صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

ومن شعراء "هذيل": "خويل بن مطحل" الهذلي، أحد "بني سهم ابن معاوية"، وكان سيد هذيل في زمانه، وابنه من بعده، "معقل بن خويلد". وكان شاعرا معدودا في شعراء هذيل، ووفد إلى أرض الحبشة، فكلم ملكهم في من عنده من أسرى العرب، فأطلقهم له. وهو القائل: لعمرك لليأس غير المريث خير من الطمع الكاذب
وللريث تحفزه بالنجا ح خير من الأمل الخائب
يرى الحاضر الشاهد المطمئن من الأمر ما لا يرى الغائب
وورد في "الإصابة" اسم "معقل بن خويلد بن وائلة بن عمرو بن عبد ياليل" الهذلي، وكان شاعرا، وكان أبوه رفيق "عبد المطلب" إلى أبرهة، وكان بين أبي سفيان وبين معقل بن خويلد، خلاف في سلب رجل من قريش. فقال النبي: "يا معقل بن خويلد اتق معارضة قريش". وذكره "المرزباني" في الشعراء المخضرمين.
ومن بقية شعراء الجاهلية "ذو الخرق" الطهوي، وهةو "دينار بن هلال". ويقال إن اسمه "قرط"، وإنما سمي بذي الخرق لقوله: جاءت عجافا عليها الريش والخرق
وهو من الشعراء الفرسان.
و"سراج بن قرة" "سراج بن قوة" العامري، أحد بني الصموت بن عبد الله بن كلاب من الشعراء الجاهليين. ذكر "المرزباني " في معجم الشعراء له شعرا قاله في يوم من أيام الجاهلية، وقد نسب على هذه الصورة: "سراج ابن قرة "قوة" بن ربعي بن زرعة بن الكاهن بن عمرو بن عوف بن أبي ربيعى ابن الصوت بن عبد الله بن كلاب". وقد زعم أن له وفادة على النبي، ولا يوجد دليل يؤيده.
و"السندري بن يزيد الكلابي" شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان "لبيد" الشاعر مع "عامر بن الطفيل"، فدعى لبيدا إلى مهاجاته فأبى.
ومن شعراء تغلب في الجاهلية "المهلهل" و "عمرو بن كلثوم" التغلبي، و "أفنون " التغلبي، واسمه "ظالم"، وقيل: "صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك" التغلبي. يقال انه مات بموضع يقال له "إلاهة" بطريق الشام، بلدغة حية، وان كاهنا كان قد قال له: انك تموت بمكان يقال له إلاهة، فمات به.

(1/5881)


ومما ينسب له من الشعرهذا البيت: منيتنا الود يا مضنون مضنونا أزماننا إن للشباب أفنونا
وله مقطوعة أولها: أبلغ حبيبا وخلل في سراتهم ان الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاورا على مهل من ولد آدم مالم يخلعوا رسي
فالوا علي ولم أملك فيالتهم حتى انتحيت على الأرساغ والثنن
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ربيت فيهم ولقمان ومن جدن
ذكروا أنه انما عرف بأفنون لقوله من قطعة: منيتنا الود يا مضنون مضنونا أيامنا إن للشبان أفنونا
وأنه لما قال له الكاهن تموت بمكان يقال له إلاهة، مكث ما شاء الله ثم سار إلى الشام في تجارة، ثم رجع في ركب من "بني تغلب" فضلوا الطريق، ثم نزلوا "إلاهة"، قارة بالسماوة، فلما أتوها نزل أصحابه، وقالوا: انزل. فقال: والله لا أنزل! فجعلت ناقته ترتعي عرفجا فلدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية بمشفرها فلدغته في ساقه، فقال لأخ معه احفر لي قبرا فاتي ميت، ثم رفع صوته بأبيات منها: لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنا أن يرحل الحي غدوة وأصبح في أعلى إلاهة ثاويا
ومات من ساعته، فقبره هناك، وهو القائل: لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا لتخدم أمي امه بموفق
ومن شعراء تغلب: "الأخنس بن شهاب" التغلبي، فارس العصا. وينسب له قوله: يظل بها ربد النعام كأنها اماء تزجي بالعشي حواطب
وقد قال "الأخنس" في أول القصيدة: لابنة حطان بن عوف منازل كما رقش العنوان في الرق كاتب
وذكر "الأعلم الشفتمري" قبله:
فمن يك أمسى في بلاد مقامه يسائل أطلالا بها ما تجاوب
فلابنة حطان بن عوف منازل كما رقش العنوان في الرق كاتب
وفي جملة أبياتها: فوارسها من تغلب ابنة وائل حماة كماة ليس فيها أشائب
وعدتها ما بين ثلاث وعشرين إلى ثلاثين بيتا، خسب اختلاف الروايات.

(1/5882)


و"البرج بن الجلاء بن الطائي" من شعراء طيء، وكان خليلا للحصين ابن الحمام ونديمه على الشراب. ذكر أنه وقع على أخت له وهو سكران فافتضها فلما أفاق ندم واستكتم ذلك قومه، ثم أنه وقع بينه وبين الحصين فعيره بذلك في أبيات، وجرت بينهما الحرب، فأسره "الحصين" ثم من عليه لتقدم صداقته، فلحق ببلاد الروم، وقيل بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته.
ومن شعراء "طيء" في الجاهلية: "عمرو بن عمار " الطائي، وكان شاعرا خطيبا، فبلغ النعمان حسن حديثه فحمله على منادمته، وكان النعمان أحمر العينين والجلد والشعر، شديد العربدة، قتالا للندماء، فنهاه "أبو قردودة" عن منادمته، لكنه لم ينته، فغضب عليع النعمان وقتله، فرثاه "أبو قردودة" بقوله: إني تهيت ابن عمار وقلت له لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمت ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبرة
وأبو "قردودة" الطائي، شاعر، رأى "سعد القردودة" أكل عند النعمان مسلوخا بعظامه، فقال: بين النعام وبين الكلب منتبه وفي الذئاب له ظئر وأخوال
وله قصيدة أولها: كبيشة عرسي تريد الطلاقا وتسألني بعد وهن فراقا
و"دريد بن الصمة" من سادات "جشم"، ويكنى "أبا قرة"، وهو أحد الفرسان الشجعان المشهورين، وذوي الرأي في الجاهلية. وشهد معركة "حنين" مع "هوازن"، وهو شيخ كبير، فقتل مع من قتل من المشركين. وقيل انه قال في هذه المعركة: يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع
ومن جيد شعره قوله: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم، وانني غير مهتدي
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وان ترشد غزية أرشد
وله أشعار أخرى، ذكر "ابن قتيبة" بعضا منها.

(1/5883)


وأمه "ريحانة" بنت "معدي كرب"، أخت "عمرو بن معدي كرب". وله قصيدة في رثاء "معاوية" أخي الخنساء، مما جاء فيها: فإن الرزء يوم وقفت أدعو فلم يسمع معاوية بن عمرو
رأيت مكانه فعطفت زورا وأي مكان زور يا ابن بكر
على ارم وأحجار ومير وأغصان من السلمات سمر
وبنيان القبور أتى عليها طوال الدهر من سنة وشهر
ولو أسمعته لأتاك ركضا سريع السعي أو لأتاك يجري
بشكة حازم لا عيب فيه إذا لبس الكماة جلود نمر
فإما تمس في جدث مقيما بمسهكة من الأرواح قفر
فعز علي هلكك يا ابن عمرو ومالي عنك من عزم وصبر
وقد وصف بأنه شجاع شاعر فحل: "أول شعراء الفرسان، أطول الفرسان الشعراء غزوا وأكثرهم ظفرا وأيمنهم نقيبة عند العرب وأشعرهم". غزا نحو مائة غزوة وما أخفق في واحدة منها، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وخرج مع قومه يوم حنين مظاهرا للمشركين و لا فضل فيه للحرب، وانما أخرجوه تيمنا به وليقتبسوا من رأيه، فقتل على شركه. وكان قد رأس قومه: "مالك بن عوف"، فلما سأله "دريد" عن خطته في الحرب، سفهع رأيه وأشار عليه بالرجوع فخالفه "مالك"، فلما التقوا بالمسلمين حلت الهزيمة بهم. وقتل "دريد".
وكان "دريد" فارس "غطفان"، وقتل أخوه "عبد الله"، فقتل به به "ذواب بن أسماء بن زيد بن قارب"، وقال: قتلت بعبد الله خير لداته ذواب بن أسماء بن زيد بن قارب
و"عامر بن الطفيل" من "بني عامر بن صعصعة" من الشعراء الذين أدركوا الإسلام، وقد وفد على الرسول، وهو يريد الغدر به، ثم رجع كافرا فمات وهو في طريقه إلى دياره بالطاعون. ورد في رواية انه قال للرسول: "تجعل لي نصف ثمار المدينة، وتجعلني ولي الأمر بم بعد وأسلم! ?". وهو الذي نافر "علقمة بن علاثة" إلى "هرم بن قطبة" الفزاري، حين أهتر عمه عامر بن مالك بن ملاعب الأسنة.

(1/5884)


وكان فارس قيس، أعور عقيما لا يولد له، ولم يعقب، مغرورا فخورا بنفسه: ومن شعره قوله: فإني وإن كنت ابن فارس عامر وسيدها المشهور في كل كوكب
فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم و لا أب
ولكنني أحمي حماها، وأتقي أذاها، وأرمي من رماها بمنكب
وله شعر يفخر به بقومه قيس عيلان، يجعل الأرض قيس عيلان وحدهم، لهم السهول والحزوم، وقد نال مجدهم آفاق السموات، ولهم الصحو منها والغيوم.
وكان "عامر" شديدا قويا، يرى لنفسه الزعامة بفضل قبيلته، وبقوة شخصيته، وتذكر الأخبار انه لما وفد مع "بني عامر"، كان غليظا في كلامه، حتى ان الرسول امتعض منه، وكان يستهين أمر الرسول، ويقول: "لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأتبع أنا عقب هذا الفتى من قريش ? " يقولها لما كانوا يلحون عليه في الدخول في الإسلام. ولما سأل الرسول أن يجعل له ميزة فيتفق معه على أن يكون هو سيد أهل الوبر، وان يكون الرسول سيد أهل المدر، وأبى الرسول ذلك عليه، خرج من يثرب غاضبا مهددا، قائلا للرسول: "لأملأنها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا"، مما جعل الرسول يدعو الله أن يكفيه شره. وكان الرسول يقول: "والذي نفسي بيده لو أسلم فأسلمت بنو عامر لزاحموا قريشا على منابرهم".
وبنو عامر بت صعصعة من القبائل القوية، وهي من "هوازن"، وقد كانت منازلها بنجد، وقد ساهمت في حروب عبس وذبيان، فساعدت عبس على ذبيان، ولعب عامر بن صعصعة دورا مهما فيها.
وقد طبع ديوانه، طبعه المستشرق "لايل" في سلسلة "جب" التذكارية سنة "1913" مع ديوان عبيد بن الأبرص.
ومن شعراء "بني بارق": "معقر بن حمار" البارقي، واسمه "سفيان بن أوس بن حمار"، سمي معقرا بقوله: له ناهض في الوكر قد مهدت له كما مهدت للبعل حسناء عاقر

(1/5885)


وقوم "معقر"، وهم "بارق" من اليمن في الأصل، ينتهي نسبهم بالأزد. وكانوا قد حالفوا "بني نمير بن عامر" لدم أصابوه منهم، وشهدوا يوم "جبلة". وهو يوم كانت فيه وقعة بين "بني ذبيان " و "بني عامر"، فظهرت "بنو عامر" على "بنو ذبيان". وكان "معقر" من فرسانها قومه ومن شعرائهم يوم "جبلة" وقد حدد ذلك اليوم بوقوعه قبل الإسلام بتسع وخمسين سنة، وبتسع عشرة سنة قبل المولد النبوي.
ومن شعره: الشعر لب المرء يعرضه والقول مثل مواقع النبل
منها المقصر عن رميته ونوافذ يذهبن بالخصل
ومن شعره المشهور: فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
ومن شعراء الجاهلية، شاعر لا نعرف من أمره شيئا يذكر، اسمه: "عمرو ابن عبد الجن"، "عمرو بن عبد الحق"، وينسب له قوله: أما ودماء مائرات تخالها على قنة العزى وبالنسر عندما
وما سبح الرهبان في كل ربيعة أبيل الأبيلين المسيح بن مريما
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع حساما إذا ما هز بالكف صمما
ومن شعراء "قيس" المجيدين في الجاهلية: "خداش بن زهير بن ربيعة ابن عمرو بن عامر بن صعصعة"، قال "أبو عمرو بن العلاء": "خداش ابن زهير أشعر في عظم الشعر، يعني نفس الشعر، من لبيد، انما كان لبيد صاحب صفات". . وجده "عمرو بن عامر"، يقال له "فارس الضحياء"، والضحياء فرسه. وفيه يقول: أبي فارس الضحياء عمرو بن عامر أبى الذم واختار الوفاء على الغدر
ومما يتمثل به من شعره قوله: ولن أكون كمن ألقى رحالته على الحمار وخلى صهوة الفرس
وقوله: فإن يك أوس حية مستميتة فذرني وأوسا، إن رقيته معي
وذكر أنه كان من الصحابة، وأنه شهد حنينا مع المشركين، ثم أسلم بعد ذلك. ويرى "المرزباني" أنه جاهلي لم يدرك الإسلام، وأغلب أهل الأخبار على هذا الرأي. وينسب اليه قوله: يا شدة ما شددنا غير كاذبة على سخينة لولا الليل والحرم
و"سخينة" قريش. وكانت تعير بإكثارها من أكل السخينة.

(1/5886)


ومن شعره: فيا راكبا أما عرضت فبلغن عقيلا إذا لاقيته وأبا بكر
بأنكم من خير قوم لقومكم على أن قولا في المجالس كالهجر
دعوا جانبا إنا سنترك جانبا لكم واسعا بين اليمامة والظهر
و"الحصين بن الحمام" المري، شاعر جاهلي، وهو من "بني مرة"، يعد من أوفياء العرب. وهو أحد الشعراء المقلين. "قال أبو عبيدة: واتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وتلحصين ابن الحمام المري". وقد أدخله بعضهم في الشعراء الجاهليين الذين أدركوا الإسلام. وقد احتجوا بإسلامه بما نسب اليه من الشعر من قوله: أعوذ بربي من المخزيات يوم ترى النفس أعمالها
وخف الموازين بالكافرين وزلزلت الأرض زلزالها
والأصح أنه جاهلي لم يدرك الإسلام.
وأما "المفضل بن معشر بن أسحم"، فهو من "نكرة" من "لكيز"، فضلته قصيدته التي يقال لها "المنصفة"، وأولها: ألم تر أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق

(1/5887)


وقد ولع بعض العلماء في وضع تواريخ للشعراء المتقدمين ولغيرهم، تحدد سني ميلادهم وسني وفاتهم، وسني الحوادث التي وقعت في أيامهم والمذكورى في أشعارهم. وهو ولع لا يستند على أسس علمية. لأن أغلب الروايات الواردة عن هؤلاء الشعراء هي غير ثابتة، وقد تتناقض أحيانا، وقد يتبت بطلانها بعد تقدها نقدا علميا، ثم إن فيها ما هو موضوع مصنوع ظاهر الصنعة، بين التكلف، ولهذا فأنا أحاول جهد إمكاني تجنيب نفسي من توريطها في وضع أرقام تمثل مواليد الشعراء الجاهليين أو سني وفاتهم، أو تواريخ الحوادث المذكورة في شعرهم، لعدم امكانية التثبيت من ذلك، بل اني أرى لزوم الابتعاد جهد الإمكان من وضع التواريخ لسني حكم الملوك ولسني وفاتهم لصعوبة اثبات ذلك، والاكتفاء جهد الإمكان بتقريب أيامهم الينا بصور تقريبية. ولهذا السبب لم أحفل في هذا الفصل بترتيب الشعراء ترتيبا زمنيا على وفق ما ذهب اليه المولعون بتدوين التواريخ بالسنين، إذ أرى صعوبة الأخذ بهذا الرأي في التواريخ.
الفصل الثامن والخمسون بعد المئة
المعلقات السبع
ومن الشعر الجاهلي قصائد عرفت بين الناس باسم "المعلقات السبع" وب"المعلقات" وب"المذهبات " وب"السموط"، لزعم الرواة أن العرب اختارتها من بين سائر الشعر الجاهلي، فكتبتها بماء الذهب على القباطي، ثم علقتها على الكعبة 'عجابا بها واشادة بذكرها، وقد بقي بعضها إلى يوم الفتح، وذهب ببعضها حريق أصاب الكعبة قبل الإسلام.

(1/5888)


والمعلقات السبع سبع قصائد طويلة اختيرت من الشعر الجاهلي، فعرفت لذلك بين الناس ب"السبع" وبالسبع الطوال، وبالسبع الطول، وبالقصائد المختارة، وبالسبعيات، وعرفت أيضا باختيارات حماد، وبالسمط، وبالمذهبات. ويظهر ان لفظة "السبع"، هي من الألفاظ القديمة التي أطلقت على اختيارات "حماد"، فقد ذكر "محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: ان أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط:امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو، وطرفة. قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل". ولما تحدث "ابن قتيبة" عن معلقة "عمرو بن كلثوم"، قال: "وهي من جيد شعر العرب القديم، واحدى السبع". فالسبع، تسمية أخذت من حقيقة ان القصائد المذكورة المختارى كانت سبع قصائد.
وأما تسمية المعلقات ب"السبع الطوال" و "السبع الطوال"، فلكون هذه القصائد السبعة، هي من أطول ما ورد في الشعر الجاهلي من قصائد. زنجد هذه التسمية واردة على لسان "المفضل" حيث نسب إليه قوله: "هؤلاء أصحاب السبع الطوال". وقد أطلقها "ابن كيسان" المتوفي سنة "299 ه" "911"، "320ه" "932"، على شرحه لتلك القصائد حيث سماه ب"شرح السبع الطوال الجاهلية"، وأطلق "أبو جعفر أحمد بن محمد" النحاس "338" هذا العنوان عليها، إذ ذكرها بقوله: "ان حمادا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"، وأطلقه على شرحه لها.
وعرفت أيضا ب"القصائد السبع" وب"القصائد السبع الطوال" وب"القصائد". وب"القصائد التسع"، وب"القصائد التسع المشهورة"، وذلك بالنسبة لمن أضاف على القصائد المذكورة قصيدتين أخريين، وب"القصائد العشر"، وذلك بالنسبة لمن أضاف ثلاث قصائد عليها.

(1/5889)


ويظهر أن مصطلح "السبع الطوال"، هو أنسب المصطلحات تعبيرا عن هذه القصائد، لأنها تمثل في الواقع أطول ما وصل الينا من الشعر الجاهلي. فإن عدد أبيات أقصر قصيدة من قصائدها هو "64" بيتا، أما عدد أبيات أطول قصيدة منها، فهو "104"، ومعدل أبيات المعلقات "85" بيتا.
وعرفت هذه القصائد ب"القصائد المختارة" لطبيعة كونها قصائد اختيرت من قصائد الشعر الجاهلي، وانتخبت منه انتخابا. ونجد مجموعة أخرى عرفت ب"شعر الشعراء الست"، وهم امرؤ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة. وقد أشار "البغدادي" إلى كتاب دعاه: "مختار شعر الشعراء الست: امرؤ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة. وشرحها للأعلم الشمنتري".
ولم نجد في الكتب التي وصلت الينا، الاسم الصحيح الأول الذي أطلقه جامع هذه القصائد ومختارها عليها. وقد ورد في مقدمة شرح التبريزي "502 ه" على "القصائد العشر": "سألتني -أدام الله توفيقك-أن ألخص لك شرح القصائد السبع، مع القصيدتين اللتين أضافهما اليها أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النخوي -قصيدة النابغة الذبياني الدالية، وقصيدة الأعشى اللامية- وقصيدة عبيد بن الأبرص تمام العشرة". فيظهر منها أن جملة "القصائد السبع"، كانت غالبة على تلك القصائد، من حقيقة كونها سبع قصائد في الأصل.

(1/5890)


و لا نعلم اسم أول من أطلق مصطلح "المعلقات السبع" على هذه القصائد، وفي أي وقت أطلقه عليها. و لا يستطيع أحد إثبات ان "حمادا" الراوية هو الذي أطلقه على مقتنياته. وقد ذكر "بلاشير" ان "ابن قتيبة" لما تكلم عن قصيدة "عمرو بن كلثوم" التي تدخل في المعلقات قال عنها انها "احدى السبع المعلقات". وقد رجعت إلى النص فوجدته يقول: "وهي من جيد شعر العرب القديم، واحدى السبع"، ولما كنت لا أملك النسخة الافرنسية لكتاب "بلاشير"، لذلك لا أدري إذا كانت تلك النسخة قد استخدمت جملة "احدى السبع المعلقات"، كما وردت في الترجمة العربية، أم ان الترجمة العربية هي التي استعملتها تصرفا، وانها لم ترد في النص الأصل. واني أستبعد احتمال أخذ "بلاشير" من نسخة أخرى استعملت جملة "احدى السبع المعلقات" بدلا من "احدى السبع" الواردة في النص الذي اعتمدت عليه، المطبوع ببيروت سنة 1964 م.
والعلماء مختلفون في القصائد التي تعد من المعلقات وفي عددها، ولكنهم متفقون على خمس منها، هي معلقات امرئ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد، وعمروبن كلثوم. أما بقيتها، فمنهم من يعد من بينها معلقة عنترة والحارث بن حلزة، ومنهم من يدخل فيها قصيدتي النابغة والأعشى. وقد اضاف بعض العلماء القصيدتين اللتين اختارهما المفضل الضبي، وهما قصيدتا النابغة والأعشى، إلى المعلقات السبع التي هي من اختيار حماد، فجعلها تسع معلقات. ويرى "نولدكه" ان لولاء حماد لبكر بن وائل علاقة بإدخال حماد قصيدة الحارث بن حلزة اليشكري في جملة المعلقات، وذلك ان حمادا كان مولى لبكر بن وائل، وكانت هذه القبيلة في عداء مع تغلب، ولما كانت قصيدة "عمرو بن كلثوم" التغلبي قد لقيت شهرة واسعة، لم يسع حماد أن يعدل عن اختيارها، فاختارها، واختار معها قصيدة الحارث إرضاء لمن انتمى اليهم بالولاء، مع قلة شهرتها بالنسبة إلى القصائد الأخرى.

(1/5891)


ونجد في "الفهرست" اسم كتاب ذكر "ابن النديم" انه من مؤلفات "الأصمعي"، دعاه "كتاب القصائد الست". ولهذه التسميى أهمية كبيرة، لأنها تدل على أن "الأصمعي"، كان قد اختار من القصائد المعروفة ست قصائد، وضمها بين دفتي كتاب. ولم يشر "ابن النديم" إلى أسماء القصائد الست المختارة، ولكني لا أستبعد احتمال اسقاطه قصيدة واحدة من بين القصائد السبع التي اختارها "حماد"، فصار العدد ست قصائد. كما أشار "البغدادي" إلى كتاب دعاه: "مختار شعر الشعراء الست: امرئ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة"، والى شرحها للأعلم الشمنتري.

(1/5892)


وأشار "السيوطي" أثناء حديثه في مقدمة لكتابه: "شرح شواهد المغني" إلى "شرح المعلقات السبع"، وما ضم اليها للتبريزي ولأبي جعفر النحاس، وشرح السبع العاليات للكميت، وشرح القصائد المختارة للتبريزي". وتلفت جملة:"شرح السبع العاليات للكميت " النظر، لأنها جاءت في أثناء تحدثه على المعلقات السبع وما ضم اليها للتبريزي ولأبي جعفر النحاس، مما يدل على أنه قصد بشرح السبع العاليات للكميت، قصائد سبعا مختارة لها صلة بهذه المعلقات المختارة للتبريزي، التي هي المعلقات العشر، وأنه لم يقصد بالقصائد السبع "الهاشميات"، "هاشميات" الكميت وهي أيضا سبع قصائد، من شعر هذا الشاعر، عرفت بالهاشميات. ولو كان قصدها بالذات لدعاها باسمها الذي عرفت به، وهو "الهاشميات"، وإنما قصد كتابا آخر، اسمه: "شرح السبع العليات"، ولفظة "العاليات" نعت للقصائد السبع. ولم يتحدث السيوطي ويا للأسف عن هذا الشرح بأي شيء، فهل يكون الكميت المتوفي سنة "126ه"، أي قبل "حماد"، قد اختار سبع قصائد جاهلية وضمها في ديوان عرف ب"السبع العاليات " وقف عليها "حماد" أو صارت اليه، فأملاها فنسبت اليه، على عادة القدماء في ذلك الوقت، من أخذهم الكتب والروايات القديمة، ثم املاءها على تلامذتهم، فتنسب اليهم، فتكون المعلقات اذن من جمع الكميت، رواية حماد ! ويفهم من خبر مذكور في "خزانة الأدب" أن الخليفة "عبد الملك بن مروان" أمر فطرح شعر أربعة من أصحاب المعلقات، وأثبت مكانهم أربعة. ومعنى هذا الخبر هو وجود المعلقات قبل أيام عبد الملك. وفي الكتاب خبر آخر هو أن بعض أمراء بني أمية أمر من أختار له سبعة أشعار، فسماها المعلقات، وفي رواية أخرى: المعلقات الثواني. ولم يعين المورد الشخص الذي أمر باختيار تلك الأشعار، ولا الشخص الذي قام بالاختيار. ولعله قصد الوليد وحمادا، فإليهما يتصرف الذهن، لما للوليد من ولع بالشعر، ولما لحماد من علم به.

(1/5893)


ولم يشر "البغدادي" صاحب "خزانة الأدب" إلى اسم المورد الذي استقى منه خبره عن طرح "عبد الملك" شعر أربعة من أصحاب المعلقات، واثباته أربعة مكانهم. كما أنه لم يشر إلى أسماء أصحاب المعلقات الذين طرحت معلقاتهم، و لا إلى أسماء الشعراء الأربعة الذين أثبتت قصائدهم مكان القصائد الأربع المطروحة. وروي أن "معاوية"، تذكر قصيدة "عمرو بن كلثوم"، وقصيدة "الحارث ابن حلزة" فقال " قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا".
والمعروف اليوم، ان حمادا الراوية، هو الذي جمع القصائد السبع المذكورة، وأذاعها بين الناس. وهو من حفظة الشعر ورواته وممن اشتهروا وعرفوا برواية الشعر القديم. وكان من المتكسبين بالشعر. وقد اتهم بالوضع وبالدس على الجاهليين وبالكذب عليهم: وهو نفس لم ينكر ذلك، ولم يبرئ نفسه من الدس على الجاهليين والوضع عليهم. ولكنه كان بإجماع أنصاره وخصومه من أفرس الناس بالشعر، ومن أعلمهم بالشعر الجاهلي وبطرقه ودروبه وأساليبه، ولعل علمه هذا بالشعر، ورغبته في التفوق والتصدر على أقرانه المتعيشين مثله على رواية الشعر، كانا في رأس الأسباب التي حملته على الوضع والدس والافتعال.
ووضع "المفضل" الضبي قصيدتي النابغة والأعشى مكان قصيدتي عنترة والحارث بن حلزة اليشكري في الاختيارات الشهيرة للمعلقات. وضم "أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل" النحوي قصيدتي النابغة والأعشى على اختيارات "حماد" فصار العدد تسع معلقات، أضاف عليها بعض العلماء قصيدة "عبيد الأبرص" فصارت عشرا، وقد شرحها "التبريزي". وجعل بعضهم العدد ثمانية. ولكن المشهور المعروف بين علماء الشعر الجاهلي انها سبع قصائد: وهي في رأيهم أفضل ما قيل من الشعر في زمان الجاهلية.

(1/5894)


ولأهل الأخبار قصص وحكايات عن سبب تسمية المعلقات بالمعلقات. فذكر "أحمد بن عبد ره" مثلا أن العرب كلفت بقصائد خاصة من الشعر الجاهلي رفضلتها على غيرها، وعمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها في أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس ومذهبة زهير، والمذهبات سبع، ويقال لها المعلقات. وورد: يقال مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره. وقال "ابن رشيق": "وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال مذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل: بل كان الملك إذا استجدت قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته".
وذهب "السيوطي" هذا المذهب كذلك، إذ قال: "وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك انها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال: مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره. ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه لتكون في خزانته". وهو رأي أخذه من "ابن رشيق"، من كتابه "العمدة". وكتاب العمدة من الموارد التي استقى منها "السيوطي"، يشيراليه أحيانا، و لا يشير اليه أحيانا أخرى، كما هو الحال في هذه الجمل، التي هي عبارة "ابن رشيق" بحروفها كما جاء في العمدة. وقد توفي "ابن رشيق" سنة "456 ه".

(1/5895)


وزعم بعض آخر أن العرب كانوا في جاهليتهم يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يعبأ به و لا ينشده أحد، حتى يأتي مكة في موسم الحج فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وكان فخرا لقائله وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر اليه، وإن لم يستحسنوه طرح وذهب فيما تعرض أشعارها على هذا الحي من قريش". وذهب "ابن خلدون" إلى أن العرب كانوا يعلقون أشعارهم بأركان البيت كما فعل أصحاب المعلقات السبع، وإنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه في مضر. وذكر أن "أول من علق شعره في الكعبة امرؤ لبقيس وبعده علقت الشعراء، وعدد من علق شعره سبعة. ثانيهم طرفة بن العبد. وثالثهم زهير بن أبي سلمى، رابعهم لبيد بن ربيعة، خامسهم عنترة، سادسهم الحارث بن حلزة، سابعهم عمرو بن كلثوم. هذا هو المشهور". وروي عن "معاوية" قوله: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة من مفاخر العرب كانتا بالكعبة دهرا".
وعن "ابن الكلبي" انه قال: "أول شعر علق في الجاهلية شعر امرئ القيس علق على ركن من أركان أيام الموسم حتى نظر اليه، ثم أحدر فعلقت الشعراء ذلك بعده، وكان ذلك فخرا للعرب في الجاهلية، وعدوا من علق شعره سبعة نفر، إلا ان عبد الملك طرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة".

(1/5896)


و لا بد وأن يكون ظهور قصة التعليق قد حدث قبل أيام "ابن عبد ربه" المتوفي سنة "328 ه" لورودها في "العقد الفريد". "وابن عبد ربه" من معاصري "أبي جعفر أحمد بن محمد" النحاس، المتوفي بعده بعشر سنوات، أي سنة "338ه"، الذي ذكر القصة أيضا، لكنه أنكر تعليق المعلقات، فعنده "أن حمادا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة". وذكر أنه قال في شرحه على المعلقات ما نصه: "واختلفوا في جمع القصائد السبع، وقيل إن العرب كانوا يجتمعون بعكاظ فيتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: علقوا لتا هذه وأثبتوها في خزانتي"، وقال أبو جعفر: "وأما قول من قال إنها علقت بالكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة"، " وهو يستند في رأيه هذا، إلى أن حمادا الراوية لما رأى زهد الناس فب الشعر، جمع لهم هذه القصائد السبع، وقال هذه هي المشهورات ! فسميت القصائد المشهورة".
وقد مشت اسطورة التعليق هذه بين الناس، حتى صارت رأيا اعتقد به كثير من المحدثين، إلى درجة أن منهم من صار يغضب ويثور إذا قرأ رأيا يخالف هذا الرأي، لاعتقاده أن في هذا الإنكار غضا وتعريفا بأخلد تراث من تراث العرب القديم، وأن فيه انتقاصا من قدر الأدب العربي التليد.

(1/5897)


وقد تعرض المستشرقون منذ أيام "بوكوك" لموضوع المعلقات، وقد رأى كثير منهم ان قصة التعليق قصة مصطنعة وان الموضوع مصنوع. ويرى "نولدكه" ان اختلاف رواة الشعر في ضبط أبيات تلك المعلقات، دليل في حد ذاته على عدم صحة التعليق، إذ لو كانت تلك القصائد معلقة ومشهورة وكانت مكتوبة لما وقع علماء الشعر في هذا الاختلاف. ثم يرى سببا آخر يجمله على الشك في صحة ما يقال عن المعلقات. هو ان كل الذين كتبوا عن فتح مكة مثل الأزرقي وابن هشام والسهيلي وغيرهم وغيرهم، أشاروا إلى أن الرسول أمر بطمس الصور وكسر الأوثان والأصنام، ولم يشيروا أبدا إلى المعلقات، ولو كانت المعلقات موجودة كلا أو بعضا لما غض أهل الأخبار أنظارهم عنها، ولما سكتوا عن ذكرها، لأهميتها عند العرب.
ثم يرى "نولدكه" اه هذه القصائد لو كانت معلقة حقا، وكانت على الشهرة التي يذكرها أهل الأخبار لما أغفل أمرها في القرآن الكريم وفي كتب الحديث وفي كتب الأدب مثل الأغاني وأمثاله، ولأشير اليها، ولهذا يرى ان ما يروى عن المعلقات هو من القصص الذي نشأ عن التسمية وعن اختيارات حماد لها، فلما أشاعها بين الناس، أوجد الرواة لها قصة التعليق.

(1/5898)


وقد استدل "نولدكه" من عبارة: "وقال المفضل: القول عندنا ما قاله أبو عبيدة في ترتيب طبقاتهم: وهو ان أول طبقاتهم أصحاب السبع معلقات. وهم: امرؤ القيس وزهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد. قال المفضل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب بالسموط "ومن زعم غير ذلك، فقد خالف جمهور العلماء"، على ان الأدباء أوجدوا قصة تعليق المعلقات في الكعبة، نظرا إلى ما يقال من تفاخر الشعراء بعكاظ، وتحكيم المحكمين فيما بينهم، فرأى رواة الشعر أن يجعلوا المختار من الشعر، وهو القصائد السبع الطوال سيد الشعر الجاهلي، ولما كانت مكة ذات قدسية، وجدوا انها أصلح مكان لأن يربط بينه وبين هذا المختار من عيون الشعر، فأوجدوا حكاية التعليق.
وبين المستشرقين فريق ذهبوا مذهب "نولدكه" في رفض قصة التعليق، ورأوا أن القصة أسطورة لا أصل لها ولا فصل. وفريق أيد التعليق، وهم أقلية، وذهب مذهب المثبتين له من علماء الشعر الجاهلي. أما علماء العربية في أيامنا، فهم أيضا بين مؤيد وبين مخالف، ولكل رأي.
وقد تعرض "الرافعي" لموضوع تعليق المعلقات، فذهب إلى أن قصة التعليق على الكعبة قصة مفتعلة، وأن "ابن الكلبي" هو الذي ذكر تعليقها على الكعبة، وأن من عدا ابن الكلبي ممن هم أوثق في رواية الشعر وأخباره لم يذكروا من ذلك شيئا، بل جملة كلامهم ترمي إلى أن القصائد لم تخرج عن سبيل ما يختار من الشعر، وأن المتأخرين هم الذين بنوا على خبر التعليق ما ذكرووه من أمر الكتابة بالذهب أو بمائه في الحرير أو في القباطي ؛ وأن العرب بقيت تسجد لها "150" سنة حتى ظهر الإسلام، تسجد لها كما يسجدون لأصنامهم. "وابن الكلبي" على رأيه "هو أول من افترى خبر كتابة القصائد السبع المعلقات وتعليقها على الكعبة".

(1/5899)


وتعرض "الرافعي" أيضا إلى رأي من ينكر أن هذه القصائد صحيحة النسبة إلى قائليها، مرجحا أنها منحولة وضعها مثل حماد الراوية، أو خلف الأحمر، فرأى أنه رأي فائل، لأن الروايات قد تواردت على نسبتها، وتجد أشياء منها في الصدر الأول، غير أنه مما لاشك فيه أن تلك القصائد لا تخلو من الريادة وتعارض الألسنة، قل ذلك أو أكثر، أما أن تكون بجملتها مولدة فدون هذا البناء نقض التأريخ.
ولم أجد بين الموارد التي وصلت الينا من موارد مطبوعة أو مخطوطة موردا واحدا ذكر ان الرسول حينما فتح مكة، وأمر بتحطيم ما كان بها من أصنام وأوثان وبطمس ما كان بها من صور، وجد معلقة واحدة أو جزءا من معلقة أو أي شعر آخر وجد مكتوبا ومعلقا على أركان الكعبة أو على أستارها، كما اني لم أجد في أخبار بناء الكعبة خبرا يشير إلى أنهم علقوا المعلقات على الكعبة حينما أشادوها وبنوها من جديد. ولو كانت تلك القصائد قد علقت، لما سكت الرواة عنها وأغفلوا أمرها أغفالا تاما. ثم إن أهل الأخبار الذين أشاروا إلى الحريق الذي أصاب الكعبة، والذي أدى إلى اعادة بنائها، لم يشيروا أبدا إلى احتراق المعلقات كلها أو جزء منها في هذا الحريق، ولو كانت موجودة ومعلقة على الكعبة كما زعموا، لما سكتوا عن ذكر هذا الحدث الهام. ثم اني لم أسمع ان أحدا من حملة الشعر الجاهلي من الصحابة أو التابعين، ولا غيرهم من رواة شعر الجاهلية وحفظته، وكلهم كانوا يتلذذون بروايته وبسماعه، أشار إلى وجود معلقات ومذهبات وقصائد سبع مختارة، ولو كان لهم علم بها لما أخفوا ذلك عمن جاء بعدهم أبدا. وتعليق المعلقات قصة، لاأستبعد أن تكون من صنع "حماد" جامعها، أو من عمل من جاء بعده، في تعليل سبب ذلك الاختيار.
وأما ما زعم من أن معاوية قال: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة، كانت معلقتين بالكعبة دهرا"، فخبر لا يوثق به.

(1/5900)


ومن "السمط" جاءت فكرة تعليق المعلقات. فالسمط: خيط النظم لأنه يعلق، وقيل قلادة أطول من المخنقة، والخيط ما دام فيه الخرز، وجمعه "سموط". فالسمط يعلق، وقد دعيت القصائد المذكورة ب"السمط"، وقالوا من ثم بتعليق تلك القصائد، وتعليقها على الكعبة أو على استارها هو خير مكان يناسب المقام الذي وضعوه لتلك المنظومات.
وتلفت جملة: "وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء، فقد أبطل" النظر حقا. فقد استعمل لفظة "السمط"، فقط، وقصد بها المعلقات، وهذا الاستعمال يدل على نعت العلماء للقصائد المذكورة بأن كل قصيدة منها وكأنها خيط من الؤلؤ منظوم يتلو بعضه بعضا، وأن تلك القصائد السبع قد اختيرت من بين قصائد الشعر الجاهلي، وأن من يزيد على ذلك العدد قصيدة، فقد أخطأ.
وقد روي أن العرب كانت تسمي القصائد الطويلة الجيدة المقلدات والمسمطات. و "مقلدات الشعر وقلائده البواقي على الدهر". "وسمط الشيء تسميطا علقه بالسموط، وهي السيور"، ومن هذا المعنى أخذ اختراع تعليق المعلقات في رأي بعض الباحثين.
ويذكر علماء اللغة والشعر أن "المسمط" من الشعر، أبيات تجمعها قافية واحدة مخالفة لقوافي الأبيات. ويقال قصيدة مسمطة، شبهت أبياتها المقفاة بالسموط. وذكر بعضهم: الشعر المسمط الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة أو منهوكة مقفاة وتجمعها قافية مخالفة لازمة القصيدة حتى تنقضي. وهو الذي يقال له عند المولدين: المخمس، والمسبع، والمثمن. وذكر بعض علماء الشعر ان لامرئ القيس قصيدتان سميطتان.

(1/5901)


وأرى ان الذي أوحى إلى أهل الأخبار بفكرة المعلقات السبع هو ما جاء في القرآن الكريم: )ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (، وما جاء في الحديث من قوله: "أوتيت السبع الطوال". وقد ذكر علماء التفسير ان "السبع الطول" من سور القرآن: سبع سور، وهي سوؤة البقرة وسورة آل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، واختلف في السابعة، فمنهم من قال السابعة الأنفال، ومنهم من جعل السابعة يونس، ومنهم من قال انها سورة "الفاتحة" وانها "السبع المثاني، لأنها تتألف من سبع آيات. فمن السبع المثاني التي قصد بها السور السبع الطوال المذكورة، والتي ذكر المفسرون انها خصت بهذه التسمية بسبب كونها أطول السور ولاحتوائها على أكثر الأحكام أخذ رواة الشعر في رأيي فكرتهم في المعلقات السبع، التي نعتوها أيضا ب"الطوال" وب"السبع الطوال" وهو نعت جاء في الحديث وفي كتب التفسير للسبع المثاني، أي للسور المذكورة، إذ عبر عنها ب"السبع الطوال"، وورد في الحديث: "أوتيت السبع الطوال".
ويلاحظ أن علماء الشعر مغرمون بعدد السبعة، وأن نظام انتقائهم للأشعار قائم على سبع. فالمعلقات سبع، ومنتقيات العرب والمذهبات التي للأوس والخزرج خاصة سبع كذلك، وعيون المراثي سبع، ومشوبات العرب وهي التي شابهن الكفر والإسلام سبع كذلك، والملحمات سبع أيضا. ومجموع هذه الاختيارات تسع وأربعون. وهي حاصل هذه المجموعات السبع التي تتألف كل مجموعة منها من سبعة أشعار.
وهذا التقسيم السبعي لا بد أن يكون له أساس، فليس من المعقول أن يكون اعتباطيا وعلى غير أساس. والمعروف أن التقسيم السبعي، أو النظام السبعي، تقسيم قديم يعود إلى سنين طويلة قبل الميلاد، فالسماوات والأرضون سبع، والكواكب السيارة سبعة، والأنغام الموسيقية سبعة، وأيام الاسبوع سبعة. والعدد سبعة هو عدد مقدس عند بعض الشعوب القديمة.

(1/5902)


وقد سبق لي ان تحدثت في مجلة المجمع العلمي العراقي عن المعلقات السبع، وذكرت الأسباب التي حملت العلماء على تسميتها بالمعلقات.
الفصل التاسع والخمسون بعد المئة
أصحاب المعلقات
أصحاب السبع الطوال، هم: امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، والحارث بن حلزة اليشكري. وهم الذين اختار "حماد" الراوية قصائدهم، فألف منها اختياراته. وقد رتبتهم حسب الترتيب المألوف الذي يرد في دواوين المعلقات، وإن كان هذا الترتيب يتعارض مع الترتيب الزمني. فلبيد مثلا كان من الواجب علينا تأخيره، بجعله آخر الشعراء المذكورين، لأنه أدرك الإسلام، فهو من المخضرمين، وبعض منهم كان من اللازم تقديمه، ليأخذ مكانه المناسب له من الناحية الزمنية، بجعله في موضع من يؤخر لتأخره في الزمان.
وسأضيف على ما ذكرت الأعشى والنابغة وعبيد بن الأبرص، مجاراة لمن زاد على ذلك العدد شاعرا أو شاعرين أو ثلاثة، أو طرح منه شاعرين، ووضع في محلهما شاعريت آخرين. كما جرى الحديث عن ذلك حين تكلمت عن المعلقات. وسأبدأ لذلك بالكلام على أولهم، وهو بإجماع علماء اشعر: امرؤ القيس.
وامرؤ القيس، هو على رأس شعراء الجاهلية في الذكر والشهرة، وعلى رأس أصحاب "المعلقات السبع". وقد أوصله أهل الأخبار إلى "قيصر"، وجعلوا له معه حكايات ثم قبروه ب"أنقرة" إلى جانب قبر ابنة بعض الملوك الروم. وختموا حياته بخاتمة مؤلمة مفجعة، وقالوا إنه عرف ب"ذي القروح"، لأن ملك الروم كساه حلة مسمومة فقرحته، أو لقوله: وبدلت قرحا داميا بعد صحة لعل منايانا تحولن أبؤسا
ويرى "بروكلمن" ان قصة موت "امرئ القيس"، بسبب الحلة المسمومة، أسطورة تشبه الأسطورة التي حصلت لهرقل البطل اليوناني الشهير.

(1/5903)


ودعوه ب"الملك الضليل"، و "الملك المضلل". وذكروا انه سعى وجد لإعادة ملك والده، ولكنه باء بالفشل، وكان آخر ما فعله في هذا الباب، أن ذهب إلى "القسطنطينية"لمقابلة "قيصر" لإقناعه بمساعدته في الحصول على حقه، وتقويته لينتقم من قتلة والده، وليعيد الحكم إلى كندة، فكان مصيره ان جاءه الموت وهو في طريقه، على نحو ما تقصه علينا قصص أهل الأخبار.
وما قصة موته من قروح أصيب بها من لبسة الحلة المسمومة، إلا أسطورة. ويرى "بروكلمن" احتمال ظهورها من سوء فهم الأبيات 12-14 من القصيدة "30" من ديوانه. ولعل هذه القصة هي التي أوجدت له اللقب الذي لقب به، وهو "ذو القروح". وأنا لا أستبعد احتمال اصابته بدمامل أو بمرض جلدي آخر، قرحت جلده، ومات منها، فعرف ب"ذي القروح"، وأوجدت له قصة الحلة المسمومة على نحو ما أوجدته مخيلة أهل الأخبار.
ويذكر أهل الأخبار ان "امرأ القيس" لما احتضر بأنقرة، نظر إلى قبر فسأل عنه، فقالوا قبر امرأة غريبة، فقال: أجارتنا إن الخطوب تنوب وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
فإن تصلينا فالمودة بيننا وان تهجرينا فالغريب غريب
وورد في كتاب: مقاتل الفرسان -لأبي عبيدة، ان صخر بن عمرو الشريد أخل الخنساء، قال لما ادركه الموت: أجارتنا إن الخطوب تنوب علينا وكل المخطئين مصيب
أجارتنا لست الغداة بظاعن وإني مقيم ما أقام عسيب
ومات فدفن بقرب عسيب. فلعلها تواردا".
وتذكر قصة، أن "امرأ القيس" دخل مع القيصر الحمام، فإذا قيصر أقلف، فقال: إني حلفت يمينا غير كاذبة أنك أقلف إلا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته كما تجمع تحت الفلكة الوبر

(1/5904)


وتذكر القصة ان ابنة القيصر نظرت اليه فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وطبن "الطماح بن قيس" الأسدي لهما، وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرعا، فبعث اليه قيصر بحلة مسمومة، فتناثر لحمه وتفطر جسده. وكان يحمله "جابر بن جني" التغلبي، فلذلك قوله: فإما تريني في رحالة جابر على حرج كالقر تخفق أكفاني
فيا رب مكروب كررت وراءه وعان فككت الغل عنه ففداني
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بحزان
ولم ينس "ابن الكلبي" من ذكر آخر كلمة قالها شاعرنا حين حضرته الوفاة، فقال إنه قال: وطعنة مسحنفرة وجفنة متعنجرة تبقى غدا بأنقرة
فكان هذا آخر شيء تكلم به، ثم مات.
ورويت كلماته الأخيرة على هذه الصورة: رب خطبة مسحنفرة وطعنة مثعنجره
وجعبة متحيرة تدفن غدا بأنقره
كما روي شعره الذي قاله يخاطب قبرا لامرأة زعم انها من بنات ملوك الروم، على هذ النحو: أجارتنا إن المزار قريب وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
وهكذا نجد الرواة يختلفون فيما بينهم في رواية هذه الأشعار التي صنعت على لسان الشاعر، لتكون مادة مقومة للقصة. وكان آخر ما صنعوه لإتمام القصة، أن أوجدوا له قبرا بأنقرة، اتخذوه إلى جانب قبر منفرد منعزل، هو قبر إحدى بنات ملك من ملوك الروم، أوصاهم به "امرؤ القيس" نفسه لما رأى دنو أجله. فكانت الخاتمة مؤلمة، وكان الاختيار موفقا جدا، فالقبر قبر امرأة، وكان صاحبنا متيما بحب النساء، وكانت المرأة بنتا لملك من ملوك الروم، فهي من طبقته، وتصلح أن تكون جارة له، وهو ابن ملك، وكان صديقا حميما لقيصر الروم، يدخل معه الحمام، ويراه عاريا تماما، أقلف. فابنة ملك من ملوك الروم، تصلح لأن تكون له جارة وصاحبة لهذا القبر، وهكذا قبروا الاثنين في قبرين متجاورين.

(1/5905)


وقد زعموا أن امرأ القيس كان "مئناثا لا ذكر له، وغيورا شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت وأدها، فلما رأى ذلك نساءه غيبن أولادهن في احياء العرب، وبلغه ذلك فتتبعهن حتى قتلهن".
وزعموا أنه كان مع جماله ووسامته وحسنه "مفركا لا تريده النساء إذا جربنه. وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء مني ? قالت: يكرهن منك أنك ثقيل الصدر، س خفيف العجز، سريع الاراقة، بطيء الإفاقة. وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنك إذا عرقت فحت بريح كلب ! فقال: أنت صدقتني، إن أهلي أرضعوني بلبن كلبة. ولم تصبر عليه إلا امرأة من كندة يقال لها هند، وكان أكثر ولده منها".
وتزعم قصة أن قيصر وجه معه جيشا، ليعاونه على استعادة ملكه، فوشى به رجل من "بني أسد" يقال له "الطماح"، فهم بقتله، وأرسل اليه في أثره بحلة مسمومة مع رجل، أدخله الحمام وكساه إياها بعد خروجه، فلما لبسها تنفط بدنه. وزعم "الجاحظ " أنه "راسل بنت قيصر وأراد أن يختدعها عن نفسها، وبلغ ذلك قيصر وأراد أن يقتله، فتذمم من ذلك، وأمر بقميص فغمس في السم، وقال لامرئ القيس: إلبس هذا القميص فإني أحببت أن أوثرك به على نفسي لحسنه وبهائه فعمل السم في جسمه وكثرت فيه القروح فمات منها، فسمي ذا القروح. وقد كان قيل لقيصر قبل ذلك إنه هجاه، فعندما يقول: ظلمت له نفسي بأن جئت راغبا إليه وقد سيرت فيه القوافيا
فإن أك مظلوما فقدما ظلمته وبالصاع يجزى مثل ما قد جزانيا
قال علماء الشعر: كان "امرؤ القيس" ممن يتعهر في شعره، وقد سبق الشعراء إلى أشياء ابتدعها، واستحسنتها العرب، واتبعته عليها الشعراء، من استيقافه صحبه في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ. وله تشبيهات مستجادة، واجادة في صفة الفرس، وفي الوصف. "واجتمع عند "عبد الملك" أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرق بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرئ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل

(1/5906)


وقال "أبو عبيدة معمر بن المثنى": "من فضله، انه أول من فتح الشعر واستوقف، وبكى في الدمن، ووصف ما فيها، ثم قال: دع ذا -رغبة عن المنسبة - فتبعوا أثره، وهو أول من شبه الخيل بالعصا واللقوة والسباع والظباء والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف".
وقال أبو عبيدة: هو أول من قيد الأوابد، يعني في قوله في وصف الفرس "قيد الأوابد" فتبعه الناس على ذلك.
وقال غيره: هو أول من شبه التغر في لونه بشوك السيال فقال: منابته مثل السدوس ولونه كشوك السيال وهو عذب يفيص
فاتبعه الناس. وأول من قال: "فعادى عداء" فاتبعه الناس. وأول من شبه الحمار "بمقلاء الوليد" وهو عود القلة و "بكر الأندري"، والكر: الحبل. وشبه الطلل "بوحي الزبور في العسيب". والفرس بتيس الحلب".
وأورد له علماء الشعؤ أشياء ذكروا انه انفرد بها، ولم يتمكن أحد من مجاراته بها، وعابوا عليه أشياء، دافع عنها بعض العلماء، وردوا العائبين عليها. ومما عابوه عليه تصريحه بالزنا والدبيب إلى حرم النساء، وفجوره بالمتزوجات، والشعراء تتوقى ذلك في الشعر وإن فعلته. وقد فضله "لبيد بن ربيعة" على جميع الشعراء، إذ قال: "أشعر الناس ذو القروح، يعنى امرأ القيس".
وقد ذكر علماء الشعر أبيات شعر لامرئ القيس، قالوا ان غيره من الشعراء أخذوها أخذا، مع تغيير بسيط وأدخلوها في شعرهم، أو أخذوا أكثر ألفاظها أو معانيها فأضافوها إلى شعرهم. من ذلك قول امرئ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون: لاتهلك أسى وتجمل
أخذه طرفة فقال: وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون: لاتهلك أسى وتجلد
ومثل قول امرئ القيس: فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا على ظهر محبوك السراة محنب
أخذه زهير، فقال: فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا على ظهر محبوك ظماء مفاصله

(1/5907)


إلى غير ذلك من أمثلة ذكرها "ابن قتيبة" وغيره في مؤلفاتهم عن الشعر والشعراء. إن صحت دلت على ان الشعراء الجاهليين كانوا يحفظون شعر من تقدم عليهم، وشعر المعاصرين لهم، وانهم كانوا يتتبعونه ويستقصونه ليحفظوه، ولم يبالوا بعد ذلك إذا أخذوا شيئا من شعر غيرهم. وهذا يدل أيضا على ان الشعر الجاهلي كان محفوظا في الصدور، يحفظه الشعراء وغيرهم من عشاق الشعر، إلى أن جاء الإسلام فدون بالقراطيس.
يقول علماء الشعر لم يتقدم امرؤ القيس الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا، أو لأنه كان أول من ابتدأ بالشعر ووضع جادته ومهد سبيله ووضحه لمن جاء بعده من الشعراء، لكنه سبق إلى أشياء طريفة فاستحسنها الشعراء واتبعوه فيها، لأنه كان أول من لطف المعاني، ومن استوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيدة، وقرب مآخذ الكلام، فقيد الأوابد، وأجاد الاستعارة والتشبيه. وقد ثمن "الباقلاني" شعره بقوله: "وأنت لا تشك في جودة شعر امرئ القيس و لا ترتاب في براعته و لا تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورا اتبع فيها من ذكر الديار والوقوف عليها إلى ما يتصل بذلك من البديع الذي أبدعه والتشبيه الذي أحدثه والتميح الذي يوجد في شعره والتصرف الكثير الذي تصادفه في قوله، والوجوه التي ينقسم اليها كلامه من صناعة وطبع وسلاسة وعلو ومتانة ورقة وأسباب تحمد وأمور تؤثر وتمدح. وقد ترى الأدباء يوازنون بشعره فلانا وفلانا". ثم هو يؤاخذ الشاعر على عيوب ذكر أنها عوار في معلقته.

(1/5908)


ووضع أهل الأخبار "امرئ القيس" في رأس زمرة عشاق العرب والزناة. وذكروا له عشقه ل"فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة " العذرية، وعشقه ل "أم الحارث " الكلبية، وعشقه ل"عنيزة"، وهي صاحبة يوم "دارة جلجل"، ورووا له قصة طريفى حدثت له مع صاحبة يوم "دارة جلجل"، تبين كيف مكر بابنة عمه "عنيزة"، فأجبرها على أن تتجرد من لباسها، لينظر اليها وهي تخرج من الغدير مقبلة ومدبرة، حتى يمتع نظره برؤية جسدها العاري، ثم كيف نحر ناقته، وشوى لحمها، وأخذ يطعم به البنات، وكيف توسل إلى ابنة عمه "عنيزة" لتحمله على غارب بعيرها بعد أن ذبح ناقته وشوى لحمها ليتخذ ذلك حجة له في مشاركة "عنيزة" بعيرها. ثم تروي القصة، كيف أنه صار يجنح اليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبلها. ثم تنتهي القصة بذكر الشعر الذي قاله في هذه المناسبة. حيث يقول: ويوم عقرت للعذارى مطيتي فيا عجبا من رحلها المتحمل
يظلل العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهداب الدمقس المفتل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت:لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معا: عقرت بعيري يا امرئ القيس فانزل
فقلت لها: سيري وأرخي زمامه و لا تبعدينا من جناك المعلل
وراوي هذه القصة هو "محمد بن سلام"، سمعها كما يقول من "أبي شفقل" راوية "الفرزدق" الشاعر الشهير، وقد ذكر هذا الراوي أنه لم ير رجلا كان أروى لأحاديث امرئ القيس وأشعاره من الفرزدق، وذلك لأن "امرئ القيس" كان قد أقام في "بني دارم" رهط الفرزدق حينا، حين رأى من أبيه جفوة، فمن ثمض أخذ "الفرزدق " علمه بأخبار "امرئ القيس" وأحاديثه وأشعاره.
ويكثر "امرؤ القيس" من ذكر أسماء المواضع التي نزل بها، وقد أفادنا بذلك في معرفة تلك المواضع. وفي جملة ما ذكره موضع "الخص"، وقد اشتهر بالخمر. وهو قرية من أسفل الفرات: كأن التجار اصعدوا بسبيئة من الخص حتى أنزلوها على يسر
وقوله: لمن الديار عرفتها بسحام فعمامتين فهضب ذي أقدام

(1/5909)


فصفا الأطيط فصاحتين فعاسم تمشي النعاج بها مع الآرام
وقد ذكر عشرة مواضع من أرض البحرين بقوله: غشيت ديار الخي بالبكرات فعارمة فبرقة العيرات
فغول فحليت فنفي فمنعج إلى عاقل فالجب ذي الأمرات
وله أشعار أخرى كثر فيها ورود أسماء المواضع.
ويذكر ان قوما من أهل اليمن أقبلوا يريدون النبي، فضلوا، ووقعوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء، وأوشكوا على الهلاك، فأنشد أحدهم بيتين من شعر امرئ القيس، هما: لما رأت ان الشريعة همها وان البياض من فرئصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج بفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال أحدهم: ضارج عندكم، وأشار اليه فمشوا على الركب، فإذا ماء غدق، واذا عليه العرمض، والظل يفيء عليه، فشربوا وحملوا واولا ذلك لهلكوا. ولما بلغوا النبي، أخبروه خبرهم، فقال: "ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه الواء الشعراء إلى النار". وروي عن "عمر" قوله في "امرئ القيس": "سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر". ونجد لهذا الشاعر ذكرا في كتب الحديث.
وذكر أن "امرأ القيس" أشار إلى "ابن مندلة" "ملك العرب" بقوله: فأقسمت لا أعطي مليكا ظلامة و لا سوقة حتى يؤوب ابن مندلة
وروي أن هذا البيت، هو لعمرو بن جوين.

(1/5910)


وتذكر قصة رواها "أبو الحسين" النسابة، أن "حجرا" والد امرئ القيس نهى ابنه عن قول الشعر، فلما لم ينته عنه، أمر أحد غلمانه أن يقنله ويأتيه بعينيه، فانطلق به الغلام، فاستودعه جبلا منيفا، وعلم أن أباه سيندم على قتله. وعمد الغلام إلى جؤذر كان عنده فنحره وامتلخ عينيه، فأتى بهما حجرا، فانفجر حجر من الغضب والندم، حتى هم بقتل الغلام، فأخبره الغلام، أنه لم يقتله، وانه لازال حيا، وانه كان يعلم أن والده سيندم على قتله. فأمره عندئذ بالذهاب اليه، والعودة به إلى بيته، فأتاه به. وكف امرؤ القيس من قول الشعؤر حتى قتل أبوه. وهي قصة نجد أمثالها في أساطير الأمم الأخرى. والى هذه القصة أشار "امرؤ القيس" بقوله: فلا تتركني يا ربيع لهذه وكنت أراني قبلها بك واثقا
وتذكر رواية أخرى ان أباه نهاه بعد عودته اليه من قول اشعر، ثم انه قال: ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي
فبلغ ذلك أباه فطرده.

(1/5911)


والمشهور بين علماء الشعر، ان امرأ القيس انما طرد، لأنه كان يقول الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فزجره أبوه ومنعه عن قوله، فلما لم ينته طرده. فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر ابن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام، فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى الصيد فتصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه، و لا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن، فقال: ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم و لا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر! ثم شرب سبعا، فلما صحا إلى أن لا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدهن و لا يصيب امرأة، و لا يغسل رأسه حتى يدرك ثأره. وهكذا صيروا "امرأ القيس" من الصعاليك، وجعلوه في عدادهم، فاتكا كثير الغزل والولوع بالنساء، يتنقل في أحياء العرب ويغير بهم، فيصف الأوثان، ويبكي على الدمن، ويذكر الرسوم والأطلال وغير ذلك.
ويرجع سند أكثر الروايات المتقدمة والتي بعدها إلى "ابن الكلبي"، ولابن الكلبي كتاب يتصل بامرئ القيس اسمه: "كتاب تسمية ما في شعر امرئ القيس من اسماء الرجال والنساء"، وله روايات مدونة في الأغاني وفي كتب أدب أخرى عن هذا الشاعر وعن ملوك كندة، ويظهر أنه قد اصطنع قصص امرئ القيس، وأضاف على القصص شعرا، ليكون له سندا وتفسيرا، وقد يكون أخذ القصص من أفواه الأعراب والرواة الذين حرفوا تأريخ امرئ القيس ووالده وحوروه وحولوه على طريقتهم المألوفة إلى قصص وأساطير، تميل نفوسهم إلى الاستماع اليها، فنقلها عنهم كما سمعها. غير أن "ابن الكلبي"، كان كما نعلم من الوضاعين، وكان من العارفين بدروب الشعر، وكان أيضا مثل والده ممن يضع الشعر على ألسنة الناس.

(1/5912)


وتذكر قصة "امرئ القيس" أنه انتقم من "بني أسد" قتلة والده، فقرت عيناه بأخذه الثأر منهم. وقد نظم ذلك في شعره. وتذكر أنه خرج اليهم أول ما خرج مع بكر وتغلب، وهم الذين كانوا معه، فأدرك بني أسد ظهرا، فكثرت الجرحى والقتلى، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب، أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: والله ما فعلت و لا أصبت من بني كاهل و لا من غيرهم من بني أسد أحدا ؛ قالوا: بلى، ولكنك رجل مشؤوم، وانصرفوا عنه، فمشى هاربا لوجهه، حتى أمده "مرثد الخير بن ذي جدن" الحميري، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر رجالا من القبائل، ثم خرج فظفر بني أسد، وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه اليه الجيوش، فتفرق من كان معه ونجا في عصبته. فكان ينزل على بعض العرب ويرحل حتى قدم على السموأل، ثم على قيصر، على نحو ما ذكرت.
وتذكر رواية ان "امرأ القيس" لما مر ببكر بن وائل طالبا منهم النصرة، سألهم عن شاعر محسن فيهم، فأتوه بعرو بن قميئة الضبعي، وقد أسن، فأعجب به "امرؤ القيس"، فأخذه معه، حتى ذهب إلى "الحارث بن أبي شمر" الغساني، طالبا منه النجدة، فقال له: اني لست لأقدر على المسير إلى العراق في هذا الوقت، ولكني أسير معك إلى الملك قيصر، فهو أقوى مني على ما سألت، وكانت للحارث وفادة على الملك، فأوفده معه. فالذي أخذ "امرأ القيس" إلى الروم هو "الحارث"، على هذه الرواية. والمعروف من الروايات الأخرى ان هذا الملك طالب "السموأل" بأسلحة "امرئ القيس" التي أودعها عنده، فلما أبى السموأل إلا اعطاءها إلى "آل امرئ القيس" الشرعيين وورثته، حاصره، وقتل ابنه، فضربت العرب بالسموأل المثل في الوفاء.
وكنية امرئ القيس"أبو يزيد"، ويقال: "أبو وهب"، ويقال: "أبو الحارث"، ويقال "أبو كبشة". وأما اسمه، فاختلف فيه، فقيل: "عدي"، وقيل"مليكة"، وقيل"حندج". وكان يقال له: "الملك الضليل"، و "الضليل"، و "ذو القروح".

(1/5913)


ويذكر أهل الأخبار ان "امرأ القيس" كان معنا عريضا ينازع كا من قال انه شاعر، فنازع "التوأم اليشكري"، "الحارث بن التوءم"، فقال له: "إن كنت شاعرا فملط أنصاف ما أقول وأجزها". ونازع "عبيد بن الأبرص".
واذا أخذنا بآراء بعض المستشرقين عن سنة وفاة الشاعر "امرئ القيس" من أنها كانت بين السنة "530" والسنة "540" بعد الميلاد، فيكون عصر أقدم شعر جاهلي وصل الينا لا يزيد عمره على القرن السادس للميلاد، أو أواخر القرن الخامس للميلاد. وهذا التقدير معقول يتناسب مع الأخبار المروية عن هذا الشاعر.
روي أن رؤية بن العجاج قال: حدثني أبي عن أبيه قال: حدثتني عمتي. قالت: سألت امرأ القيس، ما معنى قولك: كرك لأمين على نابل ? فقال: مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤاما وظهارا، فما رأيت أسرع منه و لا أحسن، فشبهت به. ولو أخذنا بهذه الرواية وصدقناها، فلن نتمكن من الارتفاع بها من حيث الزمن إلى أكثر من هذا التقدير.
وذكر أن "امرأ القيس" لما هرب من "المنذر بن ماء السماء" صار إلى جبلي طئ:فتتزوج أم جندب. وصادف أن جاءه "علقمة بن عبدة التميمي"، فتذاكرا الشعر، فقال امرؤ القيس:أنا أشعر منك، وقال علقمة:بل أنا أشعر منك! فتحاكما إلى أم جندب، فأخذ كل واحد منها يقول شعرا وهي تسمع، وتعلق عليه، ففضلت أم جندب "علقمة" عليه، فغضب "امرؤ القيس" وطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي علقمة الفحل.
جاء في الكتاب "الشعر والشعراء": "وكان امرؤ القيس في زمان أنو شروان ملك العجم، لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحارث بن أبي شمر الغساني.

(1/5914)


وهو الحارث الأكبر. والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذي نصبه أنوشروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنوشروان وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم، اربعين سنة، كأنه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى، ومما يشهد لهذا، ان عمرو بن المسيح الطائي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة في وفود العرب وهو ابن مائة وخمسين سنة وأسلم. وعمرو يومئذ أرمى العرب. وهو الذي ذكره امرؤ القيس".
و"عمرو بن المسبح" "المسيح?" الطائي، هو الذي عناه "امرؤ القيس" بقوله: رب رام من بني ثعل مخرج كفيه من ستره
وكان كما يزعم اهل الأخبار ارمى العرب يومئذ ومن فرسانهم المعوفين. ومن المعمرين. عمر على ما بقولون مائة وخمسين سنة، وجعلوه ممن أدرك أيام الرسول، بل وعموا انه وفد عليه فاسلم ز وجعل بعض أهل الأخبار وفاته في خلافة "عثمان". وتوقف "ابن قتيبة" في "المعارف"، فقال: "لا يدري أقبض قبل النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعده"، "ولست أدري اقبض قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أم بعده".
وذكروا أنه هو القائل: لقد عمرت حتى شف عمري على عمرو بن علة وابن وهب
ولا يعقل خبر بقاء "عمرو بن المسبح" الطائي "إلى ايام النبي، ولا سيما خبر من جعل موته في خلافة عثمان. ولعل شخصا كان اسمه مثل هذا الإسم نفاشتبه امره على الرواة، فظنوه صاحب امرئ القيس. ولو كان هو صاحبه لما سكت عشاق الشعر والباحثون عن شعر صاحبه عنه، ولوجدنا له خبرا مع الرسول أو عمر عن حياة امرئ القيس.
وقد أشير إلى "البريد" في شعر "امرئ القيس"، إذ ذكر أنه نادم "قيصر" واركبه البريد: ونادمت قيصر في ملكه فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكة سبقت الفرانق سبقا بعيدا

(1/5915)


وكانت البرد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قتل مسروق عظيم الحبشة، كذلك كانت برد كسرى إلى الحبرة: إلى النعمان وآبائه، و كذلك كانت برده إلى البحرين:إلى امكعبر مرزبان الزارة، والى مشكاب، والى المنذر بن ساوي، وكذلك كانت برده إلى عمان، إلى الجلندي بن المستكبر، فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، الا ما كان من ناحية الشام، فان تلك الناحية من مملكة خثعم و غسان إلى الروم، الا ايام غلبت فارس على الروم".
ويرجع الفضل في تخليد شعر"امريء القيس" إلى "حماد" الراوية، و إلى "ابي عمرو بن العلاء". وكان "ابو عمرو بن العلاء" يقول:"فتخ الشعر بامريء القيس وخنم بذي الرمة". والى "الفرزدق" الذي كان من اروى الناس لاحاديثه و اشعاره، و إلى "ابن الكلبي" الذي نجد عنه نقولا في كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة، وتخص "انرأ القيس"، و قي كتاب الاغاني، وهو من اهم الاخباريين الراوين لاخبار كندة.
وذكر "الرياشي" ان كثيرا من الشعر الوارد في ديوان امريء القيس، وهو منحول عليه، وهو لجماعة من اصحابه، مثل عمرو بن قميثة. وقد نص بعضهم على انه لم يصح له الا نيف و عشرون شعرا بين طويل و قطعة. وقد عني علماء الشعر و الاخبار بجمع اشعاره في ديوان، فجمعه غير واخد منهم، وشرحه كثيرون، و طبع جملة طبعات، وترجم إلى مختلف اللغات.
وقد اختلف رواة الشعر في ضبط عدد ابيات معلقة امريء القيس، كما اختلفوا قي تقديم و تأخير الابيات، " وفي رواية بعض الالفاظ، بحيث لا تجتمع اثنتان منها على صورة واحدة". وذكر "البغدادي": ان قصيدة امريء القيس التي مطلعها: الا عم صباحا ليها الطلل البالي
هي من عيون شعره، وعدتها ستة و خمسون بيتا، واكثرها وقعت شواهد في كتب المؤلفين، وفي كتب النحو و المعاني.

(1/5916)


"وكان امرؤ القيس يروي شعر ابي دؤاد الايادي و يتوكأ عليه، وهو فحل قديم كان احد نعات الخيل المجيدين". " ثم هو كان يعرف ان امرأ القيس ابن حذام يبكي في شعره الطلول، فأخذ ذلك عنه كما اخذ صفة الخيل عن ابي دؤاد، وتراه يخاول ان يلخقه في اجادة نعتها و الشهرة بذلك ن حتى لا يخلو اكثر شعره من هذا الوصف".
وقد كان يعاصره من الشعراء المعروفين: علقمة بن عبدة، وعبيد بن الابرص، و الشنفري، وسلامة بن جندل، والمثقب العبدي، والبراق بن روحان، وتأبط شرا، والتوءم اليشكري.
وزعم ان "التوءم" اليشكري لقي "امرأ القيس" يوما فقال له: ان كنت شاعرا كما تقول فملط لي انصاف ما اقول فأجزها، فقال: نعم: فقال امرؤ القيس: أحار ترى بريقا هب و هنا
فقال التوءم: كنار مجوس تستعر استعارا
واستمر على ذلك. ولما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ايامه من يطاوله، إلى ان ينازع الشعر احدا ابدا.
ونجد للباقلاني صاحب كتاب"اعجاز القرآن" آراء في بعض اشعار "امريء القيس"، حيث ينتقد بعض الابيات و يبين ما فيها من عيوب. كما نجد في كتب "النقد" آراء في شعرهن وهي بين مستحسن و مستهجن لبعض الابيات أو القصائد. "ومن الخصائص العروضيةفي شعره استعمال الضرب المقبوض في الطويل، وكثرة الاقواء في القافية، وكثرة التصريع في غير اول القصيدة".
وللقدماء ملاحظات عن شعر "امريء القيس"، وقد شك بعض منهم في كثير من شعره وذهبوا إلى انه من الموضوعات، وقد اشاروا اليه، ثم جاء المستشرقون، فركنوا إلى ما قاله القدماء عنه، وابدوا رأيهم فيه، و تحدث المحدثون من العرب عنه، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين، حيث انكر شعره لحجج اوردها في كتابه في الادب الجاهلي.
وعاش في ايام "امريء القيس" شاعر آخر عرف ايضا بأمريء القيس، هو"امرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هبل بن ابي زهير بن جناب بن هبل".

(1/5917)


و "طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك"، من قيس بن ثعلبة، وهو ابن اخي"المرقش الاصغر"، وكان من المقربين إلى عمرو بن هند" ملكالحيرة ن ومن المنادمين لاخيه"ابو القابوس". وهو ابن اخت"جرير بن عبد المسيح" المعروف ب"المتلمس". وقد قال الشعر وهو صغير السن، ومات ابوه وهو صغير، واكل اعمامه ماله، وأبوا تقسيمه، قهجاهم، واشتهر بمعلقته التي عاتب بها ابن عمه "مالكا" لانه لم يعن اخاه"معبدا" في جمع شتات ابله. وقد قتل بالبحرين على ما يذكره اهل الاخبار في قصص متضارب، اختلف في سبكه الرواة.
واسم "طرفة" عمرو، وانما سمي طرفة لقوله: لا تعجلا بالبكاء اليوم مطرفا ولا اميريكما بالدار اذ وقفا
وقيل ان كنيته "ابو عمرو". وقد فضل بعض علماء الشعر شعره على شعر سائر الشعراء الجاهليين.
وكان"طرفة" احدث الشعراء سنا و اقلهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة. فيقال له "ابن العشرين". وقيل بضع وعشرين سنة. وامه "وردة" من رهط ابيهن وفيها يقول لاخواله وقد ظلموها حقها، بأن يعطوها حقها: ما تنظرون بمال وردة فيكم صغر البنون ورهط وردة غيب
و يقال ان اول شعر قاله"طرفة" انه خرج مع عمه في سفر، فنصب فخا، فلما اراد الرحيل قال: يالك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي و اصفري
ونقري ما شئت ان تنقري قد رفع الفخ فماذا تحذري
لا بد يوما ان تصادي فاصبري
وروي ان اخنه رثته بقولها: عددنا له ستا و عشرين حجة فلما توفاها استوى سيدا ضخما
فجعنا به لما رجونا ايابه على خير حال لا وليدا ولا قحما
ورغم قلة ما نسب إلى "طرفة" من الشعر، فقد قدمه علماء الشعر على غيره من الشعراء بان جعلوا ترتيبه الثاني بعد امريء القيس، ولهذا ثنوا بمعلقته. ذكر "ابن قتيبة" انه اجود الشعراء فصيدة. وقد ذكر "ابن سلام" ان معظم شعر "طرفة" قد ضاع حتى لم يبق منه بأيدي المصححين لشعره الا بقدر عشر قصائدن مع انه كان من اقدم الفحول. وقد حمل عليه كثيرا من الشعر.

(1/5918)


وكان في خسب من قومه ن جريئا على هجائهم و هجاء غيرهم. وكانت اخته عند"عبد عمرو بن بشر بن مرئد"، وكان "عبد عمرو" سيد اهل زمانه، فشكت اخت طرفة شيئا من امر زوجها اليه، فقال: ولاعيب فيه غير ان له غنى وان له كشحا، إذا قام اهضما
وان نساء الحي يعكفن حوله يقلن، عسيب من سرارة ملهما
فبلغ عمرو بن هند الشعر، فابلغه إلى "عبد عمرو" وهو معه في صيد، فقال "عبد عمرو":ابيت اللعن، الذي قال فيك اشد مما قال في، فقال: وقد بلغ من امره هذا? قال نعم. فأرسل إليه، وكتب له إلى عامله بالبحرين فقتله. في قصة منمقة مدونة في اكثر كتب الادب والاخبار. وقد تعرضت لها في مكان اخر من هذا الكتاب. ويقال ان الذي قتله"المعلى بن حنش العبدي"، و الذي تولى قتله بيده"معاوية بن مرة الايفلي"، حي من طسم و جديس. و قيل "الربيع بن حوثرة" عامله على البحرين. وقيل ان قاتله:"عبد هند ابن جرد بن جري بن جروة بن عمير" التغلبي، عامل "عمرو بن هند" على البخرينز وان "عمرو بن هند"، كان قد جعل "طرفة" و "المتلمس" في صخابة "قابوس" اخيه، فكان "قابوس" يتصيد يومان ويشرب يوما، فكان إذا خرج إلى الصيد خرجا معه، فنصبا وركضا يومها، فاذا كان يوم لهوه وقفا على بابه يومها كله، فلما طال ذلك عليهما، هجا طرفة"عمرو بن هند" واخاه، فبلغ الهجاء الملكن فقرر قتلهماز وورد ان "عمرو بن هند"، كان قد رشح اخاه "قابوس بن المنذر" ليملك بعده، وانه جعل "طرفة" و " المتلمس" في صحابة "قابوس" وامرهما بلزومه، فكان قابوس شابا يعجبه اللهو، وكان يركب للصيد، فيركض يتصيد، وهما معه يركضان حتى يرجعا عشية وقد نعبا، فيكون قابوس من الغداة في الشرب قيقفان بباب سرادقه إلى العشي، فضجرا منه فهجواه وهجوا عمرا معه، فبلغ ذلك الهجاء عمرا ففعل بهما ما فعل.
ويقال ان "طرفة" كان ينادم يوما عمرو بن هند، فشرفت ذات يوم اخته، فرأى طرفة ظلها في الجام الذي في يده فقال: الا يا بأبي الظبي الذي يبرق شنفاه

(1/5919)


ولولا الملك القاعد قد الثمني فاه
فحقد ذلك عليهن وكان قال ايضا: وليت لنا مكان الملك عمرو رغوثا حول قبتنا تدور
لعمرك ان قابوس بن هند ليخلط ملكه نوك كثير
وقابوس هو اخو "عمرو بن هند". وكان فيه لين، و يسمى قينة العرس، فحقد "عمرو بن هند" عليه و استدعاه، وكتب له كتابا، وكتب بمثل ذلك "للملتمس"، وشك الملتمس" في امر الصحيفة، ومزقها ن ومضى طرفة إلى البحرين، فأخذه "الربيع بن حوثرة" فسقاه الخمر حتى اثمله، ثم فصد اكحله، فقبره بالبحرين. وكان لطرفة اخ يقال له "معبد بن العبد"، فطلب بديته، فاخذها من الحواثر.
ويرى "بروكلمن" أن "طرفة" لم ينادم أبا قابوس، وإنما نادم "عمرو ابن مامة" أخ الملك من أبيه، باليمامة. وكان قد التجأ إلى "مراد"من عداوة أخيه. فعاقب الملك "طرفة" بأخذ إبله التي تركها في "تبالة" من ديار "لخم"، فهجاه طرفة. وقد ذكر "المرتضى" رواية تذكر أن صاحب المتلمس وطرفة هو "النعمان بن المنذر"، وذلك أشبه بقول طرفة: أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ولم أعطكم في الطوع مالي و لا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وأبو منذر، هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان، فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان.
وذكر "ان عائشة سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر? فقالت: لا، إلا لبيت طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فجعل يقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فقال أبو بكر: ليس هكذا. فقال: اني لست بشاعر، ولا ينبغي لي".
وينسب إلى طرفة قوله: عفا من آل ليلى السه ب، فالأملاح فالغمر
فعرق فالرماح فال لوى من أهله قفر
وأبلي إلى الغرا ء فالماوان فالحجر
فأمواه الدنا فالنج د فالصحراء فالنسر
فلاة ترتعيها العي ن فالظلمان فالعفر
وينسب للخرنق أيضا.

(1/5920)


ويقدم علماء الشعر "طرفة" على غيره من الشعراء، بإجادته وصف الناقة في معلقته على نحو لم يسبق اليه. وقد جعله "لبيد" بعد "امرئ القيس" في الشعر، وقال عنه "أبو عبيدة: طرفة أجودهم واحدة، ولا يلحق بالبحور، يعني امرأ القيس وزهيرا والنابغة، ولكنه يوضع مع أصحابه: الحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم وسويد بن أبي كاهل".
وقد ذكر علماء الشعر أبياتا جيدة لطرفة سبق بها غيره من الشعراء، فأخذها عنه الشعراء وضمنوها أو ضمنوا معناها شعرهم. وممن اقتبس منه: "لبيد" و "الطرماح" و "عدي بن زيد" العبادي، وعبد الله بن نهيك بن أساف الأنصاري وغيرهم.
وتعد "معلقة" "طرفة" أطول المعلقات أبياتا، فهي تتألف من )105" أبيات في شرح القصائد العشر للزوزني، وقد يزيد عليها بيتا أو أكثر في بعض الروايات. وتنتهي المعلقة بذكر الموت، وبالنصح، وبأن الأيام معارة فما استطعت من معروفها فتزود بها، ثم ختمها بقوله: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وهي حكم، لا تصدر في العادة إلا من شيخ شارف على الموت ومن حكيم عرك الأيام، ومن رجل خبير مجرب. والقصيدة نفسها من نفس رجل، يجب أن يكون قد خبر الحياة، ومارس الشعر زمنا، فهل تكون من نظم شاب هو ابن عشرين سنة، أو بضع وعشرين? وفي معلقة "طرفة" أبيات تشير إلى وقوفه على سفن الفرات ودجلة والبحر، إذ يقول فيها: كأن حدوج المالكية غدوة خلايا سفين بالنواصف من دد
عدولية أو من سفين ابن يامن يجوز بها الملاح طورا ويهتدي
يشق حباب الماء حيزومها بها كما قسم الترب المفائل باليد
ويقول فيها أيضا: وأتلع نهاض إذا صعدت به كسكان بوصي بدجلة مصعد

(1/5921)


وزهير بن أبي سلمى، من هذا الرعيل الذي عدت إحدى قصائده من المعلقات. وكان على ما يقال رواية لأوس بن حجر زوج أمه، وكان أوس راوية للطفيل الغنوي، وهو والد "كعب بن زهير" الشاعر الشهير الذي كساه الرسول بردة له، بعد أن كان قد أمر بقتله لما بلغه من هجائه له. فلما سمع "كعب" بذلك جاء إلى المدينة فأسلم، وطلب العفو، وقال قصيدته الشهيرة بحضرة الرسول فعفى عنه وأعطاه البردة. أما والده "زهير"، فقد توفي قبل المبعث، و لا صحة لما ذكره البعض من انه لقي الرسول. وقد كان يكنى ب"أبي بجير". وأتى "بجير" النبي وأسلم. وقد زعم انه رأى رؤيا في منامه، ان سببا تدلى من السماء إلى الأرض وكان الناس يمسكونه، فأوله بنبي آخر الزمان، وان مدته لا تصل إلى زمن بعثه، وأوصى بنيه أن يؤمنوا به عند ظهوره. ثم توفي قبل المبعث بسنة.
وهو "زهير بن أبي سلمى"، واسم "أبي سلمى" ربيعة بن رياح المزني، من مزينة بن أد بن طابخة، وكانت محلتهم في بلاد "غطفان"، فظن الناس أنه من غطفان. وقد ذهب "ابن قتيبة" إلى أنه من "غطفان" ورد على من زعم أنه من مزينة. وهو أحد الشعراء الثلاثة الفحول، المتقدمين على سائر الشعراء بالاتفاق، وإنما الخلاف في تقديم أحدهم على الآخر، وهم امرؤ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني. ويقال إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير. وكان والد "زهير" شاعرا، وأخته "سلمى" شاعرة، وأخته "الخنساء" شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وابن ابنه "المضرب بن كعب" شاعرا. وكان خال "زهير بن أبي سلمى": "أسعد بن الغدير" شاعرا، وقد عرف بأمه، وكان أخوه: "بشامة بن الغدير" شاعرا، كثير الشعر.
ويظهر من شعر ينسب اليه انه عاش أكثر من مائة سنة، إذ نراه يتأفف من هذه الحياة، ومن مشقاتها، حتى سئم منها، إذ يقول: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا، لا أبا لك يسأم

(1/5922)


ويقول: بدا لي إن الله حق فزادني إلى الحق، تقوى الله ما كان باديا
بدا لي اني عشت تسعين حجة تباعا وعشرا عشتها وثمانيا
أو: ألم ترني عمرت تسعين حجة وعشرا تباعا عشتها، وثمانيا
ويظهر ان بيت بدا لي ان الله حق فزادني، وما بعده من الشعر المنحول عليه. ولم يرد في رواية أبي العلاء، والأصمعي، والمفضل الضبي، والسكري.
وفي شعر زهير، زهد ووعظ وتهذيب، حملت بعض الباحثين على اعتباره نصرانيا، ويشك "بروكلمن" في ذلك، إذ يرى ان أثر النصرانية وإن كان واسع الانتشار في جزيرة العرب في ذلك الوقت، بيد انه لا توجد لدينا أدلة تحملنا على جعله نصرانيا. وقد ذكر علماء الشعر ان "زهيرا" كان يتأله ويتعفف في شعره. ويدل شعره على ايمانه بالبعث وذلك قوله: يؤخر فيودع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يجعل فينقم
ومن جيد شعره في تحديد اليمين قوله: فإن الحق مقطعه ثلاث يمين أو نفارأو جلاء
وقد ثمن شعره وقدره العلماء. قال "الثعالبي" فيه: "انه أجمع الشعراء للكثير من المعاني في القليل من الأفاظ". وفي معلقته أبيات في نهاية الحسن والجودة، وقد جرت مجرى الأمثال الرائعة.
وورد أن "عمر بن الخطاب" كان لا يقدم عليه أحدا. وذكر أن "عمر" قال لابن عباس: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين? قال: زهير. قيل بم كان ذلك? قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، و لا يمدح الرجل بما لا يكون في الرجال. قال: فأنشدته حتى برق الصبح. وورد أن عمر كان جالسا "مع قوم يتذاكرون أشعار العرب إذ أقبل ابن عباس، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بالشعر، فلما جلس قال: يا ابن عباس، من أشعر العرب? قال: زهير بن أبي سلمى. قال فهل تنشد من قوله شيئا نستدل به على ماقلت، قال: نعم، امتدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال: لو كان يقعد فوق الشمس من أحد قوم لأولهم يوما إذا قعدوا

(1/5923)


محسدون على ما كان من نعم لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
وورد في رواية أخرى، ان "عمر" قال لابن عباس: "أنشدني لشاعر الشعراء، الذي لم يعاظل بين القوافي، ولم يتبع وحشي الكلام، قال: من هو يا أمير المؤمنين? قال: زهير".
وكان زهير أستاذ الحطيئة. وسئل عنه "الحطيئة" فقال: ما رايت مثله في تكفيه على اكتاف القوافي، وأخذه بأعنتها. حيث شاء، من اختلاف معانيها، امتداحا وذما. قيل له: ثم من? قال: ما أدري، إلا أن تراني مسلنطحا واضعا إحدى رجلي على الأخرى رافعا عقيرتي أعوى في أثر القوافي.
"قال أبو عبيدة: يقول من فضل زهيرا على جميع الشعراء: انه أمدح القوم وأشدهم أسر شعر. قال وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: الفرزدق يشبه بزهير. وكان الأصمعي يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنهم نقحوه ولم يذهبوا به مذهب المطبوعين. قال: وكان زهير يسمي كبر قصائده الحوليات.
وكان جيد شعره في هرم بن سنان المري. وقال عمر رضي الله عنه لبعض ولد هرم: أنشدني بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطيه فنجزل! فقال عمر رضي الله عنه: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم". وقد عيب على. "زهير" لأخذه عطايا "هرم بن سنان"، إذ عد أهل الأخبار ذلك نوعا من التكسب بالشعر، وهو مرذول عند العرب.
وقد قدمه "الأخطل" كذلك، وقال "ابن الأعرابي": "كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعر وخاله شاعر وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعران، وأخته الخنساء شاعرة". ومن قدم زهيرا قال: "كان أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره". وقيل ان أمدح بيت قالته العرب، هو بيت زهير: تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله

(1/5924)


ولزهير قصيدة أولها: ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
يقال إنه قالها لما طلب "كسرى" النعمان بن المنذر، ففر فأتى طيا، فسألهم أن يدخلوه جبلهم، فأبوا، فلقيه بنو رواحة من عبس، فقالوا له: أقم فينا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال: ى طاقة لكم بكسرى، واثنى عليهم خيرا. وورد أن "الأصمعي" أنكر كون هذه القصيدة لزهير. ونسبها بعضهم "لصرمة بن أبي أنس الأنصاري"، وهي لا تشبه كلام زهير.
ولزهير شعر سبق به غيره، فأخذه الشعراء منه وضمنوه شعرهم. وقد ذكر العلماء أمثلة على ذلك. "ويروي أن لزهير سبع قصائد نظم كلا منها في عام كامل، ومن ثم سميت: الحوليات".
ومن أولاد زهير بن أبي سلمى، كعب وبجير. وكان "بجير" قد أسلم قبل "كعب". فبلغ ذلك كعبا، فقال شعرا تعرض فيه بالرسول فهدر الرسول دمه، فكتب "بجير" اليه شعرا يخوفه فيه ويدعوه إلى الإسلام، فجاء وأسلم.
و"لكعب" ولد يقال له "المضرب بن كعب". كان شاعرا، واسمه: "عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى"، لقب بالمضرب، لأنه شبب بامرأة من بني أسد، فضرب، فسمي المضرب. روى له الشريف "المرتضى" شعرا.
وكانت لزهير بنت كانت شاعرة كذلك. ذكر ان بنت زهير دخلت على "عائشة"، وعندها بنت "هرم بن سنان"، فسألت بنت هرم: بنت زهير من أنت? قالت:أنا بنت زهير. قالت: أو ما أعطى أبي أباك ما أغناكم? قالت: إن أباك أعطى أبي ما فنى، وإن أبي أعطى أباك ما بقي، وأنشدت بنت زهير: وإنك إن أعطيتني فمن الغنى حمدت الذي أعطيت من ثمن الشكر
وإن يفن ما تعطيه في اليوم أو غد فإن الذي أعطيك يبقى على الدهر

(1/5925)


والشاعر "لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب" العامري، ويكنى "أبا عقيل"، هو من أشراف قومه في الجاهلية والإسلام، وكان سخيا من أسرة معروفة. وكان في شبابه من فرسان زمانه، وقد شارك قبيلته في غاراتها على أعدائها، وذب عنها بسيفه وبقلمه. وهو من الشعراء المترفعين الذين ترفعوا عن مدح الناس لنيل جوائزهم وصلاتهم كما كان من الشعراء المتقدمين في الشعر.
وقد عرف والده ب"ربيعة المقترين"، أو "ربيع المقترين"، لسخائه. وقد ذكره "لبيد" ابنه في شعره بقوله: و لا من ربيع المقترين رزئته بذي علق فاقني حياءك واصبري
وتحدث عن كرمه، فقال: وأبي الذي كان الأرا مل في الشتاء له قطينا
وقد قتل والده وهو صغير السن، فتكفل أعمامه بتربيته. ويرى "بروكلمن" احتمال مجيء "لبيد" إلى هذه الدنيا في حوالي سنة "560م". أما وفاته، فكانت سنة أربعين، وقيل احدى وأربعين، لما دخل معاوية الكوفة إذ صالح "الحسن ابن علي" ونزل "النخيلة"، وقيل إنه مات بالكوفة أيام "الوليد بن عقبة" في خلافة عثمان، وقد رجح "ابن عبد البر" هذه الرواية، وورد أنه توفي سنة نيف وستين.
وقد عرفت أم "ربيعة بن مالك"، أي والد "لبيد" ب"أم البنين"، وهي بنت "عمرو بن عامر بن صعصعة"، وكانت تحت "مالك بن جعفر بن كلاب"، فولدت له منه "عامر بن مالك" ملاعب الأسنة، و "طفيل بن مالك" فارس قرزل، وهو أبو "عامر بن الطفيل"، و "ربيعة بن مالك" أبا لبيد، وهو ربيع المقترين، و "معاوية بن مالك" معود الحكام "معود الحكماء"، وإنما سمي "معود الحكام" "معود الحكماء" بقوله: أعود مثلها الحكام بعدي إذا ما ألحق في الأشياع نابا

(1/5926)


وقيل انه لما مات دفن في صحراء "بني جعفر بن كلاب" رهطه، وانه لما قدم الكوفة وأقام بها، رجع بنوه إلى البادية أعرابا. وروي في خبر انه مات بالكوفة أيام "الوليد بن عقبة" في خلافة "عثمان"، فبعث "الوليد" إلى منزله عشرين جزورا فنحرت عنه. وقد رجح "ابن عبد البر"، هذه الرواية. وورد في رواية أخرى انه توفي في عهد "زياد" وفي خلافة معاوية.
وقد ذكر من ترجم حياته انه كان فارسا شجاعا سخيا، وقد جعله "ابن قتيبة" في جملة المائة فارس الذين وجههم "الحارث بن أبي شمر" الغساني، وهو "الأعرج" إلى "المنذر بن ماء السماء" لقتله، فلما صاروا إلى معسكر "المنذر"، أظهروا انهم أتوه داخلين في طاعته، فلما تمكنوا منه قتلوه، فقتل أكثرهم، ونجا لبيد، حتى أتى ملك غسان فأخبره الخبر. فحمل الغسانيون على عسكر "المنذر" فهزموهم، وهو يوم "حليمة". وقد ذكر "ابن قتيبة" في كتابه "الشعر والشعراء" ان "الحارث" كان قد أمر "الوليد" على المائة فارس، وذكر في كتابه "المعارف"، انه كان غلاما إذ ذاك. وقد وقعت معركة "يوم حليمة" سنة "554 م"، فيجب أن يكون مولد "لبيد" قبل هذا العهد. ولو أخذنا برأي أهل الأخبار القائل انه عاش فوق المائة، وانه كان يوم توفي ابن مائة وثلاثين سنة، أو مائة وأربعين، أو مائة وسبع وخمسين أو مائة وستين، جاز لنا تصور اشتراك "لبيد" في ذلك اليوم، غلاما أو شابا. ولم يذكر "ابن قتيبة" كيف جاء "لبيد" إلى "الحارث"، وهو في هذا العمر، ولم اشترك مع من اشترك في اغتيال المنذر. ولكننا نجد "الميداني"، يسمي لبيدا الذي اشترك في اغتيال "المنذر" "لبيد بن عمرو"، أي شخصا آخر، وهي رواية أدعى إلى القبول من رواية "ابن قتيبة".
وتقول قصة يرويها أهل الأخبار عن سبب نظم لبيد لأرجوزته الشهيرة، التي أولها: يا رب هيجا هي خير من دعه إذ لا تزال هامتي مقزعة

(1/5927)


أن "لبيدا" كان غلاما آنذاك، وكان قد ذهب مع وفد "بني عامر" أبناء "أم البنين"، وعليه "أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، وقد وضعوه على رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم فيرعاها. وكان "النعمان" قد ضرب قبة على "أبي براء" وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، وكان "الربيع بن زياد" العبسي ينادم النعمان ويتقدم على من سواه، وكان يدعى "الكامل"، وكان يعادي "بني جعفر"، فأوغر صدر "النعمان" عليهم، حتى صد عنهم ونزع القبة عن "أبي براء". فلما وقف "لبيد" على خبرهم، قال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدا حين يقعد الملك فأرجز به رجزا ممضا مؤلما، لا يلتفت اليه النعمان بعده أبدا? قالوا وهل عندك ذلك? قال: نعم، قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة، فقال فيها قولا أعجبهم. فلما أصبحوا قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا له رأسه، وتركوا له ذؤلبتين، وألبسوه حلة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان فوجدوه يتغدى ومعه "الربيع" ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة بالوفد. فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد: وقد دهن أحد شقي رأسه، وأرخى ازاره، وانتعل نعلا واحدة، على عادة الشعراء في الجاهلية إذا أرادت الهجاء، ثم قال رجزه حتى إذا بلغ قوله: مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه إن استه من برص ملمعه
وإنه يدخل فيها اصبعه يدخلها حتى يواري أشجعه
كأنه يطلب شيئا ضيعه نفر "النعمان" من "الربيع" ورمقه شزرا، وكره مجالسته لتأثير هذه الأبيات فيه، وأعاد القبة على "أبي براء".

(1/5928)


وقد أيد "ابن رشيق" رواية من ذكر ان "لبيدا" كان غلاما يوم قال قصيدته المذكورة بقوله: "والربيع بن زياد، كان من ندماء النعمان بن المنذر، وكان فحاشا عيابا بذيا سبابا لا يسلم منه أحد ممن يفد على النعمان، فرمى بلبيد وهو غلام مراهق فنافسه". فجعل "لبيدا" غلاما مراهقا.
ويروي أهل الأخبار خبرا يؤيد الخبر المتقدم. يقول خبرهم: "نظر النابغة إلى لبيد بن ربيعة وهو صبي مع أعمامه على باب النعمان بن المنذر، فسأل عنه فنسب له. فقال له: يا غلام، إن عينيك لعينا شاعر، أفتقرض من الشعر شيئا? قال: نعم يا عم، قال: فأنشدني شيئا مما قلته، فأنشده قوله: "ألم تربع على الدمن الخوالي" فقال له: يا غلام أنت أشعر بني عامر. زدني يا بني، فأنشده: طلل لخولة بالرسيس قديم. فضرب بيديه إلى جبينه وقال: أذهب فأنت أشعر من قيس كلها: أو قال: هوازن كلها". ويقال: انه أنشده: عفت الديار محلها فمقامها، فقال له: أذهب فأنت أشعر العرب.
واذا أخذنا بالروايتين المذكورتين القائلتين ان "لبيدا" كان صبيا أو غلاما في أيام حكم الملك النعمان، وجب علينا افتراض ان ميلاده لم يكن بعيدا عن سنة "580" أو "581" أو "582م"، السنة التي تولى فيها "النعمان" الملك، ومعنى هذا انه لم يعمر طويلا، وهو خلاف ما يذكره أهل الأخبار، وان كل ما يمكن أن نتصوره عن عمره، انه كان في حوالي الثمانين حين داهمته منيته. وقد جعل "بروكلمن" مولده حوالي السنة "560 م"، وجعل وفاته سنة "40 ه" أي حوالي السنة "660 م"، ومعنى هذا انه كان من ابناء المائة حين جاء أجله.
وللبيد شعر في "النعمان بن المنذر"، وصف فيه مجلسه. فذكر انه كان قاعدا كعتيق الطير يغضي ويجل، والهبانيق قيام، بأيديهم الأباريق، تحسر الديباج عن أذرعهم، ينتظرون أمرا يصدره اليهم. وهو شعر مدون في ديوانه يعد من جيد شعره.

(1/5929)


وله قصيدة في رثاء "النعمان"، تعرض فيها للموت ولزوال النعيم، ولعدم دوام الدنيا لأحد، ثم تحدث عن النعمان وعن النعمان وعن أعماله وتجارته ختمها بقوله: وأمسى كأحلام النيام نعيمهم وأي نعيم خلته لا يزايل
ترد عليهم ليلة أهلكتهم وعام وعام يتبع العام قابل
وقد ذكر فيها "الله" بقوله: أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى: كل ذي لب إلى الله واسل
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
وكل امرئ يوما سيعلم سعيه إذا كشفت عند الإله المحاصل
وهي قصيدة أزيد من خمسين بيتا. وأولها: ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وروي أن لبيدا أنشد النبي قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال له صدقت؛ وكل نعيم لا محالة زائل فقال له: كذبت، نعيم الآخرة لا يزول. وروي أن ذلك كان مع "أبي بكر"، وروي في خبر آخر أنه كان مع "عثمان بن مظعون".

(1/5930)


وللبيد شعر يرثي به أخاه لأمه "أربد"، وكان قد اصابته صاعقة فقتل. وكان"أربد" أكبر منه سنا. وأبوه "قيس بن جزء بن خالد بن جعفر" "أربد بن قيس بن مالك بن جعفر"، وكان يعطف على "لبيد" كثيرا وعلى ذوي رحمه، فارسا كريما، فلما أصابته الصاعقة تألم "لبيد" مما ألم بأخيه كثيرا، فرثاه برجز وبقصيد. وقد وجدت في النسخة العربية لتأريخ الأدب العربي لبروكلمن هذا النص: "ولما استقام السلطان للنبي بالمدينة، سار لبيد يحمل رسالة اليه من عمه: أربد، فأعجبه دينه". وهو وهم، فأربد هو أخوه لا عمه. قال الطبري: "وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه". وكان من خبره انه قدم مع وفد "بني عامر بن صعصعة" على الرسول، وفيه "عامر بن الطفيل" وثلاثون من رؤوس القوم وشياطينهم، وفي رأس "عامر" الغدر بالرسول، بأن يشاغله في الحديث، فيعلو "أربد" النبي بالسيف، فلم يتجاسر "أربد" على ضربه، ورجع الوفد إلى بلاده. فلما كان "عامر" ببعض الطريق أصيب بالطاعون فمات، ومات "أربد" بعد ذلك بقليل بالصاعقة.
وذكر أن "عامر" لما مات نصبت "بنو عامر" نصابا ميلا في ميل حمي على قبره، لا تنشر فيه راعية ولا يرعى ولا يسلكه راكب و لا ماش، وكان "جبار بن سلمى بن عامر بن مالك" غائبا، فلما قدم قال: ما هذه الأنصاب? قالوا نصبناها حمى على قبر "عامر"، فقال ضيقتم على أبي علي. إن أبا علي بان من الناس بثلاث. كان لا يعطش حتى يعطش الجمل، وكان لا يضل حتى يضل النجم، وكان لا يجبن حتى يجبن السيل.
وفي اصابة "اربد" بالصاعقة يقول "لبيد" يبكيه: ما ان تعرى المنون من أحد لا والد مشفق و لا ولد
أخشى على أربد الحتوف و لا ارهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق بالفارس يوم الكريهة النجد
وهي قصيدة دون أبياتها "أبن هشام".
وله قصيدة أخرى في رثاء "أربد" مطلعها: ألا ذهب المحافظ والمحامي ومانع ضيمها يوم الخصام

(1/5931)


وقد رواها "ابن هشام". وقصائد أخرى عديدة، تدل على شدة تأثره بوفاة "أربد".
وقد اختلفت الروايات في زمن إسلام "لبيد". قيل إنه أسلم سنة وفد قومه "بنو جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة" فأسلم. وقيل إن "لبيد بن ربيعة" و "علقمة بن علاثة" كانا من المؤلفة قلوبهم. وقيل إنه وفد على الرسول بعد وفاة أخيه "أربد" فأسلم.
وتجمع روايات أهل الأخبار وعلماء الشعر على إقبال "لبيد" على الإسلام من كل قلبه، وعلى تمسكه بدينه تمسكا شديدا، و لا سيما حينما بدأ يشعر بتأثير وطأة الشيخوخة عليه وبقرب دنو أجله، ويظهر ان شيخوخته قد أبعدته عن المساهمة في الأحداث السياسية التي وقعت في أيامه، فابتعد عن السياسة وانزوى في بيته، وابتعد عن الخواض في الأحداث، ولهذا لانجد في شعره شيئا، و لا فيما روي عنه من أخبار، انه تحزب لأحد أو خاصم أحدا.
وروي ان "لبيدا" ترك الشعر في الإسلام وانصرف عنه. فلما كتب "عمر" إلى عامله "المغيرة بن شعبة" على الكوفة يقول له: "استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام"، أرسل إلى "الأغلب" الراجز العجلي، فقال له: انشدني? فقال: أرجزا تريد أم قصيدا لقد طلبت هينا موجودا
ثم أرسل إلى لبيد، فقال: "انشدني ما قلته في الإسلام"، فكتب سورة البقرة في صحيفة، ثم أتى بها وقال: "أبدلتي الله هذا في الإسلام مكان الشعر" فكتب المغيرة إلى عمر، فنقص من عطاء "الأغلب" خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد. وروي ان "عمر" كتب إلى عامله بالكوفة: سل لبيدا والأغلب العجلي ما أحدثا من الشعر في الإسلام? فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه.

(1/5932)


وروي الخبر المتقدم بشكل آخر. روي أن "عمر بن الخطاب" قال للبيد: أنشدني، فقرأ سورة البقرة، قال: ما كنت لأقول شعرا بعد اذ علمني الله سورتي البقرة وآل عمران. فزاد في عطائه خمس مائة، وكان ألفين. فلما كان في زمن "معاوية" قال له "معاوية": هذان الفودان فما بال العلاوة? وأراد أن يحطه إياه، فقال أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان ! فرق له، وترك عطاءه على حاله، ومات بعد يسير. وورد في رواية أخرى أن "معاوية" كتب إلى"زياد" أن اجعل أعطيات الناس في ألفين، وكان عطاء "لبيد" ألفين وخمسمائة. فقال له "زياد": "أبا عقيل هذان الخراجان، فما بال هذه العلاوة? قال: ألحق الخراجين بالعلاوة، فإنك لا تلبث إلا قليلا حتى يصير لك الخراجان والعلاوة! فأكملها "زياد" "ولم يكملها لغيره. فما أخذ لبيد عطاء آخر حتى مات.
وقيل إن لبيدا لم يقل في الإسلام إلا بيتا واحدا، هو: ما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء ينفعه القرين الصالح
في رواية. وورد على هذه الصورة: ماعاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح
في رواية أخرى.
وقيل هو هذا البيت: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى كساني من الإسلام سربالا
وذكر بعض العلماء أن البيت: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسبت من الإسلام سربالا
ليس للبيد، بل هو ل"قردة بن نفاثة".
ومن الشعر المستجاد المنسوب إلى لبيد، قصيدته: إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل
أحمد الله فلا ند له بيديه الخير من شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
وقد زعم بعض العلماء أنها قيلت في الجاهلية، ولكنها لا يمكن أن تكون من شعر الجاهلية، لما فيها من آراء اسلامية، ثم انها قيلت بعد موت "اربد"، وكان لبيد مسلما آنذاك على ما جاء في بعض الأخبار.
ومما جاء فيها: اعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
إن ترى رأسي أمسى واضحا سلط الشيب عليه فاشتعل

(1/5933)


وقوله: غير أن لا تكذبنها في التقى وأخزها بالبر لله الأجل
وهي قصيدة تبلغ عدتها "85" بيتا، بعض أبياتها لشعراء آخرين، وقد نسبها بعض العلماء اليه، فأدخلت في القصيدة.
ومما جاء فيها في حق "أربد" قوله: من حياة قد مللنا طولها وجدير طول عيش أن يمل
وأرى اربد قد فارقني ومن الأرزاء رزء ذو جلل
وقد عاب بعض العلماء عليه قوله:
ومقام ضيق فرجته بمقامي ولساني وجدل
لو يقوم الفيل أو فياله زال عن مثل مقامي وزحل
"وقالوا: ليس للفيال من الخطابة والبيان، ولا من القوة، ما يجعله مثلا لنفسه، وانما ذهب إلى ان الفيل أقوى البهائم، فظن ان فياله أقوى الناس! قال أبو محمد، وأنا أراه أراد بقوله: لو يقوم الفيل أو فياله مع فياله، فأقام" أو " مقام الواو".
وفي هذه القصيدة إشارة إلى صلاة اليهود، حيث يقول: يلمس الأحلاس في منزله بيديه كاليهوديب المصل
"قال أبو الحسن الطوسي: كأنه يهودي يصلي في جانب يسجد على جبينه. قال البغدادي: واليهودي يسجد على شق وجهه".
وقد تعرض "كارلو نالينو" لهذه القصيدة: فقال: "ومن المشهور ما في ديوانه من العبارات الدينية، بل الشبيهة بالعقائد الاسلامية"، ثم ذكر أبياتأص منه، ثم قال: "ولكن ليس كل ما ينسب اليه في ديوانه من هذا الباب صحيحا، بل لا أختلاف في بعض الأشعار انها مصنوعة".
ونسب له قوله: من يبسط الله عليه اصبعا بالخير والشر بأي أولعا
يملأ له منه ذنوبا مترعا وقوله: وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها، وغدوا بلاقع
وقوله: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
وفي هذه الأبيات إشارات إلى رأي لبيد في الدنيا وفي الموت، وهي آراء يقولها في العادة المعمرون، فإذا صح انها له، فلابد وأن تكون من شعره الذي قاله بعد تقدمه في السن.

(1/5934)


ويظهر أن الكبر هو الذي حمل "لبيدأ" على ترك الشعر أو الاقلال منه، فالتقدم في السن يوقف القريحة ويجمد الذهن. فلما أرسل "الوليد بن عقبة" اليه شعرا، ومعه مائة بكرة، قال لبيد لابنته: اجيبيه فقد رأيتني وما أعيا بجواب شاعر, وفي هذا الجواب دلالة على توقف قريحته عن قول الشعر، وأنه لم يعد باستطاعته نظمه، وليس السبب هو الإسلام.
وكانت مناسبة إرسال "الوليد بن عقبة" الشعر والهدية اليه، أنه "لبيد" كان إلى في الجاهلية أى تهب الصبا إلا أطعم الناس حتى تسكن، وألزمه نفسه في لإسلامه. فهبت الصبا، ولم يكن عند "لبيد" ما يعنيه على الإطعام، فخطب "الوليد" الناس بالكوفة، وقال: إن أخاكم لبيدا إلى ألا تهب له الصبا إلا أطعم الناس حتى تسكن، وهذا اليوم من أيامه، فأعينوه، وأنا أول من أعانه. ونزل فبعث اليه بمائة بكرة وكتب اليه شعرا يمدحه فيه ويذكر له كرمه ونذره.
ويشك "بروكلمن" في صحة ما ورد من ترك "لبيد" الشعر بعد دخوله في الإسلام. ويرى أن كثيرا من شعره مطبوع بطابع إسلامي، ويبعد أن يكون مما صنع عليه، وإن زيد عليه بعض الزيادات.
ونجد في قصيدة "لبيد" الكبرى التي مطلعها: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
أسماء مواضع كثيرة من نجد والحجاز.
ولعلماء الشعر آراء في شعر لبيد، من ذلك ما قالوه في قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح
فقالوا: إنه شعر جيد المعنى والسبك، لكن ألفاظه قصرت عن معناه. فإنه قليل الماء والرونق.
وقد ذكروا له أشعارا سبق بها غيره من الشعراء، أخذها غيره عنه، فأعادها علماء الشعر إلى أصلها. كما عابوا عليه بعض الأمور الصغيرة التي لا يمكن أن يفلت منها شاعر.

(1/5935)


و"عنترة بن شداد العبسي"، هو "عنترة بن عمرو بن شداد بن قراد" العبسي. وشداد جده أبو أبيه في رواية لابن الكلبي، غلب على اسم أبيه فنسب اليه. وقال غيره: شداد عمه، وكان عنترة نشأ في حجره فنسب اليه دون أبيه. وكان يلقب ب"عنترة الفلحاء" لتشقق شفتيه.
وانما ادعاه أبوه بعد الكبر، وذلك انه كان لأمة سوداء يقال لها "زبيبة"، وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، وكان لعنترة اخوة من أمه عبيد. وكان سبب ادعاء أبي عنترة إياه ان بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من "بني عبس"، فأصابوا منهم، فتبعه العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه: أو عمه في رواية أخرى: كر يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر انما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر، فكر وقاتل يومئذ حتى استنقذ ما بأيدي عدوهم من الغنيمة، فادعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه.

(1/5936)


وورد في رواية أن اخوته قالوا له: اذهب فارع الإبل والغنم واحلب وصر. فانطلق يرعى وباع منها ذودا، واشترى بثمنه سيفا ورمحا وترسا ودرعا ومغفرا، ودفنها في الرمل. وكان له مهر يسقيه ألبان الإبل. وان في الجاهلية من غلب سبا. وأنه جاء ذات يوم إلى الماء فلم يجد أحدا من الحي، فبهت وتحير حتى هتف به هاتف: أدرك الحي في موضع كذا، فعند إلى سلاحه فأخرجه والى مهره فأسرجه واتبع القوم الذين سبوا أهله فكر عليهم ففرق دمعهم وقتل منهم ثمانية نفر، فقالوا: ما تريد? فقال: أريد العجوز السوداء والشيخ الذي معها، يعني أمه وأباه، فردوهما عليه. فقال له عمه: يابني كر، فقال: العبد لا يكر، ولكن يحلب ويصر. فأعاد عليه القول ثلاثا وهو يجيبه كذلك. قال له: إنك ابن أخي وقد زوجتك ابنتي عبلة. فكر عليهم فأنقذه وابنته منهم. ثم قال: إنه لقبيح أن أرجع عنكم وجيراني في أيديكم: فأبوا، فكر عليهم حتى صرع منهم أربعين رجلا قتلى وجرحى فردوا عليه جيرانه. فأنشد: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
وروي انه كان من معاصري "امرئ القيس"، وانه اجتمع به، وان امرأة "شداد" أبي "عنترة" ذكرت لشداد ان عنترة أرادها عن نفسها، فأخذه أبوه فضربه التلف، فقامت المرأة فألقت نفسها عليه لما رأت ما به من الجراحات، وبكته. وكان اسمها: "سمية"، فقال عنترة: أمن سمية دمع العين مذروف لو كان منك قبل اليوم معروف
وذكر انه كان من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده، وكان لا يقول من الشعر إلا البيت والثلاثة، حتى سابه رجل من عبس، فذكر سواد أمه واخوته، وعيره بذلك، وبأنه لا يقول الشعر، فاغتاظ منه ورد عليه، وهاجت قريحته فنظمت له قصيدته: هل غادر الشعراء من متردم
وهي أجود شعره، وكانوا يسمونها "المذهبة".
وله كأكثر الشعراء أبيات شعر، استحسنها علماء الشعر، وقالوا انه أجاد فيها وأحسن، وما سبق اليه ولم ينازع فيه في بعض ذلك الشعر.

(1/5937)


وهو أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة، وأمه زبيبة، سوداء، وخفاف بن عمير الشريدي، من بني سليم، وأمه ندبة، واليها ينسب، وكانت سوداء، والسليك بن عمير السعدي، "السليك بن سلكة"، وأمه سلكة، واليها ينسب، وكانت سوداء. وذكر أنه كان يفخر بأخواله السود، رهط أمه، فدعاهم ب"حام" حيث يقول: إني لتعرف في الحروب مواطني في آل عبس مشهدي وفعالي
منهم أبي حقا فهم لي والد والأم من حام، فهم أخوالي
وإذا صح ان هذا الشعر هو لعنترة، دل على وقوف الجاهليين على اسم "حام"، الوارد في التوراة، على أنه جد السودان. و لا بد أن تكون التسمية قد وردت إلى الجاهلين عن طريق أهل الكتاب.
وذكر أنه كان قد أغار على "بني نبهان" فرماه "وزر بن جابر بن سدوس ابن أصمع" النبهاني، فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله فمات.
ويعد "عمرو بن كلثوم" التغلبي من كبار شعراء الجاهلية، وكان معاصرا للملك "عمرو بن هند" "554-568 م"، وهو قاتله في خبر سبق أن تحدثت عنه. وهو من الشعراء الذين مالوا إلى الحكم في نظم الشعر. وقد عرف ب"أبي الأسود". ويقال إن أخاه "مرة بن كلثوم" التغلبي، هو قاتل المنذر بن النعمان بن المنذر. وكان "عمرو بن كلثوم" سيد قومه، سادهم وهو ابن خمس عشرة، ومات وله مائة وخمسون سنة. وكان خطيبا حكيما وشاعرا، أوصى بنيه عند موته بوصية بليغة حسنة، ضبط نصها الرواة فيما بعد، وكأنهم كتبوها بخط يدهم.
وقصيدته الشهيرة التي هي إحدى السبع، هي من جيد شعر العرب القديم، ولشغف تغلب بها وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء: ألهي بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم يا للرجال لفخر غير مسؤوم
وفي قتل "عمرو بن كلثوم" "عمرو بن هند" يقول أحد شعراء تغلب، وهو "افنون بن صريم" التغلبي: لعمرك! ما عمرو بن هند وقد دعا لتخدم ليلى أمه بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا وأمسك من ندمانه بالمخنق

(1/5938)


ويذكر في سبب نظم "عمرو بن كلثوم" قصيدته الشهيرة، أن قبيلة "تغلب" كانت من أشد الناس في الجاهلية، وكانت بينهم وبين "بكر" حزازات وعداوة، ويقال: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم فرجعوا، فمات سبعون رجلا عطشا. فاجتمعت "تغلب" لحرب "بكر"، زاستعدت لهم "بكر" حتى إذا التقوا، خافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت، فدعا بعضهم بعضا إلى الصلح، فتحاكموا في ذلك إلى "عمرو ابن هند". فجاءت تغلب يقودها "عمرو بن كلثوم" زجاءت بكر، ومعها "الحارث بن حلزة اليشكري"، فألقى قصيدته: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
وتأثر "عمرو بن هند" بها، فحكم لبكر، وأنشد "عمرو" قصيدته: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا
وفي جملة أبياتها: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويذكر بعض الرواة أن "عمرو بن كلثوم" ارتجل قصيدته الشهيرة ارتجالا، وأنها كانت تبلغ ألف بيت أو تزيد. وان ما وصل الينا منها هو بعضها. وتبلغ "96"بيتا في كتاب "شرح القصائد العشر" للتبريزي. يظهر من دراستها وامعان النظر فيها أنها لم تنظم دفعة واحدة، وإنها لم تكن بهذا الطول يوم ألقاها الشاعر، بل زيدت فيما بعد حسب المناسبات، لأن فيها أبياتا تمس أمورا وقعت فيما بعد، في ظروف متأخرة. .
ويروى ان "عمرو بن كلثوم"، جاء سوق عكاظ، فألقى معلقته هناك. وروي ان "معاوية بن أبي سفيان" قال "ان قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، وكانت معلقتين بالكعبة دهرا".
ويلاحظ ان في معلقة "عمرو بن كلثوم" أبياتا خرجت على روي القافية، مثل قوله: تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا
وقوله: ندافع عنهم الأعداء قدما ونحمل عنهم ما حملونا
وقوله: نحز رؤوسهم في غير بر فما يدرون ماذا يتقونا
وقوله: إذا ما عي بالإسناف حي من الهول المشبه أن يكونا

(1/5939)


وقوله: برأس من بني جشم بن بكر ندق به السهولة والحزونا
وقوله: إذا عض الثقاف بها اشمأزت وولتهم عشوزنة زبونا
وقوله: علينا كل سابغة دلاص ترى فوق النجاد لها غضونا
إذا وضعت عن الأبطال يوما رأيت لها جلود القوم جونا
وقوله: وأنا المانعون لما يلينا إذا ما البيض زايلت الجفونا
ومواضع أخرى من هذا القبيل. وكان من اللازم مسايرة القافية التي هي "الأندرينا".
ولعمرو أشعار، فيها هجاء للنعمان بن المنذر. فقد ذكر أن النعمان توعد "عمرو بن كلثوم"، فبلغه ذلك، فدعا كاتبا من العرب، فكتب اليه: ألا أبلغ النعمان عني رسالة فمدحك حولي وذمك قارح
متى تلقني في تغلب ابنة وائل وأشياعها ترقى اليك المسالح
وهجاه في شعر آخر، ذكر فيه أمه، وعيره بها، وعي{ه في شعر آخر بأن خاله صائغ يصوغ القروط والشنوف بيثرب، ورماه فيه باللؤم.
وتنسب لعمرو أبيات نظمها في البذل والسخاء وفي اعطاء المال، أولها: لا تلومني فإني متلف كل ما تحوي يميني وشمالي
لست إن أطرفت مالا فرحا وإذا أتلفته لست أبالي
ولعمرو بن كلثوم ديوان صغير، نشر في مجلة المشرق. وقد ترجمت معلقته إلى الألمانية. وفي معلقة "عمرو" أشعار مضطربة وتكرار، وعدم تجانس في وحدة الموضوع. وقد يكون ذلك بسبب تلاعب الأيدي في القصيدة. واذا عثر على نصها القديم، الذي زعم انه كان ألف بيت أو يزيد، فإنها ستكون أطول قصيدة في تأريخ الشعر العربي نسبها علماء الشعر إلى أحد من الجاهليين. وذكر ان "عمرو بن كلثوم"، أغار على "بني حنيفة" باليمامة، فأسره "يزيد بن عمرو الحنفي"، ثم سقاه الخمر في قصر ب"حجر" اليمامة، حتى مات. وذكر ان "يزيد" أراد المثلة به، بربطه بجمل، ثم ضرب الجمل، ليركض به، فصاح: "يا آل ربيعة! أمثلة".

(1/5940)


وتذكر رواية ان نهاية "عمرو بن كلثوم" كانت انتحارا بشرب الخمر، وذلك ان الملوك كانت تبعث اليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد اليها. فلما ساد ابنه "الأسود بن عمرو" بعث اليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه. فغضب "عمرو بن كلثوم" وقال: "ساواني بولي"، فحلف لا يذوق دسما حتى يموت. وجعل يشرب الخمر صرفا على غير طعام. فلم يزل يشرب حتى مات.
و"الحارث بن حلزة" اليشكري، هو من "بني يشكر"، من بكر بن وائل. وكان أبرص. وقد اشتهر بقصيدته التي هي احدى المعلقات، كما اشتهر بمثلها "عمرو بن كلثوم" و "طرفة بن العبد". يذكر أنه ارتجلها بين يدي "عمرو بن هند" ارتجالا، في شيء كان بين بكر وتغلب بعد الصلح، وكان ينشده من وراء السجف، للبرص الذي كان به. وكان من عادة الملك أن يسمع الأبرص من وراء سبعة ستور، وينضح أثره بالماء إذا انصرف عنه. فلما سمعت أم "عمرو بن هند" قصيدته، قالت: "تالله ما رأيت كاليوم قد رجلا يقول مثل هذا القول يكم من وراء سبعة ستور"، فقال الملك: "ارفعوا سترا وأدنوا الحارث"، وكان كلما استحسن شيئا منها أمر برفع ستر، حتى رفعت الستور السبعة. واقعده الملك قريبا منه استحسانا لها وتقديرا له. وكان الحارث متوكئا على عنزة فارتزت-كما يقول أهل الأخبار-في جسده وهو لايشعر. وقد زعم أنه قال قصيدته وهو ابم مائة وخمس وثلاثين.

(1/5941)


والقصيدة من قصائد الفخر والتبجح بالمفاخر والمآثر، وقد عرض فيها بقبيلة "تغلب"، وعرض ب"عمرو بن هند" كذلك. وقد ضرب به المثل بالفخر فقيل: "أفخر من الحارث بن حلزة". ويرى "نولدكه"ان سبب اختيار "حماد" الراوية لهذه القصيدة وضمها إلى القصائد الأخرى المختارة، هو ان حمادا كان مولى لقبيلة "بكر بن وائل"، وكانت هذه القبيلة في عداء مع قبيلة "تغلب"، ولما كان "حماد" قد اختار قصيدة "عمرو بن كلثوم" التغلبي لشهرتها، لم يسع حمادا أن يعدل عن اختيارها، ولكنه اضطر على اختيار قصيدة أخرى إلى جانبها تشيد بمدح "بكر بن وائل" سادته، فاختار قصيدة "الحارث ابن حلزة" الذي لم يبلغ في الشهرة شهرة الشعراء الآخرين.
ويزعم أهل الأخبار انه ارتجلها ارتجالا أمام الملك، بينما يذكرون انه كان قد قال لقومه قبل ارتجاله لها أمام الملك: "اني قد قلت قصيدة، فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه فرواها ناسا منهم. فلما قاموا بين يديه لم يرضهم فحين علم انه لا يقوم بها أحد مقامه"، احتملها وأنشدها أمام الملك. وقد قالها لتكون حجة لقومه في نزاعهم السياسي مع قبيلة تغلب، ودفاعا عنهم أمام الملك.
ويرى "بروكلمن" أن شعر "الحارث" أقل إصالة من شعر "عمرو بن كلثوم".
وهو قريب من شعر "زهير" في ميله إلى مذهب التعليم والتهذيب. وقد قدم "أبو عبيدة" شعره وجعله أحد ثلاثة نفر اشتهروا بجودة قصائدهم، إذ قال: "أجود الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر:عمرو بن كلثوم، والحارث ابن حلزة، وطرفة بن العبد".
وللحارث بن حلزة شعر يذكر فيه "ابن مارية"، وهو "أبو حسان" "قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام"، وكان ممن سعى في الصلح بين بكر وتغلب. وفي جملة ما قاله فيه: والى ابن مارية الجواد وهل شروى أبي حسان في الأنس
وفي قصيدة "الحارث بن حلزة" أسماء مواضع من محالهم ومحال حلاهم وهي قصيدته التي تبدأ ب: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل نته الثواء

(1/5942)


وللحارث بن حلزة ديوان صغير وأشعار منثورة في كتب الأدب والأخبار.
و "الأعشى" "ميمون بن قيس بن جندل" من "سعد بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة"، ويكنى أبا بصير. وهو ممن عاش في الجاهلية وادرك الإسلام. ذكر "ابن قتيبة" انه "كان أعمى". وهو وهم، وانما عمي في أواخر أيامه، كما يفهم ذلك من شعره، بعد ان لعب به الكبر، وتحكمت به الشيخوخة، وصار عاجزا، يقوده قائد، ويوجهه أنى يشاء، تسيره عصاه، وهو يخاف العثار. وقد وصف شيخوخته هذه وصفا مؤلما، صادرا من قلب متفطر حزين يبكي أيامه الأولى، أيام اللذة والمتعة، أيام اللهو والخمرة والنساء، أيام مضت، حلت محلها أيام سود، لا يفرق فيها الابيض من الاسود ولا الليل والنهار، ثم هو وحده، لا خمر ولا امرأة ولا لحم دسم، عافته المرأة، لذهاب ماله وشبابه، وتركه الزنا على الرغم منه، ولم يعد يرى في هذه الأيام إلا الهم والحزن والألم.
وأم الأعشى بنت "علس" أخت المسيب بن علس من بني "جماعة"، ثم من بني "ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، ولد بقرية باليمامه يقال لها "منفوحة"، وفيها داره وبها قبره. ويقال إنه كان نصرانيا، وهو أول من سأل بشعره. ويسمى "صناجة العرب". لأنه أول من ذكر الصنج في شعره فقال: ومستجيب لصوت الصنج تسمعه إذا ترجع فيه القينة الفضل
وذكر أنه إنما عرف بصناجة العرب لكثرة ما تغنت العرب بشعره، أو لجودة شعره، أو لأن العرب كانت تتغنى بشعره على صوت الصنج، إلى غير ذلك من شروح وتفاسير.

(1/5943)


وقد نشأ "الأعشى" رواية لشعر خاله "المسيب بن علس"، وهو من شعراء الجاهلية المقلين. ثم نبغ هو في الشعر، فعلا اسمه على أسم خاله، حتى حلق في سماء، ولا سيما في وصف الخمر، حيث حظي الخمر عنده بموقع ممتاز في شعره، فأجاد في وصفه وفي أثره في النفس. وتفنن في وصف الخمر، حتى سبق بوصفه هذا سائر شعراء الجاهلية، ولم يلحق به في هذه الناحية من الشعر أحد. وقد عده بعض علماء الشعر رابع الشعراء الأربعة، فهو يأتي بعد امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني. وقد اجاد أيضا في وصف القيان.
قيل:كان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره، وزعم ان "كسرى" سمعه يوما ينشد، فقال: من هذا ? فقالوا: آسروذ كويذ تازي، أي مغني العرب، فأنشد: أرقت وما هذا السهاد المؤرق وما بي من سقم وما بي معشق
فقال كسرى:فسروا لنا ما قال ! فقالوا:ذكر انه سهر من غير سقم ولاعشق ! فقال كسرى: إن كان سهر من غير سقم ولا عشق فهو لص !! إلى غير ذلك من قصص مصنوع.
وكان يفد أيضا على ملوك الحيرة، ويمدح الأسود بن المنذر، أخا النعمان، وقال له "النعمان بن المنذر": لعلك تستعين على شعرك هذا? فقال له الأعشى: احبسني في بيت حتى أقول، فحبسه في بيت، فقال قصيدته التي أولها: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا وشطت على ذي هوى أن تزارا
وفيها يقول: وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمار
وورد في شعر الأعشى قوله: وكنت امرأ زمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغن
وإذا كان ما نسب إلى الأعشى من قوله: لسنا كمن جعلت إياد دارها تكريت تنظر حبها أن يحصدا
جعل الإله طعامنا في مالنا رزقا تضمنه لنا لن ينفدا
مثل الهضاب جزارة لسيوفنا فإذا تراع فإنها لن تطردا
ضمنت لنا أعجازهن قدورنا وضروعهن لنا الصريح الأجردا

(1/5944)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية