صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ ابن خلدون
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 1
تاريخ ابن خلدون
ابن خلدون ج 1

(1/)


مقدمة العلامة ابن خلدون الطبعة الرابعة كتاب قد حوى درر المعاني * وبحر فوائد للمقتنيه فلا تعجب لهاتيك المباني * فان البحر كل الدر فيه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان

(1/1)


الجزء الاول من كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر - وهو تاريخ وحيد عصره العلامة عبد الرحمن ابن خلدون المغربي

(1/2)


بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون
الحضرمي وفقه الله الحمد لله الذي له العزة والجبروت * وبيده الملك والملكوت * وله الاسماء الحسنى والنعوت * العالم فلا يغرب عنه ما تظهره النجوى أو يخفيه السكوت * القادر فلا يعجزه شئ في السموات والارض ولا يفوت * أنشأنا من الارض نسما * واستعمرنا فيها أجيالا وأمما ويسر لنا منها أرزاقا وقسما * تكنفنا الارحام والبيوت * ويكفلنا الرزق والقوت * وتبلينا الايام والوقوت * وتعتورنا الآجال التي خط علينا كتابها الموقوت وله البقاء والثبوت * وهو الحي الذي لا يموت * والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي العربي المكتوب في التوراة والانجيل المنعوت * الذي تمحض لفصاله الكون قبل أن تتعاقب الآحاد والسبوت * ويتباين زحل واليهموت (1) * وعلى آله وأصحابه الذين لهم في صحبته وأتباعه الاثر البعيد والصيت * والشمل الجميع في مظاهرته ولعدوهم الشمل الشتيت * صلى الله عليه وعليهم ما اتصل بالاسلام جده المبخوت * وانقطع بالكفر حبله المبتوت * وسلم كثيرا أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الامم والاجيال وتشد إليه الركائب والرحال * وتسمو إلى معرفته السوقة والاغفال * وتتنافس فيه الملوك والاقيال * وتتساوى في فهمه العلماء والجهال * إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار
__________
(1) قوله اليهموت هو النون اي الحوت الذي على ظهره الارض السابقة ويسمى ايضا لوتيا كما في المزهر وروح البيان واللهجة ومعلوم ان بينه وبين زحل الذي هو في الفلك السابع بونا بعيدا وقال الشهاب الحفاجي في حاشيته على البيضاوي اه في اول سورة نون اليهموت بفتح المثناة التحنية وسكون الهاء وما لشهر من انه بالباء الموحدة غلط على ما ذكره الفاضل المحشى ومثله في روح البيان قاله نصر الهوريني اقره المصحح الثاني (*)

(1/3)


عن الايام والدول * والسوابق من القرون الاول * تنمو فيها الاقوال * وتضرب فيها
الامثال * وتطرف بها الاندية إذا غصها الاحتفال * وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الاحوال * واتسع للدول فيها النطاق والمجال * وعمروا الارض حتى نادى بهم الارتحال * وحان منهم الزوال * وفي باطنه نظر وتحقيق * وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق * وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق * فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق * وجدير بأن يعد في علومها وخليق * وإن فحول المؤرخين في الاسلام قد استوعبوا أخبار الايام وجمعوها * وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها * وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها * وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها * واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها * وأدوها إلينا كما سمعوها * ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والاحوال ولم يراعوها * ولا رفضوا ترهات الاحاديث ولا دفعوها * فالتحقيق قليل * وطرف التنقيح في الغالب كليل * والغلط والوهم نسيب للاخبار وخليل * والتقليد عريق في الآدميين وسليل * والتطفل على الفنون عريض طويل * ومرعى الجهل بين الانام وخيم وبيل * والحق لا يقاوم سلطانه * والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه * والناقل إنما هو يملي وينقل * والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل * والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل هذا وقد دون الناس في الاخبار وأكثروا * وجمعوا تواريخ الامم والدول في العالم وسطروا * والذين ذهبوا بفضل الشهرة والامامة المعتبرة * واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة * هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الانامل * ولا حركات العوامل * مثل ابن إسحق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الاسدي وغيرهم من المشاهير * المتميزين عن الجماهير * وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الاثبات * ومشهور بين الحفظة الثقات * إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم * واقتفاء سننهم في التصنيف واتباع آثارهم * والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون
أو اعتبارهم * فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الاخبار * وتحمل عليها الروايات

(1/4)


والآثار * ثم إن أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك * لعموم الدولتين صدر الاسلام في الآفاق والممالك * وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول والامم * والامر العمم * كالمسعودي ومن نحا منحاه وجاء من بعدهم من عدل عن الاطلاق إلى التقييد ووقف في العموم والاحاطة عن الشأ والبعيد * فقيد شوارد عصره * واستوعب أخبار أفقه وقطره * واقتصر على تاريخ دولته ومصره * كما فعل أبو حيان مؤرخ الاندلس والدولة الاموية بها وابن الرفيق مؤرخ أفريقية والدولة التي كانت بالقيروان ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد * وبليد الطبع والعقل أو متبلد * ينسج على ذلك المنوال * ويحتذي منه بالمثال * ويذهل عما أحالته الايام من الاحوال * واستبدلت به من عوائد الامم والاجيال * فيجلبون الاخبار عن الدول * وحكايات الوقائع في العصور الاول * صورا قد تجردت عن موادها * وصفاحا انتضيت من أغمادها * ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها * إنما هي حوادث لم تعلم أصولها * وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها * يكررون في موضوعاتها الاخبار المتداولة بأعيانها * اتباعا لمن عني من المتقدمين بشأنها * ويغفلون أمر الاجيال الناشئة في ديوانها * بما أعوز عليهم من ترجمانها * فتستعجم صحفهم عن بيانها * ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا * محافظين على نقلها وهما أو صدقا * لا يتعرضون لبدايتها * ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها * وأظهر من آيتها * ولا علة الوقوف عند غايتها * فيبقى الناظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها * مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها * باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها * حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب ثم جاء آخرون بإفراط الاختصار * وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والاقتصار *
مقطوعة عن الانساب والاخبار * موضوعة عليها أعداد أيامهم بحروف الغبار * كما فعله ابن رشيق في ميزان العمل * ومن اقتفى هذا الاثر من الهمل * وليس يعتبر لهؤلاء مقال * ولا يعد لهم ثبوت ولا انتقال * لما أذهبوا من الفوائد * وأخلوا بالمذاهب المعروفة للمؤرخين والعوائد ولما طالعت كتب القوم * وسبرت غور الامس واليوم * نبهت عين القريحة من

(1/5)


سنة الغفلة والنوم * وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم * فأنشأت في التاريخ كتابا * رفعت به عن أحوال الناشئة من الاجيال حجابا * وفصلته في الاخبار والاعتبار بابا بابا * وأبديت فيه لاولية الدول والعمران عللا وأسبابا * وبنيته على أخبار الامم الذين عمروا المغرب في هذه الاعصار * وملاوا أكناف الضواحي منه والامصار * وما كان لهم من الدول الطوال أو القصار * ومن سلف لهم من الملوك والانصار * وهما العرب والبربر * إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرف مأواهما وطال فيه على الاحقاب مثواهما * حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما * ولا يعرف أهله من أجيال الآدميين سواهما * فهذبت مناحيه تهذيبا * وقربته لافهام العلماء والخاصة تقريبا * وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا * واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا * وطريقة مبتدعة وأسلوبا * وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الانساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها * ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها * حتى تنزع من التقليد يدك * وتقف على أحوال ما قبلك من الايام والاجيال وما بعدك ورتبته على مقدمة وثلثة كتب المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والالماع بمغالط المؤرخين الكتاب الاول في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والاسباب
الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة إلى هذا العهد وفيه من الالماع ببعض من عاصرهم من الامم المشاهير ودولهم مثل النبط والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والافرنجة الكتاب الثالث في أخبار البربر ومواليهم من زناتة وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان بديار المغرب خاصة من الملك والدول ثم كانت الرحلة إلى المشرق لاجتناء أنواره * وقضاء الفرض والسنة في مطافه ومزاره * والوقوف على آثاره في دواوينه وأسفاره * فزدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الديار * ودول الترك فيما ملكوه من الاقطار * وأتبعت بها ما كتبته في تلك الاسطار * وأدرجتها في ذكر المعاصرين لتلك الاجيال من أمم النواحي * وملوك الأمصار والضواحي * سالكا سبيل

(1/6)


الاختصار والتلخيص * مفتديا بالمرام السهل من العويص * داخلا من باب الاسباب على العموم إلى الاخبار على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا * وذلل من الحكم النافرة صعابا * وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا * فأصبح للحكمة صوانا * وللتاريخ جوابا ولما كان مشتملا على أخبار العرب والبربر * من أهل المدر والوبر * والالماع بمن عاصرهم من الدول الكبر * وأفصح بالذكرى والعبر * في مبتدإ الاحوال ومما بعدها من الخبر * سميته كتاب العبر * وديوان المبتدإ والخبر * في أيام العرب والعجم والبربر * ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر * ولم أترك شيئا في أولية الاجيال والدول * وتعاصر الامم الاول * وأسباب التصرف والحول * في القرون الخالية والملل * وما يعرض في العمران من دولة وملة * ومدينة وحلة * وعزة وذلة * وكثرة وقلة * وعلم وصناعة * وكسب وإضاعة * وأحوال متقلبة مشاعة * وبدو وحضر * وواقع ومنتظر * إلا واستوعبت جمله * وأوضحت براهينه وعلله * فجاء هذا الكتاب فذا بما ضمنته من
العلوم الغريبة * والحكم المحجوبة القريبة * وأنا من بعدها موقن بالقصور * بين أهل العصور * معترف بالعجز عن المضاء * في مثل هذا القضاء * راغب من أهل اليد البيضاء * والمعارف المتسعة الفضاء * في النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء * والتغمد لما يعثرون عليه بالاصلاح والاغضاء * فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة * والاعتراف من اللوم منجاة * والحسنى من الاخوان مرتجاة * والله اسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل وبعد أن استوفيت علاجه * وأنرت مشكاته للمستبصرين وأذكيت سراجه * وأوضحت بين العلوم طريقه ومنهاجه * وأوسعت في فضاء المعارف نطاقه وأدرت سياجه * أتحفت بهذه النسخة منه (1) خزانة مولانا السلطان الامام المجاهد * الفاتح
__________
(1) قوله انحفت بهذه النسخة منه الخ وجد في نسخة بخط بعض فضلاء المغاربة زيادة قبل قوله تحفت وبعد قوله وادرت سياجة ونصها التميت له الكف الذي بلح بعين الاستبصار فنونه.
وبلخط بمداركه الشريفة معياره الصحيح وقانونه.
ويميز رقبته في المعارف عما دونه فسرحت فكري في فضا الموجود.
واجلت نظري ليل النمام والهجود.
بين التهائم والنجود.
في العلماء الركع والسجود.
والخلفا اهل الكرم والجود.
حتى وقف الاختيار بساحة الكمال.
وطافت الافكار بموقف الامال.
وظفرت ايدي المساعي والاعتمال.
(*)

(1/7)


الماهد * المتحلي منذ خلع التمائم * ولوث العمائم * بحلى القانت الزاهد * المتوشح بزكاء المناقب والمحامد * وكرم الشمائل والشواهد * بأجمل من القلائد * في نحور الولائد * المتناول بالعزم القوي الساعد * والجد المواتي المساعد * والمجد الطارف والتالد * ذوائب ملكهم الراسي القواعد * الكريم المعالي والمصاعد * جامع أشتات العلوم والفوائد * وناظم شمل المعارف والشوارد * ومظهر الآيات الربانية * في فضل المدارك الانسانية * بفكره الثاقب الناقد * ورأيه الصحيح المعاقد * النبر المذاهب والعقائد * نور الله الواضح المراشد * ونعمته العذبة الموارد * ولطفه الكامن
بالمراصد للشدائد * ورحمته الكريمة المقالد * التي وسعت صلاح الزمان الفاسد * واستقامة المائد من الاحوال والعوائد * وذهبت بالخطوب الاوابد * وخلعت على الزمان رونق الشباب العائد * وحجته التي لا يبطلها إنكار الجاحد ولا شبهات المعاند * (أمير للمؤمنين) أبي فارس عبد العزيز ابن مولانا السلطان المعظم الشهير الشهيد أبي سالم إبراهيم ابن مولانا السلطان المقدس أمير المؤمنين * أبي الحسن ابن السادة الاعلام من ملوك بني مرين * الذين جددو الدين * ونهجوا السبيل للمهتدين * ومحوا آثار البغاة المفسدين * أفاء الله على الامة ظلاله * وبلغه في نصر دعوة الاسلام آماله * وبعثته إلى خزانتهم الموقفة لطلبة العلم بجامع القرويين من مدينة فاس حاضرة ملكهم وكرسي سلطانهم * حيث مقر الهدى * ورياض المعارف خضلة الندى * وفضاء الاسرار
__________
بمنندي المعارف مشرفة فيه غرر الجمال.
وحدائق العلوم الوارفة الظلال.
عن اليمين والشمال.
فاتخت مطي الافكار في عرصاتها * وجلوت محاسن الانطار على منصاتها.
واتحفت بديوانها مقاصير ايوانها.
واطلعته كوكبا وقادا في افق خزانتها وصوانها.
ليكون آية للعقلاء يهتدون بمناره.
ويعرفون فضل المدارك الانسانية في اثاره.
وهي خزانة مولانا السلطان الامام المجاهد.
الفاتح الماهد.
إلى اخر النعوت المذكورة هنا ثم قال الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين أبو العباس احمد ابن مولانا الامير الطاهر المقدس ابي عبد الله محمد ابن مولانا الخليفة المقدس أمير المؤمنين.
ابي يحيى ابي بكر ابن الخلفاء الراشدين.
من ائمة الموجدين الذين جددوا الدين.
ونهجوا السبل للمهتدين.
ومحوا اثار البغاه المفسدين من المجسمسة والمعتدين.
سلالة ابى الحفص والفاروق.
والنبعة النامية على تلك المفارس الزاكية والعروق.
والنور المتلالي من تلك الاشعة والبروق.
فاوردنه من مودعها إلى العلي بحيث مقر الهدى.
ورياض المعارف خضلة الندي إلى اخر ما ذكر هنا الا انه لم يقيد الامامة بالفارسية لكن النسخة المذكورة مختصرة عن هذه النسخة المنقولة من خزانة الكتب الفارسية ولم يقل فيها ثم كانت الرحلة إلى المشرق الخ (*)

(1/8)


الربانية فسيح المدى * والامامة الفارسية الكريمة (1) العزيزة إن شاء الله بنظرها
الشريف * وفضلها الغني عن التعريف * تبسط له من العناية مهادا * وتفسح له في جانب القبول آمادا * فتوضح بها أدلة على رسوخه وأشهادا * ففي سوقها تنفق بضائع الكتاب وعلى حضرتها تعكف ركائب العلوم والآداب * ومن مدد بصائرها المنيرة نتائج القرائح والالباب * والله يوزعنا شكر نعمتها * ويوفر لنا حظوظ المواهب من رحمتها ويعيننا على حقوق خدمتها * ويجعلنا من السابقين في ميدانها المحلين في حومتها * ويضفي على أهل إيالتها * وما أوي من الاسلام إلى حرم عمالتها * لبوس حمايتها وحرمتها * وهو سبحانه المسئول أن يجعل أعمالنا خالصة في وجهتها * بريئة من شوائب الغفلة وشبهتها * وهو حسبنا ونعم الوكيل المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شئ من اسبابها إعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الامم في أخلاقهم.
والانبياء في سيرهم.
والملوك في دولهم وسياستهم.
حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لان الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثما أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق
__________
(1) قوله الفارسية اي المنسوبة إلى ابي فارس لمتقدم ذكره اه (*)

(1/9)


وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في إحصاء الاعداد من الاموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الاصول وعرضها على القواعد وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والاحوال المألوفة ثم إن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق ساحة الارض عنها وبعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثا أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين وشئ من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.
ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير يشهد لذلك ما كان من غلب بختنصر لهم والتهامه بلادهم واستيلائه على أمرهم وتخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم وسلطانهم وهو من بعض عمال مملكة فارس يقال إنه كان مرزبان المغرب من تخومها وكانت ممالكهم بالعراقين وخراسان وما وراء النهر والابواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبا منه وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرين ألفا كلهم متبوع على ما نقله سيف قال وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف وعن عائشة والزهري فإن جموع رستم الذين زحف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا كلهم متبوع وأيضا فلو بلغ بنو إسرائيل
مثل هذا العدد لا تسع نطاق ملكهم وانفسح مدى دولتهم فإن العمالات والممالك في الدول على نسبة الحامية والقبيل القائمين بها في قلتها وكثرتها حسبما نبين في فصل الممالك من الكتاب الاول والقوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الاردن وفلسطين من الشام وبلاد يثرب وخيبر من الحجاز على ما هو المعروف وايضا فالذي بين موسى وإسرائيل إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون فإنه موسى بن عمران بن يصهر

(1/10)


بن قاهت بفتح الهاء وكسرها ابن لاوي بكسر الواو وفتحها ابن يعقوب وهو إسرائيل الله هكذا نسبه في التوراة والمدة بينهما على ما نقله المسعودي قال دخل إسرائيل مصر مع ولده الاسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه مائتين وعشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد وإن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان ومن بعده فبعيد أيضا إذ ليس بين سليمان وإسرائيل إلا أحد عشر أبا فإنه سليمان بن داود بن يشا بن عوفيمذ ويقال ابن عوفذ ابن باعز ويقال بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب ويقال حميناذاب بن رم بن حصرون ويقال حسرون بن بارس ويقال بيرس بن يهوذا بن يعقوب ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى إلى مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئتين والآلاف فربما يكون وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الاعداد فبعيد واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف تجد زعمهم باطلا ونقلهم كاذبا والذي ثبت في الاسرائيليات أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفا خاصة وأن مقرباته كانت ألفا وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه هذا هو الصحيح من أخبارهم ولا يلتفت إلى خرافات العامة منهم وفي أيام سليمان (عليه السلام) وملكه كان عنفوان دولتهم واتساع ملكهم هذا وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا
أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريبا منه وتفاوضوا في الاخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الاغنياء الموسرين توغلوا في العدد وتجاوزوا حدود العوائد وطاوعوا وساوس الاغراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطإ ولا عمد ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتخذ آيات الله هزا ويشتري لهو الحديث ليضل عن

(1/11)


سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب وأن أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الاول وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل غزا أفريقية وأثخن في البربر وأنه الذي سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم وقال ما هذه البربرة فأخذ هذا الاسم عنه ودعوا به من حينئذ وأنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير فأقاموا بها واختلطوا بأهلها ومنهم صنهاجة وكتامة ومن هذا ذهب الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والبيلي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير وتأباه نسابة البربر وهو الصحيح وذكر المسعودي أيضا أن ذا الاذعار من ملوكهم قبل أفريقش وكان على عهد سليمان (عليه السلام) غزا المغرب ودوخه وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده وأنه بلغ وادي الرمل في بلاد المغرب ولم بجد فيه مسلكا لكثرة الرمل فرجع وكذلك يقولون في تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب
وكان على عهد يستاسف من ملوك الفرس الكيانية أنه ملك الموصل وأذربيجان ولقي الترك فهزمهم وأثخن ثم غزاهم ثانية وثالثة كذلك وأنه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس وإلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر وإلى بلاد الروم فملك الاول البلاد إلى سمرقند وقطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها فأثخنا في بلاد الصين ورجعا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ودوخ بلاد الروم ورجع وهذه الاخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة وذلك أن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب وقرارهم وكرسيهم بصنعاء اليمن.
وجزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها فبحر الهند من الجنوب وبحر فارس الهابط منه إلى البصرة من المشرق وبحر السويس الهابط منه إلى السويس من أعمال مصر من جهة المغرب كما تراه في مصور الجغرافيا فلا يجد السالكون من اليمن إلى المغرب طريقا من غير السويس والمسلك هناك ما بين بحر السويس والبحر الشامي قدر مرحلتين فما دونهما ويبعد أن يمر بهذا المسلك

(1/12)


ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن يصير من أعماله هذه ممتنع في العادة.
وقد كان بتلك الاعمال العمالقة وكنعان بالشام والقبط بمصر ثم ملك العمالقة مصر وملك بنو إسرائيل الشام ولم ينقل قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الامم ولا ملكوا شيئا من تلك الاعمال وأيضا فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والازودة والعلوفة للعساكر كثيرة فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع والنعم وانتهاب البلاد فيما يمرون عليه ولا يكفي ذلك للازودة وللعلوفة عادة وإن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله فلا بد وأن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوها ودوخوها لتكون الميرة منها وإن قلنا إن تلك
العساكر تمر بهؤلاء الامم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم الميرة بالمسالمة فذلك أبعد وأشد امتناعا فدل على أن هذه الاخبار واهية أو موضوعة وأما وادي الرمل الذي يعجز السالك فلم يسمع قط ذكره في المغرب على كثرة سالكه ومن يقص طرقه من الركاب والقرى في كل عصر وكل جهة وهو على ما ذكروه من الغرابة تتوفر الدواعي على نقله.
وأما غزوهم بلاد الشرق وأرض الترك وإن كان طريقه أوسع من مسالك السويس إلا أن الشقة هنا أبعد وأمم فارس والروم معترضون فيها دون الترك ولم ينقل قط أن التبابعة ملكوا بلاد فارس ولا بلاد الروم وإنما كانوا يحاربون أهل فارس على حدود بلاد العراق وما بين البحرين والحيرة والجزيرة بين دجلة والفرات وما بينهما في الاعمال وقد وقع ذلك بين ذي الاذعار منهم وكيكاوس من ملوك الكيانية وبين تبع الاصغر أبي كرب ويستاسف منهم أيضا ومع ملوك الطوائف بعد الكيانية والساسانية من بعدهم بمجاوزة أرض فارس بالغزو إلى بلاد الترك والتبت وهو ممتنع عادة من أجل الامم المعترضة منهم والحاجة إلى الازودة والعلوفات مع بعد الشقة كما مر فالاخبار بذلك واهية مدخولة وهي لو كانت صحيحة النقل لكان ذلك قادحا فيها فكيف وهي لم تنقل من وجه صحيح وقول ابن إسحاق في خبر يثرب والاوس والخزرج أن تبعا الآخر سار إلى المشرق محمولا على العراق وبلاد فارس وأما بلاد الترك والتبت فلا يصح غزوهم إليها بوجه لما تقرر فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك وتأمل الاخبار واعرضها على القوانين

(1/13)


الصحيحة يقع لك تمحيصها باحسن وجه والله الهادي إلى الصواب فصل وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر في قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة وصفت
بأنها ذات عماد أي أساطين وينقلون أنه كان لعاد بن عوص بن إرم ابنان هما شديد وشداد ملكا من بعده وهلك شديد فخلص الملك لشداد ودانت له ملوكهم وسمع وصف الجنة فقال لا بنين مثلها فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في مدة ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الشجر والانهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم ذكر ذلك الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم من المفسرين وينقلون عن عبد الله بن قلابة من الصحابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها وحمل منها ما قدر عليه وبلغ خبره معاوية فأحضره وقص عليه فبحث عن كعب الاحبار وسأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شئ من بقاع الارض وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن ومازال عمرانه متعاقبا والادلاء تقص طرقه من كل وجه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ولاذكرها أحد من الاخباريين ولامن الامم ولو قالوا إنها درست فيما درس من الاثار لكان أشبه إلا ان ظاهر كلامهم أنها موجودة وبعضهم يقول إنها دمشق بناء على أن قوم عاد ملكوها وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر مزاعم كلها أشبه بالخرافات والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الاعراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم وحملوا العماد على الاساطين فتعين أن يكون بناء ورشج لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على الاضافة من غير تنوين ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالاقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة

(1/14)


في عداد المضحكات وإلا فالعماد هي عماد الاخبية بل الخيام وإن أريد بها الاساطين فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لانه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها وإن اضيفت كما في قراءة ابن الزبير فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة كما تقول قريش كنانة وإلياس مضر وربيعة نزار وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحلت لتوجيهه لامثال هذه الحكايات الواهية التي ينزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصا على اجتماعهما في مجلسه وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبه حتى واقعها (زعموا في حالة السكر) فحملت ووشي بذلك للرشيد فاستغضب وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده والعباسة بنت محمد المهدي ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد ابن علي أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم النبي (صلعم) ابنة خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول وعمومته وإقامة الملة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة الدين البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بمولى من موالي العجم بملكة جده من الفرس أو بولاء جدها من عمومة الرسول وأشراف قريش وغايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه واستخلصتهم ورقتهم إلى منازل الاشراف وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الاعاجم على بعد همته وعظم آبائه ولو نظر المتأمل في ذلك نظر
المنصف وقاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها وفي سلطان قومها واستنكره ولج في تكذيبه وأين قدر العباسة والرشيد من الناس وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجافهم

(1/15)


أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه فعظمت آثارهم وبعد صيتهم وعمروا مراتب الدولة وخططها بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم واحتازوها عمن سواهم من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة وسيف وقلم يقال إنه كان بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيسا من بين صاحب سيف وصاحب قلم زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب ودفعوهم عنها بالراح لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون ولي عهد وخليفة حتى شب في حجره ودرج من عشه وغلب على أمره وكان يدعوه يا أبت فتوجه الايثار من السلطان إليهم وعظمت الدالة منهم وانبسط الجاه عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه وخضعت لهم الرقاب وقصرت عليهم الامال وتخطت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك وتحف الامراء وتسربت إلى خزائنهم في سبيل التزلف والاستمالة أموال الجباية وأفاضوا في رجال الشيعة وعظماء القرابة العطاء وطوقوهم المنن وكسبوا من بيوتات الاشراف المعدم وفكوا العاني ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم وأسنوا لعفاتهم الجوائز والصلات واستولوا على القرى والضياع من الضواحي والامصار في سائر الممالك حتى أسفوا البطانة وأحقدوا الخاصة وأغصوا أهل الولاية فكشفت لهم وجوه المنافسة والحسد ودبت إلى مهادهم الوثير من الدولة عقارب السعاية حتى لقد كان بنو قحطبة أخوال جعفر من أعظم الساعين عليهم لم تعطفهم لما وقرفي نفوسهم من الحسد عواطف الرحم ولا وزعتهم أواصر القرابة وقارن ذلك عند مخدومهم نواشئ الغيرة والاستنكاف من الحجر والانفة وكان الحقود التي بعثتها منهم صغائر الدالة
وانتهى بها الاصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة كقصتهم في يحيى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد المهدي الملقب بالنفس الزكية الخارج على المنصور ويحيى هذا هو الذي استنزله الفضل بن يحيى من بلاد الديلم على أمان الرشيد بخطه وبذل لهم فيه ألف ألف درهم على ما ذكره الطبري ودفعه الرشيد إلى جعفر وجعل اعتقاله بداره وإلى نظره فحبسه مدة ثم حملته الدالة على تخلية سبيله والاستبداد بحل عقاله حرما لدماء أهل البيت بزعمه ودالة على السلطان في حكمه.
وسأله الرشيد عنه لما وشي به إليه ففطن وقال أطلقته فأبدى له وجه

(1/16)


الاستحسان وأسرها في نفسه فأوجد السبيل بذلك على نفسه وقومه حتى ثل عرشهم وألقيت عليهم سماؤهم وخسفت الارض بهم وبدارهم وذهبت سلفا ومثلا للاخرين أيامهم.
ومن تأمل أخبارهم واستقصى سير الدولة وسيرهم وجد ذلك محقق الاثر ممهد الاسباب وانظر ما نقله ابن عبد ربه في مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن نكبتهم وما ذكره في باب الشعراء في كتاب العقد في محاورة الاصمعي للرشيد وللفضل بن يحيى في سمرهم تتفهم أنه إنما قتلتهم الغيرة والمنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه وكذلك ما تحيل به أعداؤهم من البطانة فيما دسوه للمغنين من الشعر احتيالا على إسماعه للخليفة وتحريك حفائظه لهم وهو قوله ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا مما نجد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد وإن الرشيد لما سمعها قال إي والله إني عاجز حتى بعثوا بأمثال هذه كامن غيرته وسلطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ بالله من غلبة الرجال وسوء الحال وأما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من
الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والاولياء ومحاورته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري ومكاتبته سفيان الثوري وبكائه من موعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لاول وقتها * حكى الطبري وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحج عاما ولقد زجر ابن ابي مريم مضحكه في سمره حين تعرض له بمثل ذلك في الصلاة لما سمعه يقرأ ومالي لا أعبد الذي فطرني وقال والله ما أدري لم فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم التفت إليه مغضبا وقال يا ابن ابي مريم في الصلاة أيضا إياك وإياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما وأيضا فقد كان من العلم والسذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك ولم يكن بينه وبين جده أبي جعفر بعيد زمن إنما خلفه غلاما وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطإ يا أبا عبد الله

(1/17)


إنه لم يبق على وجه الارض أعلم مني ومنك وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة قال مالك فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ ولقد أدركه ابنه المهدي أبو الرشيد هذا وهو يتورع عن كسوة الجديد لعياله من بيت المال ودخل عليه يوما وهو بمجلسه وباشر الخياطين في إرقاع الخلقان من ثياب عياله فاستنكف المهدي من ذلك وقال يا أمير المؤمنين علي كسوة هذه العيال عامنا هذا من عطائي فقال له لك ذلك ولم يصده عنه ولا سمح بالانفاق فيه من أموال المسلمين فكيف يليق بالرشيد على قرب العهد من هذا الخليفة وأبوته وما ربي عليه من أمثال هذه السير في أهل بيته والتخلق بها أن يعاقر الخمر أو يجاهر بها وقد كانت حالة الاشراف من العرب الجاهلية في اجتناب الخمر معلومة ولم يكن الكرم شجرتهم وكان شربها مذمة عند الكثير
منهم والرشيد وآباؤه كانوا على ثبج من اجتناب المذمومات في دينهم ودنياهم والتخلق بالمحامد وأوصاف الكمال ونزعات العرب وانظر ما نقله الطبري والمسعودي في قصة جبريل بن بختيشوع الطبيب حين أحضر له السمك في مائدته فحماه عنه ثم أمر صاحب المائدة بحمله إلى منزله وفطن الرشيد وارتاب به ودس خادمه حتى عاينه يتناوله فأعد ابن بختيشوع للاعتذار ثلاث قطع من السمك في ثلاثة أقداح خلط إحداها باللحم المعالج بالتوابل والبقول والبوارد والحلوى وصب على الثانية ماء مثلجا وعلى الثالثة خمرا صرفا وقال في الاول والثاني هذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره أو لم يخلطه وقال في الثالث هذا طعام ابن بختيشوع ودفعها إلى صاحب المائدة حتى إذا انتبه الرشيد وأحضره للتوبيخ أحضر ثلاثة الاقداح فوجد صاحب الخمر قد اختلط وأماع وتفتت ووجد الاخرين قد فسدا وتغيرت رائحتهما فكانت له في ذلك معذرة وتبين من ذلك أن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من أنهما كه في المعاقرة حتى تاب وأقلع وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها ولا تقليد الاخبار الواهية فيها فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرما من أكبر الكبائر عند أهل الملة ولقد كان

(1/18)


أولئك القوم كلهم بمنحاة من ارتكاب السرف والترف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة وسذاجة الدين التي لم يفارقوها بعد فمما ظنك بما يخرج عن الاباحة إلى الحظر وعن الحلة إلى الحرمة ولقد اتفق المؤرخون الطبري والمسعودي وغيرهم على أن جميع من سلف من خلفاء بني أمية وبني العباس إنما كانوا يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة في المناطق والسيوف واللجم والسروج وأن أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب هو المعتز بن المتوكل ثامن الخلفاء
بعد الرشيد وهكذا كان حالهم أيضا في ملابسهم فما ظنك بمشاربهم ويتبين ذلك بأتم من هذا إذا فهمت طبيعة الدولة في أولها من البداوة والغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الاول إن شاء الله والله الهادي إلى الصواب.
ويناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه كافة عن يحيى بن أكثم قاضي المأمون وصاحبه وأنه كان يعاقر الخمر وأنه سكر ليلة مع شربه فدفن في الريحان حتى أفاق وينشدون على لسانه يا سيدي وأمير الناس كلهم * قد جار في حكمه من كان يسقيني إني غفلت عن الساقي فصيرني * كما تراني سليب العقل والدين وحال ابن أكثم والمأمون في ذلك من حال الرشيد وشرابهم إنما كان النبيذ ولم يكن محظورا عندهم وأما السكر فليس من شأنهم وصحابته للمأمون إنما كانت خلة في الدين ولقد ثبت أنه كان ينام معه في البيت ونقل في فضائل المأمون وحسن عشرته أنه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسس ويلتمس الاناء مخافة أن يوقظ يحيى بن أكثم وثبت أنهما كانا يصليان الصبح جميعا فأين هذا من المعاقرة وأيضا فإن يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث وقد أثنى عليه الامام أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي وخرج عنه الترمذي كتابه الجامع وذكر المزني الحافظ أن البخاري روى عنه في غير الجامع فالقدح فيه قدح في جميعهم وكذلك ما ينبزه المجان بالميل إلى الغلمان بهتانا على الله وفرية على العلماء ويستندون في ذلك إلى أخبار القصاص الواهية التي لعلها من افتراء أعدائه فإنه كان محسودا في كماله وخلته للسلطان وكان مقامه من العلم والدين منزها عن مثل ذلك وقد ذكر لابن حنبل ما يرميه به الناس فقال سبحان الله سبحان الله ومن يقول هذا وأنكر ذلك إنكارا شديدا وأثنى

(1/19)


عليه إسماعيل القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ وحاسد وقال أيضا يحيى بن أكثم أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شئ
مما كان يرمى به من أمر الغلمان ولقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنه كانت فيه دعابة وحسن خلق فرمي بما رمي به ابن حبان في الثقات وقال لا يشتغل بما يحكى عنه لان أكثرها لا يصح عنه ومن أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربه صاحب العقد من حديث الزنبيل في سبب إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته بوران وأنه عثر في بعض الليالي في تطوافه بسكك بغداد في زنبيل مدلى من بعض السطوح بمعالق وجدل مغارة الفتل من الحرير فاعتقده وتناول المعالق فاهتزت وذهب به صعدا إلى مجلس شأنه كذا ووصف من زينة فرشه وتنضيد ابنيته وجمال رؤيته ما يستوقف الطرف ويملك النفس وأن امرأة برزت له من خلل الستور في ذلك المجلس رائقة الجمال فتانة المحاسن فحيته ودعته إلى المنادمة فلم يزل يعاقرها الخمر حتى الصباح ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته حبا بعثه على الاصهار إلى أبيها وأين هذا كله من حال المأمون المعروفة في دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه وأخذه بسير الخلفاء الاربعة أركان الملة ومناظرته العلماء وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه فكيف تصح عنه أحوال الفساق المستهترين (1) في التطواف بالليل وطروق المنازل وغشيان السمر سبيل عشاق الاعراب وأين ذلك من منصب ابنة الحسن بن سهل وشرفها وما كان بدار أبيها من الصون والعفاف وأمثال هذه الحكايات كثيرة وفي كتب المؤرخين معروفة وإنما يبعث على وضعها والحديث بها الانهماك في اللذات المحرمة وهتك قناع المخدرات ويتعللون بالتأسي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذاتهم فلذلك تراهم كثيرا ما يلهجون بأشباه هذه الاخبار وينقرون عنها عند تصفحهم لاوراق الدواوين ولو ائتسوابهم في غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللائقة بهم المشهورة عنهم لكان خيرا لهم لو كانوا يعلمون ولقد عذلت يوما بعض الامراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولوعه بالاوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا
* (هامش *) (1) المستهنر: لشئ بالفتح المولع به لا يبالي بما فعل فيه وشتم له والذي كثرت اباطيله اه قاموس (*)

(1/20)


ترى إلى إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس المغنين في زمانه فقلت له يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبرهيم عن مناصبهم فصم عن عذلي وأعرض والله يهدي من يشاء.
ومن الاخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين والاثبات في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الامام ابن جعفر الصادق يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم وتفننا في الشمات بعدوهم حسبما نذكر بعض هذه الاحاديث في أخبارهم ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات وأدلة الاحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والرد عليهم فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدإ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعي بكتامة للرضى من آل محمد واشتهر خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي وابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محل الخلافة واجتازا بمصر وأنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار ونمي خبرهما إلى عيسى النوشري عامل مصر والاسكندرية فسرح في طلبهما الخيالة حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبسوا به من الشارة والزي فأفلتوا إلى المغرب وأن المعتضد أو عز إلى الاغالبة أمراء أفريقيا بالقيروان وبني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الافاق عليهما وإذ كاء العيون في طلبهما فعثر أليشع صاحب سجلماسة من آل مدرار على خفي مكانهما ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة هذا قبل أن تظهر الشيعة على الاغالبة بالقيروان ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب وأفريقية ثم باليمن ثم بالاسكندرية ثم بمصر والشام والحجاز وقاسموا بني العباس في ممالك الاسلام شق الابلمة وكادوا يلجون
عليهم مواطنهم ويزايلون من أمرهم ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الامير البسا سيري من موالي الديلم المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم وخطب لهم على منابرها حولا كاملا وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم وملوك بني أمية وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم وكيف يقع هذا كله لدعي في النسب يكذب في انتحال الامر واعتبر حال القرمطي إذ كان دعيا في

(1/21)


انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرقت أتباعه وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم ولو كان أمر العبيديين كذلك لعرف ولو بعد مهلة ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة وملكوا مقام إبراهيم عليه السلام ومصلاه وموطن الرسول صلى الله عليه وسلم ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط الملائكة ثم انقرض امرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم والحب فيهم واعتقادهم بنسب الامام إسماعيل بن جعفر الصادق ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الايمة ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الاخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبس في أمره ولا يشبه في بدعته ولا يكذب نفسه فيما ينتحله والعجب من القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين كيف بجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرأي الضعيف فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الالحاد في الدين والتعمق في الرافضية فليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم وليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه إنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم وقال صلى الله عليه وسلم
لفاطمة يعظها يا فاطمة اعملي فلن أغبي عنك من الله شيئا ومتى عرف امروء قضية أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل فلو تسأل الايام ما اسمي ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكانيا حتى لقد سمي محمد بن إسماعيل الامام جد عبيدالله المهدي بالمكتوم سمته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلبين عليهم فتوصل شيعة بن العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرأي القائل للمستضعفين

(1/22)


من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم المتولون لحروبهم مع الاعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتامين شيعة العبيديين وأهل دعوتهم حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم عن هذا النسب وشهد بذلك عندهم من أعلام الناس جماعة منهم الشريف الرضي وأخوه المرتضى وابن البطحاوي ومن العلماء أبو حامد الاسفراييني والقدوري والصيمري وابن الاكفاني والابيوردي وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة وغيرهم من أعلام الامة ببغداد في يوم مشهود وذلك سنة ستين وأربعمائة في أيام القادر وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد وغالبها شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب فنقله الاخباريون كما سمعوه ورووه حسبما وعوه والحق من ورائه وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الاغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحة نسبهم فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه
بضائع العلوم والصنائع وتلتمس فيه ضوال الحكم وتحدى إليه ركائب الروايات والاخبار وما نفق فيها نفق عند الكافة فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والافن والسفسفة وسلكت النهج الامم ولم تجر (1) عن قصد السبيل نفق في سوقها الا بريز الخالص واللجين المصفى وإن ذهبت مع الاغراض والحقود وماجت بسماسرة العرب البغي والباطل نفق البهرج والزائف والناقد البصير نظره قسطاس بحثه وميزان وملتمسه ومثل هذا وأبعد منه كثيرا ما يتناجى به الطاعنون في نسب أدريس بن ادريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن ابن علي بن ابي طالب (رضوان الله عليهم) الامام بعد أبيه بالمغرب الاقصى ويعرضون تعريض الحد بالتظنن في الحمل المخلف عن أدريس الاكبر إنه لراشد مولاهم قبحهم الله وأبعدهم ما أجهلهم أما يعلمون أن أدريس الاكبر كان إصهاره في البربر وأنه منذ دخل المغرب إلى أن توفاه الله عزوجل عريق في البدو وأن حال البادية في مثل ذلك غير خافية إذ لا مكامن لهم يتأتى فيها الريب وأحوال حرمهم أجمعين بمرأى من جاراتهن ومسمع من جيرانهن لتلاصق الجدران وتطامن البنيان وعدم الفواصل بين المساكن وقد كان راشد يتولى
__________
(1) قوله ولم تجر بضم الجيم مضارع جاراي لم تمل اه (*)

(1/23)


خدمة الحرم أجمع من بعد مولاه بمشهد من أوليائهم وشيعتهم ومراقبة من كافتهم وقد اتفق برابرة المغرب الاقصى عامة على بيعة أدريس الاصغر من بعد أبيه وآتوه طاعتهم عن رضى وإصفاق وبايعوه على الموت الاحمر وخاضوا دونه بحار المنايا في حروبه وغزواته ولو حدثوا أنفسهم بمثل هذه الريبة أو قرعت أسماعهم ولو من عدو كاشح أو منافق مرتاب لتخلف عن ذلك ولو بعضهم كلا والله إنما صدرت هذه الكلمات من بني العباس أقتالهم ومن بني الاغلب عمالهم كانوا بأفريقية وولاتهم وذلك أنه لما فر أدريس الاكبر إلى المغرب من وقعة بلخ أو عز الهادي إلى الاغالبة
أن يقعدوا له بالمراصد ويذكوا عليه العيون فلم يظفروا به وخلص إلى المغرب فتم امره وظهرت دعوته وظهر الرشيد من بعد ذلك على ماكان من واضح مولاهم وعاملهم على الاسكندرية من دسيسة التشيع للعلوية وإدهانه في نجاة أدريس إلى المغرب فقتله ودس الشماخ من موالي المهدي أبيه للتحيل على قتل أدريس فأظهر اللحاق به والبراءة من بني العباس مواليه فاشتمل عليه أدريس وخلطه بنفسه وناوله الشماخ في بعض خلواته سما استهلكه به ووقع خبر مهلكه من بني العباس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدعوة العلوية بالمغرب واقتلاع جرثومتها ولما تأدى إليهم خبر الحمل المخلف لادريس فلم يكن لهم إلا كلا ولا وإذا بالدعوة قد عادت والشيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بأدريس بن أدريس قد تجددت فكان ذلك عليهم أنكى من وقع السهام وكان الفشل والهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى قدرة الرشيد على أدريس الاكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه إلا التحيل في إهلاكه بالسموم فعند ذلك فزعوا إلى أوليائهم من الاغالبة بأفريقية في سد تلك الفرجة من ناحيتهم وحسم الداء المتوقع بالدولة من قبلهم واقتلاع تلك العروق قبل أن تشج منهم يخاطبهم بذلك المأمون ومن بعده من خلفائهم فكان الاغالبة عن برابرة المغرب الاقصى أعجز ولمثلها من الزبون على ملوكهم أحوج لما طرق الخلافة من انتزاء ممالك العجم على سدتها وامتطائهم صهوة التغلب عليها وتصريفهم أحكامها طوع أغراصهم في رجالها وجبايتها وأهل خططها وسائر نقضها وإبرامها كما قال شاعرهم

(1/24)


خليفة في قفص * بين وصيف وبغا يقول ما قالا له * كما تقول الببغا فخشي هؤلاء الامراء الاغالبة بوادر السعايات وتلوا بالمعاذير فطورا باحتقار المغرب
وأهله وطورا بالارهاب بشأن أدريس الخارج به ومن قام مقامه من أعقابه يخاطبونهم بتجاوزه حدود التخوم من عمله وينفذون سكته في تحفهم وهداياهم ومرتفع جباياتهم تعريضا باستفحاله وتهويلا باشتداد شوكته وتعظيما لما دفعوا إليه من مطالبته ومراسه وتهديدا بقلب الدعوة إن ألجئوا إليه وطورا يطعنون في نسب أدريس بمثل ذلك الطعن الكاذب تخفيضا لشأنه لا يبالون بصدقه من كذبه لبعد المسافة وأفن عقول من خلف من صبية بني العباس وممالكهم العجم في القبول من كل قائل والسمع لكل ناعق ولم يزل هذا دأبهم حتى انقضى أمر الاغالبة فقرعت هذه الكلمة الشنعاء أسماع الغوغاء وصر عليها بعض الطاعنين أذنه واعتدها ذريعة إلى النيل من خلفهم عند المنافسة ومالهم قبحهم الله والعدول عن مقاصد الشريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع والمظنون وأدريس ولد على فراش أبيه والولد للفراش على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الايمان فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ففراش أدريس طاهر من الدنس ومنزه عن الرجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه وإنما أطنبت في هذا الرد سدا لابواب الريب ودفعا في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته وينقله بزعمه عن بعض مؤرخي المغرب ممن انحرف عن أهل البيت وارتاب في الايمان بسلفهم وإلا فالمحل منزه عن ذلك معصوم منه ونفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا وأرجو أن يجادلوا عني يوم القيامة ولتعلم أن أكثر الطأعنين في نسبهم إنما هم الحسدة لاعقاب أدريس هذا من منتم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإن ادعاء هذا النسب الكريم دعوى شرف عريضة على الامم والاجيال من أهل الافاق فتعرض التهمة فيه ولما كان نسب بني أدريس هؤلاء بمواطنهم من فارس وسائر ديار المغرب قد بلغ من الشهرة والوضوح مبلغا لا يكاد يلحق ولا يطمع أحد في

(1/25)


دركه إذ هو نقل الامة والجيل من الخلف عن الامة والجيل من السلف وبيت جدهم أدريس مختط فاس ومؤسسها من بيوتهم ومسجده لصق محلتهم ودروبهم وسيفه منتضى برأس المأذنة العظمى من قرار بلدهم وغير ذلك من آثاره التي جاوزت أخبارها حدود التواتر مرات وكادت تلحق بالعيان فإذات نظر غيرهم من أهل هذا النسب إلى ما اتاهم الله من أمثالها وما عضد شرفهم النبوي من جلال الملك الذي كان لسلفهم بالمغرب واستيقن أنه بمعزل عن ذلك وأنه لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه وأن غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممن لم يحصل له أمثال هذه الشواهد أن يسلم لهم حالهم لان الناس مصدقون في أنسابهم وبون ما بين العلم والظن واليقين والتسليم فإذا علم بذلك من نفسه غص بريقه وود كثير منهم لو يردونهم عن شرفهم ذلك سوقة ووضعاء (1) حسدا من عند أنفسهم فيرجعون إلى العناد وارتكاب اللجاج والبهت بمثل هذا الطعن الفائل والقول المكذوب تعللا بالمساواة في الظنة والمشابهة في تطرق الاحتمال وهيهات لهم ذلك فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه مبالغ أعقاب أدريس هذا من آل الحسن وكبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الحوطي بن محمد بن يحيى العوام بن القاسم بن أدريس بن أدريس وهم نقباء أهل البيت هناك والساكنون ببيت جدهم أدريس ولهم السيادة على أهل المغرب كافة حسبما نذكرهم عند ذكر الادارسة إن شاء الله تعالى ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب من القدح في الامام المهدي صاحب دولة الموحدين ونسبته إلى الشعوذة والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق والنعي على أهل البغي قبله وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك حتى فيما يزعم الموحدون اتباعه من انتسابه في أهل البيت وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم
من حسده على شأنه فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي الدين بزعمهم ثم امتاز عنهم بأنه متبوع الرأي مسموع القول موطؤ العقب نفسوا ذلك عليه وغضوا منه بالقدح في مذاهبه والتكذيب لمدعياته وأيضا فكانوا يؤنسون من
__________
(1) قوله ووضعا بضم الواو جمع وضيع اه (*)

(1/26)


ملوك المتونة أعدائه تجلة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم لما كانوا عليه من السذاجة وانتحال الديانة فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة والانتصاب للشورى كل في بلده وعلى قدره في قومه فأصبحوا بذلك شيعة لهم وحربا لعدوهم ونقموا على المهدي ما جاء به من خلافهم والتثريب عليهم والمناصبة لهم تشيعا للمتونة وتعصبا لدولتهم ومكان الرجل غير مكانهم وحاله على غير معتقداتهم وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاؤهم فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه فاقتلع الدولة من أصولها وجعل عاليها سافلها أعظم ما كانت قوة وأشد شوكة وأعز أنصارا وحامية وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها قد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم من الهلكة وتقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة والتعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم ودالت بالعدوتين من الدول وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر على المكاره والتقلل من الدنيا حتى قبضه الله وليس على شئ من الحظر والمتاع في دنياه حتى الولد الذي ربما تجنح إليه النفوس وتخادع عن تمنيه فليت شعري ما الذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته سنة الله التي قد خلت في عباده وأما إنكارهم نسبه في أهل البيت فلا تعضده حجة لهم مع أنه إن ثبت أنه ادعاه وانتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لان الناس مصدقون في أنسابهم وإن قالوا إن الرئاسة لا
تكون على قوم في غير أهل جلدتهم كما هو الصحيح حسبما يأتي في الفصل الاول من هذا الكتاب والرجل قد رأس سائر المصامدة ودانوا باتباعه والانقياد إليه وإلى عصابته من هرغة حتى تم أمر الله في دعوته فاعلم أن هذا النسب الفاطمي لم يكن أمر المهدي يتوقف عليه ولا اتبعه الناس بسببه وإنما كان اتباعهم له بعصبية الهرغية والمصمودية ومكانه منها ورسوخ شجرته فيها وكان ذلك النسب الفاطمي خفيا قد درس عند الناس وبقي عنده وعند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النسب الاول كأنه انسلخ منه وليس جلدة هؤلاء وظهر فيها فلا يضره الانتساب الاول في عصبيته إذ هو مجهول عند أهل العصابة ومثل هذا واقع كثيرا إذا كان النسب الاول خفيا وانظر

(1/27)


قصة عرفجة وجرير في رئاسة بجيلة وكيف كان عرفجة من الازد ولبس جلدة بجيلة حتى تنازع مع جرير رئاستهم عند عمر رضي الله عنه كما هو مذكور تتفهم منه وجه الحق والله الهادي للصواب وقد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالاطناب في هذه المغالط فقد زلت أقدام كثير من الاثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الاحاديث والآراء وعلقت أفكارهم ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر والغفلة عن القياس وتلقوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا روية واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهيا مختلطا وناظره مرتبكا وعد من مناحي العامة فإذا يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الامم والبقاع والاعصار في السير والاخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الاحوال والاحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتى يكون مستوعبا لاسباب كل خبره وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد
والاصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا وإلا زيفه واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الامة وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله والخوض فيه والتطفل عليه فاختلط المرعي بالهمل واللباب بالقشر والصادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الامور ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الاحوال في الامم والاجيال بتبدل الاعصار ومرور الايام وهو داء دوى شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أن أحوال العالم والامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الايام والازمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الاشخاص والاوقات والامصار فكذلك يقع في الآفاق والاقطار والازمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده وقد كانت في العالم أمم الفرس الاولى والسريانيون

(1/28)


والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع ابناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء من بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الاحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثم جاء الاسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الاحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الاسلاف الذين شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وصار الامر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها
وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل الاحوال والعوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الامثال الحكمية الناس على دين الملك وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة والامر فلا بد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الاول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشئ وكانت للاولى أشد مخالفة ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الامم والاجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والاحوال واقعة والقياس والمحاكاة للانسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه فربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطن لما وقع من تغير الاحوال وانقلابها فيجريها لاول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرخون من أحوال الحجاج وأن أباه كان من المعلمين مع أن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية والمعلم مستضعف مسكين منقطع الجذم (1) فيتشوف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصنائع
__________
(1) الجذم الاصل اه قاموس (*)

(1/29)


المعاشية إلى نيل الرتب التي ليسوا لها بأهل ويعدونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع وربما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتلف ولا يعلمون استحالتها في حقهم وأنهم أهل حرف وصنائع للمعاش وأن التعليم صدر الاسلام والدولتين لم يكن كذلك ولم يكن العلم بالجملة صناعة إنما كان نقلا لما سمع مع الشارع وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ فكان أهل
الانساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على معنى التبليغ الخبرى لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على الرسول منهم وبه هداياتهم والاسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصوا به من بين الامم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للامة لا تصدهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عاذل الانفة ويشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلمونهم حدود الاسلام وما جاء به من شرائع الدين بعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقر الاسلام ووشجت عروق الملة حتى تناولها الامم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الايام أحوالهما وكثر استنباط الاحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطإ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع والحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم والتعليم واشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك والسلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم وأصبح حرفة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وأهل السلطان عن التصدي للتعليم واختص انتحاله بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبية والملك والحجاج بن يوسف كان أبوه من سادات ثقيف وأشرافهم ومكانهم من عصبية العرب ومناهضة قريش في الشرف ما علمت ولم يكن تعليمه للقرآن على ما هو الامر عليه لهذا العهد من أنه حرفة للمعاش وإنما كان على ما وصفناه من الامر الاول في الاسلام ومن هذا الباب أيضا ما يتوهمه المتصفحون لكتب التاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرئاسة في الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرتب يحسبون أن الشأن خطة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل ويظنون بابن أبي عامر صاحب

(1/30)


هشام المستبد عليه وابن عباد من ملوك الطوائف بإشبيلية إذا سمعوا أن آباءهم
كانوا قضاة أنهم مثل القضاة لهذا العهد ولا يتفطنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما نبينه في فصل القضاء من الكتاب الاول وابن أبي عامر وابن عباد كانا من قبائل العرب القائمين بالدولة الاموية بالاندلس وأهل عصبيتها وكان مكانهم فيها معلوما ولم يكن نيلهم لما نالوه من الرئاسة والملك بخطة القضاء كما هي لهذا العهد لل إنما كان القضاء في الامر القديم لاهل العصبية من قبيل الدولة ومواليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب وانظر خروجهم بالعساكر في الطوائف وتقليدهم عظائم الامور التي لا تقلد إلا لمن له الغنى فيها بالعصبية فيغلط السامع في ذلك ويحمل الاحوال على غير ما هي وأكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الاندلس لهذا العهد لفقدان العصبية في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات (1) من البربر فبقيت أنسابهم العربية محفوظة والذريعة إلى العز من العصبية والثناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرعايا المتخاذلين الذين تعبدهم القهر ورئموا للمذلة يحسبون أن أنسابهم مع مخالطة الدولة هي التي يكون لهم بها الغلب والتحكم فتجد أهل الحرف والصنائع منهم متصدين لذلك ساعين في نيله فأما من باشر أحوال القبائل والعصبية ودولهم بالعدوة الغربية وكيف يكون التغلب بين الامم والعشائر فقلما يغلطون في ذلك ويخطئون في اعتباره ومن هذا الباب أيضا ما يسلكه المؤرخون عند ذكر الدول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضية وحاجبه ووزيره كل ذلك تقليد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم والمؤرخون لذلك العهد كانوا يضعون
__________
(1) العصبية بفتحتين التعصب وهو ان يذب الرجل عن حريم صاحبه ويشهر عن ساق الجد في نصره منسوبة إلى العصبة محركة وهم اقارب الرجل من قبل ابيه لانهم هم الذابون عن حريم من هو منتهاهم وهي بهذا المعنى ممدوحة واما العصبية المذمومة في الحديث الجامع الصغير ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية فهي تعصب رجال لقبيلة على رجال لقبيلة اخرى لغير ديانة كما كان يقع من قيام
سعد على حرام نسبة إلى العصبة بمعنى قوم الرجل الذين ينعصبون له ولو من غير اقاربه ظالما كان أو مظلوما وفي الفتاوي الخيرية من موانع قبول الشهادة العصبية وهي ان يبغض الرجل الرجل لانه من بني فلان أو من قبيله كذا والوجه في ذلك ظاهر وهو ارتكاب المحرم ففي الحديث ليس منا من دعي إلى عصبية وهو موجب للفسق ولا شهاده لمرتكبه.
قاله الاستاذ أبو الوفا اه (*)

(1/31)


تواريخهم لاهل الدولة وأبناؤها متشوفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتى في اصطناع الرجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لابناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبية الدولة وفي عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كله واما حين تباينت الدول وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصة ونسب الدول بعضها من بعض في قوتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الامم أو يقصر عنها فما الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الابناء والنساء ونقش الخاتم واللقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنما حملهم على ذلك التقليد والغفلة عن مقاصد المؤلفين الاقدمين والذهول عن تحري الاغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين عظمت آثارهم وعفت عن الملوك أخبارهم كالحجاج وبني المهلب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الاخشيدي وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والاشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك.
ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أن التاريخ إنما هو ذكر الاخبار الخاصة بعصر أو جيل فأما ذكر الاحوال العامة للآفاق والاجيال والاعصار فهو أس للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره وقد كان الناس يفردونه بالتأليف كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب شرح فيه أحوال الامم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمائة غربا وشرقا وذكر
نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول وفرق شعوب العرب والعجم فصار إماما للمؤرخين يرجعون إليه وأصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثم جاء البكري من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك والممالك خاصة دون غيرها من الاحوال لان الامم والاجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال ولا عظيم تغير وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الاوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران

(1/32)


شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الامم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الارض بانتقاض البشر فخربت الامصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالاجابة والله وارث الارض ومن عليها وإذا تبدلت الاحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدلت لاهلها ويقفو مسلك المسعودي لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في
التأليف المغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الاقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه وأن الاخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه والمسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنه لما ذكر المغرب قصر في استيفاء أحواله وفوق كل ذي علم عليم ومرد العلم كله إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعين واجب ومن كان الله في عونه تيسرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التأليف والله المسدد والمعين وعليه التكلان وقد بقي علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا إعلم أن الحروف في النطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيات الاصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع الحنك والحلق والاضراس أو بقرع الشفتين أيضا فتتغاير كيفيات الاصوات بتغاير ذلك القرع

(1/33)


وتجئ الحروف متمايزة في السمع وتتركب منها الكلمات الدالة على ما في الضمائر وليست الامم كلها متساوية في النطق بتلك الحروف فقد يكون لامة من الحروف ما ليس لامة أخرى والحروف التي نطقت بها العرب هي ثمانية وعشرون حرفا كما عرفت ونجد للعبرانيين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم وكذلك الافرنج والترك والبربر وغير هؤلاء من العجم ثم إن أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء وجيم وراء وطاء إلى آخر الثمانية والعشرين وإذا عرض لهم الحرف الذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملا عن الدلالة الكتابية مغفلا عن البيان وربما يرسمه بعض الكتاب بشكل الحرف الذي يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده
وليس بكاف في الدلالة بل هو تغيير للحرف من أصله.
ولما كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما قلناه لانه عندنا غير واف بالدلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارئ بالنطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته وإنما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الاشمام كالصراط في قراءة خلف فإن النطق بصاده فيها معجم متوسط بين الصاد والزاي فوضعوا الصاد ورسموا في داخلها شكل الزاي ودل ذلك عندهم على التوسط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا كل حرف يتوسط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجئ في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارئ أنه متوسط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا

(1/34)


لغة القوم فاعلم ذلك والله الموفق للصواب بمنه وفضله الكتاب الاول في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والاسباب إعلم أنه لما كانت حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو
عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الاحوال.
ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه.
فمنها التشيعات للآراء والمذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الاخبار لاول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله.
ومن الاسباب المقتضية للكذب في الاخبار ايضا الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح.
ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب.
ومنها توهم الصدق وهو كثير وإنما يجئ في الاكثر من جهة الثقة بالناقلين ومنها الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع لاجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه.
ومنها تقرب الناس في الاكثر لاصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الاحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الاخبار بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الاكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها.
ومن الاسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الاحوال في العمران فإن كل حادث من الحوادث

(1/35)


ذاتا كان أو فعلا لا بدله من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والاحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في
تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الاخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم كما نقله المسعودي عن الاسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء الاسكندرية وكيف اتخذ صندوق الزجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتى صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنية ونصبها حذاء البنيان ففرت تلك الدواب حين خرجت وعاينتها وتم بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتخاذه التابوت الزجاجي ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ومن قبل أن الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور ومن اعتمده منهم فقد عرض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع الناس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ينتظرون به رجوعه من غروره ذلك طرفة عين ومن قبل أن الجن لا يعرف لها صور ولا تماثيل تختص بها إنما هي قادرة على التشكل وما يذكر من كثرة الرؤوس لها فإنما المراد به البشاعة والتهويل لا أنه حقيقة.
وهذه كلها قادحة في تلك الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كله وهو أن المنغمس في الماء ولو كان في الصندوق يضيق عليه الهواء للتنفس الطبيعي وتسخن روحه بسرعة لقلته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرئة والروح القلبي ويهلك مكانه وهذا هو السبب في هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء البارد والمتدلين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها بالعفونة ولم تداخلها الزياح فتخلخلها فإن المتدلي فيها يهلك لحينه وبهذا السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإن الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ هو حار بإفراط والماء الذي يعد له بارد والهواء الذي خرج إليه حار فيستولي الحار على روحه الحيواني ويهلك دفعة ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك ومن الاخبار المستحيلة ما نقله المسعودي أيضا في تمثال الزرزور الذي برومة تجتمع إليه الزرازير في يوم معلوم من السنة حاملة للزيتون ومنه يتخذون زيتهم
وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت.
ومنها ما نقله البكري

(1/36)


في بناء المدينة المسماة ذات الابواب تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة وتشتمل على عشرة آلاف باب والمدن إنما اتخذت للتحصن والاعتصام كما يأتي وهذه خرجت عن أن يحاط بها فلا يكون فيها حصن ولا معتصم وكما نقله المسعودي أيضا في حديث مدينة النحاس وأنها مدينة كل بنائها نحاس بصحراء سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب وأنها مغلقة الابواب وأن الصاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفق ورمى بنفسه فلا يرجع آخر الدهر في حديث مستحيل عادة من خرافات القصاص وصحراء سجلماسة قد نفضها الركاب والادلاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر ثم إن هذه الاحوال التي ذكروا عنها كلها مستحيل عادة مناف للامور الطبيعية في بناء المدن واختطاطها وأن المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية والخرثي (1) وأما تشييد مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد وأمثال ذلك كثيرة وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الاخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع وأما إذا كان مستحيلا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح ولقد عد أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفط وتأويله بما لا يقبله العقل وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الاخبار الشرعية لان معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط.
وأما الاخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من أعتبار المطابقة فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدما عليه إذ فائدة الانشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ومن الخارج
بالمطابقة وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الاخبار بالامكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه من الاحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الاخبار والصدق
__________
(1) الخرثى بالضم اثاث البيت اه قاموس (*)

(1/37)


من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شئ من الاحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه وهذا هو غرض هذا الكتاب الاول من تأليفنا وكأن هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الانساني وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال لذاته واحدة بعد أخرى وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا.
واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص وليس من علم الخطابة إنما هو الاقوال المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى راي أو صدهم عنه ولا هو أيضا من علم السياسة المدنية إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الاخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه وكأنه علم مستنبط النشأة ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لاحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهم عن ذلك وليس الظن بهم أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند الفتح وأين علوم
الكلدانيين والسريانيين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها وأين علوم القبط ومن قبلهم وإنما وصل إلينا علوم أمة واحدة وهم يونان خاصة لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين وبذل الاموال فيها ولم نقف على شئ من علوم غيرهم وإذا كانت كل حقيقة متعلقة طبيعية يصلح أن يبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه لكن الحكماء لعلهم إنما لا حظوا في ذلك العناية بالثمرات وهذا إنما ثمرته في الاخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة لكن ثمرته تصحيح الاخبار وهي ضعيفة فلهذا هجروه والله أعلم وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض

(1/38)


لاهل العلوم في براهين علومهم وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون إلى العبازة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع وتبيان العبارات أخف ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الاحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للانساب مفسد للنوع وأن القتل أيضا مفسد للنوع وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الاحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران فكان لها النظر فيما يعرض له وهو ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثلة وكذلك أيضا يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرقة لحكماء الخليقة لكنهم لم يستوفوه فمن كلام الموبذان بهرام بن بهرام في حكاية البوم التي نقلها المسعودي.
أيها الملك إن
الملك لايتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عزللملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له قيما وهو الملك.
ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمال وإصلاح العمال باستقامة الوزراء ورأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.
وفي الكتاب المنسوب لارسطو في السياسة المتداول بين الناس جزء صالح منه إلا أنه غير مستوف ولا معطى حقه من البراهين ومختلط بغيره وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان وجعلها في الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها هو قوله.
العالم بستان سياجه الدولة الدولة سلطان تحيا به السنة السنة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده الجند الجند أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرعية الرعية عبيد يكنفهم العدل العدل مألوف وبه قوام العالم العالم بستان ثم ترجع إلى أول الكلام.
فهذه ثمان

(1/39)


كلمات حكمية سياسية ارتبط بعضها ببعض وارتدت أعجازها إلى صدورها واتصلت في دائرة لا يتعين طرفها فخر بعثوره علهيا وعظم من فوائدها.
وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك وأعطيته حقه من التصفح والتفهم عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات وتفصيل إجمالها مستوفى بينا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة.
موبذان وكذلك تجد في كلام ابن المقفع وما يستطرد في رسائله من ذكر السياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا غيره برهنة كما برهناه إنما يجليها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب
الترسل وبلاغة الكلام وكذلك حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب الشاكلة ولا استوفى المسائل ولا أوضح الادلة إنما يبوب الباب للمسألة ثم يستكثر من الاحاديث والآثار وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دازال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة ولا يكشف عن التحقيق قناعا ولا يرفع البراهين الطبيعية حجابا إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقق قصده ولا استوفى مسائله ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا بين نكرة وجهينة خبره فإن كنت قد استوفيت مسائله وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه فتوقيق من الله وهداية وإن فاتني شئ في إحصائه واشتبهت بغيره فللناظر المحقق إصلاحه ولي الفضل لاني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق والله يهدي بنوره من يشاء.
ونحن الآن نبين في هذا الكتاب، ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة وتندفع بها الاوهام وترفع الشكوك.
ونقول لما كان الانسان متميزا عن سائر الحيوانات بخواص اختص بها فمنها العلوم والصنائع التي هي نتيجة الفكر الذي تميز به عن الحيوانات وشرف بوصفه على المخلوقات ومنها الحاجة إلى الحكم الوازع والسلطان القاهر إذ لا يمكن وجوده دون ذلك من بين الحيوانات كلها إلا ما يقال عن النحل والجراد وهذه وإن كان لها

(1/40)


مثل ذلك فبطريق إلهامي لا بفكر وروية ومنها السعي في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه لما جعل الله فيه من الافتقار إلى الغذاء في حياته وبقائه وهداه إلى التماسه وطلبه قال تعالى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ومنها
العمران وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للانس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش كما نبينه ومن هدا العمران ما يكون بدو يا وهو الذي يكون في الضواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال ومنه ما يكون حضريا وهو الذي بالامصار والقرى والمدن والمدر للاعتصام بها والتحصن بجدرانها وله في كل هذه الاحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضا ذاتيا له فلا جرم انحصر الكلام في هذا الكتاب في ستة فصول.
الأول في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الارض.
والثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والامم الوحشية.
والثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية والرابع في العمران الحضري والبلدان والامصار.
والخامس في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه.
والسادس في العلوم واكتسابها وتعلمها.
وقد قدمت العمران البدوي لانه سابق على جميعها كما نبين لك بعد وكذا تقديم الملك على البلدان والامصار وأما تقديم المعاش فلان المعاش ضروري طبيعي وتعلم العلم كمالي أو حاجي والطبيعي أقدم من الكمالي وجعلت الصنائع مع الكسب لانها منه ببعض الوجوه ومن حيث العمران كما نبين لك بعد والله الموفق للصواب والمعين عليه الفصل الاول من الكتاب الاول في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات الأولى في أن الاجتماع الانساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الانسان مدني بالطبع أي لا بدله من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران وبيانه أن الله سبحانه خلق الانسان وركبه على صورة لا يصح

(1/41)


حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على
تحصيله إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الاعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري وهب أنه يأكله حبا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله أيضا حبا إلى اعمال أخرى أكثر من هذه من الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ويحتاج كل واحد من هذه آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الاولى بكثير ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لاكثر منهم بأضعاف وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لان الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الانسان فقدرة الفرس مثلا أعظم بكثير من قدرة الانسان وكذا قدرة الحمار والثور وقدرة الاسد والفيل أضعاف من قدرته.
ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره وجعل للانسان عوضا من ذلك كله الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة والتراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك وغيره مما ذكره جالينوس في كتاب منافع الاعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدة لها فلابد في ذلك كله من
التعاون عليه بأبناء جنسه وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تثم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضا

(1/42)


دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الانساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له وهذا وإن لم يكن واجبا على صاحب الفن لما تقرر في الصناعة المنطقية أنه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون إثباته من التبرعات والله الموفق بفضله.
ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم وليست السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لانها موجودة لجميعهم فلا بد من شئ آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك وقد تبين لك بهذا أن للانسان خاصة طبيعية ولا بد لهم منها وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه إلا أن ذلك موجود لغير الانسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكرة والسياسة أعطى كل شئ خلقه ثم هدى وتزيد الفلاسفة
على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل العقلي وأنها خاصة طبيعية للانسان فيقر رون هذا البرهان إلى غاية وأنه لا بد للبشر من الحكم الوازع ثم يقولون بعد ذلك وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه حتى يتم الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيف وهذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من

(1/43)


دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته فأهل الكتاب والمتبعون للانبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار فضلا عن الحياة وكذلك هي لهم لهذا العهد في الاقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتة فإنه يمتنع وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ليس بعقلي وإنما مدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الامة والله ولي التوفيق والهداية المقدمة الثانية في قسط العمران من الارض والاشارة إلى بعض ما فيه من الاشجار والانهار والاقاليم إعلم أنه قد تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الارض كروي وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها وقد يتوهم من ذلك أن الماء تحت الارض وليس بصحيح وإنما التحت الطبيعي قلب الارض ووسط كرتها الذي هو مركزها والكل يطلبه بما فيه
من الثقل وما عدا ذلك من جوانبها وأما الماء المحيط بها فهو فوق الارض وإن قيل في شئ منها إنه تحت الارض فبا لاضافة إلى جهة أخرى منه.
وأما الذي انحسر عنه الماء من الارض فهو النصف من سطح كرتها في شكل دائرة احاط العنصر الماءي تها من جميع جهاتها بحرا يسمى البحر المحيط ويسمى أيضا لبلايه بتفخيم اللام الثانية ويسمى أو قيانوس أسماء أعجمية ويقال له البحر الاخضر والاسود ثم إن هذا المنكشف من الارض للعمران فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشمال وإنما المعمور منه أميل إلى الجانب الشمالي على شكل مسطح كروي ينتهي من جهة الجنوب إلى خط الاستواء ومن جهة الشمال إلى خط كروي ووراءه الجبال الفاصلة بينه وبين الماء العنصري الذي

(1/44)


بينهما سد يأجوج ومأجوج وهذه الجبال مائلة إلى جهة المشرق وينتهي من المشرق والمغرب إلى عنصر الماء أيضا بقطعتين من الدائرة المحيطة وهذا المنكشف من الارض قالوا هو مقدار النصف من الكرة أو أقل والمعمور منه مقدار ربعه وهو المنقسم بالاقاليم السبعة وخط الاستواء يقسم الارض بنصفين من المغرب إلى المشرق وهو طول الارض وأكبر خط في كرتها كما أن منطقة فلك البروج ودائرة معدل النهار أكبر خط في الفلك ومنطقة البروج منقسمة بثلثمائة وستين درجة والدرجة من مسافة الارض خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا والاصبع ست حبات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهرا لبطن وبين دائرة معدل النهار التي تقسم الفلك بنصفين وتسامت خط الاستواء من الارض وبين كل واحد من القطبين تسعون درجة لكن العمارة في الجهة الشمالية من خط الاستواء أربع وستون درجة والباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدة البرد والجمود كما كانت الجهة الجنوبية خلاء كلها لشدة الحر كما
نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى.
ثم إن المخبرين عن هذا المعمور وحدوده وعما فيه من الامصار والمدن والجبال والبحار والانهار والقفار والرمال مثل بطليموس في كتاب الجغرافيا وصاحب كتاب زخار من بعده قسموا هذا المعمور بسبعة أقسام يسمونها الاقاليم السبعة بحدود وهمية بين المشرق والمغرب متساوية في العرض مختلفة في الطول فالاقليم الاول أطول مما بعده وهكذا الثاني إلى آخرها فيكون السابع أقصر لما اقتضاه وضع الدائرة الناشئة عن انحسار الماء عن كرة الارض وكل واحد من هذه الاقاليم عندهم منقسم بعشرة أجزاء من المغرب إلى المشرق على التوالي وفي كل جزء الخبر عن أحواله وأحوال عمرانه.
وذكروا أن هذا البحر المحيط يخرج منه من جهة المغرب في الاقليم الرابع البحر الرومي المعروف يبدأ في خليج متضايق في عرض اثني عشر ميلا أو نحوها ما بين طنجة وطريق ويسمى الزقاق ثم يذهب مشرقا وينفسح إلى عرض ستمائة ميل ونهايته في آخر الجزء الرابع من الاقليم الرابع على ألف فرسخ ومائة وستين فرسخا من مبدإه وعليه هنالك سواحل الشام وعليه من جهة الجنوب سواحل المغرب أولها طنجة عند الخليج ثم

(1/45)


افريقية ثم برقة إلى الاسكندرية ومن جهة الشمال سواحل القسطنطينية عند الخليج ثم البنادقة ثم رومة ثم الافرنجة ثم الاندلس إلى طريف عند الزقاق قبالة طنجة ويسمى هذا البحر الرومي والشامي وفيه جزر كثيرة عامرة كبار مثل أقريطش وقبرص وصقلية وميورقة وسردانية قالوا ويخرج منه في جهة الشمال بحران آخران من خليجين.
أحدهما مسامت للقسطنطينية يبدأ من هذا البحر متضايقا في عرض رمية السهم ويمر ثلاثة بحار فيتصل بالقسطنطينية ثم ينفسح في عرض أربعة أميال ويمر في جريه ستين ميلا ويسمى خليج القسطنطينية ثم يخرج من فوهة عرضها ستة اميال فيمد بحر نيطش وهو بحر ينحرف من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشرق فيمر
بأرض هرقلة وينتهي إلى بلاد الخزرية على ألف وثلثمائة ميل من فوهته وعليه من الجانبين أمم من الروم والترك وبرجان والروس.
والبحر الثاني من خليجي هذا البحر الرومي وهو بحر البنادقة يخرج من بلاد الروم على سمت الشمال فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب إلى بلاد البنادقة وينتهي إلى بلاد إنكلاية على ألف ومائة ميل من مبدإه وعلى حافتيه من البنادقة والروم وغيرهم أمم ويسمى خليج البنادقة.
قالوا وينساح من هذا البحر المحيط أيضا من الشرق وعلى ثلاث عشرة درجة في الشمال من خط الاستواء بحر عظيم متسع يمر في الجنوب قليلا حتى ينتهي إلى الاقليم الاول ثم يمر فيه مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة والزنج وإلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ من مبدإه ويسمى البحر الصيني والهندي والحبشي وعليه من جهة الجنوب بلاد الزنج وبلاد بربر التي ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الذين هم قبائل المغرب ثم بلد مقدسو ثم بلد سفالة وأرض الوقواق وأمم أخر ليس بعدهم إلا القفار والخلاء وعليه من جهة الشمال الصين من عند مبدإه ثم الهند ثم السد ثم سواحل اليمن من الاحقاف وزبيد وغيرها ثم بلاد الزنج عند نهايته وبعدهم الحبشة.
قالوا ويخرج من هذا البحر الحبشي بحران آخران أحدهما يخرج من نهايته عند باب المندب فيبدأ متضايقا ثم يمر مستجرا إلى ناحية الشمال ومغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى القلزم في الجزء الخامس من الاقليم الثاني على ألف وأربعمائة ميل من مبدإه ويسمى بحر

(1/46)


القلزم وبحر السويس وبينه وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل وعليه من جهة الشرق سواحل اليمن ثم الحجاز وجدة ثم مدين وأيلة وفاران عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل الصعيد وعيذاب وسواكن وزيلع ثم بلاد الحبشة عند مبدإه وآخره عند القلزم يسامت البحر الرومي عند العريش وبينهما نحو ست مراحل وما
زال الملوك في الاسلام وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتم ذلك والبحر الثاني من هذا البحر الحبشي ويسمى الخليج الاخضر يخرج ما بين بلاد السند والاحقاف من اليمن ويمر إلى ناحية الشمال مغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى الابلة من سواحل البصرة في الجزء السادس من الاقليم الثاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخا من مبدإه ويسمى بحر فارس وعليه من جهة الشرق سواحل السند ومكران وكرمان وفارس والابلة وعند نهايته من جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشحر والاحقاف عند مبدإه وفيما بين بحر فارس والقلزم وجزيرة العرب كأنها داخلة من البر في البحر يحيط بها البحر الحبشي من الجنوب وبحر القلزم من الغرب وبحر فارس من الشرق وتفضي إلى العراق بين الشام والبصرة على ألف وخمسمائة ميل بينهما وهنا لك الكوفة والقادسية وبغداد وإيوان كسرى والحيرة ووراء ذلك أمم الاعاجم من الترك والخزر وغيرهم وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها وبلاد اليمامة والبحرين وعمان في جهة الشرق منها وبلاد اليمن في جهة الجنوب منها وسواحله على البحر الحبشي.
قالوا وفي هذا المعمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشمال بأرض الديلم يسمى بحر جرجان وطبرستان طوله ألف ميل في عرض ستمائة ميل في غربيه أذربيجان والديلم وفي شرقيه أرض الترك وخوارزم وفي جنوبيه طبرستان وفي شماليه أرض الخزر واللان.
هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرها أهل الجغرافيا.
قالوا وفي هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النيل والفرات ودجلة ونهر بلخ المسمى جيحون.
فأما النيل فمبدأه من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة درجة على سمت الجزء الرابع من الاقليم الاول ويسمى جبل القمر ولا يعلم في الارض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها في بحيرة هناك وبعضها في أخرى ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة

(1/47)


واحدة عند خط الاستواء على عشر مراحل من الجبل ويخرج من هذه البحيرة نهران تذهب أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر فإذا جاوزها تشعب في شعب متقاربة يسم كل واحد منها خليجا وتصب كلها في البحر الرومي عند الاسكندرية ويسمى نيل مصر وعليه الصعيد من شرقيه والواحات من غربيه ويذهب الآخر منعطفا إلى المغرب ثم يمر على سمته إلى أن يصب في البحر المحيط وهو نهر السودان وأممهم كلهم على ضفتيه.
وأما الفرات فمبدأه من بلاد أرمينية في الجزء السادس من الاقليم الخامس ويمر جنوبا في أرض الروم وملطية إلى منبج ثم يمر بصفين ثم بالرقة ثم بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء التي بين البصرة وواسط ومن هناك يصب في البحر الحبشي وتنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصب في دجلة.
وأما دجلة فمبدأها عين ببلاد خلاط من أرمينية أيضا وتمر على سمت الجنوب بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى واسط فتتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة البصرة وتفضي إلى بحر فارس وهو في الشرق على يمين الفرات وينجلب إليه أنها كثيرة عظيمة من كل جانب وفيما بين الفرات ودجلة من أوله جزيرة الموصل قبالة الشام من عدوتي الفرات وقبالة اذربيجان من عدوة دجلة.
وأما نهر جيحون فمبدأه من بلخ في الجزء الثامن من الاقليم الثالث من عيون هناك كثيرة وتنجلب إليه أنهار عظام ويذهب من الجنوب إلى الشمال فيمر ببلاد خراسان ثم يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثامن من الاقليم الخامس فيصب في بحيرة الجرجانية التي بأسفل مدينتها وهي مسيرة شهر في مثله وإليها ينصب نهر فرغانة والشاش الآتي من بلاد الترك وعلى غربي نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم وعلى شرقيه بلاد بخارى وترمذ وسمرقند ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد الترك وفرغانة والخزلجية وأمم الاعاجم وقد ذكر ذلك كله بطليموس في كتابه والشريف في كتاب زخار وصوروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من
الجبال والبحار والاودية واستوفوا من ذلك ما لا حاجة لنابه لطوله ولان عنايتنا في الاكثر إنما هي بالمغرب الذي هو وطن البربر وبالاوطان التي للعرب من المشرق والله الموفق

(1/48)


تكملة لهذه المقدمة الثانية في ان الربع الشمالي من الارض اكثر عمرانا من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك ونحن نرى بالمشاهدة والاخبار المتواترة أن الاول والثاني من الاقاليم المعمورة أقل عمرانا مما بعدهما وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار والرمال والبحر الهندي الذي في الشرق منهما وأمم هذين الا قليمين وأناسيهما ليست لهم الكثلرة البالغة وأمصاره ومدنه كذلك والثالث والرابع وما بعدهما بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة والرمال كذلك أو معدومة وأممها وأناسيها تجوز الحد من الكثرة وأمصارها ومدنها تجاوز الحد عددا والعمران فيها مندرج ما بين الثالث والسادس والجنوب خلاء كله وقد ذكر كثير من الحكماء أن ذلك لافراط الحر وقلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه ويتبين منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثالث والرابع من جانب الشمال إلى الخامس والسابع.
فنقول إن قطبي الفلك الجنوبي والشمالي إذا كانا على الافق فهنالك دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هي أعظم الدوائر المارة من المشرق إلى المغرب وتسمى دائرة معدل النهار وقد تبين في موضعه من الهيئة أن الفلك الاعلى متحرك من المشرق إلى المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الافلاك في جوفه قهرا وهذه الحركة محسوسة وكذلك تبين أن للكواكب في أفلاكها حركة مخالفة لهذه الحركة وهي من المغرب إلى المشرق وتختلف آمادها باختلاف حركة الكواكب في السرعة والبطء وممرات
هذه الكواكب في أفلاكها تؤازيها كلها دائرة عظيمة من الفلك الاعلى تقسمه بنصفين وهي دائرة فلك البروج منقسمة باثني عشر برجا وهي على ما تبين في موضعه مقاطعة لدائرة معدل النهار على نقطتين متقابلتين من البروج هما أول الحمل وأول الميزان فتقسمها دائرة معدل النهار بنصفين نصف مائل عن معدل النهار إلى الشمال وهو من أول الحمل إلى آخر السنبلة ونصف مائل عنه إلى الجنوب وهومن أول الميزان إلى آخر الحوت وإذا وقع القطبان على الافق في جميع نواحي الارض كان

(1/49)


على سطح الارض خط واحد يسامت دائرة معدل النهار يمر من المغرب إلى المشرق ويمسى خط الاستواء ووقع هذا الخط بالرصد على ما زعموا في مبدإ الاقليم الاول من الاقاليم السبعة والعمران كله في الجهة الشمالية يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتدريج إلى أن ينتهي ارتفاعه إلى أربع وستين درجة وهنالك ينقطع العمران وهو آخر الاقليم السابع وإذا ارتفع على الافق تسعين درجة وهي التي بين القطب ودائرة معدل النهار على الافق وبقيت ستة من البروج فوق الافق وهي الشمالية وستة تحت الافق وهي الجنوبية والعمارة فيما بين الاربعة والستين إلى التسعين ممتنعة لان الحر والبرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزمان بينهما فلا يحصل التكوين فإذا الشمس تسامت الرؤوس على خط الاستواء في رأس الحمل والميزان ثم تميل عن المسامتة إلى رأس السرطان ورأس الجدي ويكون نهاية ميلها عن دائرة معدل النهار أربعا وعشرين درجة ثم إذا ارتفع القطب الشمالي عن الافق مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس بمقدار ارتفاعه وانخفض القطب الجنوبي كذلك بمقدار متساو في الثلاثة وهو المسمى عند أهل المواقيت عرض البلد وإذا مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس علت عليها البروج الشمالية مندرجة في مقدار علوهما إلى رأس السرطان وانخفضت البروج الجنوبية من الافق كذلك إلى رأس الجدي
لانحرافها إلى الجانبين في أفق الاستواء كما قلناه فلا يزال الافق المشالي يرتفع حتى يصير أبعد المشالية وهو رأس السرطان في سمت الرؤوس وذلك حيث يكون عرض البلد أربعا وعشرين في الحجاز وما يليه وهذا هو الميل الذي إذا مال رأس السرطان عن معدل النهار في أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشمالي حتى صار مسامتا فإذا ارتفع القطب أكثر من أربع وعشرين نزلت الشمس عن المسامتة ولا تزال في انخفاض إلى أن يكون ارتفاع القطب أربعا وستين ويكون انخفاض الشمس عن السمامتة كذلك وانخفاض القطب الجنوبي عن الافق مثلها فينقطع التكوين لافراط البرد والجمد وطول زمانه غير ممتزج بالحر.
ثم إن الشمس عند المسامتة وما يقاربها تبعث الاشعة قائمة وفيما دون المسامتة على زوايا منفرجة وحادة وإذا كانت زوايا الاشعة قائمة عظم الضوء وتنشر بخلافه في المنفرجة والحادة فلهذا يكون

(1/50)


الحر عند المسامتة وما يقرب منها أكثر منه فيما بعد لان الضوء سبب الحر والتسخين ثم إن المسامتة في خط الاستواء تكون مرتين في السنة عند نقطتي الحمل والميزان وإذا مالت فغير بعيد ولا يكاد الحر يعتدل في آخر ميلها عند رأس السرطان والجدي إلا إن صعدت إلى المسامتة فتبقى الاشعة القائمة الزوايا تلح على ذلك الافق ويطول مكثها أو يدوم فيشتعل الهواء حرارة ويفرط في شدتها وكذا ما دامت الشمس تسامت مرتين فيما بعد خط الاستواء إلى عرض أربع وعشرين فإن الاشعة ملحة على الافق في ذلك بقريب من إلحاحها في خط الاستواء وإفراط الحر يفعل في الهواء تجفيفا ويبسا يمنع ما التكوين لانه إذا أفرط الحر جفت المياه والرطوبات وفسد التكوين في المعدن والحيوان والنبات إذ التكوين لا يكون إلا بالرطوبة ثم إذا مال رأس السرطان عن سمت الرؤوس في عرض خمس وعشرين فما بعده نزلت الشمس عن المسامته فيصير الحر إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلا
قليلا فيكون التكوين ويتزايد على التدريج إلى أن يفرط البرد في شدته لقلة الضوء وكون الاشعة منفرجة الزوايا فينقص التكوين ويفسد بيد أن فساد التكوين من جهة شدة الحر أعظم منه من جهة شدة البرد لان الحر أسرع تأثيرا في التجفيف من تأثير البرد في الجمد فلذلك كان العمران في الاقليم الاول والثاني قليلا وفي الثالث والرابع والخامس متوسطا لاعتدال الحر بنقصان الضوء وفي السادس والسابع كثيرا لنقصان الحر وأن كيفية البرد لا تؤثر عند أولها في فساد التكوين كما يفعل الحر إذ لا تجفيف فيها إلا عند الافراط بما يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السابع فلهذا كان العمران في الربع الشمالي أكثر وأوفر والله أعلم.
ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خط الاستواء وما وراءه وأورد عليهم أنه معمور بالمشاهدة والاخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك والظاهر أنهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية إنما أداهم البرهان إلى أن فساد التكوين فيه قوى بإفراط الحر والعمران فيه إما ممتنع أو ممكن أقلي وهو كذلك فإن خط الاستواء والذي وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدا.
وقد زعم ابن رشد أن خط الاستواء معتدل وأن ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراءه في الشمال فيعمر منه ما

(1/51)


عمر من هذا والذي قاله غير ممتنع من جهة فساد التكوين وإنما امتنع فيما وراء خط الاستواء في الجنوب من جهة أن العنصر الماءي غمر وجه الارض هنالك إلى الحد الذي كان مقابله من الجهة الشمالية قابلا للتكوين ولما امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه لان العمران متدرج وياخذ في التدريج من جهة الوجود لامن جهة الامتناع وأما القول بامتناعه في خط الاستواء فيرده النقل المتواتر والله أعلم ولنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيا كما رسمها صاحب كتاب زخار ثم ناخذ في تفصيل الكلام عليها إلى آخره
تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا إعلم أن الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدم ذكره على سبعة اقسام من الشمال إلى الجنوب يسمون كل قسم منها إقليما فانقسم المعمور من الارض كله على هذه السبعة الاقاليم كل واحد منها آخذ من الغرب إلى الشرق على طوله.
فالاول منها مار من المغرب إلى المشرق مع خط الاستواء بحده من جهة الجنوب وليس وراءه هنالك إلا القفار والرمال وبعض عمارة إن صحت فهي كلا عمارة ويليه من جهة شماليه الاقليم الثاني ثم الثالث كذلك ثم الرابع والخامس والسادس والسابع وهو آخر العمران من جهة الشمال وليس وراء السابع إلا الخلاء والقفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط كالحال فيما وراء الاقليم الاول في جهة الجنوب إلا أن الخلاء في جهة الشمال أقل بكثير من الخلاء الذي في جهة الجنوب.
ثم إن أزمنة الليل والنهار تتفاوت في هذه الاقاليم بسبب ميل الشمس عن دائرة معدل النهار وارتفاع القطب الشمالي عن آفاقها فيتفاوت قوس الليل والنهار لذلك وينتهي طول الليل والنهار في آخر الاقليم الاول وذلك عند حلول الشمس برأس الجدي لليل وبرأس السرطان للنهار كل واحد منهما إلى ثلاث عشرة ساعة وكذلك في آخر الاقليم الثاني مما يلي الشمال فينتهي طول النهار فيه عند حلول الشمس برأس السرطان وهو منقلبها الصيفي إلى ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومثله أطول الليل عند منقلبها الشتوي برأس الجدي ويبقى للاقصر من الليل والنهار ما يبقى بعد الثلاث عشرة ونصف من جملة أربع وعشرين الساعات الزمانية لمجموع الليل والنهار وهي دورة الفلك الكاملة

(1/52)


وكذلك في آخر الاقليم الثالث مما يلي الشمال أيضا ينتهيان إلى أربع عشرة ساعة وفي آخر الرابع إلى أربع عشرة ساعة ونصف ساعة وفي آخر الخامس إلى خمس عشرة ساعة وفي آخر السادس إلى خمس عشرة ساعة ونصف وإلى آخر السابع إلى ست
عشرة ساعة وهنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الاقاليم في الاطول من ليلها ونهارها بنصف ساعة لكل إقليم يتزايد من أوله في ناحية الجنوب إلى آخره في ناحية الشمال موزعة على أجزاء هذا البعد.
وأما عرض البلدان في هذه الاقاليم وهو عبارة عن بعد مابين سمت رأس البلد ودائرة معدل النهار الذي هو سمت رأس خط الاستواء وبمثله سواء ينخفض القطب الجنوبي عن أفق ذلك البلد ويرتفع القطب الشمالي عنه وهو ثلاثة أبعاد متساوية تسمى عرض البلد كما مر ذلك قبل.
والمتكلمون على هذه الجغرافيا قسموا كل واحد من هذه الاقاليم السبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية ويذكرون ما اشتمل عليه كل جزء منها من البلدان والامصار والجبال والانهار والمسافات بينها في المسالك ونحن الان نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والانهار والبحار في كل جزء منها ونحاذي بذلك ما وقع في كتاب نزهة المشتاق الذي ألفه العلوي الادريسي الحمودي لملك صقلية من الافرنج وهو زخار بن زخار عند ماكان نازلا عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة وجمع له كتبا جمة للمسعودي وابن خرداذيه والحوقلي والقدري وابن إسحاق المنجم وبطليموس وغيرهم ونبدأ منها بالاقليم الاول إلى آخرها والله سبحانه وتعالى يعصمنا بمنه وفضله الأقليم الاول * وفيه من جهة غربيه الجزائر الخالدات التي منها بدأ بطليموس بأخذ أطوال البلاد وليست في بسيط الاقليم وإنما هي في البحر المحيط جزر متكثرة أكبرها وأشهرها ثلاث ويقال إنها معمورة وقد بلغنا أن سفائن من الافرنج مرت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا وباعوا بعض أسراهم بسواحل المغرب الاقصى وصاروا إلى خدمة السلطان فلما تعلموا اللسان العربي أخبروا عن حال جزائرهم وأنهم يحثفرون الارض للزراعة بالقرون وأن

(1/53)


الحديد مفقود بأرضهم وعيشهم من الشعير وماشيتهم المعز وقتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف وعبادتهم السجود للشمس إذا طلعت ولا يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ولا يوقف على مكان هذه الجزائر إلا بالعثور لا بالقصد إليها لان سفر السفن في البحر إنما هو بالرياح ومعرفة جهات مهابها وإلى أين يوصل إذا مرت على الاستقامة من البلاد التي في ممر ذلك المهب وإذا اختلف المهب وعلم حيث يوصل على الاستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل السفينة بها على قوانين في ذلك محصلة عند النواتية والملاحين الذين هم رؤساء السفن في البحر والبلاد التي في حافات البحر ضالرومي وفي عدوته مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهاب الرياح وممراتها على اختلافها مرسوم معها في تلك الصحيفة ويسمونها الكنباص وعليها يعتمدون في أسفارهم وهذا كله مفقود في البحر المحيط فلذلك لا تلج فيه السفن لانها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي إلى الرجوع إليها مع ما ينعقد في جو هذا البحر وعلى سطح مائه من الابخرة الممانعة للسفن في مسيرها وهي لبعدها لا تدركها أضواء الشمس المنعكسة من سطح الارض فتحللها فلذلك عسر الاهتداء إليها وضعب الوقوف على خبرها.
وأما الجزء الاول من هذا الاقليم ففيه مصب النيل الاتي من مبدإه عند جبل القمر كما ذكرناه ويسمى نيل السودان ويذهب إلى البحر المحيط فيصب فيه عند جزيرة أولئك وعلى هذا النيل مدينة سلا وتكرور وغانة وكلها لهذا العهد في مملكة ملك مالي من أمم السودان وإلى بلادهم تسافر تجار المغرب الاقصى وبالقرب منها من شماليها بلاد لمتونة وسائر طوائف الملشمين ومفاوز يجولون فيها وفي جنوبي هذا النيل قوم من السودان يقال لهم لملم وهم كفار ويكتوون في وجوههم وأصداغهم وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلى المغرب وكلهم عامة رقيقهم وليس
وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلا أناسي أقرب إلى الحيوان العجم من الناطق يسكنون الفيافي والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة وربما يأكل بعضهم بعضا وليسوا في عداد البشر.
وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان.
فكان في غانة فيما يقال ملك ودولة لقوم من العلويين

(1/54)


يعرفون ببني صالح وقال صاحب كتاب زخار إنه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه الدولة لهذا العهد وصارت غانة لسلطان مالي وفي شرقي هذا البلد في الجزء الثالث من الاقليم بلد كوكوعلى نهر ينبع من بعض الجبال هنالك ويمر مغربا فيغوص في رمال الجزء الثاني وكان ملك كوكو قائما بنفسه ثم استولى عليها سلطان مالي وأصبحت في مملكته وخربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلها من تاريخ البربر وفي جنوبي بلد كوكو بلاد كاتم من أمم السودان وبعدهم ونغارة على ضفة النيل من شماليه وفي شرقي بلاد ونغارة وكاتم بلاد زغاوة وتاجرة المتصلة بأرض النوبة في الجزء الرابع من هذ الاقليم وفيه يمر نيل مصر ذاهبا من مبدإه عند خط الاستواء إلى البحر الرومي في الشمال ومخرج هذا النيل من جبل القمر الذي فوق خط الاستواء بست عشرة درجة واختلفوا في ضبط هذه اللفظة فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة إلى قمر السماء لشدة بياضه وكثرة ضوءه وفي كتاب المشترك لياقوت بضم القاف وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند وكذا ضبطه ابن سعيد فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة منها في بحيرة وبينهما ستة أميال ويخرج من كل واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيحة واحدة في أسفلها جبل معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال وينقسم ماؤهما بقسمين فيمر الغربي منه إلى بلاد السودان مغربا حتى يصب في البحر المحيط ويخرج
الشرقي منه ذاهبا إلى الشمال على بلاد الحبشة والنوبة وفيما بينهما وينقسم في أعلى أرض مصر فيصب ثلاثة من جداوله في البحر الرومي عند الاسكندرية ورشيد ودمياط ويصب واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتصل بالبحر في وسط هذا الاقليم الاول وعلى هذا النيل بلاد النوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان وحاضرة بلاد النوبة مدينة دنقلة وهي في غربي هذا النيل وبعدها علوة وبلاق وبعدهما جبل الجنادل على ستة مراحل من بلاق في الشمال وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة النوبة فينفذ فيه النيل ويصب في مهوى بعيد صبأ هائلا فلا يمكن أن تسلكه المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظهر إلى بلد

(1/55)


أسوان قاعدة الصعيد إلى فوق الجنادل وبين الجنادل وأسوان اثنتا عشرة مرحلة والواحات في غربيها عدوة النيل وهي الان خراب وبها آثار العمارة القديمة.
وفي وسط هذا الاقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خط الاستواء ذاهبا إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل الهابط إلى مصر وقدوهم فيه كثير من الناس وزعموا أنه من نيل القمر وبطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا وذكر أنه ليس من هذا النيل.
وإلى وسط هذا الاقليم في الجزء الخامس ينتهي بحر الهند الذي يدخل من ناحية الصين ويغمر عامة هذا الاقليم إلى هذا الجزء الخامس فلا يبقى فيه عمران إلا ماكان في الجزائر التي في داخله وهي متعددة يقال تنتهي إلى ألف جزيرة أو فيما على سواحله من جهة الشمال وليس منها في هذا الاقليم الاول إلا طرف من بلاد الصين في جهة الشرق وفي بلاد اليمن وفي الجزء السادس من هذا الاقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهندي إلى جهة الشمال وهما بحر قلزم وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب وتشتمل على بلاد اليمن وبلاد الشحر في شرقيها على ساحل هذا البحر الهندي وعلى بلاد الحجاز واليمامة وما إليهما كما نذكره في
الاقليم الثاني وما بعده فأما الذي على ساحل هذا البحر من غربيه فبلد زالع من اطراف بلاد الحبشة ومجالات البجة (1) في شمالي الحبشة مابين جبل العلاقي في أعالي الصعيد وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهندي وتحت بلاد زالع من جبة الشمال في هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب المائل في وسط البحر الهندي ممتدا مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشمال في طول اثني عشر ميلا فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلاثة أميال أو نحوها ويسمى باب المندب وعليه تمر مراكب اليمن إلى ساحل السويس قريبا من مصر وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجة من امم السودان كما ذكرناه ومن شرقيه في هذا الجزء تهائم اليمن ومنها على ساحله بلد على بن يعقوب وفي جهة الجنوب من بلد زالع وعلى ساحل هذا البحر من غربيه قرى بربر يتلو بعضها بعضا وينعطف من جنوبيه إلى آخر الجزء السادس ويليها هنالك من
__________
(1) ويقال ايضا النجاة واما زالع فهي ز يلع.
اه (*)

(1/56)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية