صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

وورد عن"عائشة" انها قالت: من صاحب هذه الابيات: تعني التي في عمر لما مات: جزى الله خيرا من امير وباركت يد الله في ذاك الاديم الممزق
قالوا: مزرد، فسألت من مزرد? فحلف بالله انه لم يشهد الموسم تلك السنة، ومنهم من نسب هذه الابيات التي قبلها للشماخ.
ومعن بن اوس بن نصر بن زياد المزني، شاعر مجيد فحل من المخضرمين. عمر إلى ايام ابن الزبير، وهو من شعراء مضر. ذكر "المرزباني"، انه كان رضيع "عبد الله بن الزبير"، وكان مصاحبا له، وكف في آخر عمره.
و"سويد بن ابي كاهل" أو "سويد بن غطيف" وقيل اسمه: "غطيف ابن حارثة" اليشكري، ويقال "الوائلي"، ويقال "الغطفاني"، ويكنى "ابا سعيد"، هو شاعر مخضرم، وهو صاحب قصيدة مطلعها: بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل منها ما اتسع
وهي قصيدة من اغلى الشعر وانفسه في نظر علماء الشعر، ذكر ان العرب كانت تفضلها و تقدمها، وتعدها من حكمها، وكانت في الجاهلية تسميها "اليتيمة" لما اشتملت عليه من الامثال. وللشاعر شعر كثير، لكن برزت هذه على شعره.
ذكر انه كان إذا غضب على قومه، ادعى إلى غطفان، فقال رجل من "بني شيبان": من يشتري مسجدي ذبيان إذا طعنوا إلى فزارة أو من يشتري الدارا
فأجابه سويد: ان المساجد لا تباع و انما باعت كحيلة بظرها البيطارا
وعد من المعمرين، ذكر انه عمر في الإسلام ستين سنة بعد الهجرة.
وقد وضعه "ابن سلام" مع الحارث بن حلزة، وعنترة، وعمرو بن كلثوم في الطبقة السادسة من شعراء الجاهلية.
و"الزبرقان بن بدر"شاعر تميم من الشعراء المخضرمين، وكان اسمه "الحصين". ولما قدم وفد "تميم" إلى المدينة في اشرافهم، كان الزبرقان احدهم، ولما تفاخروا بانفسهم و تباهوا بفعالهم، قالوا للرسول: يا محمد ائذن لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزبرقان بن بدر، فقال قصيدته التي مطلعها: نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع

(1/6202)


وذكر ان الرسول ولاه صدقات قومه فأداها في الردة إلى ابي بكر فأقره ثم إلى عمر.
وقد هجا "الحطيئة" الزبرقان بن بدر، وكان سبب ذلك ان الحطيئة لقي الزبرقان ب"قرقرى" ومعه ابناه اوس و سوادة و بناته و امرأته فعرفه الزبرقان و سأله اين تريد? قال: العراق لأصادف من يكفيني عيالي و اصفيه مدحي، فقال له: لقيته، قال: من? قال: انا، قال: من انت? قال الزبرقانابن بدر. وكتب كتابا إلى امرأته، لتعطيه و تنفق عليه، فبلغ ذلك: "بغيض ابن عامر" واخوته و بني عمه، وكانوا ينازعون "الزبرقان" الرياسة، فدسوا إلى "ام بدرة" امرأة الزبرقان ان الزبرقان يريد ان يتزوج بنت الحطيئة، ولذلك امرك ان تكرميه، فجفته ام بدرة، فأرسل بغيض اهله إلى الحطيئة ان ائتنا فنحن احسن لك جوارا من الزبرقان، واطعموه ووعدوه، فتحول اليهم، فلما جاء "الزبرقان" بلغه الخبر فركب اليهم، فقال لهم: ردوا علي جاري، فأبوا حتى كاد ان يكون بينهم حرب، فحضرهم اهل الحي فاصطلحوا على ان يخيروه فاختار بغيضا و رهطه، فجعل الحطيئة يمدحهم من غير ان يتعرض بالزبرقان، فلم يزل كذلك حتى ارسل الزبرقان إلى شاعر من "النمر بن قاسط" يقال له: "دثار بن شيبان" فهجا بغيضا وآل بيته، فلما سمع الحطيئة شعر دثار، حمى لجيرانه، فقال شعره في الزبرقان معرضا به، فأستعدى الزبرقان "عمر" عليه، فحبس الحطيئة اياما، فقال وهو محبوس: ماذا تقول لافراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء و لا شجر
القيت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر
وشفع له "عمر بن العاص" فأطلقه.
وقيس بن عاصم بن سنان المنقري ن من الصحابة و من الشعراء الفرسان الشجعان. ومن الحلماء. قدم في وفد تميم على النبي، فقال رسول الله: "هذا سيد اهل الوبر". وقد عاش بعد الرسول.

(1/6203)


و"عمرو بن سنان بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر" المنقري، من "بني منقر"، فهو من شعراء تميم. ويعرف ب"عمرو بن الاهتم"، سمي ابوه سنان الاهتم، لأن "قيس بن عاصم" المنقري ضربه بقوس فهتم فمه. وكانت ام سنان سبية من الحيرة، يقال انها سبيت وهي حامل. قال ابن عاصم: نحن سبينا امكم مقربا يوم صبحنا الحيرتين المنون
جاءت بكم غفرة من ارضها حيرية ليست كما تزعمون
لولا دفاعي كنتم اعبدا منزلها الحيرة و السيلحون
و"غفرة" هي ام سنان.
واخو "عمرو بن الاهتم"، عبد الله بن الاهتم، جد خالد بن صفوان بن عبد الله بن الاهتم الخطيب. وآل الاهتم خطباء، و كلهم من البلغاء المشهورين.
وعمرو بن الاهتم، ممن وفد على رسول الله، وكان في الجاهلية يدعى "المكحل" لجماله، وكان له ابن يقال له "نعيم بن عمرو" من اجمل الناس، وفيه تأنيث، وله يقول عبد الرحمن بن حسان: قل للذي كاد لولا خط لحيته يكون انثى عليها الدر و المسك
هل انت الا فتاة الحي ان امنوا يوما، وانت إذا ما حاربوا دعك
ومن شعره قوله في حق الزبرقان بن بدر، وكان ينافسه: ظللت مفترش العلياء تشتمني عند النبي فلم تصدق ولم تصب
ان تبغضونا فأن الروم اصلكم والروم لا تملك البغضاء للعرب
فأن سوددنا عود وسوددكم مؤخر عند اصل العجب و الذنب
و"نافع بن الاسود بن قطبة بن مالك" التميمي ثم الاسيدي، شاعر مخضرم يكنى "ابا نجيد". وقد شهد فتوح العراق، وانشد له "سيف" في الفتوح اشعارا كثيرة، يفتخر فيها بقومه، ويذكر فيها مشاهده في فتوح الشام و العراق.
ومن شعراء تميم المخضرمين: "متمم بن نويرة" اليربوعي، صاحب المراثي المشهورة في اخيه "مالك بن نويرة" الذي قتله "خالد بن الوليد" لما سار لقتال اهل الردة، وتزوج امرأته، مما ادى إلى غضب بعض الصحابة ومنهم "عمر" على "خالد"، لامور اخذوها في قتله عليه. ومن شعره المشهور في رثاء "مالك" قوله: أبى الصبر آيات أراها و انني ارى كل حبل بعد حبلك أقطعا

(1/6204)


واني متى ما ادع باسمك لا تجب وكنت جديرا ان تجيب و تسمعا
وكنا كند ماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني و مالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فان تكن الايام فرقن بيننا فقد بان محمودا اخي يوم ودعا
اقول وقد طار السنا في ربابه وغيث يسح الماء حتى تريعا
سقى الله ارضا حلها قبر مالك دهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وآثر سيل الواديين بديمة ترشح وسميا من النبت خروعا
وهي قصيدة مؤثرة تعد من المراثي الجيدة القوية. تعبر عن قلب منفطر من شدة ما حل به من الالم. قيل ان"عمر" قال لمتمم لما دخل عليه أنشدني بعض ما قات في اخيك فأنشده شعره المتقدم، قال له "عمر": "يا متمم، لو كنت اقول الشعر لسرني ان اقول في زيد بن الخطاب مثل ما قلت في اخيك، قال متمم: يا امير المؤمنين، لو قتل اخي قتلة اخيك ما قلت فيه شعرا ابدا، فقال عمر: يا متمم ما عزاني احد في اخي بأحسن مما عزيتني به". وقد ضربت الشعراء الامثال به و بأخيه مالك في اشعارهم.
ومما سبق اليه مالك ن واخذه الناس منه قوله: جزينا بني شيبان امس بقرضهم وعدنا بمثل البدء، و العود احمد
فقال الناس: العود احمد.
"يروى ان عمر قال للحطيئة: هل رأيت أو سمعت بأبكى من هذا? قال: لا والله ما بكى بكاء عربي قط و لايبكيه". وكان عمر يستمع إلى قوله في رثاء أخيه.
ومن شعره المشهور قوله: وكل فتى في الناس بعد ابن أمه كساقطة احدى يديه من الخبل
وكان "مالك بن نويرة" من الشعراء كذلك. وقد عرف ب "فارس ذي الخمار". وذو الخمار فرسه. ولقب ب "الجفول". وهو من شعراء وفرسان "بني يربوع" المعدودين. وكان من أشرفهم ومن أرداف الملوك. استعمله النبي على صدقات قومه، وبقي عليها إلى وفاة الرسول، فيقال انه لما بلغه خبر وفاته أمسك الصدقة وفرقها في قومه وقال في ذلك: فقلت: خذوا أموالكم غير خائف و لا ناظر فيما يجيء من الغد
فإن قام بالدين المحوق قائم أطعنا وقلنا الدين دين محمد

(1/6205)


وقد قتل خالد بن الوليد، مالكا، في قصة ترد في كتب الردة والفتوح والتأريخ، وتزوج امرأته، وكانت فائقة في الجمال، مما حمل بعض الصحابة مؤاخذته على هذا العمل، ومنهم "عمر".
ومن المخضرمين "النجاشي" "قيس بن عمرو" الحارثي، وكان ممن لازم عليا وشهد معه "صفين"، ومدحه. وقد بلغ "عليا" وهو بالكوفة انه كان سكران في شهر "رمضان" مع "أبي سماك" الأسدي، فهرب "أبو سماك"، وقبض على "النجاشي" فحده "علي" ثمانين سوطا، ثم زاده عشرين، فقال له: ما هذه العلاوة? فقال: لجرأتك على الله في شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه، فهرب إلى "معاوية" وهجا "عليا" على ما يقال، وهجا أهل الكوفة. وكان هجاء، هجا "بني العجلان"، فاستعدوا عليه "عمر". فهدد "عمر" النجاشي، وقال له: إن عدت قطعت لسانك. وهجا قريشا هجاء مرا. وهجا "عبد الرحمن بن حسان بن ثابت"، ولما مات "الحسن بن علي" رثاه النجاشي، وتوفي بعد ذلك بقليل.
وروى أنه هاجى "تميم بن مقبل" من "بني العجلان"، وهو من شعراء الجاهلية، الذين أدركوا الإسلام، وعمر طويلا. وكان يتهاجى مع "النجاشي"، فاستعدى "تميم" "عمر" على النجاشي، فسمع "عمر" ما قال فيه وفي بني قومه، فلما وصل إلى بيته: أولئك أولاد الهجين وأسرة اللئيم ورهط العاجز المتذلل
وما سمي العجلان إلا لقوله خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
قال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه فحبسه وضربه. وكان "عمر" قد حكم "حسانا" في هجاء "النجاشي" لتميم، فلما حكم "حسان" بإقذاعه في هجائه له حبس "النجاشي" عليه. وقد جمع "أبو سعيد" السكري شعر "تميم بن مقبل"، وجمعه غيره من العلماء. وهو "تميم بن أبي بن مقبل". وقد اشتهر بوصف القداح، حتى جعل من أوصف العرب للقدح، ولذلك يقال: "قدح ابم مقبل".

(1/6206)


ويعد "تميم بن مقبل" من عوران قيس، وعددهم خمسة شعراء، وهم: تميم بن مقبل، وعمرو بن أحمر الباهلي، والشماخ معقل بن ضرار، وراعى الإبل عبيد بن حصين التميري، وحميد بن ثور الهلالي. وهو من الجاهليين الذين أدركوا الإسلام، فأسلم، فهو من المخضرمين. وقد أدرك زمن معاوية، وكان هواه مثل هوى قبيلته مع "معاوية" على "علي". وكان عثمانيا له قصيدة في رثاء أهل الجاهلية، وكان يتذكر الجاهلية ويترحم على أيامها، ويحن اليها، ويرى ان الزمان قد تغير، وان الأرض قد تغيرت، وتبدلت أخلاق الناس، فصار يرى نفسه غريبا في مجتمع غريب عنه، له مثل تختلف عن مثل أهل الجاهلية، فصار يحن إلى أيام ما قبل الإسلام.
قيل لتميم بن مقبل: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم: فقال: ومالي لا أبكي الديار وأهلها وقد زارها زوار عك وحميرا
وجاء قطا الأجباب من كل جانب فوقع في أعطافنا ثم طيرا
وفي هذه القصيدة المؤلفة من خمسين بيتا، والمنشورة في ديوانه، والتي وردت بروايات مختلفة، حنين ظاهر إلى أيام الجاهلية، وتوجع بين للتغير الذي حدث فاجتث ذكريات الأيام القديمة، إذ باد أهلها، وتنكر الناس لها، وبرز من لم يكن معروفا إذ ذاك من الناس. فهو يرى أن الجاهلية بأيامها وبمثلها وبرجالها وبقبائلها، وبمروءتها، أحسن حالا من الأيام الجديدة التي أخذت مكانها، والتي أحلت الموالي ونكرات الناس محل السادة الأشراف.
وكان قد تزوج "الدهماء" زوجة أبيه في الجاهلية، على عادتهم في تزوج نساء الآباء، وأحبها حبا شديدا، فلما جاء الإسلام وحرم هذا الزواج، اضطر إلى تطليقها، وهو مكره، فكان يقول: هل عاشق نال من دهماء حاجته في الجاهلية قبل الدين مرحوم
ولعل هذه الطلاق، كان في جملة العوامل التي جعلته يحن إلى الجاهلية ويذكرها بخير.
ومما ينسب اله قوله: فاخلف وأتلف انما المال عارة وكله مع الدهر الذي هو آكله
وأيسر مفقود وأهون هالك على الحي من لا يبلغ الحي نائله

(1/6207)


وقوله: خليلي لا تستعجلا وانظرا غدا عسى أن يكون الرفق في الأمر أرشدا
وكان "عبد الرحمن بن حسل" الجمحي من الشعراء الهجائين. كان أبوه من أهل اليمن، فسقط إلى مكة، فولد له بها: "كلدة" و "عبد الرحمن"، وكانا ملازمين لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، فنسبا إلى "بني جمح". وذكر أنهما كانا أخوي "صفوان" لأمه. وذكر أنه كان بعسكر "يزيد بن أبي سفيان"، وأنه كان من مسلمة الفتح. وقد هجا "عثمان" لما أعطى مروان خمسمائة ألف من خمس "إفريقية" فقال: وأحلف بالله جهد اليمين ما ترك الله أمرا سدى
ولكن جعلت لنا فتنة لكي نبتلي بك أو تبتلى
دعوت الطريد فأدنيته خلافا لما سنه المصطفى
ووليت قرباك أمر العباد خلافا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيمة آثرته وحميت الحمى
ومالا أتاك به الأشعري من الفيء أعطيته من دنا
فإن الأمينين قد بينا منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة و لا قسما درهما في هوى
فأمر "عثمان" به فحبس بخيبر. وقيل ان "عليا" كلم "عثمان" فيه فأطلقه وشهد الجمل مع علي، ثم صفين فقتل بها. وذكر انه قال وهو في السجن: إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا أبا حسن غلا شديدا أكابده
بخيبر في قعر الغموص كأنها جوانب قبر أعمق اللحد لاحده
أإن قلت حقا أو نشدت أمانة قتلت فمن للحق إن مات ناشده
و "ألس بن أبي أناس بن زنيم" الكناني، هو من الشعراء الذين كانوا قد هجوا الرسول فأهدر النبي دمه، فبلغه ذلك، فقدم عليه معتذرا، وأنشده شعرا مدحه به. وكلمه فيه "نوفل بن معاوية" الديلي، فعفا عنه، قائلا للرسول: "أنت أولى بالعفو، ومن منا لم يؤذك ولم يعادك، وكنا في الجاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة? فقال: قد عفوت عنه. فقال: فداك أبي وأمي. وأول القصيدة يقول فيها: فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوقى ذمة من محمد
ويقول فيها: ونبي رسول الله اني هجوته فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي

(1/6208)


فإني لا عرضا خرقت و لا دما هرقت فذكر عالم الحق واقصد"
وقد ذكر "ابن قتيبة"، ان "أبا أناس"، والد "أنس"، هو القائل في رسول الله: فما حملت من ناقة فوق رحلها أعف وأوفى ذمة من محمد
وقد قال "دعبل بن علي" في طبقات الشعراء، هذا أصدق بيت قالته العرب. وفي جملة ما جاؤ في هذه القصيدة التي تنسب إلى أنس بن زنيم قوله: ونبي رسول الله أني هجوته فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي
فإني لا عرضا خرقت و لا دما هرقت فذكر عالم الحق واقصد
وذكر أن "عبيد بن زياد" كان يحرش بين الشعراء، فأمر "حارثة" أن يهجو "أنس بن زنيم"، فقال فيه أبياتا، منها قوله: وخبرت عن أنس أنه قليل الأمانة خوانها
فأجابه أنس بأبيات أولها: أتتني رسالة مستنكر فكان جوابي غفرانها
وأنس هو القائل لعبد الله بن الزبير، حين تزوج مصعب عائشة بنت طلحة على ألف ألف درهم: أبلغ أمير المؤمنين رسالة من ناصح لك لا يريد خداعا
بضع الفتاة بألف ألف كامل وتبينت سادات الجنود جياعا
لو لأبي حفص أقول مقالتي وأقص شأن حديثكم لارتاعا
وكن "أسيد بن أبي اياس بن زنيم" الكناني ابن اخب "سارية" الكناني، ممن هجوا الرسول أيضا، فأهدر النبي دمه، فخرج إلى "الطائف" وأقام بها، مثل غيره ممن هجوا الرسول فخافوا على أنفسهم، فلجأوا إلى ثقيف. فلما كان عام الفتح، خرج مع "سارية بن زنيم"، وقدم على الرسوم فأسلم. ومدحه بشعر. وذكر انه كان قد رثى قتلى بدر، فأهدر النبي دمه. وروي انه قال في علي بن أبي طالب وفي مخاطبة قريش: في كل مجمع غاية أخزاكم صدع يفوق على المذاكي القرح
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم ذبحا وقتلا بعضه لم يرتح
لله دركم ألما تذكروا قد يذكر الحر الكريم ويستحي
وورد في رواية انه كان قد أسلم وأدرك "أحدا". وتشابه قصته في هدرالنبي دمه وفي هجائه للرسول قصة "أنس بن زنيم" الكناني، المتقدم، وهو ابن أخي "أسيد" على رواية "الإصابة".

(1/6209)


وروي أن "سارية بن زنيم" الكناني، كان ممن هجا الرسول كذلك، فبلغ ذلك الرسول، فتوعده. فجاء اليه معتذرا فأنشد: تعلم رسول الله أنك قادر على كل حي من تهام ومنجد
تعلم رسول الله انك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم بأن الركب إلا عويمرا هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبي رسول الله أني هجوته فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي
وتليها أبيات أخرى، نسبت كلها إلى "انس بن زنيم". ويظهر أن التباسا قد وقع عند الرواة، فخلطوا بين الثلاثة من "آل زنيم".
وقد ذكر أن "سارية" هذا كان خليعا في الجاهلية، لصا كثير الغارة، وأنه كان يسبق الفرس عدوا على رجليه، ثم أسلم. وأرسله "عمر" فيمن أرسله من المسلمين لفتح فارس.
وكان "بشير بن أبيرق" "بشر بن أبيرق" الشاعر يقول الشعر ويهجو به أصحاب النبي، وينحله بعض العرب.
وجعل "ابن سلام": "أمية بن حرثان بن الأشكر" "أمية بن الأسكر" و"حريث بن محفض"، و"الكميت بن معرور بن الكميت" الأسدي، و"عمرو بن شأس" الأسدي، طبقة واحدة، هي الطبقة العاشرة من طبقاته. وكلهم ممن عاش في الجاهلية والإسلام، وكان "أمية بن الأسكر" الكناني من سادات قومه وفرسانهم، وله أيام، وابنه "كلاب بن أمية"، أدرك النبي فأسلم مع أبيه. وقد سكن "كلاب" البصرة. وروى لأمية شعرا في حروب الفجار.
و"حريث بن مخفض" "حريث بن محفص"، المازني من تميم، من "خزاعي بن مازن". وهو مخضرم له في الجاهلية أشعار، وتمثل الحجاج بأبيات من شعره، مثلا لأهل الشام في طاعتهم وبأسهم، وهي قوله: ألم تر قومي إن دعوا لملمة أجابوا وإن أغضب على القوم يغضبوا
بني الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا
فإن يك طعن بالرديني يطعنوا وإن يك ضرب بالمناصل يضربوا

(1/6210)


و "عمرو بن شأس" الأسدي، المكنى ب"أبي عرار"، شاعر كثير الشعر مقدم، شهد القادسية، ومنهم المستوغر، واسمه "عمرو بن ربيعة"، ويكنى "أبا بهنس"، وهو من تميم، زعم انه عاش ثلاثين وثلاثمائة سنة، وأدرك أيام معاوية. وذكر ان "عمرو بن شاس" عاش حتى أدرك أيام عبد الملك بن مروان.
ومن الشعراء المخضرمين "المنذر بن رومانس" الكلبي، وهو أخو النعمان بن المنذر لأمه، وأمهما "رومانس". وله شعر قاله بعد فتح الحيرة، يتذكر فيه أيام الحيرة الأولى، وكيف كانوا يحكمون العراق ونجدا.
ومن المخضرمين "أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"، وهو أحد الصحابة الذين أسلموا قديما، وفي بيته أسلم "عمر"، لأنه كان زوج أخته فاطمة، توفي سنة "50"، وقد أورد الجاحظ له شعرا، وهو شعر نسب أيضا لوالده، وتروى كذلك لنبيه بن الحجاج.
و "سالم بن دارة من الشعراء المخضرمين" وهو "سالم بن مسافع "مسافح" ابن عقبة بن يربوع بن كعب بن عدي" من "غطفان". وكان رجلا هجاء وبسببه قتل. قتله "زميل بن أبير" " زميل بن عبد مناف"، "زميل بن أبرد"، "زميل بن وبير" من بني فزارة وكان "سالم" قد أمعن في هجاء فزارة، وألح عليها في الهجاء، فقال في جملة ما قاله: حدبدبا بدبدبا منك الآن استمعوا أنشدكم يا ولدان
إن بني فزارة بن ذبيان قد طرقت ناقتهم بإنسان
مشيإ أعجب بخلق الرحمن غلبتم الناس بأكل الجردان
كل متل كالعمو جوفان وسرق الجار ونيك البعران
إلى غير ذلك من شعر مقذع، فلما أمعن في الهجاء، تعقبه "زميل بن أبير" "زميل بن أم دينار" الفزاري، فلحق به وضربه بالسيف ضربة جرحته، وكان قد خرج من المدينة، فعاد اليها، يتداوى، فدفعه "عثمان" إلى طبيب نصراني، ويقال إن "أم البنين" "بسرة بنت عيينة بن حصن" الفزاري، وكانت عند "عثمان"، جعلت للطبيب جعلا حتى سمه فمات.
ومن شعره في هجاء فزارة قوله: لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار

(1/6211)


وله شعر يخاطب به "عيينة بن حصن" الفزاري، وكان قد ارتد في خلافة "أبي بكر" ثم عاد إلى الإسلام، وقال لأبي بكر: قصتي وقصة الأشعث ابن قيس الكندي واحدة، فما بالكم أكرمتموه وزوجتموه، ولم تفعلوا ذلك بي، فأجاب سالم عن ذلك بقوله: يا عيينة بن حصن آل عدي أنت من قومك الصميم صميم
لست كالأشعث المعصب بالتا ج غلاما قد ساد وهو فطيم
جده آكل المرار وقيس خطبه في الملوك خطب عظيم
إن تكونا أتيتما خطب العذ ر سواكما تقد الأديم
فله هيبة الملوك وللأشعث إن حان حادث قديم
إن للأشعث بن قيس بن معدي كرب عزة وأنت بهيم
وأتى "سالم بن دارة" عدي بن حاتم، فمدحه، فشاطره "عدي" ماله.
والأغلب بن عمرو بن عبيدة بن حارثة بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد ابن عجل بن لجيم بن الصعب بن عليبن بكر بن وائل، من الشعراء المخضرمين، ويعد من أرجز الرجاز، وأرصنهم كلاما وأصحهم معاني. وهو أول من أطال الرجز، وكان الرجل قبله يقول البيت والبيتين إذا فاخر أو شاتم. وذكر أنه استشهد بنهاوند. وله ديوان. وقيل ان الخليفة "عمر" كتب إلى "المغيرة ابن شعبة" وهو على الكوفة، أن استنشد من قبلك من الشعراء عما قالوه في الإسلام، فكتب إلى لبيد، فكتب لبيد اليه سورة البقرة في صحيفة، وقال: قد أبدلني الله بهذه في الإسلام مكان الشعر، وجاء "الأغلب" إلى المغيرة، فقال له: أرجزا تريد أم قصيدا لقد طلبت هينا موجودا
فكتب بذلك إلى "عمر"، فكتب اليه أن أنقص من عطاء الأغلب خمسمائة فزدها في عطاء لبيد، وله قوله: المرء تواق إلى ما لم ينل والموت يتلوه ويلهيه الأمل
وأنشد له "أبو الفرج" أرجوزة يهجو فيها سجاح التي ادعت النبوة وتزوجت بمسيلمة الكذاب.
وكان "هريم بن جواس" التميمي، يهاجي "الأغلب"، وهو من المخضرمين، وافقه بسوق عكاظ، فقال له: قبحت من سالفة ومن قفا عبد إذا ما رسب القوم طفا
فما صفا عدوكم و لاصفا كما شرار البقل أطراف السفا

(1/6212)


فقال له: من أنت ويلك? قال: أنا غلام من بني مقاعس الضاربين فلك الفوارس
ومن الشعراء المخضرمين: "عقيبة بن هبيرة" الأسدي. وكان جريئا، وفد على معاوية بن أبي سفيان، فدفع اليه رقعة فيها: فهبنا أمة ذهبت ضياعا يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتمونا فهل من قائم أو من حصيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا خون الخلافة، واستقيموا وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية لا تزركم جنود مردفات بالجنود
فقال له معاوية: ما جرأك علي? قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك! فقال: ما أظنك إلا صادقا! فقضى حوائجه.
ومنهم "حضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة "مولة"" من بني أسد، وهو شاعر فارس سيد، له في كتاب "بني أسد" أشعار وأخبار. وقدم مع وفد "بني أسد"، وفيهم ضرار بن الأزور، وسلمة بن حبيش، وقتادة بن القائف، وأبو مكعب، وكتب لهم الرسول كتابا. فتلعم "حضرمي" سورة "عبس وتولى"، فزاد فيها: "وهو الذي أنعم على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى"، فقال له النبي: "لا تزد فيها". وورد ان السورة هي سورة: سبح اسم ربك الأعلى. وكان يكنى: "أبا كدام"، وله شعر في حرب الأعاجم، أنشد بعضه "عمر بن الخطاب"، وقد نقل عنه "سيف بن عمر" في الفتوح بعض أخبار مسيلنة والردة.
ومن المخضرمين "حنيف بن عمير" اليشكري، قاتل "محكم بن الطفيل" يوم اليمامة. وله شعر في قتله.
ومن المخضرمين: "ربيعة بن مقروم بن قيس"، وكان ممن أصفق عليه "كسرى"، ثم عاش في الإسلام زمانا. شهد القادسية وجلولاء، وهو من شعراء "مضر" المعدودين.
ومن الشعراء المخضرمين: "أبو بكر بن الأسود بن شعوب" الليثي، وهو "شداد بن الأسود". وقيل اسمه: "عمرو بن سمي بن كعب بن عبد شمس" الكناني، وأمه "شعوب" من بني خزاعة، وله شعر كثير قاله وهو كافر، ثم أسلم بعد. ومن شعره، قصيدة في رثاء قتلى المشركين ببدر، يقول فيها:
فماذا بالقليب قليب بدر من القينات والشرب الكرام

(1/6213)


إلى أن يقول: يخبرنا الرسول لسوف نحيا وكيف حياة أصداء وهام
ومن المخضرمين: "قطبة بن الزبعري"، وهي أمه. وهو "قطبة بن زيد ابن سعد بن امرئ القيس بن ثعلبة" من بني القين بن جسر. وكان سيد قضاعة في الجاهلية وأول الإسلام. وله مفتخرا: حميت القوم قد علمت معد ومن للقوم من مولى وجار
حبوت بها قضاعة إن مثلي حقيق أن يذب عن الذمار
ولست كمن يغمز جانباه كغمز التين تجنيه الجواري
ومن المخضرمين "عبدة الطبيب"، "عبدة بن الطيب"، وهو من "بني عبشمس بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم". ومن جيد شعره في رثاء قيس بن عاصم، قوله: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة إذا زار عن شحط بلادك سلما
فلم يك قيس هلكه واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
وقوله: والمرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح واشتقاق وتأميل
وقد أعجب "عمر" بهذه القصيدة الطويلة التي على اللام.
"واسم الطيب: يزيد بن عمرو بن علي بن أنس بن عبد الله بن عبد تميم بن جشم بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم". وهو من مشاهير الشعراء، وقد ساهم في فتوح العراق، وهو القائل في قتال الفرس: هل حبل خولة بعد الهجر موصول أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
ثم يقول: يقارعون رؤوس الفرس ضاحية منهم فوارس لا عزل و لا ميل
وكان "أبو عمرو بن العلاء" يقول: قول عبدة: وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
أرثى بيت قيل.
ومن شعره قوله: ولقد علمت بأن قصري حفرة غبراء يحملن اليها شرجع
فبكت بناتي شجوهن وزوجتي والأقربون إلى ثم تصدعوا
وتركت في غبراء يكره وردها تسفى علي الريح حين أودع
وقوله: لما نزلنا نصبنا ظل أخبية وفار للقوم باللحم المراجيل
وردا وأشقر لم يهنئه طابخة ما غير الغلي منه فهو مأكول
ثمت قمنا إلى جرد مسومة أعرافهن لأيدينا مناديل

(1/6214)


ومن المخضرمين "عدي بن عمرو بن سويد بن زبان" الطائي، المعروف بالأعرج. وهو القائل: تركت الشعر واستبدلت منه إذا داعي صلاة الصبح قاما
كتاب الله ليس له شريك وودعت المدامة والندامى
ومن الشعراء المعمرين: "أبو الطمحان" القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين. زعم أنه عاش مائتي سنة، فقال في ذلك: حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآنيولست مقيدا أني بقيد
تقارب خطو رجلك يا سويد وقيدك الزمان بشر قيد
ونسب اليه قوله: إن الزمان ولا تفنى عجائبه فيه تقطع ألاف وأقران
أمست بنو القين أفراقا موزعة كأنهم من بقايا حي لقمان
وقد أختلف فيه، فزعم بعض أنه جاهلي لم يدرك الإسلام، وزعم بعض اخر انه ادركه. وانه قال شعرا يتبرأ فيه من الذنوب كالزنا وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والسرقة، وكان نديما للزبير بن عبد المطلب في الجاهلية، ونسب له قوله: وإني من القوم الذين هم هم إذا مات منهم ميت قام صاحبه
نجوم سماء كلما غاب كوكب بدا كوكب تأوي اليه كواكبه
أضائت لهم أحسابهم ووجوههم=دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبة ومن المعمرين الشعراء: "الربيع بن ضبع" الفزاري، زعم انه أدرك أيام "عبد الملك بن مروان" وانه دخل عليه فقال له: "يا ربيع، أخبرني عما ادركت من العمر والمدى ورأيت من الخطوب الماضية، قال: أنا الذي أقول: هأنذا آمل الخلود وقد أدرك عقلي ومولدي حجرا
فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي، قال: وأنا القائل: إذا عاش الفتى مائتين عاما فقد ذهب اللذاذة والفتاء

(1/6215)


قال: قد رويت هذا من شعرك، وأنا غلام، وأبيك يا ربيع، لقد طلبك جد غير عاثر، ففصل لي عمرك، قال: عشت مأئتي سنة في فترة عيسى عليه السلام، وعشرين ومائة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام". وأخذ عبد الملك يسأله، وهو يجيب. وقد علق "المرتضى" على هذا الخبر بقوله: "ان كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له انما كان في ايام معاوية، لا في ايام ولايته، لأن الربيع يقول في الخبر: عشت في الإسلام ستين سنة. وعبد الملك ولي في سنة خمسة وستين من الهجرة، فإن كان صحيحا فلا بد مما ذكرنا، فقد روي ان الربيع أدرك ايام معاوية".
وزعم انه قال شعرا لما بلغ مائتي سنة، وشعرا آخر لما بلغ مائتين واربعين. وهو مثل شعر المعمرين في العمر وفي ذهاب الشبابن وتقدم السن، وفي عدم تحمل السنين والشيخوخة، وغير ذلك من الأعراض التي تلازم الشيوخ.
ومن شعراء بني تميم: "حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن غدانة" الغداني من بني "يربوع"، كان من فرسان "بني تميم" ووجوهها وسادتها، وكان يعارض الشعراء نظراءه في الشعر، ولم يكن معدودا في فحول الشعراء.
وقد نسبوا اليه قوله: لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ حفي ولا ذي خلة لي أواصله
ولا من خليل ليس فيه غوائل فشر الأخلاء الكثير غوائله
وقل لفؤاد إن نزا بك نزوة من الروع أفرخ، أكثر الروع باطله
وروى الشريف "المرتضى" أشعارا أخرى، أكثرها في المنايا، وفي الصدق والاخلاص، والنصح، وتجنب أمكنة السوء، وفي تجاوز الأقرباء على حقوق القريب وفي الوقوع في الفقر حيث يقول: وإذا افتقرت فلا تكن متخشعا ترجو الفواضل عند غير المفضل
واستغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تكون خصاصة فتجمل
وقد كان في أيام "زياد بن ابيه"، وكان مستهترا بالشراب، وله شعر عاتب به "عبد الله بن زياد" لما تغير عليه بعد اختصاصه بأبيه.
ومما استحسن من شعره قوله: يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا إلا وللموت في آثارهم حادي

(1/6216)


يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت إلا تقرب آجالا لميعاد
وكانت لخفاف بن نضلة بن عمرو بن بهدلة الثقفين وفادة على النبين وفد عليه فقال: إني أتاني في المنام مخبر من جن وجرة في الأمورموات
يدعو اليك لياليا ولياليا ثم احزأل وقال لست بآت
فركبت ناجية أضر بمتنها جمر تحت به على الأكمات
حتى وردت المدينة جاهدا كيما أراك فتفرج الكربات
ويروى ان النبي استحسنها، وقال: ان من البيان لسحرا وان من الشعر كالحكم.
و "بشر بن قطبة بن سنان" الفقعسي، من الشعراء الفرسان، شهد اليمامة مع "خالد بن الوليد"، وقال في ذلك: أروح وأغدو في كتيبة خالد على شطبة قد ضمها الغزو خيفق
ومنها: إذا قال سيف الله كروا عليهم كررنا ولم نجعل وصاة المعوق
أقول لنفسي بعدما رق بالها رويدك لما تشققي حين تشفقي
وكوني مع الراعي وصاة محمد وإن كذبت نفس المنافق فاصدق
ومن شعراء "بني أشجع": "بقيلة" الأشجعي، وكان سيدا كبيرا شاعرا. ومن شعره: إلبس قريبك إن أطماره خلقت و لا جديد لمن لا يلبس الخلقا
فإن أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وانما الشعر لب المرء يعرضه على المجالس إن كيسا وان حمقا
وكان "امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية الأكرمين" الكندي، من الشعراء، وكان ممن حضر حصار حصن "النجير"، فلما أخرج المرتدون ليقتلوا، وثب على عمه ليقتله، فقال له عمه: ويحك أتقتلني وأنا عمك? قال: أنت عمي والله ربي، فقتله. وكان ممن ثبت على الإسلام، وأنكر على الأشعث ارتداده. وقد كتب إلى "أبي بكر" في الردة: ألا ابلغ أبا بكر رسولا وبلغها جميع المسلمينا
فليس مجاورا بيتي بيوتا بما قال النبي مكذبينا
ومن شعره:
قف بالديار وقوف حابس وتأن إنك غير آيس
ماذا عليك من الوقو ف بهامد الطللين دارس
لعبت بهن العاصفا ت الرائحات من الروامس
وقد أخذه الكميت كله غير القافية فقال: قف بالديار وقوف زائر وتأي إنك غير صاغر

(1/6217)


ةمن الشعر المنسوب اليه، المعروف بخفة رويه، قوله: يا تملك يا تملي صليني وذري عذلي
ذريني وسلاحي ثم شدي الكف بالغزل
ونبلي وفقاها كعراقيب قطا طحل
ومني نظرة بعدي ومني نظرة قبلي
وثوباي جديدان وأرخى شرك النعل
وإما مت يا تملي فكوني حرة مثلي
وتروى هذه الأبيات للفند الزماني.
وشداد بن عارض الجشمي من الشعراء المشهورين، ذكره "ابن اسحاق" في المغازي، ولما سار رسول الله إلى الطائف، قال في ذلك: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصر من هو ليس ينتصر
إن الرسول متى ينزل بلادكم يظعن وليس بها من أهلها بشر
و"هوذة بن الحرث بن عجرة بن عبد الله بن يقظة" السلمي المعروف ب "ابن الحمامة"، وهي أمه، من الشعراء المخضرمين، قال لعمر بن الخطاب لما قدم أناسا عليه في العطاء: لقد دار هذا الأمر في غير أهله فأبصر أمين الله كيف تريد
أيدعى خثيم والشريد أمامنا ويدعى رباح قبلنا وطرود
فإن كان هذا في الكتاب فهم إذا ملوك بني حر ونحن عبيد
ولمالك بن عامر بن هانئ بن خفاف الأشعري، قصيدة طويلة يشرح فيها أحواله، مذ كان في الجاهلية إلى دخوله في الإسلام، ومجيئه النبي، ثم اشتراكه في الفتوح كالقادسية، ثم مساهمته في حرب صفين مع "علي". وقد ختمها بقوله: كأن الفتى لم يعش ليلة إذا صار رمسا على صور
وطول بقاء الفتى فتنة فأطول لعمرك أو أقصر
وقيل "مالك" الطويلة أهمية خاصة بالنسبة لدارسي الأدب العربي، لأنها تتناول ترجمة حياة الشاعر، وتسجل سيرته بشعر، وهو نموذج لم يتطرق اليه شعراء العربية بكثرة.
و"مالك بن عمير" السلمي من الشعراء المعروفين، ذكر انه جاء إلى النبي فقال: "يا رسول الله إني امرؤ شاعر، فافتني في الشعر? فقال: لأن يمتلئ ما بين لبتك إلى عاقتك قيحا خير لك من أن تمتلئ شعرا" ويذكر الخبر أنه قال للرسول: "فامسح عني الخطيئة"، فمسح الرسول يده على رأسه ثم أمرها على كبده ثم على بطنه، وترك بعد ذلك الشعر.

(1/6218)


ومن المخضرمين "شبيل بن ورقاء" "شبيل بن وفاء" من زيد بن كليب ابن يربوع، وكان شاعرا مذكورا جاهليا، فأدرك الإسلام وأسلم إسلام سوء. وكان لا يصوم رمضان، فقالت له بنته: ألا تصوم? فقال: تأمرني بالصوم لا در درها وفي القبر صوم، يا تبال طويل
و "أنس بن مدرك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف" الخثعمي ثم الأكلبي، والمعروف ب "أبي سفيان" هو من الشعراء الجاهليين الذين أدركوا الإسلام. وكان شاعرا وقد رأس؛ إذ كان سيد خثعم في الجاهلية، كما كان فارسها. وذكر أنه قتل "السليك بن سلكة" الشاعر المعروف، وكان قد اعتدى على امرأة من خثعم، فلحقه وقتله، فطالب "عبد ملك مويلك" الخثعمي بدية "السليك"، وكان "السليك" يعطيه إتاوة من غنيمته على الحيرة، فأبى "أنس" أن يديه لفجوره، كما كانت له أخبار مع "دريد بن الصمة" في الجاهلية. وقد عاش طويلا فزعموا أنه عاش مائة وأربعا وخمسين سنة.
وكان "سواد بن قارب" الدوسي من الشعراء، وكان يتكهن في الجاهلية ثم أسلم. ورووا له أبياتا فيها إشارة إلى "الرئي" والجن.

(1/6219)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية