صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : تاريخ أبى الفداء
المؤلف / الملك المؤيد إسماعيل بن أبي الفداء

في هذه السنة أعني سنة سبع بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتبه ورسله إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام فأرسل إلى كسرى برويز بن هرمز عبد الله بن حذافة فمزق كسرى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يكاتبني بهذا وهو عبدي ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال : مزق الله ملكه ثم بعث كسرى إلى باذان عامله باليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي في الحجاز فبعث باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم اثنين أحدهما يقال له خرخسره وكتب معهما يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى كسرى فدخلا على النبي عليه السلام وقد حلقا لحاهما وشواربهما فكره النبي النظر إليهما وقال : ويلكما من أمركما بهذا قالا : ربنا، يعنيان كسرى فقال النبي عليه السلام : لكن ربي أمرني أن أعف عن لحيتي وأقص شاربي فأعلماه بما قدما له وقالا : إن فعلت كتب فيك باذان إلى كسرى وإن أبيت فهو يهلكك فأخر النبي صلى الله عليه وسلم الجواب إلى الغد وأتى الخبر من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله .
فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهما بذلك وقال لهما : ( إن ديني وسلطاني سيبلغ ما يبلغ ملك كسرى فقولا لباذان أسلم فرجعا إلى باذان وأخبراه بذلك ثم ورد مكاتبة شيرويه إلى باذان بقتل أبيه كسرى وأن لا يتعرض إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم باذان وأسلم معه ناس من فارس .
فأرسل دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم فأكرم قيصر دحية وضع كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مخدة ورد دحية ردا جميلا .
وأرسل حاطب بن أبي بلتعة وهو بالحاء المهملة إلى صاحب مصر وهو المقوقس جريج بن متى فأكرم حاطبا وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أربع جوار وقيل جاريتين إحداهما مارية وولدت من النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم ابنه وأهدى أيضا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم دلدل وحماره يعفور .

(1/214)


وكان قد أرسل إلى النجاشي عمرو بن أمية فقبل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب حيث كان عنده في الهجرة .
وأرسل شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني .
فلما قرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : ها أنا سائر إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك : ( باد وأرسل سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي ملك اليمامة وكان نصرانيا فقال هوذة : إن جعل الأمر لي من بعده سرت إليه وأسلمت ونصرته وإلا قصدت حربه .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ولا كرامة اللهم اكفنيه ) فمات بعد قليل .
وكان قد أرسل هوذة رجلا يقال له الرحال بالحاء وقيل بالجيم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقدم وأسلم وقرأ سورة البقرة وتفقه ورجع إلى اليمامة وارتد وشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك معه مسيلمة الكذاب في النبوة .
وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى ملك البحرين وهو المنذر بن ساوي فأسلم وهو من قبل الفرس وأسلم جميع العرب بالبحرين .
عمرة القضاء
ثم خرج رسول صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة من سنة سبع معتمرا عمرة القضاء وساق معه سبعين بدنة ولما قرب من مكة خرجت له قريش عنها وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في عسر وجهد فاصطفوا له عند دار الندوة فلما دخل المسجد اضطبع بأن جعل وسط ردائه تحت عضده الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر ثم قال رحم الله أمرأ أراهم اليوم قوة ورمل في أربعة أشواط من الطواف ثم خرج إلى الصفا والمروة فسعى بينهما وتزوج في سفره هذا ميمونة بنت الحارث زوجه إياها عمه العباس وذكر أنه تزوجها محرما وهي من خواصه ثم رجع إلى المدينة
ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة وهو بالمدينة .
إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص
وفي سنة ثمان قدم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص السهمي وعثمان بن طلحة بن عبد الدار فأسلموا ثم كانت
غزوة مؤتة

(1/215)


وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف وأمر عليهم مولاه زيد بن حارثة وقال : ( إن قتل فأمير الناس جعفر بن أبي طالب فإن قتل فأميرهم عبد الله بن رواحة ) ووصلوا إلى مؤتة من أرض الشام وهي قبلي الكرك فاجتمعت عليهم الروم والعرب المنتصرة في نحو مائة ألف والتقوا بمؤته وكانت الراية مع زيد فقتل فأخذها جعفر فقتل فأخذها عبد الله بن رواحة فقتل واتفق العسكر على خالد بن الوليد فأخذ الراية ورجع بالناس وقدم المدينة وكان سبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير رسولا إلى ملك بصرى بكتاب كما بعث إلى سائر الملوك فلما نزل مؤتة عرض له عمرو بن شرحبيل الغساني نقض الصلح وفتح مكة كان السبب في نقض الصلح أن بني بكر كانوا في عقد قريش .
وعهدهم وخزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده وفي هذه السنة .
أعني سنة ثمان لقيت بنو بكر خزاعة فقتلوا منهم وأعانهم على ذلك جماعة من قريش فانتقض بذلك عهد قريش وندمت قريش على نقض العهد فقدم أبو سفيان بن حرب إلى المدينة لتجديد العهد ودخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يجلس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطوته عنه فقال : يا بنية أرغبت به عني .
فقالت : هو فراش رسول الله وأنت مشرك نجس فقال : لقد أصابك بعدي شر ثم أتى للنبي صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد شيئا وأتى كبار الصحابة مثل أبي بكر الصديق وعلي رضي الله عنه فتحدث معهما فأجاباه إلى ذلك فعاد إلى مكة وأخبر قريشا بما جرى وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد أن يبغت قريشا بمكة من قبل أن يعلموا به فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش مع سارة مولاة بني هاشم يعلمهم بقصد النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم ذلك .

(1/216)


وأرسل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فأدركا سارة وأخذا منها الكتاب وأحضرا النبي صلى الله عليه وسلم حاطبا وقال : ما حملك على هذا فقال : والله إني مؤمن ما بدلت ولا غيرت ولكن لي بين أظهرهم أهل وولد وليس لي عشيرة فصانعتهم .
فقال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه فإنه منافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ومعه المهاجرون والأنصار وطوائف من العرب فكان جيشه عشرة آلاف حتى قارب مكة فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لعلي أجد حطابا أو رجلا يعلم قريشا بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتونه ويستأمنونه وإلا هلكوا عن آخرهم .
قال : فلما خرجت سمعت صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي : قد خرجوا يتجسسون فقال العباس : أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال أبا الفضل قلت نعم قال لبيك فداك أبي وأمي ما وراءك فقلت : قد أتاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف من المسلمين .

(1/217)


فقال أبو سفيان : ما تأمرني به قلت تركب لأستأمن لك رسول الله وإلا يضرب عنقك فردفني وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت طريقي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمرو : أبا سفيان الحمد لله الذي أمكنني منك بغير عقد ولا عهد ثم اشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركته فقال : يا رسول الله دعني اضرب عنقه وسأل العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فقال : النبي صلى الله عليه وسلم قد أمنته وأحضره يا عباس بالغداة فرجع به العباس إلى منزله وأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغداة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا سفيان أما آن أن تعلم أن لا إله إلا الله قال إلى : قال : ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ) فقال : بأبي أنت وأمي أما هذه ففي النفس منها شيء فقال له العباس : ويحك تشهد قبل أن تضرب عنقك فتشاهد وأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس ( اذهب بأبي سفيان إلى مضيق الوادي ليشاهد جنود الله ) فقال العباس يا رسول الله إنه يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه فقال : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن ) .
قال : فخرجت به كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت عليه القبائل وهو يسأل عن قبيلة وأنا أعلمه حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق فقال من هؤلاء .
فقلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار .
فقال : لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما .
قال : فقلت ويحك إنها النبوة فقال نعم .
سعد بن عبادة سيد الخزرج أن يدخل ببعض الناس من ثنية كداء ثم أمر عليا أن يأخذ الراية منه فيدخل بها لما بلغه من قول سعد : اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة .

(1/218)


وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة في بعض الناس وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القتال إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد فقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلا فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك قال : ألم أنه عن القتال فقالوا : إن خالد قوتل فقاتل وقتل من المسلمين رجلان .
وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وملكها صلحا وإلى ذلك ذهب الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة إنها فتحت عنوة ولما أمكن الله رسوله من رقاب قريش عنوة قال لهم : ما تروني فاعلا بكم قالوا له : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال ( فاذهبوا فأنتم الطلقاء ) و لما اطمأن الناس خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطواف فطاف بالبيت سبعا على راحلته واستلم الركن بمحجن كان في يده ودخل الكعبة ورأى فيها الشخوص على صور الملائكة وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام يستقسم فقال : قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام ثم أمر بتلك الصور فطمست وصلى في البيت وأهدر دم ستة رجال وأربع نسوة أحدهم عكرمة بن أبي جهل ثم استأمنت له زوجته أم حكيم فأمنه فقدم عكرمة فأسلم .
وثانيهم هبار بن الأسود وثالثهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة فأتى عثمان به النبي صلى الله عليه وسلم وسأله فيه فصمت النبي صلى الله عليه وسلم طويلا ثم أمنه فأسلم وقال لأصحابه : ( إنما صمت ليقوم أحدكم فيقتله ) فقالوا : هلا أومأت إلينا فقال : ( إن الأنبياء لا تكون لهم خائنة الأعين ) وكان عبد الله المذكور قد أسلم قبل الفتح وكتب الوحي فكان يبدل القرآن ثم ارتد وعاش إلى خلافة عثمان رضي الله عنه وولاه مصر .

(1/219)


ورابعهم مقيس بن صبابة لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ وارتد وخامسهم عبد الله بن هلال كان قد أسلم ثم قتل مسلما وارتد .
وسادسهم الحويرث بن نفيل كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجوه فلقيه علي بن أبي طالب فقتله .
وأما النساء فإحداهن هند زوج أبي سفيان أم معاوية التي أكلت من كبد حمزة فتفكرت مع نساء قريش وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما عرفها قالت : أنا هند فاعف عما سلف فعفا ولما جاء وقت الظهر يوم الفتح أذن بلال على ظهر الكعبة فقالت جويرية بنت أبي جهل : لقد أكرم الله أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة وقال الحارث بن هشام ليتني مت قبل هذا وقال خالد بن أسيد : لقد أكرم الله أبي فلم ير هذا اليوم فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر لهم ما قالوه فقال الحارث بن هشام أشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد فنقول أخبرك ومن النساء المهدرات الدم سارة مولاة بني هاشم التي حملت كتاب حاطب .
غزوة خالد بن الوليد على بني خزيمة

(1/220)


لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث السرايا حول مكة إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام ولم يأمرهم بقتال وكان بنو خزيمة قد قتلوا في الجاهلية عوفا أبا عبد الرحمن بن عوف وعم خالد بن الوليد كانا أقبلا من اليمن وأخذوا ما كان معهما وكان من السرايا التي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس ليدعوهم إلى الإسلام سرية مع خالد بن الوليد فنزل على ماء لبني خزيمة المذكورين فلما نزل عليه أقبلت بنو خزيمة بالسلاح فقال لهم خالد : ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا فوضعوه وأمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله خالد رفع يديه إلى السماء حتى بان بياض إبطيه وقال : ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بمال وأمر أن يؤدي لهم الدماء والأموال ففعل علي ذلك ثم سألهم هل بقي لكم مال أو دم فقالوا لا وكان قد فضل مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قليل مال فدفعه إليهم زيادة تطييبا لقلوبهم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأعجبه وأنكر عبد الرحمن بن عوف على خالد فعله ذلك فقال خالد : ثأرت أباك .
فقال عبد الرحمن : بل ثأرت عمك الفاكه وفعلت فعل الجاهلية في الإسلام وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خصامهما فقال : يا خالد دع عنك أصحابي فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله تعالى ما أدركت غدوة أحدهم ولا روحته .
غزوة حنين
وكانت في شوال سنة ثمان وحنين واد بين مكة والطائف وهو إلى الطائف أقرب .

(1/221)


لما فتحت مكة تجمعت هوازن بحريمهم وأموالهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقدمهم مالك بن عوف النضري وانضمت إليهم ثقيف وهم أهل الطائف وبنو سعد بن بكر وهم الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم مرتضعا عندهم وحضر مع بني جشم دريد ابن الصمة وهو شيخ كبير قد جاوز المائة وليس يراد منه التيمن برأيه وقال رجزا : يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتماعهم خرج من مكة لست خلون من شوال ثمان وكان يقصر الصلاة بمكة من يرم الفتح إلى حين خرج للقاء هوازن وخرج معه اثنا عشر ألفا ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف كانت معه وكان صفوان ابن أمية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر لم يسلم سأل أن يمهل بالإسلام شهرين وأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك واستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مائة درع في هذه الغزوة وحضرها أيضا جماعة كثيرة من المشركين وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين والمشركون بأوطاس فقال دريد بن الصمة : بأي واد أنتم .
قالوا : بأوطاس .

(1/222)


قال : نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس وركب النبي صلى الله عليه وسلم بغلته الدلدل وقال رجل من المسلمين لما رأى كثرة جيش النبي صلى الله عليه وسلم : ( لن يغلب هؤلاء من قلة ) وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ) ( التوبة : 25 ) ولما التقوا انكشف المسلمون لا يلوي أحد على أحد وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ولما انهزم المسلمون أظهر أهل مكة ما في نفوسهم من الحقد فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وكانت الأزلام معه في كناتته وصرخ كلدة : الآن بطل السحر وكلدة أخو صفوان بن أمية لأمه وكان صفوان حينئذ مشركا فقال له صفوان : اسكت فض الله تعالى فاك .
قال والله لئن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن واستمر رسول الله ثابتا وتراجع المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لبغلته الدلدل : البدي البدي فوضعت بطنها على الأرض وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة تراب فرمى بها في وجه المشركين فكانت الهزيمة ونصر الله تعالى المسلمين واتبع المسلمون المشركين يقتلونهم ويأسرونهم وكان في السبي الشيماء بنت الحارث وأمها حليمة السعدية وكانت أخت رسول الله من الرضاع فعرفته بذلك وأرته العلامة وهي عضة النبي صلى الله عليه وسلم في ظهرها فعرفها وبسط لها رداءه وزودها وردها إلى قومها حسبما سألت .

(1/223)


تاريخ أبى الفداء
( 17 من 87 )

حصار الطائف
ولما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف سار النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأغلقوا باب مدينتهم وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم نيفا وعشرين يوما وقاتلهم بالمنجنيق وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فقطعت ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل فرحل عنهم حتى نزل الجعرانة وكان قد ترك بها غنائم هوازن وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض هوازن ودخلوا عليه فرد عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب ورد على الناس بناءهم ونساءهم ثم لحق مالك بن عوف مقدم هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم وحسن إسلامه واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل وكان عدة السبي الذي أطلعه ستة آلاف رأس ثم قسم الأموال وكانت عدة الإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ومن الفضة أربعة آلاف أوقية وأعطى المؤلفة قلوبهم مثل : أبي سفيان وابنيه يزيد ومعاوية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام أخي أبي جهل وصفوان بن أمية وهؤلاء من قريش وأعطى الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الذبياني وملك بن عوف مقدم هوازن وأمثالهم فأعطى لكل واحد من الأشراف مائة من الإبل وأعطى للآخرين أربعين أربعين وأعطى للعباس بن مرداس السلمي أباعر لهم يرضها وقال في ذلك من أبيات :
فأصبح نهبي ونهب العبي ** د بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس ** يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ** ومن يضع اليوم لا يرفع
فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اقطعوا عني لسانه فأعطي حتى رضي .

(1/224)


ولما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم لم يعط الأنصار شيئا فوجدوا في نفوسهم فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم : ( أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا ألفت بها قوما ليسلموا وكلتكم إلى إسلامكم أما ترضون أن يذهب الناس بالبعير والشاة وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم أما والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ) .
ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة هوازن وأعطى عيينة بن حصن وأبا سفيان ابن حرب وغيرهما ما ذكرنا قال ذو الخويصرة من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم : لم أرك عدلت فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : ( ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ) فقال عمر : يا رسول الله ألا أقتله قال : ( لا دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ) وهذه الرواية عن محمد بن إسحاق .
وروى غيره أن ذا الخويصرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم في وقت قسم الغنيمة المذكورة : لم تعدل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم تراقيهم ) .
فكان كما قاله صلى الله عليه وسلم فإنه خرج من ذي الخويصرة المذكور حرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وهو أول من بويع من الخوارج بالإمامة وأول مارق من الدين وذو الخويصرة تسمية سماه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاد إلى المدينة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وهو شاب لم يبلغ عشرين سنة وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس وحج بالناس في هذه السنة عتاب بن أسيد على ما كانت العرب تحج .

(1/225)


وفي ذي الحجة سنة ثمان ولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية
وفيها أعني سنة ثمان مات حاتم الطائي وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج من ولد طي بن أدد وكان حاتم يكنى أبا سفانة وهو اسم ابنته كني بها وسفانة المذكورة أتت النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته وشكت إليه حالها وحاتم المذكور كان يضرب بجرده وكرمه المثل وكان من الشعراء المجيدين .
ثم دخلت سنة تسع والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وترادفت عليه وفود العرب فممن ورد عليه عروة بن مسعود الثقفي وكان سيد ثقيف وكان غائبا عن الطائف لما حاصرها النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم وحسن إسلامه وقال : يا رسول الله أمضي إلى قومي بالطائف فأدعوهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنهم قاتلوك ) فاختار المضي فمضى إلى الطائف ودعاهم إلى الإسلام فرماه أحدهم بسهم فوقع في أكحله فمات رحمه الله تعالى ووفد كعب بن زهير ابن أبي سلمى بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدته المشهورة وهي : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم بردته فاشتراها معاوية في خلافته من أهل كعب بأربعين ألف درهم ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون حتى أخذها التتر .
غزوة تبوك
وفي رجب من هذه السنة أعني سنة تسع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم وأعلم الناس مقصدهم لبعد الطريق وقوة العدو وكان قبل ذلك إذا أراد غزوة ورى بغيرها وكان الحر شديدا والبلاد مجدبة والناس في عسرة ولذلك سمي ذلك الجيش جيش العسرة وكانت الثمار قد طابت فأحب الناس المقام في ثمارهم فتجهزوا على كره وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالنفقة فأنفق أبو بكر جميع ماله وأنفق عثمان نفقة عظيمة قيل كانت ثلاثمائة بعير طعاما .

(1/226)


وألف دينار وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يضر عثمان ما صنع بعد اليوم وتخلف عبد الله بن أبي المنافق ومن تبعه من أهل النفاق وتخلف ثلاثة من عين الأنصار وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأرجف به المنافقون وقالوا : ما خلفه إلا استثقالا له فلما سمع ذلك علي أخذ سلاحه ولحق النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قال المنافقون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( كذبوا وإنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .

(1/227)


وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثون ألفا فكانت الخيل عشرة آلاف فرس ولقوا في الطريق شدة عظيمة من العطش والحر ولما وصلوا إلى الحجر وهي أرض ثمود نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورود ذلك الماء وأمرهم إن يريقوا ما استقوه من مائه وأن يطعموا العجين الذي عجن بذلك الماء الإبل ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وأقام بها عشرين ليلة وقدم عليه بها يوحنا صاحب أيلة فصالحه على الجزية فبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار وصالح أهل أذرج على مائة دنيار في كل رجب وأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل وكان نصرانيا من كندة فأخذه خالد وقتل أخاه وأخذ منه خالد قباء ديباج مخوصا بالذهب فأرسله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يتعجبون منه وقدم خالد بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فاعتذر إليه الثلاثة الذي تخلفوا عنه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامهم وأمر باعتزالهم فاعتزلهم الناس فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبقوا كذلك خمسين ليلة ثم أنزل الله تعالى توبتهم فقال تعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) ( التوبة : 81 ) وكان قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولما دخلها قدم عليه وفد الطائف من ثقيف ثم إنهم أسلموا وكان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم اللات التي كانوا يعبدونها لا يهدمها إلى ثلاث سنين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فغزلوا إلى شهر واحد فلم يجبهم وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال : ( لا خير في دين لا صلاة فيه ) فأجابوا وأسلموا وأرسل معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب

(1/228)


ليهدما اللات فتقدم المغيرة فهدمها وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها .
حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس وبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق في سنة تسع ليحج بالناس ومعه عشرون بدنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة رجل فلما كان بذي الحليفة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في إثره علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره بقراءة آيات من أول سورة براءة على الناس وأن ينادي أن لا يطوف بالبيت بعد السنة عريان ولا يحج مشرك فعاد أبو بكر وقال : يا رسول الله أنزل في شيء قال : ( لا ولكن لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وصاحبي على الحوض ) قال : إلى فسار أبو بكر رضي الله عنه أميرا على الموسم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يؤذن براءة يوم الأضحى وأن لا يحج مشرك ولا يطوف عريان من الأشراف للمسعودي .
وفي ذي القعدة سنة تسع كانت وفاة عبد الله بن أبي بن أبي المنافق
ثم دخلت سنة عشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وجاءته وفود العرب قاطبة ودخل الناس في الدين أفواجا كما قال الله : ( إذا جاء نصر الله والفتح) ( النصر : 1 ) وأسلم أهل اليمن وملوك حمير .
إرسال علي بن أبي طالب إلى اليمن روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا كرم الله وجهه إلى اليمن فسار إليها وقرأ كتاب رسول الله على أهل اليمن فأسلمت همذان كلها في يوم واحد وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام وكتب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسجد شكرا لله تعالى ثم أمر عليا بأخذ صدقات نجران وجزيتهم ففعل وعاد فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة في حجة الوداع .
حجة الوداع

(1/229)


وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا لخمس بقين من ذي القعدة وقد اختلف في حجه هل كان قرانا أم تمتعا أم إفرادا والأظهر الذي اشتهر أنه كان قارنا وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ولقي علي بن أبي طالب محرما فقال : ( حل كما حل أصحابك ) فقال : إني أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي على إحرامه ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي عنه وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مناسك الحج والسنن ونزل قوله تعالى : ( اليوم يئس الذي كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة : 3 ) فبكى أبو بكر رضي الله عنه لما سمعها فكأنه استشعر أنه ليس بمعد الكمال إلا النقصان وأنه قد نعيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس خطبة بين فيها الأحكام منها : ( يا أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر فإن الزمان استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) وتمم حجته وسميت حجة الوداع لأنه لم يحج بعدها ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقام بها حتى خرجت السنة .
ثم دخلت سنة إحدى عشرة .
مرضه صلى الله عليه وسلم ووفاته

(1/230)


لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع أقام بالمدينة حتى خرجت سنة عشر والمحرم من سنة إحدى عشرة ومعظم صفر وابتدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه في أواخر صفر قيل لليلتين بقيتا منه وهو في بيت زينب بنت جحش وكان يدور على نسائه حتى اشتد مرضه وهو في بيت ميمونة بنت الحارث فجمع نساءه واستأذنهن في أن يمرض في بيت إحداهن فأذن له أن يمرض في بيت عائشة فانتقل إليها كان قد جهز جيشا مع مولاه أسامة بن زيد وأكد في مسيره في مرضه وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي صداع وأنا أقول وارأساه فقال : ( بل أنا والله يا عائشة أقول وارأساه ) ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك ) قالت : فقلت كأني بك والله لو فعلت ذلك ورجعت إلى بيتي وتعزيت ببعض .
نسائك فتبسم صلى الله عليه وسلم .
وفي أثناء مرضه وهو في بيت عائشة خرج بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر فحمد الله ثم قال : ( أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد مني ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستفد منه ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني ) .
ثم نزل وصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد إلى مقالته فادعى عليه رجل ثلاثة دراهم فأعطاه عوضها ثم قال : ( ألا إن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ) ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال : ( إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده ) فبكى أبو بكر ثم قال : فديناك بأنفسنا .
ثم أوصى بالأنصار فقال : يا معشر المهاجرين أصبحتم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد والأنصار عيبتي التي أويت إليها فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم .

(1/231)


ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أيام مرضه يصلي بالناس وإنما انقطع ثلاثة أيام فلما أذن بالصلاة أول ما انقطع فقال : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) وتزايد به مرضه حتى توفي يوم الاثنين ضحوة النهار وقيل نصف النهار وقالت عائشة رضي الله عنها : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول : ( اللهم أعني على سكرات الموت ) .
قالت : وثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول : ( بل الرفيق الأعلى ) .
قالت : فلما قبض وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي مع النساء وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فعلى هذه الرواية يكون يوم وفاته ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد أكثر العرب إلا أهل المدينة ومكة والطائف فإنه لم يدخلها ردة وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فاستخفى عتاب خوفا على نفسه فارتجت مكة وكاد أهلها يرتدون فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بقريش وغيرهم فاجتمعوا إليه فقال : يا أهل مكة كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا أول من ارتد والله ليتمن الله هذا الأمر كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام فامتنع أهل مكة من الردة وحكى القاضي شهاب الدين بن أبي الدم في تاريخه قال : فاقتحم جماعة على النبي صلى الله عليه وسلم ينظرون إليه وقالوا : كيف يموت وهو شهيد علينا . لا والله ما مات بل رفع كما رفع عيسى ونادوا على الباب لا تدفنوه فإن رسول الله لم يمت فتربصوا به حتى خرج عمه العباس وقال : والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله الموت .

(1/232)


وقيل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء ثاني يوم موته وقيل ليلة الأربعاء وهو الأصح وقيل بقي ثلاثا لم يدفن وكان الذي تولى غسله علي بن أبي طالب والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم فكان العباس وابناه يقلبونه وأسامة بن زيد وشقران يصبان الماء وعلي يغسله وعليه قميصه وهو يقول بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ولم ير منه ما يرى من ميت وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وبرد حبرة درج فيها أدراجا وصلوا عليه ودفن تحت فراشه الذي مات عليه وحفر له أبو طلحة الأنصاري ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم أبناء العباس .
عمره
واختلف في مدة عمره فالمشهور أنه ثلاث وستون سنة وقيل خمس وستون سنة وقيل ستون سنة والمختار أنه بعث لأربعين سنة وأقام بمكة يدعو إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة وكسرا وأقام بالمدينة بعد الهجرة قريب عشر سنين فذلك ثلاث وستون سنة وكسور وقد مضى ذكره وتحقيقه عند ذكر الهجرة .
صفته
وصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير ضخم الرأس كث اللحية شثن الكفين والقدمين ضخم الكراديس مشربا وجهه حمرة وقيل كان أدعج العين سبط الشعر سهل الخدين كأن عنقه إبريق فضة وقال أنس : لم يشنه الله بالشيب وكان في مقدم لحيته عشرون شعرة بيضاء وفي مفرق رأسه شعرات بيض وروي أنه كان يخضب بالحناء والكتم وكان بين كتفيه خاتم النبوة وهو بضعة ناشزة حولها شعر مثل بيضة الحمامة تشبه جسده وقيل كان لونه أحمر قال القاضي شهاب الدين بن أبي الدم في تاريخه المظفري وكان أبو رثمة طبيبا في الجاهلية فقال : يا رسول الله إني أداوي فدعني أطب ما بكتفك فقال : يداريها الذي خلقها .
خلقه

(1/233)


كان صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا يكثر الذكر ويقل اللغو دائم البشر مطيل الصمت لين الجنب سهل الخلق وكان عنده القريب والبعيد والقوي والضعيف في الحق سواء وكان يحب المساكين ولا يحقر فقيرا لفقره ولا يهاب ملكا لملكه وكان يؤلف قلوب أهل الشرف وكان يؤلف أصحابه ولا ينفرهم ويصابر من جالسه ولا يحيد عنه حتى يكون الرجل هو المنصرف وما صافحه أحد فيترك يده حتى يكون ذلك الرجل هو الذي يترك يده وكذلك من قاومه لحاجة يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى يكون الرجل هو المنصرف وكان يتفقد أصحابه يسأل الناس عما في الناس وكان يحب العنز ويجلس على الأرض وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويلبس المخصوف والمرقوع عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار وكان قوتهم التمر والماء .
أولاده
وكان رسول الله صلى الله أولاده وكل أولاده عليه السلام من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية وولد إبراهيم في سنة ثمان من الهجرة في ذي الحجة وتوفي سنة عشر من الأشراف للمسعودي قال : عاش إبراهيم سنة وعشرة أشهر وأولاده الذكور من خديجة القاسم وبه كان يكنى والطيب والطاهر وعبد الله ماتوا صغارا والإناث أربع فاطمة زوج علي رضي الله عنهما وزينب زوج أبي العاص وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بالإسلام ثم ردها إلى أبي العاص بالنكاح الأول لما أسلم ورقية وأم كلثوم تزوج بهما عثمان واحدة بعد أخرى .
زوجاته
وتزوج صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة دخل بثلاث عشرة وجمع بين إحدى عشرة وقيل أنه دخل بإحدى عشرة ولم يدخل بأربع وتوفي عن تسع غير مارية القبطية سريته والتسع هن عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش وميمونة وصفية وجويرية وأم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن .
كتابه

(1/234)


وكان يكتب له عثمان بن عفان أحيانا وعلي بن أبي طالب وكتب له خالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد والعلا بن الحضرمي وأول من كتب له أبي بن كعب وكتب له زيد بن ثابت وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وارتد ثم أسلم بوم الفتح وكتب له بعد الفتح معاوية بن أبي سفيان .
سلاحه
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من السلاح سيفه المسمى ذا الفقار غنمه يوم بدر وكان لمنبه بن الحجاج السهمي وقيل لغيره وسمي ذا الفقار لحفر فيه وغنم من بني قينقاع ثلاثة أسياف وقدم معه إلى المدينة لما هاجر سفيان شهد بأحدهما بدرا وكان له أرماح ثلاثة وثلاثة قسي ودرعان غنمهما من بني قينقاع وكان له ترس فيه تمثال فأصبح وقد أذهبه الله تعالى .
عدد غزواته وسراياه صلى الله عليه وسلم
قيل كانت غزواته تسع عشرة وقيل ستا وعشرين وقيل سبعا وعشرين غزوة وآخر غزواته غزوة تبوك ووقع القتال منها في تسع وهي بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف وباقي الغزوات لم يجر فيها قتال وأما السرايا والبعوث فقيل خمس وثلاثون وقيل ثمان وأربعون .
أصحابه

(1/235)


قد اختلف الناس فيمن يستحق أن يطلق عليه صحابي فكان سعيد بن المسيب لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وأكثر وغزا معه وقال بعضهم كل من أدرك الحلم وأسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي ولو أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة واحدة وقال بعضهم لا يكون صحابيا إلا من تخصص به الرسول صلى الله عليه وسلم وتخصص هو بالرسول صلى الله عليه وسلم بأن يثق رسول الله صلى الله عليه وسلم بسريرته ويلازم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر والأكثر على أن الصحابي : هو كل من أسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ولو أقل زمان وأما عددهم على هذا القول الأخير فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سار في عام فتح مكة في عشرة آلاف مسلم وسار إلى حنين في اثني عشر ألفا وسار إلى حجة الوداع في أربعين ألفا وأنهم كانوا عند وفاته صلى الله عليه وسلم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا .
وأما مراتبهم فالمهاجرون أفضل من الأنصار على الإجمال وأما على التفضيل فسباق الأنصار أفضل من متأخري المهاجرين وقد رتب أهل التواريخ والصحابة على طبقات فالطبقة الأولى أول الناس إسلاما كخديجة وعلي وزيد وأبي بكر الصديق رضي الله عنهم ومن تلاهم ولم يتأخر إلى دار الندوة .
الطبقة الثانية أصحاب دار الندوة وفيها أسلم عمر رضي الله عنه .

(1/236)


الطبقة الثالثة المهاجرون إلى الحبشة الرابعة أصحاب العقبة الأولى وهم سباق الأنصار الخامسة أصحاب العقبة الثانية السادسة أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين السابعة المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته وهو بقباء قبل بناء مسجده الثامنة أهل بدر الكبرى التاسعة الذين هاجروا بين بدر والحديبية العاشرة أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة الحادية عشرة الذين هاجروا بعد الحديبية وقبل الفتح الثانية عشرة الذين أسلموا يوم الفتح الثالثة عشرة صبيان أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه ومن الصحابة أهل الصفة وكانوا أناسا فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ينامون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ويظلون فيه وكان صفة المسجد مثواهم فنسبوا إليها وكان إذا تعشى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو منهم طائفة يتعشون معه ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم وكان من مشاهيرهم أبو هريرة وواثلة بن الأسقع وأبو ذر رضي الله خبر الأسود العنسي وفي مدة مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الأسود العنسي واسمه عيهلة بن كعب ويقال له ذو الخمار لأنه كان يقول يأتيني ذو خمار وكان الأسود المذكور يشعبذ ويري الجهال الأعاجيب ويسبي بمنطقه قلب من يسمعه وهو ممن ارتد وتنبأ من الكذابين وكاتبه أهل نجران وكان هناك من المسلمين عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص فأخرجهما أهل نجران وسلموهما إلى الأسود ثم سار الأسود من نجران إلى صنعاء فملكها وصفي له ملك اليمن واستفحل أمره وكان خليفته في مذحج عمرو بن معدي كرب فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بعث رسولا إلى الأبناء وأمرهم أن يخاذلوا الأسود إما غيلة وإما مصادمة وأن يستنجدوا رجالا من حمير وهمذان وكان الأسود قد تغير على قيس بن عبد يغوث فاجتمع به جماعة ممن كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثوا معه في قتل الأسود فوافقهم

(1/237)


واجتمعوا بامرأة الأسود وكان الأسود قد قتل أباها فقالت : والله إنه لأبغض الناس إلي ولكن الحرس محيطون بقصره فانقبوا عليه البيت فواعدوها على ذلك ونقبوا عليه البيت ودخل عليه شخص اسمه فيروز فقتل الأسود وأحز رأسه فخار خوار الثور فابتدر الحرس الباب فقالت زوجته : هذا النبي يوحى إليه فلما طلع الفجر أمروا المؤذن فقال : أشهد أن محمدا رسول الله وأن عيهلة كذاب وكتب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فورد الخبر من السماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلم أصحابه بقتل الأسود المذكور ووصل الكتاب بقتل الأسود في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عبد الله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيها الناس إني قد رأيت ليلة القدر ثم انتزعت مني ورأيت في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة وصاحب صنعاء ولن تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا كل منهم يزعم أنه نبي ) وكان قتل الأسود المذكور قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوم وليلة وكان من أول خروج الأسود إلى أن قتل أربعة أشهر وأما صاحب اليمامة فهو مسيلمة الكذاب وسنذكر خبره ومقتله في خلافة أبي بكر رضي الله عنه .

(1/238)


تاريخ أبى الفداء
( 18 من 87 )

أخبار أبي بكر الصديق وخلافته رضي الله عنه
لما قبض الله نبيه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات علوت رأسه بسيفي هذا وإنما ارتفع إلى السماء فقرأ أبو بكر ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( آل عمران : 144 ) فرجع القوم إلى قوله وبادروا سقيفة بني ساعدة فبايع عمر أبا بكر رضي الله عنهما وانثال الناس عليه يبايعونه في العشر الأوسط من ربيع الأول سنة إحدى عشرة خلا جماعة من بني هاشم والزبير وعتبة بن أبي لهب وخالد بن سعيد ابن العاص والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبي ذر وعمار بن ياسر والبر بن عازب وأبي بن كعب ومالوا مع علي بن أبي طالب وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب : ما كنت أحسب أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن عن أول الناس إيمانا وسابقه وأعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي من جبريل عون له في الغسل والكفن وكذلك تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أمية ثم إن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي الله عنها وقال : إن أبوا عليك فقاتلهم .
فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار فلقيته فاطمة رضي الله عنها وقالت : إلى أين يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا قال : نعم أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمة فخرج علي حتى أتى أبا بكر فبايعه كذا نقله القاضي جمال الدين بن واصل وأسنده إلى ابن عبد ربه المغربي .

(1/239)


وروى الزهري عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها صلى الله عليه وسلم فأرسل علي إلى أبي بكر رضي الله عنهما فأتاه في منزله فبايعه وقال علي : ما نفسنا عليك ما ساقه الله إليك من فضل وخير ولكنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا وما ننكر فضلك .
ولما تولى أبو بكر كان أسامة بن زيد مبرزا وكان عمر بن الخطاب من جملة جيش أسامة علي ما عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر لأبي بكر : إن الأنصار تطلب رجلا أقدم سنا من أسامة فوثب أبو بكر وكان جالسا وأخذ بلحية عمر وقال : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب استعمله رسول الله وتأمرني أن أعزله ثم خرج أبو بكر معسكر أسامه وأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب فقال له أسامة : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لتركبن أو لأنزلن فقال أبو بكر : والله لا تنزل ولا ركبت وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله ولما أراد الرجوع قال أبو بكر لأسامة : إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن أسامة لعمر بالمقام .
وفي أيام أبي بكر ادعت سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية النبوة واتبعها بنو تميم وأخوالها من تغلب وغيرهم من بني ربيعة وقصدت مسيلمة الكذاب ولما وصلت إليه قصدت الاجتماع به فقال لها : أبعدي أصحابك ففعلت فنزل وضرب لها قبة وطيبها بالبخور واجتمع بها وقالت : له ماذا أوحي إليك فقال : ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى .
أخرج منها نسمة تسعى .
من بين صفاق وغشى .
قالت : وما أنزل الله عليك أيضا .
قال : ألم تر أن الله خلق النساء أفواجا .
وجعل الرجال لهن أزواجا فتولج فيهن إيلاجا .
ثم نخرج ما شئنا إخراجا .
فينتجن لنا إنتاجا .
فقالت : أشهد أنك نبي فقال : هل لك أن أتزوجك قالت : نعم .

(1/240)


فقال لها : ألا قومي إلى النيك فقد هيي لك المضجع فإن شئت ففي البيت وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناك وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه وإن شئت به أجمع فقالت : بل به أجمع يا رسول الله .
فقال : بذلك أوحي إلي فأقامت عنده ثم انصرفت إلى قومها ولم تزل سجاح في أخوالها من تغلب حتى نفاهم معاوية عام بويع فيه فأسلمت سجاح وحسن إسلامها وانتقلت إلى البصرة وماتت بها .
وفي أيام أبي بكر قتل مسيلمة الكذاب وكان أبو بكر قد أرسل إلى قتاله جيشا وقدم عليهم خالد بن الوليد فجرى بينهم قتال شديد وآخره انتصر المسلمون وهزموا المشركين وقتل مسيلمة الكذاب قتله وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم وشاركه في قتله رجل من الأنصار وكان مقام مسيلمة باليمامة وكان مسيلمة قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني حنيفة فأسلم ثم ارتد وادعى النبوة استقلالا ثم مشاركة مع النبي صلى الله عليه وسلم وقتل من المسلمين في قتال مسيلمة جماعة من القراء من المهاجرين والأنصار ولما رأى أبو بكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال وجريد النخل والجلود وترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولما تولى عثمان ورأى اختلاف الناس في القرآن كتب من ذلك المكتوب الذي كان عند حفصة نسخا وأرسلها إلى الأمصار وأبطل ما سواها .
وفي أيام أبي بكر منعت بنو يربرع الزكاة وكان كبيرهم مالك بن نويرة وكان ملكا فارسا مطاعا شاعرا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم فولاه صدقه قومه فلما منع الزكاة أرسل أبو بكر إلى مالك المذكور خالد بن الوليد في معنى الزكاة فقال مالك : أنا آتي بالصلاة دون الزكاة : فقال خالد : أما علمت أن الصلاة والزكاة معا لا تقبل واحدة دون الأخرى فقال مالك : قد كان صاحبكم يقول ذلك .

(1/241)


قال خالد : أوما تراه لك صاحبا والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجاولا في الكلام فقال له خالد : إني قاتلك .
فقال له : أو بذلك أمرك صاحبك قال : وهذه بعد تلك وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما .
فقال مالك : يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا .
فقال خالد : لا أقالني الله إن أقلتك وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد : هذه التي قتلتني وكانت في غاية الجمال فقال خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام .
فقال مالك : أنا على الإسلام فقال خالد : يا ضرار اضرب عنقه .
فضرب عنقه وجعل رأسه اثفية القدر وكان من أكثر الناس شعرا وقبض خالد امرأته قيل : إنه اشتراها من الفيء وتزوج بها وقيل إنها اعتدت بثلاث حيض وتزوج بها وقال لابن عمر ولأبي قتادة : احضرا النكاح فأبيا وقال له ابن عمر : نكتب إلى أبي بكر ونعلمه بأمرها وتتزوج بها فأبى وتزوجها .
وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي : قضى خالد بغيا عليه بعرسه وكان له فيها هوى قبل ذلك فأمضى هواه خالد غير عاطف عنان الهوى عنها ولا متمالك فأصبح ذا أهل وأصبح مالك إلى غير أهل هالكا في الهوالك ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر : إن خالدا قد زنى فارجمه قال : ما كنت أرجمه فإنه تأول فأخطأ .
قال : فإنه قد قتل مسلما فاقتله قال : ما كنت أقتله فإنه تأول فأخطأ .
قال فاعزله قال ما كنت أغمد سيفا سله الله عليهم .
ولما بلغ متمم بن نويرة أخا مالك المذكور مقتل أخيه بكاه وندبه بالأشعار الكثيرة فمن ذلك قصيدة متمم العينية المشهورة التي منها : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن نتصدعا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وفي أيام أبي بكر فتحت الحيرة بالأمان على الجزية .

(1/242)


ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وسنة ثلاثة عشرة
فيها كانت وقعة اليرموك وهي الوقعة العظيمة التي كانت سبب فتوح الشام وكانت سنة ثلاث عشرة للهجرة وكان هرقل إذ ذاك بحمص فلما بلغه هزيمة الروم باليرموك رحل عن حمص وجعلها بينه وبين المسلمين ولما فرغ خالد بن الوليد وأبو عبيدة من رقعة اليرموك قصدا بصرى فجمع صاحب بصرى الجموع للملتقى ثم إن الروم طلبوا الصلح فصولحوا على كل رأس دينار وجريب حنطة .
وفاة أبي بكر رضي الله عنه
وقد اختلف في سبب موته فقيل إن اليهود سمته في أرز وقيل في حسو فأكل هو والحارث بن كلدة فقال الحارث : أكلنا طعاما مسموما سم سنة فماتا بعد سنة وعن عائشة رضي الله عنها أنه اغتسل وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة وأمر عمر أن يصلي بالناس وعهد بالخلافة إلى عمر ثم توفي في مساء ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخر سنة ثلاث عشرة فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال وعمره ثلاث وستون سنة وغسلته زوجته أسماء بنت عميس وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القبر والمنبر وأوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفر له وجعل رأسه عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حسن القامة خفيف العارضين معروق الوجه غائر العينين ناتئ الجبهة أحنى عاري الأشاجع يخضب بالحناء والكتيم .
خلافة عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى رضي الله عنه
بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأول خطبة خطبها قال : يا أيها الناس والله ما فيكم أحدا أقوى عندي من الضعيف بم حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه .

(1/243)


ثم أول شيء أمر به أن عزل خالد بن الوليد عن الإمرة وولى أبا عبيدة على الجيش والشام وأرسل بذلك إليهما وهو أول من سمي بأمير المؤمنين .
وكان أبو بكر يخاطب بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم سار أبو عبيدة ونازل دمشق وكانت منزلته من جهة باب الجابية ونزل خالد من جهة باب توما وباب شرقي ونزل عمرو بن العاص بناحية أخرى وحاصروهما قريبا من سبعين ليلة وفتح خالد ما يليه بالسيف فخرج أهل دمشق وبذلوا الصلح لأبي عبيدة من الجانب الآخرة وفتحوا له الباب فأمنهم ودخل والتقى مع خالد في وسط البلد وبعث أبو عبيدة بالفتح إلى عمر وفي أيامه فتح العراق .
ثم دخلت سنة أربع عشرة فيها في المحرم أمر عمر ببناء البصرة فاختطت وقيل في سنة خمس عشرة وفيها توفي أبو قحافة أبو أبي بكر الصديق وعمره سبع وتسعون سنة وكانت وفاته بعد وفاة ابنه أبي بكر .

(1/244)


ثم دخلت سنة خمس عشرة فيها فتحت حمص بعد دمشق بعد حصار طويل حتى طلب الروم الصلح فصالحهم أبو عبيدة على ما صالح أهل دمشق ثم سار إلى حماة قال القاضي جمال الدين ابن واصل رحمه الله تعالى في التاريخ الذي نقلنا هذا منه : إن حماة كانت في زمن داود وسليمان عليهما السلام مدينة عظيمة قال : وقد وجدت ذكرها في أخبار داود وسليمان في كتاب أسفار الملوك الذي بأيدي اليهود وكذلك كانت في زمن اليونان إلا أنها في زمن الفتوح وقبله كانت صغيرة هي وشيرز وكانا من عمل حمص وكانت حمص كرسي مملكة هذه البلاد وقد ذكرهما امرؤ القيس في قصيدته التي أولها : سما لك شوق بعدما كان اقصرا ويقول من جملتها : تقطع أسباب اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماة وشيزرا قال بعض الشراح : حماة شيزر قريتان من قرى حمص ولما وصل أبو عبيدة إلى حماة خرجت الروم التي بها إليه يطلبون الصلح فصالحهم على الجزية لرؤوسهم والخراج على أرضهم وجعل كنيستهم العظمى جامعا وهو جامع السوق الأعلى من حماة ثم جدد في خلافة المهدي من بني العباس وكان على لوح منه مكتوب أنه جدد من خراج حمص ثم سار أبو عبيدة إلى شيزر فصالحه أهلها على صلح أهل حماة وكذلك صالح أهل المعرة وكان يقال لها معرة حمص ثم قيل لها معرة النعمان بن بشير الأنصاري لأنها كانت مضافة إليه مع حمص في خلافة معاوية ثم سار أبو عبيدة إلى اللاذقية ففتحهما عنوة وفتح جبلة وطرطوس ثم سار أبو عبيدة إلى قنسرين وكانت كرسي المملكة المنسوبة .
اليوم إلى حلب وكانت حلب من جملة أعمال قنسرين ولما نازلها أبو عبيدة وخالد بن الوليد كان بها جمع عظيم من الروم فجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه المسلمون ثم بعد ذلك طلب أهلها الصلح على صلح أهل حمص فأجابهم على أن يخربوا المدينة فخربت .

(1/245)


ثم فتح بعد ذلك حلب وإنطاكية ومنبج ودلوك وسرمين وتنزين وعزاز واستولى على الشام من هذه الناحية ثم سار خالد إلى مرعش ففتحها وأجلى أهلها وأخربها وفتح حصن الحدث وفي هذه السنة لما فتحت هذه البلاد وهي سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة أيس هرقل من الشام وسار إلى قسطنطينية من إثرها ولما سار هرقل على نشر من الأرض ثم التفت إلى الشام وقال : السلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده ولا يعود إليك رومي بعدها إلا خائفا حتى يولد لولد المشؤوم وليته لم يولد فأجل فعله فتنته على الروم ثم .
فتحت قيسارية وصبصطية وبها قبر يحيى بن زكريا ونابلس واللد ويافا وتلك البلاد جميعها .
وأما بيت المقدس فطال حصاره وطلب أهله من أبي عبيدة أن يصالحهم على صلح أهل الشام بشرط أن يكون عمر بن الخطاب متولي أمر الصلح فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك فقدم عمر رضي الله عنه إلى القدس وفتحها واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وفي هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وضع عمر بن الخطاب الدواوين وفرض العطاء للمسلمين ولم يكن قبل ذلك وقيل : كان ذلك سنة عشرين فقيل له : ابدأ بنفسك .
فامتنع وبدأ بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض له خمسة وعشرين ألفا ثم بدأ بالأقرب فالأقرب من رسول من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف وفرض لمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة الرضوان أربعة آلاف أربعة آلاف ثم لمن بعدهم ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف وفرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا ولروادفهم خمس مائه خمس مائة ثم ثلاثمائة ثلاثمائة ثم مائتين وخمسين مائتين وخمسين .

(1/246)


وكان في هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وقعة القادسية وكان المتولي لحرب الأعاجم فيها سعد بن أبي وقاص وكان مقدم العجم رستم وجرى بين المسلمين وبين الأعاجم إذ ذاك قتال عظيم دام أياما فكان اليوم الأول يوم أغواث ثم يوم غماس ثم ليلة الهرير لتركهم الكلام فيها وإنما كانوا يهرون هريرا حتى أصبح الصباح ودام القتال إلى الظهيرة وهبت ريح عاصفة فأكل الغبار على المشركين فانكسروا وانتهى القعقاع وأصحابه إلى سرير رستم وقد قام رستم عنه واستظل تحت بغال عليها مال وصلت من كسرى للنفقة فلما شدوا على رستم هرب ولحقه هلال بن علقمة فأخذ برجله وقتله ثم جاء به حتى رمي به بين أرجل البغال وصعد السرير ونادى : قتلت رستم ورب الكعبة وتمت الهزيمة على العجم وقتل منهم ما لا يحصى ثم ارتحل سعد ونزل غربي دجلة على نهر شير قبالة مدائن كسرى وديوانه المشهور ولما شاهد المسلمون إيوان كسرى كبروا وقالوا : هذا أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله .
ثم دخلت سنة ست عشرة وأقام سعد على نهر شير إلى أيام من صفر ثم عبروا دجلة وهربت الفرس من المدائن نحو حلوان وكان يزد جرد قد قدم عياله إلى حلوان وخرج هو ومن معه بما قدروا عليه من المتاع ودخل المسلمون المدائن وقتلوا كل من وجدوه واحتاطوا بالقصر الأبيض ونزل به سعد واتخذوا إيران كسرى مصلى واحتاطوا على أموال من ذهب والآنية والثياب تخرج عن الإحصاء وأدرك بعض المسلمين بغلا وقع في الماء فوجد عليه حلية كسرى من التاج والمنطقة والدرع وغير ذلك كله مكلل بالجوهر ووجدوا أشياء يطول شرحها .
وكان لكسرى بساط طوله ستون ذراعا في ستين ذراعا وكان على هيئة روضة قد صورت فيه الزهور بالجوهر على قضبان الذهب فاستوهب سعد ما يخص أصحابه منه وبعث به إلى عمر فقطعه عمر وقسمه بين المسلمين فأصاب علي بن أبي طالب منه قطعة فباعها بعشرين ألف درهم .

(1/247)


وأقام سعد بالمدائن وأرسل جيشا إلى جلولاء وكان قد اجتمع بها الفرس فانتصر المسلمون وقتلوا من الفرس ما لا يحصى وهذه الوقعة هي المعروفة بوقعة جلولاء وكان يزد جرد بحلوان فسار عنها وقصدها المسلمون واستولوا عليها ثم فتح المسلمون تكريت والموصل .
ثم فتحوا ما سبذان عنوة وكذلك قرقيسيا .
وفي هذه السنة أعني سنة ست عشرة للهجرة قدم جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتلقاه جماعة من المسلمين ودخل في زي حسن وبين يديه جنائب مقادة ولبس أصحابه الديباج ثم خرج عمر إلى الحج في هذه السنة فحج جبلة معه فبينما جبلة طائفا إذ وطئ رجل من فزازة على إزاره فلطمه جبلة فهشم أنفه فأقبل الفزاري إلى عمر وشكاه فأحضره عمر وقال : افتد نفسك وإلا أمرته أن يلطمك فقال جبلة : كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة فقال عمر : إن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد .
فقال جبلة : كنت أظن أني بالإسلام أعز مني في الجاهلية .
فقال عمر : دع عنك هذا .
فقال جبلة أتنصر .
فقال عمر : إن تنصرت ضربت عنقك .
فقال أنظرني ليلتي هذه فأنظره فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله إلى الشام ثم صار إلى القسطنطينية وتبعه خمس مائة رجل من قومه فتنصروا عن آخرهم وفرح هرقل بهم وأكرمه ثم ندم جبلة على فعله ذلك وقال :
تنصرت الأشراف من عار لطمة ** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني فيها لجاج ونخوة ** وبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ** رجعت إلى القول الذي قاله عمر
وكان قد مضى رسول عمر إلى هرقل وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة فأرسل جبلة خمس مائة دينار لحسان ابن ثابت وأوصلها عمر إليه ومدحه حسان ابن ثابت بأبيات منها :
إن ابن جفنة من بقية معشر ** لم يعرهم أباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها ** كلا ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده ** إلا كبعض عطية المذموم

(1/248)


ثم دخلت سنة سبع عشرة فيها اختطت الكوفة وتحول سعد إليها وفي هذه السنة اعتمر عمر وأقام بمكة عشرين ليلة ووسع في المسجد الحرام وهدم منازل قوم أبوا أن يبيعوها وجعل أثمانها في بيت المال وتوج أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب وأمها فاطمة رضي الله عنهما .
وفي هذه السنة كانت واقعة المغيرة بن شعبة وهي أن المغيرة كان عمر قد ولاه البصرة وكان في قبالة العلية التي فيها المغيرة بن شعبة علية فيها أربعة وهم : أبو بكرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه لأمه زياد بن أبيه ونافع بن كلدة وشبل بن معبد فرفعت الريح الكوة عن العلية فنظروا إلى المغيرة وهو على أم جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة وكانت تغشى المغيرة فكتبوا إلى عمر بذلك فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود وولى البصرة أبا موسى الأشعري فلما قدم إلى عمر شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا وأما زياد بن أبيه فلم يفصح شهادة الزنا وكان عمر قد قال قبل أن يشهد : أرى رجلا أرجو أن لا يفضح الله به رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زياد : رأيته جالسا بين رجلي امرأة ورأيت رجلين مرفوعتين كأذني حمار ونفسا يعلو وإستا تنبو عن ذكر ولا أعرف ما وراء ذلك .
فقال عمر هل رأيت الميل في المكحلة قال : لا .
فقال : هل تعرف المرأة قال : لا ولكن أشبهها .

(1/249)


فأمر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا أن يحدوا حد القذف فجلدوا وكان زياد أخا أبي بكرة وفيها فتح المسلمون الأهواز وكان قد استولى عليها الهرمزان وكان من عظماء الفرس ثم فتحوا رام هرمز وتستر وتحصن الهرمزان في القلعة وحاصروه فطلب الصلح على حكم عمر فأنزل على ذلك وأرسلوا به إلى عمر ومعه وفد منهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس فلما وصلوا به إلى المدينة ألبسوه كسوته من الديباج المذهب ووضعوا على رأسه تاجه وهو مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون فطلبوا عمر فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل جالس في المسجد فأتوه وهو نائم فجلسوا دونه فقال الهرمزان : أين هو عمر : قالوا : هوذا .
قال : فأين حرسه وحجابه قالوا ليس له حارس ولا حاجب واستيقظ عمر على جلبة الناس فنظر إلى الهرمزان وقال : الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه وأمر بنزع ما عليه فنزعوه وألبسوه ثوبا ضيقا فقال له عمر : كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله فقال الهرمزان : نحن وإياكم في الجاهلية لما خلى الله بيننا وبينكم غلبناكم ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا .
ودار بينهما الكلام وطلب الهرمزان ماء فأتي به فقال : أخاف أن تقتلني وأنا أشرب فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشرب فرمى بالإناء فانكسر فقصد عمر قتله فقالت الصحابة : إنك أمنته بقولك لا بأس عليك إلى أن تشرب ولم يشرب ذلك الماء وآخر الأمر أن الهرمزان أسلم وفرض له عمر ألفين .
ثم دخلت سنة ثماني عشرة
فيها حصل في المدينة والحجاز قحط عظيم فكتب عمر إلى سائر الأمصار يستعينهم فكان ممن قدم عليه أبو عبيدة من الشام بأربعة آلاف راحلة من الزاد وقسم عمر ذلك على المسلمين حتى رخص الطعام بالمدينة ولما اشتد القحط خرج عمر ومعه العباس وجمع الناس واستسقى مستشفعا بالعباس فما رجع الناس حتى تداركت السحب وأمطروا وأقبل الناس يتمسحون بأذيال العباس رضي الله عنه .

(1/250)


وفي هذه السنة أعني سنة ثمان عشرة كان طاعون عم الناس بالشام مات به أبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واستخلف أبو عبيدة على الناس معاذ بن جبل الأنصاري فمات أيضا بالطاعون واستخلف عمرو بن العاص ومات من الناس في هذا الطاعون خمسة وعشرون ألف نفس فطال مكثه شهرا وطمع العدو في المسلمين وأصاب بالبصرة مثله .
وفي هذه السنة سار عمر إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا ثم رجع إلى المدينة في ذي القعدة .
ثم دخلت سنة تسع عشرة
وسنة عشرين فيها فتحت مصر والإسكندرية على يد عمرو بن العاص والزبير بن العوام فنازلا عين شمس وهي بقرب المطرية وكان لها جمعهم ففتحاها وبعث عمرو بن العاص أبرهة بن الصباح إلى الفرماء وضرب عمرو فسطاطه موضع جامع عمرو بمصر الآن واختطت مصر وبني موضع الفسطاط الجامع المعروف بجامع عمرو بن العاص .
ثم توجه إلى الإسكندرية ففتحها عنوة بعد قتال كثير وفيها أعني سنة عشرين توفي بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مولى أبي بكر الصديق واسم أمه حمامة وهو من مولدي الحبشة أسلم بعد إسلام أبي بكر الصديق ولم يؤذن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب من أبي بكر أن يرسله إلى الجهاد فسأله أبو بكر أن يقيم معه فأقام معه حتى تولى عمر فسأله عمر ذلك فأبى بلال وسار إلى دمشق وأقام بها حتى مات ودفن عند الباب الصغير .
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
فيها كانت وقعة نهاوند مع الأعاجم وكان قد اجتمعوا في مائة وخمسين ألفا ومقدمهم الفيرزان فجرى بينهم وبين المسلمين حروب كثيرة آخرها أن المسلمين هزموا الأعاجم وأفنوهم قتلا وهرب الفيرزان مقدم جيش الأعاجم فلما وصل إلى ثنية همذان وجد بغالا محملة عسلا فلم يقدر على المضي فنزل عن فرسه وهرب في الجبل فتبعه القعقاع راجلا وقتله فقال المسلمون إن لله جندا من عسل .

(1/251)


وفي هذه السنة فتحت الدينور والصيميرة وهمذان وأصفهان .
وفي هذه السنة توفي خالد بن الوليد
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين
فيها فتحت أذربيجان والري وجرجان فزوين وزنجان وطبرستان .
وفيها سار عمرو بن العاص إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية ثم سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها وفتحها عنوة .
وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان وحارب يزد جرد وافتتح هراة عنوة ثم سار إلى مرو روز وكتب يزد جرد إلى ملك الترك يستمده وإلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهما وانهزم يزد جرد إلى بلخ ثم سار إليه المسلمون فهزموه وعبر يزد جرد نهر جيحون ثم إن يزد جرد اختلف هو وعسكره فإنه أشار بالمقام مع الترك وأشار عسكره بمصالحة المسلمين والدخول في حكمهم فأبى يزد جرد ذلك فطرده عسكره وأخذوا خزانته وسار يزد جرد مع الترك في حاشيته وأقام بفرغانة زمن عمر كله وبقي عسكره في أماكنهم وصالحوا المسلمين .
وفيها توفي أبي بن كعب بن قيس وهو من ولد مالك بن النجار وكان يكنى أبا المنذر أحد كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي أمر الله تعالى رسوله عليه السلام أن يقرأ القرآن على أبي بن كعب المذكور وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقرأ أمتي أبي

(1/252)


تاريخ أبى الفداء
( 19 من 87 )

مقتل عمر رضي الله عنه
وفي هذه السنة طعن أبو لؤلؤة واسمه فيروز عبد المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب وهو في الصلاة بخنجر في خاصرته وتحت سرته وذلك لست بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة وتوفي يوم السبت سلخ ذي الحجة ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين وكانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام ودفن عند النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعهد بالخلافة إلى النفر الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وهم علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد رضي الله عنهم بعد أن عرضها على عبد الرحمن بن عوف فأبى .
وكان عمر رضي الله عنه طويل القامة أبيض أصلع أشيب وكان عمره خمسا وخمسين سنة وقيل ستين وقيل ثلاثا وستين وكان له من الفضل والزهد والعدل والشفقة على المسلمين القدر الوافر فمن ذلك أنه جاء إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في بيته ليلا فقال عبد الرحمن : ما جاء بك يا أمير المؤمنين في هذه الساعة فقال : إن رفقة نزلوا في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة فانطلق لنحرسهم فأتيا السوق وقعدا على نشز من الأرض يتحدثان ويحرسانهم .
وعمر أول من سمي بأمير المؤمنين وأول من كتب التاريخ وأرخ من السنة التي هاجر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من عس بالليل وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات وكانوا قبل ذلك يكبرون أربعا وخمسا وستا وأول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في رمضان وكتب بذلك إلى سائر البلدان وأمرهم به وأول من حمل الدرة وضرب بها ودون الدواوين .

(1/253)


وخطب مرة الناس وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة وكان مرة في بعض حجته فلما مر بضحيان قال لا إله إلا الله المعطي ما شاء من شاء كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة صوف وكان فظا يرعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت وقد أصبحت وليس بيني وبين الله أحد .
وفضائله رضي الله عنه أكثر من أن تحصى .
ثم دخلت سنة أربع وعشرين
فيها عقب موت عمر اجتمع أهل الشورى وهم علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم وكان قد شرط عمر أن يكون ابنه عبد الله شريكا في الرأي ولا يكون له حظ في الخلافة وطال الأمر بينهم وكان قد جعل لهم عمر مدة ثلاثة أيام وقال لا يمضي اليوم الرابع إلا ولكم أمير وإن اختلفتم فكونوا مع الذي معه عبد الرحمن .
فمضى علي إلى العباس رضي الله عنهما وقال له : عدل عنا لأن سعدا لا يخالف عبد الرحمن لأنه ابن عمه وعبد الرحمن صهر عثمان فلا يختلفون فيوليها أحدهم الآخر .
فقال العباس : لم أدفعك عن شيء إلا رجعت إلى مستأخر أشرت عليك قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأله فيمن يجعل هذا الأمر فأبيت وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل هذا الأمر فأبيت وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل فيهم فأبيت وهذا الرهط لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم له غيرنا وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير .

(1/254)


ثم جمع عبد الرحمن الناس بعد أن أخرج نفسه عن الخلافة فدعا عليا فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده فقال : أرجو أن أفعل وأعمل مبلغ علمي وطاقتي ودعا بعثمان وقال له مثل ما قال لعلي فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال : اسمع وأشهد اللهم إني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان وبايعه فقال علي ليس هذا أول يوم تظاهرتم علينا فيه فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك والله كل يوم هو في شأن .
فقال عبد الرحمن : يا علي لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا فخرج علي وهو يقول : سيبلغ الكتاب أجله .
فقال المقداد بن الأسود لعبد الرحمن : والله لقد تركته يعني عليا وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون .
فقال : يا مقداد لقد اجتهدت للمسلمين فقال المقداد : إني لأعجب من قريش إنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالحق ولا أعلم منه فقال عبد الرحمن : يا مقداد اتق الله فإني أخاف عليك الفتنة ثم لما أحدث عثمان رضي الله ما أحدث من توليته الأمصار للأحداث من أقاربه روي أنه قيل لعبد الرحمن بن عوف : هذا كله فعلك .
فقال : لم أظن هذا به لكن لله علي أن لا أكلمه أبدا ومات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان رضي الله عنهما ودخل عليه عثمان عائدا في مرضه فتحول إلى الحائط ولم يكلمه .
خلافة عثمان رضي الله عنه
وبويع عثمان رضي الله عنه لثلاث مضين من المحرم من هذه السنة أعني سنة أربع وعشرين وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة .

(1/255)


ولما بويع رقي المنبر وقام خطيبا فحمد الله وتشهد ثم أرتج عليه فقال : إن أول كل أمر صعب وإن أعش فسآتيكم الخطب على وجهها ثم نزل وأقر عثمان ولاة عمر سنة لأنه كان أوصى بذلك ثم عزل المغير بن شعبة عن الكوفة وولاها سعد بن أبي وقاص ثم عزله وولى الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخا عثمان من أمه .
ثم دخلت سنة خمس وعشرين
فيها توفي أبو ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة وكان بالشام ينكر على معاوية جمع المال ويتلو ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) ( التوبة : 34 ) الآية فكتب معاوية إلى عثمان يشكوه فكتب إليه عثمان أن أقدم المدينة فقدم إلى المدينة واجتمع الناس عليه فصار يذكر ذلك ويكثر الشناعة على من كنز الذهب والفضة فنفاه عثمان إلى الربدة وقيل كانت وفاته بالربدة سنة إحدى وثلاثين .
ثم دخلت سنة ست وعشرين فيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان أخا عثمان من الرضاعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دم عبد الله بن سعد المذكور يوم الفتح وشفع فيه عثمان حتى أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي أيام عثمان فتحت إفريقية وكان المتولي لذلك عبد الله بن سعد بن أبي سرح المذكور وبعث بالخمس إلى عثمان فاشتراه مروان بن الحكم بخمس مائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان وهذا من الأمور التي أنكرت عليه ولما فتحت إفريقية أمر عثمان عبد الله نافع بن الحصين أن يسير إلى جهة الأندلس فغزى تلك الجهة وعاد عبد الله بن نافع إلى إفريقية فأقام بها من جهة عثمان ورجع عبد الله ابن سعد إلى مصر .

(1/256)


ثم دخلت سنة سبع وعشرين وسنة ثمان وعشرين فيها استأذن معاوية عثمان في غزو البحر فأذن له فسير معاوية إلى قبرس جيشا وسار إليها أيضا عبد الله ابن سعد من مصر فاجتمعوا عليها وقاتلوا أهلها ثم صولحوا على جزية سبعة آلاف دينار في كل سنة وكان هذا الصلح بعد قتل وسبي كثير من أهل قبرس .
ثم دخلت سنة تسع وعشرين
فيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة وولاها ابن خاله عبد الله بن عامر بن كريز ثم عزل الوليد بن عقبة من الكوفة بسبب أنه شرب الخمر وصلى بالمسلمين الفجر أربع ركعات وهو سكران ثم التفت إلى الناس وقال : هل أزيدكم فقال ابن مسعود : مازلنا معك في زيادة منذ اليوم وفي ذلك يقول الحطيئة : شهدا الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر نادى وقد فرغت صلاتهم أأزيدكم سكرا وما يدري فأبوا أبا وهب ولو أذنوا لقرنت بين الشفع والوتر
ثم دخلت سنة ثلاثين
فيها بلغ عثمان ما وقع في أمر القرآن من أهل العراق فإنهم يقولون : قرآننا أصح من قرآن أهل الشام لأننا قرأنا على أبي موسى الأشعري وأهل الشام : يقولون قرآننا أصح لأنا قرأنا على المقداد بن الأسود وكذلك غيرهم من الأمصار فأجمع رأيه ورأي الصحابة على أن يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وكان مودعا عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وتحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس ففعل ذلك ونسخ من ذلك المصحف مصاحف وحمل كلا منها إلى مصر من الأمصار وكان الذي تولى نسخ المصاحف العثمانية بأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي .
وفي هذه السنة سقط من يد عثمان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم وكان من فضة فيه ثلاثة أسطر محمد رسول الله كان النبي يتختم به ويختم به الكتب التي كان يرسلها إلى الملوك .
ثم ختم به بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان إلى أن سقط في بئر أريس

(1/257)


ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين .
مهلك يزدجرد بن شهريار بن برويز
وهو آخر ملوك الفرس في هذه السنة هلك يزد جرد وقد اختلف في ذلك فقيل إنه نزل بمرو فثار عليه أهلها وقتلوه وقيل بغته الترك وقتلوا أصحابه فهرب يزد جرد إلى بيت رجل ينقر الأرحا فقتله ذلك الرجل واتبع الفرس أثر يزد جرد إلى بيت النقار وعذبوا النقار فأقر بقتله فقتلوه .
وفيها عصت خراسان واجتمع أهلها في خلق عظيم وسار إليهم المسلمون وذلك في أيام عثمان ففتحوها فتحا ثانيا .
وفي هذه السنة مات أبو سفيان بن حرب بن أمية أبو معاوية .
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين فيها توفي عبد الله بن مسعود ابن غافل بن حبيب بن شمخ من ولد مدركة بن إلياس بن مضر وفي مدركة يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء في بعض الروايات أن عبد الله بن مسعود المذكور أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة والذي روى أنه من العشرة أسقط أبا عبيدة بن الجراح وجعل عبد الله المذكور بدله وكان جليل القدر عظيما في الصحابة وهو أحد القراء رحمه الله تعالى ورضي عنه .
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين فيها تكلم جماعة من الكوفة في حق عثمان بأنه ولى جماعة من أهل بيته لا يصلحون للولاية فكتب سعيد بن العاص والي الكوفة من قبل عثمان إليه بذلك فأمره عثمان بأن يسير الذين تكلموا بذلك إلى معاوية بالشام فأرسلهم وفيهم الحارث بن مالك المعروف بالأشتر النخعي وثابت ابن قيس النخعي وجميل بن زياد وزيد بن صوحان العبدي وأخوه صعصعة وجندب بن زهير وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق فقدموا على معاوية وجرى بينهم كلام كثير وحذرهم الفتنة فوثبوا وأخذوا بلحية معاوية ورأسه فكتب بذلك إلى عثمان فكتب إليه عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص فردهم إلى سعيد فأطلقوا ألسنتهم في عثمان واجتمع أهل الكوفة .

(1/258)


ثم دخلت سنة أربع وثلاثين فيها قدم سعيد إلى عثمان وأخبره بما فعله أهل الكوفة وأنهم يختارون أبا موسى الأشعري فولى عثمان أبا موسى الكوفة فخطبهم أبو موسى وأمرهم بطاعة عثمان فأجابوا إلى ذلك وتكاتب نفر من الصحابة بعضهم إلى بعض أن أقدموا فالجهاد عندنا ونال الناس من عثمان وليس أحد من الصحابة ينهي عن ذلك ولا يذب إلا نفر منهم زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت ومما نقم الناس عليه رده الحكم بن العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريد أبي بكر وعمر أيضا وإعطاء مروان بن الحكم خمس غنائم إفريقية وهو خمس مائة ألف دينار وفي ذلك يقول عبد الرحمن الكندي : سأحلف بالله جهد اليمين ما ترك الله أمرا سدا ولكن خلقت لنا فتنة لكي نبتلى بك أو تبتلى فإن الأمينين قد بنيا منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة وما جعلا درهما في الهوى دعوت اللعين فأدنيته خلافا لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس العباد ظلما لهم وحميت الحمى وأقطع مروان بن الحكم فدك وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي طلبتها فاطمة ميراثا فروى أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) ولم تزل فدك في يد مروان وبنيه إلى أن تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله وردها صدقة .
وفي هذه السنة توفي المقداد بن الأسود وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة ونسب إلى الأسود بن عبد يغوث لأنه كان قد حالف الأسود المذكور في الجاهلية فتبناه فعرف بالمقداد بن الأسود فلما نزل قوله تعالى ( أدعوهم لآبائهم ) ( الأحزاب : 5 ) الآية قيل له المقداد بن عمرو ولم يكن في يوم بدر من المسلمين صاحب فرس غير المقداد في قول وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها وكان عمره نحو سبعين سنة .
مقتل عثمان رضي الله عنه
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين

(1/259)


فيها قدم من مصر جمع قيل ألف وقيل سبع مائة وقيل خمس مائة وكذلك قدم من الكوفة جمع وكذلك من البصرة وكان هوى المصريين مع علي وهوى الكوفيين مع الزبير وهوى البصريين مع طلحة فدخلوا المدينة ولما جاءت الجمعة التي تلي دخولهم المدينة خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر وقال للجموع المذكورة : يا هؤلاء الله يعلم وأهل المدينة يعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال : أنا أشهد بذلك فثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم جماعة من أهل المدينة عن عثمان منهم سعد بن أبي وقاص والحسن بن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة رضي الله عنهم فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلت الجموع المذكورة في المسجد ثلاثين يوما ثم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي أمير جمع مصر ولزم أهل المدينة بيوتهم وعثمان محصور في داره ودام ذلك أربعين يوما وقيل خمسين ثم إن عليا اتفق مع عثمان على ما تطلبه الناس منه من عزل مروان عن كتابته وعبد الله بن أبي سرح عن مصر فأجاب عثمان إلى ذلك وفرق علي الناس عنه ثم اجتمع عثمان بمروان فرده عن ذلك ثم اضطره الحال حتى عزل ابن أبي سرح عن مصر وولاها محمد بن أبي بكر الصديق وتوجه مع محمد بن أبي بكر عدة من المهاجرين والأنصار فبينما هم في أثناء الطريق وإذا بعبد على هجين يجهده فقالوا له : إلى أين قال : إلى العامل بمصر .
فقالوا : هذا عامل مصر يعنون محمد بن أبي بكر فقال : بل العامل الآخر يعني ابن أبي سرح فأمسكوه وفتشوه فوجدوا معه كتابا مختوما بختم عثمان يقول : إذا جاءك محمد بن أبي بكر ومن معه بأنك معزول فلا تقبل واحتل بقتلهم وأبطل كتابهم وقر في عملك .

(1/260)


فرجع محمد بن أبي بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار إلى المدينة وجمعوا الصحابة وأوقفوهم على الكتاب وسألوا عثمان عن ذلك فاعترف بالختم وخط كاتبه وحلف بالله أنه لم يأمر بذلك فطلبوا منه مروان ليسلمه إليهم بسبب ذلك فامتنع .
فازداد حنق الناس على عثمان وجدوا في قتاله فأقام علي ابنه الحسن يذب عنه وأقام الزبير ابنه عبد الله وطلحة ابنه محمد يذبون عنه بحيث خرج الحسن وانصبغ بالدم وآخر الحال أنهم تسوروا على عثمان من دار لزق داره ونزل عليه جماعة فيهم محمد بن أبي بكر فقتلوه .
وكان عثمان رضي الله عنه حين قتل صائما يتلو في المصحف وكان مقتله لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين .
وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما .
واختلف في عمره فقيل خمس وسبعون وقيل اثنتان وثمانون وقيل تسعون وقيل غير ذلك ومكث ثلاثة أيام لم يدفن لأن المحاربين له منعوا من ذلك ثم أمر علي بدفنه وكان عثمان معتدل القامة حسن الوجه بوجهه أثر جدري عظيم اللحية أسمر اللون أصلع يصفر لحيته وتزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسبب ذلك قيل له ذو النورين وكان كاتبه مروان بن الحكم بن العاص ابن عمه وقاضيه زيد بن ثابت .
وأما فضائله : فإنه الذي جهز جيش العسرة بجملة من المال وكان قد أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك فاشترى عثمان طعاما يصلح العسكر وجهز به عيرا .
فلما وصل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده إلى السماء وقال : ( اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه ) وروى الشعبي أن عثمان دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة ) وانفتح بقتل عثمان باب الشر والفتن .

(1/261)


أخبار علي بن أبي طالب رضي الله عنه
واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم فهو هاشمي ابن هاشميين بويع بالخلافة يوم قتل عثمان وقد اختلف في كيفية بيعته فقيل : اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليا وسألوه البيعة له فقال : لا حاجة لي في أمركم من اخترتم رضيت به فقالوا : ما نختار غيرك وترددوا إليه مرارا .
وقالوا : إنا لا نعلم أحدا أحق بالأمر منك ولا أقدم منك سابقة ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا .
فأتوا عليه فأتى المسجد فبايعوه .
وقيل : بايعوه في بيته وأول من بايعه طلحة بن عبد الله وكانت يد طلحة مشلولة من نوبة أحد فقال حبيب بن ذؤيب : إنا لله أول من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتم هذا الأمر وبايعه الزبير وقال علي لهما : إن أحببتما أن تبايعا لي بايعا وإن أحببتما بايعتكما فقالا : بل نبايعك وقيل إنهما قالا بعد ذلك : إنما بايعنا خشية على نفوسنا ثم هربا إلى مكة بعد مبايعة علي بأربعة أشهر وجاءوا بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم فقال له علي : بايع فقال : لا حتى يبايع الناس والله ما عليك مني بأس فقال خلوا سبيله .
وكذلك تأخر عن البيعة عبد الله بن عمر وبايعته الأنصار إلا نفرا قليلا منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري والنعمان ابن بشير ومحمد بن مسلمة وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وزيد بن ثابت وكان هؤلاء قد ولاهم عثمان على الصدقات وغيرها وكذلك لم يبايع عليا سعيد بن زيد وعبد الله بن سلام صهيب بن سنان وأسامة بن زيد قدامة بن مطعون والمغيرة بن شعبة سموا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي .

(1/262)


وسار النعمان بن بشير إلى الشام ومعه ثوب عثمان الملطخ بالدم فكان معاوية يعلق قميص عثمان على المنبر ليحرض أهل الشام على قتال علي وأصحابه وكلما رأى أهل الشام ذلك ازدادوا غيظا .
وقد روي في بيعة علي غير ذلك فقيل : لما قتل عثمان بقيصص المدينة خمسة أيام والغافقي أمير المصريين ومن معه يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا سعدا والزبير قد خرجا من المدينة ووجدوا بني أمية قد هربوا وأتى المصريون عليا فباعدهم وكذلك أتى الكوفيون الزبير والبصريون طلحة فباعداهم وكانوا مع اجتماعهم على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة حتى غشى الناس عليا فقالوا : نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به فامتنع علي فألحوا عليه فقال : قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم .
وافترق الناس على ذلك وتشاوروا فيما بينهم وقالوا : إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت البيعة فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة ومعه نفر فجاءوا بالزبير كرها بالسيف فبايع وبعثوا إلى طلحة الأشتر ومعه نفر فأتوا بطلحة ولم يزالوا به حتى بايع ولما أصبحوا يوم الجمعة اجتمع الناس في المسجد وصعد علي المنبر واستعفى من ذلك فلم يعفوه فبايعه أولا طلحة وقال : أنا أبايع مكرها وكانت يد طلحة شلاء فقيل هذا الأمر لا يتم كما ذكرنا وبايعه أهل المدينة من المهاجرين والأنصار خلا من لم يبايع ممن ذكرنا .
وكان ذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين .
ثم فارقه طلحة والزبير ولحقا بمكة واتفقا مع عائشة رضي الله عنهم وكانت قد مضت إلى الحج وعثمان محصور وكانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه وكانت تخرج قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره وتقول : هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بلي دينه لكنها لم تظن أن الأمر ينتهي إلى ما انتهى إليه .

(1/263)


وكان ابن عباس بمكة لما قتل عثمان ثم قدم المدينة بعد البيعة لعلي فوجد عليا مسخليا بالمغيرة بن شعبة قال : فسألته عما قال له فقال علي : أشار علي بإقرار معاوية وغيره من عمال عثمان إلى أن يبايعوا ويستقر الأمر فأبيت ثم أتاني الآن وقال : الرأي ما رأيته .
فقال ابن عباس : نصحك في المرة الأولى وغشك في الثانية وإني أخشى أن ينتقض عليك الشام مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يخرجا عليك وأنا أشير عليك أن تقر معاوية فإن بايع لك فعلي أن اقتلعه لك من منزله متى شئت .
فقال علي والله لا أعطيه إلا السيف ثم تمثل : وما ميتة أن متها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها فقلت : يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع ولست صاحب رأي .
فقال علي : إذا عصيتك فأطعني .
فقال ابن عباس : أفعل إن أيسر مالك عندي الطاعة وخرج المغيرة ولحق بمكة .
ثم دخلت سنة ست وثلاثين
فيها أرسل علي إلى البلاد عماله فبعث إلى الكوفة عمارة بن شهاب وكان من المهاجرين ووالى عثمان بن حنيف الأنصاري البصرة وعبد الله بن عباس اليمن وكان من المشهورين بالجود وولى قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري مصر وسهل بن حنيف الأنصاري الشام فلما وصل تبوك لقيته خيل فقالوا من أنت : قال أمير على الشام .
فقالوا إن كان بعثك غير عثمان فارجع .
قال : أو ما سمعتم بالذي كان قالوا : إلى .

(1/264)


فرجع إلى علي ومضى قيس بن سعد إلى مصر فوليها واعتزلت عنه فرقة كانوا عثمانية وأبوا أن يدخلوا في طاعة علي إلا أن يقتل قاتل عثمان ومضى عثمان بن حنيف إلى البصرة فدخلها واتبعته فرقة وخالفته فرقة ومضى عمارة إلى الكوفة فلقيه طلحة بن خويلد الأسدي الذي كان ادعى النبوة في خلافة أبي بكر فقال له : إن هل الكوفة لا يستبدلون بأميرهم فرجع إلى علي وكان على الكوفة من قبل عثمان أبو موسى الأشعري ومضى عبد الله إلى اليمن وكان العامل بها من جهة عثمان يعلى بن منبه فوليها عبد الله وخرج يعلى وأخذ ما كان حاصلا من المال ولحق بمكة وصار مع عائشة وطلحة والزبير وسلم إليهم المال .

(1/265)


مسير عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة ولما بلغ عائشة قتل عثمان أعظمت ذلك ودعت إلى الطلب بدمه وساعدها على ذلك طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وجماعة من بني أمية وجمعوا جمعا عظيما واتفق رأيها على المضي إلى البصرة للاستيلاء عليها وقالوا معاوية بالشام قد كفانا أمرها وكان عبد الله بن عمر قد قدم من المدينة فدعوه إلى المسير معهم فامتنع وساروا وأعطى يعلى بن منبه عائشة الجمل المسمى بعسكر اشتراه بمائة دينار وقيل بثمانين دينارا فركبته وضربوا في طريقهم مكانا يقال له الحوأب فنبحتهم كلابه فقالت عائشة : أي ماء هو هذا فقيل : هذا ماء الحوأب فصرخت عائشة بأعلى صوتها وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه : ( ليت شعري أيتكن ينبحها كلاب الحوأب ) ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت : ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب فأناخوا يوما وليله وقال لها عبد الله بن الزبير إنه كذب يعني ليس هذا ماء الحوأب ولم يزل بها وهي تمتنع فقال لها : النجاء النجاء فقد أدرككم علي بن أبي طالب فارتحلوا نحو البصرة فاستولوا عليها بعد قتال مع عثمان بن حنيف فقتل من أصحاب عثمان بن حنيف أربعون رجلا وأمسك عثمان بن حنيف فنتفت لحيته وحواجبه وسجن ثم أطلقته .

(1/266)


تاريخ أبى الفداء
( 20 من 87 )

مسيرة علي إلى البصرة
ولما بلغ عليا مسير عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم أربع مائة ممن بايع تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار ورأته مع ابنه محمد بن الحنفية وعلى ميمنته الحسن وعلى ميسرته الحسين وعلى الخيل عمار بن ياسر وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق وعلى مقدمته عبد الله بن العباس .
وكان مسيره في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ولما وصل علي إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف وقال له : يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وجئتك أمرد .
فقال أصبت أجرا وخيرا وقال علي : إن الناس وليهم قبلي رجلان فعملا بالكتاب والسنة ثم وليهم ثالث فقالوا في حقه وفعلوا ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير ثم نكثا ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي والله إنهما يعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم .
وقعة الجمل
واجتمع إلى علي من أهل الكوفة جمع واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمع وسار بعضهم إلى بعض فالتقوا بمكان يقال له الخريبة في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة ودعي على الزبير إلى الاجتماع به فاجتمع به فذكره علي وقال : أتذكر يوما مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم فنظر إلي فضحكت وضحك إلي فقلت : لا يدع ابن أبي طالب زهوه .
فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنه ليس بمزه ولتقاتلنه وأنت ظالم له ) فقال الزبير : اللهم نعم ولو ذكرته ما سرت مسيري هذا .
فقيل إنه اعتزل القتال وقيل بل غيره ولده عبد الله وقال خفت من رايات ابن أبي طالب .
فقال الزبير إني حلفت أن لا أقاتله .

(1/267)


فقال له ابنه : كفر عن يمينك فعتق غلامه مكحولا وقاتل ووقع القتال وعائشة راكبة الجمل المسمى عسكر في هودج وقد صار كالقنفذ من النشاب وتمت الهزيمة على أصحاب عائشة وطلحة والزبير ورمى مروان بن الحكم طلحة بسهم فقتلة وكلاهما كانا مع عائشة قيل إنه طلب بذلك أخذ ثأر عثمان منه لأنه نسبه إلى أنه أعان على قتل عثمان وانهزم الزبير طالبا المدينة وقطعت على خطام الجمل أيد كثيرة وقتل أيضا بين الفريقين خلق كثير ولما كثر القتل على خطام الجمل قال علي : اعقروا الجمل فضربه رجل فسقط فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل وأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إلى البصرة وأنزلها في دار عبد الله بن خلف وطاف علي على القتلى من أصحاب الجمل وصلى عليهم ودفنهم .
ولما رأى طلحة قتيلا قال : إنا لله وإنا إليه راجعون والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى أنت والله كما قال الشاعر : فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وصلى عليه ولم ينقل عنه أنه صلى على قتلى الشام بصفين ولما انصرف الزبير من وقعة الجمل طالبا المدينة مر بماء لبني تميم وبه الأحنف بن قيس فقيل للأحنف وكان معتزلا القتال : هذا الزبير قد أقبل فقال : قد جمع بين هذين العارين يعني العسكرين وتركهم وأقبل وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي فلما سمع كلامه قام من مجلسه واتبع الزبير حتى وجده بوادي السباع نائما فقتله ثم أقبل برأسه إلى علي بن أبي طالب .
فقال علي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( بشروا قاتل الزبير بالنار ) .

(1/268)


قال عمرو بن جرموز المذكور لعنه الله : أتيت عليا برأس الزبير وقد كنت أحسبها زلفة فبشر بالنار قبل العيان فبئس البشارة والتحفه وسيان عندي قتل الزبير وضرطة عير بذي الجحفة ثم أمر علي عائشة بالرجوع إلى المدينة وأن تقر في بيتها فسارت مستهل رجب من هذه السنة وشيعها الناس وجهزها علي بما احتاجت إليه وسير معها أولاده مسيرة يوم وتوجهت إلى مكة فأقامت للحج تلك السنة ثم رجعت إلى المدينة .
وقيل كانت عدة القتلى يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف واستعمل علي على البصرة عبد الله بن العباس وسار على الكوفة فنزلها وانتظم له الأمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وفارس وخراسان ولم يبق خارج عنه إلا الشام وفيه معاوية وأهل الشام مطيعون له فأرسل إليه علي جرير بن عبد الله البجلي ليأخذ البيعة على معاوية ويطلب منه الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار .

(1/269)


فسار جرير إلى معاوية فماطله معاوية وكان عمرو بن العاص بفلسطين حتى قدم عمرو إلى معاوية فوجد أهل الشام يحضون على الطلب بدم عثمان فقال لهم عمرو : أنتم على الحق واتفق عمرو ومعاوية على قتال علي وشرط عمرو على معاوية إذا ظفر أن يوليه مصر فأجابه إلى ذلك وكان قيس بن سعد بن عبادة متوليا على مصر من جهة علي على ما ذكرناه فقد اعتزل عنه جماعة عثمانية إلى قرية من بلد مصر يقال لها خربتا وكان قيس المذكور من دهاة العرب فرأى من المصلحة مداهنة المذكورين وكف الحرب عنهم لئلا ينضموا إلى معاوية وكتب معاوية إلى قيس المذكور يستميله ويبذل له الولايات العظام فلم يفد فيه فزور عليه معاوية كتابا وقرأه على الناس يوهمهم أن قيسا معه ولذلك لم يقاتل المعتزلين عنه بخربتا فبلغ عليا ذلك فعزل قيسا عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر ولحق قيس بالمدينة ثم وصل إلى علي وحضر معه حرب صفين وحكى لعلي ما جرى له مع معاوية فعلم صحة ذلك وبقي قيس المذكور مع علي ثم مع الحسن على ذلك إلى أن سلم الأمر إلى معاوية وأما محمد بن أبي بكر فوصل إلى مصر وتولى عليها ووصاه قيس في أنه لا يتعرض إلى أهل خربتا فلم يقبل محمد ذلك وبعث إلى أهل خربتا يأمرهم بالدخول في بيعة علي أو الخروج من أرض مصر فأجابوه أن لا نفعل ودعنا ننظر إلى ما يصير إليه أمرنا فأبى عليهم .
ولما قدم عمرو على معاوية كما ذكرنا واتفقا على حرب علي قدم جرير بن عبد الله البجلي على علي فأعلمه بذلك فسار علي من الكوفة إلى جهة معاوية وقدم عليه عبد الله بن عباس ومن معه من أهل البصرة فقال علي رضي الله عنه : لأصبحن العاص وابن العاصي سبعين ألفا عاقدي النواصي مجنبين الخيل بالقلاص مستحقبين حلق الدلاص وحدا بعلي نابغة بني جعد الشاعر فقال :
قد علم المصران والعراق ** أن عليا فحلها العتاق
أبيض جحجاح له رواق ** إن الأولى جاروك لا أفاقوا

(1/270)


لكم سباق ولهم سباق ** قد سلمت ذلكم الرفاق
وسار عمر ومعاوية من دمشق بأهل الشام إلى جهة علي وتأنى معاوية في مسيره حتى اجتمعت الجموع بصفين وخرجت سنة ست وثلاثين والأمر على ذلك .
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين
والجيشان بصفين ومضى المحرم ولم يكن بينهم قتال بل مراسلات يطول ذكرها لم ينتظم بها أمر ولما دخل صفر وقع بينهما القتال فيه وكانت بينهم وقعات كثيرة بصفين قيل كانت تسعين وقعة وكان مدة مقامهم بصفين مائة وعشرة أيام وكانت عدة القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعين ألفا ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفا منهم ستة وعشرون رجلا من أهل بدر وكان علي قد تقدم إلى أصحابه أن لا يقاتلوهم حتى يبدؤوا بالقتال وأن لا يقتلوا مدبرا وألا يأخذوا شيئا من أموالهم وأن لا يكشفوا عورة .
قال معاوية أردت الانهزام بصفين فتذكرت قول ابن الإطنابة فثبت وكان جاهليا والإطنابة مرة وهو قوله :
أبت لي همتي وحياء نفسي ** وإقدامي على البطل المشيح
وإعطائي على المكروه مالي ** وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وقولي كلما جاشت وجاشت ** رويدك تحمدي أو تستريحي
وقاتل عمار بن ياسر رضي الله عنه مع علي قتالا عظيما وكان قد نيف عمره على تسعين سنة وكانت الحربة في يده ترعد وقال : هذه راية قاتلت بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة ودعى بقدح من لبن فشرب منه ثم قال : صدق الله ورسوله : اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن آخر رزقي من الدنيا ضيحة لبن ) والضيح : اللبن الرقيق الممزوج .
وروي أنه كان يرتجز :
نحن قتلناكم على تأويله ** كما قتلناكم على تنزيله

(1/271)


ولم يزل عمار المذكور يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه وفي الصحيح المتفق عليه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ( يقتل عمار الفئة الباغية ) قيل : إن الذي قتله أبو عادية برمح فسقط عمار فجاء آخر فاحتز رأسه وأقبلا يختصمان إلى عمرو ومعاوية كل منهما يقول : أنا قتلته .
فقال عمرو : إنكما في النار فلما انصرفا قال معاوية لعمرو : ما رأيت مثل ما رأيت اليوم صرفت قوما بذلوا أنفسهم دوننا .
فقال عمرو : هو والله ذلك والله إنك لتعلمه ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة .
وبعد قتل عمار رضي الله عنه انتدب علي اثني عشر ألفا وحمل بهم على عسكر معاوية فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وعلي يقول : أقتلهم ولا أرى معاويه الجاحظ العين العظيم الخاويه ثم نادى : يا معاوية علام تقتل الناس ما بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور .
فقال عمرو : أنصفك ابن عمك فقال معاوية : ما أنصف إنك تعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله .
فقال عمرو وما يحسن بك ترك مبارزته .
فقال معاوية : طمعت في الأمر بعدي .
ثم تقاتلوا ليلة الهرير شبهت بليلة القادسية وكانت ليلة الجمعة واستمر القتال إلى الصبح وقد روى أن عليا كبر تلك الليلة أربعمائة تكبيرة وكانت عادته أنه كلما قتل قتيلا كبر ودام القتال إلى ضحى يوم الجمعة .
وقاتل الأشتر قتالا عظيما حتى انتهى إلى معسكرهم وأمده علي بالرجال ولما رأى عمرو ذلك قال لمعاوية : هلم نرفع المصاحف على الرماح ونقول هذا كتاب الله بيننا وبينكم ففعلوا ذلك ولما رأى أهل العراق ذلك قالوا لعلي : لا نجيب إلى كتاب الله فقال علي : امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم فإن عمرا ومعاوية وابن أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا أعرف بهم منكم ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ومكيدة .
فقالوا : لا تمنعنا أن ندعي إلى كتاب الله فنأبى .

(1/272)


فقال علي : إني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم كتاب الله فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم .
فقال له مسعود بن فدك التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من الذين صاروا خوارج : يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القرم نفعل بك ما فعلنا بابن عفان .
فقال علي : إن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم .
قالوا فابعث إلى الأشتر فليأتك فبعث إليه يدعوه فقال الأشتر : ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي فرجع الرسول وأخبره بالخبر وارتفعت الأصوات وكثر الرهج من جهة الأشتر فقالوا لعلي : ما نراك أمرته إلا بالقتال فقال : هل رأيتموني ساررت الرسول إليه أليس كلمته وأنتم تسمعون فقالوا : فابعث إليه ليأتك وإلا اعتزلناك فرجع الرسول إلى الأشتر وأعلمه .
فقال : قد علمت والله أن رفع المصاحف يوقع اختلافا وإنها مشورة ابن العاهر فرجع الأشتر إلى علي وقال : خدعتم فانخدعتم وكان غالب تلك العصابة الذين نهوا عن القتال قراء ولما كفوا عن القتال سألوا معاوية : لأي شيء رفعت المصاحف فقال : تنصبوا حكما منكم وحكما منا ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ثم نتبع ما اتفقا عليه فوقعت الإجابة من الفريقين إلى ذلك .
فقال الأشعث بن قيس وهو من أكبر الخوارج : إنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري .
فقال علي : قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن .
لا أرى أن أولي أبا موسى .
فقالوا : لا نرضى إلا به .
فقال علي : إنه ليس بثقة قد فارقني وخذل عني الناس ثم هرب مني حتى أمنته بعد أشهر ولكن ابن عباس أولى منه .
قال علي : فالأشتر .
فأبوا وقالوا : هل أسعرها إلا الأشتر .
فاضطر علي إلى إجابتهم وأخرج أبا موسى وأخرج معاوية عمرو بن العاص بن وائل واجتمع الحكمان عند علي رضي الله عنه وكتب بحضوره كتاب القصة وهو : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى أمير المؤمنين علي .

(1/273)


فقال عمرو : هو أميركم وأما أميرنا فلا .
فقال الأحنف : لا تمح اسم أمير المؤمنين .
فقال الأشعث بن قيس امح هذا الاسم فأجاب علي ومحاه .
وقال علي : الله أكبر سنة بسنة والله إني لكاتب رسول الله يوم الحديبية فكتبت محمد رسول الله فقالوا لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحو فقلت : لا أستطيع فقال : فأرني فأريته فمحاه بيده فقال لي : ( إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب ) .
فقال عمرو : سبحان الله تشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون .
فقال علي رضي الله عنه : يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا .
فقال عمرو : والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم .
فقال علي : إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك .
وكتب الكتاب فمنه : هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم أنا ننزل عند حكم الله وكتابه نحيي ما أحيى ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري عبد الله قيس وعمرو بن العاص - عملا به وما لم يجدا في كتاب الله فبألسنة العادلة .
وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين المواثيق أنهما أمينان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه وأجلا القضاء إلى رمضان من هذه السنة وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه .
وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا في العام المقبل بإذرح .
ثم سار علي إلى العراق وقدم إلى الكوفة ولم تدخل الخوارج معه إلى الكوفة واعتزلوا عنه ثم في هذه السنة بعث علي للميعاد أربعمائة رجل فيهم أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس ليصلي بهم ولم يحضر علي .

(1/274)


وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل ثم جاء معاوية واجتمعوا بإذرح وشهد معهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة .
والتقى الحكمان فدعى عمرو أبا موسى إلى أن تجعل الأمر إلى معاوية فأبى وقال : لم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين ودعى أبو موسى عمرو إلى أن يجعل الأمر إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فأبى عمرو ثم قال عمرو : ما ترى أنت فقال أرى أن نخلع عليا ومعاوية ونجعل الأمر شورى بين المسلمين فأظهر لهم عمرو أن هذا هو الرأي ووافقه عليه .
ثم أقبلا إلى الناس وقد اجتمعوا فقال أبو موسى : إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو به صلاح هذه الأمة .
فقال عمرو : تقدم فتكلم يا أبا موسى .
فلما تقدم لحقه عبد الله بن عباس وقال : ويحك والله إني أظن أنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك .
فإني لا آمن أن يخالفك .
فقال أبو موسى : إنا قد اتفقنا فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس إنا لم نر أصلح لأمر هذه الأمة من أمر قد اجتمع عليه رأيي ورأي عمرو وهو أن نخلع عليا ومعاوية وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا .
ثم تنحى وأقبل عمرو فقام مقامه : فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه .
فقال له أبو موسى : ما لك لا وفقك الله غدرت وفجرت .
وركب أبو موسى ولحق بمكة حياء من الناس وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ومن ذلك الوقت أخذ أمر علي في الضعف وأمر معاوية في القوة .

(1/275)


ولما اعتزلت الخوارج عليا دعاهم إلى الحق فامتنعوا وقتلوا كل من أرسله إليهم فسار إليهم وكانوا أربعة آلاف ووعظهم ونهاهم عن القتل فتفرقت منهم جماعة وبقي مع عبد الله بن وهب جماعة على ضلالتهم وقاتلوا فقتلوا عن آخرهم ولم يقتل من أصحاب علي سوى سبعة أنفس أولهم يزيد بن نويرة وهو ممن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أحد .
ولما رجع علي إلى الكوفة حض الناس على المسير إلى قتال معاوية فتقاعدوا وقالوا : نستريح ونصلح عدتنا فاحتاج لذلك علي أن يدخل الكوفة .
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
فيها جهز معاوية عمرو بن العاص بعسكر إلى مصر وكتب محمد بن أبي بكر يستنجد عليا فأرسل إليه الأشتر فلما وصل الأشتر إلى القلزم سقاه رجل عسلا مسموما فمات منه فقال معاوية : إن لله جندا من عسل وسار عمرو حتى وصل إلى مصر وقاتله أصحاب محمد بن أبي بكر فهزمهم عمرو وتفرق عن محمد أصحابه وأقبل محمد يمشي حتى انتهى إلى خربة فقبض عليه وأتوا به إلى معاوية بن خديح فقتله وألقاه في جيفة حمار وأحرقه بالنار ودخل عمرو مصر وبايع أهلها لمعاوية .

(1/276)


ولما بلغ عائشة قتل أخيها محمد جزعت عليه وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية وعمرو بن العاص وضمت عيال أخيها محمد إليها ولما بلغ عليا مقتله جزع عليه وقال : عند الله نحتسبه وكان ذلك في هذه السنة أعني سنة ثمان وثلاثين ثم بث معاوية سراياه بالغارات على أعمال علي فبعث النعمان بن بشير الأنصاري إلى عين التمر فنهب وهزم كل من كان بها من أصحاب علي وبعث سفيان بن عوف إلى هيت والأنبار والمدائن فنهب وحمل كل ما كان بالأنبار من الأموال ورجع بها إلى معاوية وسير عبد الله بن مسعدة الفزاري إلى الحجاز فجهز إليه علي خيلا فالتقوا بتيماء وانهزم أصحاب معاوية ولحقوا بالشام وتتابعت الغارات على بلاد علي رضي الله عنه وهو في ذلك يخطب الناس الخطب البليغة ويجتهد بحضهم على الخروج إلى قتال معاوية فيتقاعد عنه عسكره .
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين
والأمر على ذلك وفيها سير عبد الله بن عباس وكان عامل البصرة زيادا إلى فارس وكانت قد اضطربت لما حصل من قتال علي ومعاوية فوصل إليها زياد وضبطها أحسن ضبط حتى قالت الفرس : ما رأينا مثل سياسة أنوشروان إلا سياسة هذا العربي .
ثم دخلت سنة أربعين
وعلي بالعراق ومعاوية بالشام وله معها مصر وكان علي يقنت في الصلاة ويدعو على معاوية وعلى عمرو بن العاص وعلى الضحاك وعلى الوليد بن عقبة وعلى الأعور السلمي .
ومعاوية يقنت في الصلاة ويدعو على علي وعلى الحسن وعلى الحسين وعلى عبد الله بن جعفر .
وفي هذه السنة سير معاوية بشر بن أرطأة في عسكر إلى الحجاز فأتى المدينة وبها أبو أيوب الأنصاري عاملا لعلي فهرب ولحق بعلي ودخل بشر المدينة وسفك فيها الدماء واستكره الناس على البيعة لمعاوية ثم سار إلى اليمن وقتل ألوفا من الناس فهرب منه عبيد الله بن العباس عامل علي باليمن فوجد لعبيد الله ابنين صبيين فذبحهما وأتى في ذلك بعظيمة فقالت أمهما - وهي عائشة بنت عبد الله ابن عبد المدان - تبكيهما :

(1/277)


ها من أحس بابني اللذين هما ** كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بابني اللذين هما قلبي ** وسمعي فقبلي اليوم مختطف
من ذل والهة حيرى مدلهة على ** صبيين ذلا إذ غدا السلف
خبرت بشرا وما صدقت ما زعموا ** من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا
أنحا على ودجي ابني مرهفة ** مشحوذة وكذاك الإثم يقترف
رضي الله عنه قيل اجتمع ثلاثة من الخوارج منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي وعمرو بن بكر التميمي والبرك بن عبد الله التميمي ويقال إن اسمه الحجاج فذكروا أخوانهم من المارقة المقتولين بالنهروان فقالوا : لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا منهم البلاد فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليا وقال البرك : أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر : أنا أكفيكم عمرو بن العاص وتعاهدوا أن لا يفر أحد منهم عن صاحبه الذي توجه إليه واستصحبوا سيوفا مسمومة وتواعدوا لسبع عشرة ليلة تمضي من رمضان من هذه السنة أعني سنة أربعين أن يثب كل واحد منهم بصاحبه .
واتفق مع عبد الرحمن بن ملجم رجلان أحدهما يقال له وردان من تيم الرباب والآخر شبيب من أشجع ووثبوا على علي وقد خرج إلى صلاة الغداة فضربه شبيب فوقع سيفه في الطاق وهرب شبيب فنجا في غمار الناس وضربه ابن ملجم في جبهته وأما وردان فهرب .
وأمسك ابن ملجم وأحضر مكتوفا بين يدي علي ودعا علي الحسن والحسين وقال : أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا ولا تبكيا على شيء زوى عنكما منها ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنه .
وأما البرك فوثب على معاوية في تلك الليلة وضربه بالسيف فوقع في إلية معاوية وأمسك البرك فقال له : إني أبشرك فلا تقتلني فقال بماذا قال إن رفيقي قتل عليا هذه الليلة فقال معاوية : لعله لم يقدر فقال إلى إن عليا ليس معه من يحرسه فقتله معاوية .

(1/278)


وأما عمرو بن بكر فإنه جلس تلك الليلة لعمرو بن العاص فلم يخرج عمرو إلى الصلاة وكان قد أمر خارجة بن أبي حبيبة صاحب شرطته أن يصلي بالناس فخرج خارجة ليصلي بالناس فشد عليه عمرو بن بكر وهو يظن أنه عمرو ابن العاص فقتله فأخذه الناس وأتوا به عمرا فقال : من هذا قالوا عمرو .
فقال : أنا من قتلت قالوا : خارجة .
فقال عمرو : أردت عمرا وأراد الله خارجة .
ولما مات علي أخرج عبد الرحمن بن ملجم من الحبس فقطع عبد الله بن جعفر يده ثم رجله وكحلت عيناه بمسمار محمى وقطع لسانه وأحرق لعنه الله .
ولبعض الخوارج وهو عمران بن حطان لعنه الله يرثي ابن ملجم المذكور لعنه الله :
لله در المرادي الذي فتكت ** كفاه مهجة شر الخلق إنسانا
يا ضربة من ولي ما أراد بها ** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه أو فالخليقة عند الله ميزانا واختلف في عمر علي رضي الله عنه فقيل كان ثلاثا وستين سنة وقيل خمسا وستين وقيل تسعا وخمسين وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر وكان قتله ما ذكرنا صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين واختلف في موضع قبره فقيل دفن مما يلي قبلة المسجد بالكوفة وقيل عند قصر الإمارة وقيل حوله ابنه الحسن إلى المدينة ودفنه بالبقيع عند قبر زوجته فاطمة رضي الله عنهما والأصح وهو الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره أن قبره هو المشهور بالنجف وهو الذي يزار اليوم .
صفته رضي الله عنه
كان شديد الأدمة عظيم العينين أصلع عظيم اللحية كثير شعر الصدر مائلا إلى القصر حسن الوجه لا يغير شيبه كثير التبسم .
وكان حاجبه قنبر مولاه وصاحب شرطته نعثل بن قيس الرباحي وكان قاضيه شريح وكان قد ولاه عمر قضاء الكوفة ولم يزل قاضيا بها إلى أيام الحجاج بن يوسف وأول زوجة تزوج بها علي رضي الله عنه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج غيرها في حياتها .

(1/279)


وولد له منها الحسن والحسين ومحسن ومات صغيرا وزينب وأم كلثوم التي تزوجها عمر بن الخطاب ثم بعد موت فاطمة تزوج أم البنين بنت حزام الكلابية فولد له منها العباس وجعفر وعبد الله وعثمان قتل هؤلاء الأربعة مع أخيهم الحسين ولم يعقب منهم غير العباس وتزوج ليلى بنت مسعود ابن خالد النهشلي التميمي وولد له منها عبيد الله وأبو بكر قتلا مع الحسين أيضا وتزوج أسماء بنت عميس وولد له منها محمد الأصغر ويحيى ولا عقب لهما وولد له من الصهباء بنت ربيعة التغلبية وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد ابن الوليد بعين التمر عمر ورقية وعاش عمر المذكور حتى بلغ من العمر خمسا وثمانين سنة وجاز نصف ميراث أبيه علي ومات بينبع وله عقب وتزوج علي أيضا أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وولد له منها محمد الأوسط ولا عقب له وولد له من خولة بنت جعفر الحنفية محمد الأكبر المعروف بابن الحنفية وله عقب وكان له بنات من أمهات شتى منهن : أم حسن ورملة الكبرى من أم سعيد بنت عروة ومن بناته أم هاني وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة فجمع بنيه الذكور أربعة عشر لم يعقب منهم إلا خمسة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس وعمر .

(1/280)


من ذلك مشاهده المشهورة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق إسلامه وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه في غزوة حنين : لأبعثن الراية غدا مع رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وقوله صلى الله عليه وسلم له : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) وقال عليه السلام ( أقضاكم علي ) والقضاء يستدعي معرفة أبواب الفقه كلها بخلاف قوله : ( أفرضكم زيد ) وأقرأكم أبي ولم يبن علي بناء أصلا وكان قد ضاع لعلي درع فوجده مع نصراني فأقبل به إلى شريح القاضي وجلس إلى جانبه وقال : لو كان خصمي مسلما لساويته وقال : هذه درعي فقال النصراني ما هي إلا درعي فقال شريح لعلي : ألك بينة فقال علي لا وهو يضحك .
فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيرا ثم عاد وقال : أشهد أن هذه أحكام الأنبياء ثم أسلم واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين ففرح علي بإسلامه ووهبه الدرع وفرسا .
وشهد مع علي قتال الخوارج فقتل رحمه الله تعالى .
وحمل علي في ملحفته تمرا اشتراه بدرهم فقيل له : يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك فقال : أبو العيال أحق بحمله .
وكان يقسم ما في بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئا ودخل مرة إلى بيت المال فوجد الذهب والفضة فقال : يا صفراء اصفري ويا بيضاء ابيضي وأغري غيري لا حاجة لي فيك .
وقصده أخوه لأبيه وأمه عقيل بن أبي طالب يسترفده فلم يجد عنده ما يطلب ففارقه ولحق بمعاوية حبا للدنيا وكان مع معاوية يوم صفين فقال له معاوية يمازحه : يا أبا يزيد أنت اليوم معنا .
فقال عقيل : ويوم بدر كنت أيضا معكم وكان عقيل يوم بدر مع المشركين هو وعمه العباس .

(1/281)


أخبار الحسن ابنه
ولما توفي علي رضي الله عنه بايع الناس ابنه الحسن وكان عبد الله بن العباس قد فارق عليا قبل مقتله وأخذ من البصرة مالا وذهب إلى مكة وجرت بينه وبين علي مكاتبات في ذلك ولما تولى الحسن الخلافة كتب إليه ابن عباس يقوي عزيمته على جهاد عدوه وكان أول من بايع الحسن قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري فقال : أبسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المخالفين فقال الحسن : على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما ثابتان وبايعه الناس وكان الحسن يشترط أنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتابوا من ذلك وقالوا : ما هذا لكم بصاحب وما يريد إلا القتال .

(1/282)


تاريخ أبى الفداء
( 21 من 87 )

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين
تسليم الحسن الأمر إلى معاوية قيل : كان علي قبيل موته قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت وأخذ في التجهز إلى قتال معاوية فاتفق مقتله ولما بويع الحسن بلغه مسير أهل الشام إلى قتاله مع معاوية فتجهز الحسن في ذلك الجيش الذين كانوا قد بايعوا أباه وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية ووصل إلى المدائن وجعل الحسن على مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفا وقيل بل الذي جعله على مقدمته عبيد الله ابن عباس وجرى في عسكره فتنة قيل حتى نازعوا الحسن بساطا كان تحته فدخل المقصورة البيضاء بالمدائن وازداد لذلك العسكر بغضا ومنهم ذعرا .
ولما رأى الحسن ذلك كتب إلى معاوية واشترط عليه شروطا وقال إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع فأجاب معاوية إليها وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة وخراج دارا بجرد من فارس وأن لا يسب عليا فلم يجبه إلى الكف عن سب علي فطلب الحسن أن لا يشتم عليا وهو يسمع فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به وقيل إنه وصله بأربعمائة ألف درهم ولم يصل إليه شيء من خراج دارا بجرد ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس وكتب الحسن إلى قيس بن سعد يأمره بالدخول في طاعة معاوية ثم جرت بين قيس وعبيد الله بن عباس وبين معاوية مراسلات وآخر الأمر أنهما بايعا ومن معهما وشرطا أن لا يطالبا بمال ولا دم ووفى لهما معاوية بذلك ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته وقيل كان تسليم حسن الأمر إلى معاوية في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وقيل في ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى وعلى هذا فتكون خلافته على القول الأول خمسة أشهر ونحو نصف شهر وعلى الثاني ستة أشهر وكسرا وعلى الثالث سبعة أشهر وكسرا .
روى سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يعود ملكا عضوضا ) .

(1/283)


وكان آخر الثلاثين يوم خلع الحسن نفسه من الخلافة وأقام الحسن بالمدينة إلى أن توفي بها في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة وهو أكبر من الحسين بسنة وتزوج الحسن كثيرا من النساء وكان مطلاقا وكان له خمسة عشر ولدا ذكرا وثماني بنات وكان يشبه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأسه إلى سرته وكان الحسين يشبه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرته إلى قدمه .
وتوفي الحسن من سم سقته زوجته جعدة بنت الأشعث قيل فعلت ذلك بأمر معاوية وقيل بأمر يزيد بن معاوية ووعدها أنه يتزوجها إن فعلت ذلك فسقته السم وطالبت يزيد أن يتزوجها فأبى .
وكان الحسن قد أوصى أن يدفن عند جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفي أرادوا ذلك وكان على المدينة مروان بن الحكم من قبل معاوية فمنع من ذلك وكاد يقع بين بني أمية وبين بني هاشم بسبب ذلك فتنة فقالت عائشة رضي الله عنها : البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه فدفن بالبقيع ولما بلغ معاوية موت الحسن خر ساجدا .
فقال بعض الشعراء :
أصبح اليوم ابن هند شامتا ** ظاهر النخوة إذ مات الحسن
يا ابن هند إن تذق كأس الردى ** تك في الدهر كشيء لم يكن
لست بالباقي فلا تشمت به ** كل حي للمنايا مرتهن
ومن فضائل الحسن في الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ) وروى أنه قال عن الحسن : ( إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين ) وروي أنه مر بالحسن والحسين وهما يلعبان فطأطأ لهما عنقه وحملهما وقال : ( نعم المطية مطيتهما ونعم الراكبان هما ) .
خلفاء بني أمية

(1/284)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية