صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

وفيها في ليلة الاثنين خامس عشر شوال : توفي العلامة الصالح الفقيه محمد ابن الشيخ حسن ابن الشيخ علي ابن الشيخ أبي بكر بتريم وكان من العلماء العاملين والفقهاء البارعين وكانت له اليد الطولى في جميع العلوم سيما في الفقه والنحو وجاور بمكة لطلب العلم سنين ومن محفوظاته : الارشاد للمقري والالفية في النحو ومن مقرؤاته : المنهاج ومقرؤاته كثيرة وكان متحليا بالعبادة والنسك سالكا علي منهاج السلف الصالح مع السمت والصلاح وحسن الأخلاق . وبالجملة فإنه كان وحيد عصره ولم يخلفه بعده مثله رحمه الله وللشيخ العلامة أبو السعادات الفاكهي فيه هذه المرثية وهي :
قلق الفوأد وبالصدود يروع ... والقلب دأبا بالفراق يصدع
ألف السهاد مع الجفون مجافيا ... للنوم لا يدنو ولا يتوقع
ما للهموم مع الغموم تصاحبت ... يوم النوى وقت الجموع تجمع
تبا لشخص لا يزال ملذعا ... بالنار لا يهدو ولا يتقلع
رعيا لأيام مضت مع سادة ... كانت ليالينا بهم تتلمع
لعمري هم القادات حقا وانهم ... هم الذخر في الأخرى بهم نتشفع
ولا غرو أن يشفوا عليلا ويشفعوا ... وسيلتهم جد شفيع مشفع
فيا دهركم تحرق وتغرق وتنتقي ... خيارا لنا ما آن أن تترجع
صبرت على حلو القضاء ومره ... وقد عيل صبري أختشي أتجزع
وصابرت قلبي عل يظفر بحبه ... فما راعه الاحمام مقطع
فيا ويح ناع قد أتانا مخبرا ... بموت فقيه جامع ومجمع
هو السيد المفضال حبر وعارف ... هو السند المطوال رحب موسع
واعني به بحرا من العلم جامعا ... وبرا رحيبا شاسعا وممنع
مقدم سادات كبار أئمة ... ونخبة قادات علو وترفعوا
محمد شيخي اسمه ثم وصفه ... محامده تعلو شيوخا وركع
كذا حسن أصل له ثم حسنه ... هو الحسن أصلا ثم فرعا مفرع
فبالله يا عيني فجودي بعندم ... وبالحق يا أجفان للنوم ودعوا
ويا ابن حسن يا منبع العلم والتقى ... محبا لكم أمسى حزينا مقطع
وذاك الفقير الفاكهي عبيدكم ... حياة له موت وقلب ملذع
لقد مات يا عالم بموتك عالم ... وقد ثلم الدين القويم الممنع
وقد نقصت أطراف أرض لفقدكم ... فيا ويح قلب بالفراق مجذع
فيا رب يا الله تحسن عزاءنا ... وتعظم لنا أجرا كثيرا موسع
وصلى الهي ثم سلم دائما ... على المصطفى جد لشيخي مشفع
وآل وصحب ثم زوج وتابع ... وحمد لربي بالختام مودع
وفيها : توفي الشهاب القباني الحادي الشهير وله اليد الطولى في علم الموسيقى وقد أرخ نفلته صلاح الدين القرشي بقوله :
الأنس من بعد الشهاب ... لقد توفي شيخه
والبسط قال لموته ... القبض لي تاريخه
وفيها : عمر القاضي حسين رحمه الله سبيلا بأعلى مكة شرفها الله وارخ ذلك بعض الفضلاء فقال هذه الأبيات :
عين هذا الزمان انشا محلا ... وسط روض الجنان عالي مكه
فيه كرم وروض أنس وورد ... ومياه كالبحر تحمل فلكه
وقلال تجري بوسط سبيلسلسبيلسلسبيل لا يسع الناس تركه
هو بدر العلى حسين بن طه ... مالكي المكي سيد مكه
المنى والأمان بين يديه ... فلكم معسر من المعسر فكه
جاء تاريخ ما بناه مليكي ... يملك المجد خلد الله ملكه

(1/141)


وفيها : سافر الفقيه الفاضل محمد بن افلح المكي من الهند إلى مكة في مركب الوزير الغخان فغرق المركب ومن فيه فإنا لله وإنا إليه راجعون وكان ابن أفلح فاضلا بليغا فصيحا أديبا ذا ملح وحكايات واستحضار لبعض الروايات اشتغل بالعلم قليلا وكان له فهم بالغ وسمعت من اثق به بقول : انه لو اشتغل بقدر فهمه في العلم لكان وصل فيه إلى ما لم يصل إليه غيره إلا أنه كان يميل إلى اللهو والبطالات ويعجبه التماشي والاجتماعات رحمه الله تعالى . والظاهر أن أصله من اليمن وربما أظن أنه من زبيد . ومن ذريه الشيخ افلح المشهور الذي هو من السبعة الذين من زارهم قضيت حاجته وبلغني أنه درس بالهند في الفقه وقرأ عليه جماعة منهم الفقيه الصالح علي بن صبر اليافعي مع أنه لم يكن فيه بذاك حتى أن الفقيه محمد بن سراج الحضرمي حضر عندهم ذات يوم وكان الدرس في باب استقبال القبلة فتوقف ابن افلح في حل مسئلة وحلها ابن سراج المذكور . ولابن افلح أشعار فائقة إلا أني لم أظفر من مقطعاته بشيء . نعم له قصائد متعددة في والدي وأخي السيد أحمد وهي في غاية ما يكون من الفصاحة والبلاغة وكان في ذلك المركب المذكور الفقيه محمد الزبيدي فغرق أيضا وكان هذا الفقيه محمد من أهل الفضل والأدب وكان شافعي المذهب وقيل أنه كان محققا في علم الأصول وله . نظم حسن ورأيت له قصائد في مدح والدي وكان ناخوذا في ذلك المركب حسن علوان المشهور فغرق أيضا رحمهم الله آمين
سنة أربع وسبعين بعد التسعمائة
وفي ثامن جمادى الأولى سنة أربع وسبعين : توفي الولي الصالح المجذوب عبد الله ابن الفقيه محمد بن عبد الرحمن الأسقع باعلوي بمكة وكان بوم موته مشهودا وقبره بالشبيكة معروف يزار وكان من الأولياء العارفين والأئمة المقربين السالكين المجذوبين اولي الكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة والمقامات العلية والأحوال السنية انتشرت مناقبه وعمت مواهبه وفاضت على الخليقة أسراره ونفحاته ووسعت البرية بركاته انتقل بأهله وولده إلى مكة وجاور بها إلى أن توفي بها وكانت مدة اقامته بمكة المشرفة أربع عشرة سنة وكان له بها جاه عظيم في الأنام وقبول عند الخاص والعام . وحكى عن السيد الشريف شهاب الدين بن عبد الرحمن خرد باعلوي أن الشريف أحمد بارقيه كان يصحب الشيخ أحمد بن حسين العيدروس والسيد أحمد بن علوي با مجدب والسيد عبد الله بن الفقيه الاسقع . وربماانه كان يأمره بعضهم بضد ما يأمره به الآخر فشق ذلك عليه وتحير فيه فخرج إلى ضريح العيدروس وآلى على نفسه أنه لا يذهب من عنده حتى يعلمه بأحوال الثلاثة وبمن يقتدي به منهم فنام فكلمه الشيخ عبد الله العيذروس قال له جئت تسأل عن أحوال الثلاثة ؟ أما الشيخ أحمد بن حسين فبحر الحقيقة وأما السيد أحمد بن علوي فأفرده الله وأما عبد الله ابن الفقيه فله نوبة تضرب في السماء ونوبة تضرب في الأرض وشرب من كأس الحميا حتى روي أو كما قال
وفيها : في رجب توفي الشيخ الإمام شيخ الإسلام خاتمة أهل الفتيا والتدريس ناشر علوم الإمام محمد بن ادريس الحافظ شهاب الدين أو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري بمكة ودفن بالمعلاه في تربة الطبريين وكان بحرا في علم الفقه وتحقيقه لا تكدره الدلاء وإمام الحرمين كما أجمع على ذلك العارفون وانعقدت عليه خناصر الملاء إمام اقتدت به الأئمة وهمام صار في إقليم الحجاز أمة . مصنفاته في العصر آية يعجز عن الاتيان بمثلها المعاصرون فهم عنها قاصرون وأبحاثه في المذهب كالطراز المذهب طال ما طاب للواردين من منهل تدريسه صفاء المشرب وطال ما طاف حول كعبة

(1/142)


مناسكه من الوافدين من يريد وفاء المأرب فوقع له قلم الباري في إرشاد المقري والقارىء كواكب سيارة من منهاج سماء الساري يهتدي بها المهتدون تحقيقا لقوله تعالى " وبالنجم هم يهتدون " وأحد العصر وثاني القطر وثالث الشمس والبدر . من أقسمت المشكلات أن لا تتضح إلا لديه وأكدت المعضلات آليتها أن لا تتجلى إلا عليه لا سيما وفي الحجاز عليها قد حجر . ولا عجب فإنه المسمى بابن حجر . ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة ومات أبوه وهو صغير فكفله الإمامان الكاملان علما وعملا العارف بالله شمس الدين بن أبي الحمائل وشمس الدين الشناوي ثم أن الشمس الشناوي نقله من بلده محلة أبي الهيتم إلى مقام القطب الشريف سيدي أحمد البدوي نفع الله به فقرأ هناك على عالمين به في مبادي العلوم ثم نقله في سنة أربع وعشرين وهو في سن نحو أربعة عشر سنة إلى الجامع الأزهر مسلما له إلى رجل صالح من تلامذة شيخه الشناوي وابن أبي الحمائل فحفظه حفظا بليغا وجمعه بعلماء مصر في صغر سنه فأخذ عنهم وكان قد حفظ القرآن العظيم في صغره . ومن مشايخه الذين أخذ عنهم شيخ الإسلام القاضي زكريا الشافعي والشيخ الإمام المعمر الزيني عبد الحق السنباطي والشيخ الإمام فقيه مجلي النفس الشافعي والشمس ابن أبي الحمائل والشمس الشهدي والشمس السمهودي وابن العز الباسطي والأمين الغمري والشهاب الرملي الشافعي والطبلاوي الشافعي والشيخ الإمام أبي الحسن البكري الشافعي والشمس اللقاني الضيروطي والشمس الطهراي والشمس العبادي والشمس البدوي والشمس بن عبد القادر الفرضي والشمس الدلجي والشهاب النطوي والشهاب الركسي والشهاب ابن عبد الحق السنباطي والشهاب البلقيني والشهاب ابن الطحان والشهاب ابن النجار الحنبلي والشهاب ابن الصائغ رئيس الأطباء واذن له بعضهم بالافتاء والتدريس . وعمره دون العشرين وبرع في علوم كثيرة من التفسير والحديث وعلم الكلام وأصول الفقه وفروعه والفرائض والحساب والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتصوف . ومن محفوظاته في الفقه : المنهاج للنووي ومقرؤآته كثيرة لا يمكن تعدادها . وأما اجازات المشايخ له فكثيرة جدا وقد استوعبها رحمه الله في معجم مشايخه وقدم إلى مكة في لآخر سنة ثلاث وثلاثين فحج وجاور بها في السنة التي تليها ثم عاد إلى مصر ثم حج بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين ثم حج سنة أربعين وجاور من لك الوقت بمكة المشرفة وأقام بها يؤلف ويفتي ويدرس إلى أن توفي . فكانت مدة اقامته بها ثلاث وثلاثون سنة وذكر رحمه الله في معجم مشايخه قال : كنت بحمد الله ممن وقفت برهة من الزمان في أوائل العمر باشارة مشايخ أرباب الأحوال وأعيان الأعيان لسماع الحديث من المسندين وقراءة ما تيسر من كتب هذا الفن على المفسرين وطلب الإجازة بأنواعها المقررة في هذا العلم الواسعة ارجاؤه الشاسعة على المفسرين وطلب الإجازة بأنواعها المقررة في هذا العلم الواسعة ارجاؤه الشاسعة انحاوه مع الناس والملازمة في تحصيل العلوم الآلية والعلوم العقلية والقوانين الشرعية لا سيما علم الفقه وأصله تفريعا وتأصيلا إلى أن فتح الكريم من تلك الأبواب ما فتح ووهب ما وهب ومنح وتفضل بما لم يكن في الحساب ومراعاة نتيجة الاكتساب حتى اجازتي أكابر اساتذتي باقراء تلك العلوم وافادتها وبالتصدي لتحرير المشكلة منها بالتقرير والكتابة واشارتها ثم بالفتاء والتدريس على مذهب الإمام المطلبي الشافعي ابن ادريس رضي عنه وارضاه وجعل جنات المعارف منقلبه ومثواه ثم بالتصنيف والتأليف وكتبت من المتون والشروح ما يغنى رؤيته عن الاطناب في مدحه والاعلام بشرحه كل ذلك وسي دون العشرين بحلول نظر جماعة علي من العارفين اولي التصرف والشهود والتمكين وأرباب الامداد الوافر وكنوز الاسعاف والاسعاد الباهر ثم جردت صارف عزمي وارهفت حد فهمي في خدمة السنة المطهرة باقراء علومها وافادة رسومها المستكتمة لاسيما بعد الاتيان إلى حرم الله تعالى واستيطان بلده والتفرع لاسماع المقيمين والواردين حيازة لنشر العلم والفوز بعلاه ومدهه صادعا فوق رؤس الاشهاد ليعلم الحاضر والباد أن من يبيع نفسه لمولاها يقطعها عن سائر الأغراض إلى حيازة العلوم وأولاها التى آل التغفل عنها إلى اندراسها والتشاغل بالحظوظ الفانية إلى تزلزل

(1/143)


قواعدها وأساسها مناديا في كل مجمع وناد وسمر وعداد عباد الله هلموا إلى شرف الدنيا والآخرة فإنه لا طريف أقرب في الوصول إلى الله من العلوم الشرعية النزهة من أن يشوبها أدنى شوب من المطامع الدنيوية ومن ثم قال أئمة الفقه والعرفان كالامام العظم أبي حنيفة النعمان : ان لم تكن العلماء أولياء فليس لله ولي في زمن من الزمان لكنهم لم يريدوا صور العلم بل حقائق تطهير القلوب ثم ملأها من معارف القوم دون شقاشق أهل الرسوم وكما أن للصوفية سياحات لا بد منها كذلك لأئمة السنة حالات لا يستغنى أكثرهم عنها وشتان ما بينهما شتان . لن نفع تلك قاصر على أهلها وهذه عامة النفع والإحسان ولذا دعا لهم محمد صلى الله عليه و سلم بأعظم دعوة وحباهم عن غيرهم بأفضل حبوة فقال " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها " ومع هذا العلو الشامخ والشرف الراسخ تقهقر الزمان فركدت الهمم لاسيما عن هذا العلم العلي الشأن حتى كاد أن يكون نسيا منسيا وان بعد ما كان أمره ظاهرا فعاد خفيا ولهذا كان الناس بعد أن فقدت الرحلة في طلب الاسناد إلى شاسع الأقطار يطلبون الإجازة بالاستدعاء بالكتابة من الأساتذة البعداء الديار وأما الآن فقد زال ذلك التقاحم في طلبه ونسي هذا التزاحم في نيل رتبه وتقاعدت عنه الهمم إلى الغاية فاخلدت إلى أرض شهواتها عن طلب الدراية والرواية وذهب المسندون الجلة ومن كانت تزدهي بوجودهم الملة شعر : عدها وأساسها مناديا في كل مجمع وناد وسمر وعداد عباد الله هلموا إلى شرف الدنيا والآخرة فإنه لا طريف أقرب في الوصول إلى الله من العلوم الشرعية النزهة من أن يشوبها أدنى شوب من المطامع الدنيوية ومن ثم قال أئمة الفقه والعرفان كالامام العظم أبي حنيفة النعمان : ان لم تكن العلماء أولياء فليس لله ولي في زمن من الزمان لكنهم لم يريدوا صور العلم بل حقائق تطهير القلوب ثم ملأها من معارف القوم دون شقاشق أهل الرسوم وكما أن للصوفية سياحات لا بد منها كذلك لأئمة السنة حالات لا يستغنى أكثرهم عنها وشتان ما بينهما شتان . لن نفع تلك قاصر على أهلها وهذه عامة النفع والإحسان ولذا دعا لهم محمد صلى الله عليه و سلم بأعظم دعوة وحباهم عن غيرهم بأفضل حبوة فقال " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها " ومع هذا العلو الشامخ والشرف الراسخ تقهقر الزمان فركدت الهمم لاسيما عن هذا العلم العلي الشأن حتى كاد أن يكون نسيا منسيا وان بعد ما كان أمره ظاهرا فعاد خفيا ولهذا كان الناس بعد أن فقدت الرحلة في طلب الاسناد إلى شاسع الأقطار يطلبون الإجازة بالاستدعاء بالكتابة من الأساتذة البعداء الديار وأما الآن فقد زال ذلك التقاحم في طلبه ونسي هذا التزاحم في نيل رتبه وتقاعدت عنه الهمم إلى الغاية فاخلدت إلى أرض شهواتها عن طلب الدراية والرواية وذهب المسندون الجلة ومن كانت تزدهي بوجودهم الملة شعر :
كان لم يكن بين الجحون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

(1/144)


لكن بحمد الله تعالى قد بقى من آثارهم بقايا وفي زوايا الزمان ممن تحمل عنهم خبايا . وأنا أرجو أن أكون إن شاء الله من متبعيهم بحق ووارثيهم بصدق لأني أخذته رواية واتقنته دراية عن الأئمة المسندين ممن يضيق المقام عن استيعابهم ويحجب الاقتصار على مسانيد أشهر مشاهيرهم شيخنا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي ثم شيخنا الزيني عبد الحق السنباطي ثم شيخ مشايخنا بالاجازة الخاصة وشيخنا بالاجازة العامة لأنه أجاز لمن أدرك حياته وأني ولدت قبل وفاته بنحو ثلاث سنين فكنت ممن شملته اجازته واشتملته عنايته حافظ عصره باتفاق أهل مصره الجلال السيوطي انتهى . ومن مؤلفاته شرح المشكاة نحو الربع وشرح المنهاج للامام النووي في مجلدين ضخمين وشرحين على الارشاد للمقري كبير . وهو المسمى بالامداد والصغير وهو المسمى فتح الجواد وشرح الهمزية البوصيرية وشرح الاربعين النواوية والصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والضلال والزندقة وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع والزواجر عن اقتراف الكبائر ونصيحة الملوك وشرح مختصر الفقيه عبد الله بافضل الحاج المسمى المنهج القويم في مسائل التعليم والأحكام في قواطع الإسلام وشرح العباب المسمى بالايعاب وتحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات وشرح قطعة صالحة من ألفية ابن مالك وشرح مختصر أبي الحسن البكري في الفقه وشرح مختصر الروض والأخير لم يتم وحاشية غير تامة على شرح المنهاج وحاشية على العباب واختصر الإيضاح والإرشاد والروض والأخير لم يتم ومناقب أبي حنيفة ومؤلف في الأصلين والتصوف ومنظومة في أصول الدين وشرح عين العلم في التصوف لم يتم : والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم من اقليم الغربية بمصر والسعدي نسبة إلى سعد باقليم الشرقية من إقليم مصر أيضا ومسكنه بالشرقية لكن انتقل إلى محلة أبي الهيتم في الغربية . وأما شهرته بابن حجر فقيل ان أحد أجداده كان ملازما للصمت لا يتكلم إلا عن ضرورة أو حاجة فشبهوه بحجر ملقى لا ينطق فقالوا حجر ثم اشتهر بذلك . وقد اشتهر بهذا اللقب أيضا شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني وكاد صاحب الترجمة يشبهه في فنه الذي اشتهر به وهو الحديث مع ما منحه الله به من الزيادة عليه من علم الفقه الذي لم يشتهر به الحافظ العسقلاني هذا الاشتهار كيف وهو سميه فاشبهه اسما ووصفا وزادته نسبة إلى جوار الحرم الشريف شرفا . وقد كنت نثرت فيه قديما مشيرا إلى هذا الاسم الشريف فقلت : ابن حجر في البشر كالياقوت في الحجر . يشاركها في الاسم ويفارقها في الرسم وللشيخ العلامة عبد العزيز ابن علي الزمزمي المكي فيه شعر :
منك المعارف فاضت عذبة ولكم ... عذبا زلالا فاض من حجر
ولصاحبنا الفقيه أحمد بن الفقيه الصالح محمد با جابر :
قد قيل من أصم تفجرت ... للخلق بالنص الجلي أنهار
وتفجرت يا معشر العلماء من ... حجر العلوم فبحرها زخار
أكرم به قطبا محيطا بالعلا ... ورحآؤه حقا عليه تدار
وفيها : توفي السلطان الأعظم سليمان بن سليم سلطان الروم وكان عادلا فاضلا وللأديب ماميه الانقشاري في تاريخ وفاته شعر :
انتقل العادل من دنيته ... جاور الرحمن والمولى الرحيم
قالت الأقطاب في تاريخه ... " مات سليمان بن سلطان سليم "
وله فيه مرثية أجاد فيها كل الإجادة منها هذه الأبيات :
لقد جدد البيت العتيق حداده ... وقد وشحت طرز السواد المحامد
كأن بني العباس سنت سوادها ... عليه وبالأعلام قاست دلائل
وكان عماد الدين في كل حادث ... وسلطانه بالنصر للشرع حافل
وما كان علمي فقد سما العلا ... بأن الثرى للنيرين منازل
على عد حم حمى ملكه حمى ... وعن قوله كم قال راو وناقل
وجئته في الأرض أضحت دفينة ... ومن شأنها تحوي الكنوز الجنادل
بسبع أقاليم بكى الناس واحدا ... على السبع يطوي في الوغا وهو حائل
فصبر وغفو العين سار وسارح ... ودمعي على الخدين هام وهامل

(1/145)


فكم حي قلب قد تقلب في الغضا ... عليه وكم عقل غدا وهو ذاهل
وكم انفق الأموال في الغزو قائلا ... إلا في سبيل الله ما أنا فاعل
شياطين أهل الكفر ولت لأنها ... سليمان وافا وهو للشرك خاذل
غزاهم بعزم كالشهام وقد سما ... ومن حوله عد النجوم حجافل
اسود لها لهف الدروع مواطن ... وغاباتها سمر القنا والعوامل
وهي طويلة أولها :
لعمرك ما الأعمار إلا مراحل ... وفيها مرور الحادثات مناهل
ولحسنها ذكرت منها هذه الأبيات وفيها اشارة إلى بعض مآثره رحمه الله . ولولا خشية التطويل لأتيت بها جميعها فإن قاعدتنا في هذا التاريخ البسط في ترجمة العلماء والصلحاء دون غيرهم من السلاطين ونحوهم . وحكي أنه لما مات السلطان سليم وتولى ولده سليمان سمع قائلا يقول :
قل لشياطين البغاة اخسأوا ... قد اوتي الملك سليمان
ولمامية الانقشاري أيضا هذين البيتين :
لو يقاسي قيس ما قاسيته ... لشكى للناس ضر الضرتين
ذاك مجنون بليلى وحدها ... وانا المجنون بين الليلتين
قال بعض الفضلاء وقد وقف عليهما : عجب من رومي هذه الفصاحة . قلت : ومثله ان الخليفة الناصر لدين الله لما سمع هذين البيتين :
اذا ما رآني العالون وغردت ... حمائم دوح ايظتها النسائم
يقولون مجنون جفته سلاسل ... وممسوس حي فارقته التمائم
وهما لتاج الطرقي الاصفهاني تعجب من ذلك وقال : ما ظننت ان أحدا من العجم يصل كلامه إلى هذا الحد وبعث إليه بخلعة وكان الشاعر ماميه الأنقشاري المذكور حج في سنة خمس وستين وتسعمائة وحصل له قبول عظيم وطارح ادبآء مكة باشعاره . قال الشيخ عبد الرؤف بن يحيى الواعظ تلميذ الشيخ ابن حجر الهيتمي في وصفه : انه ممن توحد في عصره بصناعة الشعر وبرع في الصناعتين في الغزل والنسيب وكاد ان يكون ثاني الحاجري في الرقة والتشبيب . ومن شعره أيضا في القهوة وهو تشبيه حسن :
طاف يسعى بقهوة في مقام ... شمس حسن سما بصبح المحيا
كأسها البدر والحباب نجوم ... وهي ليل تجلى بكف الثريا
ومنه
قد شربنا قهوة بنية ... ولها شربنا غدا بالنيه
لونها قد حكى أذايب مسك ... أو زباد وسط الزباد الجليه
ومنه
أتتنا قهوة من قشر بن ... تعين على العبادة للعباد
حكت في كف أهل اللطف صرفا ... زبادا ذائبا وسط الزباد
ومنه أيضا على لسانها
أنا المعشوقة السمرا ... اجلى في الفناجين
وعود الهند لي عطرا ... وذكري شاع في الصين
ومنه أيضا
ما زلت أبكي جيرة الأجرع ... حتى استغاثت الغيث من ادمعي
وددت من توديع أهل اللوى ... يوم النوى لو أن قلبي معي
يا بين ما شئت امتحن أنني ... لولا فراق الجزع لم أجزع
قد مسني ذكر عبير الحمى ... حتى لقد مس معي مسمعي
وانقطع الصبر وضاع القوى ... لكنما مد معي مدمعي
يا حادي البين ترآى الحما ... فلعلع الأصوات في لعلعي
لم أدر هل صبح بدا بالسنا ... أم أسفرت ليلى عن البرقع
ومنه
سبا العقول بصاد جل فاطره ... وصاد قلب المعنى وهو فاطره
غزال ربرب بغزل الجفن غاز لنا ... وقد غزاني ببيض السود ناظره
فريد وصف تثنى قده هيفا ... وماس تيها على الأغصان ناضره
إن صال بأعينه أسد فرائسه ... أو مال مايسه فالقلب طائره
نبي حسن بدت أنور طلعته ... تهدي الذي قد اضلته غدائره
ما مثله بشر في ثغره درر ... في طرفه حور هاروت ساحره
لم انس حين وفا الوقت فيه صفا ... والصب بعد جفا سر خاطره
والهم منفرج والقلب منبلج ... والروض مبتهج تزهو ازاهره

(1/146)


وبات ينشدني والكأس في يده ... " باكر صبوحك أهنا العيش باكره "
ومنه
كل الوجود تجليات جماله ... لكن بدا متحجبا بجلاله
نور ولا شيء سواه وانهم ... ظنوا السوى لتشكيلات خياله
لا تشهدن النقص لو في ذرة ... فجميع ما في الكون فيض كماله
وإذا رأى الإنسان نقصا إنما ... مرآته تجلى عليه بحاله
فاطلب ولو أفنيت عمرك طالبا ... فسعاك أن تحظى بكنز وصاله
ومنه
زمن الورد روح جسم الزمان ... وحياة النفوس نبي الرمان
فدعاني واودعاني بحسان ... والقياني بين القنان القيان
كل حوراء تفتن الحور حسنا ... وجمالا تزهو على الولدان
بدر تم يدير بين النجوم ... في هلال الكؤوس شمس الدنان
في رياض أرضى الغمام ثراها ... قتراها قد زخرفت كالجنان
سما والربيع منثور در ... نظمته مباسم الاقحوان
وتغنت بلابل الدوح لما ... ان تجلت عرائس الاغصان
فتباهت وشقت الارض شقا ... وجلا الغصن وردة كالدهان
ما احيلا الصبوح بين صباح ... في صباح أتى ببشر التهاني
في رياض تجننت فلهذا ... سلسلتها سلاسل الغدران
فاغتنم فرصة الزمان وبادر ... قبل ان تدور نوائب الحدثان
ولعمري ما العمر إلا زمان ... قد مضا بالمنا وغر الاماني
ومنه موريا بالنغمات
ركب الحجان صعيد عراقها ... فاثار نار الالشوق من عشاقها
لما سرى ليلا بسلمى قاصدا ... اهداه نار ضاء من اشراقها
شمس إذا رفعت سحاب ردائها ... ابدت لنا القمرين من أطواقها
عجبا لعيني كيف أغرقها البكا ... وجوانحي تشكو لظى حراقها
ما علم القمري ينوح بشجوه ... إلا جريح ان من اشواقها
ومنه هذا التخميس
حبيبي زار في روض نزيه
وجاد برؤية الوجه الوجيه
وحين سكرت بالأشجان فيه
سقاني خمرة من ريق فيه ... وحيا بالعذار وما يليه
وانعم لي بوصال بعد صد
وأقربني إليه بعد بعدي
وبت وحيدة من فوق زندي
وبات معانقي خدا بخد ... غزال في الأنام بلا شبيه
وأمسى الدهر طوعا في يدينا
وعين السعد ناظرة إلينا
وباتت شمسنا تجلى لدينا
وبات البدر مطلعا علينا ... سلوه لا ينم على أخيه
ومنه هذا التخميس على البيتين المشهورين :
إلا طاعات نفسك فاجتنبها
وساعت الاماني فارتقبها
وزبدة منحة ان تحتلبها
إذا ردت نياقك فاحتلبها ... فما تدري الفصيل لم يكن
تحذر من امورك واحتكمها
ومن دنياك فاقطع واتهمها
وسفن الصبر فاركب واستلمها
فان هبت رياحك فاغتنمها ... فان لكل خافقة سكون
ومنه هذا التخميس أيضا :
يا من يروم من الإنسان رفقته
ويرتجي من اهيل والود صحبته
قد قال قبلك من عانى عشيرته
ما في زمانك من تصفو مودته ... ولا صديق إذا خان الزمان وفا
فلا تعاشر فتى يرميك في نكد
وان رءاك بخير مات من كمد
فما خلا جسد في الدهر من حسد
فعش وحيدا ولا تركن إلى أحد ... اني نصحتك فيما قلته وكفا
وفيها : في رجب ختم صحيح البخاري عند الأمير الصالح الفخان الحبشي بقراءة العلامة القاضي جمال الدين محمد المهايمي وعمل الفخان لختمه ضيافة غظيمة وأنشأ القاضي المهايمي في فضل البخاري خطبة وذكر في آخرها الفخان قرأها ذلك اليوم على روس الاشهاد
وفيها : سافر والدي من بروج إلى احد اباد وقام بها إلى ان توفي وكان يوم دخوله يوما مشهودا وخرج لاستقباله منها من كان بها من الوزراء

(1/147)


وفيها : صنع الاستاذ شيخ الإسلام جمال الدين محمد ابن الاستاذ شيخ الإسلام أبي الحسن البكري ضيافة عظيمة لتطهير اولاده الكرام واتفق في ذلك الوقت اتمام دار عمرها الاستاذ أيضا فانشأ الأديب البارع إبراهيم ابن المبلط المصري في ذلك قصيدة بديعة في بابها فائقة بينم اترابها مشتملة على المعاني الغريبة وما وقع في ذلك من الأمور العجيبة مع رقة الانسجام والجناس التام
وافق السعد في حماك السرورا ... وامان الزمان ارخى الستور
فتمتع وبن وقم في قصور ... لم يصد واحد إليها قصورا
ان رآها الحسود يوما بعين ... ينقلب طرفه إليه حسيرا
ان رب السماء اعطاك فيها ... فرحا عاطفا عليه سرورا
ودحى عنك حادثات الليالي ... وبنى بينهها وبينك سورا
لا تخف ان سمعت طارق ليل ... فهو بالخير قد اتاك بشيرا
ما لهذا البنا في الحسن واللطف ... وان كان واسعا وكبيرا
أسسوه على التقى فلهذا ... هو بالخير لم يزل معمورا
شكر الله سعي من قد بناه ... انه كان سعيه مشكورا
ستوفي لك الاجور بما ... وفيت فيه الاجورا
فبا تمامه اقم في هناء ... وبختن البنين عش مسرورا
قطعت سرة لهم قبل هذا ... لكن الآن طهروا تطهيرا
وسيأتي زواجهم عن قريب ... فتأهب له واعط المهورا
صاحبي احضر وليمة ختن ... ودعا عنكما محالا وسرورا
وانظر مجمعا لهم ضم خلقا ... ليس يحصى أعدادهم تكثيرا
عالما صالحا أميرا كبيرا ... قاضيا ساهدا غنيا فقيرا
فيقول الفقيه عني استنيبوا ... في جهاتي وعطلوها شهورا
فجهاتي مشغولة عن جهاتي ... ولي العذران تركت الحضورا
والاصولي قائل بي اضطرار ... وتبيح الضرورة المحضورا
ويقول الخطيب للناس جهرا ... يا اولي الجد شمروا تشميرا
ويقول القاضي وللا كل يوفي ... " كان ذلك في الكتاب مسطورا "
قد دعاني ولي امري ... وعندي يستحق المخالف التعززيزا
وتقول الشهود جيئنا نودي ... ما علينا ونترك التاخيرا
وتقول القراء عنوان خير ... نحن في رزقنا نرى التيسيرا
ويقول المجيد علم لغات ... بل لجرعان تعرفون نظيرا
والعروضي لا يقطع إلا في ... لحوم ولم يقطع بحورا
واخو النحو قد علاه اختلاط ... فهو يبدي ضميره المستورا
ويجر المنصوب من غير سوغ ... ثم من بعد يرفع المجرورا
جملة الأمر انهم ابصروا ما ... حير العقل منه متحييرا
رق قلبي على رغيف سيوط ... حين ابصرت فليه مكسورا
وقباب الحلوى التي عرضوها ... عن جموع السلامة التكسيرا
والعزيزي من إياد طوال ... خاف فازداد لونه تصفيرا
ولكم في السماط رأس سميط ... وسليخ قد استوت تخميرا
ودجاج معلوفة وأوز ... كان منها الصدور تشفي الصدورا
جمع الطيبات طولا وعرضا ... ولعمري يستوجب التصديرا
شبع الناس كلهم منه أكلا ... وانتهابا ولم يزل مستورا
والذين اعتنوا بنقل قراهم ... ينقلون الصحيح والمشهورا
رضي الله فيه من نقباء ... قد أجادوا التصريف والتدبيرا
فإذا أبصروا بأيدي نابصيه ... لم يظهروا تأثيرا

(1/148)


وإذا قال قائل لنقيب ... ما تراهم يقول كن ستيرا
إن هذا رزق حلال ... مباح وأرى منعه لهم محظورا
فجميع الأنام راضون عنهم ... شاكروا الفضل غيبة وحضورا
كم ألوف من فضة وكذا من ... ذهب قدرت له تقديرا
لم يكن درهم ولا دينار ... مستعدا لهم ولا مصرورا
بل من الله قد أتت وبحمد ... انفقت في الهنا وعادت أجورا
ولكم أوقدت مصابيح نور ... فيه حتى بدا الصباح منيرا
تشبه النجم كثرة وارتفاعا ... وضياء على الأنام ونورا
في ليال بدا بها قمر الأفق ... منيرا فزادها تنويرا
وشموع كأنها الفات في ... طروس الظلام خطت سطورا
كلما مس نوره الريح أمسى ... كلسان بين الشفاه أديرا
والحراقات في المراكب ترمي ... شررا من قراضة مستطيرا
صنعة الكيميا في الرفع والخفض ... ترينا التصعيد والتقطيرا
كمروق السهام دفعا ورفعا ... وبروق السماء لاحت ظهروا
أو كما فر طائر مل حبسا ... فعلا شاهقا وجاوز سورا
أو كحلي في رأسه شربوس ... قد تبدا مقرعا منشورا
أو كما قرطت سلاسل در ... وبدا حب عقدها منثورا
أو كما تبذر الحبوب لزرع ... أو كما تنفخ الشفاة القشورا
أو كخشخاشة بكف صغير ... لم يجد اكلها فصب البذورا
أو كما تنثر النقود نقوطا ... أو كما تخرج الرياض زهورا
ولكم فصلت ثياب حرير ... وغدا في اختلافها الأمر شورا
ولكم اطلقت صنوف بخور ... وشممنا نشرا لها وعبيرا
ولكم سكر نقي مذاب في ... الأواني مكورا تكريرا
وترى النقل والفواكه والحلوى ... لجمع الورى أعدت فطورا
ولكم قد ادير قهوة بن ... وسقينا منها شرابا طهورا
من تعاطى منها شهارا جهارا ... لا يرى في الورى عليه نكيرا
وخيام منصوبة لا يرى من ... حل فيها شمسا ولا زمهريرا
وتولى فينا مليك جديد ... دام فينا مؤيدا منصورا
وله بالحلى زينت الدنيا ... واثرت ملابسا وستورا
إن أردت اللحاظ تلق حريرا ... أو أردت الجلوس تلق سريرا
واكتسى الروض من بدأيع صنعا ... موشى محبرا تحبيرا
واكتست قضبه من الخلع الخظر ... التي فضلها غدا مجرورا
وأجادت رقصا باكمام زهر ... عطر الكون نشرها تعطيرا
وفصاح الطيور غنت بلحن ... وأجاب المطوق الشحرورا
ولجمع الأتراك يوم عظيم ... كان يحوي الأمير والمأمورا
والأغاوات والصناجق إلا صا ... حب السعد ما استطاع الحضورا
ودعى السادة البنين وأعطاهم ... من المال مبلغا مصرورا
وكساهم ملابس فاخرات صيرت خاطرا لهم مجبورا
بعد اجلالهم بحسن تلقيه ... واحلا لهم محلا اثيرا
ثم قاضي القضاة جاء و ... ابتاع له كان جمعهم موفورا
والأمير المعظم دفتر دار مصر ... يعطي الوقوف الكثيرا
ويقول انظروا لعبد ولاكم ... خدمة فالأمير ليس أميرا
أدبا منه واحتشاما ولطفا ... زاده في مقامه تكبيرا
ومماليك صاحب السعد جاءوا ... جل من قد براهم تصويرا

(1/149)


نحو سبعين وثمانين شخصا ... كل شخص يحكي القضيب النضيرا
بالحياصات والعصائب صيغت ... من نضار صفا وأشرق نورا
والمزامير والطبول بأيدي ... من يجيد التطبيل والتزميرا
فغدا يوم جمعهم وهو يحكي ... بهم يوم موكب مشهورا
ثم كانت لهم نهارا وليلا ... زفف تجمع الموالي الصدورا
من أولى الخير والصلاح وأهل ... العلم زيدوا على الورى توقيرا
ومن السادة الموقعين وأصحاب ... الدواوين كان جما غفيرا
وجميع الكتاب إلا قليلا ... وجميع التجار إلا يسيرا
ثم باقي الأنام إلا كبيرا ... أو رضيع ثدي صغيرا
قلت لولا جمالهم بثياب ... لحكى البعث جمعهم والنشورا
وتصور الشموع والزهر فاقت ... كثرا واستوق بها تقديرا
وزهت باختلاف شكل ... ولون زادها في جمالها تزهيرا
ثم فيها الجنايب الغر تزهو ... بلبوس قد شهرت تشهيرا
من خيول مسومات جياد ... عاليات وغاليات مهورا
ولمن زف مع بنيه صغارا ... وكساهم من اللباس حريرا
وتولى أجر الحساب لهم عن ... والديهم يبغي بذاك الأجورا
ثم في سابع الختان لهم ... كان مهم ضاهى المهم الكبيرا
في اجتماع وفي مصابيح نور ... عمرت حين اشعبت تعميرا
وسماط مركب طبقات ... كم حوى طيبا وحاز حنورا
فيه مالا يعبر الوصف عنه ... فلذا أطبقوا عليه حبورا
قاسه كل ذي ذراع طويل ... فرآه محررا تحريرا
أمنوا عنده رقيبا نقيبا ... وحسود إلا كل وغيورا
والمشاهير بالدخول من القرا ... والواعظين كانوا حضورا
يقرءون القرآن طورا وطورا ... ينشدون الموشح المشهورا
فظفرنا معهم باحياء ليل ... كان بالخير كله معمورا
كان هذا المهم حاوي مهمات ... عظام يحتاج شرحا كبيرا
نحو شهر يقام في كل يوم ... فرح كامل عديم نظيرا
مع غلاء الأقوات سعرا ... وإذ لا يقضي حكم حاكم تسعيرا
يا لتلك الليالي حسنا وطيبا ... ليتها ما انقضت ودامت شهورا
تم فيها السرور من كل وجه ... ومحى صفو عيشها التكديرا
وبلغنا من الزمان الأماني ... وأمنا المخوف والمحذورا
لسرور الأستاذ من سخر الله ... له الكون كله تسخيرا
وأفاض الآله منه علينا ... نعما جمة وفضلا كبيرا
وكراماته غدت بينات ... ليس تخفى على الأنام ظهورا
من أبو بكر الإمام له جد ... وقد كان للنبي نصيرا
ورفيقا وصاحبا وأنيسا ... من عدو في الغار يأتي مغيرا
حاز اسناده علوا ورفعا ... درجات على الأنام وفورا
أخذ العلم عن أبيه عن الصديق ... عن سيد الورى مأثورا
لا تجف عين علمه ضد ... فهي عين قد فجرت تفجيرا
سيدي هذه هدية عبد ... من فريض قد غاص فيه البحورا
لو رأت درة النفيس الغواني ... نظمته وقلدته النحورا
فيه لب حلو المذاق وقشر ... فخذ اللب منه وارم القشورا
مزج الجد منه الهزل كيما ... بانتقاله يرى مجبورا
عذره في تاخريه رمد في ... عينيه لم يزل معذورا

(1/150)


وشعاري التأخير دأبا ومعنى ... لم أزل في الورى به مغيورا
وعسى أن يحصل بي نظر منك ... فيلفي التقديم والتأخيرا
دمت في العالمين عمرا طويلا ... كل عام تنشي مهما كبيرا
وبقيت الزمان مجتمع الشمل ... بأولادك الجميع قريرا
بالموالى أبي السرور وتاج الدين ... والعارفين عاشوا دهورا
ثم عبد الرحيم أيضا وزين ... العابدين الذي استحق الظهورا
وأخيهم أبي المواهب ثم الأ ... خوات الإناث تلو الذكورا
ورأيت الجميع بالقرب حازوا ... عملا صالحا وعلما غزيرا
قد حضرنا ولائما ليس تحصى ... وشهدنا جمع الأنام الكثيرا
ما رأينا ولا سمعنا بشيء ... مثل هذا واسأل بذاك خبيرا
ولقد قيل أرخوه فقلنا ... فرح مبهج القلوب سرورا
وصلاة من ربنا وسلام ... لنبي إلى الأنام بشيرا
ما أقيمت في شرع طه بموسى ... سنة للخليل يهدي السرورا
سنة خمس وسبعين بعد التسعمائة
وفي ليلة الأحد بعد صلوة المغرب حادي عشر رجب الفرد الحرام سنة خمس وسبعين : توفي شيخ الإسلام مفتي الأنام علم الأئمة الأعلام محرر المذهب وطراز المذهب أستاذ المحققين سراج الظلمة ناصر السنة المحمدية بالحجج السنية والبراهين المضيئة أو الضياء عبد الرحمن بن عبد الكريم بن إبراهيم بن علي بن زياد الغيثي المقصري نسبة إلى المقاصرة بطون من بطون عك ابن عدنان الزبيدي بلدا ومولدا ومنشاء الشافعي مذهبا الأشعري معتقداص الحكمي خرقة اليافعي تصوفا وفي ذلك يقول رحمه الله :
انا شافعي في الفروع يوافعي ... في التصوف أشعري المعتقد
وبذا أدين الله القاه به ... أرجو به الرضوان في الدنيا وغد

(1/151)


وصلى عيه ولده مفتي المسلمين مفيد الطالبين الشيخ الإمام عبد السلام بعد صلاة الصبح بالجامع المظفري بزبيد ثم حمل على رؤس الجم الغفير وانسكب عليه الدمع الغزير ودفن إلى جنب والده بمقبرة باب القرتب من مدينة زبيد وكان له مشهد عظيم لم تر الأعين مثله رحمه الله ورضي عنه آمين آمين وخلفه بعده على الافتآء والتدريس ولده المذكور وقدمه في ذلك الجمهور وأفتى ودرس إلى أن ناج بباب مولاه وعرس كان الشيخ عبد الرحمن المذكور شافعي الزمان انتشر ذكر فضله في الآفاق قصدته الفتاوى من شاسع البلاد وضربت إليه اباط الابل من كل ناد للأخذ عنه والاقتباس منه ولد رحمه الله في شهر رجب الحرام سنة تسعمائة رأس القرن وحفظ القرآن عن ظهر الغيب على والده ثم الإرشاد في الفقه على العلامة محمد وأخيه أحمد ابني موسى الصنجاعي وشيخ الإسلام أحمد المزجد وتلميذه شيخ الإسلام أبي العباس أحمد ابن الطيب الطبنداوي وبه تخرج وانتفع واذن له في التدريس والإفتاء فدرس وافتى في حياته وصحح له اجوبته واخذ في التفسير والحديث والسير على الإمام الحافظ الضابط وجيه الدين ابن الديبع وعلى الفقيه موسى بن عبد اللطيف المشرع واخذ في الفرائض على شيخ العلامة فرد زمانه وشيخ شيوخ أوانه الصديق الغريب الحنفي وأخذ في الأصول على الفقيه الزاهد العارف بالله المفنن جمال الدين يحيى قتيب والعربية عن الفقيه الصالح الفاضل المقرء محمد مفضل اللحياني وجد واجتهد إلى ان رأى النفع ووجد وطالع الكتب مختصرها ومبسوطها حتى صار عينا من أعيان الزمان يشار إليه بالبنان وتعقد عليه الخناصر وتلمذ له الأكابر . وفي سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة حج إلى بيت الله الحرام وزار قبر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام واجتمع بفضلاء الحرمين ودرس في الحرمين بمحضر من أعيان البلدتين الشريفتين كمفتي الحجاز شيخ الإسلام عبد العزيز الزمزمي وأمثاله كان يقول شربت من زمزم لثلاث لأرجع إلى بلدي واجتمع بوالدي . واشتغل بالافتاء وليرضى الله عني فوجدت خصلتين رجعت إلى بلدي واجتمعت بوالدي وعمر بعد ذلك زمانا طويلا واشتغل بالإفتاء من سنة ثمان وأربعين وتسعمائة بعد وفاة شيخه أبي العباس الطبنداوي وكان يقول أرجو ان ألقى الثالثة وما ذلك على الله بعزيز ولما مات شيخه المذكور تصدر للتدريس والإفتاء استقلالا وصنف ودرس الفقه بالجامع الكبير بزبيد بمدرسة الوهابية والأشرفية والواثقية من مدارس زبيد وله تدريس الحديث بجامع الباشا مصطفى النشار بزبيد أيضا وكان من الفقر على جانب عظيم بحيث لا يملك إلا شيئا يسيرا من الكتب وكان غالب أوقاته كما كان يخبر على نفسه انه يصبح وليس عنده قوت يومه وهو مع ذلك لا يترك التدريس ويسعى بعد تمام الدرس في تحصيل قوت يومه واخبر رضي الله عنه ان امرأته وضعت ليلة ولم يكن عنده مما يعمل لذات النفاس ولولدها حتى عجز عن المصباح في تلك الليلة وباتوا كذلك وكان تدريسه عن تحقيق ومباحثه في نهاية التدقيق لا يقعد للتدريس حتى يطالع الكتب المبسوطة كالوسيط والخادم والكوكب الوقاد وحاشية السمهودي والروضة . وقد يعقد أياما يعتذر عن التدريس لعدم المطالعة وطريقته انه يجمع الدرسة على درس واحد من أول النهار إلى مضي ربعه يذكر الدليل والعلة وما تفهمه العبارة وما يرد عليها ومن وافق ومن خالف في المصنفات والفتاوي والنكت والحواشي وتحضر في التدرس الكتب المبسوطة تورد عليه الطلبة الابحاث والاشكالات فما رأى من صواب قرره وما لا فلا ويطول المجلس بالمشاطرة بين تلامذته في الابحاث عن القواعد وعبارات الأصحاب وربما كان يجلس من أوله إلى آخره على مسئلة واحدة وربما قام الشيخ من مجلسه وأشكال المسئلة ما ارتفع فيحله في مجلس آخر لأنه كان وقافا عند الاشكالات وربما تمر ايام في تحقيق مسئلة وهو في الحقيقة تدريس المذهب لا كتاب لأنه كان يقول رحمه الله : أنا ادرس المذهب لا كتاب وكان تدريسه في الأسبوع السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء وله درس في الحديث بمنزله بعد صلاة العصر جميه الأسبوع لم يترك غير عصر الجمعة وختم عليه في ذلك المجلس كتب عديدة من التفاسير والحديث والسير وغير ذلك وفي شهر رجب وشعبان ورمضان يقرا عليه صحيح البخاري بالجامع الجامع المظفري بزبيد بحضرة الجم الغفير

(1/152)


من العلماء والطلبة وغيرهم بأيديهم النسخ العديدة نحو الأربعين نسخة وبين يديه هو فتح الباري وقد اخبر رضي الله عنه انه رأى النبي صلى الله عليه و سلم بالعين الشحمية حاضر في ذلك المجلس ويحصل له في ذلك المجلس الخشوع والخضوع والسكينة والرحمة مالم ير في مجلسه غيره ويكون ختم هذا الدرس صبح اليوم التاسع والعشرين من رمضان ويحضر الختم جمع عظيم من الخاص والعام وأمير البلد وقضاة الشرع وأجناس مختلفة من بوادي زبيد ويكون جمعا حفيلا مشهود الخير والبركة وينشد فيه القصائد المبتكرة وتظهر بركة المجلس على من حضر وكان يبتدي مجلس الدرس بالفاتحة وآية الكرسي ويس وتبارك والإخلاص والمعوذتين والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم والدعاء وقصد للفتوى المشكلة من الحرمين الشريفين وأرض الهند والحبشة وحضرموت وقد يقصد لها من البلد التي هي زبيد فلا يعجل بالكتب عليها ويمهل فيها مدة طويلة ويفتش الكتب لها ويجتهد ولا يمل وإذا علم أن لأحد عليها كلاما أو على نظيرها يطلبه ولا يكتب عليها حتى يقف عليه ويبحث فيها مع أصحابه وغيرهم من أهل المذهب ويأمرهم بالتفتيش والاجتهاد ويأخذ ما عند كل واحد وينازله على فهمه ويبحث معه فيرد ما يرد ويقبل ما يقبل ويدأب في ذهب ويدأب الطلبة وإذا كان المسئلة مشكلة جدا أو مهمة جمع عليها كلام المتقدمين والمتأخرين وكتب عليها مؤلفا وكلما ذكرناه عنه من هذا الاجتهاد والتوقف والمهل والفحص والبحث والمناظرة والمنازلة والقبول والرد من الورع والاحتياط في الدين وحصل بينه وبين جماعة من أهل عصره مخالفات ومشاححات في مسائل ولشيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي مفتي مكة وغيره وكل منهم ألف وبرهن على ما يقول وهو يؤلف ويرد عليهم في مؤلفاته وفتاواه ينقل عبارات الأصحاب برمتها وألفاظها ويعيب على من يحذف منها أو يلخصها حتى بلغت مؤلفاته في ذلك نيفا وثلاثين مؤلفا . وفي سنة أربع وستين وتسعمائة نزل في عينيه ماء فكف بصره فاحتسب ورضي وقال مرحبا بموهبة الله وجاءه قداح فقال له أنقشك ويصطلح بصرك وقال بعض أهل الثروة : وأنا أنفق عليك وعلى عيالك مدة ذلك فامتنع وقال شيء البسنيه الله به لا أتسبب في ابطاله ومع ذلك لم يفقد شيئا من أحواله وكان على عادته في التدريس والافتاء والتصنيف يأمر ولده بالفتش ويشير إلى المظنات ويقرأ عليه فيقرر الحكم وأستمر على تدريسه على عادته في الجامع وغيره من المدارس التي ذكرناها قبل وإذا ورد عليه سؤال قريء عليه فيتأمله ثم يأمر بفتش المظان وأسماعه إياها فينزل السؤال على ذلك ؛ ثم يأمر بالكتب وألف مؤلفات وهو على حالة العمى وله فتاوى مؤسسة على التحقيق . قال تلميذه العلامة القاضي عمر بن عبد الوهاب الناشري رحمه الله تعالى قرأتها عليه جميعها بحضرة الجملة من مشايخ العلم وغيرها من الطلبة وامرني ان اتتبع ماشذ منها ولم يدخل في الفتاوى وقرأتها عليه وصححتها لديه قال : وله مؤلفات قرأت عليه بعضها انتهى . قلت : اما مصنفاته فتحرير المقال في حكم من خبر برؤية هلال شوال . وحاصله وجوب الافطار على من اخبر برؤية شوال إذا اعتقد صدق المخبر وحصل بينه وبين العلامة اسماعيل العلوي في هذه المسئلة منازعة والف العلوي كتابا في عدم الجواز لكن وافق ابن زياد أهل اليمن ومكة ومصر وغيرهم . ومن مؤلفاته إثبات سنة رفع اليدين عند الإحرام والركوع والاعتدال والقيام من الركعتين وكتاب فتح المبين في أحكام تبرع المدين والمقالة الناصة على صحة ما في الفتح والذيل والخلاصة . وهذه الثلاثة التآليف بسبب ما وقع بينه وبين ابن حجر لم يوافق ابن زياد بل صنف كتابا آخر في عدم بطلان تبرع المدين فعند ذلك رد عليه وجيه الدين بكل من الثلاثة الكتب وله كتاب النخبة في الاخوة والصحبة وكتاب فتح الكريم الواحد في انكار تأخير الصلاة على ائمة المساجد والادلة الواضحة في الجهر بالبسملة وانها من الفاتحة . وهو كتاب حافل مشتمل على مناقب الأئمة الأربعة والتقليد واحكام رخص الشريعة وذلك مما لاغناء للفقيه عن تحصيله ؛ وكتاب إقامة البرهان على كمية التراويح في رمضان ؛ وكتاب الرد على ما اوهم ان ترك الرمي للعذر يسقط الدم وكتاب تجديد الأئمة الإسلام من تغيير بناء المسجد الحرام والجواب المحرر في أحكام المسقط والمحذر وبغية المشتاق في

(1/153)


تصديق مدعي الانفاق وكشف الغمة عن حكم المقبوض عما في الذمة وكون الملك فيه موقوفا عند الأئمة ومزيل العنافي أحكام الغنا والأجوبة المرضية عن الأسئلة الملكية والجواب المتين عن السؤال الوارد من البلد الأمين وحل المعقود في أحكام المفقود وفصل الخطاب في حكم الادعاء باتصال الثواب وإيضاح النصوص المفصحة ببطلان تزويج الولي الواقع على غير الحظ والمصلحة وايراد النقول الذهابية عن ذوي التحقيق في أنت طالق على صحة البراءة عن صقيع المعارضة لا التعليق وإسعاف المستفي عن قول الرجل لامرأته أنت أختي وسمط اللآل في كتب الأعمال وافصاح الدلالة في ان العدالة المانعة عن الشهادة بجامعة العدالة وكشف النقاب عن أحكام المحراب وله رسالة في القات والكفته والقهوة والبن وجميع المخدرات المباحة والمكروهة والحرام وغير ذلك من المؤلفات العديدة والفتاوى المفيدة قال العلامة مفتي العصر أحمد بن عبد الناشري أبقاه الله تعالى قال العلامة محمد ابن أبي القاسم جغمان : مؤلفات ابن زياد أكثر تحقيقا من كتب ابن حجر الهيتمي . وبالجملة فما كان الانووي الزمان وواحد هذا الشأن ملازما لبيته ومسجده لا يخرج إلا لصلاته وتدريسه منقطعا عن الناس محبوبا إليهم تزدحم الناس على تقبيل يده بعد صلاة الجمعة والتمسح به والتماس بركته وتقصده العلماء والكبراء والامراء والوزراء والفقراء والأغنياء إلى منزله للتبرك به وبدعائه وكان مسموع الكلمة لا ترد شفاعته وكان سريع الدمعة مجاب الدعوة حسن العقيدة في أهل الله الصوفية وصالحيهم اذا اجتمع بأحد منهم التمس منه الدعاء المواخاة ويعتقد بالمجاذيب إلى الله تعالى ويذاكر أهل التصوف في كلام القوم فيستفيدون منه ويعتقد بمحي الدين ابن عربي ويثني عليه وعلى كلامه ويفتح عليه فيه بذوق عظيم وما جالسه أحد إلا واستفاد منه وتعلم وتأدب واتعظ وكان شديد التأليف بين الطلبة يؤدبهم بلسانه وحاله ويزهدهم في الدنيا ويكره لهم الاشتغال بها ويزجرهم عن مجالسة الجهال وأهل الأهواء ولا يرضي لهم الترشح لوظائف الأحكام والأوقاف ويأمرهم بالتحلي بحيلة الكمال ويحثهم على الاشتغال بالعلم ومطالعة الكتب المبسوطة ولا يرضى لهم بالاقتصار على المختصرات ويستعين بهم على المشكلات المدلهمة والفتاوى المعضلة المهمة وكان ذلك بسبب الألفة لقلوبهم والافهم لا ينكرون استغناءه عنهم ورسوخ العلم في قلبه وقد بشربه بعض الصالحين قبل مولده . أخبر والده عبد الكريم رحمه الله أنه دخل مسجدا بزبيد يقال له مسجد الزيالع قال قصت ذلك المسجد لصلاة الضحى به فلما فرغت منها إذ أنا بشخص معتكف في المسجد المذكور يتأملني من ورائي فقال لي : يا فقيه تقرا في العلم فقلت لا فقال : لو قرأت لكنت مصنفا فلما بلغ ولده ما بلغ وهو كان يحكي بهذه الحكاية ويقول : كأنه رأى عبد الرحمن في صلبي قلت : ولا يبعد ذك على أهل الله تعالى فقد أذكرتني هذه الحكاية مانقلته عن خط الحافظ المسند أمام الحديث النبوي بزبيد أقضى القضاة مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس أحمد بن عبد اللطيف الشرجي وصورة ذلك . وحكى لي حفظه الله وأبقاه والإشارة بذلك إلى المجد المذكور . إنه دخل في بعض السنين مدينة قم فسمعت بأن كتبا تعرض للبيع فذهبت إلى بيت صاحبها فأدخلني وأحضر الكتب بين يدي ومددت يدي إلى كتاب منها وفتحته فإذا هو بخط أبي فقلت هذا خط والدي فقال : ما أسم والدك ؟ فقلت يعقوب بن إبراهيم الفيروز أبادي . قال فقام الرجل إلي وقبل راسي وقال : صدقت كأن جاءني والدك في بعض السنين إلى غار من مغارات هذا الجبل وأنا من قطع إلى الله فيه للعبادة فأقام عندي أياما ونسخ لي هذا الكتاب فيه وكان يخدمني ويتعبد معي فاتفق في بعض الأيام أن قلت له : يا شيخ يعقوب ما ترى ننزل إلى المدينة فندخل الحمام ونتنظف فقال : الأمر إليك في ذلك فنزلنا فلما دخلنا الحمام قلت له هات ظهرك لأحكه فامتنع علي وقال : أنا أولى بخدمتك فلازمته على ذلك وهو يتمنع فرأيت الحيلة في ذلك إن قلت له لتصل بركة يدي إلى ظهرك فهنالك أعطاني ظهره فسمعت حسك في ظهره فقلت له : يا يعقوب في ظهرك أولاد فقال ما يدريك قلت أحسست بهم قال كم هم قلت أربعة قال : سمهم فقلت على الفور محمد ويوسف وعلي وحسن قال ثم : فارقني وفارقته فمن أنت منهم ؟ قال شيخنا مجد الدين أنا محمد قال :

(1/154)


هل لك أخوة فقلت نعم كما ذكرت يوسف وعلي وحسن قال وكلهم في الحياة قلت لا توفي علي وحسن فقال : الحمد لله فتعجبت من كشفه ومن غريب الأتفاق قال : وأسم هذا الرجل أيضا مجد الدين وهو من عباد الله الصالحين أنتهى . قلت : وقريب من هذا أن ابن شيخ ابن الشيخ عبد الله العيدروس تمن . فقال : ما أريد إلى البركة والدعاء لي بذرية صالحة فقال له : يا عبد الله سيلد لك من الأولاد الذكور فلان وفلان وفلان وسماهم أبو بكر وشيخ وحسين وكان إذ ذاك جدي لم يتزوج بعد ثم خرج إلى حضرموت بعد وفاة عمه المشار إليه وتزوج بها أمرأة فولدت له أولادا كما ذكر وسماهم بتلك الأسماء التي سماهم بها الشيخ ثم ولد له بعد الثلاثة ولد سماه محمدا . أخبرني بهذه الحكاية الثقة سالم بن علي باموجه رحمه الله وقد سمعها من سيدي الوالد قدس الله روحه بلفظ قريب من هذا وذكر سيدي الشيخ الوالد رحمه الله في كتاب العقد النبوي والسر المصطفوي أن جده الأعلى وهو الشيخ الكبير والولي الشهير علوي ابن الشيخ القطب الفقيه محمد بن علي أراد أن يترك يترك التزوج إيثارا للأنقطاع في العبادة فهتف به هاتف من ظهره نحن في ظهرك ذرية صالحة تزوج وأخرجنا وإلا خرجنا من ظهرك . فتزوج بعد ذلك وولد له أولاد تناسلوا بذرية طيبة مباركة صالحة حتى كان منهم من لا يحصى من المشايخ الكاملين والعلماء العاملين الذين شهرتهم تغني عن الأطناب في مدحتهم فكأنما عناه القائل بقوله : لك أخوة فقلت نعم كما ذكرت يوسف وعلي وحسن قال وكلهم في الحياة قلت لا توفي علي وحسن فقال : الحمد لله فتعجبت من كشفه ومن غريب الأتفاق قال : وأسم هذا الرجل أيضا مجد الدين وهو من عباد الله الصالحين أنتهى . قلت : وقريب من هذا أن ابن شيخ ابن الشيخ عبد الله العيدروس تمن . فقال : ما أريد إلى البركة والدعاء لي بذرية صالحة فقال له : يا عبد الله سيلد لك من الأولاد الذكور فلان وفلان وفلان وسماهم أبو بكر وشيخ وحسين وكان إذ ذاك جدي لم يتزوج بعد ثم خرج إلى حضرموت بعد وفاة عمه المشار إليه وتزوج بها أمرأة فولدت له أولادا كما ذكر وسماهم بتلك الأسماء التي سماهم بها الشيخ ثم ولد له بعد الثلاثة ولد سماه محمدا . أخبرني بهذه الحكاية الثقة سالم بن علي باموجه رحمه الله وقد سمعها من سيدي الوالد قدس الله روحه بلفظ قريب من هذا وذكر سيدي الشيخ الوالد رحمه الله في كتاب العقد النبوي والسر المصطفوي أن جده الأعلى وهو الشيخ الكبير والولي الشهير علوي ابن الشيخ القطب الفقيه محمد بن علي أراد أن يترك يترك التزوج إيثارا للأنقطاع في العبادة فهتف به هاتف من ظهره نحن في ظهرك ذرية صالحة تزوج وأخرجنا وإلا خرجنا من ظهرك . فتزوج بعد ذلك وولد له أولاد تناسلوا بذرية طيبة مباركة صالحة حتى كان منهم من لا يحصى من المشايخ الكاملين والعلماء العاملين الذين شهرتهم تغني عن الأطناب في مدحتهم فكأنما عناه القائل بقوله :
فهو أبو الآباء ... خير منجب ومنسل
وهو أبو الأشبال ... حيا قبره كل ولي
أولاده الزهر بهم ... يدفع كل معضل
كم فيهم من قطب ... كم فيهم من بدل
كم كم محدث فقيه ... ومحدث ولي
وكأنما عنا الآخر ذريته بقوله :
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
شدت إليهم الرحال من أطراف البلاد وغنى بذكرهم الحداة في كل سمر وناد طبق ذكرهم طباق الأرض وعم نفعهم المشارق والمعارب بالطول والعرض . ولو لم يكن منهم إلا الاستاذ الكامل القطب الشيخ عبد الرحمن السقاف وحفيده الأستاذ المحقق القطب الغوث عبد الله العيدروس الذين عقم الزمان أن يجيء بأمثالهم ولا سمحت الدهور بأشكالهم أعاد الله علينا من بركاتهم في الدارين آمين آمين آمين قلت وكان الشيخ علوي هذا من آيات الله الكبرى وهو من أمثال الشيخ ومن مناقبه أنه كان يعرف الشقي من السعيد ويحيي ويمييت بإذن الله تعالى ويقول للشيء كن فيكون بإذن الله . إلى غير ذلك من الكرامات العظيمة والخوارق العجيبة التي لا يشاركه فيها غيره نفع الله به وأعاد علينا من بركاته آمين ؛ ولبعضهم يمدح رسالة العلامة الشيخ عبد الرحمن بن زياد صاحب الترجمة :

(1/155)


إلا إني وقفت على الرسالة ... وما حوت الرسالة من مقاله
قالفيت المقال مقال حق ... وتحقيق لمن صدق أنتحاله
على أن المصنف بحر علم ... له العلماء تشهد بالجلاله
فما قال الإمام فتى زمانه ... فإن الحق فيه لا محاله
على تخريجهم قافهم كلامي ... قان العلم لا يخفى رجاله
ولو لا أن للمكي فضل ... سعت كتبا يداه به وقاله
كتاب في المناقب فيه عدل ... وأنصاف يدلعلى الكماله
لكنت لما رأيت بسوء ظني ... بجهلي ما عرفت من العدالة
ولا أرضى له ينشي خلافا ... لمن في العلم قد وجب أمتثاله
ولكني سألت الله ربي ... يمن علي فضلا بالجماله
وفيها : في اليوم الثاني عشر من شوال توفي الشيخ الإمام مفتي الأنام علامة الزمان مقدم الأعيان عبد السلام ابن شيخ الإسلام وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد واحد علماء البلاد وفاضلها باتفاق الحاضر والباد أبو نصر عز الدين . ولد سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة نشأ في حجرو الده وتغذى بدر علومه وفوائده فظهرت المعيته وبراعته أقرت عين أبيه لجابته تفقه بوالده كثيرا ورأس على الأكابر صغيرا درس وأفتى في حياة أبيه ؛ وصنف مصنفات لا يستغني عنها فقيه ؛ وكتب معاصر أبيه على فتويه ؛ وأنفرد بعد والده بالأفتاء مع زحمة البد بأئمة شتى ودرس بالمدارس التي كان والده يدرس بها المذكورة في ترجمته وكان من الولاية والعلم والفضل على جانب عظيم لا يجهل قال العلامة الشاب الظريف الفاضل بركات ابن الفقيه سعادات العطارد رحمهما الله تعلى : رأيت له مراسلة كتبها لبعض أصحابه يقول فيها : رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يبشرني بكذا وكذا ؛ ولوح بأمور ذكرها في الرسالة المذكورة ثم قال : ووالله " أنه لقول فصل وما هو بالهذل " أنتهى . قال رحمه الله ورضي عته : رأيت ابن الرفعة نجم الدين في النوم فرأيته أوقفني على مسئلة في الوسيط فعقيب ذلك نزل بي سؤال هو عين تلك المسئلة ولم يكن عندي نقل عليها غير ما نبهني عليه ابن الرفعة فحمدت الله تعالى على ذلك انتهى . وكل هذا ببركة أبيه له وبركة أدبه مع العلماء فإنه لم يذكر منهم أحدا في مؤلفاته إلا وترضى عنه وأثنى على فضله وبالغ في تعظيمه والترحم عليه كثر منه في مؤلفاته وفتاويه ؛ وله شرح على مولد السيد الحسين ابن الصديق الأهدل ؛ وشرح لوداع ابن الجوزي مات عنهما مسودين وله كتاب سماه تشنيف الاسماع بحكم الحركة في الذكر والسماع وكتاب سماه القول النافع القويم لمن كان ذا قلب سليم وكتاب سماه التحرير الواضح والاكمال في الحكم الماء المطلق والمستعمل وكتاب سماه المطالع الشمسية في الأجوبة السنية . وهو مشتمل على فقه وحديث تقبل الله ذلك منه ورضي عنه

(1/156)


وفيها : في ليلة الثلاثاء وقت السحر توفي العالم الصالح الولي الشهير العارف بالله تعالى علي المتقي ابن حسام الدين ابن القاضي عبد الملك ابن قاضي خان القرشي بمكة المشرفة بعد مجاورته بها بمدة طويلة ودفن في صبح تلك الليلة ومدفنه بالمعلاه بسفح جبل محاذي تربة الفضيل بن عياض بين قبريهما الطريق المسلوك عند محل يقال له ناظر الجيش ؛ وعمره سبعة وثمانون سنة وقيل تسعون سنة رحمه الله تعالى وكان من العلماء العاملين وعباد الله الصالحين على جانب عظيم من الورع والتقوى والاجتهاد في العبادة ورفض السوي وله مصنفات عديدة وذكروا عنه أخبارا حميدة رحمه الله تعالى آمين . ومن مناقبه العظيمة أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم في المنام وكانت ليلية جمعة وسبع وعشرين في شهر رمضان فسأله عن أفضل الناس في زمانه فقال له : أنت قال : ثم من فقال : محمد بن طاهر بالهند ورأى تلميذه الشيخ عبد الوهاب أيضا في تلك الليلة النبي صلى الله عليه و سلم وسأله مثل ذلك فقال له : شيخك ثم محمد ابن طاهر بالهند فجاء إلى الشيخ علي المتقي ليخبره بالرؤيا فقال له قبل أن يتكلم : قد رأيت مثل الذي رأيت وكان يبالغ في الرياضة حتى نقل عنه أنه كان يقول في آخره عمره : وددت أني لم أفعل ذلك لما وجده من الضعف في جسده عند الكبر قال الفاكهي : وكان لا يتناول من الطعام إلا شيئا يسيرا جدا على غاية من التقلل فيه بحيث يستبعد من البشر الاقتصار على ذلك القدر وما ذاك إلا لملكة حصلت له فيه وطول رياضة وصل بها إليه حتى كان إذا زيد في غذائه المعتاد ولو قدر فولة لم يقدر على هضمه قال : وكذا كان قليل الكلام جدا قال غيره : وكان قليل المنام مؤثرا للعزلة عن الأنام . قلت : وقد قلت الكلام جدا قال غيره : وكان قليل المنام مؤثرا للعزلة عن الأنام . قلت : وقد علمت أن أصول التصوف في الابتداء تدور على أربعة أشياء قلة الطعام وقلة الكلام وقلة المنام واعتزال الأنام . قال بعضهم : جعل الخير في بيت ومفتاحه الجوع وجعل الشر كله في بيت ومفتاحه الشبع وقال يحيى بن معاذ لو كان الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره وقل سهل : ما صار الابدال إبدالا إلا بأربع خصال : اخماص البطون والسهر والصمت والاعتزال عن الناس . فقد قيل في صفة الابدال : إن أكلهم فاقه ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة . قلت : هذا وإن كان تقليل الغذاء مستحسنا عند القوم بالجملة ولكنه ليس بمقصود أصلي ولعله يتولد من الإفراط آفات مخلة بالمقصود الأصلي وإنما المقصود من التقليل كسر النفس وتقوية القلب وتبييضه فإن الجوع يذيب شحم القلب ويقلل دمه فيبيض ويرق ويصفو فيستعد بصفاته لقبول نور الذكر وأنوار المعاملات الشرعية والواردات الغيبية ثم تنعكس الأنوار من مرآة القلب إلى أرض النفس " فأشرقت الأرض بنور ربها " وتلاشت ظلمات صفات النفس وانشق صدف ظلمة الشهوة عن درة المحبة فإن الشهوة مطية المحبة وهي المطلوب من الإنسان وبها فاق على الملائكة المقربين وسجدوا له فافهم جدا . فالامساك المحمود عن الطعام ما يكون محميا عن طرفي الافراط والتفريط كما قال تعالى " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " فالمحمي من الافراط نصف رطل إلى رطل كل يوم أو قريب من هذا فيزيد وينقص منه كل طائفة على قدر قوتهم وصحة مزاجهم وكانت ولادته ببرهان فور سنة ثمان وثمانين وثمانمائة وقيل خمس وثمانين وثمانمائة ومؤلفاته كثيرة نحو مؤلف ما بين صغير وكبير ومحاسنه جمة ومناقبه ضخمة وقد أفرادها وقد افردها العلامة عبد القادر بن أحمد الفاكهي المكي في تأليف لطيف . سماه القول النقي في مناقب المتقي ذكر فيه من سيرته الحميدة ورياضاته العظيمة ومجاهداته الشاقة ما يبهر العقول . ولعمري ما أحسن قوله فيه حيث يقول : طابق اسم شيخنا علي ولقبه المتقي موضع علماه ومسماه وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : ما اجتمع به أحد من العارفين أو العلماء أو اجتمع هو عليهم إلا واثنوا عليه ثناء بليغا كشيخنا تاج العارفين أبي الحسن البكري وشيخنا الفقيه العارف الزاهد الوجيه العمودي وشيخنا أمام الحرمين الشهاب ابن حجر الشافعي وصاحبنا فقيه مصر شمس الدين الرملي الأنصاري وشيخنا فصيح علماء عصره شمس البكري ولكل من هؤلاء الجلة عندي ما دل على كمال مدحة شيخنا

(1/157)


المتقي بحسن استقامة والاستقامة أجل كرمه وقول كل من هؤلاء معتمدي في شهادته : تقي بحسن استقامة والاستقامة أجل كرمه وقول كل من هؤلاء معتمدي في شهادته :
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
قال : ومن ثم اشتهر باقليم مكة المشرفة أشهر من قفا وصار بقصده وفود بيت الله كما يقصد المشعر الحرام والصفا حتى بلغ صيته لسلطان الإسلام المرحوم المقدس سليمان بعد أن كان يفرغ على يديه بل قدميه ماء الطهارة محمود أعظم سلاطين الهند اعتقادا فما له من شأن قال : وشهرته في الهند وجهاتها أضعاف شهرته بمكة كما لا يحتاج في ذلك إلى اقامة برهان قال : ومن مناقبه أن بعض أصحابه رأى النبي صلى الله عليه و سلم في المنام في حياة الشيخ على وكانت الرؤيا بمكة المشرفة قائلا : يا رسول الله بماذا تأمرني حتى أفعله قال : تابع الشيخ علي المتقي فعل أفعله انتهى . قلت : وفي هذا دليل على أن الشيخ علي المتقي نفعنا الله ببركاته كان له النصيب الأوفر من متابعته صلى الله عليه و سلم ولذا خصه صلى الله عليه و سلم بالذكر دون غيره من أهل زمانه وأمر الرائي بملاحظة افعاله ومتابعته فيها إلى غير ذلك من الاشارات كتسميته شيخا وكان الشيخ أبو اسحاق الشيرازي نفعنا الله ببركاته يفتخر بمنام نبوي فيه تسمية النبي صلى الله عليه و سلم له شيخا . قلت : ورأيت في بعض التعاليق رسالة من املاء الشيخ نفعنا الله ببركاته تشتمل على نبذة من أحواله التي لا تلقى إلا عنه كالمشيرة إلى كمال مبدأه ومآله فرأيت إن أذكر منها هنا ما دعت إليه الحاجة قال : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . أما بعد فيقول الفقير إلى الله تعالى على أبناء ابن حسام الدين الشهير بالمتقي أنه خطر في خاطري ان ابين للأصحاب من أول أمري إلى آخره فاعلموا رحمكم الله أن الفقير لما وصل عمري إلى ثمان سنين جاء في خاطر والدي رحمه الله أن يجعلني مريدا لحضرة الشيخ باجن قدس الله سره فجعلني مريدا . وكان طريقه طريق السماع وأهل الذوق والصفاء فبايعني على طريق المشايخ الصوفية وأخذت عنه وأنا ابن ثمان سنين ولقنني الذكر الشيخ عبد الحكيم ابن الشيخ باجن قدس سره وكنت في بداية امري اكتسب بصنعة الكتابة لقوتي وقوت عيالي وسافرت البلدان فلما وصلت إلى الملتان صحبت الشيخ حسام الدين وكان طريقه طريق المتقين فصحبته ما شاء الله ثم لما وصلت مكة المشرفة وصحبت الشيخ أبا الحسن البكري الصديقي قدس الله سره وكان له طريق التعلم والتعليم وكان شيخنا عارفا كاملا في الفقه والتصوف فصحبته ما شاء الله ولقنني الذكر وحصل لي من هذين الشيخين الجليلين عليهما الرحمة والغفران من الفوائد العلمية والذوقية التي تتعلق بعلوم الصوفية فصنفت بعد ذلك كتبا ورسائل وأول رسالة صنفتها في الطريق إلى الله سميتها تبيين الطرق إلى الله تعالى وآخر رسالة صنفتها سميتها غاية الكمال في بيان أفضل الأعمال . فمن كان من الطلبة حصل منهما رسالة ينبغي له ان يحصل الأخرى ليلازم بينهما في القصد انتهى . قلت : وبالجملة فما كان هذا الرجل إلا من حسنات الدهر وخاتمه أهل الورع ومفاخر الهند وشهرته تغني عن ترجمته وتعظيمه في القلوب يغني عن مدحه
وفيها : غرق مركب بالهند في خور كنباته كان فيه عشرة منن السادة آل باعلوي فكانوا من جملة من غرق وحصلت لهم الشهادة لهم الشهادة بسبب ذلك رحمهم الله
سنة ست وسبعين بعد التسعمائة

(1/158)


وفي يوم الاثنين آخر النهار ثامن شهر صفر سنة ست وسبعين : توفي الولي الشهير شيخ بن الشيخ عبد الله ابن الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي بتريم ودفن يوم الثلاثاء وحكي أنه كان ببر سعد الدين في مجلس فكان يأتي إلى ذلك المجلس رجل في زي سائل أو مجنون ويشتمه من بين الجماعة من غير موجب لذلك ولا سبق معرفة بينه وبينه وكأنه كان والله أعلم يريد اختباره وينظر صبره على المكروه واحتماله للأذى وتكرر منه ذلك وربما أراد الحاضرون أن يقعوا فيه فيمنعهم الشريف من ذلك فلما كان في بعض الأيام قال له : تعالى إلى الموضع الفلاني واصحب معك دواة وقلما وموسى ففعل ما أمره ووجده هناك وحده فقال له : هات الموسى نريد نذبحك بها فأعطاه اياها مستسلما ثم طلب منه الدواة والقلم وعلمه الوفق الثلاثي وأراه وضعه وعلمه اسم الله الأعظم ثم ذهب ذلك الرجل ولم ير بعد ذلك فصار الشريف إلى ما صار إليه بعض من التصريف بعد ذلك وأخبرني بعض الثقات قال : بينما أنا أسير معه بتريم إذ أخذ من ورق بعض الأشجار وأكل منها وأعطاني فإذا هو ورق القات وهو لا يوجد بحضرموت أصلا
وفيها : توفي العلامة الشهير الشيخ عبد العزيز الزمزمي المكي وقد طبق بعض الفضلاء تاريخ ذلك العام بعدد حروف " بجنان الخلد قد أصبح " ثم نظم ذلك التاريخ في بيتين فقال :
ان من أجرى الدموع على ... عز دين الله قد أفلح
قد أتى تاريخه ضبطا ... " بجنان الخلد قد أصبح "
وكان مولده سنة تسعمائة وكان من أعيان علماء مكة وفضلائها وأكابرها ورؤسائها وله قصيدتين عظيمتين في مدح النبي صلى الله عليه و سلم أجاد فيهما كل الإجادة . احدهما عارض فيها البردة وسماها الفتح التام في مدح خير الأنام . والأخرى عارض فيها أم القري وسماها الفتح المبين في مدح سيد المرسلين وحيث كانت أم القرى مرفوعة والقيراطية مكسورة جعل قصيدته مفتوحة وما أحسن قوله فيها مشيرا إلى ذلك مع التورية بمزيد التواضع والاعتراف بالقصور عن تلك المسالك :
فاز بالرفع مقلق لك وشا ... كيف ترقى وافحم الشعراء
وبخفض الجنان جوزى منشي ... ذكر الملتقى جزآء وفاء
جئت من بعد ذا وذاك أخيرا ... فلهذا نظمي على الفتح جآء
وبالجملة فانه كان أوحد الفضلاء وبقية العلماء حسن الشعر والانشاء وفيه يقول الشيخ الكبير والولي الشهير العارف بالله تعالى جمال الدين محمد ابن أبي الحسن البكري الصديقي من أبيات :
أجل جيران بيت الله قاطبة ... علما إذا وصفوا في مكة العلما
وله أيضا
أنت الذي بصفات الفضل أجمعها ... في بلدة الله أولى سائر العلما
فليهن مكة بل وليهن ساكنها ... وليهن ابطحها والبيت والحرما
ومن شعره الحسن أبيات الفرج التي استغاث فيها بصاحب الخلق الحسن سيد المرسلين ورسول رب العالمين وهي هذه :
يا رسول الله عجل بالفرج ... قد توالى الكرب واشتد الحرج
يا رسول الله في جاهك لي ... سعة إن ضاق بي كل نهج
قسما بالله ما لاذ امرء ... بك في خطب رجا إلا انبلج
أنت شمس الكون والهادي الذي ... ملئت ملته الدنيا بلج
أنت للرسل طراز معلم ... بسنى النور الآلهي انتسج
كل وصف في معاليك انطوى ... كل لفظ في معانيك اندرج
بضيا السودد والفخر انتهى ... عند بيت فاخر منه خرج
طيب الاعراق ما فاح له ... عرق إلا هفا طيب الأرج
حسن الخلق جميل مشرق ... من رأى حسن محياه ابتهج
ابلج أن لاح في جنح الدجى ... خلت من لئلآئه الصبح انبلج
وسعت أخلاقه الخلق فلم ... يك فحاشا غليظ القلب فج
كرما يعفو عن الجاني الذي ... سد عنه ذنبه كل الفرج
ورماه الغي والجهل على ... ساحل البحر وفي البحر ولج
قدمته الرسل في موقفها ... ليلة الاسرى فصلى وعرج
وارتقى السبع السموات إلى ... قاب قوسين وفي الأنوار زج

(1/159)


وله شفاعة الفصل لذا ... مقامه المحمود في أعلى درج
وجهه حجتنا البيضاء في ... يوم تأتي الناس فيه بالحجج
يا وجيه الوجه طالت غربتي ... كل يوم مر منها كحجج
أن يطل هذا المدى يقصر في ... أمد العمر واقفو من درج
كم جرعنا كأس هم مترعا ... خمر خوف بأذى البرد امتزج
خطوة في البر والبحر معا ... وسرى بين ثلوج ولجج
في وحول وجبال شمخ ... شاهقات ما إليها منعرج
قطن الثلج بها فهو الذي ... ندف القطن عليها وحلج
سفرة قد بعدت شقتها ... فتت منا قلوبا ومهج
أين أرض الروم من أم القرى ... جادها صوب من الوسمي ثج
غربا في دار قوم عندهم ... عربي الدار من بعض الهمج
بينهم كل فصيح ناطق ... بلسان عربي ذي عوج
عظم الكرب ولكن نرتجي ... برسول الله يأتينا الفرج
قد توسلنا إلى الله به ... ولجا كل لمولاه ولج
شرعة آدم قدما سنها لبنيه فانتهجنا ما انتهج
يا أعز العرب يا من بابه قط من سائل رفده ما ارتتج
نسأل الله يجلى ما بنا ... حل من كرب شديد وحرج
يا إلهي بالنبي المصطفى ... خير من حج ومن تج وعج
اطو بعد السير عنا سيدي ... واجعل العقبى سرورا وفرج
وآنل كل امرء ما قد نوى ... واطف حرا بين جنبي اعتلج
واجبر المكسور بالعود إلى ... بينك المحجوج كي يحظى بحج
رب قربنا إلى أوطاننا ... فلنار البعد في الاحشا وهج
رب واجعلنا بجاه المصطفى ... في حمى بيتك لا نخشى هرج
نحن جيرانك والجار له ... جانب يرجى على ألف عوج
أنت أوصيت على الجار فلا ... تنس جارا مسه الضر فهج
لا تعذبنا ببعد عن فنا ... حرم يؤتى له من كل فج
إن ركبنا الذنب بجهل ما سوى ... عفوك اللهم في النفس اختلج
فاعف عنا ما مضى واغفر لنا ... توبة شد التقى منها السرج
واختم الأعمار بالخير فقد ... ذهبت في اللهو منهن حجج
وصلاة وسلام منهما ... ارج المسك على الهادي نفج
وعلى أصحابه والآل ما ... أوب الركب إليه أو دلج
ومنه هذا التخميس على أبيات العارف الشيخ علي وفا :
يا رب باللطف الخفي لنا تدارك
وارحم ضعافا جاور بيتك ودارك
نادوك حين الكرب لازمهم ودارك
ذو الجاه يحمي جاره فاحمي جوارك ... لا تتركن في قبضة الأسرى جارك
جار بسوح فناك دام حلوله
لم يخش ضيما في حماك يهوله
لم لا وأنت من الهوان كفيله
حاشا جنابك أن يضام نزيله ... حاشا مهابك أن يهاب من استجارك
بالحرب آذننا زمان قد عدا
ولنا فوارسه اعدوا رصدا
اعداؤنا صالوا وشرهم بدا
انصرفوا فراغوثاه قد عدت العدا ... لا قابلت فرسان نصرهم انتصارك
ارجاء ساحتك التي تسع الملا
تركت ضيافة من إليها أقبلا
من ضيق عيش سعره فيها غلا
يا آمرا بكرامة الأضياف لا ... تهمل ضيافة مضيفك المبارك
اني عجزت عن احتيال منقذي
من خوف أمراض بها قلبي غذي
فطرقت بابك طرقة المتعوذي
فامنن بأمن العاجز الوجل الذي ... قدام بابك سائلا يرجو اقتدارك
برد بعفوك حر لاعج حرقتي
ابدل بتوفير الأنابة وجهتي
أني صرفت لقصد بابك وجهتي
باب إذا ما أمه ذو لوعة ... هدى لواعجه وجلله وقارك
أنت الذي في الجود ليس كمثله
أي افتقارك خشى من كله
وغناك يا ذا الفضل واكف ويله
من أمه نادته ألسن فضله ... أهلا وسهلا قد كفيناك افتقارك

(1/160)


وكانت له جاريتان أحداهما اسمها غزال والأخرى دام السرور فاتفق أنه بأعلمها ثم ندم على ذلك فقال :
بجاريتي كنت قرير عين ... وافق مسرتي بهما منير
فنفر صرف أيامي غزالي ... فلا دامت ولا دام السرور
وفيها : كانت ولادة أخي محمد فضل الله باحمد اباد وتاريخ ذلك العام بعدد حروف " فضل الله " وهذا من غريب الاتفاق وهذا التاريخ للوالد رحمه الله ونظمه الأديب الفاضل عبد الطيف المنشي في أبيات فقال :
بدا كوكب من أفق عز وسودد ... به يسر الله الأماني كما نشا
وزهت به الدنيا وعاد لأهلها ... نشاطا كمن عاطى المدامة وانتشا
ولا غرو منه أنه خير بضعة ... لخير عباد الله أن قام أو مشى
ومن عجب أن جاء عام ظهوره ... لقد وافق الاسم الشريف بلا غشا
وهذا هو الحظ العظيم بلا مرا ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا
وكانت وفاته سابع جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وتسعمائة في حياة الوالد وهو ابن سنتين وأربعة أشهر ودفنه الوالد داخل البيت ثم أن سيدي الوالد دفن إلى جنبه وبنيت القبة عليهما بعد ذلك وسمعت الشيخ العلامة حميد بن عبد الله السندي رحمه الله يقول قلت للشيخ : لم أخترتم دفنه في البيت ؟ فقال : لنا في هذا قصد فلما توفي الشيخ العلامة عبد المعطي باكثير أنه قال : وجدت فيه حال الغسل حركة فأخبرت والده فقال : امض على حالك ولا عليك مما رأيت
وفيها : كانت ولادة الوزير العادل ميرزا شمس الدين فقلت مادحا لجنابه الشريف ومضمنا هذا التاريخ اللطيف وهو :
أبو الفتح شمس الدين كهف ومقصد ... به حوزة الإسلام حازت لمنعه
به نصر الشرع الشريف وأهله ... وتم نظام الملك من حسن نية
فأيامه في الدهر غرة وجهه ... وطلعته أخفت لشمس الظهيرة
وتدبيره للملك دل بأنه ... عليه معان من اله البرية
له سيرة بالعدل والخير والتقى ... ومعروفه يسدى لأهل المرؤة
له المولد الأسنى يظهر فضله ... فمن مثله قد نال تلك الفضيلة
وذلك فضل الله يؤتيه من يشا ... خصوصية منه له بمزية
بها خصة الله المهيمن ربه ... به جادت الدنيا على حين فترة
فبشرى من الله العزيز بنصره ... له الحمد مني ثم شكري ومدحتي
وكان قد ولي أحمد أباد مدة من الزمان ثم فصل عنها وحصل بعده ما حصل من الظلم والطغيان فقلت في ذلك :
رأيت البلاد وقد علاها كسوف ... فقلت عهدي بك وأنت ذات شمسي
قالت غاب نوري مذ فقدت عدله ... فإن تعد إلي شمسي أكون كأمسي
قلت : وعلى ذكر موافقة التاريخ الاسم كان ولد لي ولد في سنة خمس بعد ألف سميته عبد اللطيف ولقبته تاج العارفين وجعل تاريخ ذلك العام صاحبنا الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي البسكري " بدا تاج العارفينا " ثم نظمه في أبيات فقال رحمه الله :
بدا تاج لجمع العارفينا ... ولي الله فاعلمه يقينا
بدا عبد اللطيف بكل لطف ... يعم به الأقارب والبنينا
بدا فأضاء الوجود له بحق ... وأشرق نوره في العالمينا
وعم الكل مظهره سرورا ... وخص الأهل ثم الوالدينا
هو الشيخ ابن الشيخ وابن الشيخ ... إلى رأس الرؤوس على روينا
فيا لله ما أعلاه شأنا ... وأنور وجهه الزاهي المبينا
واسأل من اله العرش فضلا ... بأن ينشيه نشو الصالحينا
ويحميه من الأعداء دوما ... ويحفظه ويجعله مكينا
بحق محمد والآل طرا ... وكل الأولياء والمرسلينا
وتاريخ له بدءا وختما ... أتى يا صاح في نظمي مبينا
فعاينه بفضل منك واسأل ... من المولى الدعاء له معينا

(1/161)


تراه جاء في ذا اللفظ طبقا ... وها هو القطب " تاج العارفينا "
وتوفي في شهر ذي القعدة سنة ست بعد ألف وعمره نحو سنة وشهرين فإنه ولد في رمضان من السنة التي قبلها ومات في هذا التاريخ فليعلم وقبره داخل قبة سيدي الوالد
سنة سبع وسبعين بعد التسعمائة
وفي آخر شعبان سنة سبع وسبعين : توفي السلطان الأعظم والملك الأكرم السلطان بدر الدين ابن السلطان عبد الله ابن السلطان جعفر الكثيري سلطان حضرموت وكان مولده سنة اثنتين وتسعمائة وولي السلطنة وهو شاب وكان حسن الأخلاق جوادا كثير الانفاق وافر العقل ظاهر الفضل عريق الرياسة حسن السياسة طيب السيرة جميل الصورة حتى كان كما قال بعض الفضلاء : كان كاسمه بدرا منيرا أينما طلع سطع وغيثا غزيزا كيف ما وقع نفع وكان في زمنه بدر الصدور وصدر البدور ؛ وكان لطيف المعاشرة ظريف المحاضرة شجاعا مقداما وهزبرا ضرغاما فكم اباد أحزاب الضلال وممزقها وكم أزال فرق الفساد وفرقها وكان محظوظا جدا حتى كان لا يقصد بابا مغلقا إلا انفتح ولا يقدم على أمر مبهم إلا اتضح ولا يتوجه إلى مطلب إلا نجح وهو الذي دان البلاد وخضعت له العباد وأول من أظهر بحضرموت هيبة الملك بسعده وأسس قواعد السلطنة ومهدها لمن بعده وطالت دولته حتى لم يعلم أن أحدا من السلاطين مكث في الملك هذه المدة . وكان يقال إن ثلاثة من السلاطين كانوا في عصر واحد وكانوا متقاربين في السن والولاية وكانوا رزقوا السعد والاقبال وطالت أيام ملكهم : أحدهم صاحب الترجمة هذا والثاني الشريف أبو نمى بن بركات والثالث السلطان سليمان صاحب الروم . وحكي إن جماعة نالوا من السلطان بدر بحضور بعض الصلحاء الكبار من السادة آل باعلوي فنهاهم عن ذلك وقال : هو من خير الأورام وما يروي من ذلك عنهم ولولاه ما سلمت حضرموت منهم ولا استحلوا الحرام وظلموا الأنام وكان ذلك الصالح يدعو بطول بقاء السلطان المذكور وكانوا يرون أنه حاميا له بحاله المشهور فما حصل عليه ما حصل من سابق المقدور إلا بعد الموت ذلك الرجل المذكور وقد مدحه بعض العلماء الأعلام بهذه القصيدة البديعة وهي :
اشبب لكن بالمفاخر والمجد ... ولي صبوة لكن إلى طالع السعد
ولي طرب لكن إلى حضرة العلا ... ولي ظمأ لكن إلى الكوثر العد
إلى حضرة العليا إلى منتهى المنى ... إلى المقعد الأسنى إلى جنة الخلد
إلى الطاهر الأزكى إلى عالم الهدى ... إلى العروة الوثقى إلى الجوهر الفرد
إلى الأمجد المولى إلى ملك الورى ... إلى منبع الحسنى إلى الأسل الورد
إلى ذي العلى والفضل والفخر والحجى ... وذى النسب الوضاح والحظ والجد
إلى عالم الأجواد صفوة جعفر ... أبي عمر المعطي المطهمة الجرد
فمدح ابن عبد الله أولى فأنه ... هو الملك الشهم السبوق إلى الجد
أخو همم جاوزن أبعد غاية ... وجزم وحزم يغنيان عن الحشد
فما جعفر ما المستعين وواثق ... ومستنصر والمستضيء وما المهدي
وما الملك المنصور والمكتفي ... وما الأمين وما المأمون ما صاحب الرشد
وما المرتضي ما المقتدي ثم طائع ... وما المقتفي في في ساعة البذل والرفد
وما قاهر مسترشد ثم راشد ... وما الحاكم المعروف في الناس بالقصد
ومستنجد إلا كعقد مفصل ... بدر وبدر الملك واسطة العقد
حوى كل فضل مجمل ومفصل ... وهذا الذي ابديت معشار ما عندي
فطاعته فرض وصحبته غنى ... مجانبته حرب وخصمته تردي
فسبحانه من أعطاه ملكا على الورى ... والزمهم في أمره خدمة العبد
فلا زلت محروسا وقدرك ساميا ... وملكك محفوظا وعيشك في رغد
وصيتك منشورا وعدلك شاملا ... وجودك مبسوطا على الشام والهند

(1/162)


يساعدك المقدور فيما تريده ... وتخدمك الأملاك في القرب والبعد
ثم تولى بعده ولده السلطان عبد الله وهو الذي قبض على أبيه وحجر عليه حتى مات وغلب على الملك ووثب على السلطنة وكان رأى بعض الصالحين المنام رؤيا حاصلها : أنه رأى أربعة من الصالحين عرف منهم الولي الشهير الشيخ محمد باوزير كل منهم قد مسك ركنا وقالوا نريد نولي عبد الله فلم تمض بعد ذلك إلا مدة يسيرة وهجم المشار إليه على أبيه واستولى على الملك وذلك دليل على ما روي أنه لا يقوم سلطان في هذا العالم عالم الشهادة إلا بعد أن ينصبه أولياء الله تعالى بإذن الله تعالى في عالم الغيب وكان حسن الاعتقاد في الأولياء والصالحين محبا للفقراء والمساكين رحمه الله وتولى بعده ولده السلطان جعفر ولم تطل أيامه ومات مقتولا في سنة تسعين ثم تولى بعده عمه السلطان العادل والملك الكامل السلطان عمر بن السلطان بدر سلطان العصر وأعجوبة الدهر جم الفضائل حسن الشمائل وافر العقل كثير العدل ذو سيرة مرضية في الرعية وسلوك حسن مع سائر البرية حسن السياسة صادق الفراسة صاحب أخلاق الطف من النسيم وأبهج من الدر النظيم قل أن ورد عليه أحد من الغرباء إلا وصدر يثني عليه الثناء الجميل أو وفد إلى ساحته بعض الفضلاء إلا وانصرف يشكر ما أسداه إليه من البر الجزيل :
ثناء جميل عنك يثني معطر ... ووفرك مبذول وعرضك سالم
وسعت الورى حلما وبشرا بهيبة ... وبذلك للمعروف والثغر باسم
بصدر رحيب واسع قد وسعتهم ... وجودا حكاه الوابل المتراكم
دماثة أخلاق عطية خالق ... رحيم كريم أصله متقادم
جمعت خصالا يا ابن بدر حميدة ... بواحدها يسمى الفتى ويساهم
حياء ومعروفا وجودا بشاشة ... وعلما وحلما جل من هو قاسم

(1/163)


فالله تعالى يمتع المسلمين ببقاء ذاته الطاهرة ويديم أيام دولته الزاهرة آمين . وأمه أم ولد حبشية . ولا يفهم من هذا ان مثل هذا نقيصة في جلالة قدره الرفيع وعلو شأنه الشامخ المنيع وحطي أن هشام بن عبد الملك قال لزيد بن علي بن الحسين رضوان الله عليهم أجمعين : بلغني أنك تريد الخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة . فقال له زيد رضي الله عنه : إن الأمهات لا يضعن شيئا من الأبناء وليس أحد أولى بالله ولا أرفع منزلة عنده من نبي بعثه وقد كان إسماعيل عليه السلام من خير الأنبياء وولد محمدا خيرهم وكان ابن أمة وأخوه ابن حرة مثلك فاختاره الله عليه فأخرج منه خير البشر وأم اسحق سارة فمن ولده القردة والخنازير وما على أحد جده رسول الله صلى الله عليه و سلم ما كانت أنه . فجعل هشام وتزوج زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه أمة له أعتقها فلامه عبد الملك على ذلك وكتب إليه : أما بعد فإنه بلغني عنك أنك اعتقت أمتك وتزوجتها وقد كان لك في أكفائك من قريش ما تستكرم به في الصهر فلم تنظر لنفسك ولا لولدك ونكحت في اللؤم . كتب إليه : أما بعد فإني اعتقتها بكتاب الله وارتجعتها بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنه ما فرق رسول الله صلى الله عليه و سلم من تقى لأحد في مجد أن الله قد رفع بالإسلام الخسيسة وأتم النقيصة وأكرم به من اللؤم فلا عار على مسلم . هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوج أمته وامرأة عبده . فقال عبد الملك : إن علي بن الحسين تشرف من حيث يتضع الناس . ومن غريب الاتفاق أن ثلاثة سادوا الأنام في زمانهم وانفرد كل منهم بالفضل الظاهرة واعقل الباهرة ومزيد الصلاح والهمة العالية والسيرة الحميدة والذكاء العجيب والفهم الغريب والنظم الحسن والإنشاء البديع وكانت أم كل منم أم ولد حبيشة . اما أحدهم فالشريف الفاضل الصالح وجيه الدين عبد الرحمن بن أحمد البيض باعلوي وكانت وفاته بالشحر سادس جمادى الأولى سنة إحدى بعد الألف والثاني صاحبنا الشيخ العلامة أحمد بن العلامة علي البسكري المكي ثم المغربي المالكي وسيأتي ذكره في ترجمة صاحبه الشيخ محمد بن عبد الحق المالكي والثالث الشيخ الرئيس ذي الكرم الجم والفضل الكثير جمال الدين محمد ابن الشيخ الشهير عبد اللطيف المكي الحنفي الشهير بمخدوم زاده أبقاه الله تعالى قلت : وكذلك كانت أم اخي السيد محمد مصطفى الذي ينوه سيدي الوالد بذكره ويشير إليه كثيرا أم ولد حبشة واسمها نور الصباح وكانت وفاته في يوم السبت ثامن عشر ذي الحجة الحرام سنة ثمانية وستين وتسعمائة بسورت وعليه قبة ومزاز وكان مولده في سنة ثلاث وعشرين من شهر رمضان سنة سبع وستين وكانت أم أخي السيد محمد فضل الله المولود في المحرم سنة ست وسبعين وتسعمائة والمتوفي في سابع جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وتسعمائة أم ولد هندية وكانت من الصالحات العابدات وكانت تقرأ القرآن العظيم توفيت يوم الاثنين ثاني شهر شعبان سنة اثنى عشر بعد الألف رحمها الله ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح رحمه الله في رحلته قال : روينا عن الزهري انه قال : قدمت على عبد الملك بن مروان فقال : من أين قدمت يا زهري ؟ قلت من مكة قال : فمن خلفت بها يسود أهلها ؟ قال قلت : عطاء ابن أبي رباح قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت من الموالي . قال فبم سادهم ؟ قلت بالديانة والرواية قال : ان أهل الديانة والرواية ينيغي أن يسودوا الناس قات : نعم . قال : فمن يسود أهل اليمن ؟ قال قلت : طاووس بن كيسان قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت من الموالي قال : فبم سادهم ؟ قلت بما سادهم به عطاء قال : من كان كذلك ينبغي أن يسود الناس قال فمن يسود أهل مصر ؟ قلت : يزيد بن أي حبيب قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي فقال : كما قال في الاولين معه قال : فمن يسود أهل الشام ؟ قلت : مكحول الدمشقي . قال : فمن العرب أم من الموالك ؟ قلت من الموالي عبد نوبي اعتقتهه امرأة من هزيل . فقال كما قال : ثم قال فمن يسود أهل الجزيرة قلت : ميمون بن مهران قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي فقال : كما قال . ثم قال : فمن يسود أهل خراسان ؟ قلت : الضحاك بن مزاحم قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي فقال : كما قال : ثم قال فمن يسود أهل البصرة قلت : الحسن بن أبي الحسن قال : من العرب أم من الموالي ؟ قلت :

(1/164)


من الموالي قال فمن يسود أهل الكوفة ؟ قلت : إبراهيم النخعي قال : من العرب ام من الموالي قلت : من العرب قال : ويلك يا زهري فرجت عني فوالله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر وان العرب تحتها قال . قلت : يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه فمن حفظه ساد ومن ضيعه سقط . فائدة : كان أبو السيد الجليل الكبير المقدار صاحب المقامات والأنوار الإمام العالم العابد عبد الله بن المبارك قدس الله روحه عبدا هنديا كما ذكره القزويني في كتاب أخبار البلاد وآثار العباد وكان هذا الرجل من أولياء الله تعالى وممن تستنزل الرحمة بذكره وترتجى المغفرة بحبه كما قال ولي الله الإمام النووي رحمه الله . فلا بد أن نشنف الاسماع بذكر شيء من أوصافه الفاخرة رجاء أن ينفعنا الله ببركته في الدنيا والآخرة . حكي انه كان بمرو قاض اسمه نوح بن مريم وكان رئيسا أيضا وكانت له بنت ذات جمال خطبها جماعة من الأعيان والأكابر وكان له غلام هندي ينطر بساتينه فذهب يوما إلى البستان فطلب من غلامه شيئا من العنب فأتى بعنب حامض فقال له : هات عنبا حلوا فاتى بحامض فقال القاضي : ويحك ما تعرف الحلو من الحامض . فقال : بلى ولكنك امرتني بحفظها وما امرتني بالاكل منها ومن لا يأكل لا يعرف فتعجب القاضي من كلامه وقال : حفظ الله عليك أمانتك . وزوج منه ابنته فولدت عبد الله بن المبارك المشهور بالعلم والورع وكان يحج سنة ويغزو في سنة اخرى وحكي عنه رحمه الله عليه قال : خرجت للغزو مرة فلما تراآت الفئتان خرج من صف الترك فارس يدعو إلى البراز فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة قلت له : تنح عني حتى أصلي ثم افرغ لك فتنحى فصليت ركعتين وذهبت إليه فقال لي : تنح عني حتى اصلي أنا أيضا فتنحيت عنه فجعل يصلي إلى الشمس فلما خر ساجدا هممت ان اغدر به فإذا قائلا يقول : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا " فتركتن الغدر فلما فرغ من صلاته قال لي لما تحركت ؟ اردت الغدر بك قال : فلم تركته ؟ قلت لأني أمرت بتركه . قال الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالايمان وآمن والتتحق بصف المسلمين وحكي انه كان معاصرا لفضيل بن عياض رحمة الله عليه وفضيل قد جاوز بمكة وواظب على العبادة بمكةوالمدينة فقال عبد الله بن المبارك : من الموالي قال فمن يسود أهل الكوفة ؟ قلت : إبراهيم النخعي قال : من العرب ام من الموالي قلت : من العرب قال : ويلك يا زهري فرجت عني فوالله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر وان العرب تحتها قال . قلت : يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه فمن حفظه ساد ومن ضيعه سقط . فائدة : كان أبو السيد الجليل الكبير المقدار صاحب المقامات والأنوار الإمام العالم العابد عبد الله بن المبارك قدس الله روحه عبدا هنديا كما ذكره القزويني في كتاب أخبار البلاد وآثار العباد وكان هذا الرجل من أولياء الله تعالى وممن تستنزل الرحمة بذكره وترتجى المغفرة بحبه كما قال ولي الله الإمام النووي رحمه الله . فلا بد أن نشنف الاسماع بذكر شيء من أوصافه الفاخرة رجاء أن ينفعنا الله ببركته في الدنيا والآخرة . حكي انه كان بمرو قاض اسمه نوح بن مريم وكان رئيسا أيضا وكانت له بنت ذات جمال خطبها جماعة من الأعيان والأكابر وكان له غلام هندي ينطر بساتينه فذهب يوما إلى البستان فطلب من غلامه شيئا من العنب فأتى بعنب حامض فقال له : هات عنبا حلوا فاتى بحامض فقال القاضي : ويحك ما تعرف الحلو من الحامض . فقال : بلى ولكنك امرتني بحفظها وما امرتني بالاكل منها ومن لا يأكل لا يعرف فتعجب القاضي من كلامه وقال : حفظ الله عليك أمانتك . وزوج منه ابنته فولدت عبد الله بن المبارك المشهور بالعلم والورع وكان يحج سنة ويغزو في سنة اخرى وحكي عنه رحمه الله عليه قال : خرجت للغزو مرة فلما تراآت الفئتان خرج من صف الترك فارس يدعو إلى البراز فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة قلت له : تنح عني حتى أصلي ثم افرغ لك فتنحى فصليت ركعتين وذهبت إليه فقال لي : تنح عني حتى اصلي أنا أيضا فتنحيت عنه فجعل يصلي إلى الشمس فلما خر ساجدا هممت ان اغدر به فإذا قائلا يقول : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا " فتركتن الغدر فلما فرغ من صلاته قال لي لما تحركت ؟ اردت الغدر بك قال : فلم تركته ؟ قلت لأني أمرت بتركه . قال الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالايمان وآمن والتتحق بصف المسلمين وحكي انه كان معاصرا لفضيل بن عياض رحمة الله عليه وفضيل قد جاوز بمكة وواظب على العبادة بمكةوالمدينة فقال عبد الله بن المبارك :

(1/165)


يا عابد الحرمين لو ابصرتنا ... لعلمت انك بالعبادة تلعب
من كان يخطب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضي
وغبار خيل الله في أنف امرء ... ودخان نار جهنم لا يذهب
هذا كتاب الله يحكم بيننا ... ليس الشهيد كغيره لا يكذب
وحكى الحسن بن الربيع انه خرج ذات سنة في جيوش المسلمين إلى الغزوفلما تقابل الصفان خرج من صف الكفار فارس يطلب القرن فذهب إليه فارس من المسلمين فما أمهل المسلم حتى قتله فخرج إليه آخر فما أمهله ثم آخر فما أمهله فاحجم الناس عن مبارزته . ودخل المسلمين منا حزن فاا فارس متلمتم خرج إليه من صف المسلمين وجال معه زمانا ثم رماه وجزر رأسه فكبر المسلمون وفرحوا ولم يكن يعرفه احد فعاد إلى مكانه ودخل في غمار الناس قال الحسن : فبذلت جهدي حتى دنوت منه وحلفته ان يرفع لثامه فاذا هو عبد الله بن المبارك فقلت يا امام المسلمين اخفيت نفسك مع هذا الفتح العظيم الذي يسره الله على يدك فقال : الذي فعلت له لا يخفى عليه وحكي ان عبد الله بن المبارك عاد من مرو إلى الشام لقم رآه معه بمرو وصاحبه بالشام . ورئي سفيان الثوري رحمه الله عليه بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال : رحمني فقيل : ما حال عبد الله بن المبارك قال : هو ممن يدخل على ربه كل يوم مرتين . ولد سنة مائة وعشرين وتوفي سنة مائة واحدى وثمانين عليه رحمه الله ورضوانه
سنة ثمان وسبعين بعد التسعمائة
وفي عشية يوم الخميس لعشرين خلت من شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين كان مولد مؤلف هذا الكتاب بلغه الله من الخير امله وختم بالسعادة عمله وقد عمل سيدي الوالد قدس سره لضبط العام المذكور تواريخ كثيرة منها " بخ بمولود سيد قطب زمانه " ولا يخفى ما فيه من الاشارة المتضمنة للبشارة من هذا السيد الجليل والولي الكبير وقد نظم بعض التواريخ الذي جعلها سيدي الوالد صاحبنا الشيخ العلامة جمال الدين محمد بن عبد اللطيف الجامي المكي الشهير بمخدوم ذاده في مقطعات له متعددة وقال سيدي الوالد عند ذلك :
بدا النور من نجد ومن شعب عامر ... بطلعة أبي بكر الفتى عبد القادر
بشهر ربيع ليلة الجمعة الغرا ... لثالث عشرين زهت بالبشائر
لعام ثمان بعد سبعين سنوة ... من الهجرة الغرا ذات الاشاير
وتسع مئين صح ميلاد سيد ... دعي بأبي بكر محمد باقر
من المصطفى المختار مشكاة نوره ... إلى العيدروس المجتبى بالسرائر

(1/166)


وقد خمس هذه الأبيات الفقيه صالح أحمد بن الفقيه محمد با جابر وخمسها أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف مخدوم زاده المذكور وصدرها وعجزها أيضا صاحبنا الشيخ الصالح العلامة شهاب الدين أحمد بن العلامة علي بن محمد البسكري المكي المالكي المغربي تغمد الله برحمته وكان والدي رحمه الله رأى في المنام قبل ولادتي بنحو نصف شهر جماعة من أولياء الله تعالى : منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه والشيخ أبو بكر العيدروس رضي الله عنه وغيرهما وكان الشيخ عبد القادر يريد حاجة من الوالد فذلك هو الذي حمله على تسميتي بهذا الاسم وكناني أيضا أبا بكر ولقبني محيي الدين وتقرر عنده انه سيكون لي شأن وكان قل ان يسلم له أحد من الاولاد بأرض الهند فما عاش له منهم غيري وكان يحبني جدا وقال لي مرة : إذا وقع زمانك افعل ما شئت وكم لي منه من اشارات تضيق على بسطها العبارات والأولى الآن طي حكايتها والمرجو من الله عود ثمرتها وبركتها وحكى بعض الثقات قال جاء بعض الوزراء الكبار إلى والدك يطلب منه الدعاء في أمر من الأمور وأنت إذا ذاك صغير جدا وكنت جالسا بين يديه فقرأت في الحال هذه الآية " واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب " فقال الشيخ لهم : يكفيكم هذا الفال هذا مثل الوحي قال : ثم قضيت تلك الحاجة باذن الله تعالى وكانت أمي أم ولد هندية وهبتها بعض النساء من ارباب الخير وبيت الملك المشهورة بالصدقات الجليلة والهبات الجزيله والكرم والاحسان والفضل والامتنان لأبي رحمه الله واعطتها حينئذ جميع ما تحتاج إليه من أثاث البيت وأخدمتها جملة من الجواري وكانت تنظرها مثل ابنتها وتزورها في الشهر مرات وكانت هي إذ ذاك بكرا ولم تلد له أحدا من الأولاد غيري وكانت من الصالحات على جانب عظيم من التواضع وسلامة الصدر وحسن الاخلاق وكثرة الانفاق توفيت ضحى يوم الجمعة لعشرين خلت من شهر رمضان سنة عشر بعد الالف وكان آخر كلامها لا أله إلا الله وقبره بجوار سيدي الوالد خارج قبته الشريفة رحمها الله تعالى وقرأت القرآن العظيم حتى ختمته على يد بعض أولياء الله تعالى وذلك في حياة الوالد تغشاة الله بالرحمة واشتغلت بعد قراءة القرآن بتحصيل طرف من العلم وقرأت عدة من المتون على جماعة من العلماء الأعلام وتصدت لنشر العلم ومزاحمة أهله وذلك بكرم الله وفصله والأخذ عن العلماء والاستفادة منهم ومعرفة فضلهم وتعظيمهم مع التطفل معهم بالاقوال والتشبه بهم في الأفعال وتكسير سوادهم ورعي ودادهم وشاركت في كثير من الفنون وتفرغت لتحصيل العلوم النافعة لوجه الله تعالى وعملت الهمة في اقتناء الكتب المفيدة وبالغت في طلبها من اقطار البلاد البعيدة مع ما صار الي من كتب الوالد رحمه الله فاجتمع عندي منها جملة عديدة ولما بلغني ان سيدي الشيخ عبد الله العيدروس رضي الله عنه قال : من حصل كتاب احياء علوم الدين وجعله في أربعين جلدا ضمنت له على الله بالجنة فحصلته كذلك بهذه النية ولله الحمد ووقفت لاستماع الأحاديث النبوية واشتغال الأوقات بها مع صدق النية وطاعت كثيرا من الكتب باعانة الله تعالى ووقفت على أشياء غريبة فيها وفيما تلقيته عن المشايخ الأفراد وفضلاء العصر الأمجاد وغيرهم من الثقات . فلم يفتني بحمد الله سبحانه اشارة صوفية أو مسئلة علمية أو نكتة ادبية ولكني مع ذلك اظهر التجاهل في ذلك لأن الكلام على اشارات التصوف ومقامات الصوفية لا ينبغي الشخص أن يصفها إلا إذا كان متحققا بها ومع ذلك فلا يجوز له ان يتكلم فيها مع غير أهلها لانها مبنية على المواجيد والاذواق لا يطلع على بيان حقيقتها بالألسنة والأوراق . واما نكت الأدب فلا يحسن بعاقل أن يشتهر بمعرفة علمها . والله المسؤول ان يجعل ذلك مقربا اليه وموجبا للزلفى عنده ولديه وان يتم لنا كمال السعادة بان يرزقنا حسن الخاتمة عند الموت حتى نظفر بالحسنى وزيادة مع الدينا وأحبابنا ومشايخنا وأصحابنا وأخواننا وذرارينا انه أكرم مسؤول قريب مجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب ثم من الله علي بعد ذلك وله الحمد لا أحصى ثناء عليه بما لا كان لي قط في حساب فسبحان المتفضل المنعم المعطي الوهاب حتى سارت بمصنفاتي الرفاق وقال بفضلي علماء الآفاق ورزقت محبة ارباب القلوب من اولياء الله تعالى وحظيت

(1/167)


بدعواتهم الصالحة وعظمني العلماء شرقا وغربا وخضع لي الرؤساء طوعا وكرها وكاتبني ملوك الاطراف وأرفدوني بصلاتهم الجليلة وهباتهم الجزيلة ووصلت الي المدائح من الآفاق كمصر واقصى اليمن وغيرهما من البلاد البعيدة وأخذ عني غير واحد من الاعلام وانتفع بي عدة من الانام . وممن لبس مني خرقة التصوف من الأعيان السيد الجليل العلامة جمال الدين محمد بن يحيى الشامي المكي والشيخ الكبير العلامة الشهير بدر الدين حسن ابن داود الكوكني الهندي والشيخ الصالح العلامة الفقيه أحمد ابن الفقيه الولي محمد بن عبد الرحيم با جابر الحضرمي والشيخ الفاضل شهاب الدين أحمد بن ربيع ابن الشيخ الكبير والعلامة الشهير أحمد بن ربيع ابن الشيخ الكبير والعلامة الشهير أحمد بن عبد الحق السنباطي المكي المصري وغيرهم . وأما الذي لبسها من الملوك والتجار وطوائف الناس فجماعة كثيرون وخلائق لا يحصون والفت جملة من الكتب المقبولة التي لم اسبق إلى مثلها ووقع الاجماع على فضلها فلا يكاد يمتري في ذلك إلا عدو أو حاسد وهي لعمري على ما أنعم الله به من فضله علي أعظم شاهد ككتاب الفتوحات القدوسية في الخرقة العيدروسية . وهو كتاب نفيس لم يؤلف قبله أجمع منه وهو مجلد ضخم وقرظة جماعة من العلماء الاعلام وسادات الانام حتى ان التقاريظ التي كتبوها عليه جآءت في كراريس ومن غريب الاتفاق ان تاريخه جآء مطابقا لموضعه وهو " لبس خرقة " وكان جعل هذا التاريخ الشيخ الفاضل محمد بن عبد اللطيف مخدوم زاده ونظمه في ابيات . منها : م الصالحة وعظمني العلماء شرقا وغربا وخضع لي الرؤساء طوعا وكرها وكاتبني ملوك الاطراف وأرفدوني بصلاتهم الجليلة وهباتهم الجزيلة ووصلت الي المدائح من الآفاق كمصر واقصى اليمن وغيرهما من البلاد البعيدة وأخذ عني غير واحد من الاعلام وانتفع بي عدة من الانام . وممن لبس مني خرقة التصوف من الأعيان السيد الجليل العلامة جمال الدين محمد بن يحيى الشامي المكي والشيخ الكبير العلامة الشهير بدر الدين حسن ابن داود الكوكني الهندي والشيخ الصالح العلامة الفقيه أحمد ابن الفقيه الولي محمد بن عبد الرحيم با جابر الحضرمي والشيخ الفاضل شهاب الدين أحمد بن ربيع ابن الشيخ الكبير والعلامة الشهير أحمد بن ربيع ابن الشيخ الكبير والعلامة الشهير أحمد بن عبد الحق السنباطي المكي المصري وغيرهم . وأما الذي لبسها من الملوك والتجار وطوائف الناس فجماعة كثيرون وخلائق لا يحصون والفت جملة من الكتب المقبولة التي لم اسبق إلى مثلها ووقع الاجماع على فضلها فلا يكاد يمتري في ذلك إلا عدو أو حاسد وهي لعمري على ما أنعم الله به من فضله علي أعظم شاهد ككتاب الفتوحات القدوسية في الخرقة العيدروسية . وهو كتاب نفيس لم يؤلف قبله أجمع منه وهو مجلد ضخم وقرظة جماعة من العلماء الاعلام وسادات الانام حتى ان التقاريظ التي كتبوها عليه جآءت في كراريس ومن غريب الاتفاق ان تاريخه جآء مطابقا لموضعه وهو " لبس خرقة " وكان جعل هذا التاريخ الشيخ الفاضل محمد بن عبد اللطيف مخدوم زاده ونظمه في ابيات . منها :
ولما كان ذا التأليف فيمن ... تشرف في الانام بلبس خرقه
فلا عجب ولا بدع إذا ما ... اتى تاريخ ذلك " لبس خرقه "

(1/168)


وكتاب الحدائق الخضرة في سيرة النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه العشرة وهو أول كتاب الفته وكان سني إذا ذاك دون العشرين وكتاب اتحاف الحضرة العزيزة بعيون السير الوجيزة . وهو على نمط كتاب الحدائق إلا انه أصغر منه وهو عجيب في بابه وقرظه بعض الفضلاء وكتاب المنتخب المصطفى من أخبار مولد المصطفى . واستحسن اسلوبه بعض الصلحاء من أهل العلم جدا وكتاب المنهاج إلى معرفة المعراج وكتاب الانموذج اللطيف في أهل بدر الشريف . ولم أعلم أن أحدا تقدمني إلى أفراد مناقب أهل بدر رضي الله عنهم وهذا الكتاب الشريف من أعظم الأعمال التي أعتمد عليها وارجو بها من فضل الله الجنة وكتاب اسباب النجاة والنجاح في اذكار المساء والصباح وكتاب الدار الثمين في بيان المهم من علم الدين . ذكرت فيه كلما يجب على المبتدي من معرفة العقائد ثم ما يحتاج إليه بعد ذلك من أمر دينة كالصلاة والصيام والزكاة والحج . ثم بينت بعد ذلك الاخلاق المذمومة حتى يجتنبها الطالب والأخلاق المحمودة ليجتهد في طلبها كل راغب وهو كتاب نفيس جدا ومفيد في بابه إلى أقصى الغاية وكتاب الحواشي الرشيقة على العروة الوثيقة وكتاب منح الباري بختم صحيح البخاري وكتاب تعريف الأحياء بفضائل الأحياء وباعثه أن سيدي الشيخ عبد الله العيدروس رضي الله عنه قال : غفر الله لمن يكتب كلامي في الغزالي فرجوت ان يتناولني دعاءه وأردت اسعاف والدي بتحقيق رجاه فاني سمعته يقول : ان امهل الزمان جمعت كلام الشيخ عبد الله في الغزالي . في كتاب واسميه الجوهر المتلالي من كلام الشيخ عبد الله في الغزالي . وقد اشتمل هذا الكتاب على جملة من كلامه في الثناء عليه وعلى كتبه وكتاب عقد اللآءل بفضائل الآل وكتاب خدمة السادة آل باعلوي باختصار العقد النبوي . وارجو ان يوفقني الله لا تمامه وكتاب بغية المستفيد في شرح تحفة المريد وهو مختصر جدا . وكتاب النفحة العنبرية في شرح البيتين العدنية وكتاب غاية القرب في شرح نهاية الطلب . اعتنى به الناس كثيرا وحصلوا منه نسخا عديدة نحو الأربعين فيما علمت وكان بعض العلماء أمر ولده بحفظه عن ظهر القلب عن جاري العوائد في حفظ المتون وقد اشار إليه العلامة الحباني مع المولد في بعض القصائد التي امتدحني بها بقوله :
وبغاية القرب العلوم تفتحت ... وبما اتانا نخبة في المولد
وشرح على قصيدة الشيخ أبي بكر العيدروس صاحب عدن النونية وهو كتاب في غاية الحسن بديع الترتيب غريب التأليف والتهذيب حسن السبك والأنسجام بحيث يفهمه الخاص والعام مشتمل على فوائد جمة ومحتو على مقاصد مهمة وكتاب اتحاف أخوان الصفاء بشرح تحفة الظرفاء باسماء الخلفاء وكتاب الفتح القدسي في تفسير آية الكرسي وكتاب صدق الوفاء بحق الاخاء . وهو مع اختصاره عجيب في بابه غريب في وضعه واسلوبه وكتاب النور السافر عن أخبار القرن العاشر وهو هذا وتقريظ على شرح قصيدة البوصيري التي عارض بها بانت سعاد لشيخنا شيخ الإسلام ومفتي الانام الفقيه عبد الملك بن عبد السلام دعسين الأموي اليمني الشافعي وأخر على رسالة صاحبنا الشيخ العلامة أحمد بن علي بن محمد البسكري في تنزيه الإمام مالك رحمه الله تعالى عن تلك المقالة الشنيعة التي نسبها إليه من لاخلاق له واجازة للفقيه الصالح أحمد ابن الفقيه محمد باجابر وديوان شعر جمعه بعض الاصحاب واضاف إليه المدايح التي في الناظم . واسمه الروض والاريض والفيض والمستفيض ومن نظمي :
إذا ما اشتد ليل الهموم ودجى ... جعلت إلى أهل بدر الالتجا
وما خاب عبد لهم قد رجا ... ومتى توسل بهم إلى الله فرجا
ومنه
قسما ببديع جماله وبيان لسانه ... اني لمعاني آداب صفاته رق
فقهت من منطقة العذب حديثه ... وفهمت من دقة خضره سر يرق
واينما كنت فقلبي طائر نحوه ... ومتى اردت صرفه رأيته يشق
ومنه
شافعى أحمد لي عند مالكي ... وما خاب من أحمد له شافع
بل حقيق ان يغفر له زلاته ... وينعم عليه بالذي هو طامع
ومنه
ايها العاذلون اقصروا عن عتابي ... انني استعذبت في العشق عذابي

(1/169)


ليس لي غير الغرام شرعا ... انني فيه مرسل بالكتاب
ومنه
يا رسولي إذا وصلت الي سولي ... فهن هناك نفسك بالوصول
واذا جزت بحيهم اجر ذكري ... ولطف القول كي يرقوا لنحولي
ومنه
مريدي أصدق تنل ما تريد ... فكل ذا على الله ليس ببعيد
تريد قرب مولاك يا صاحبي ... تقرب فهو أقرب من حبل الوريد
ومنه
لما كان حبيبي أصل مبدأ الوجود ... وكان في الخلق للرسل ختام
صح انهم بيت حسن بدا ... لكن حبيبي كان لحسنهم التمام
ومنه
قالت محاسنه تطيق فراقي ... ناديتها لا صبر لي لا صبر لي
ومنه
انا شيعي لآل محمد ... ومن مذهبي حب شيعته
واستحسن غالب هذه المؤلفات جماعة من أهل العلم والصلاح الذين شهرتهم تغني عن الأطناب في مدحهم . كالشيخ صالح ولي الله العلامة جمال الدين الفقيه محمد بن عبد الرحيم باجابر الحضرمي والشيخ الكبير قدوة العلماء ودرة تاج الفضلاء الفقيه محمد ابن الإمام عبد القادر الحباني والشيخ الإمام علم العلماء الإعلام شيخ الإسلام ومفتي الانام شافعي زمانه على الأطلاق صاحب المصنفات التي اشتهرت في الآفاق الفقيه عبد الملك بن عبد السلام دعسين الاموي الشافعي اليمني والفقيه المحقق العلامة جمال الدين محمد بن عبد المولى القرطبي المغربي وكان المذكور قدم اليمن فاجتمع فيها بالفقيه عبد الملك ووقف عنده عند مجلد فيه جملة منها فاعجب بها جدا وقال انه ما بقي لمؤلفها في هذا الزمان نظير واني لأدعو له بطول العمر حتى يبدو منه مثل هذه الفوائد المستجادة لينتفع بها من اراد الله هدايته من أهل السعادة وكتب الأكابر بعضها بخطوطهم وكان أخي السيد الكبير والولي الشهير العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله كان الله له يعجب بها إلى الغاية وله في طلبها واقتنائها اشد عناية وكان يحثني على ارسال كلما تجدد لي منها ويذكر انه أعجبه أسلوبها جدا وانه لم يجد لي مثلا في ذلك ورأيت في أوراقه إلى خادمه سالم بن علي با موجة وقد ذكرني فيها وقال : انا ما نراه إلا منزلة والده وكتب الي الفقيه الصالح محمد بن عبد الرحيم با جابر في بعض الاوراق في أمر يطلب مني ان أفعله وكان فيه نوع صعوبة فقال : ولا تستبعد هذا يا شيخ عبد القادر فانك من الذين يتصرفون في الكون وتنفعل لهم الأشياء بأذن الله تعالى وكان الفقيه عبد الملك رحمه الله يتمنى الاجتماع بي كما حكاه عنه بعض الثقات وهو الذي يقول في ذلك أيضا من قصيدة امتدحني بها :
إذا مثلت شخصكم بفكري ... اوالي زعقة في اثر زعقة
ومهما تذكرو عندي تصبني ... لو اعج صعقة من بعد صعقة
ويجري دمع مقلتي استباقا ... بخدي دفقة من بعد دفقة
فمنوا باللقاء ولو مناما ... لعل مريض شخض بنأى ينقه
واحظى باجتماع في محل ... يضيء الأنس بالأفراح افقه
بحضرة من حوى كل المعالي ... واحرز من مجيد المجد فرقه
وحاز السبق فيما يبتغيه ... ولا عجب إذا ما حاز حقه
تغذى بالمعارف وهو طفل ... وفي سن الكهولة ما أحقه
حباه الله بالعلم اللدني ... فاضحى فاتقا بالفهم رتقه
وذاك الشيخ عبد القادر ... العيدروس اخو الفهوم المستدقه
سليل الأكرمين ومنتقاهم ... واحظاهم بفخر حاز سبقه
تبؤا في الفضائل قصر فضل ... لرايات الجلال عليه خفقه
وخص ببسطة في العلم خلت ... له جمل المعارف مسترقه
فآتاه الآله فنون علم ... بلا تعب لديه ولا مشقه
واعطاه العطاء الجم فضلا ... وحسن بعد حسن الخلق خلقه
فادرك في العلوم مقام بسط ... واعجز من تصوف أو تفقه
وصنف في فنون العلوم كتبا ... جليلات ابان بهن حذقه

(1/170)


وخرقة أهله قد جاء فيها ... بتصنيف غدا الاتقان طبقه
وسلسلها إلى أصل اصيل ... بتنقيح أصاب الضبط وفقه
واما في التصوف فهو فرد ... امام قد حوى بالجمع فرقه
لقد ورث الولاية عن أبيه ... بتعصيب وفرض أستحقه
فانفق من كنوز العلم عفوا ... وخص بكل فن مستحقه
فيهنيه الذي اولاه مولا ... ه تحف العطايا المستحقه
قلت : وذكري لهذه الأشياء إنما هو من باب التحدث بنعمة الله ولأن الذي حكيت عنهم ذلك من أهل الدين والصلاح تيمنا بانفاسهم الطاهرة على أنى ما ذكرت من ذلك إلا القليل مع أن ما ذكرته من أنواع لطفهم بي دون ما تركته بكثير جزاهم الله عني أفضل ما جزى استاذا عن تابعه ولم أر في نعم الله التي أنعم بها علي بعد الإسلام والنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم نعمة أجل منه فلذلك ذكرته في هذا التأليف وأخترت بقاءه في وفي عقبي وأصحابي إلى آخر يوم من أيام الدهر وقد سبقني إلى ذلك من العلماء المقتدى بهم جماعة لا يحصون كالعلامة شيخ الشيوخ أمام المحدثين وقدوة المحققين ابن حجر العسقلاني والعلامة الحافظ السخاوي والعلامة شرف الدين إسماعيل المقري اليمني صاحب الارشاد والعلامة الحافظ الدبيع والعلامة الفاسي وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر الهيتمي وغيرهم
وفيها : فاضت بأحمد أباد بعض البرك حتى فرج عنها الماء الذي كان فيها وصارت فارغة
وفيها : أيضا رئي الدم في بعض برك الماء بأحمد أباد
سنة تسع وسبعين بعد التسعمائة
وفي ربيع الثاني سنة تسع وسبعين توفي الفقيه الصوفي الجامع بين الشريعة والحقيقة حسين ابن الفقيه عبد الله ابن عبد الرحمن ابن أبي بكر ابن الحاج بافضل الشافعي الحضرمي بتريم ولصاحبنا الأديب الفاضل الفقيه عبد الله بن أحمد بن فلاح الحضرمي في تاريخ ذلك العام بيتين وهما :
شيخنا حي تجده ... ضابط العام الذي مات
وفيه حسين ابن الفقيه با ... فضل بالحاج ذي الكرامات
وكان من كمل المشايخ العارفين الجامعين بين علوم الشريعة وسلوك الطريقة وشهود الحقيقة صاحب أحوال سنية ومقامات علية وفراسات صادقة وكرامات خارقة وله في التصوف رسالة سماها : الفصول الفتحية والنفاثات الروحية فيما يوجب الجمعية وعدم البراح من جانب الحق والغناء والبقاء به بالكلية والجزئية . ومن كراماته أنه كان مرة في مجلس وبين يديه مريده فضل بن إبراهيم فكان يتكلم بأشياء بطريق الكشف كعادته وكان في ذلك المجلس أخي السيد عبد الله فالتفت إليه فضل المذكور وقال : أن والدك ركب في بعض الخشب وسرى هذه الساعة فقال الشيخ حسين : ما خرج من الهند أصلا فتراجعا فقال الشيخ حسين اما علي كذا أو عليك كذا من باب البسط ثم أتفقا على أنه ما خرج فاتفق أن أخي تب هذه القصة في كتاب ووقع عزمه إلى الهند في تلك السنة وكان الكتاب المذكور في صحبته فلما رآه والده قال : صدق الاثنان الشيخ حسين ومريده إلا أن الشيخ حسين كان نظره يشرف على حقائق الأشياء واخبر أنه كان في ذلك الوقت في ذلك اليوم في ذلك الشهر عزم من أحمد أباد بنية برعرب لأن الوزير وهو عماد الملك الذي كان يعوق عليه ذلك خرج في تلك السنة للصيد فلما كان في أثناء الطريق لحقه الوزير المذكور فصده عن ذلك قال : وأما قول فضل أنه ركب بعض الخشب وسرى هذه الساعة فإن البهل إذا مشى به البقر يشبه سراية الخشب في البحر . وبينما هو في بعض الليالي يسير في الطريق اذ وجد والدي رحمه الله فوقفا يتذاكران وأستمر كذلك إلى الصباح وحكي أنه قال ما عندنا من الأعمال التي نعتمد عليها شيئا إلا ذرة من حب آل محمد صلى الله عليه و سلم فبلغ ذلك الشيخ أحمد بن الحسين العيدروس فقال : هنيئا له هذا هو الذي عناه عنه الشيخ أبو بكر العيدروس بقوله :
لك الهنا أن حل فيك ذرة ... من حبهم أو لاح منك حظرة
بذكرهم ما أعظم المسره ... طوبي لقب حل حبهم فيه

(1/171)


وكان مولعا بكتب الشاذلية وكان يميل إلى طريقتهم السينة حتى قيل فيه أنه شاذني زمانه روي ذلك عن الشيخ الكبير والولي الشهير أحمد ين سهل وكان يعظم الشيخ محيي الدين ابن عربي ويقري كتبه وكان له في أقتنائها أشد عناية حتى أن كتاب الفتوحات المكية كان لا يوجد بحضرموت إلا عنده ولما كتب والدي إلى ولده السيد عبد الله ان يحصله له طلبه من الشيخ حسين فامتنع اولا وسأل بعض الثقات أن السيد عبد الله يريد يحصله لنفسه أو لوالده فقال : لا بل لوالده فأعطاه إياه وحكي أن الشيخ بل النسخة التي كانت عنده عند وفاته ما خلا باب الوصايا منه وقال : أنما فعلته تعظيما لشأنه لأن الناس لا يفهمون معانيه فيقعون في الغلط بسبب ذلك . قلت : وكان الشيخ من المشايخ المربين وكتب الشيخ ابن عربي أشتملت على علوم لا يفهمها إلا أهل النهايات وتضر بارباب البدايات . قال الحافظ السيوطي : والقول الفصل عندي في ابن عربي طريفة لا يرضاها فرقنا أهل العصر لا من يعتقده ولا من يحط عليه . وهي أعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه قلت : وحكى الشيخ الإمام العلامة بحرق أنه سمع الشيخ أبا بكر العيدروس يقول : لا اذكر ان والدي ضربني ولا انتهرني إلا مرة واحدة بسبب انه رأى بيدي جزءا من كتاب الفتوحات المكية لأبن عربي فغضب غضبا شديدا فهجرتها من يومئذ قال : وكان والدي ينهى عن مطالعة كتابي الفتوح والفصوص لأبن عربي ويامر . بحسن الظن فيه وباعتقاد انه من أكابر الأولياء العلماء بالله العارفين ويقول : ان كتبه اشتملت على حقائق لا يدركها إلا ارباب النهايات وتضر بارباب البدايات . قال الشيخ بحرق : وأنا أيضا على هذه العقيدة وأدركت عليها جماعة من المشايخ المقتدى بهم قلت : وهذا المقتدى بهم قلت : وهذا مقتضى كلام السيوطي رحمه الله وأنا أيضا على هذه العقيدة وهذه الطريقة أسلم والله أعلم ووجدت بخط صاحب الترجمة سيدي الشيخ حسين ابن الفقيه عبد الله بالحاج بافضل رضي الله عنه ونفع به آمين . ان الشيخ الإمام ولي الله تعالى محيي الدين النووي لما رأى كلامه وطالعه قال : الكلام كلام صوفي . ثم قال الشيخ حسين وهو كما قاله هذا الإمام ان كلامة كلام الصوفية وانما هو بسط العبارة في موضع الأشارة وما يحمله من ينكر على الصوفية ووجدت بخطه أيضا ما صورته هذه الأبيات تصلح في الشيخ محي الدين :
دعوه لا تلوموه دعوه ... فقد علم الذي لم تعلموه
رأى علم الهدى فسمى إليه ... وطالب مطلبا لم تطلبوه
اجاب دعاه لما دعاه ... وقام بحقه ووضعتموه
بنفسي من ممنوح قرب ... وطاعم مطمعا لم تطعموه
قلت : وعلى الي حكاية غريبة وقعت للشيخ ابن عربي تدل على فضله العظيم اذكرها هنا تيمنا بذكره واستشعاره بعضيم قدره ولان المؤرخين يقولون : من ذكر انسانا وعلم له نادرة فلم يذكرها فقد ظلمه ذكر بعض المعتنين بأخباره والمداونين لمحاسن آثاره ان صاحب اشبيلية ارسل مالا عظيما إلى مكة شرفها الله تعالى وأوصى الوكيل ان لا يفرق هذا المال إلا اعلم أهل الأرض واتفق انه اجتمع تلك السنة بمكة شرفها الله تعالى من المشايخ والعلماء والفقهاء ومن كل ذي فن من العلوم ما لم يجتمع في عصر من الأعصار وهي السنة التي اجتمع فيها الشيخ شهاب الدين السهروردي بالشيخ محيي الدين رضي الله عنهما وقال كل واحد منهما في شأن صاحبه ما قال فاجمع الكل على الشيخ محيي الدين رضي الله عنه وان لا يفرق المال سواه ففرقه فلما فرغ من تفريقه قال : لو لا ان خوفي خرق الاجماع لامتنعت فقال : له بعض أصحابه لم يا سيدي ؟ قال : ما اريد به وجه الله بل اريد به التفاخر فقال : له بين لي ذلك فقال : ان صاحب الغرب اراد ان يفتخر بي على سائر ملوك الأرض إذ قد علم انه لا يفرقه سواي فما اراد به وجه الله تعالى بل أراد التفاخر فبلغ ذلك المجلس إلى صاحب اشبيلية فبكى وقال : صدق الشيخ هذا اردت . ومن شعر ولده محمد وكان قد جاور بالمدينة الشريفة فطلب منه بعض الأصحاب العود إلى وطنه وكتب إليه هذه الأبيات :
لو قيل لي في حضرموت جواهر ... تعطى من لكل طليب
أو قيل لي ما تشتهي وما تهوى ... تجده غاية المطلوب

(1/172)


لأخترت منها نظرة في طيبة ... والموت ياتي بعدها بقريب
هذا خلاصة رغبتي في غربتي ... فافهم فديتك شرح حال كئيب
ما يراد ويشتهى في غيرها ... لي جنة في روضة المحبوب
صلى عليه الله ربي دائما ... ما بان نجم أو هوى بغروب
ومنه
اتينا قبا قال مسجده لنا ... مقالا فصيحا وهو بيت من الشعر
لقت ضعت في قفر فما لي عائد ... فواحسرتا اذ كنت في جانب البر
ولهذين البيتين قصة عجيبة وهي ان المشار إليه كان يختلف كثيرا إلى المسجد قبا وكان وقف المسجد إلى جهة الشيخ أبي اللطيف البري وما كان يقوم بخدمة المسجد وما يحتاج إليه من العمارة وغيرها كما ينبغي . فكتب هذين البيتين على مسجد قبا . وبالجملة فانه كان لطيف النظم رقيق الطبع وكان صاحبنا الفقيه أحمد ابن الفقيه محمد با جابر قد اجتمع به بالمدينة الشريفة فحكى عنه من النوادر المستظرفة والحكايات المستطرفة شيئا كثيرا وله مشاركة في كثير من العلوم وتقرأ عليه الطلبة في غير واحد من الفنون وهو إلى الآن موجود كان الله له وله أخ ثاني بحضرموت اسمه زين علي قدم والده يشار إليه بالصلاح
وفيها : في ضحى يوم الأربعاء ثاني عشر شهر جمادى الأولى توفي الفقيه عبد القادر ابن الفقيه عبد الله ابن الفقيه الصالح أحمد بن محمد بافضل بعدن ودفن داخل دائرة مقبرة جده الفقيه محمد بالقرب من قبره وكان رجلا لبيبا عاقلا فاضلا أديبا بليغا نحويا يقول الشعر وكانت له مشاركة في الفقه والحديث أخذ عن الفقيه عبد الله بن عمر محزمه والعلامة شهاب الدين أحمد بن عمر الحكيم وأخذ النحو واللغة عن الفقيه محيي الدين عبد القادر الحموي وذلك ببلدة عدن وكان قائما بوظيفة مسجد الدرسة وولي بناية الشافعية بمدينة عدن وكانت سيرته حسنة محمودة رحمه الله تعالى
وفيها : مات قاضي القضاة محمد حاجي بمكة المشرفة . فقال الأديب عبد الرحمن الخفاجي المكي مؤرخا لذلك :
لقد رحم المهيمن قبر قاض ... عزيزا قد سما عز افتخاره
امام عالم حبر تقي ... به الشرع الشريف علا مناره
فدل على سعادته انطراح ... بباب الله من قد عز جاره
له عدل به الركبان سارت ... وزان جماله الأسنى وقاره
بميزان يحل بخير أرض ... فكان بمكة الغرا قراره
فتاريخ الوفاة له بضبط ... وتحرير جناز الخلد داره
وفيها : بنى والدي باحمد اباد بيتا وجاء تاريخه " بيت السعادة " وجعل هذا التاريخ الشيخ عبد المعطي باكثير ثم نظمه في أبيات فقال :
أكرم بأرفع روشن قد زينت ... ارجاؤه إذ صار في غرفاته
قد اتقن الاستاذ صنعة وضعه ... فزها وفاق بذاته وصفاته
انشاه مولانا الشريف بقصره ... العالي المنيف فشاد من بركاته
شمس الشموس العيدروس المجتبى ... شيخ ابن عبد الله شهم حماته
قطب الوجود وغوثنا وملاذنا ... يا رب متعنا بطول حياته
يا حسنه من روشن في غرفة ... قد زخرفت منه بحسن سماته
بالعيدروس سما وجاز نضارة ... مذ حل فيه بنفسه وبذاته
ومن السعادة قد أتى تاريخه ... بيت السعادة فهو من آياته
سنة ثمانين بعد التسعمائة
وفي سنة ثمانين توفي : العبد الصالح الشيخ عبد الرحيم بخضر خادم سيدي الشيخ الوالد فقير الشيخ الكبير سعيد بن عيسى العمودي وكان له حسن ظن مفرط في الوالد حتى أنه كان يبتلع بصاقه وكان مجذوبا ورويت عنه كرامات رحمه الله آمين
وفيها : أخذ السلطان أكبر ابن همايون كجرات وهو من أولاد تيمور لنك بينه وبينه أربعة آباء وكان عظيم الشأن ورزق السعد في أيامه وطالت مدة ولايته واتسع ملكه جدا وكان عادلا حليما عاقلا حكيما . والكلام فيه يطول والمسائل في شأنه تعول فلنقبض العنان والله المستعان وكانت مدة سلطنته خمسين سنة وتوفي في شهر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة

(1/173)


بعد الألف وتاريخ العام يجمعه " غدي " بالياء وهي لغة غير فصيحة في غدا بالألف أي ذهب وقلت في ذلك :
غدي أكبر في الذاهبين ... وذي سنة الله في الغابرين
وتولي بعده ولده سليم شاه
وفيها : وقع ختم احياء علوم الدين بحضرة سيدي الوالد فأنشأ الشيخ عبد المعطي با كثير قصيدة وهي :
يا سيد السادات يا ابن المصطفى ... يا نسل حيدر يا عظيم الشان
يا قطب يا غوث الورى يا من حوى ... بالعلم والتقوى أعز مكان
با شيخ يا ابن العيدروس ومن سما ... ذاتا وأوصافا بكل زمان
يا خادم العلم الشريف بقلبه ... ولسانه وبسائر الأركان
أكملت أحياء العلوم قراءة ... بالبحث والتصحيح والاتقان
ابديت فيه فوائد وفرائدا ... بفصيح نطق مع صحيح بيان
ابرزت درا من مكامن وضعه ... كعرائس تجلى على الآذان
قررت كل دقيقة وجليلة ... بعبارة عذبت بحسن بيان
فكأن حضرتك العلية جنة ... فقطوف أثمار الفوائد دان
أو روضة قد أينعت أزهارها ... أو مظهر المعروف والاحسان
وكأن ذاتك إذا جلست بمجلس ... التدريس تلقي الدرس كالسلطان
من حولك الأشراف يمنة يسرة ... خير البرية من بني عدنان
من آل باعلوي أعلام الهدى ... أهل التقى والدين والقرآن
متمسكين بسنة وجماعة ... متزينين بزينة الايمان
هذا هو الفخر المنيف إذا تعد ... مفاخرا بالدين للإنسان
بالعلم والنسب الشريف وبالتقى ... والسعي دأبا في رضا الرحمن
فتهن يا ابن العيدروس بختمك ... الأحياء تماما في أقل أوان
ختم عليه من المهابة رونق ... زينته بجمالك الفتان
لا زلت في درس العلوم مواصلا ... ختما لدرس بابتداء ثاني
وأسلم ودم في عزة ومكانة ... في ذروة العليا بكل زمان
وعليك من رب الأنام تحية ... ما غردت ورق على الأغصان
سنة إحدى وثمانين بعد التسعمائة
وفي سنة إحدى وثمانين . فقد مركب سيدي الشيخ الوالد المسمى بالعيدروسي وهو مسافر من الشحر إلى الديو وكان فيه جماعة من الأشراف وغيرهم فحصلت لهم الشهادة
وفيها : قدم الإمام العلامة أبو بكر ابن الإمام برهان الدين إبراهيم مطير بندر المخا . فكتب إليه الشريف الفاضل الولي العارف بالله تعالى السيد حاتم ابن أحمد الأهدل هذا السؤال . وهو :
يا من له في النحو فهم ثاقب ... ودراية في الشعر من بين الملا
اوضح بفضلك لي جوابا ضافيا ... عن بيت شعر شكله قد أشكلا
البيت هذا من قصيد قاله ... عبد الرحيم فصح لنظم قد حلا
ذكر المعاهد والزمان الأولا ... فبكي لأيام العذيب وأعولا
وبدا له برق بابرق رامة ... وهنا فبات من الجوى متململا
نامت عيون العالمين فلم ينم ... وسلت قلوب العاشقين وما سلا
إن كان فارقه الفريق فروحه ... معهم تسير مع الهوادج في الفلا
هل أن تراها في الأخير بكسرة ... أو فتحه حقق هديت تفضلا
فأجاب :
إن الكلام بكسرة شرطية ... والفآء جوابا جآء بعد مفصلا
ويريد ان هم فارقوه فروحه ... معهم ملازمة تساير في الفلا
والفتح لم يظهر له معنى وأن ... قلنا به جآء الجواب معطلا
ولقد أجاد الشاعر المنطق في ... لفظ بديع مع فصاحته حلا
حالت بلاغته القريظ فخلته ... وشيا على الحسنا يفوق على الحلا
لا زالت الألفاظ طوع مراده ... وفوأده بالدر صار مكملا
ثم الصلاة على النبي وآله ... وصحابة والتابعين على الولا

(1/174)


وفيها : جاء السلطان أكبر إلى كجرات وذلك أنه بعد أن أخذها ترك فيها بعض الوزراء ورجع فحاول من بقي من أمراء كجرات أن يستنزعوها من يد ذلك الوزير وحاصروه بجموع عديدة وكادوا أن يظهروا عليه فلما سمع السلطان بهذا الخبر دهمهم بجنود كثيرة ووصل إليها في مدة قليلة وحاربهم أشد المحاربة حتى قتلهم عن آخرهم
وفيها : وقع باحمد اباد ريح عاصف عظيم مع غبار كثير حتى أظلمت الأرض وعقبة رعد وبرق وقليل مطر
سنة اثنين وثمانين بعد التسعمائة
وفي سنة اثنين وثمانين توفي : الفقيه العالم العلامة المتبحر سراج الدين عمر بن عبد الوهاب الناشري رحمه الله تعالى بمدينة زبيد وكان سئل عما يعتاده أهل زبيد من العيد الذي في أول خميس من رجب هل له أصل وهل هو سنة أم لا ؟ فأجاب بهذه الأبيات :
وسائل سأل عن قوم وعادتهم ... عيد الخميس الذي في مبتدا رجب
أسنة هو أو لا ؟ أوضحوه لنا ... وما لتمييز هذا اليوم من سبب ؟
فقلت ذا مبدأ الإسلام في يمن ... عيد الخميس الذي في مبتدأ رجب
أتى معاذ بأمر الله فيه لنا ... بالاتباع إلى منهاج خير نبي
فصار ذلك عيد عندنا فلذ ... نخصه بمزيد الحب في القرب
ولا نقول بتخصيص الصيام له ... ولا صلاة ولا شيء من القرب
نعم لنا فيه تخصيص المحبة إذ ... كان النجاة لنا فيه من العطب
فصار اقباله فيه القبول على ... قوابل القابلين الأكل عن ارب
ثم الصلاة مع التسليم لا برحا ... على محمد خير العجم والعرب
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... ما انهل مزن على الأشجار والكتب
وفيها : توفي الشيخ الفاضل عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكي بمكة وكان مولده في شهر ربيع الأول من عام عشرين وتسعمائة وله تصانيف مفيدة منها : شرحان على البداية للغزالي احدهما أكبر من الآخر ومصنافاته كثيرة لا تنحصر ورأيت منها جملة عديدة في فنون شتى . ولعمري أنه يشبه الجلال السيوطي في كثرتها بحيث أنه يكتب على كل مسئلة رسالة مع أن عبارته ما هي بذاك رحمه الله وسئل عن حكمة ما يقع أيام الموسم من حدوت الهم والتشاغل لمن لا عيال له ولا دين يثقله ويهمه . فقال : إن السر في ذلك والله أعلم هو اشتغال أكثر الناس واهتمامهم بمعاشهم ونحوه فيسري ذلك منهم ولغيرهم كما جآء في الحديث " المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه شكى البعض الآخر " ومن شعره :
إذا كان رفضي في محبة حيدر ... وبنيه قاطبة فاني رافض
حسبي اقتدائي بالإمام مقلدي ... الشافعي بحر العلوم الخائض
ومنه في القهوة
اشرب القهوة صرفا ... تجد الصفو مزاجا
واذكر الله عليها ... تشهد الأنس سراجا
ومنه تاريخ بيت بناه الشريف أبو نمى سلطان مكة :
إن بيتا بناه خير مليك ... أسس المجد كفه وأشاده
فاق في وصفه وحسن بداه ... كل قصر به العلا والسيادة
جاء تاريخ وصفه في نصيف ... أنا بيت الملوك دار السعادة
وكان الفقيه الصالح محمد بن عبد الرحيم با جابر رحمه الله قد اجتمع به بمكة سنة سبعين وتسعمائة وأنشده هذين البيتين من لفظه وذكر أنمهما لجده :
بادر إلى طلب العلم العزيز وان ... ضاقت ولم تصف أقوات وأوقات
ولا تؤخر لصفو ورجا سعة ... فهم يقولون للتأخير آفات
وفيها : توفي العلامة المتفنن القاضي عيسى الهندي باحمد اباد وكان من أعيان العلماء المشهورين وأوحد المشايخ المدرسين وله تصانيف نافعة رحمه الله
وفيها : توفي سلطان الروم السلطان سليم ابن السلطان سليمان وللأديب ماميه الانقشاري في تاريخ موته :
فارق الملك سليم المجتبى ... وغدا ضيفا على باب الكريم
وغدا في الشهداء تاريخه ... رحمه الله على حي سليم

(1/175)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية