهى في طلبهم إلى النهروان وفتح ما سبدان عنوة ورد إليها أهلها ونزل بها فكانت أحد فروج الكوفة وقيل كان فتحها بعد نهاوند والله سبحانه أعلم * (ولاية عتبة بن غزوان على البصرة) * كان عمر عندما بعث المثنى إلى الحيرة بعث قطبة بن قتادة السدوسى إلى البصرة فكان يغير بتلك الناحية ثم استمد عمر فبعث إليه شريح بن عامر بن سعد بن بكر فأقبل إلى البصرة ومضى إلى الاهواز ولقيه مسلحة الاعاجم فقتلوه فبعث عمر عتبة بن غزوان واليا على تلك الناحية وكتب إلى العلاء بن الحضرمي أن يمده بعرفجة بن هرثمة وأمره أن يقيم بالتخوم بين أرض العرب وأرض العجم فانتهى إلى حيال الجسر وبلغ صاحب الفرات خبرهم فأقبل في أربعة آلاف وعتبة في خمسمائة والتقوا فقتلوا الاعاجم أجمعين وأسروا صاحب الفرات ثم نزل البصرة في ربيع سنة أربع عشرة وقيل أن البصرة بصرت سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت أرسل سعد إليها عتبة فأقام بها شهرا وخرج إليه أهل الابلة وكانت مرفأ للسفن من الصين فهزمهم عتبة وأحجرهم في المدينة ورجع إلى عسكره ورعب الفرس فخرجوا عن الابلة وحملوا ما خف وادخلوا المدينة وعبروا النهر ودخلها المسلمون فغنموا ما فيها واقتسموه ثم اختط البصرة وبدأ بالمسجد فبناه بالقصب وجمع لهم أهل دست ميان فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ مرزبانها أسيرا وأخذ قتادة منطقته فبعث بها إلى عمر وسأل عنهم فقيل له انثالت
عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة فرغب الناس في البصرة وأتوها ثم سار عتبة إلى عمر بعد أن بعث مجاشع بن مسعود في جيش إلى الفرات واستخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة إلى قدوم مجاشع وجاء الف بيكان من عظماء الفرس إلى المسلمين ولقيهم المغيرة بن شعبة بالمرغاب وبينما هم في القتال إذ لحق بهم النساء وقد اتخذن خمرهن رايات فانهزم الاعاجم وكتبوا بالفتح إلى عمر فرد عتبة إلى عمله فمات في طريقه وقيل ان امارة عتبة كانت سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة فوليها ستة أشهر واستعمل عمر بعده المغيرة بن شعبة سنتين فلما رمى بما رمى به عزله واستعمل أبا موسى وقيل استعمل بعد عتبة أبا سبرة وبعده المغيرة

(2/103)


* (وقعة مرج الروم وفتوح مدائن الشام بعدها) * لما انهزم الروم بفحل سار أبو عبيدة وخالد إلى حمص واجتمعوا بذى الكلاع في طريقهم وبعث هرقل توذر البطريق للقائهم فنزلوا جميعا بمرج الروم وكان توذر بازاء خالد وشمس بطريق آخر بازاء أبى عبيدة وأمسوا متباريين ثم أصبح فلم يجدوا توذر وسار إلى دمشق واتبعه خالد واستقبله يزيد من دمشق فقاتله وجاء خالد من خلفه فلم يفلت منهم الا القليل وغنموا ما معهم وقاتل شمس أبو عبيدة بعد مسير خالد فانهزم الروم وقتلوا واتبعهم أبو عبيدة إلى حمص ومعه خالد فبلغ ذلك هرقل فبعث بطريق حمص إليها وسار هو في الرهاء فحاصر أبو عبيدة حمص حتى طلبوا الامان فصالحهم وكان هرقل يعدهم في حصارهم المدد وأمر أهل الجزيرة بامدادهم فساروا لذلك وبعث سعد بن أبى وقاص العساكر من العراق فحاصروا هيت وقرقيسيا فرجع أهل الجزيرة إلى بلادهم ويئس أهل حمص من المدد فصالحوا على صلح أهل دمشق وأنزل أبو عبيدة فيها السمط بن الاسود في بنى معاوية من كندة والاشعث بن ميناس في السكون والمقداد في بلى وغيرهم وولى عليهم أبو عبيدة عبادة بن الصامت وصار إلى حماة فصالحوه على
الجزية عن رؤسهم والخراج عن أرضهم ثم سار نحو شيزر فصالحوا كذلك ثم إلى المعرة كذلك ويقال معرة النعمان وهو النعمان بن بشير الانصاري ثم سار إلى اللاذقية ففتحها عنوة ثم سلمية أيضا ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فاعترضه ميناس عظيم الروم بعد هرقل فهزمهم خالد وأثخن فيهم ونازل قنسرين حتى افتتحها عنوة وخربها وأدرب إلى هرقل من نا حينه وأدرب عياض بن غنم لذلك وأدرب عمر بن مالك من الكوفة إلى قرقيسيا وأدرب عبد الله بن المعتمر من الموصل فارتحل هرقل إلى القسطنطينية من أمدها وأخذ أهل الحصون بين الاسكندرية وطرسوس وشعبها أن ينتفع المسلمون بعمارتها ولما بلغ عمر صنيع خالد قال امر خالد نفسه يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم منى بالرجال وقد كان عزل خالدا والمثنى بن حارثة خشية أن يداخلهما كبر من تعظيم فوكلوا إليه ثم رجع عن رأيه في المثنى عند قيامه بعد أبى عبيد وفى خالد بعد قنسرين فرجع خالد إلى امارته (ولما) فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب وبلغه ان أهل قنسرين غدروا فبعث إليهم السمط الكندى فحاصرهم وفتح وغنم ووصل أبو عبيدة إلى خناصر حلب وهو موضع قريب منها يجمع أصنافا من العرب فصالحوا على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك ثم أتى حلب وكان على مقدمته عياض بن غنم الفهرى فحاصرهم حتى صالحوه على الامان وأجاز ذلك أبو عبيدة وقيل صولحوا على مقاسمة الدور والكنائس وقيل انتقلوا إلى انطاكية حتى صالحوا ورجعوا إلى حلب

(2/104)


ثم سار أبو عبيدة من حلب إلى انطاكية وبها جمع كبير من فل قنسرين وغيرهم ولقوه قريبا منها فهزموهم وأحجرهم وحاصرهم حتى صالحوه على الجلاء أو الجزية ورحل عنهم ثم نقضوا فبعث أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الاول وكانت عظيمة الذكر فكتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرتب فيها حامية مرابطة ولا يؤخر عنهم العطاء ثم بلغ أبا عبيدة أن جمعا بالروم بين معرة مصرين وحلب فسار إليهم فهزمهم
وقتل بطارقتهم وأمعن بل وأثخن فيهم وفتح معرة مصرين على صلح حلب وجالت خيوله فبلغت سرمين وتيرى وغلبوا على جميع أرض قنسرين وانطاكية ثم فتح حلب ثانية وسار يريد قورس وعلى مقدمته عياض فصالحوه على صلح انطاكية وبث خيله ففتح تل نزار وما يليه ثم فتح منبج على يد سلمان بن ربيعة الباهلى ثم بعث عياضا إلى دلوك وعينتاب فصالحهم على مثل منبج واشترط عليهم أن يكونوا عونا للمسلمين وولى أبو عبيدة على كل ما فتح من الكور عاملا وضم إليه جماعة وشحن الثغور المخوفة بالحامية واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات وعاد أبو عبيدة إلى فلسطين وبعث أبو عبيدة جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسى فسلكوا درب تفليس إلى بلاد الروم فلقى جمعا للروم ومعهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فاوقع بهم وأثخن فيهم ولحق به على انطاكية مالك بن الاشتر النخعي مددا فرجعوا جميعا إلى أبى عبيدة وبعث أبو عبيدة جيشا آخر إلى مرعش مع خالد بن الوليد ففتحها على اجلاء أهلها بالامان وخربها وبعث جيشا آخر مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحرث كذلك وفى خلل ذلك فتحت قيسارية بعث إليها يزيد بن أبى سفيان أخاه معاوية بأمر عمر فسار إليها وحاصرهم بعد أن هزمهم وبلغت قتلاهم في الهزائم ثمانين ألفا وفتحها آخرا وكان علقمة بن مجزز على غزة وفيها القبفار من بطارقة الروم (3) * (وقعة أجنادين وفتح بيسان والاردن وبيت المقدس) * لما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص بعد واقعة مرج الروم نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان فافتتحها وصالح أهل الاردن واجتمع عسكر الروم باجنادين وغزة وبيسان وعليهم أرطبون من بطارقة الروم فسار عمرو وشرحبيل إليهم واستخلف على الاردن أبا الاعور السلمى وكان الارطبون قد أنزل بالرملة جندا عظيما من الروم وبيت المقدس كذلك وبعث عمرو علقمة بن حكيم الفراسى ومسرور بن العكى لقتال بيت المقدس وبعث أبا أيوب المالكى إلى قتال أهل الرملة وكان معاوية محاصرا لاهل قيسارية
فشغل جميعهم عنه ثم زحف عمرو إلى الارطبون واقتتلوا كيوم اليرموك أو أشد وانهزم ارطبون إلى بيت المقدس وأفرج له المسلمون الذين كانوا يحاصرونها حتى دخل

(2/105)


ورجعوا إلى عمرو وقد نزل أجنادين وقد تقدم لنا ذكر هذه الوقعة قبل اليرموك على قول من جعلها قبلها وهذا على قول من جعلها بعدها ولما دخل ارطبون بيت المقدس فتح عمرو غزة وقيل كان فتحها في خلافة أبى بكر ثم فتح سبسطية وفيها قبر يحيى بن زكريا وفتح نابلس على الجزية ثم فتح مدينة لد ثم عمواس وبيت حبرين ويافا ورفح وسائر مدائن الاردن وبعث إلى الارطبون فطلب أن يصالح كأهل الشام ويتولى العقد عمر وكتبوا إليه بذلك فسار عن المدينة واستخلف على بن أبى طالب بعد أن عذله في مسيره فأبى وقد كان واعد أمراء الاجناد هنا لك فلقيه يزيد ثم أبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير فنزل ورماهم بالحجارة وقال أتستقبلوني في هذا الزى وانما شبعتم منذ سنتين والله لو كان على رأس الماءين لاستبدلت بكم فقالوا انها يلامقة وأن علينا السلاح فسكت ودخل الجابية وجاءه أهل بيت المقدس وقد هرب ارطبون عنهم إلى مصر فصالحوه على الجزية وفتحوها له وكذلك أهل الرملة وولى علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة وعلقمة بن مجزز على النصف الآخر وأسكنه بيت المقدس وضم عمرا وشرحبيل إليه فلقياه بالجابية وركب عمر إلى بيت المقدس فدخلها وكشف عن الصخرة وأمر ببناء المسجد عليها وذلك سنة خمس عشرة وقيل سنة ست عشرة ولحق ارطبون بمصر مع من أبى الصلح من الروم حتى هلك في فتح مصر وقيل انما لحق بالروم وهلك في بعض الصوائف ثم فرق عمر العطاء ودون الدواوين سنة خمس عشرة ورتب ذلك على السابقة (ولما) أعطى صفوان بن أمية والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو أقل من غيرهم قالوا لا والله لا يكون أحد أكرم منا فقال أنما أعطيت على سابقة الاسلام لا على الاحساب قالوا فنعم إذا وخرجوا إلى الشام فلم يزالوا
مجاهدين حتى أصيبوا (ولما وضع عمر الدواوين) قال له على وعبد الرحمن ابدأ بنفسك قال لا بل بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الاقرب فالاقرب ورتب ذلك على مراتب ففرض خمسة آلاف ثم أربعة ثم ثلاثة ثم ألفين وخمسمائة ثم ألفين ثم ألفا واحدا ثم خمسمائة ثم ثلثمائة ثم مائتين وخمسين ثم مائتين وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف لكل واحدة وفضل عائشة بألفين وجعل النساء على مراتب فلاهل بدر خمسمائة ثم أربعمائة ثم ثلثمائة ثم مائتين والصبيان مائة مائة والمساكين جريبين في الشهر ولم يترك في بيت المال شيئا وسئل في ذلك فأبى وقال هي فتنة لمن بعدى وسأل الصحابة في قوته من بيت المال فأذنوا له وسألوه في الزيادة على لسان حفصة ابنته متكتمين عنه فغضب وامتنع وسألها عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيشه وملبسه وفراشه فأخبرته بالكفاف من ذلك فقال والله لاضعن الفضول مواضعها

(2/106)


ولا تبلغن بالترجية وانما مثلى ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا وتزود الاول فبلغ المنزل واتبعه الآخر مقتديا به كذلك ثم جاء الثالث بعدهما فان اقتفى طريقهما وزادهما لحق بهما والا لم يبلغهما (وفتحت) في جمادى من هذه السنة تكريت لان أهل الجزيرة كانوا قد اجتمعوا إلى المرزبان الذى كان بها وهم من الروم وإياد وتغلب والنمر ومعهم المشهارجة ليحموا أرض الجزيرة من ورائهم فسرح إليهم سعد بن أبى وقاص بأمر عمر كاتبه عبد الله بن المعتمر وعلى مقدمته ربعى بن الافكل وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة فحاصروهم أربعين يوما وداخلوا العرب الذين معهم فكانوا يطلعونهم على أحوال الروم ثم يئس الروم من أمرهم واعتزموا على ركوب السفن في دجلة للنجاة فبعث العرب بذلك إلى المسلمين وسألوهم الامان فاجابوهم على أن يسلموا فأسلموا وواعدوهم الثبات والتكبير وأن يأخذوا على الروم أبواب البحر مما يلى دجلة ففعلوا ولما سمع الروم التكبير من جهة البحر ظنوا أن المسلمين استداروا من هناك فخرجوا
إلى الناحية التى فيها المسلمون فأخذتهم السيوف من الجهتين ولم يفلت الا من أسلم من قبائل ربيعة من تغلب والنمر وإياد وقسمت الغنائم فكان للفارس ثلاثة آلاف درهم وللراجل ألف ويقال أن عبد الله بن المعتمر بعث ربعى بن الافكل بعهد عمر إلى الموصل ونينوى وهما حصنان على دجلة من شرقيها وغربيها فسار في تغلب وإياد والنمر وسبقوه إلى الحصنين فأجابوا إلى الصلح وسار واذمة وقيل بل الذى فتح الموصل عتبة بن فرقد سنة عشرين وأنه ملك نينوى وهو الشرقي عنوة وصالحوا أهل الموصل وهو الغربي على الجزية وفتح معها جبل الاكراد وجميع أعمال الموصل وقيل انما بعث عتبة بن فرقد عياض بن غنم عندما فتح الجزيرة على ما نذكره والله أعلم * (مسير هرقل إلى حمص وفتح الجزيرة وأرمينية) * كان أهل الجزيرة قد راسلوا هرقل وأغروه بالشام وأن يبعث الجنود إلى حمص وواعدوه المدد وبعثوا الجنود إلى أهل هيت مما يلى العراق فأرسل سعد عمر بن مالك ابن جبير بن مطعم في جند وعلى مقدمته الحرث بن يزيد العامري فسار إلى هيت وحاصرهم فلما رآى اعتصامهم بخندقهم حجر عليهم الحرث بن يزيد وخرج في نصف العسكر وجاء قرقيسيا على غرة فأجابوا إلى الجزية وكتب إلى الحرث أن يخندق على عسكر الجزيرة فبيت حتى سألوا المسالمة والعود إلى بلادهم فتركهم ولحق بعمر بن مالك ولما اعتزم هرقل على قصد حمص وبلغ الخبر أبا عبيدة ضم إليه مسالحه وعسكر بفنائها وأقبل إليه خالد من قنسرين وكتبوا إلى عمر بخبر هرقل فكتب إلى سعد أن يذهب بل أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو ويسرحهم من يومهم فان أبا عبيدة

(2/107)


قد أحيط به وأن يسرح سهيل بن عدى إلى الرقة فان أهل الجزيرة هم الذين استدعوا الروم إلى حمص وأن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين ثم يقصد حران والرها وأن يسرح الوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وأن يكون عياض بن غنم
على أمراء الجزيرة هؤلاء ان كانت حرب فمضى القعقاع من يومه في أربعة آلاف إلى حمص وسار عياض بن غنم وأمراء الجزيرة كل أمير إلى كورته وخرج عمر من المدينة فأتى الجابية يريد حمص مغيثا لابي عبيدة ولما سمع أهل الجزيرة خبر الجنود فارقوا هرقل ورجعوا إلى بلادهم وزحف أبو عبيدة إلى الروم فانهزموا وقدم القعقاع من العراق بعد الوقعة بثلاث وكتبوا إلى عمر بالفتح فكتب إليهم أن أشركوا أهل العرب في الغنيمة وسار عياض بن غنم إلى الجزيرة وبعث سهيل بن عدى إلى الرقة عند ما انقبضوا عن هرقل فنهضوا معه الا إياد بن نزار فانهم دخلوا أرض الروم ثم بعث عياض بن سهيل وعبد الله يضمهما إليه وسار بالناس إلى حران فأجابوه إلى الجزية ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها فأجابوا إلى الجزية وكمل فتح الجزيرة وكتب أبو عبيدة إلى عمر لما رجع من الجابية وانصرف معه خالد أن يضم إليه عياض بن غنم مكانه ففعل وولى حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها والوليد بن عقبة على عربها (ولما) بلغ عمر دخول إياد إلى بلاد الروم كتب إلى هرقل بلغني أن حيا من أحياء العرب تركوا دارنا وأتوا دارك فو الله لتخرجنهم أو لنخرجن النصارى إليك فأخرجهم هرقل وتفرق منهم أربعة آلاف فيما يلى الشام والجزيرة وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل منهم الا الاسلام فكتب إليه عمر انما ذلك في جزيرة العرب إلى تل التى فيها مكة والمدينة واليمن فدعهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الاسلام ثم وفدوا إلى عمر في أن يضع عنهم اسم الجزية فجعلها الصدقة مضاعفة ثم عزل الوليد عنهم لسطوته وعزتهم وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمر الجملى وقال ابن اسحق ان فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة وان سعدا بعث إليها الجند مع عياض بن غنم وفيهم ابنه عمر مع عياض بن غنم ففتح عمر مع عياض الرها وصالحت حران وافتتح أبو موسى نصيبين وبعث عثمان بن أبى العاصى إلى ارمينية فصالحوه على الجزية ثم كان فتح قيسارية من فلسطين فتكون الجزيرة على هذا من فتوح أهل العراق والاكثر
أنها من فتوح أهل الشام وان أبا عبيدة سير عياض بن غنم إليها وقيل بل استخلفه لما توفى فولاه عمر على حمص وقنسرين والجزيرة فسار إليها سنة ثمان عشرة في خمسة آلاف فانتهت طائفة إلى الرقة فحاصروها حتى صالحوه على الجزية والخراج على الفلاحين ثم سار إلى حران فجهز عليها صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة وسار هو

(2/108)


إلى الرها فحاصرها حتى صالحوه ثم رجع إلى حران وصالحهم كذلك ثم فتح سميساط وسروج ورأس كيفا فصالحوه على منبج كذلك ثم آمد ثم ميا فارقين ثم كفرتوثا ثم نصيبين ثم ماردين ثم الموصل وفتح أحد حصنيها ثم سار إلى ارزن الروم ففتحها ودخل الدرب إلى بدليس ثم خلاط فصالحوه وانتهى إلى أطراف أرمينية ثم عاد إلى الرقة ومضى إلى حمص فمات واستعمل عمر عمير بن سعد الانصاري ففتح رأس عين وقيل ان عياضا هو الذى أرسله وقيل ان أبا موسى الاشعري هو الذى افتتح رأس عين بعد وفاة عياض بولاية عمر وقبل ان خالدا حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل الحمام بآمد فاطلى بشئ فيه خمر وقيل لم يسر خالد تحت لواء أحد بعد أبى عبيدة (ولما) فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة أيضا ورتب فيها الجند وولى عليها ولما أدرب عياض بن غنم من الجابية فرجع عمر إلى المدينة سنة سبع عشرة وعلى حمص أبو عبيدة وعلى قنسرين خالد بن الوليد من تحته وعلى دمشق يزيد وعلى الاردن معاوية وعلى فلسطين علقمة بن مجزز وعلى السواحل عبد الله بن قيس وشاع في الناس ما أصاب خالد مع عياض بن غنم من الاموال فانتجعه رجال منهم الاشعث بن قيس وأجازه بعشرة آلاف وبلغ ذلك عمر مع ما بلغه في آمد من تدلكه بالخمر فكتب إلى أبى عبيدة أن يقيمه في المجلس وينزع عنه قلنسوته ويعقله بعمامته ويسأله من أين أجاز الاشعث فان كان من ماله فقد أسرف فاعزله واضمم اليك عمله فاستدعاه أبو عبيدة وجمع الناس وجلس على المنبر وسأل البريد خالدا فلم يجبه فقام بلال وأنفذ فيه أمر عمر
وسأله فقال من مالى فاطلقه وأعاد قلنسوته وعمامته ثم استدعاه عمر فقال من أين هذا الثراء قال من الانفال والسهمان وما زاد على ستين ألفا فهو لك فجمع ماله فزاد عشرين فجعلها في بيت المال ثم استصلحه وفى سنة سبع عشرة هده اعتمر عمر ووسع في المسجد وأقام بمكة عشرين ليلة وهدم على من أبى البيع دورهم لذلك وكانت العمارة في رجب وتولاها مخرمة بن نوفل والازهر بن عبد عوف وحويطب بن عبد العزى وسعيد بن يربوع واستأذنه أهل المياه أن يبنوا المنازل بين مكة والمدينة فأذن لهم على شرط أن ابن السبيل أحق بالظل والماء * (غزو فارس من البحرين وعزل العلاء عن البصرة ثم المغيرة وولاية أبى موسى) * كان العلاء بن الحضرمي على البحرين أيام أبى بكر ثم عزله عمر بقدامة بن مظعون ثم أعاده وكان العلاء يناوى سعد بن أبى وقاص ووقع له في قتال أهل الردة ما وقع فلما ظفر سعد بالقادسية كانت أعظم من فعل العلاء فأراد أن يؤثر في الفرس شيئا فندب الناس إلى فارس وأجابوه وفرقهم اجنادا بين الجارود بن المعلى والسوار بن همام وخليد بن

(2/109)


المنذر وأمره على جميعهم وحمله في البحر إلى فارس بغير اذن من عمر لانه كان ينهى عن ذلك وأبو بكر قبله خوف الغرق فخرجت الجنود إلى اصطخر وبازائهم الهربذ في أهل فارس وحالوا بينهم وبين سفنهم فخاطبهم خليد وقال انما جئتم لمحاربتهم والسفن والارض لمن غلب ثم ناهدوهم واقتتلوا بطاوس وقتل الجارود والسوار وأمر خالد أصحابه أن يقاتلوا رجالة وقتل من الفرس مقتلة عظيمة ثم خرج المسلمون نحو البصرة وأخذ الفرس عليهم الطرق فعسكروا وامتنعوا وبلغ ذلك عمر فأرسل إلى عتبة بالبصرة يأمره بانفاذ جيش كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا وأمر العلاء بالانصراف عن البحرين إلى سعد بمن معه فأرسل عتبة الجنود اثنى عشر ألف مقاتل فيهم عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة والاحنف بن قيس وامثالهم وعليهم أبو سبرة بن أبى
رهم من عامر بن لؤى فساحل بالناس حتى لقوا خليدا والعسكر وقد تداعى إليهم بعد وقعة طاوس أهل فارس من كل ناحية فاقتتلوا وانهزم المشركون وقتلوا ثم انكفؤا بما أصابوا من الغنائم واستحثهم عتبة بالرجوع فرجعوا إلى البصرة ثم استأذن عتبة في الحج فأذن له عمر فحج ثم استعفاه فأبى وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فانصرف ومات ببطن نخلة على رأس ثلاث سنين من مفارقة سعد واستخلف على عمله أبا سبرة بن أبى وهم فأقره عمر بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها وكان بينه وبين أبى بكرة منافرة وكانا متجاورين في مشربتين ينفذ البصر من احداهما إلى الاخرى من كوتين فزعموا ان أبا بكرة وزياد ابن أبيه وهو أخوه لامه وآخرين معهما عاينوا المغيرة على حالة قذفوه بها وادعوا الشهادة ومنعه أبو بكرة من الصلاة وبعثوا إلى عمر فبعث أبا موسى أميرا في تسعة وعشرين من الصحابة فيهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر ومعهم كتاب عمر إلى المغيرة اما بعد فقد بلغني عنك نبأ عظيم وبعثت أبا موسى أميرا فسلم إليه ما في يدك والعجل ولما استحضرهم عمر اختلفوا في الشهادة ولم يستكملها زياد فجلد الثلاثة ثم عزل أبا موسى عن البصرة بعمر بن سراقة ثم صرفه إلى الكوفة ورد أبا موسى فأقام عليه * (بناء البصرة والكوفة) * وفى هذه السنة وهى اربع عشرة بلغ عمر أن العرب تغيرت ألوانهم ورآى ذلك في وجوه وفودهم فسألهم فقالوا وخومة البلاد غيرتنا وقيل ان حذيفة وكان مع سعد كتب بذلك إلى عمر فسأل عمر سعدا فقال غيرتهم وخومة البلاد والعرب لا يوافقها من البلاد الا ما وافق ابلها فكتب إليه أن يبعث سلمان وحذيفة شرقية فلم يرضيا الا بقعة الكوفة فصليا فيها ودعيا أن تكون منزل ثبات ورجع إلى سعد فكتب إلى القعقاع

(2/110)


وعبد الله بن المعتمر أن يستخلفا على جندهما ويحضرا وارتحل من المدائن فنزل الكوفة
في المحرم سنة سبع عشرة لسنتين وشهرين من وقعة القادسية ولثلاث سنين وثمانية أشهر من ولاية عمر وكتب إلى عمر انى قد نزلت الكوفة بين الحيرة والفرات بريا بحريا بين الجلاء والنصر وخيرت الناس بينهما وبين المدائن ومن أعجبته تلك جعلته فيها مسلحة فلما استقروا بالكوفة ثاب إليهم ما فقدوه من حالهم ونزل أهل البصرة أيضا منازلهم في وقت واحد مع أهل الكوفة بعد ثلاث مرات نزلوها من قبل واستأذنوا جميعا في بنيان القصب فكتب عمر ان العسكرة أشد لحربكم وأذكر لكم وما أحب أن أخالفكم فابتنوا بالقصب ثم وقع الحريق في القصرين فاستأذنوا في البناء باللبن فقال افعلوا ولا يزيد أحد على ثلاثة بيوت ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك وعلى تنزيل البصرة أبو المحرب عاصم ابن الدلف وكانت ثغور الكوفة أربعة حلوان وعليها القعقاع وما سبدان وعليها ضرار بن الخطاب وقرقيسيا وعليها عمر بن مالك والموصل وعليها عبد الله بن المعتمر ويكون بها خلفاؤهم إذا غابوا * (فتح الاهواز والسوس بعدها) * لما انهزم الهرمزان يوم القادسية قصد خوزستان وهى قاعدة الاهواز فملكها وملك سائر الاهواز وكان أصله منهم من البيوتات السبعة في فارس وأقام يغير على أهل ميسان ودست ميسان من ثغور البصرة يأتي إليها من منادر ونهر تيرى من ثغور الاهواز واستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود فنزلا بين ثغور البصرة وثغور الاهواز وبعث عتبة بن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة بن بنى العدوية بن حنظلة فنزلا على ثغور البصرة بميسان ودعوا بنى العم بن مالك وكانوا ينزلون خراسان فأهل البلاد يأمنونهم فاستجابوا وجاء منهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكلبى فلقيا سلمى وحرملة وواعداهما الثورة بمنادر ونهر تيرى ونهض سلمى وحرملة يوم الموعد في التعبية وأنهضا نعيما والتقوا هم والهرمزان وسلمى على أهل البصرة
ونعيم على أهل الكوفة وأقبل اليهما المدد من قبل غالب وكليب وقد ملك منادر ونهر تيرى فانهزم الهرمزان وقتل المسلمون من أهل فارس مقتلة وانتهوا في اتباعهم إلى شاطئ دجيل وملكوا ما دونها وعبر الهرمزان جسر سوق الاهواز وصار دجيل بينه وبين المسلمين ثم طلب الهرمزان الصلح فصالحوه على الاهواز كلها ما خلا نهر تيرى ومنادر وما غلبوا عليه من سوق الاهواز فانه لا يرد وبقيت المسالح على نهر تيرى ومنادر وفيهما غالب وكليب ثم وقع بينهما وبين الهرمزان اختلاف في التخم ووافقهما سلمى

(2/111)


وحرملة فنقض الهرمزان ومنع ما قبله وكثف جنوده بالاكراد وبعث عتبة بن غزوان حرقوص بن زهير السعدى لقتاله فانهزم وسار إلى رام هرمز وفتح حرقوص سوق الاهواز ونزل بها واتسقت له البلاد إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح وبعث في أثر الهرمزان جزء بن معاوية فانتهى إلى قرية الشغر ثم إلى دورق فملكها وأقام بالبلاد وعمرها وطلب الهرمزان الصلح على ما بقى من البلاد ونزل حرقوص جبل الاهواز وكان يزدجرد في خلال ذلك يمد ويحرض أهل فارس حتى اجتمعوا وتعاهدوا مع أهل الاهواز على النصرة وبلغت الاخبار حرقوصا وجزءا وسلمى وحرملة فكتبوا إلى عمر فكتب إلى سعد أن يبعث جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن ينزلون منازل الهرمزان وكتب إلى أبى موسى أن يبعث كذلك جندا كثيفا مع سعد بن عدى أخى سهيل ويكون فيهم البراء بن مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم وعلى الجندين أبو سبرة بن أبى رهم فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فخلف حرقوصا وسلمى وحرملة إلى الهرمزان وهو برام هرمز فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشده ولقيه فانهزم ولحق بتستر وجاء النعمان إلى رام هرمز فنزلها وجاء أهل البصرة من بعده فلحقهم خبر الواقعة بسوق الاهواز فساروا حتى أتوا تستر ولحقهم النعمان فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وأمدهم عمر بابى موسى جعله على أهل البصرة
فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل وزاحفهم المشركون ثمانين زحفا سجالا ثم انهزموا في آخرها واقتحم المسلمون خنادقهم وأحاطوا بها وضاق عليهم الحصار فاستأمن بعضهم من داخل البلد بمكتوب في سهم على أن يدلهم على مدخل يدخلون منه فانتدب لهم طائفة ودخلوا المدينة من مدخل الماء وملكوها وقتلوا المقاتلة وتحصن الهرمزان بالقلعة فأطافوا بها واستنزلوه على حكم عمر وأوثقوه واقتسموا الفئ فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف والراجل ألف وقتل من المسلمين في تلك الليلة البراء بن مالك ومجزاة بن ثور قتلهما الهرمزان ثم خرج أبو سبرة في أثر المنهزمين ومعه النعمان وأبو موسى فنزلوا على السوس وسار زر بن عبد الله الفقيمى إلى جند يسابور فنزل عليها وكتب عمر إلى أبى موسى الاشعري بالرجوع إلى البصرة وأمر مكانه الاسود بن ربيعة بن مالك صحابي يسمى المقترب وأرسل أبو سبرة بالهرمزان إلى عمر في وفد منهم أنس بن مالك والاحنف بن قيس فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج المذهب وتاجه مرصعا بالياقوت وحليته ليراه المسلمون فلما رآه عمر أمر بنزع ما عليه وقال يا هرمزان كيف رأيت أمر الله وعاقبة الغدر فقال يا عمر إنا واياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بينا وبينكم فغلبناكم فلما صار الآن معكم غلبتمونا قال فما حجتك وما عذرك

(2/112)


في الانتقاض مرة بعد أخرى قال أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك قال لا تخف ذلك ثم استقى فأتى بالماء فقال أخاف أن أقتل وأنا أشرب فقال لا بأس عليك حتى تشربه فألقاه من يده وقال لا حاجة لى في الماء وقد أمنتنى قال كذبت قال أنس صدق يا أمير المؤمنين فقد قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني وحتى تشربه وصدق الناس فأقبل عمر على الهرمزان وقال خدعتني لا والله الا أن تسلم فاسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة واستأذنه الاحنف بن قيس في الانسياح في بلاد فارس وقال لا يزالون في الانتقاض حتى يهلك ملكهم فأذن له (ولما) لحق أبو سبرة بالسوس ونزل عليها وبها
شهريار أخو الهرمزان فأحاط بها ومعه المقترب بن ربيعة في جند البصرة فسأل أهل السوس الصلح فأجابوهم وسار النعمان بن مقرن بأهل الكوفة إلى نهاوند وقد اجتمع بها الاعاجم وسار المقترب إلى زر بن عبد الله على جند يسابور فحاصروها مدة ثم رمى السهم بالامان من خارج على الجزية فخرجوا لذلك فناكرهم المسلمون فإذا عبد فعل ذلك أصله منهم فأمضى عمر أمانه وقيل في فتح السوس إن يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل اصطخر ومعه سباه في سبعين ألفا من فارس فبعثه إلى السوس ونزل الكلبانية وبعث الهرمزان إلى تستر ثم كانت واقعة أبى موسى فحاصرهم فصالحوه على الجزية وسار إلى هرمز ثم إلى تستر ونزل سباه بين رام هرمز وتستر وحمل أصحابه على صلح أبى موسى ثم على الاسلام على أن يقاتلوا الاعاجم ولا يقتلوا العرب ويمنعهم هو من العرب ويلحقوا بأشراف العطاء فأعطاهم ذلك عمر وأسلموا وشهد وافتح تستر ومضى سباه إلى بعض الحصون في زى العجم فغدرهم وفتحه للمسلمين وكان فتح تستر وما بعدها سنة سبع عشرة وقيل ست عشرة * (مسير المسلمين إلى الجهات للفتح) * لما جاء الاحنف بن قيس بالهرمزان إلى عمر قال له يا أمير المؤمنين لا يزال أهل فارس يقاتلون ما دام ملكهم فيهم فلو أذنت بالانسياح في بلادهم فأزلنا ملكهم انقطع رجاؤهم فأمر أبا موسى أن يسير من البصرة غير بعيد ويقيم حتى يأتي أمره ثم بعث إليه مع سهيل بن عدى بألوية الامراء الذين يسيرون في بلاد العجم لواء خراسان للاحنف بن قيس ولواء أردشير خرة وسابور لمجاشع بن مسعود السلمى ولواء اصطخر لعثمان بن أبى العاصى الثقفى ولواء فسا ودارا بجرد لسارية بن زنيم الكنانى ولواء كرمان لسهيل بن عدى ولواء سجستان لعاصم بن عمرو ولواء مكران للحكم بن عمير التغلبي ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثمان عشرة ويقال سنة احدى وعشرين أو اثنين وعشرين ثم ساروا في بلاد العجم وفتحوا كما يذكر بعد

(2/113)


* (مجاعة عام الرمادة وطاعون عمواس) * وأصاب الناس سنة ثمان عشرة قحط شديد وجدب أعقب جوعا بعد العهد بمثله مع طاعون أتى على جميع الناس وحلف عمر لا يذوق السمن واللبن حتى يحيا الناس وكتب إلى الامراء بالامصار يستمدهم لاهل المدينة فجاء أبو عبيدة باربعة آلاف راحلة من الطعام وأصلح عمرو بن العاصى بحر القلزم وراسل فيه الطعام من مصر فرخص السعر واستقى عمر بالناس فخطب الناس وصلى ثم قام وأخذ بيد العباس وتوسل به ثم بكى وجثا على ركبتيه يدعوا لى أن مطر الناس وهلك بالطاعون أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبى سفيان والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو وابنه عتبة في آخرين أمثالهم وتفانى الناس بالشأم وكتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرتفع بالمسلمين من الارض التى هو بها فدعا أبا موسى يرتاد له منزلا ومات قبل رحيله وسار عمر بالناس إلى الشام وانتهى إلى سرغ ولقيه أمراء الاجناد وأخبروه بشدة الوباء واختلف الناس عليه في قدومه فقبل اشارة العود ورجع وأخبر عبد الرحمن بن عوف بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الوباء فقال إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه أخرجاه في الصحيحين (ولما) هلك يزيد ولى عمر على دمشق مكانه أخاه معاوية بن أبى سفيان وعلى الارض شرحبيل بن حسنة ولما فحش أثر الطاعون بالشأم أجمع عمر على المسير إليه ليقسم مواريث المسلمين ويتطوف على الثغور ففعل ذلك ورجع واستقضى في سنة ثمان عشرة على الكوفة شريح بن الحرث الكندى وعلى البصرة كعب بن سوار الازدي وحج في هذه السنة ويقال أن فتح جلولا والمدائن والجزيرة كان في هذه السنة وقد تقدم ذكر ذلك وكذلك فتح قيسارية على يد معاوية وقيل سنة عشرين (فتح مصر)
ولما فتح عمر بيت المقدس استأذنه عمرو بن العاصى في فتح مصر فأغزاه ثم اتبعه الزبير بن العوام فساروا سنة عشرين أو احدى أو اثنين أو خمس فاقتحموا باب اليون ثم ساروا في قرى الريف إلى مصر ولقيهم الجاثليق أبو مريم والاسقف قد بعثه المقوقس وجاء أبو مريم إلى عمرو فعرض الجزية والمنع وأخبره بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم وأجلهم ثلاثا ورجعوا إلى المقوقس وارطبون أمير الروم فأبى من ذلك ارطبون وعزم على الحرب وبيت المسلمين فهزموه وجنده ونازلوا عين شمس وهى المطرية وبعثوا لحصار الفرما أبرهه بن الصباح ولحصار الاسكندرية عوف

(2/114)


ابن مالك وراسلهم أهل البلاد وانتظروا عين شمس فحاصرهم عمرو والزبير مدة حتى صالحوهما على الجزية وأجروا ما أخذوا قبل ذلك عنوة فجرى الصلح وشرطوا رد السبايا فأمضاه لهم عمر بن الخطاب على أن يجيز السبايا في الاسلام وكتب العهد بينهم ونصه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمرو بن العاصى أهل مصر من الامان على أنفسهم ودمهم وأموالهم وكافتهم وصاعهم ومدهم وعددهم لا يزيد شئ في ذلك ولا ينقص ولا يساكنهم النوب وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليه ممن جنى نصرتهم فان أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم وذمتنا ممن أبى برية وان نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله ما لهم وعليه ما عليهم ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سلطاننا وعليهم ما عليهم اثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا على ان لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر هذا نص الكتاب
منقولا من الطبري قال فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح ونزل المسلمون الفسطاط وجاء أبو مريم الجاثليق يطلب السبايا التى بعد المعركة في أيام الاجل فأبى عمرو من ردها وقال أغاروا وقاتلوا وقسمتهم في الناس وبلغ الخبر إلى عمر فقال من يقاتل في أيام الاجل فله الامن وبعث بهم إلى الرباق فردهم عليهم ثم سار عمرو إلى الاسكندرية فاجتمع له من بينها وبين الفسطاط من الروم والقبط فهزمهم وأثخن فيهم ونازل الاسكندرية وبها المقوقس وسأله الهدنة إلى مدة فلم يجبه وحاصرهم ثلاثة أشهر ثم فتحها عنوة وغنم ما فيها وجعلهم ذمة وقيل ان المقوقس صالح عمرا على اثنى عشر ألف دينار على أن يخرج من يخرج ويقيم من يقيم باختيارهم وجعل عمرو فيها جندا (ولما) تم فتح مصر والاسكندرية أغزى عمرو العساكر إلى النوبة فلم يظفروا فلما كان أيام عثمان وعبد الله بن أبى سرح على مصر صالحهم على عدة رؤس في كل سنة ويهدى إليهم المسلمون طعاما وكسوة فاستمر ذلك فيها * (وقعة نهاوند وما كان بعدها من الفتوحات) * لما فتحت الاهواز ويزدجرد بمرو كاتبوه واستنجدوه فبعث إلى الملوك ما بين الباب والسند وخراسان وحلوان يستمدهم فأجابوه واجتمعوا إلى نهاوند وعلى الفرس القيرزان في مائة وخمسين ألف مقاتل وكان سعد بن أبى وقاص قد ألب أقوام عليه من

(2/115)


عسكره وشكوا إلى عمر فبعث محمد بن مسلمة في الكشف عن أمره فلم يسمع الا خيرا سوى مقالة من بنى عبس فاستقدمه محمد إلى عمرو خبره الخبر وقال كيف تصلى يا سعد قال أطيل الاولتين وأحذف الاخيرتين قال هكذا الظن بك ثم قال من خليفتك على الكوفة قال عبد الله بن عبد الله بن عتبان فأقره وشافهه بخبر الاعاجم وأشار بالانسياح ليكون أهيب على العدو فجمع عمر الناس واستشارهم بالمسير بنفسه فمن موافق ومخالف إلى أن اتفق رأيهم على أن يبعث الجنود ويقيم ردءا لهم وكان ذلك رأى على وعثمان وطلحة
وغيرهم فولى على حربهم النعمان بن مقرن المزني وكان على جند الكوفة بعد انصرافهم من حصار السوس وأمره أن يصير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه ويسير بهم إلى القيرزان ومن معه وكتب إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان أن يستنفر الناس مع النعمان فبعثهم مع حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن وكتب إلى المقترب وحرملة وزر الذين كانوا بالاهواز وفتحوا السوس وجند يسابور ان يقيموا بتخوم اصبهان وفارس ويقطعوا المدد عن أهل نهاوند واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة وجرير والمغيرة وابن عمر وأمثالهم وأرسل النعمان طليحة وعمرو بن معد يكرب طليعة ورجع عمرو من طريقه وانتهى طليحة إلى نهاوند ونفض الطرق فلم يلق بها أحدا وأخبر الناس فرحل النعمان وعبى المسلمين ثلاثين ألفا وجعل على مقدمته نعيم بن مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن وعلى المجردة القعقاع وعلى الساقة مجاشع بن مسعود ومع القيرزان كتائبه وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جادويه مكان ذى الحاجب وقد توافي إليهم بنهاوند كل من غاب من القادسية من أبطالهم فلما ترا آى الجمعان كبر المسلمون وحطت العرب الاثقال وتبادر اشراف الكوفة إلى فسطاط النعمان فبنوه حذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وعقبة بن عمرو وجرير بن عبد الله وحنظلة الكاتب وبشير بن الحضاصية والاشعث بن قيس ووائل بن حجر وسعيد بن قيس الهمداني ثم تزاحفوا للقتال يوم الاربعاء والخميس والحرب سجال ثم أحجروهم في خنادقهم يوم الجمعة وحاصروهم أياما وسئم المسلمون اعتصامهم بالخنادق وتشاوروا وأشار طليحة باستخراجهم للمناجزة بالاستطراد فناشبهم القعقاع فبرزوا إليه كأنهم حبال حديد قد تواثقوا ان لا يفروا وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا فلما بارزوا استطرد لهم حتى فارقوا الخنادق وقد ثبت لهم المسلمون ونزل الصبر ثم وقف النعمان على الكتائب وحرض المسلمين ودعا لنفسه بالشهادة وقال إذا كبرت الثالثة فاحملوا ثم كبر وحمل عند الزوال وتجاول الناس ساعة وركدت الحرب ثم انفض الاعاجم وانهزموا وقتلوا ما بين الظهر والعتمة
حتى سالت أرض المعركة دما تزلق فيه المشاة حتى زلق فيه النعمان وصرع وقيل بل

(2/116)


أصابه سهم فسجاه أخوه نعيم بثوب وتناول الراية حذيفة بعهده وتواصوا بكتمان موته وذهب الاعاجم ليلا وعميت عليهم المذاهب وعقرهم حسك الحديد ووقعوا في اللهب الذى أعدوه في عسكرهم فمات منهم أكثر من مائة ألف منها نحو ثلاثين ألفا في المعركة وهرب القيرزان بعد ان صرع إلى همذان واتبعه نعيم بن مقرن فادركه بالثنية دونها وقد سدتها الاحمال وترجل وصعد في الجبل وكان نعيم قد قدم القعقاع أمامه فاعترضه وقتله المسلمون على الثنية ودخل الفل همذان وبها خسر شنوم فنزل المسلمون عليها مع نعيم والقعقاع ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة وغنموا ما فيها وجمعوه إلى صاحب الاقباض السائب بن الاقرع وولى على الجند حذيفة بعهد النعمان إليه ثم جاء الهربذ صاحب بيت النار إلى حذيفة فأمنه وأخرج له سفطين مملو أين جوهرا نفيسا كانا من دخائر كسرى أودعهما عنده البخرجان فنقلهما المسلمون وبعث الخمس مع السائب إلى عمر وأخبره بالواقعة وبالفتح وبمن استشهد فبكى وبالسفطين فقال ضعهما في بيت المال والحق بجندك قال السائب ثم لحقني رسوله بالكوفة فردني إليه فلما رأني قال مالى وللسائب ما هو الا أن نمت الليلة التى خرجت فيها فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان نارا يتوعدوني بالكى ان لم أقسمهما فخذهما عنى وبعهما في أرزاق المسلمين فبعتهما بالكوفة من عمرو بن حريث المخزومى بالفى ألف درهم وباعهما عمرو بأرض الاعاجم بضعفهما فكان له بالكوفة مال وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف والراجل ألفين ولم يكن للفرس من بعدها اجتماع وكان أبو لؤلؤة قاتل عمر من أهل نهاوند حصل في أسر الروم وأسره الفرس منهم فكان إذا لقى سبى نهاوند بالمدينة يبكى ويقول أكل عمر كبدي وكان أبو موسى الاشعري قد حضر نهاوند على أهل البصرة فلما انصرف مر بالدينور فحاصرها خمسة أيام ثم صالحوه على الجزية وسار إلى أهل شيروان
فصالحوه كذلك وبعث السائب بن الاقرع إلى الصيمرة ففتحها صلحا ولما اشتد الحصار بأهل همذان بعث خسر شنوم إلى نعيم والقعقاع في الصلح على قبول الجزية فأجابوه إلى ذلك ثم اقتدى أهل الماهين وهم الملوك الذين جاؤا لنصرة يزدجرد وأهل همذان وبعثوا إلى حذيفة فصالحوه وأمر عمر بالانسياح في بلاد الاعاجم وعزل عبد الله بن عبد الله ابن عتبان عن الكوفة وبعثه في وجه آخر وولى مكانه ابن حنظلة حليف بنى عبد قصى واستعفى فاعفاه وولى عمار بن ياسر واستدعى ابن مسعود من حمص فبعثه معه معلما لاهل الكوفة وأمدهم بأبى موسى وأمد أهل البصرة مكانه بعبد الله بن عبد الله ثم بعثه إلى اصبهان مكان حذيفة وولى على البصرة عمرو بن سراقة ثم انتقض أهل همذان فبعث إلى نعيم بن مقرن فحاصرهم وصار بعد فتحها إلى خراسان وبعث عتبة بن فرقد وبكر

(2/117)


ابن عبد الله إلى اذربيجان يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل ولما فصل عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى اصبهان وكان من الصحابة من وجوه الانصار حليف بنى الحبلى فأمده بأبى موسى وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله فسار إلى نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة فسار عبد الله بمن معه ومن تبعه من عند النعمان نحو اصبهان وعلى جندها الاسبيدان وعلى مقدمته شهريار ابن جادويه في جمع عظيم برستاق اصبهان فاقتتلوا وبارز عبد الله بن ورقاء شهريار فقتله وانهزم أهل اصبهان وصالحهم الاسبيدان على ذلك الرستاق ثم ساروا إلى اصبهان وتسمى جى وملكها الفادوسفان فصالحهم على الجزية والخيار بين المقام والذهاب وقال ولكم أرض من ذهب وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الاهواز فدخل معه اصبهان وكتبوا إلى عمر بالفتح فكتب إلى عبد الله أن يسير إلى سهيل بن عدى لقتال كرمان فاستخلف على اصبهان السائب بن الاقرع ولحق بسهيل قبل أن يصل كرمان وقد قيل أن النعمان بن مقرن حضر فتح اصبهان أرسله إليها عمر من المدينة واستجاش له أهل
الكوفة فقتل في حرب اصبهان والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم وقاشان ثم ولى عمر على الكوفة سنة احدى وعشرين المغيرة بن شعبة وعزل عمارا * (فتح همذان) * كان أهل همذان قد صالح عليهم حشر شنوم القعقاع ونعيما وضمنهما ثم انتقض فكتب عمر إلى نعيم أن يقصدها فودع حذيفة ورجع إليها من الطريق على تعبيته فاستولى على بلادها أجمع حتى صالحوا على الجزية وقيل ان فتحها كان سنة أربع وعشرين فبينما نعيم يجول في نواحى همذان إذ جاء الخبر بخروج الديلم وأهل الرى واسفنديار أخو رستم بأهل اذربيجان فاستخلف نعيم على همذان يزيد بن قيس الهمداني وسار إليهم فاقتتلوا وانهزم الفرس وكانت واقعتها مثل نهاوند واعظم وكتبوا إلى عمر بالفتح فامر نعيما بقصد الرى والمقام بها بعد فتحها وقيل ان المغيرة بن شعبة أرسل من الكوفة جرير بن عبد الله إلى همذان ففتحها صلحا وغلب على أرضها وقيل تولاها بنفسه وجرير على مقدمته ولما فتح جرير همذان بعث البراء بن عازب إلى قزوين ففتح ما قبلها وسار إليها فاستنجدوا بالديلم فوعدوهم ثم جاء البراء في المسلمين فخرجوا لقتالهم والديلم وقوف على الجبل ينظرون فيئس أهل قزوين منهم وصالحوا البراء على صلح أبهر قبلها ثم غزا البراء الديلم وجيلان * (فتح الرى) *

(2/118)


ولما انصرف نعيم من واقعته سار إلى الرى وخرج إليه أبو الفرخان من أهلها في الصلح وأبى ذلك ملكها سياوخش بن مهران بن بهرام جوبين واستمد أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان فأمدوه والتقوا مع نعيم فشغلوا به عن المدينة وقد كان خلفهم أبو فرخان ودخل المدينة من الليل ومعه المنذر بن عمرو أخو نعيم فلم يشعروا وهم مواقفون لنعيم الا بالتكبير من ورائهم فانهزموا وقتلوا وافاء الله على المسلمين بالرى مثل ما كان
بالمدائن وصالحه أبو الفرخان الزبينى على البلاد فلم يزل شرفهم في عقبه وأخرب نعيم مدينتهم العتيقة وأمر ببناء أخرى وكتب إلى عمر بالفتح وصالحه أهل دنباوند على الجزية فقبل منهم (ولما) بعث بالاخماس إلى عمر كتب إليه بارسال أخيه سويد إلى قومس ومعه هند بن عمرو الجملى فسار فلم يقم له أحد وأخذها سلما وعسكر بها وكاتبه الفل الذين بطبرستان وبالمفاوز فصالحوه على الجزية ثم سار إلى جرجان وعسكر فيها ببسطام وصالحه ملكها على الجزية وتلقاه مرزبان صول قبل جرجان فكان معه حتى جبى الخراج وأراه فروجها وسدها وقيل كان فتحها سنة ثلاثين أيام عثمان ثم أرسل سويد إلى الاصبهبذ صاحب طبرستان على الموادعة فقبل وعقد له بذلك * (فتح اذربيجان) * ولما افتتح نعيم الرى أمره عمر أن يبعث سماك بن خرشة الانصاري إلى اذربيجان ممدا لبكير بن عبد الله وكان بكير بن عبد الله عندما سار إلى اذربيجان لقى بالجبال اسفنديار ابن فرخزاد مهزوما من واقعة نعيم من ماح رود دون همذان وهو أخو رستم فهزمه بكير وأسره فقال له أمسكنى عندك فأصالح لك على البلاد والا فروا إلى الجبال وتركوها وتحصن من تحصن إلى يوم ما فأمسكه وسارت البلاد صلحا الا الحصون وقدم عليه سماك وهو في مثل ذلك وقد افتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم فأذن له أن يتقدم نحو الباب وان يستخلف على ما افتتح فاستخلف عتبة بن فرقد وجمع له عمر اذربيجان كلها فولى عتبة سماك بن خرشة على ما افتتحه بكير وكان بهرام بن الفرخزاد قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره مقتصدا معترضا له فلقيه عتبة وهزمه وبلغ خبر الاسفنديار وهو أسير عند بكير فصالحه واتبعه أهل اذربيجان كلهم وكتب بكير وعتبة بذلك إلى عمر وبعثوا بالاخماس فكتب عمر لاهل اذربيجان كتاب الصلح ثم غزا عتبة بن فرقد شهرزور والصامغان ففتحهما بعد قتال على الجزية والخراج وقتل خلقا من الاكراد وكتب إلى عمران فتوحي بلغت
اذربيجان فولاه اياها وولى هرثمة بن عرفجة الموصل * (فتح الباب) *

(2/119)


ولما أمر عمر بكير بن عبد الله بغزو الباب والتقدم إليها بعث سراقه بن عمرو على حربها فسار من البصرة وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة وعلى احدى مجنبتيه ابن أسيد الغفاري وعلى الاخرى بكير بن عبد الله المتقدم وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلى ورد أبا موسى الاشعري إلى البصرة مكان سراقة ثم أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة وسار سراقة من أذربيجان فلما وصل عبد الرحمن بن ربيعة في مقدمته على الباب والملك بها يومئذ شهريار من ولد شهريرار الذى أفسد بنى اسرائيل وأعرى الشأم منهم فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتي فحضر وطلب الصلح والموادعة على أن تكون جزيته النصر والطاعة للمسلمين قال ولا تسومونا الجزية فتوهنونا لعدوكم فسيره عبد الرحمن إلى سراقة فقبل منه وقال لا بد من الجزية على من يقيم ولا يحارب العدو فأجاب وكتبوا إلى عمر فأجاز ذلك * (فتح موقان وجبال ارمينية) * ولما فرغ سراقة من الباب بعث امراء إلى ما يليه من الجبال المحيطة بارمينية فارسل بكير بن عبد الله إلى موقان وحبيب بن مسلمة إلى تفليس وحذيفه بن اليمان إلى جبال اللان وسلمان بن ربيعة إلى الوجه الآخر وكتب بالخبر إلى عمر فلم يرج تمام ذلك لانه فرج عظيم ثم بلغه موت سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة فأقره عمر على فرج الباب وأمره بغزو الترك ولم يفتح أحد من أولئك الامراء الا بكير بن عبد الله فانه فتح موقان ثم تراجعوا على الجزية دينارا عن كل حالم * (غزو الترك) * ولما أمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك سار حتى جاء الباب وسار معه شهريار فغزا
بلنجر وهم قوم من الترك ففروا منه وتحصنوا وبلغت خيله على مائتي فرسخ من بلنجر وعاد بالظفر والغنائم ولم يزل يردد الغزو فيهم إلى أيام عثمان فتذامر الترك وكانوا يعتقدون ان المسلمين لا يقتلون لان الملائكة معهم فأصابوا في هذه الغزاة رجلا من المسلمين على غرة فقتلوه وتجاسروا وقاتل عبد الرحمن فقتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية أخوه سلمان فخرج بالناس ومعه أبو هريرة الدوسى فسلكوا على جيلان إلى جرجان * (فتح خراسان) * ولما عقدت الالوية للامراء للانسياح في بلاد فارس كان الاحنف بن قيس منهم بخراسان وقد تقدم ان يزدجرد سار بعد جلولاء إلى الرى وبها ابان جادويه من

(2/120)


مرازبته فاكرهه على خاتمه وكتب الضحاك بما اقترح من ذخائر يزدجرد وختم عليها وبعث بها إلى سعد فردها عليه على حكم الصلح الذى عقد له ثم سار يزدجرد والناس معه إلى اصبهان ثم إلى كرمان ثم رجع إلى مرو من خراسان فنزلها وأمن من العرب وكاتب الهرمزان وأهل فارس بالاهواز والقيرزان وأهل الجبال فنكثوا جميعا وهزمهم الله وخذلهم وأذن عمر للمسلمين بالانسياح في بلادهم وأمر الامراء كما قدمناه وعقد لهم الالوية فسار الاحنف إلى خراسان سنة ثمان عشرة وقيل ثنتين وعشرين فدخلها من الطبسين وافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدى ثم سار إلى مرو الشاهجان وأرسل إلى نيسابور مطرف بن عبد الله بن الشخير والى سرخس الحرث بن حسان ودرج يزدجرد من مرو الشاهجان إلى مرو الروذ فملكها الاحنف ولحقه مدد أهل الكوفة هنا لك فسار إلى مرو الروذ واستخلف على الشاهجان حارثة ابن النعمان الباهلى وجعل مدد الكوفة في مقدمته والتقوا هم ويزدجرد على بلخ فهزموه وعبر النهر فلحقهم الاحنف وقد فتح الله عليهم ودخل أهل خراسان في الصلح ما بين
نيسابور وطخارستان وولى على طخارستان ربعى بن عامر وعاد إلى مرو الروذ فنزلها وكتب إلى عمر بالفتح فكتب إليه أن يقتصر على ما دون النهر وكان يزدجرد وهو بمرو الروذ قد استنجد ملوك الامم وكتب إلى ملك الصين والى خاقان ملك الترك والى ملك الصغد فلما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ ورجع أهل الكوفة إلى الاحنف بمرو الروذ ونزل المشركون عليه ثم رحل ونزل سفح الجبل في عشرين ألفا من أهل البصرة وأهل الكوفة وتحصن العسكران بالخنادق وأقاموا يقاتلون أياما وصحبهم الاحنف ليلة وقد خرج فارس من الترك يضرب بطبله ويتلوه اثنان كذلك ثم يخرج العسكر بعدهم عادة لهم فقتل الاحنف الاول ثم الثاني ثم الثالث فلما مر بهم خاقان تشاءم وتطير ورجع ادراجه فارتحل وعاد إلى بلخ وبلغ الخبر إلى يزدجرد وكان على مرو الشاهجان محاصر الحارثة بن النعمان ومن معه فجمع خزائنه وأجمع اللحاق بخاقان على بلخ فمنعه أهل فارس وحملوه على صلح المسلمين والركون إليهم وأنهم أو في ذمة من الترك فابى من ذلك وقاتلهم فهزموه واستولوا على الخزائن ولحق بخاقان وعبروا النهر إلى فرغانة واقام يزدجرد ببلد الترك أيام عمر كلها إلى ان كفر أهل خراسان أيام عثمان ثم جاء أهل فارس إلى الاحنف ودفعوا إليه الخزائن والاموال وصالحوه واغتبطوا بملكة المسلمين وقسم الاحنف الغنائم فأصاب الفارس ما أصابه يوم القادسية ثم نزل الاحنف بلخ وأنزل أهل الكوفة في كورها الاربع ورجع إلى مرو الروذ فنزلها وكتب بالفتح إلى عمر

(2/121)


وكان يزدجرد لما عبر النهر لقى رسوله الذى بعثه إلى ملك الصين قد رده إليه يسأله أن يصف له المسلمين الذين فعلوا به هذه الافاعيل مع قلة عددهم ويسأل عن وفائهم ودعوتهم وطاعة أمرائهم ووقوفهم عند الحدود ومآكلهم وشرابهم وملابسهم ومراكبهم فكتب إليه بذلك كله وكتب إليه ملك الصين أن يسالمهم فانهم لا يقوم لهم
شئ بما قام نردبل 2 فأقام يزدجرد بفرغانة بعهد من خاقان (ولما) وصل الخبر إلى عمر خطب الناس وقال ألا وان ملك المجوسية قد ذهب فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم ألا وأن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم فانى لا أخاف على هذه الامة أن تؤتى الا من قبلكم * (فتوح فارس) * ولما خرج الامراء الذين توجهوا إلى فارس من البصرة افترقوا وسار كل أمير إلى جهته وبلغ ذلك أهل فارس فافترقوا إلى بلدانهم وكانت تلك هزيمتهم وشتاتهم وقصد مجاشع بن مسعود من الامراء سابور وأردشير خرة فاعترضه الفرس دونهما بتوج فقتلهم وأثخن فيهم وافتتح توج واستباحها وصالحهم على الجزية وأرسل بالفتح والاخماس إلى عمر فكانت واقعة توج هذه ثانية لواقعة العلاء بن الحضرمي عليهم أيام طاوس ثم دعوا إلى الجزية فرجعوا وأقروا بها (اصطخر) وقصد عثمان بن أبى العاصى اصطخر فزحفوا إليه بجور فهزمهم وأثخن فيهم وفتح جور واصطخر ووضع عليهم الجزية وأجابه الهربذ إليها وكان ناس منهم فروا فتراجعوا إليها وبعث بالفتح والخمس إلى عمر ثم فتح كازرون والنو بندجان وغلب على أرضها ولحق به أبو موسى فافتتحا مدينة شيراز وأرجان على الجزية والخراج وقصد عثمان جنابة ففتحها ولقى الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها ثم نقض شهرك في أول خلافة عثمان فبعث عثمان بن أبى العاص ابنه وأخاه الحكم وأتته الامداد من البصرة وعليهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد والتقوا بأرض فارس فانهزم شهرك وقتله الحكم بن أبى العاصى وقيل سوار بن همام العبدى وقيل ان ابن شهرك حمل على سوار فقتله ويقال أن اصطخر كانت سنة ثمان وعشرين وقيل تسع وعشرين وقيل أن عثمان ابن أبى العاصى أرسل اخاه الحكم من البحرين إلى فارس في ألفين فسار إلى توج وعلى
مجنبته الجارود وأبو صفرة والد المهلب وكان كسرى أرسل شهرك في الجنود إلى لقائهم فالتقوا بتوج وهزمهم إلى سابور وقتل شهرك وحاصروا مدينة سابور حتى صالح عليها ملكها واستعانوا به على قتال اصطخر ثم مات عمر رضى الله عنه وبعث عثمان بن

(2/122)


عفان عبيد الله بن معمر مكان عثمان بن أبى العاصى وأقام محاصر اصطخر وأراد ملك سابور الغدر به ثم أحضر وأصابت عبيد الله حجارة منجنيق فمات بها ثم فتحوا المدينة فقتلوا بها بشرا كثيرا منهم (پسا ودرابجرد) وقصد سارية بن زنيم الكنانى من أمراء الانسياح مدينة پسا ودارابجرد فحاصرهم ثم استجاشوا باكراد فارس واقتتلوا بصحراء وقام عمر على المنبر ونادى يا سارية الجبل يشير إلى جبل كان ازاءه أن يسند إليه فسمع ذلك سارية ولجأ إليه ثم انهزم المشركون وأصاب المسلمون مغانمهم وكان فيها سفط جوهر فاستوهبه سارية من الناس وبعث به مع الفتح إلى عمر ولما قدم به الرسول سأله عمر فأخبره عن كل شئ ودفع إليه السفط فأبى الا أن يقسم على الجند فرجع به وقسمه سارية (كرمان) وقصد سهيل بن عدى من أمراء الانسياح كرمان ولحق به عبد الله بن عبد الله بن عتبان وحشد أهل كرمان واستعانوا بالقفص وقاتلوا المسلمين في أدنى أرضهم فهزموهم باذن الله وأخذ المسلمون عليهم الطريق بل الطرق ودخل النسير بن عمرو العجلى إلى جيرفت وقتل في طريقه مرزبان كرمان وعبد الله بن عبد الله مفازة سيرزاد وأصابوا ما أرادوا من ابل وشاء وقيل ان الذى فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى ثم أتى الطبسين من كرمان ثم قدم على عمر وقال أقطعنى الطبسين فأراد أن يفعل فقال إنها رستاقان فامتنع (سجستان) وقصد عاصم بن عمرو من الامراء سجستان ولحق به عبد الله بن عمير وقاتلوا أهل سجستان في أدنى أرضهم فهزموهم وحصروهم بزرنج ومخروا أرض سجستان ثم طلبوا
الصلح على مدينتهم وأرضها على أن الفدافد حمى وبقى أهل سجستان على الخراج وكانت أعظم من خراسان وأبعد فروجا يقاتلون القندهار والترك وأمما أخرى فلما كان زمن معاوية هرب الشاه من أخيه زنبيل ملك الترك إلى بلد من سجستان يدعى آمل وكان على سجستان سلم بن زياد بن أبى سفيان فعقد له وأنزله آمل وكتب إلى معاوية بذلك فأقره بغير نكير وقال أن هؤلاء قوم غدر واهون ما يجئ منهم إذا وقع اضطراب أن يغلبوا على بلاد آمل باسرها فكان كذلك وكفر الشاه بعد معاوية وغلب على بلاد آمل واعتصم منه زنبيل بمكانه وطمع هو في زرنج فحاصرها حتى جاءت الامداد من البصرة فاجفلوا عنها (مكران) 3 وقصد الحكم بن عمرو التغلبي من أمراء الانسياح بلد مكران ولحق به شهاب بن المخارق وجاء سهيل بن عدى وعبد الله بن عبد الله بن عتبان وانتهوا جميعا إلى دوين وأهل مكران على شاطية وقد أمدهم أهل السند بجيش كثيف ولقيهم المسلمون

(2/123)


فهزموهم وأثخنوا فيهم بالقتل واتبعوهم أياما حتى انتهوا إلى النهر ورجعوا إلى مكران فاقاموا بها وبعثوا إلى عمر بالفتح والاخماس مع صحار العبدى وسأله عمر عن البلاد فأثنى عليها شرا فقال والله لا يغزوها جيش لى أبدا وكتب إلى سهيل والحكم أن لا يجوز مكران أحد من جنودكما * (خبر الاكراد) * كان امر أمراء الانسياح لما فصلوا إلى النواحى اجتمع ببيروذ بين نهر تيرى ومنادر من أهل الاهواز جموع من الاعاجم أعظمهم الاكراد وكان عمر قد عهد إلى أبى موسى أن يسير إلى أقصى تخوم البصرة ردءا للامراء المنساحين فجاء إلى بيروذ وقاتل تلك الجموع قتالا شديدا وقاتل المهاجر بن زياد حتى قتل ثم وهن الله المشركين فتحصنوا منه في قلة وذلة فاستخلف أبو موسى عليهم أخاه الربيع بن زياد وسار إلى
اصبهان مع المسلمين الذين يحاصرونها حتى إذا فتحت رجع إلى البصرة وفتح الربيع بن زياد بيروذ وغنم ما فيها ولحق به بالبصرة وبعثوا إلى عمر بالفتح والاخماس وأراد ضبة بن محصن العنزي أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى فغضب وانطلق شاكيا إلى عمر بانتقائه ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وأنه أجاز الحطيئة بألف وولى زياد بن أبى سفيان أمور البصرة واعتذر أبو موسى وقبله عمر وكان عمر قد اجتمع إليه جيش من المسلمين فبعث عليهم سلمة بن قيس الاشجعى ودفعهم إلى الجهاد على عادته وأوصاهم فلقوا عدوا من الاكراد المشركين فدعوهم إلى الاسلام أو الجزية فأبوا وقاتلوهم وهزموهم وقتلوا وسبوا وقسموا الغنائم ورآى سلمة جوهرا في سفط فاسترضى المسلمين وبعث به إلى عمر فسأل الرسول عن أمور الناس حتى أخبره بالسفط فغضب وأمر به فوجئ في عنقه وقال اسرع قبل أن تفترق الناس ليقسمه سلمة فيهم فباعه سلمة وقسمه في الناس وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا * (مقتل عمر وأمر الشورى وبيعة عثمان رضى الله عنه) * كان للمغيرة بن شعبة مولى من نصارى العجم اسمه أبو لؤلؤة وكان يشدد عليه في الخراج فلقى يوما عمر في السوق فشكى إليه وقال أعدني على المغيرة فانه يثقل على في الخراج درهمين في كل يوم قال وما صناعتك قال نجار حداد نقاش فقال ليس ذلك بكثير على هذه الصنائع وقد بلغني انك تقول أصنع رحى تطحن بالريح فاصنع لى رحى قال أصنع لك رحى يتحدث الناس بها أهل المشرق والمغرب وانصرف فقال عمر توعدنى العلج فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة واستوت الصفوف ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر برأسين نصابه في وسطه فضرب عمر ست ضربات احداها تحت سرته وقتل كليبا

(2/124)


أرستبلوس وأصحابه وامتنع فقتلوه ووقع فيهم الوباء فمات منهم أمم قال ابن كريون وكان الارمن ببلاد دمشق وحمص وحلب وكانوا في طاعة الروم فانتقضوا عليهم في هذه المدة
وحدثت عندهم صاغية إلى الفرس فبعث الروم قائدهم فمقيوس فخرج لذلك من رومية وقدم بين يديه قائده سكانوس فطوع الارمن ولحق دمشق ثم لحقه فمقيوس ونزل بها وتوجهت إليه وجوه اليهود في أثرهم وبعث إليه ارستبلوس من القدس وهرقانوس من مكان حصاره كل واحد منهما يستنجده على أخيه وبعثوا إليه بالاموال والهدايا فأعرض عنها وبعث إلى هرثمة ينهاه عن الدخول بينهما فرحل عن القدس ورحل معه هرقانوس وانظفتر وأعاد ارستبلوس رسله وهداياه من بيت المقدس وألح في الطلب وجاء انظفتر إلى فمقيوس بغير مال ولا هدية فنكث عنه فمقيوس فرجع إلى رغبته ومسح أعطافه وضمن له طاعة هرقانوس الذى هو الكهنوت الاعظم ويحصل بعد ذلك إضعاف ارستبلوس فأجابه فمقيوس على أن يتحيل له في الباطن ويكون ظاهره مع ارستبلوس حتى يتم الامر وعلى أن يحملوا الخراج عند حصول أمرهم فضمن انظفتر ذلك وحضر هرقانوس وارستبلوس عند فمقيوس القائد يتظلم كل واحد من صاحبه فوعدهم بالنظر بينهم إذا حل بالقدس وبعث انظفتر في جميع الرعايا فجاؤا شاكين من ارستبلوس فأمره فمقيوس من انصافهم فغضب لذلك واستوحش وهرب من معسكر فمقيوس وتحصن في القدس وسار فمقيوس في أثره فنزل اريحا ثم القدس وخرج ارستبلوس واستقال فأقاله وبذل له الاموال على أن يعينه على أخيه ويحمل له ما في الهيكل من الاموال والجواهر وبعث معه قائده لذلك فمنعهم الكهنونية وثارت بهم العامة وقتلوا بعض أصحاب القائد وأخرجوه فغضب فمقيوس وتقبض لحيته على ارستبلوس وركب ليقتحم البلد فامتنعت عليه وقتل جماعة من أصحابه فرجع وأقام عليهم ووقعت الحرب بالمدينة بين شيع ارستبلوس وهرقانوس وفتح بعض اليهود الباب لفمقيوس فدخل البلد وملك القصر وامتنع الهيكل عليه فأقام يحاصره أياما وصنع آلة الحصار فهدم بعض أبراجه واقتحمه عنوة ووجد الكهنونية على عبادتهم وقرباتهم مع تلك الحرب ووقف على الهيكل فاستعظمه ولم يمد يده إلى شئ من ذخائره وملك عليهم هرقانوس وضرب عليهم الخراج
يحمله كل سنة ورفع يد اليهود عن جميع الامم الذين كانوا في طاعتهم ورد عليهم البلدان التى ملكها بنو حشمناى ورجع إلى رومة واستخلف هرقانوس وانظفتر على المقدس وأنزل معهما قائده سكانوس الذى قدمه لفتح دمشق وبلاد الارمن عندما خرج من رومية وحمل ارستبلوس وابنيه مقيدين معه وهرب الثالث من بنيه وكان يسمى الاسكندر ولحقه فلم يظفر به ولما بعد فمقيوس عن الشأم ذاهبا إلى مكانه خرج هرقانوس وانظفتر إلى

(2/125)


العرب ليحملوهم على طاعة الروم فخالفهم الاسكندر بن ارستبلوس إلى المقدس وكان متغيبا بتلك النواحى منذ مغيب أبيه لم يبرح فدخل إلى المقدس وملكه اليهود عليهم وبنى ما هدمه فمقيوس من سور الهيكل واجتمع إليه خلق كثير ورجع هرقانوس وانظفتر فسار إليهم الاسكندر وهزمهم وأثخن في عساكرهم وكان قائد الروم كينانوس قد جاء إلى بلاد الارمن من بعد فمقيوس فلحق به واستنصره على الاسكندر فسار معه إلى القدس وخرج إليهم الاسكندر فهزموه ومضى إلى حصن له يسمى الاسكندرونة واعتصم به وسار هرقانوس إلى القدس فاستولى على ملكه وسار كينانوس قائد الروم إلى الاسكندر فحاصره بحصنه واستأمن إليه فقبله وعفا عنه وأحسن إليه وفى أثناء ذلك هرب ارستبلوس أخو هرقانوس من محبسه برومية وابنه انطقنوس واجتمع إليه فحاربه كينانوس وهزمه وحصل في أسره فرده إلى محبسه برومية ولم يزل هنا لك إلى أن تغلب قيصر على رومية واستحدث الملك في الروم وخرج فمقيوس من رومية إلى نواحى عمله وجمع العساكر لمحاربة قيصر فأطلق ارستبلوس من محبسه وأطلق معه قائدين في اثنى عشر ألف مقاتل وسرحهم إلى الارمن واليهود ليردوهم عن طاعة فمقيوس وكتب فمقيوس إلى انظفتر ببيت المقدس أن يكفيه أمر ارستبلوس فبعث قوما من اليهود لقوه في بلاد الارمن ودسوا له سما في بعض شرابه كان فيه حتفه وقد كان كينانوس كاتب الشيخ صاحب رومية في اطلاق من بقى من ولد ارستبلوس فأطلقهم قال ابن كريون
وكان أهل مصر لذلك العهد انتقضوا على ملكهم تلماى وطردوه وامتنعوا من حمل الخراج إلى الروم فسار إليهم واستنفر معه انظفتر فغلبهم وقتلهم ورد تلماى إلى ملكه واستقام أمر مصر ورجع كينانوس إلى بيت المقدس فجدد الملك لهرقانوس وقدم انظفتر مدبر المملكة وسار إلى رومية قال ابن كريون ثم غضبت الفرس على الروم فندبوا إلى ذلك قائدا منهم يسمى عرنبوس وبعثوه لحربهم فمر بالقدس ودخل إلى الهيكل وطالب الكهنون بما فيه من المال وكان يسمى العازر من صلحاء اليهود وفضلائهم فقال له ان كينانوس وفمقيوس لم يفعلوا ذلك بتلك فاشتد عليه فقال أعطيك ثلثمائة من الذهب وتتجافى عن الهيكل ودفع إليه سبيكة ذهب على صورة خشبة كانت تلقى عليها الصور التى تنزل من الهيكل الذى تجدد وكان وزنها ثلثمائة فأخذها ونقض القول وتعدى على الهيكل وأخذ جميع ما فيه من منذ عمارتها من الهدايا والغنائم وقربانات الملوك والامم وجميع آلات القدس وسار إلى لقاء الفرس فحاربوه وهزموه وأخذوا جميع ما كان معه وقتل واستولت الفرس على بلاد الارمن دمشق وحمص وحلب وما إليها وبلغ الخبر إلى الروم فجهزوا قائدا عظيما في عساكر جمة اسمه كسناو فدخل بلاد

(2/126)


الارمن الذين كانوا غلبوا عليها وساروا إلى القدس فوجد اليهود يحاربون هرقانوس وانظفتر فأعانهما حتى استقام ملك هرقانوس ثم سار إلى الفرس في عساكره فغلبهم وحملهم على طاعة الروم ورد الملوك الذين كانوا عصوا عليهم إلى الطاعة وكانوا اثنين وعشرين ملكا من الفرس كان فمقيوس قائد الروم هزمهم فلما سار عنهم انتقضوا قال ابن كريون ثم ابتدا أمر القياصرة وملك على الروم يولياس ولقبه قيصر لان أمه ماتت حاملا به عند مخاضها فشق بطنها عنه فلذلك سمى قيصر ومعناه بلغتهم القاطع ويسمى أيضا يولياس باسم الشهر الذى ولد فيه وهو يوليه خامس شهورهم ومعنى هذه اللفظة عندهم الخامس وكان الثلثمائة والعشرون المدبرون أمر الروم والشيخ الذى عليهم قد أحكموا أمرهم مع
جماعة الروم على أن لا يقدموا عليهم ملكا وأنهم يعينون للحروب في الجهات قائدا بعد آخر هذا ما اتفقوا عليه النقلة في الحكاية عن أمر الروم وابتداء ملك القياصرة قالوا ولما رأى قيصر هذا الشيخ الذى كان لذلك العهد كبر وشب على غاية من الشجاعة والاقدام فكانوا يبعثونه قائدا على العساكر إلى النواحى فأخرجوه مرة إلى المغرب فدوخ البلاد ورجع فسمت نفسه إلى الملك فامتنعوا له وأخبروه أن هذا سنة آبائهم منذ أحقاب وحدثوه بالسبب الذى فعلوا ذلك لاجله وهو أمر كيوس وانه عهد لاولهم لا ينقض وقد دوخ فمقيوس الشرق وطوع اليهود ولم يطمع في هذا فوثب عليهم قيصر وقتلهم واستولى على ملك الروم منفردا به وسمى قيصر وسار إلى فمقيوس بمصر فظفر به وقتله ورجع فوجد بتلك الجهات قواد فمقيوس فسار إليهم يولياس قيصر ومر ببلاد الارمن فأطاعوه وكان عليهم ملك اسمه مترداث فبعثه قيصر إلى حربهم فسار في الارمن ولقيه هرقانوس ملك اليهود بعسقلان ونفر معه إلى مصر هو وانظفتر ليمحوا بعض ما عرف منهم من موالاة فمقيوس وساروا جميعا إلى مصر ولقيتهم عساكرها واشتد الحرب فحصر بلادهم وكادت الارمن أن ينهزموا فثبت انظفتر وعساكر اليهود وكان لهم الظفر واستولوا على مصر وبلغ الخبر إلى قيصر فشكر لانظفتر حسن بلائه واستدعاه فسار إليه مع ملك الارمن مترداث فقبله وأحسن وعده وكان أنطقنوس بن ارستبلوس قد اتصل بقيصر وشكى بأن هرقانوس قتل أباه حين بعثه أهل رومة لحرب فمقيوس فتحيل عليه هرقانوس وانظفتر وقتلاه مسموما فاحسن انظفتر العذر لقيصر بأنه انما فعل ذلك في خدمة من ملك علينا من الروم وأنما كنت ناصحا لقائدهم فمقيوس بالامس وأنا اليوم أيها الملك لك أنصح وأحب فحسن موقع كلامه من قيصر ورفع منزلته وقدمه على عساكره لحرب الفرس فسار إليه انظفتر وأبلى في تلك الحروب ومناصحة قيصر فلما انقلبوا من بلاد الفرس أعادهم قيصر إلى ملك بيت المقدس على ما كانوا عليه

(2/127)


واستقام الملك لهرقانوس وكان خيرا الا انه كان ضعيفا عن لقاء الحروب فتغلب عليه انظفتر واستبد على الدولة وقدم ابنه فسيلو ناظرا في بيت المقدس وابنه هيردوس عاملا على جبل الخليل وكان كما بلغ الحلم واحتازوا الملك من أطرافه وامتلا أهل الدولة منهم حسدا وكثرت السعاية فيهم وكان في أطراف عملهم ثائر من اليهود يسمى حزقيا وكان شجاعا صعلوكا واجتمع إليه أمثاله فكانوا يغيرون على الارمن وينالون منهم وعظمت نكايتهم فيهم فشكى عامل بلاد الارمن وهو سفيوس بن عم قيصر إلى هيردوس وهو بجبل الخليل ما فعله حزقيا وأصحابه في بلادهم فبعث هيردوس إليهم سرية فكبسوهم وقتل حزقيا وغيره منهم وكتب بذلك إلى سفيوس فشكره وأهدى إليه ونكر اليهود ذلك من فعل هيردوس وتظلموا منه عند هرقانوس وطلبوه في القصاص منه فأحضروه في مجلس الاحكام وأحضر السبعين شيخا من اليهود وجاء هيردوس متسلحا ودافع عن نفسه وعلم هرقانوس بغرض الاشياخ ففصلوا المجلس فنكروا ذلك على هرقانوس ولحق هيردوس ببلاد الارمن فقدمه سفيوس على عمله ثم أرسل هرقانوس إلى قيصر يسال تجديد عهود الروم لهم فكتب له بذلك وأمر بأن يحمل أهل الساحل خراجهم إلى بيت المقدس ما بين صيدا وغزة ويحمل أهل صيدا إليها في كل سنة عشرين ألف وسق من القمح وأن يرد على اليهود سائر ما كان بأيديهم إلى الفرات واللاذقية وأعمالها وما كان بنو حشمناى فتحوه عنوة من عدوات الفرات لان فمقيوس كان يتعدى عليهم في ذلك وكتب العهد بذلك في ألواح من نحاس بلسان الروم ويونان وعلقت في أسوار صور وصيدا واستقام أمر هرقانوس قال ابن كريون ثم قتل قيصر ملك الروم وانظفتر وزير هرقانوس المستبد عليه أما قيصر فوثب عليه كيساوس من قواد فمقيوس فقتله وملك وجمع العساكر وعبر البحر إلى بلاد أشيت ففتحها ثم سار إلى القدس وطالبهم بسبعين بدرة من الذهب فجمع له انظفتر وبنوه من اليهود ثم رجع كيساوس إلى مقدونيه فأقام بها وأما انظفتر فان اليهود داخلوا القائد ملكيا الذى كان بين أظهرهم من قبل
كيساوس في قتل انظفتر وزير هرقانوس فأجابهم إلى ذلك فدسوا إلى ساقيه سما فقتله وجاء ابنه هيردوس إلى القدس مجمعا قتل هرقانوس فكفه فسيلو عن ذلك وجاء كيساوس من مقدونية إلى صور ولقى هرقانوس وهيردوس وشكوا إليه ما فعله قائده ملكيا من مداخلة اليهود في قتل انظفتر فأذن لهم في قتله فقتلوه ثم زحف كينانوس بن اخى قيصر وقائده انطيوس في العساكر لحرب كيساوس المتوثب على عمه قيصر فلقيهم قريبا من مقدونيه فظفرا به وقتلاه وملك كينانوس مكان عمه وسمى أو غسطس قيصر باسم عمه فأرسل إليه هرقانوس ملك اليهود بهدية وفيها تاج من الذهب مرصع بالجواهر

(2/128)


وسأل تجديد العهد لهم وان يطلق السبى الذى سبى منهم أيام كيساوس وان يرد اليهود إلى بلاد يونان وأثينة وأن يجرى لهم ما كان رسم به عمه قيصر فأجابه إلى ذلك كله وسار انطيانوس وأو غشطش قيصر إلى بلاد الارمن بدمشق وحمص فلقته هنا لك كالبطرة ملكة مصر وكانت ساحرة فاستأمنته وتزوجها وحضر عنده هرقانوس ملك اليهود وجاء جماعة من اليهود فشكوا من هيردوس وأخيه فسيلو وتظلموا منهما وأكذبهم ملكهم هرقانوس وأبى عليها وأمر انطيانوس بالقبض على أولئك لشاكين وقتل منهم ورجع هيردوس وأخوه فسار إلى مكانهما ومكان أبيهما من تدبير مملكة هرقانوس وسار انطيانوس إلى بلاد الفرس فدوخها وعاث في نواحيها وقهر ملوكهم وقفل إلى رومة قال ابن كريون وفى خلال ذلك لحق انطقنوس وجماعة من اليهود بالفرس وضمنوا لملكهم أن يحملوا إليه بدرة من الذهب وثمانمائة جارية من بنات اليهود ورؤسائهم يسبيهن له على أن يملكه مكان عمه هرقانوس ويسلمه إليه ويقتل هيردوس وأخاه فسيلو فأجابهم ملك الفرس إلى ذلك وسار في العساكر وفتح بلاد الارمن وقتل من وجد بها من قواد الروم ومقاتلتهم وبعث قائده بعسكر من القدس مع انطقنوس موريا بالصلاة في بيت المقدس والتبرك بالهيكل حتى إذا توسط المدينة ثار بها وأفحش في القتل وبادر هيردوس
إلى قصر هرقانوس ليحفظه ومضى فسيلو إلى الحصن يضبطه وتورط من كان بالمدينة من الفرس قتلهم اليهود عن آخرهم وامتنعوا على القائد وفسد ما كان دبره في أمر انطقنوس فرجع إلى استمالة هرقانوس وهيردوس وطلب الطاعة منهم للفرس وانه يتلطف لهم عند الملك في اصلاح حالهم فصغى هرقانوس وفسيلو إلى قوله وخرجوا إليه وارتاب هيردوس وامتنع فارتحل بهما قائد الفرس حتى إذا بلغ الملك ببلاد الارمن تقبض عليهما فمات فسيلو من ليلته وقيد هرقانوس واحتمله إلى بلاده وأشار انطقنوس بقطع أذنه ليمنعه من الكهنونة ولما وصل ملك الفرس إلى بلاده أطلق هرقانوس من الاعتقال وأحسن إليه إلى أن استدعاه هيردوس كما يأتي بعد وبعث ملك الفرس قائده إلى اليهود مع انطقنوس ليملك فخرج هيردوس عن القدس إلى جبل الشراة فترك عياله بالحصن عند أخيه يوسف وسار إلى مصر يريد قيصر فأكرمته كالبطره ملكة مصر وأركبته السفن إلى رومية فدخل بها انطيانوس إلى أو غشطش قيصر وخبره الخبر عن الفرس والقدس فملكه أو غشطش وألبسه التاج وأركبه في رومية في زى الملك والهاتف بين يديه بأن أو غشطش ملكه واحتفل انطيانوس في صنيع له حضره الملك أو غشطش قيصر وشيوخ رومية وكتبوا له العهد في ألواح من نحاس ووضعوا ذلك اليوم التاريخ وهو أول ملك هيردوس وسار انطيانوس بالعسكر إلى الفرس ومعه هيردوس وفارقه من انطاكية وركب البحر إلى القدس لحرب انطقنوس فخرج

(2/129)


انطقنوس إلى جبال الشراة للاستيلاء على عيال هيردوس وأقام على حصار الحصن وجاء هيردوس فحاربه وخرج يوسف من الحصن من ورائه فانهزم انطقنوس إلى القدس وهلك أكثر عسكره وحاصره هيردوس وبعث انطقنوس بالاموال إلى قواد العسكر من الروم فلم يجيبوه وأقام هيردوس على حصاره حتى جاءه الخبر عن انطيانوس قائد قيصر انه ظفر بملك الفرس وقتله ودوخ بلادهم وأنه عاد ونزل الفرات فترك
هيردوس أخاه يوسف على حصار القدس مع قائد الروم سيساو ومن تبعهم من الارمن وسار للقاء انطيانوس وبلغه وهو بدمشق ان أخاه يوسف قتل في حصار القدس على يد قائده انطقنوس وان العساكر انفضت ورجعوا إلى دمشق وجاء سيساو منهزما قائد انطيانوس بالعساكر وتقدم هيردوس وقد خرج انطقنوس للقائه فهزمه وقتل عامة عسكره واتبعه إلى القدس ووافاه سيساو قائد الروم فحاصروا القدس أياما ثم اقتحموا البلد وتسللوا صاعدين إلى السور وقتلوا الحرس وملكوا المدينة وأفحش سيساو في قتل اليهود فرغب إليه هيردوس في الابقاء وقال له إذا قتلت قومي فعلى من تملكني فرفع القتل عنهم ورد ما نهب وقرب إلى البيت تاجا من الذهب وضعت فيه وحمل إليه هيردوس أموالا ثم عثروا على انطقنوس مختفيا بالمدينة فقيده سيساو القائد وسار به إلى انطيانوس وقد كان سار من الشأم إلى مصر فجاءه بانطقنوس هنا لك ولحق بهم هيردوس وسأل من انطيانوس قتل انطقنوس فقتله واستبد هيردوس بملك اليهود وانقرض ملك بنى حسمناى والبقاء لله وحده (انقراض ملك بنى حسمناى وابتداء ملك هيردوس وبنيه) وكان أول ما افتتح به ملكه ان بعث إلى هرقانوس الذى احتمله الفرس وقطعوا أذنه يستقدمه ليأمن على ملكه من ناحيته ورغبه في الكهنونية التى كان عليها فرغب وحذره ملك الفرس من هيردوس وعزله اليهود الذين معه وأراه أنها خديعة وانه العيب الذى به يمنع الكهنونية فلم يقبل شيئا من ذلك وصغى إلى هيردوس وحسن ظنه به وسار إليه وتلقاه بالكرامة والاعطاء وكان يخاطبه بأبى في الجمع والخلوة وكانت الاسكندرة بنت هرقانوس تحت الاسكندر وابن أخيه ارستبلوس وكانت بنتها منه مريم تحت هيردوس فاطلعتا على ضمير هيردوس من محاولة قتله فخبرتاه بذلك وأشارتا عليه باللحاق بملك العرب ليكون في جواره فخاطبه هرقانوس في ذلك وأن يبعث إليه من رجالاتهم من يخرج به إلى أحيائهم وكان حامل الكتاب من اليهود
مضطغنا على هرقانوس لانه قتل أخاه وسلب ماله فوضع الكتاب في يد هيردوس فلما قرأه رده إليه وقال أبلغه إلى ملك العرب وأرجع الجواب إلى فجاءه بالجواب من ملك

(2/130)


العرب إلى هرقانوس وانه أسعف وبعث الرجال فالقهم بوصولك إلى فبعث هيردوس من يقبض على الرجال بالمكان الذى عينه وأحضرهم وأحضر حكام البلاد اليهود والسبعين شيخا وأحضر هرقانوس وقرأ عليه الكتاب بخطه فلم يحر جوابا وقامت عليه الحجة وقتله هيردوس لوقته لثمانين سنة من عمره وأربعين من ملكه وهو آخر ملوك بنى حسمناى وكان للاسكندر بن ارستبلوس ابن يسمى ارستبلوس وكان من أجمل الناس صورة وكان في كفالة أمه الاسكندرة وأخته يومئذ تحت هيردوس كما قلناه وكان هيردوس يغص به وكانت أخته وأمهما يؤملان أن يكون كوهنا بالبيت مكان جده هرقانوس وهيردوس يريد نقل الكهنونة عن بنى حسمناى وقدم لها رجلا من عوام الكهنونية وجعله كبير الكهنونية فشق ذلك على الاسكندرة بنت هرقانوس وبنتها مريم زوج هيردوس وكان بين الاسكندرة وكلوبطره ملكة مصر مواصلة ومهاداة وطلبت منها أن تشفع زوجها انطيانوس في ذلك إلى هيردوس فاعتذر له هيردوس بأن الكواهن لا تعزل ولو أردنا ذلك فلا يمكننا أهل الدين من عزله فبعثت بذلك الاسكندرة ودست الاسكندرة إلى الرسول الذى جاء من عند انطيانوس وأتحفته بمال فضمن لهم أن انطيانوس يعزم على هيردوس في بعث ارستبلوس إليه ورجع إلى انطيانوس فرغبه في ذلك ووصف له من جماله وأغراه باستقدامه فبعث فيه انطيانوس إلى هيردوس وهدده بالوحشة ان منعه فعلم أنه يريد منه القبيح فقدمه كهنونا وعزل الاول واعتذر لانطيانوس بأن الكوهن لا يمكن سفره واليهود تنكر ذلك فأغفل انطيانوس الامر ولم يعاود فيه ووكل هيردوس بالاسكندرة بنت هرقانوس عهدته من يراعى أفعالها فاطلع على كتبها إلى كلو بطره أن تبعث إليها السفن والرجال يوصلنها إليها وأن السفن وصلت
إلى ساحل يافا وان الاسكندرة صنعت تابوتين لتخرج فيهما هي وابنتها على هيئة الموتى فأرصد هيردوس من جاء بهما من المقابر في تابوتيهما فوبخهما ثم عفا عنهما ثم بلغه أن ارستبلوس حضر في عيد المظال فصعد على المذبح وقد لبس ثياب القدس وازدحم الناس عليه وظهر من ميلهم إليه ومحبتهم ما لا يعبر عنه فغص بذلك واعمل التدبير في قتله فخرج في منتزه له باريحاء في نيسان واستدعى أصحابه وأحضر ارستبلوس فطعموا ولعبوا وانغمسوا في البرك يسبحون وعمد غلمان هيردوس إلى ارستبلوس فغمسوه في الماء حتى شرق وفاض فاغتم الناس لموته وبكى عليه هيردوس ودفنه وكان موته لسبع عشرة سنة من عمره وتأكدت البغضاء بين الاسكندرة وابنتها مريم زوج هيردوس أخت هذا الغريق وبين أم هيردوس وأخته وكثرت شكواهما إليه فلم يشكهما لمكان زوجته مريم وأمها منه قال ابن كريون ثم انتقض انطيانوس على أو غشطش قيصر

(2/131)


وذلك انه تزوج كلو بطره وملك مصر وكانت ساحرة فسحرته واستمالته وحملته على قتل ملوك كانوا في طاعة الروم وأخذ بلادهم وأموالهم وسبى نسائهم وأموالهم وأولادهم وكان من جملتهم هيردوس وتوقف فيه خشية من أو غشطش قيصر لانه كان يكرمه بسبب ما صنع في الآخرين فحمله على الانتقاض والعصيان ففعل وجمع العسكر واستدعى هيردوس فجاءه وبعثه إلى قتال العرب وكانوا خالفوا عليه فمضى هيردوس لذلك ومعه أنيثاون قائد كلوبطره وقد دست له أن يجر الهزيمة على هيردوس ليقتل ففعل وثبت هيردوس وتخلص من المعترك بعد حروب صعبة هلك فيها بين الفريقين خلق كثير ورجع هيردوس إلى بيت المقدس فصالح جميع الملوك والامم المجاورين له وامتنع العرب من ذلك فسار إليهم وحاربهم ثم استباحهم بعد أيام ومواقف بذلوا وجمعوا له الاموال وفرض عليهم الخراج في كل سنة ورجع وكان انطيانوس لما بعثه إلى العرب سار هو إلى رومة وكانت بينه وبين أو غشطش قيصر حروب هزمه قيصر في آخرها وقتله وسار إلى
مصر فخافه هيردوس على نفسه لما كان منه في طاعة انطيانوس وموالاته ولم يمكنه التخلف عن لقائه فأخرج خدمه من القدس فبعث بأمه وأخته إلى قلعة الشراة لنظر أخيه فرودا وبعث بزوجه مريم وأمه الاسكندرة إلى حصن الاسكندرونة لنظر زوج أخته يوسف ورجل آخر من خالصته من أهل صور اسمه سوما وعهد إليها بقتل زوجته وأمها ان قتله قيصر ثم حمل معه الهدايا وسار إلى قيصر أو غشطش وكان تحقد له صحبة انطيانوس فلما حضر بين يديه عنفه وأزاح التاج عن رأسه وهم بعقابه فتلطف هيردوس في الاعتذار وأن موالاته لانطيانوس انما كان لما أولى من الجميل في السعاية عند الملك وهى أعظم أياديه عندي ولم تكن موالاتي له في عداوتك ولا في حربك ولو كان ذلك وأهلكت نفسي دونه كنت غير ملوم فان الوفاء شأن الكرام فان أزلت عنى التاج فما أزلت عقلي ولا نظرى وان أبقيتنى فأنا محل الصنيعة والشكر فانبسط أو غشطش لكلامه وتوجه كما كان وبعثه على مقدمته إلى مصر فلما ملك مصر وقتل كلو بطره وهب لهيردوس جميع ما كان انطيانوس أعطاها اياه ونفل فأعاد هيردوس إلى ملكه ببيت المقدس وسار إلى رومية قال ابن كريون ولما عاد هيردوس إلى بيت المقدس أعاد حرمه من اماكنهن فعادت زوجته مريم وأمها من حصن الاسكندرونة وفى خدمتها يوسف زوج أخته وسوما الصوري وقد كانا حدثا المرأة وأمها بما أسر اليهما هيردوس وقد كان سلف منه قتل هرقانوس وارستبلوس فشكرتا له وبينما هو آخذ في استمالة زوجته إذ رمتها أخته بالفاحشة مع سوما الصوري في ملاحاة جرت بينهما ولم يصدق ذلك هيردوس للعداوة والثقة بعفة الزوجة ثم جرى منها في بعض الايام وهو في سبيل استمالتها

(2/132)


ولقيهم الاحنف فقاتلهم قتالا شديدا ثم انهزموا فقتلوا قتلا ذريعا ورجع الاحنف إلى مرو الروذ وبعث الاقرع بن حابس إلى فلهم بالجوزجان فهزمهم وفتحها عنوة ثم فتح الاحنف الطالقان صلحا والفارياب وقيل فتحها أمير بن أحمر ثم سار الاحنف إلى بلخ
وهى مدينة طخارستان فصالحوه على أربعمائة الف وقيل سبعمائة واستعمل عليها أسيد بن المنشمر ثم سار إلى خوارزم على نهر جيحون فامتنعت عليه فرجع إلى بلخ وقد استوفى أسيد قبض المال وكتبوا إلى ابن عامر ولما سار مجاشع بن مسعود إلى كرمان كما ذكرناه وكانوا قد انتقضوا ففتح هميد عنوة وبنى بها قصرا ينسب إليه ثم سار إلى السيرجان وهى مدينة كرمان فحاصرها وفتحها عنوة وحلا كثيرا من أهلها ثم فتح جيرفت عنوة ودوخ نواحى كرمان وأتى القفص وقد تجمع له من العجم من أهل الجلاء وقاتلهم فظفر وركب كثير منهم البحر إلى كرمان وسجستان ثم أنزل العرب في منازلهم وأراضيهم وسار الربيع بن زياد الحارثى بولاية ابن عامر كما قدمناه إلى سجستان فقطع المفازة من كرمان حتى أتى حصن زالق فأغار عليهم يوم المهرجان وأسر دهقانهم فافتدى بما غمر عنزة قاعة من الذهب والفضة وصالحوه على صلح فارس وسار إلى زرنج ولقيه المشركون دونها فهزمهم وقتلهم وفتح حصونا عدة بينها وبينه ثم انتهى إليها وقاتله أهلها فاحجرهم وحاصرهم وبعث مرزبانها في الامان ليحضر فأمنه وجلس له على شلو من أشلاء القتلى وارتفق بآخر وفعل أصحابه مثله فرعب المرزبان من ذلك وصالح على ألف جام من الذهب يحملها ألف وصيف ودخل المسلمون المدينة ثم سار منها إلى وادى سنارود فعبره إلى القرية التى كان رستم الشديد يربط بها فرسه فقاتلهم وظفر بهم وعاد إلى زرنج وأقام بها سنة ثم سار بها إلى ابن عامر واستخلف عليها عاملا فاخرجوه وامتنعوا فكانت ولاية الربيع سنة ونصف سنة سبى فيها أربعين ألف رأس وكان الحسن البصري يكتب له ثم استعمل ابن عامر على سجستان عبد الرحمن بن سمرة فسار إليها وحاصر زرنج حتى صالحوه على الفى ألف درهم والفى وصيف وغلب على ما بينها وبين الكش من ناحية الهند وعلى ما بينها وبين الدادين من ناحية الرخج ولما انتهى إلى بلد الدادين حاصرهم في جبل الزور حتى صالحوه ودخل على الزور وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فأخذهما وقطع يده وقال للمرزبان دونك الذهب والجوهر
وانما قصدت انه لا يضر ولا ينفع ثم فتح كابل وزابلستان وهى بلاد غزنة فتحها صلحا ثم عاد إلى زرنج إلى أن اضطرب أمر عثمان فاستخلف عليها أمير بن أحمر وانصرف فأخرجه أهلها وانتقضوا ولما كان الفتح لابن عامر في فارس وخراسان وكرمان وسجستان قال له الناس لم يفتح لاحد ما فتح عليك فقال لا جرم لاجعلن شكرى لله على

(2/133)


ذلك ان أخرج محرما من موقفي هذا فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم على عثمان استخلف على خراسان قيس بن الهيثم فسار قيس في أرض طخارستان ودوخها وامتنع عليه سنجار فافتتحها عنوة * (ولاية سعيد بن العاصى الكوفة) * كان عثمان لاول ولايته قد ولى على الكوفة الوليد بن عقبة استقدمه إليها من عمله بالحزيرة وعلى بنى تغلب ونجرهم من العرب فبقى على ولاية الكوفة خمس سنين وكان أبو زبيد الشاعر قد انقطع إليه من اخواله بنى تغلب ليد أسداها إليه وكان نصرانيا فأسلم على يده وكان يغشاه بالمدينة والكوفة وكان أبو زبيد يشرب الخمر فكان بعض السفهاء يتحدث بذلك في الوليد لملازمته اياه ثم عدا الشباب من الازد بالكوفة على رجل من خزاعة فقتلوه ليلا في بيته وشهد عليهم أبو شريح الخزاعى فقتلهم الوليد فيه بالقسامة وأقام آباؤهم للوليد على حقه وكانوا ممن يتحدثون فيه وجاؤا إلى ابن مسعود بمثل ذلك فقال لا نتبع عورة من استتر عنا وتغيظ الوليد من هذه المقالة وعاتب ابن مسعود عليها ثم عمد أحد أولئك الرهط إلى ساحر قد أتى به الوليد فاستفتى ابن مسعود فيه وأفتى بقتله وحبسه الوليد ثم أطلقه فغضبوا وخرجوا إلى عثمان شاكين من الوليد وانه يشرب الخمر فاستقدمه عثمان وأحضره وقال رأيتموه يشرب قالوا لا وانما رأيناه يقئ الخمر فأمر سعيد بن العاصى فجلده وكان على حاضرا فقال انزعوا خميصته للجلد وقيل ان عليا أمر ابنه الحسن أن يجلده فأبى فجلده عبد الله بن جعفر ولما بلغ أربعين
قال أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة ولما وقعت هذه الواقعة عزل عثمان الوليد عن الكوفة وولى مكانه سعيد بن العاصى بن سعيد بن العاصى بن أمية مات سعيد الاول كافرا وكان يكنى أحيحة وخالد ابنه عم سعيد الثاني ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعاء وكان يكتب له واستشهد يوم مرج الصفر وربى سعيد الثاني في حجر عثمان فلما فتح الشام أقام مع معاوية ثم استقدمه عثمان وزوجه وأقام عنده حتى كان من رجال قريش فلما استعمله عثمان وذلك سنة ثلاثين سار إلى الكوفة ومعه الاشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله والصعب بن جثامة وكانوا شخصوا مع الوليد ليعينوه فصاروا عليه فلما وصل خطب الناس وحذرهم وتعرف الاحوال وكتب إلى عثمان ان أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب الروادف والتابعة على أهل الشرف والسابقة فكتب إليه عثمان أن يفضل أهل السابقة ويجعل من جاء بعدهم تبعا ويعرف لكل منزلته ويعطيه حقه فجمع الناس وقرأ عليهم كتاب عثمان وقال أبلغوني حاجة ذى الحاجة وجعل القراء في سمره

(2/134)


فلم ترض اهل الكوفة ذلك وفشت المقالة وكتب سعيد إلى عثمان فجمع الناس واستشارهم فقالوا أصبت لا تطمع في الامور من ليس لها باهل فتفسد فقال يا أهل المدينة انى أرى الفتن دبت اليكم وانى أرى أن أتخلص الذى لكم وأنقله اليكم من العراق فقالوا وكيف ذلك قال تبيعونه ممن شئتم بما لكم في الحجاز واليمن ففعلوا ذلك واستخلصوا ما كان لهم بالعراق منهم طلحة ومروان والاشعث بن قيس ورجال من القبائل اشتروا ذلك بأموال كانت لهم بخيبر ومكة والطائف * (غزو طبرستان) * وفى هذه السنة غزا سعيد بن العاصى طبرستان ولم يغزها أحد قبله وقد تقدم ان الاصبهبذ صالح سويد بن مقرن عنها أيام عمر على مال فغزاها سعيد في هذه السنة ومعه ناس من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وحذيفة بن اليمان في غيرهم ووافق خروج ابن عامر من البصرة إلى خراسان فنزل نيسابور ونزل سعيد قومس وهى صلح كان حذيفة صالحهم بعد نهاوند فأتى سعيد جرجان فصالحوه على مائتي ألف ثم أتى متاخمة جرجان على البحر فقاتله أهلها ثم سألوا الامان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا وفتحوا فقتلهم أجمعين الا رجلا وقتل معه محمد بن الحكم بن أبى عقيل جد يوسف بن عمرو وكان أهل جرجان يعطون الخراج تارة مائة ألف وأخرى مائتين وثلثمائة وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا على خوف شديد وصار الطريق إلى خراسان من فارس كما كان من قبل حتى ولى قتيبة بن مسلم خراسان وقدمها يزيد بن المهلب فصالح المرزبان وفتح البحيرة ودهستان وصالح أهل جرجان على صلح سعيد * (غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف) * وفى سنة ثلاثين هذه صرف حذيفة من غزو الرى إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة وأقام له سعيد بن العاصى باذربيجان ردءا حتى عاد بعد مقتل عبد الرحمن كما مر فأخبره بما رآى من اختلاف أهل البلدان في القرآن وان أهل حمص يقولون قراءتنا خير من قراءة غيرنا وأخذناها عن المقداد وأهل دمشق يقولون كذلك وأهل البصرة عن أبى موسى وأهل الكوفة عن ابن مسعود وأنكر ذلك واستعظمه وحذر من الاختلاف في القرآن ووافقه من حضر من الصحابة والتابعين وأنكر عليه أصحاب ابن مسعود فأغلظ عليهم وخطأهم فأغلظ له ابن مسعود فغضب سعيد وافترق المجلس وسار حذيفة إلى عثمان فأخبره وقال أنا النذير العريان فأدرك الامة فجمع عثمان الصحابة فرأوا ما رآه حذيفة فأرسل عثمان إلى حفصة أن ابعثى الينا بالصحف ننسخها

(2/135)


وكانت هذه الصحف هي التى كتبت أيام أبى بكر فان القتل لما استحر في القراء
يوم اليمامة قال عمر لابي بكر أرى أن تأمر بجمع القرآن لئلا يذهب الكثير منه لفناء القراء فأبى وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله ثم استبصر ورجع إلى رأى عمر وأمر زيد بن ثابت بجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال وكتب في الصحف فكانت عند أبى بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة وأرسل عثمان فأخذها وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصى وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف وقال إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش ففعلوا ونسخوا المصاحف فبعث إلى كل أفق بمصحف يعتمد عليه وحرق ما سوى ذلك الصحابة في سائر الامصار ونكره عبد الله بن مسعود في الكوفة حتى نحاهم عن ذلك وحملهم عليه * (مقتل يزدجرد) * لما خرج ابن عامر من البصرة إلى فارس فافتتحها هرب يزدجرد من جور وهى اردشير خره في سنة ثلاثين وبعث ابن عامر في إثره مجاشع بن مسعود وقيل هرم بن حيان اليشكرى وقيل العبسى فاتبعه إلى كرمان فهرب إلى خراسان وهلك الجند في طريقهم بالثلج فلم يسلم الا مجاشع ورجع معه وكان مهلكهم على خمسة فراسخ من السيرجان ولحق يزدجرد بمرو ومعه خرزاذ أخو رستم فرجع عنه إلى العراق ووصى به ماهويه مرزبان مرو فسأله في المال فمنعه وخافه على نفسه وعلى مرو واستجاش بالترك فبيتوه وقتل أصحابه وهرب يزدجرد ماشيا إلى شط المرغاب وآوى إلى بيت رجل ينقر الارحاء فلما نام قتله ورماه في النهر وقيل انما بيته أهل مرو ولما جاؤا إلى بيت الرجل أخذوه وضربوه فأقر بقتله فقتلوه وأهله واستخرجوا يزدجرد من النهر وحملوه في تابوت إلى اصطخر فدفن في ناوس هنا لك وقيل ان يزدجرد هرب من وقعة نهاوند إلى أرض اصبهان واستأذن عليه بعض رؤسائها وحجب فضرب البواب وشحه فرحل عن اصبهان إلى الرى وجاء صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده فلم يجبه ومضى من فوره ذلك إلى سجستان ثم إلى مرو في ألف فارس وقيل بل أقام بفارس أربع سنين ثم بكرمان
سنتين وطلبه دهقانها في شئ فمنعه فطرده عن بلاده وأقام بسجستان خمس سنين ثم نزل خراسان ونزل مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين وفرخزاذ وكاتب ملوك الصين وفرغانة والخزر وكابل وكان دهقان مرو قد منعه الدخول خوفا من مكره ووكل ابنه بحفظ الابواب فعمد يزدجرد يوما إلى مرو ليدخلها فمنعه ابن الدهقان وأظهر عصيان أبيه في ذلك وقيل بل أراد يزدجرد أن يجعل ابن أخيه دهقانا عليها فعمل في هلاكه وكتب إلى نيزك طرخان يستقدمه لقتل يزدجرد ومصالحة العرب عليه وأن يعطيه كل

(2/136)


يوم ألف درهم فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب وانه يقدم عليه فيلقاه منفردا عن العسكر وعن فرخزاذ فأجابه إلى ذلك بعد ان امتنع فرخزاذ واتهمه يزدجرد في امتناعه فتركه لشانه بعد أن أخذ خطه برضاه بذلك وسار إلى نيزك فاستقبله بأشياء وجاء به إلى عسكره ثم سأله أن يزوجه ابنته فأنف يزدجرد من ذلك وسبه فعلا رأسه بالمقرعة فركض منهزما وقتل أصحابه وانتهى إلى بيت طحان فمكث فيه ثلاثا لم يطعم ثم عرض عليه الطعام فقال لا أطعم الا بالزمزمة فسأل من زمرم له حتى أكل ووشى المزمزم بأمره إلى بعض الاساورة فبعث إلى الطحان بخنقه والقائه في النهر فأبى من ذلك وجحده فدل عليه ملبسه وعرف المسك فيه فأخذوا ما عليه وخنقوه وألقوه في الماء فجعله أسقف مرو في تابوت ودفنه وقيل بل سار يزدجرد من كرمان قبل وصول العرب إليها إلى مرو في أربعة آلاف على الطبسين وقهستان ولقيه قبل مرو قائدان من الفرس متعاديين فسعى أحدهما في الآخر ووافقه يزدجرد في قتله ونمى الخبر إليه فبيت يزدجرد وعدوه فهرب إلى رحى على فرسخين من مرو وطلب منه الطحان شيئا فأعطاه منطقته فقال انما أحتاج أربعة دراهم فقال ليست معى ثم قام فقتله الطحان وألقى شلوه في الماء وبلغ خبر قتله إلى المطران بمرو فجمع النصارى ووعظهم عليه من حقوق سلفه فدفنوه وبنوا له ناووسا وأقاموا له مأتما بعد عشرين سنة من ملكه
ستة عشر منها في محاربة العرب وانقرض ملك الساسانية بموته ويقال ان قتيبة حين فتح الصغد وجد جاريتين من ولد المخدج ابنه كان قد وطئ أمه بمرو فولدت هذا الغلام بعد موته ذاهب الشق فسمى المخدج وولد له أولاد بخراسان ووجد قتيبة هاتين الجاريتين من ولده فبعث بهما إلى الحجاج وبعث بهما إلى الوليد أو باحداهما فولدت له يزيد الناقص * (ظهور الترك بالثغور) * كان الترك والخزر يعتقدون ان المسلمين لا يقتلون لما رأوا من شدتهم وظهورهم في غزواتهم حتى اكمنوا لهم في بعض الغياض فقتلوا بعضهم فتجاسروا على حربهم وكان عبد الرحمن بن ربيعة على ثغور ارمينية إلى الباب واستخلف عليها سراقة بن عمرو وأقره عمر وكان كثير الغزو في بلاد الخزر وكثيرا ما كان يغزو بلنجر وكان عثمان قد نهاه عن ذلك فلم يرجع فغزاهم سنة ثنتين وثلاثين وجاء الترك لمظاهرتهم وتذامروا فاشتدت الحرب بينهم وقتل عبد الرحمن كما مر وافترقوا فرقتين فرقة سارت نحو الباب لقوا سلمان ابن ربيعة قد بعثه سعيد بن العاصى من الكوفة مددا للمسلمين بأمر عثمان فساروا معه وفرقة سلكوا على جيلان وجرجان فيهم سلمان الفارسى وأبو هريرة ثم استعمل

(2/137)


سعيد بن العاصى على الباب سلمان بن ربيعة مكان أخيه وبعث معه جندا من أهل الكوفة عليهم حذيفة بن اليمان وأمدهم عثمان بحبيب بن مسلمة في جند الشام وسلمان أمير على الجميع ونازعه حبيب الامارة فوقع الخلاف ثم غزا حذيفة بعد ذلك ثلاث غزوات آخرها عند مقتل عثمان وخرجت جموع الترك سنة ثنتين وثلاثين من ناحية خراسان في أربعين ألفا عليهم قارن من ملوكهم فانتهى إلى الطبسين واجتمع له أهل بادغيس وهراة وقهستان وكان على خراسان يومئذ قيس بن الهيثم السلمى استخلفه عليها ابن عامر عند خروجه إلى مكة محرما فدوخ جهتها وكان معه ابن عمه عبد الله بن حازم
فقال لابن عامر اكتب لى على خراسان عهدا إذا خرج منها قيس ففعل فلما أقبلت جموع الترك قال قيس لابن حازم ما ترى قال أرى أن تخرج عن البلاد فان عهد ابن عامر عندي بولايتها فترك منازعته وذهب إلى ابن عامر وقيل أشار عليه أن يخرج إلى ابن عامر يستمده فلما خرج أظهر عهد ابن عامر له بالولاية عند مغيب قيس وسار ابن حازم للقاء الترك في أربعة آلاف ولما التقى الناس أمر جيشه بايقاد النار في اطراف رحالهم فهاج العدو على دهش وغشيهم ابن حازم بالناس متتابعين فانهزموا وأثخن المسلمون فيهم بالقتل والسبي وكتب ابن حازم بالفتح إلى ابن عامر فأقره على خراسان فلم يزل واليا عليها إلى حرب الجمل فأقبل إلى البصرة وبقى أهل البصرة بعد غزوة ابن حازم هذه حتى غزوا المنتقضين من أهلها وعادوا جهزوا كتيبة من أربعة آلاف فارس هناك * (بدء الانتقاض على عثمان رضى الله عنه) * لما استكمل الفتح واستكمل للملة الملك ونزل العرب بالامصار في حدود ما بينهم وبين الامم من البصرة والكوفة والشام ومصر وكان المختصون بصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهديه وآدابه المهاجرين والانصار من قريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم وأما سائر العرب من بنى بكر بن وائل وعبد القيس وسائر ربيعة والازد وكندة وتميم وقضاعة وغيرهم فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان الا قليلا منهم وكان لهم في الفتوحات قدم فكانوا يرون ذلك لانفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة من الصحابة ومعرفة حقهم وما كانوا فيه من الذهول والدهش لامر النبوة وتردد الوحى وتنزل الملائكة فلما انحسر ذلك العباب وتوسى الحال بعض الشئ وذل العدو واستفحل الملك كانت عروق الجاهلية تنفض ووجدوا الرياسة عليهم للمجاهدين والانصار من قريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه ووافق أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالامصار والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات والاستبطاء عليهم في الطاعات والتجنى بسؤال الاستبدال منهم والعزل

(2/138)


ويفيضون في النكير على عثمان وفشت المقالة في ذلك من أتباعهم وتنادوا بالظلم من الامراء في جهاتهم وانتهت الاخبار بذلك إلى الصحابة بالمدينة فارتابوا لها وأفاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه وبعث إلى الامصار من يأتيه بصحيح الخبر محمد بن مسلمة إلى الكوفة واسامة بن زيد إلى البصرة وعبد الله بن عمر إلى الشام وعمار بن ياسر إلى مصر وغيرهم إلى سوى هذه فرجعوا إليه فقالوا ما انكرنا شيئا ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامهم الا عمارا فانه استماله قوم من الاشرار انقطعوا إليه منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء كان يهوديا وهاجر أيام عثمان فلم يحسن اسلامه وأخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثم بالشام وأخرجوه فلحق بمصر وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر لاهل البيت ويقول ان محمدا يرجع كما يرجع عيسى وعنه أخذ ذلك أهل الرجعة وان عليا وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يجز وصيته وان عثمان أخذ الامر بغير حق ويحرض الناس على القيام في ذلك والطعن على الامراء فاستمال الناس بذلك في الامصار وكاتب به بعضهم بعضا وكان معه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر فثبطوا عمارا عن المسير إلى المدينة (وكان مما أنكروه على عثمان) اخراج أبى ذر من الشام ومن المدينة إلى الربذة وكان الذى دعا إلى ذلك شدة الورع من ابى ذر وحمله الناس على شدائد الامور والزهد في الدنيا وانه لا ينبغى لاحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله المال مال الله ويوهم ان في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر معاوية فاستعتب له وقال سأقول مال المسلمين وأتى ابن سبأ إلى أبى الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه وجاء به عبادة إلى معاوية وقال هذا الذى بعث عليك أبا ذر (ولما) كثر ذلك على معاوية شكاه إلى عثمان فاستقدمه وقال له ما لاهل الشام يشكون منك فأخبره فقال يا أبا ذر لا يمكن حمل الناس
على الزهد وانما على أن أقضى بينهم بحكم الله وارغبهم في الاقتصاد فقال أبو ذر لا نرضى من الاغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا للجيران والاخوان ويصلوا القرابة فقال له كعب الاحبار من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه فضربه أبو ذر فشجه وقال يا ابن اليهودية ما أنت وهذا فاستوهب عثمان من كعب شجته فوهبه ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الابل واعطاه مملوكين وأجرى عليه رزقا وكان يتعاهد المدينة فعد أولئك الرهط خروج أبى ذر فيما ينقمونه على عثمان مع ما كان من أعطاء مروان خمس مغانم افريقية

(2/139)


والصحيح انه اشتراه بخمسمائة ألف فوضعها عنه (ومما عدوا عليه أيضا) زيادة النداء الثالث على الزوراء يوم الجمعة واتمامه الصلاة في منى وعرفة مع أن الامر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده كان على القصر (ولما) سأله عبد الرحمن واحتج عليه بذلك قال له بلغني ان بعض حاج اليمن والجفاة جعل صلاة المقيم ركعتين من أجل صلاتي وقد اتخذت بمكة اهلا ولى بالطائف مال فلم يقبل ذلك عبد الرحمن فقال زوجتك بمكة انما تسكن بسكناك ولو خرجت خرجت ومالك بالطائف على اكثر من مسافة القصر (وأما حاج اليمن) فقد شهدوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده وقد كان الاسلام ضرب بجرانه فقال عثمان هذا رأى رأيته فمن الصحابة من تبعه على ذلك ومنهم من خالفه (ومما عدوا عليه) سقوط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يده في بئر أريس على ميلين من المدينة فلم يوجد (واما الحوادث) التى وقعت في الامصار فمنها قصة الوليد بن عقبة وقد تقدم ذكرها وانه عزله على شرب الخمر واستبدله بسعيد بن العاصى منه وكان وجوه الناس وأهل القادسية يسمرون عنده مثل مالك بن كعب الارحبي والاسود بن يزيد وعلقمة بن قيس من النخع وثابت بن قيس الهمداني وجندب
ابن زهير الغامدى وجندب بن كعب الازدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعى وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد وابن الكواء وكميل بن زياد وعمير بن ضابئ وطليحة بن خويلد وكانوا يفيضون في أيام الوقائع وفى أنساب الناس وأخبارهم وربما ينتهون إلى الملاحاة ويخرجون منها إلى المشاتمة والمقاتلة ويعذلهم في ذلك حجاب سعيد بن العاصى فينهرونهم ويضربونهم وقد قيل ان سعيدا قال يوما انما هذا السواد بستان قريش فقال له الاشتر السواد الذى أفاء الله علينا باسيافنا تزعم انه بستان لك ولقومك وخاض القوم في ذلك فأغلظ لهم عبد الرحمن الاسدي صاحب شرطته فوثبوا عليه وضربوه حتى غشى عليه فمنع سعيد بعدها السمر عنده فاجتمعوا في مجالسهم يثلبون سعيدا وعثمان والسفهاء يغشونهم فكتب سعيد وأهل الكوفة إلى عثمان في اخراجهم فكتب أن يلحقوهم بمعاوية وكتب إلى معاوية ان نفرا خلقوا للفتنة فقم عليهم وانههم وان آنست منهم رشدا فاقبل وان أعيوك فارددهم على فأنزلهم معاوية وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق وأقاموا عنده يحضرون مائدته ثم قال لهم يوما أنتم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة وقد أدركتم بالاسلام شرفا وغلبتم الامم وحويتم مواريثهم وقد بلغني انكم نقمتم قريشا ولو لم تكن قريش كنتم أذلة إذ أئمتكم لكم جنة فلا تفترقوا على جنتكم وان أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحملون عنكم المؤنة والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ولا يحمدكم على الصبر ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على

(2/140)


الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم فقال له صعصعة منهم أما ما ذكرت من قريش فانها لم تكن أكثر الناس ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا وأما ما ذكرت من الجنة فان الجنة إذا اخترمت خلص الينا فقال معاوية الآن عرفتكم وعلمت ان الذى أغراكم على هذا قلة العقول وأنت خطيبهم ولا أرى لك عقلا أعظم عليك أمر الاسلام وتذكرني الجاهلية أخزى الله قوما عظموا أمركم افقهوا عنى ولا أظنكم تفقهون ثم ذكر شان
قريش وان عزها انما كان بالله في الجاهلية والاسلام ولم يكن بكثرة ولا شدة وكانوا على أكرم أحساب وأكمل مروءة وبوأهم الله حرمه فأمنوا فيه مما أصاب العرب والعجم والاسود والاحمر في بلادهم ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وان الله ارتضى له أصحابا كان خيارهم قريشا فبنى الملك عليهم وجعل الخلافة فيهم فلا يصلح ذلك الا بهم ثم قرعهم ووبخهم وهددهم ثم أحضرهم بعد أيام وقال اذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم احدا ولا يضره وان أردتم النجاة فالزموا الجماعة ولا تبطرنكم النعمة وسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم وكتب إلى عثمان انه قدم على اقوام ليست لهم عقول ولا أديان أبطرهم العدل انما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة والله مبتليهم ثم فاضحهم وليسوا بالذين ينكون أحدا الا مع غيرهم فانه سعيدا ومن عنده عنهم فخرجوا من عنده قاصدين الجزيرة ومروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص فأحضرهم وقال يا ألة الشيطان 3 لا مرحبا بكم ولا أهلا قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد في نشاط خسر الله عبد الرحمن ان لم يؤدبكم يا معشر من لا أدرى أعرب هم أم عجم ثم مضى في توبيخهم على ما فعلوا وما قالوا لسعيد ومعاوية فهابوا سطوته وطفقوا يقولون نتوب إلى الله أقلنا أقالك الله حتى قال تاب الله عليكم وسرح الاشتر إلى عثمان تائبا فقال له عثمان أحلك حيث تشاء فقال مع عبد الرحمن بن خالد قال ذاك اليك فرجع إليهم وقيل انهم عادوا إلى معاوية من القابلة ودار بينهم وبينه القول وأغلظوا له وأغلظ عليهم وكتب إلى عثمان فأمر أن يردهم إلى سعيد فردهم فأطلقوا ألسنتهم وضج سعيد منهم وكتب إلى عثمان فكتب إليه أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد فدار بينهم وبينه ما قدمناه * وحدث بالبصرة مثل ذلك من الطعن وكان بدؤه فيما يقال شأن عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء هاجر إلى الاسلام من اليهودية ونزل على حكيم بن جبلة العبدى وكان يتشيع لاهل البيت ففشت مقالته بالطعن وبلغ ذلك حكيم بن جبلة فأخرجه وأتى الكوفة فأخرج أيضا واستقر بمصر وأقام يكاتب أصحابه بالبصرة ويكاتبونه والمقالات تفشو
بالطعن والنكير على الامراء وكان حمران بن أبان أيضا يحقد لعثمان انه ضربه على زواجه امرأة في العدة وسيره إلى البصرة فلزم ابن عامر وكان بالبصرة عامر بن عبد القيس

(2/141)


وكان زاهدا متقشفا فأغرى به حمران صاحب ابن عامر فلم يقبل سعايته ثم أذن له عثمان فقدم المدينة ومعه قوم فسعوا بعامر بن عبد القيس انه لا يرى التزويج ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية وأقام عنده حتى تبينت براءته وعرف فضله وحقه وقال ارجع إلى صاحبك فقال لا أرجع إلى بلد استحل أهله منى ما استحلوا وأقام بالشام كثير العبادة والانفراد بالسواحل إلى أن هلك (ولما) فشت المقالات بالطعن والارجاف على الامراء اعتزم سعيد بن العاصى على الوفادة على عثمان سنة أربع وثلاثين وكان قبلها قد ولى على الاعمال أمراء من قبله فولى الاشعث بن قيس على اذربيجان وسعيد بن قيس على الرى والنسير العجلى على همذان والسائب بن الاقرع على اصبهان ومالك بن حبيب على ماه وحكيم بن سلامة على الموصل وجرير بن عبد الله على قرقيسيا وسلمان بن ربيعة على الباب وجعل على حلوان عتيبة بن النهاس وعلى الحرب القعقاع بن عمرو فخرجوا لاعمالهم وخرج هو وافدا على عثمان واستخلف عمرو بن حريث وخلت الكوفة من الرؤساء وأظهر الطاعنون أمرهم وخرج بهم يزيد ابن قيس يريد خلع عثمان فبادره القعقاع بن عمرو فقال له انما نستعفي من سعيد وكتب يزيد إلى الرهط الذين عند عبد الرحمن بن خالد بحمص في القدوم فساروا إليه وسبقهم الاشتر ووقف على باب المسجد يوم الجمعة يقول جئتكم من عند عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم ورد أولى البلاء منكم إلى ألفين ويزعم أن فيئكم بستان قريش ثم استخف الناس ونادى يزيد في الناس من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل فخرجوا وذوو الرأى يعذلونهم فلا يسمعون وأقام أشراف الناس وعقلاؤهم مع عمرو بن حريث ونزل يزيد وأصحابه الجزعة قريبا من القادسية لاعتراض
سعيد ورده فلما وصل قالوا ارجع فلا حاجة لنا بك قال انما كان يكفيكم أن تبعثوا واحدا إلى والى عثمان رجلا وقال مولى له ما كان ينبغى لسعيد أن يرجع فقتله الاشتر ورجع سعيد إلى عثمان فأخبره بخبر القوم وأنهم يختارون أبا موسى الاشعري فولاه الكوفة وكتب إليهم أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد ووالله لاقرضنكم عرضى ولابذلنكم صبرى ولا ستصلحنكم بجهدي (وخطب) أبو موسى الناس وأمرهم بلزوم الجماعة وطاعة عثمان فرضوا ورجع الامراء من قرب الكوفة واستمر أبو موسى على عمله (وقيل) ان أهل الكوفة أجمع رأيهم أن يبعثوا إلى عثمان ويعذلوه فيما نقم عليه فأجمع رأيهم على عامر بن عبد القيس الزاهد وهو عامر بن عبد الله من بنى تميم ثم من بنى العنبر فأتاه وقال له أن ناسا اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك ركبت أمورا عظاما فاتق الله وتب إليه فقال عثمان

(2/142)


ألا تسمعون إلى هذا الذى يزعم الناس انه قارئ ثم يجئ يكلمني في المحقرات ووالله لا يدرى أين الله فقال عامر بل والله أنى لادرى إن الله لبالمرصاد فأرسل عثمان إلى معاوية وعبد الله بن أبى سرح وسعيد بن العاصى وعبد الله بن عامر وعمرو بن العاصى وكانوا بطانته دون الناس فجمعهم وشاورهم وقال انكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتى وقد صنع الناس ما رأيتم فطلبوا أن أعزل عمالى وأرجع إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم فقال ابن عامر أرى أن تشغلهم بالجهاد وقال سعيد متى تهلك قادتهم يتفرقوا وقال معاوية اجعل كفالتهم إلى أمرائهم وأنا أكفيك الشام وقال عبد الله استصلحهم بالمال فردهم عثمان إلى أعمالهم وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث ليكون لهم فيها شغل ورد سعيدا إلى الكوفة فلقيه الناس بالجزعة وردوه كما ذكرناه وولى أبا موسى وأمر عثمان حذيفة بغزو الباب فسار نحوه (ولما كثر) هذا الطعن في الامصار وتواتر بالمدينة وكثر الكلام في عثمان والطعن عليه وكان له منهم شيعة يذبون عنه مثل
زيد بن ثابت وأبى أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فلم يغنوا عنه واجتمع الناس إلى على بن أبى طالب وكلموه وعددوا عليه ما نقموه فدخل على عثمان وذكر له شأن الناس وما نقموا عليه وذكره بافعال عمر وشدته ولينه هو لعماله وعرض عليه ما يخاف من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة فقال له أن المغيرة بن شعبة وليناه وعمر ولاه ومعاوية كذلك وابن عامر تعرفون رحمه وقرابته فقال له على أن عمر كان يطأ على صماخ من ولاه وأنت ترفق بهم وكانوا أخوف لعمر من غلامه يرفأ ومعاوية يستبد عليك ويقول هذا أمر عثمان فلا تغير عليه ثم تكالما طويلا وافترقا وخرج عثمان على اثر ذلك وخطب وعرض بما هو فيه من الناس وطعنهم وما يريدون منه وانهم تجرؤا عليه لرفقه بما لم يتجرؤا بمثله على ابن الخطاب ووافقهم برجوعه في شأنه إلى ما يقدمهم * (حصار عثمان ومقتله رضى الله عنه وأثابه ورفع درجته) * ولما كثرت الاشاعة في الامصار بالطعن على عثمان وعماله وكتب بعضهم إلى بعض في ذلك وتوالت الاخبار بذلك على أهل المدينة جاؤا إلى عثمان وأخبروه فلم يجدوا عنده علما منه وقال أشيروا على وأنتم شهود المؤمنين قالوا تبعث من تثق به إلى الامصار يأتوك بالخبر فأرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة واسامة بن زيد إلى البصرة وعبد الله ابن عمر إلى الشام وغيرهم إلى سواها فرجعوا وقالوا ما أنكرنا شيئا ولا انكره علماء المسلمين ولا عوامهم وتأخر عمار بن ياسر بمصر واستماله ابن السوداء وأصحابه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر وكتب عثمان إلى أهل الامصار انى قد رفع إلى

(2/143)


أهل المدينة ان عمالى وقع منهم اضرار بالناس وقد أخذتهم بأن يوافوني في كل موسم فمن كان له حق فليحضر يأخذ بحقه منى أو من عمالى أو تصدقوا فان الله يجزى المتصدقين فبكى الناس عند قراءة كتابه عليهم ودعوا له وبعث إلى عمال الامصار فقدموا
عليه في الموسم عبد الله بن عامر وابن أبى سرح ومعاوية وأدخل معهم سعيد بن العاصى وعمرا وقال ويحكم ما هذه الشكاية والاذاعة وانى لاخشى والله أن يكونوا صادقين فقالوا له ألم يخبرك رسلك بأن أحدا لم يشافههم بشئ وانما هذه اشاعة لا يحل الاخذ بها واختلفوا في وجه الرأى في ذلك فقال عثمان ان الامر كائن وبابه سيفتح ولا احب أن تكون لاحد على حجة في فتحه وقد علم الله انى لم آل الناس خيرا فسكتوا الناس وبينوا لهم حقوقهم ثم قدم المدينة فدعا عليا وطلحة والزبير ومعاوية حاضر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أنتم ولاة هذا الامر واخترتم صاحبكم يعنى عثمان وقد كبر وأشرف وفشت مقالة خفتها عليكم فما عنيتم فيه من شئ فأنا لكم به ولا تطمعوا الناس في أمركم فانتهره على ثم ذهب عثمان يتكلم وقال اللذان كانا قبلى منعا قرابتهما احتسابا وان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطى قرابته وان قرابتي أهل عيلة وقلة معاش فأعطيتهم فان رأيتم ذلك خطأ فردوه فقالوا أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا ومروان خمسة عشر ألفا قال آخذ ذلك منهما فانصرفوا راضين وقال له معاوية اخرج معى إلى الشام قبل أن يهجم عليك ما لا تطيقه قال لا أبتغى بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا قال فأبعث اليك جندا يقيمون معك قال لا أضيق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال معاوية لتغتالن ولتعرين قال حسبى الله ونعم الوكيل ثم سار معاوية ومر على على وطلحة والزبير فوصاهم بعثمان وودعهم ومضى وكان المنحرفون عن عثمان بالامصار قد تواعدوا عند مسير الامراء إلى عثمان أن يثبوا عليه في مغيبهم فرجع الامراء ولم يتهيأ لهم ذلك وجاءتهم كتب من المدينة ممن صار إلى مذهبهم في الانحراف عن عثمان أن اقدموا علينا فان الجهاد عندنا فتكاتبوا من امصارهم في القدوم إلى المدينة فخرج المصريون وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوى في خمسمائة وقيل في ألف وفيهم كنانة بن بشر الليثى وسودان بن حمران السكوني وميسرة أو قتيرة بن فلان السكوني وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكى وخرج أهل الكوفة
وفيهم زيد بن صوحان العبدى والاشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثى وعبد الله بن الاصم العامري وخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة العبدى وذريح بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحرش وعليهم حرقوص بن زهير السعدى وكلهم في مثل عدد أهل مصر وخرجوا جميعا في شوال مظهرين للحج ولما كانوا من المدينة على ثلاث

(2/144)


دمه سبعين ألفا فسكن دمه ويشكل أن يحيى كان مع المسيح في عصر واحد باتفاق وأن ذلك كان بعد بختنصر بأحقاب متطاولة وفى هذا ما فيه وفى الاسرائيليات من تأليف يعقوب بن يوسف النجار أن هيردوس قتل زكريا عندما جاء المجوس للبحث عن ايشوع والانذار به وأنه طلب ابنه يوحنا ليقتله مع من قتل من صبيان بيت لحم فهربت به أمه إلى الشقراء واختفت فطالب به أباه زكريا وهو كهنون في الهيكل فقال لا علم لى هو مع أمه فتهدده وقتله ثم قال بعد قتل زكريا بسنة يعقوب بن يوسف إلى أن مات هيردوس (وأما مريم سلام الله عليها) فكانت بالمسجد على حالها من العبادة إلى ان أكرمها الله بالولاية وبين الناس في نبوتها خلاف من أجل خطاب الملئكة لها وعند أهل السنة أن النبوة مختصة بالرجل قاله أبو الحسن الاشعري وغيره وأدلة الفريقين في أماكنها وبشرت الملئكة مريم باصطفاء الله لها وأنها تلد ولدا من غير أب يكون نبيا فعجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة ان الله قادر على ما يشاء فاستكانت وعلمت أنها محنة بما تلقاه من كلام الناس فاحتسبت وفى كتاب يعقوب بن يوسف النجار أن أمها حنة توفيت لثمان سنين من عمر مريم وكان من سنتهم انها ان لم تقبل التزويج يفرض لها من أرزاق الهيكل فأوحى الله إليه أن يجمع أولاد هارون ويردها إليهم فمن ظهرت في عصاه آية تدفعها إليه تكون له شبه زوجة ولا يقربها وحضر الجمع يوسف النجار فخرج من عصاه حمامة بيضاء ووقفت على رأسه فقال له زكريا هذه عزراء الرب تكون لك شبه زوجة ولا تردها فاحتملها متكرها بنت ثنتى عشرة سنة إلى ناصرة فأقامت معه إلى أن خرجت
يوما تستسقى من العين فعرض لها الملك أولا وكلمها ثم عاودها وبشرها بولادة عيسى كما نص القرآن فحملت وذهبت إلى زكريا ببيت المقدس فوجدته على الموت وهو يجود بنفسه فرجعت إلى ناصرة ورأى يوسف الحمل فلطم وجهه وخشى الفضيحة مع الكهنونية فيما شرطوا عليه فأخبرته بقول الملك فلم يصدق وعرض له الملك في نومه وأخبره ان الذى بها من روح القدس فاستيقظ وجاء إلى مريم فسجد لها وردها إلى بيتها ويقال ان زكريا حضر لذلك وأقام فيهما سنة اللعان الذى أوصى به موسى فلم يصبهما شئ وبرأهما الله ووقع في انجيل متى ان يوسف خطب مريم ووجدها حاملا قبل أن يجتمعا فعزم على فراقها خوفا من الفضيحة فأمر في نومه أن يقبلها وأخبره الملك بأن المولود من روح القدس وكان يوسف صديقا وولد على فراشه ايشوع انتهى (وقال الطبري) كانت مريم ويوسف بن يعقوب بن عمها وفى رواية عنه أنه ابن خالها وكانوا سدنة في بيت المقدس لا يخرجان منه الا لحاجة الانسان وإذا نفد ماؤهما فيملان من أقرب المياه فمضت مريم يوما وتخلف عنها يوسف ودخلت المغارة التى كانت تعهد أنها للورد

(2/145)


فتمثل لها جبريل بشرا فذهبت لتجزع فقال لها انما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا فاستسقاها وعن وهب بن منبه أنه نفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت على عيسى فكان معها ذو قرابة يسمى يوسف النجار وكان في مسجد بجبل صهيون وكان لخدمته عندهم فضل وكانا يجمرانه ويقمانه وكانا صالحين مجتهدين في العبادة ولما رأى ما بها من الحمل استعظمه وعجب منه لما يعلم من صلاحها وأنها لم تغب قط عنه ثم سألها فردت الامر إلى قدرة الله فسكت وقام بما ينوبها من الخدمة فلما بان حملها أفضت بذلك إلى خالتها ايشاع وكانت إيضا حبلى بيحيى فقالت لها انى أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك ثم أمرت بالخروج من بلدها خشية أن يعيرها قومها ويقتلوا ما في بطنها فاحتملها يوسف إلى مصر وأخذها المخاض في طريقها فوضعته كما قصه القرآن
واحتملته على الحمار وأقامت تكتم أمرها من الناس وتتحفظ به حتى بلغ ثنتى عشرة سنة وظهرت عليه الكرامات وشاع خبره فأمرت أن ترجع به إلى ايلياء فرجعت وتتابعت عنه المعجزات وانثال الناس عليه يستشفون ويسألون عن الغيوب قال الطبري وفى خبر السدى انها انما خرجت من المسجد لحيض أصابها فكان نفخ الملك وأن ايشاع خالتها التى سألتها عن الحمل وناظرتها فيه فحجتها بالقدرة وأن الوضع كان في شرقي بيت لحم قريبا من بيت المقدس وهو الذى بنى عليه بعض ملوك الروم البناء الهائل لهذا العهد قال ابن العميد مؤرخ النصارى ولد لثلاثة أشهر من ولادة يحيى بن زكريا ولاحدى وثلاثين من دولة هيردوس الاكبر ولثنتين وأربعين من ملك أو غشطش قيصر وفى الانجيل ان يوسف تزوجها ومضى بها ليكتم أمرها في بيت لحم فوضعته هنا لك ووضعته في مدود لانها لم يكن لها موضع نزل وأن جماعة من المجوس بعثهم ملك الفرس يسألون أين ولد الملك العظيم وجاؤا إلى هيردوس يسألونه وقالوا جئنا لنسجد له وحدثوه بما أخبر الكهان وعلماء النجوم من شأن ظهوره وأنه يولد ببيت لحم من ابن سنتين فما دونها وسمع أو غشطش قيصر بخبر المجوس فكتب إلى هيردوس يسأله فكتب له بمصدوقية خبره وأنه قتل فيمن قتل من الصبيان وكان يوسف النجار قد أمر أن يخرج به إلى مصر فأقام هنا لك ثنتى عشرة سنة وظهر عليه الكرامات وهلك هيردوس الذى كان يطلبه وأمروا بالرجوع إلى ايليا فرجعوا وظهر صدق شعيا النبي في قوله عنه من مصر دعوتك وفى كتاب يعقوب بن يوسف النجار حذرا من أن يكتب كما أمر أو غشطش في بعض أيامه فأجاءها المخاض وهى في طريقها على حمار فصابرته إلى قرية بيت لحم وولدت في غار وسماه ايشوع وأنه لما بلغ سنتين وكان من أمر المجوس ما قدمناه حذر هيردوس من شأنه وأمر أن يقتل الصبيان ببيت لحم فخرج يوسف به وبأمه إلى مصر أمر بذلك في نومه وأقام بمصر سنتين

(2/146)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية