صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

لقد تمسك علماء اللغة بقول بعضهم:" أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، و ذلك إن الله تعالى اختارهم من جميع العرب، واختار منهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فجعل قريشا قطان حرمه، وولاة بيته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج،ويتحاكمون إلى قريش، وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها، ورقة السنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب ماتخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب". كما تمسكوا بقولهم: " كانت قريش أجود العرب ا أنتقادا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا، وأبينها إبانة عما في النفس، والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ من غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذ من حضري قط،.ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لامن لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة، وغسان، واياد، لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر.
مجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان، لأنهم كانوا بالبحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من.

(1/5272)


بني حنيفة وسكان الامة، ولا من ثقيف وأهل، الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وآثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب". وعلة ذلك "ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو علم إن أهل المدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر، وكذا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاص عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها، ترك تلقي ما يرد عنها".
"وقد شك بعضهم في هذا القول، لأن قريشا كانت تسكن مكة،وماحولها وهم من أهل المدر، وقريش تجار، والتجارة تفسد اللغة، وكان هذا مما عيب على اليمن من ناحية لغتهم، لأن رسول الله نشأ في بني سعد بن بكر بن هوازن واسترضع فيهم، فتعلم الفصاحة منهم، وأن كثيرا من غلمان قريش - في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، كان يرسل إلى بني سعد لتعلم اللغة والفصاحة، ومن أجل هذا ظنوا أن هذا الراي موضوع.لإعلاء شأن قريش في اللغة، لأن رسول الله منهم.
والذي يظهر لي أن سلامة اللغة من دخول الدخيل فيها.أمر غير الفصاحة، وأن سلامة اللغة كانت في بني سعد خيرا مما هي في قريش لأنهم أهل وبر، وأبعد عن التجارة وعن الاختلاط بالناس، وعلى العكس من ذلك قريش فهم أهل مدر، وكثير منهم كان يرحل إلى الشام ومصر وغيرهما ويتاجر مع أهلها، ويسمع لغتهم، فهم من ناحية سلامة اللغة ينطبق عليهم ما انطبق على غيرهم ممن خالط الأمم الأخرى".

(1/5273)


فما قالوه من إن الاتصال والاختلاط بالأعاجم، يولد الفساد في اللغة، يتناول قريشا قبل غيرهم من العرب نظرا لما كان لهم في الجاهلية من اتصال ببلاد الشام واليمن، وبالعراق وبالحبشة، ولوجود جاليات أعجمية، وعدد كيير من للرقيق يينهم، وما وجود المعربات في لغتهم إلا حجة على تأثر لسانهم بالأعاجم واخذهم منهم، فهل يمكن أن يكون لسان قريش اذن اصفى ألسنة العرب وأنقاها مع وجود هذه الأمور التي أخذناها من ألسنة أهل الأخبار ?
الفصل الاربعون بعد المئة
اللسان العربي
والان فلسان من، هو هذا اللسان العربي لقد علمنا انه لم يكن لسان العرب الجنوبيين، ولا لسان قوم ثمود أو اللحيانيين،أو الصفويين، لأن نصوصهم تثبت انه قد كان لهم لسان آخر، يختلف عن هذا اللسان. وذكرنا انه ليس بلسان قريش، وانما قريش كغيرهم عرب من العرب، فهل هو لسان العدنانين ? وجوابنا: كلا، فقد علمنا إن العدنانية عصبية ظهرت في الإسلام، وانها مضربة سميبت عدنانية، وقلنا إن الثقات من الرواة وقفوا في ذكر النسب عند "عدنان" ورووا إن النبي نهى عن الانتساب إلى ما بعده، وقلنا إن اسمه لم يرد في شعر شاعر جاهلي، خلا ما نسب إلى الشاعر "العباس بن مرداس"، من قوله: وعك بن عدنان الذين تلعبوا=بمذحج حتى طردوا كل مطرد وما نسب إلى لبيد، وهو من المخضرمين، من قوله: فإن لم تبد من دون عدنان والدا وقلنا أشياء أخرى تثبت إن "العدنانية" لم تظهر إلا في الإسلام، وان اسم "عدنلن" لم يكن معروفا في الجاهلية، وربما ظهر قبيل الإسلام، ولهذا فلا يعقل أن تكون العربية، عربية العدنانيين.

(1/5274)


إذن، فهل هي عربية مضر ? فقد ورد في الأخبار أن "عمر بن الخطاب" لما أراد أن بكتب الامام، أقعد له نفرا من أصحابه، وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر"، ونجد أهل الأخبار يذكرون أنه قال: "لا يملين في مصاحفنا هذه الا غلمان قريش، أو غلمان ثقيف". وليس بين الخبرين تناقض، لأن قريشا من مضر، فيمكن حمل الخبرين على أنهما قصدا شيئا واحدا، هو أن القرآن نزل بلسان قريش، وقريش من مضر، ولكن مضر قبائل عديدة، سبق أن تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، فيجب أن يكون نزول القرآن إذن بلغات هذه القبائل على هذا التفسير،وتكون العربية الفصحى اذن عربية "مضر"، أي عربية القبائل التي يرجع أهل الأخبار نسبها إلى "مضر"، أو حلف مضر بتعبير علمي أصح، وليست عربية جماعة معينة منها، مثل قريش.
ولكن أهل الأنساب، يجعلون لمضر أخا هو "ربيعة"، وأخوين آخرين" هما "إياد" و "أنمار" على رأي من جعل "أنمارا" ابنا من أبناء نزار، فما هو حال لسانهم ? هل يعد لسانهم لسان مضر، أم كانت لهم ألسنة أخرى? أما النصوص الجاهلية، فلا جواب فيها على هذا السؤال، لأنها لا تعرف عن لسان هؤلاء الأخوة شيئا، ولم يرد فيها أي شيء من أسمائهم وأسماء قبائلهم، ثم إن هذه القبائل لم تترك لنا كتابة نستنبط منها شيئا عنهم، اذن فنحن لانستطيع إن نتحدث عنهم ولا عن لسانهم بأي شيء يستند الى دليل جاهلي مكتوب.وأما الموارد الإسلامية، فتجعل لسانهم لسان مضر، وكيف لا نجعل لسانهم مثل لسان مضر وهم اخوة من أب واحد. فإذا قلنا إن لسان مضر، هو اللسان العربي الفصيح، وجب علينا القول بأن لسان إخوته كان مثل لسانه، وإذن فاللسان العربي الفصيح، هو لسان هذه المجموعة المكونة من ولد "نزار" وهي من ولد اسماعيل في النهاية على رأي أهل النسب والأخبار.

(1/5275)


اذن فنحن أمام مجموعتين من العربيات، مجموعة تكو ن العربية الجنوبية، ومجموعة تكون العربية الشمالية، وهي عربية الاسماعيليين، و ذلك على مذهب اهل ا لأخبار.
أما أنا، فأسمي هذه العربية، عربية " ال"، من سمة "ال" أداة التعريف التي تنفرد وتتميز بها عن بقية المجموعات اللغوية العربية: مجموعة "ن" "إن"، أي المجموعة العربية الجنوبية، ومجموعة "ه" "ها"، اي المجموعة التي تعر ف الأشياء بهذه الأداة: "ه" "ها"، وتشمل اللحيانية، والثمودية، والصفوية. فكل منا استعمل"ال" أداة للتعريف، هو في نظري من الناطقين بهذه اللغة مهما كان نسبه وفي أي مكان كانت اقامته، ولذلك فالعربية الفصمس هي عربية مضر وعربية ربيعة، وعربية إياد وعربية أنمار وعربية كلب وكندة والأزد وكل المستعملين لهذه الأداة، حتى يظهر المستقبل نصوصا جديدة، قد تاتي بأداة أخرى لتكو"ن مجموعة جديدة من المجموعات اللغوية.
نعم إن عربية "ال" لهجات، لها خصاثص ومميزات، تحدثت عن بعضها في فصل "لغات العرب"، ولكن الفروق بينها لا تختلف عن الفروق التي نبسها بين لهجات مجموعة "ن"، أو بين لهجات مجموعة "ه"، لأنها فروق ليست كبيرة بحيث قرتفع إلى مستوى الاستقلال عن بقية اللهجات.
العربية الشمالية والعربية الجنوبية
وقد اصطلح المستشرقون على رجع اللغات التي ظهرت في جزيرة العرب إلى أصلين: أصل شمالي يقال للغات التي تعود إليه: اللغات أو اللغة العربية الشمالية، وأصل جنوبي يقال للغات التي ترجع إليه:اللغات أو اللغة العربية الجنوبية.
وهذا التقسيم التقليدي للهجات العرب انما خطر ببال المستشرقين من النظرية العربية الإسلامية التي ترجع العرب إلى أصلين: اصل عدناني، وأصل قحطاني. ونظرا إلى عثورهم على كتابات عربية جنوبية تختلف في لغتها وفي خطها عن العربية القرآنية، رسخ في أذهانهم هذا التقسيم،وقسموا لغات العرب إلى مجموعتين.. لسهولة البحث حين النظر في اللغات واللهجات.

(1/5276)


وبين العربيتن تباين واختلاف، ما في ذلك من شك. من ذلك إن الفعل في العربيات الجنوبية وليد المصدر، وان اداة التعريف فيها تكون في أواخر الكلم لا في أوائلها كما هو الحال في عربيتنا، وان حرف "الميم" هو أداة التنكير في العرببات الجنويية، إلى فروق أخرى، تحدثت عنها في الجزء السابع من كتابي القديم "تاريخ العرب في الإسلام".
وإذا كنا لا نزال في جهل عن حقيقة اسم "عدنان"، الذي لم نعثر عليه حتى اليوم في نص من نصوص المسند، فإن في وسعنا التحدث عن "قحطان"، الذي سبق أن أشرت إلى أن أهل الأنساب أخذوة من التوراة. فهو اسم مهما قيل فيه، فقد أخذ من مصدر قديم يعود إلى ما قبل الميلاد. ثم انه أورد في النص العربي الجنوبي الذي وسم ب "Jamm 635ا" الذي دونه قائد الجيش "ابكرب احرس"" من آل ابل"، "أبكرب أحرس بن ابل"، أو "أبكرب أحرس" من ذلك لمناسبة عودته سالما من حرب قاسها بأمر ملكه وسيده الملك "شعر أوتر" ملك سبأ وذي ريدان، اين الملك "علهان نهفان" ملك سبا وذو ريدان. وقد شمل القتال أرضا واسعة، هي "أشعران"، أرض الأشعريين و "بحر"، والقبائل القاطنة حول مدينة "نجران"، ثم الأحباش الذين كانوا يحاربون معهم ويؤازرونهم في قتالهم ضد السبثيين، ثم سكان مدينة "قريتم" " قرية" الذين كانوا من "كاهل" "كهلم"، ثم في الصدامين اللذين وقعا مع "ربعت" "ربيعة" "ذ آل ئور"، "ربيعة" من "ذو آ ل ثور"، ملك "كدت" "كندة" وقحطان "قحطن"، وكذلك ضد "أبعل" أي سادة مدينة "قريتم.

(1/5277)


ويفهم من النص إن "ربعت ذا الثورم"، هو اسم رجل، اسمه "ربيعة" من "آل ثور"، وكان كما يقول النص ملكأ على "كندة" و "قحطان". ويذكر أهل الأخبار، إن "كندة" اسم قبيلة وأبو حي من اليمن، وهم من نسل "ئور بن مرة بن أدد بن زيد"، وقيل "بنو مرتع بن ثور" أو "كندة بن ئور"، وقيل إن ثورا هو مرتع، وكندة هو أبوه، إلى غير ذلك من آراء، تريك إن شيئا من الواقع كان عند أهل الأخبار عن هذه القبيلة، في انهم لم يكونوا يعرفون شيثا واضحا عنه. وترى من هذا النص إن "آل ثور" اسم أسرة كانت تحكم قبيلتي "كدت" "كندة" و "قحطان"، وان رئيسها إذ ذاك هو "ربيعة" الذي لم يرد اسم والده. وقد جعل أهل الأخبار من "آل ثور" رجلا جعلوه أبا لقبيلة كندة، ثم حاروا في نسبه. ويتبين من هذا النص إن "قحطان" كانوا في هذا العهد تحت حكم "ربيعة" الذي هو من "آل ثور".
وقد جعل "جامة" حكم "شعر أوتر" الذي سبق أن تحدثت عنه بتفصيل في الجزء الثاني من هذا الكتاب في حوالى السنة "65" قبل الميلاد، وقد بنيت آراء بقية الباحثين في وقت حكمه، فنكون بذلك قد وقفنا على ام قحطان وكنده في نص يعود عهده إلى حوالى القرن الأول قبل الميلاد. وقد كانتا مثل أهل "قرية" وأهل "نجران" في حرب مع السبئيين. وهذا النص هو أقدم نص عربي جنوبي وصل فيه اسم "قحطان" و "كدت" "كندة" الينا حتى الآن.

(1/5278)


ونحن لا نستطيع أن نتحدث عن لهجة "قحطان" و "كدت" "كندة"، و ذلك بسبب عدم وصول كتابات منهما الينا، ولكننا لا نستبعد احتمال كون لغتهما من مجموعة اللغات العربية الجنوبية، لأن مواطنهماكانت في العربية الجنوبية في هذا العهد، أما بطون "كندة" التي نزلت "نجدا" والتي ذهب بعضها إلى العراق، فنحن لا ندري إذا كانت لهجتهما قد تغيرت، فصارت عربية شمالية، بدليل نظم "امرئ القيس" الكندي وبقية شعراء الكندة الشعر بهذه العربية، أم أنها -كانت تتكلم بالعربيتين، إلا أن شعراءها كانوا ينظمون الشعر بالعربية المعهودة مجاراة للقبائل الشمالية التي كانت تجاورها والتي احتكت بها، وقد تكون هذه البطون قد هاجرت من العربية الجنوبية قبل الميلاد، فاقامت بنجد، وتعربت من ثم بالعربية الشمالية، وقد تكون "كدت" قبيلة عربية جنوبية غير "كندة"، بقيت في اليمن إلى الإسلام، إذ ورد اسمها في نص "أبرهة" أيضا، ونظرا الى التشابه فيما بين "كدت" "كدة" و "كندة" ربط النسابون بين الإثنين، وجعلوا نسب كندة "كدت". فتكون "كندة" بذلك من القبائل العربية الشمالية، و "كدت" من القبائل العربية الجنوبية، أقول هذه الآراء على سبيل الاحتمالات لأني من الأشخاص الذين يكرهون البت في الأمور العلمية لمجرد حدس أو ظن، ومن غير دليل علمي مقنع. والبت في مثل هذه الأمور لا يكون مقبولا عندي إلا إذا استند على نص جاهلي، أو بدليل معقول مقبول، وحيث أننا لا نملكه الآن، فأترك هذه الاحتمالات إلى المستقبل عله يتمكن من العثور على نصوص جاهلية تكشف القناع عنها، وتأتي الينا بالجواب الواضح الصحيح.

(1/5279)


ولكننا نجد في الوقت نفسه - وكما سبق إن ذكرت -إن هنالك لهجات عربية مثل الثمودية والصفوية، تستعمل "الهاء" أداة تعريف بدلا من الألف واللام في عربيتنا، فيقال "هملك"، و "هدار" بمعنى "الملك" و "الدار". و ذلك كما في العبرانية، إذ تستعمل الهاء فيها أداة للتعريف، ويقوم "ذ" فيها مقام الاسم الموصول كما عند طيء في قديم الزمان، إلى خصائص أخرى تجعلها مجموعة أخرى لا هي عربية جنوبية ولا هي عربية شمالية.
كما تبين من دراسة بعض الكتابات الجاهلية، مثل الكتابات التي عثرعليها في "القرية" وفي جبل "عبيد"، وفي شمال خشم كمدة إن لها خصائص انفردت بها عن المجموعتين، وقد وردت فيها أسماء كثيرة لم ترد في الكتابات العربية الجنوبية وفي عربية "ه"، مما يجعلها أهلا لأن تكون موضع دراسة خاصة في المستقبل، لعلها تكون مجموعة لغوية جديدة قائمة بذاتها، أو حلقة مفقودة بين اللغات الجاهلية المندثرة.
ووجود مثل هذا التباين الذي اكتشف من الكتابات، هو الذي دفعني إلى التفكير في اعادة النظر في تقسيم اللغات العربية إلى مجموعتين،وعلى إلتفكيربتقسيمها إلى مجموعات ذات خصائص لغوية متشابهة،تستنبط بالدرجة الأولى من أداة التعريف التي هي المميز الوحيد الذي يميز بين لهجات الجاهليين.

(1/5280)


ونلاحظ إن عربية ال "ن" "إن" مصطلحات غير موجودة في العربية الفصيحة السامية الأخرى، صعب على العلم إدراكها بسبب ذلك، فاكتفوا باستخلاص معناها من وضعها في الجمل، و ذلك بصورة تقريبية، كما نلاحظ إن الأسماء فيها، تختلف عن الأسماء المعروفة عند العرب الشماليين، إن الأسماء الواردة في كتابات المسند المتلخرة، تختلف بعض الاختلاف عن الأسماء الواردة في النصوص القديمة، فقد تغلبت لبساطة على الأسماء المتاخرة، حتى صارت تشاكل أسماء العرب الشماليين المألوفة عند ظهور الإسلام، وقد لاحظ "الهمداني" هذه الظاهرة، فعبر عنها بفوله: "فربما نفل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وكانت أسماء فيها ثقل فخففتها العرب وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة، فإذا سمعوا منها الاسم الموفر، خال الجاهل انه غير ذلك الاسم وهو هو. وخير ما يمكن ان نفعله في نظري لمعرفة المتكلمين بالعربية الفصحى، هوان نقوم بالبحث عن الخصائص النحوية والصرفية واللفظية التي يميزها عن بقية العربيات، فإذا ضبطناها استطعنا تعيين من كان يتكلم بها، لما كنا لا نملك نصرصاجاهلية مدونة بها، صار من الصعب علينا التوصل إلى نتائج علمية ايجابية مرضية، تحدد القبائل والأماكن التي تكلمت بها تحديدا صحيحا مضبوطا، غير ان المثل العريي يقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله، فإذا عسر علينا الحصول على نتائح كلية مقنعة، فلا باس من الرضا بالحصول على جزء أو بعض من نتائج قد تقدم لنا معرفة وعلما - ونحن إذا سرنا وفق حكمة هذا المثل، ودرسنا خصائص هذه العريية، تجد أن من أولى ميزاتها استعمال "ال" أداة للتعريف، تدخلها على أول الأسماء النكرة، فتحليها إلى أسماء معرفة، بينما تجد العرييات الأخرى التي عثر على نصوص جاهلية مدو نة بها تستعمل أدوات تعريف أخرى، ولما كنا نعرف المواضع التي عثر فيها على هذه النصوص، صار في إمكاننا حصرها، وبذلك نستطيع التكهن عن المواضع التي

(1/5281)


كان يتكلم أهلها بالعربية التي تستعمل "ال" اداة التعريف، أي هذه العربية الفصحى. ولما كاتت العربية الجنويية قد استعملت ال "ن" "إن" أداة للتعريف، تلحقها في أواخر الاسماء المنكرة، وحيث أننا لم نتمكن حتى الان من الحصول على نص في هذه الأرضين استعمل "ال" أداة للتعريف فبأستطاعتنا القول: إن سكانها لم يدونوا بالعربية القرآنية، بل كان تدوينهم وكلامهم بالعربية الجنوبية التي كانت تضم جملة لهجات. ولما كان آخر نص عثر عليه مدو ن بالمسند، يعود تأريخه إلى سنة "554" للميلاد، صار في إمكاننا القول بأن العربية الجنوبية كانت وبقيت لسانا العرب الجنوبيين إلى ظهور الإسلام.
ونظرا لعثور الباحثين على كتابات مدو نة بالمسند، في "القرية" أو "قرية الفأو" وفي مواضع اخرى من "وادي الفاو"، وفي مواضع من "وادي الدواسر"، وفي مواضع تقع جنوبي خشم العرض، فإن في استطاعتنا القول إن أهل هذه الأرضين كانوا يكتبون بالمسند، ويتكلمون بلغات عربية جنوبية، اختلفت بعض الختلاف عن العربيات الجنوبية المستعملة في العربية الجنوبية. فهي إذن من المناطق التي لم يتكلم أهلها بالعربية القرآنية. ونظرا لما نجده من وجود بعض الاختلاف بين عربية هذه المنطقة وعربية العربية الجنوبية، فإننا نستطيع القول بانها تكون مرحلة وسطى بين العربيات الجنوببة والعربية القرآنية، وحيث أن كثيرا من هذه الكتابات لم يكتب لها النشر، ولوجود كتابات أخرى لم يتمكن الباحثون من نقشها أو تصويرها، فمن المحتمل في رأيي مجيء يوم قد يعز فيه على لهجات جديدة، قد تزيح الستار عن أسرار اللغات عند الجاهليين، وقد تكون مجموعات لغوية جديدة من مجموعات اللغات العربية عند أهل الجاهلية.

(1/5282)


وقد عثر في العربية الشرقية على كتابات جاهلية مدو نة بالمسند هي وإن كانت قليلة، إلا أنها ذات أهمية كييرة بالنسبة للباحث في تأريخ تطور الكتابة عند العرب، وللباحث في اللهجات العربية الجاهلية. فقد ثبت منها أن أصحاب هذه الكتابات كانوا يتكلمون بلهجات غير بعيدة عن اللهجة العربية القرآنية، وان كتبوا بالمسند. ويلاحظ من النص الذي هو شاهد قبر رجل لسمه "ايليا بن عين ابن شصر أنه استعمل لفظة "ذ" بمعنى "من" وناسف لأن هذه النصوص القليلة قصيرة، وفي أمور شخصية، قد خلت من أداة التعريف، لذلك لا نستطيع تثبيت لهجتها بصورة أكيدة.
واستنادا إلى النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية، التي استعملت ال "ه" "ها" أداة للتعريف، نستطيع أن نقول إن أصحاب هذه اللهجات يكو نون مجموعة من اللغات قائمة بذاتها، تختلف عن العربية الجنوبية وعن العربية القرآنية. وهي تشارك العبرانية في استعمال الأداة المذكورة في التعريف،ولكنها تقارب عربية "ال" في استعمال المفردات.
وأما النبط، وهم عرب من العرب الشماليين، فقد استعملوا أداتين للتعريف، أداة هي حرف الألف المدود اللاحق بآخر الاسم، مثل "ملكا" بمعنى "الملك"، و "مسجدا"، بمعنى "المسجد"، وأداة أخرى، هي أداة "ال" التي نستعملها في عربيتنا. وفي استعمال النبط لأداتين للتمريف، دلالة على تأثرهم بالآراميين وبالعرب المتكلمين باللغة العربية القرآنية، أو العرب المستعملينء لأداة التعريف "ال" بتعبير أصح. والنبطية نفسها، لغة وسط، جمعت بين الآرامية والعربية، فبينما نجدها تستعمل الآرامية، إذا بها تخلط معها ألفاظا وتراكيب عربية فصيحة. و ذلك بسبب اختلاط النبط بالاراميين وتأثرهم بثقافتهم، واحتكاكهم بالأعراب،وكونهم عربا في الأصل. ومعنى هذا إن العرب الذين كانوا بجاورون النبط، وهم عرب البوادي كانوا من المتكلمين باداة التعريف "ال"، سمة العر بية االفصيحة..

(1/5283)


وأما النصوص المدونة بنبطية مشوبة بمصطلحات عربية، وأهمها نص "حر إن" التي يعود تاريخه إلى سنة "328" للميلاد، فإنه يفصح عن قوم عرب أو نبط لاستعمالهم "ال" أداة للتعريف في الألفاظ: "التج" يمعنى "التاج"، وفي "الأسدين"، بمعنى "أسد"، وفي "الشعوب". وأرجح كونهم عربا، لاستعمالهم جملا عربية فصيحة بينة في هذا النص، مثل: "ملك العرب"، و "مدينة شمر"، و "نزل بنيه الشعوب"، و "فلم يبلغ ملك مبلغه"، فهذه جمل عربية، أصحابها عرب، وإن كتبوا بالنبطية وقد تفصح عن عربية أهل الحيرة في ذلك الوقت، لأن الملك المتوفى، وهو "امرؤ القيس"، هو من ملوك الحيرة، والنص المكتوب، هو شاخص قبره، فمن المعقول تصور أن الكتابة كتبت بلغة أهل الحيرة في ذلك العهد.
ويظهر من استعمال كتابة "زيد" التي يعود عهدها إلى،سنة. "512" للميلاد" لجملة" بسم الإله"، أن صاحبها وان كتب بالنبطية، غير أنه كان من النبط المستعملين د "ال" أداة للتعريف. وأما الكتابة المعروفة بكتابة "حران"، فإنها أقرب هذه النصوص إلى العربية القرآنية. كما يتبين ذلك من نصها العربي، وهو: انا شرحيل بر ظلمو، بنيت ذا المرطول سنت 463، بعد مفسد خيبر بعم.
أي: "انا شرحيل" "شراحيل" بن ظلم، بنيت هذا المرطول سنة 463،
بعد خراب "غزو" خبير بعام. ويفابل تاريخ هذا النص سنة "568"للميلاد.
وعربية هذا النص، عربية واضحة، ليس فيها ما يحاسب عليه بالقياس إلى عربيتنا، إلا جملة "بر ظلمو" المكتوبة على وفق القواعد النبطية. ويلاحظ أنها استعملت "ال" أداة للتعريف، ولاحظت قواعد النحو في جملة: "بنيت ذا المرطول" المستعملة في عربيتأ، مما يدلا على إن صاحبها كان يراعي الإعراب في لسانه " وأنه من قوم كانوا يراعون قواعد الإعزاب في كلامهم.

(1/5284)


اذن فنحن أمام قوم عرب، نبط، لسانهم "عربي من مجموعة "ال"، أي من العريية المستخدمة ل "ال" أداة للتعربف، منازلهم أطراف بلاد الشام، وشواطىء الفرات العربية. واذا تذكرنا أن السريان كانوا على الحيرة "حبرتا دي طيابة"، وأنهم كانوا يطلقون لفظة "طيابة" في مرادف "عرب"، عرفنا إذن، أن أهلها كانوا من العرب، ولما كان نص "النمارة" قد كتب بنبطية متأثرة بعربية "ال"، نستطيع أن نقول إن عرب الحيرة كانوا من للمتكلمين بهذه العربية.
يتبين لنا مما تقدم، إن العرب الذين كانوا يفطنون الحيرة والأنبار، او عرب العراق بتعبير أصح، ثم عرب بلاد الشام، وعرب البوادي، جزيرة العرب باستثناء للواضع التي أمدتنا بالكتابات، كانوا يتكلمون بعربية "ال" اي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودون بها الشعر الجاهلي. وهي عربية اساسية، جمعت شمل لغات ولهجات، على نحو ما وجدنا في العربية الجنوبية من اشتمالها على جملة لهجات، وما وجدناه في اللهجة العربية الشمالية الغربية، المستعملة ل "ه" "ها" اداة للتعريف.
فأهل نجد وبادية الشام، وعرب العراق وبلاد الشام والحجاز، كانوا هم المتكلمن بهذه العربية التي تعرف النكرة باداة التعريف "ال،، و ذلك قبل الإسلام، أما المواطن الأخرى، فلها لهجاتها الخاصة، وبينها لهجات تاثرت بخصائص مجموعة "ال". وقد غلب الإسلام هذه العربية على اللهجات الأخرى، فصارت الأكثرية تتكلم بها، إلا في المواضع المنعزلة، التي بقيت شبه مستقلة، حيث احتفظت ببعض خصائص لهجاتها القديمة، كالذي نراه اليوم في مهرة وفي الشحر وفي مواضع أخرى من العربية الجنوبية التي تتكلم بلهجات لا نفهمها عنهم هي من بقايا ا اللهجات الجاهلية.

(1/5285)


وللوقوف على خصائص اللهجات المكونة لعربية ال "ن" "إن"، أرى إن من الضروري وجوب ارسال بعثات علمية إلى العربية الجنويية لدراسة اللهجات المحلية، هي عديدة وتسجيلها على الأشرطة من افواه المتكلمين بها، ولدراسه قواعدها النحوية والصرفية وأصول نظم الشعر عند المتكلمين بها، وتفيدنا دراسة نظم الشعر - خاصة - عند العرب الجنوييين الحاليين فائدة كبيرة في الوقوف على أسس نظم الشعر عندهم ايام الجاهلية، وعلى الفروق الكائنة بين نظمهم قبل الإسلام، ونظم بقية العرب الجاهلين. ولا بد أيضا من مقارنة نظمهم في الوقت الحاضر، بنظم الأعراب في المملكة العربية السعودية، للوقوف على الفروق بين النظمين، وستكون هذه الفروق هاديا لنا في الوقوف على الفروق التي كانت بين النظم عند شعراء الجاهلية في بلاد الشام والعراق ونجد والبحرين واليمامة والحجاز والعربية الجنوبية.
وسوف تساعدنا دراسة لهجات المملكة الأردنية الهاشمية، المملكة التي كانت تعرف ب "ادوم" في التأريخ، وكذلك لهجات أعالي الحجاز في الوقت ا الحاضر، فائدة كبيرة في الوقوف على خصائص لهجة عربية ال "ه" "ها"، وفي استنباط قواعدها منها. فلا بد وأن تكون في اللهجة "البلقاوية"، وفي اللهجات المحلية الأخرى بقايا من تلك اللغة، مندجة مع عربية "ال" التي تغلبت على لسانهم منذ الفتح الإسلامي الذي بدأ لتلك البلاد عام "633" للميلاد، ولا بد من دراسة أصول نظمهم في لغاتهم الدارجة هذه للأهتداء بها على أصول النظم عندهم قبل الإسلام، وعلى المؤثرات التي أثرت على نظمهم في الوقت الحاضر، مع دراسة خصائص نظمهم وما يمتاز به عن أصول النظم عند بقية العرب في الوقت الحاضر أيضا.

(1/5286)


ولما كنا لا نملك نصوصا جاهلية بعربية "ال" غير ما ذكرته من النصوص النبطية المشوبة بعربية "ال". ولما كانت هذه العربية ذات لهجات ولغات،عرفت اسماؤها وضبطت في الإسلام،وبينها فروق ومميزات، كما بينت ذلك في الملاحظات البسيطة السطحية التي جمعها عنها علماء العربية،ولما كنا لا نملك عن هذه اللهجات غير تلك الملاحظات التي أوجزتها في فصل: لغات العرب، فإن من اللازم ضم دراسة ما سيقوم به علماؤنا في المستقبل عن اللهجات الحالية في مختلف أنحاء جزيرة العرب إلى دراسة العلماء المتقدمين، لتكمل احداهما الأخرى، وستتولد منهما ولا شك دراسة علمية قيمة، تفيدنا في الإهتداء إلى معرفة خصائص اللغات العربية قبل الإسلام.
لقد توصلت من دراسة ملاحظات أولئك العلماء، إلى إن هذه اللهجات لم تكن تختلف في كيفية النطق بالحروف، وفي القواعد الصرفية فقط، لكنها كانت تحتلف فيما بينها في القواعد النحوية أيضا، مثل حذف الياء من الفعل المعتل بها إذا أكد بنون في لغة طيء وفزارة، ومثل "ذو" الطائية التي يلازم اعرابها بالواو في كل موضع، ومثل إعراب المثنى بالألف مطلقا، رفعا ونصباوجرا، في لغة بلحرث، وخثعم، وكنانة، ومثل "هلم" في لغة أهل الحجاز التي تلزم حالة واحدة على اختلاف ما تسند إليه مفردا أو مثنى أو جمعا، مذكرا أو مؤنثا، وتلزم في كل ذلك الفتح، بينما تتغير بحسب الإسناد في لغة نجد من بني تميم"، إلى غير ذلك من أمور تحدثت عنها في فصل: لغات العرب، وهي لو جمعت في مكان واحد ودرست بعناية ودقة، دلت على أن الفروق بين هذه اللهجات في القواعد هي اعمق بكثير مما يظن.

(1/5287)


ومع وجود هذه الاختلافات والفررق، كان بإمكان المتكلمين بهذه اللغات الثانوية المتفرعة من المجموعات اللغوية، التفاهم فيما بينهم، كما يتفاهم العراقيون والمصريون وأهل المغرب بعضهم مع بعض مع تكلمهم بألسنة ذات لهجات مختلفة. فكان في استطاعة أهل نجد التفاهم مع عرب الحيرة، وفي استطاعة أهل مكة التفاهم مع أهل الحيرة، والعكس بالعكس، مع وجود صعوبات بالطبع في فهم النطق بالهجة، وفي إدراك مخارج بعض الحروف واختلاف القبائل في النطق بها، ووجود كلمات غريبة في لغة، قد لا توجد في لغة أخرى. إلا إن هذه الفروق لم تكن شديدة عميقة، بحيث جعلت فهم العرب بعضهم بعضا أمرا صعبا، أو صيرت اللغات وكأنها لغات أعجمية، لا يفهم المتخاطبون بها احدهم الاخر. ودليل ذلك اننا نجد الوفود التي وفدت إلى المدينة، لمبايعة الرسول على الإسلام، تكلم الرسول وتتفاهم معه ومع أصحابه، وتخطب أو تنشد الشعر أمامه، وهو يفهمهم، وهم يفهمونه من دون صعوبة ولا كلفة كبيرة، لأن أمر هذه اللغات لم يكن على نحو ما تصوره بعضهم من التباين والاختلاف، والبعد بين الألسنة. اللهم إلا ما كان من أمر أهل العربية الجنوبية، فقد كانوا يرطنون، بدليل ما جاء في كتاب رسول الله إلى "عياش بن أبي ربيعة المخزومي" حين أرسله برسالة إلى أبناء "عبد كلال" الحميري، فقد قال له فيها: "وهم قارئون عليك، فإذا رطنوا، فقل: ترجموا". وربما كان منهم من لا يفقه عربية المسلمين، الناطقين بعربية "ال"، فكان يترجم لهم بعض من لهم علم وفقه بالعربيات الجنوبية وبعربية القرآن.

(1/5288)


وبدليل ثان، هو أن المسلمين لما حاصروا القصر الأبيض من قصور الحيرة، سمعوا أهل القصر، يصرخون: "عليكم الخزازيف" ج "فقال ضرار: تنحوا لا ينالكم الرمي، حتى ننظر في الذي هتفوا به، فلم يلبث أن امتلا رأس القصر من رجال متعلقي المخالي، يرمون المسلمين بالخزازيف - وهي المداحي من الخزف"، فلم يفهم المسلمون معنى "الخزازيف" في بادىء الأمر لكنهم عرفوا أنهم يعنون شيئا له صلة بالدفاع عن القصر، ثم عرفوه، بعد نزول سيل من "الخزف" عليهم. وكان أهل "الحيرة" ينطقون بالعربية، فلما قال خالد بن الوليد" لأصحاب عدي بن العيادي: "ويحكم ! ما أنتم ! أعرب ?
فماتنقمون من العرب اوعجم ? فما تنقمون من الانصاف والعدل فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، قال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما نقول أنه ليس لنا لسان الا بالعربية، فقال: صدقت"، وقد كانت لهم مدلرس تدرس العربية، كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، ومنهم أخذ أهل مكة كتابتهم، كما يذكر ذلك أهل الأخبار. فنحن نجد أن العرب كانوا يتكلمون على مقتضى سجيتهم التي فطروا عليها، ومع ذلك فقد كانوا يتفاهمون ويدركون المعاني، ولو كانوا من قبائل متباعدة، ومن اماكن متنائيه. "قال ابن هشام في شرح الشواهد: كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن ههنا كثرت الرواياته في بعض الأبيات".

(1/5289)


ولما حاصر "خالد ابن الوليد" الأنبار، "تصايح عرب الأنبار يومئذ من السور، وقالوا: صبح الأنبارشر". ولما اطمأن بالأنبار "وأمن أهل الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعريية ويتعلمونها، فسئلهم: ما أنتم ? فقالوا: قوم من العرب. نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا". فاهل الأنبار مثل أهل الحيرة عرب، كانوا يتكلمون العربيه، وهي عربية فهمها خالد ومن كان معه من رجال قبائل ولو كانت عربيتهم عربية قريش، لما سكتوا من النص عليها،لما في ذلك من تقرب إلى قريش. قال الأزهري: "وجعل الله، عز- وجل القرآن المنزل على النبي المرسل محمد، صلى الله عليه وسلم، عرييا، لأنه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانهم، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب، في باديتها وقراها العربية، وجعل النبي، صلى الله عليه وسلم عربيا، لأنه من صريح العرب، ولو أن قوما من الأعراب الذين يسكنون البادية حضروا القرى العربية وغيرها، وتناموا معهم فيها، سموا عربا ولم يسموا أعرابا". "والعربية هي هذه اللغة". "والعرب هذا الجيل" أما أو سألتنى رأيي في هذه الخطب التي دو نها أهل السير والتواريخ والأخبار للوفود التي وفدت على الرسول لمبايعته، أو عن حديث الصحابة معه قبل الهجرة أو بعدها، فأقول لك بكل صراحة، إن هذه النصوص:.نصوص كلام الرسول مع الصحابة، ونصوص كلام الصحابة معه، هي نصوص وردت الينا بأفواه الرواة، كلامها كلامهم، وعباراتها عباراتهم، أما المعاني، اي المضامين، فهي التي أخذت بالرواية، وفي بعضها زيادات أو نقصان، ظهرت بسبب طبيعة الاعتماد على الذاكرة لا الكتابة والتدوين. فنحن اذن أمام نصوص، لا يمكن، أن نقول انها أصيلة، لأنها لم تؤخذ من محاضر جلسات، ولا من كتاب كانوا يكتبون كل ما كان يقع ويحدث، وينقلون الكلام نقلا أمينا صادقا، كما ينقل الشريط المسجل للاصوات، أصوات المتكلمين، وانما رويت بعد الحادث بأمد، قد يكون قصيرا وقد يكون

(1/5290)


طويلا، وبعضها أحاديث شخصية، ليست مهمه، وقد تكون من الموضوعات، ولا غرابة في ذلك فكتب التراجم والحديث والسير، مليئة بتكذيب كثير من هذه الأمور، التي افتعلت، إما من الرواة أنفسهم، وإما من آلهم، وإما عصبية، أو عن مذهب وعقيدة.
افصح العرب
وموضوع أفصح العرب موضوع لا أرى انه قد كان لأهل الجاهلية علم به، إذ كان لكل قوم منهم لسان يتعزون به ويتعصبون له، يرون انه لسانهم العزيز. ولا يكون فصاحة إلا إذا كان هنالك لسان أدب رفيع، يكونه رجال الأدب من ناثرين وشعراء، يكون لسانا مقررا محترما يتبعه الجميع، تعقده وحدة شاملة وشعور بوجود أواصر دم وتأريخ واحد وثقافة واحدة، وقلم يكتب به، فإذا اجتمعت كل هذه وامثالها وأضيفت إليها وجود حكومة كييرة تتخذ ذلك اللسان لسانا عاما لها، ثم تقوم بتشجيع الأدباء والعلماء وتحسن اليهم، صار ذلك اللسان اللسان المحظوظ المأثور المقدم على سائر الألسنة، وصارت اللهجات الأخرى، آلسنة ثانوية بعده، تعد دون اللغة المذكورة.في الرتبة والمنزلة والفصاحة، كما حدث في الإسلام، حيث اعتبر اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم،لسان الإسلام والمسلمين، لسان الدين والدولة، به تكتب دواوين الدولة، وبه يؤلف العلماء ويكتب الأدباء، وينظم الشعراء، وبموجب قواعد المقررة يتعلم اللسان كيفية الكتابة والنطق،من خالفها أو أخذ بألفاظ خارجة على قواعد نحوها وصرفها عد عاميا جلفا من سواد الناس وسوقتهم.

(1/5291)


ومسار الفصاحة في نظر علماء العربية كثرة استعمال العرب للكلمة، سئل أبا عمرو بن العلاء": "كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة ? فقال: أحمل على الأكثر، وأسمي ما خالفتي لغات. فما أكثرت العرب من استعماله من غيره، فهو فصيح. واما الفصاحة في المفرد: فخلوصه من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة القياس اللغوي. والتنافر ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعسر النطق بها، مثل "الهعخ" و "مستشزر". والغرابة أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفتها إلى أن ينقر عنها في كتب اللغة، أو أن تكون قليلة الاستعمال، وأضاف بعضهم إلى ما تقدم: الا تكون الكلمة مبتذلة وآراء أخرى لا مجال للبحث عنها في هذا الكتاب، لعدم وجود مكان في حدوده.
وقد وضعت هذه الحدود في الإسلام، أما ما قبله فلا علم لنا برأي الجاهلين في الفصاحة وفي الفصيح، ولكننا نستطيع بالقياس إلى ما عندنا من كتابات، أن نقول: إن العرب الجنوبيين كانوا يدونون بلهجاتهم المعروفة، وهي: المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية، وفقا لقواعد لهجاتهم وبالفاظهم، فهي بالنسبة لهم لغاتهم الفصيحة، لغة التدوين والكلام،ولما قضى السبئيون على استقلال حكومات معين وحضرموت وقتبان وأوسان، وتكونت منها حكومة واحدة، ضعفت الخصائص اللغوية التي ميزت لهجات هذه القبائل بعضها عن بعض، واندمجت بلغة السبئيين التي صارت لغة الحكومة، وصار العرب الجنوبيون يكتبون بها إلى ظهور الإسلام. فهذه اللغة، هي اللغة الفصحى عندهم وقلمها هو المسند.

(1/5292)


أما بالنسبة إلى العرب الآخرين، فالظاهر إن عربية "ال"، كانت قد تغلبت عند ظهور الإسلام على العربيات الأخرى، وفي ضمنها عربية ال "ه" "ها"، و ذلك بقوة وضخامة القبائل المتكلمة بها، وباستعمال حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة وحكومة كندة لها، مما حمل الخطباء والشعراء والكهنة والسحرة على النطق بها، وبلهجاتهم الخاصة بهم، وهي لهجات كانت متقاربة لكنها تختلف فيما بينها في استعمال بعض الألفاظ وفي كيفية النطق بالكلم، أي في مخارج الحروف، وفي خصائص نحوية وصرفية، إلا أن هذه الفروق والاختلافات لم تخرجها مع ذلك عن وحدة اللغة، وهي كلها في نظر أصحابها عربية فصيحة، وقد كانت تتقارب باحتكاك القبائل بعضها ببعض، وبتوسع نفوذ ملوك الحيرة في جزيرة العرب، وبتنقل الشعراء والخطباء بين القبائل، وبتاثر العرب بالأحداث السياسية العالمية، وبظهور النزعة إلى تكوين حكومات مدنية تحل محل الحكومات القبلية الضيقة، وبتوغل المبشرين والمثقفين العرب بين القبائل، يدعونهم إلى النصرانية التي كانت قد جاءت من الحيرة، بنصرانية شرقية عربية، متأثرة بالإرمية، لكنها اضطرت إلى التعرب بالتدريج، وبقي الحال على هذا المنوال إلى أن ظهرت كلمة الإسلام بلغة "ال"، فصارت بنزول الوحي بها أفصح ألسنة العرب، وصار قلمها قلم الإسلام المقرر. وبذلك نبذ المسند، وماتت الكتابة به منذ ذلك الحين،ومات التراث العربي الجنوبي بموت لسانه وقلمه. - وبانتصار الإسلام على الشرك، والإسلام دين ودولة، دعوته إلى "أمة"" المواطنون فيها اخوة، وله لسان، هو اللسان الذي نزل به القرآن، صار هذا اللسان أفصح الألسنة منذ ذلك الحين، بل لسان أهل الجنة، وصار من الواجب على المسلمين تثبيت قواعده ودراسته لفهم كتاب الله المنزل به، خدمة لدين الله الذي شرف هذا اللسان باتخاذه لسانا له. ورعاية قلمه التي ثبت كتاب الله، وقام العلماء بضبط قوإعده وجمع مفرداته، والبحث في كل ما يتعلق باللسان من

(1/5293)


علم. قام بهذه المهمة علماء المصرين: البصرة والكوفة، وكان لا بد لهم من رسم حدود، ومن وضع قواعد في كيفية تثبيت العربية، وفيمن يصح اخذ هذه القواعد من ألسنتهم، إلى غير ذلك من أمور، اتبعوها في جمع علوم العربية وحين شرع بوضع قواعد العربية، كان الإسلام قد حطم حدود جزيرة العرب، وتخطاها، قد غلب الساسانيين، وأبعد الروم عن بلاد الشام ومصر وما وراءها، وقد جمع العرب بالأعاجم، والعجم بالعرب،وشبك ألسنة الأعاجم بلسان العرب، ولسان العرب بألسنة العجم، واضطر العلماء إلى وضع قواعد فيمن يجب أخذ لسان العرب منهم من العرب، وفيمن لا يجوز الأخذ منهم، بسبب اتصالهم بالعجم، وما طرأ على لسان بعضهم من خبث نتيجة لهذا الاتصال. فكانت تعاليمهم ألا تؤخذ العربية إلا من عرب بقوا بمعزل عن الأعاجم، فلا "يؤخذ عن حضري قط،ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عمان، لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمن عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدآوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب وذكر ان قريشا كانوا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وأجود العرب انتقادا للافصح من الألفاظ، أما الذين نقل عنهم اللسان العربي من "قبائل العرب، هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما

(1/5294)


أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كتانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم". وروي أن أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم.
وروى "الجاحظ" أن "معاوية" قال يوما: "من أفصح العرب ? فقال قائل: قوم ارتفعوا عن الخلخانية الفرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم " وتياسروا عن كسكسة بكر، ليست لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير. قال: من هم ? قال قريش" وقد تحدث "الجاحظ" عن أثر المحيط في تكوين اللغة، فقال: "وكاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي " والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال:إن هذيلا أكراد العرب، وكااختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحزون، وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار. وزعمت أن هؤلاء وان اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض الصور، فقد تخالفت عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي. خالص غير مشوب ولا معلهج ولا مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة". فرأى "الجاحظ" إن بين العدنانيين والقحطانيين فروقا كبيرة في اللغة، غير إن بين كل مجموعة من هاتين المجموعتين فروقا لغوية، كالذي أورده من أمثلة على الفروق التي تكون بين من ينزل الجبال، أو من ينزل السهول، وبين من ينزل النجود، ومن ينزل الأغوار، ثم الخلافات التي تقع بين بطون القبائل عند تشتتها وتفرقها. ثم تحدث عن لغة عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، ولغات أهل الحجاز. وهي قبائل تحدث عنها علماء اللغة.

(1/5295)


وقد ذكر "الرافعي" إن الفصاحة اشتهرت في مضر، حتى عرفت اللغة بالمضرية، ومن أشهر قبائلها كنانة - ومن بطونها قريش -ثم تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وضبة، ومزينة". وقال أيضا: "وأفصح القبائل الذين هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، وللعجز من هوازن الذين يقال لهم عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، و ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا - أفصح العرب بيد اني من قريش، واني نشأت في بتي سعد بن بكر - وكان مستعرضا فيهم - وهم أيضا الذين يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء، أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم" وتلك القبائل كلها كانت تسكن في بوادي نجد اوالحجاز ونهامة،وقد بقيت معادن الفصاحة زمنا بعد الإسلام، واليها كان يرحل الرواة، حتى إن الكسائي لما خرج إلى البصرة فلقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، قال له رجل من الأعراب: تركت أسدا وتميما وعندهما الفصاحة وجئت إلى البصرة فقال للخليل: من أين أخذت علمك ? قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. فخرج اليهم ولم يرجع حتى أنفد خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب.
ولم تزل هوازن وتميم وأسد متميزة بخلوص النية وفصاحة اللغة إلى آخر القرن الرابع للهجرة وقد ترك الأخذ عن "حاضرة الحجاز" أي مكة "لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتداوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم"، فلم يأخذوا منهم. وقد قرأنا قبل قليل اسماء القبائل التي أدخلها علماء اللغة في القائمة السوداء المقاطعة التي لم يجوزوا الأخذ منها، و ذلك حين شروعهم بتدوين اللغة أيضا للسبب المذكور وهو اتصالها بالأعاجم، وتاثر ألسنتها بلغات من اتصلت بهم من عجم.

(1/5296)


واللغات في نظر "ابن جني" على اختلافها كلها حجة "ألا ترى أن لغة الحجاز في إعمال ما، ولغة تميم في تركه، كل منهما بقبله القياس، فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى، لكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد إن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد نسبا بها، فاما رد إحداهما بالأخرى فلا،.
أعود الآن فاكرر ما سبق أن قلته من اننا اليوم في حاجة ماسة، إلى وجوب تسجيل كل ما أورده علماء اللغة عن لغات العرب ولهجاتها، فصيحة كانت تلك اللغة أو رديئة، ولا سيما في الأمور التي شذت فيها هذه اللهجات بعضها عن بعض الشعر أو في النثر، تسجيل كل الأسماء الجاهلية التي عرف بها العرب قبل الإسلام، مع بيان اسماء الرجال الذين تسموا بها وأسماء القبائل التي هم منها، والمواقع التي كانوا بها، لنتعرف بذلك على أصول هذه القبائل، والأماكن التي جاءت منها، والأثر الذي تأثرت به من القبائل المجاورة لها، فنحن نعرف اليوم، إن أهل العربية الجنوبية، كانت لهم أسماء وردت في المسند لم تكن شائعة بين العرب الشماليين، وقد كانت خاصة بهم، ثم نعرف اليوم إن الأسماء الواردة في النصوص العربية الجنوبية المتاخرة المقاربة للاسلام، اختلفت بعض الاختلاف عن الأسماء القديمة المركبة المضافة، مما يدل على وقوع تغير في الذوق اللغوي عند العرب الجنوبيين قبيل الإسلام، وعلى الميل إلى اختزال الأسماء وتبسيطها، على نحو ما كان عند العرب الشماليين، ومثل هذه الدراسة، تكون ذات قيمة كبيرة في الوقوف على التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية التي مرت على جزيرة العرب قبيل ظهور الإسلام. وهذا التغير الذي أشر إليه هو شيء طبيعي، وقع قبل الإسلام، كما وقع في الإسلام، فقد ماتت الأسماء الجاهلية، مثل "امرؤ القيس"، و "معدي كرب"، و "شرحبيل"، و "شرحئيل"، و "عبد عوف"، و "عبد مناة"، و "عبد أسد"، في الإسلام، وحلت محلها أسماء

(1/5297)


إسلامية، وماتت الفاظ جاهلية، بسبب إماتة الإسلام لها، أو إعراضه عن استعمالها، أو بسبب تغير الذوق، فلم تعد تصلح للاستمال، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين، ونشأت معان جديدة لألفاظ جاهلية قديمة لم تكن تعبر عن هذه المعاني قبل الإسلام، كذلك، نحن في حاجة إلى تدوين شعر الشعراء على حسب القبائل التي ينتمي اليها قالة الشعر، لنتمكن بذلك من دراسة خصائص شعر كل قبيلة، وما ورد فيه من لغتها، على أن نهتم بصورة خاصة، بالأصول الأولى لهذا الشعر، أي بأقدم الروايات التي ورد فيها، ثم ندون إلى جانبها الروايات المختلفة التي ورد فيها على ألسنة علماء الشعر واللغة، والتعديلات - التي أدخلها العلماء عليه، لترى ما فعله العلماء في الشعر الجاهلي،وطبيعة ذلك الشعر بالنسبة إلى اللغات، وخصائص كل شعر.

(1/5298)


ونجد في كتاب "الإكليل" ملاحظات ثمينة تفيدنا كثيرأ في دراسة اللهجات العربية الجنوبية، وقد أخذها من كلام الناس في أيامه. من ذلك ما ذكره في كتابه "الإكليل" من قوله نقلا عن كلام "أبي نصر": إن "حمير تطرح مثل هذه الألف في كلامها، فنقول: إذا أردت أن تقول للرجل: اسمع واذهب: سمع وذهب، وغضب في اغضب وشرب في اشرب". وهي لغة لا تزال تستعمل في بعض القبائل اليمانية. ومن ذلك استعماله لفظة "القدمان" في قوله: "وقرأ زبر حمير القديمة ومساندها الدهرية، فربما نقل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وتهانت أسماء فيها ثقل فخففتها العرب وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة. فإذا سمعوا منها الاسم الموفر، خال الجاهل انه غير ذلك الإسم، وهو هو". ولفظة "القدمان" من الألفاظ العربية الجنوبية التي ترد بكثرة في كتابات المسند، ترد مع أسماء بعض الأشهر التي يتكرراسمها، على نحو قولنا في العربية: "ربيع الأول" و "ربيع الثاني"، و "جمادى الأولى" و "جمادى الاخرة"، فيستعملون "قد من" "قدمان" للأول، أي الأقدم والمتقدم، ويستعملون "اخرن" "اخران" للثاني، أي الاخر والمتأخر، وتعني "قدمان" القدامى والقدماء كذلك.
ونجد في ثنايا كتابه مصطلحات وألفاظا أخرى من هذا القبيل استعملها هو،

(1/5299)


أو هلها عن غيره، أو من الكتب، وهي ترجع إلى اللهجات العربية القديمة، وقد لا تجد لها وجودا في معاجم اللغة. كذلك يجب البحث في كتب "سعيد ابن نشوان" الحميري وفي كتب غيره من المؤلفين من أهل العربية الجنوبية إلى يومنا هذا، لنلتقط ما قد يكون في ثناياها من كلم عربي جنوبي قديم، ومن امثلة وجمل، وأسماء أشهر وغير ذلك.، إضافة إلى دراسة لهجات الأحياء منهم، ووجوب الحفر حفرا علميا في مواضع الآثار لاستخراج ما فيها من نفائس مكتوبة أو غير مكتوبة لتعيننا في الوقوف على أصول لغة العرب الجنوبيين قبل الإسلام. ولا بد لنا اليوم من وجوب القيام بمسح لغوي جغرافي، للغات جزيرة العرب ولقبائل العراق وبلاد الشام، لمعرفة ما تبقى عندها من أثر للهجاتها القدبمة. مسح عام لكلامها الذي تنطق به، ولشعرها الذي تنظمه في الوقت الحاضر، وللأسماء الغريبة التي تتسمى بها، ومسح مثل هذا سيعين الباحثين كثيرأ في الوقوف على أسرار اللهجات العربية قبل الإسلام.
الفصل الحادي والاربعون بعد المئة
المعربات

(1/5300)


والاختلاط بين الأمم، بمختلف وسائله، ومن ذلك الاتصال التجاري، يؤدي إلى حدوث تفاعل في اللغة، فقد يولد هذا الاحتكاك ألفاظا جديدة يطلقونها على أشياء لم يكن لأهل تلك اللغة علم بها، وقد يضطر أصحابها إلى استعمال المسميات الأجنبية كما هي، أو بشيء من التبديل والتغيير ليناسب النطق بتلك اللغة. وقد وقع ما أقوله في كل اللغات، ويقع الآن أيضا، وسيقع في المستقبل إلى ما شاء الله، لا استثناء في ذلك، ولا تفاضل، ولا امتياز. فاللغات كلها، ومنها اللغة العربية في جاهليتها واسلاميتها، تخضع لهذا والقانون وليس الأخذ والعطاء دليلا على وجود نقص في لغة ما، أو وجود ضعف في تفكير المتكلمين بها. فكل اللغات مهما بلغت من النمو والكمال والسعة، لآ بد لها من أن تأخذ وأن تطور مدلول مفرداتها أو تضع مفردات جديدة لأمور لم تكن معروفة وموجودة عندها. ولا نعرف لغة ما من اللغات الميتة أو الحية، انفردت بنفسها انفرادا تاما، فلم تأخذ شيئا ولم تعط شيئا.
والعربية بجميع لهجاتها وألسنتها مثل اللغات الأخرى، وفي جملتها اللغات السامية أخذت وأعطت، قبل الإسلام وبعد الإسلام، ولا تزال تأخذ وتعطي ما دام أصحاب اللسان العربي باقين في هذا الكون. والأخذ والعطاء ووضع. مفردات جديدة في لغة ما، هما من دلائل، الحيوية ومن أمارات القرة رالتكامل في تلك اللغة. ومن دلائل هذا الأخذ والعطاء، ما حدث في العصور الإسلامية: من أخذ وعطاء بين العربية واللغات الأعجمية، فطعمت العربية الفارسية والتركية والرومية وغيرها بمادة غزيرة من الكلمات، كما أخذت هي حاجتها منها. ومن دلائله أيضا ما يقع اليوم من وضع المصطلحات لمعاني لا عهد لعربية بها.من قبل كمخترعات تظهر دوما ومعاني علمية ليس للعلماء عهد بها، ولا بد من وضع ما يقابل في العربية، بوضع لفظ عربي، أو تعريب المصطلح وتكييفه وفق النطق العربي إن كان من غير الممكن إخضاعه للمفردات العربية.

(1/5301)


وقد يزعج هذا الرأي فريقا من الناس يذهبون إلى أن العربية لغة نقية صافية لم تتأثر بغيرها من اللغات، فلم تأخذ من اللغات شيئا، ولم يدخل إليها لفظ أجنبي، أو إن ما دخل إليها من دخيل معرب هو قليل، وهم في منطقهم هذا محافظون متزمتون لا يعترفون بنظرية الأخذ والعطاء في اللغات. فإذا قلت لهم إن اللفظة الفلانية لفظة معربة واصلها أعجمي، أجابوك: ولكنها وردت في القرآن الكريم، ووردت في شعر فلان، وفلان من الشعراء الجاهليبن. واذا قلت لهم: ولكن دخولها العربية كان قبل الإسلام بزمن، وقبل ذلك الشاعر بزمن طويل، وأن الجاهليين نسوا أصلها واستعملوها استعمال الألفاظ العربية، فحكمها اذن حكم الألفاظ العربية في أيام ذلك الشاعر، وعند نزول الوحي، أجابوك أيضا: وكيف نؤمن أنها معربة، أفلا بجوز أن تكون عربية في الأصل، وقد أخذها الأعاجم أنفسهم من العربية، ومن أين لك الدليل على العكس ? واذا ذكرت لهم أن اللفظة الفلانية عبرانية في الأصل أو سريانية أو كلدانية، قالوا:.وكيف تثبت ذلك، وهذه اللغات والعربية كلها من أصل واحد ودوحة واحدة، فلم تحكم بأنها من أصل سرياني أو عبراني أو كلداني أو غير ذلك، ولا تحكم بانها عربيه أصيلة، وان وجودها في نلك اللغات، هو بسبب اشتراكها والعربية في الأصل السامي. فهي في العربية أصيلة اذن، وهي في تلك اللغات أصيلة أيضا وقديمة بسبب مشاركتها للعربية في الأصل السامي.

(1/5302)


وقد فات مثل هؤلاء إن القدامى من العلماء لم يفتهم أمر هذه ألمعربات فأشاروا إليها، ومنهم جمهور أصحاب كتب التفاسير والحديث والمعجمات، وأن من العلماء من ألف فى هذا الموضوع، فألف أبو منصور المعروف بالجواليقي. كتابا في هذا الباب دعاه: "المعرب من الكلام الأعجمي". ولم ينتقده مع ذلك علماء يومه، ولا من جاء بعده لإقدامه على تأليف كتابه هذا، ولم يفل أحد انه كان جاهلا أو متحاملا على العربية، مسيئا إليها، لأنه أنكر أصول الألفاظ المذكورة في مؤلفه، فعدها أعجمية معربة مع انها عربية أصيلة، لا شك في عربيتها ولا شبهة. قال "الجاحظ": "ألا ترى إن اهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من الفاظهم، ولذلك يسمون البطيخ الخربز، ويسمون السميط الرزدق، ويسمون المصوص المزور، ويسقون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء". وتجد في تفسير "الطبري"، وهو من العلماء الثقات المحققين وفي تفاسير غيره من العلماء المدققين إشارات إلى أصول ألفاظ وردت في كتاب الله ذكروا انها من المعربات،وقد نصوا على أصولها التي أخذت منها، حسب علمهم واجتهادهم في ذلك الوقت، لم يجدوا في ذلك. بأسا ولا انتقاصا لحرمة القرآن، أو مسا به، وفي القرآن - كما يذكر العلماء - أكثر من مائة لفظة معربة، نصوا على أصولها حسب علمهم واجتهادهم واستفسارهم من الأعاجم، وهي كلمات دخل بعضها العربية قبل الإسلام بعهد طويل بل لعدم وجود مثيل لها في لغة العرب،فاخرجتها العرب على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها، فصارت بذلك عربية،وانما وردت في القرآن لأنها كانت قد تعربت وجرت عند العرب مجرى الفصيح، ولم تكن لديهم ألفاظ غيرها. وفي بعض هذه المعربات ألفاظ لم تكن مالوفة أو معروفة عند الوثنيبن، لأنها من ألفاظ أهل الديانات، وتظرا لكونها تعبر عن أمور دينية ضرورية لا مثيل لها في العربية، كان من اللازم تعليم الناس اياها،لذلك وردت في القرآن.

(1/5303)


وقد رجح العلماء أصول المعربات الواردة في القرآن إلى لغات كانت شائعة انذاك ومعروفة للعرب، أخذها العرب منها باحتكاكهم باهلها، مثل اليونانية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والحبشية، والهندية، و القبطية، والنبطية، حتى ذهب "أبو ميسرة"، وهو من العلماء التابعين إلى أن "في القرآن كل لسان"، وروى مثله عن "سعيد بن جبير"، و "وهب بن منبه". ولو راجعنا أقوال العلماء في هذه المعربات التي درسوها وتحدثوا عنها لوجدنا أنهم قد أخطأوا في تشخيص الكثير منها، فلم يتمكنوا من الوقوف على أصولها، لعدم معرفة أكثر علماء العربية اللغات الأعجمية. نعم تمكن العارفون منهم بالفارسية من تشخيص المعربات عن الفارسية، غير أن منهم من زاد عليها وبالغ فيها، فأدخل في المعرب عن الفارسية ما ليس من الفارسية بشيء. وأدخل ألفاظا عربية أصيلة في طائفة المعربات،مع أنها عربية جاهلية، وردت في نصوص المسند وفي النصوص الأخرى،وسبب ادخالهم لها ضمن المعربات، هو عدم احاطتهم باللهجات العربية الجنوبية، وباللهجات الجاهلية الأخرى، فتخبطوا في تعيين الأصول، فترى بعض منهم يرجع معربا إلى أصل عبراني، ونجد آخر يرجعه إلى أصل يوناني، بينما يرجعه ثالث الى أصل حبشي، وقع ذلك بسبب عدم وقوف العلماء على اللغات الأجنبية وكتفائهم بالاستفسار من الأعاجم، ممن لم يكن لهم علم بعلوم اللغات، وإنما كانوا يعرفون الكلام بها، إذ لم يكونوا من أصحاب التضلع والتخصص، كما أن عصبية البعض منهم للسانهم دفعهم أحيانا للى الاختراع وصنع الأجوبة الكاذبة، يضاف إلى ذلك عامل الادعاء بالعلم والفهم، مما يحمل صاحبه على الوضع والكذب.

(1/5304)


وبين الباحثين في المعربات الواردة في القرآن جدل في وجود المعرب فيه، منهم من قال بوجوده، ومنهم من رد القول به ومنعه، فقال: "انما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم إن فيه غير العربية، فقد أعظم القول، ومن زعم ان كذا بالنبطية، فقد اكبر القول"، وقالوا: "ما ورد عن ابن عباس وفيه من تفسير الفاظ من القرآن انها بالفارسية لو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، انما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد"، وبالغ بعضهم في نفي المعربات، حتى قال: "كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدا، لا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح" والذين ذهبوا إلى وقوعه فيه، يرون بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لانحرجه عن كونه عربيا. وعلل بعضهم سبب وقوعه في القرآن بقوله: "إن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن، انه حوى علوم الأولين والآخرين، ونبا كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الاشارة إلى انواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها واخفها وأكثرها استعمالا للعرب"، وأيضا النبى صلى الله عليه وسلم، مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو". وقال "ابن سلام": " والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، و ذلك إن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال انها عربية فهو صادق، ومن قان أعجمية فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون".

(1/5305)


وقال "ابن النقيب": " من خصائص القرآن على سائر كتب الله تعالى المنزلة، انها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير،. فهو من الذين يرون إن في القرآن كل لسان.
ولا يقوم جدل المانعين من وقوع المعرب في القرآن، أو القائلين به على أساس اختلافهم في وقوع المعرب في العربية، وانما انصب كل اختلافهم على وقوع المعرب في كتاب الله. فالمانعون يقولون - كما رأينا - إن الله يقول: "قرآنا عربيا"و "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته أ أعجمي عربي"، فكل ما فيه هو عربي اذن، والذين يجيزونه،. يقولون إن هذه الأحرف أصولها أعجمية، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحو لتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال انها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية صادق. فالخلاف اذن خلاف عقائدي لا صلة له باللغة، وبوقوع المعرب أوعدم وقوعه في العربية.

(1/5306)


وهناك فريق آخر جماعته من المحدثين في الغالب ومن غير العرب، ذهب مذهبا معاكسا لمذهب من ذكرت تماما. تطرف في رأيه تطرفا مسرفا وبالغ في أحكامه مبالغة منكرة. رجع ألفاظا عربية استعملها، الجاهليون إلى أصول أعجمية،وادعى انها من الألفاظ المعربة عن السريانية أو اليونانية أو اللاتينية،أو العبرانية أو الفارسية، لمجرد ورودها أو ورود مشابه لها في تلك اللغات، وحجته في ذلك أن الجاهليين أميون أعراب وثنيون، وأن الألفاظ التي رأوا عجمتها هي ألفاظ حضارة لها مدلولات دينية أو سياسية أو اجتماعية أو حرفية أو غير ذلك، ولهذا لا يمكن أن تكون من صميم العربية، بل لا بد أن تكون طارئة عليها دخيلة في الأصل، ثم عربت. وفي هؤلاء المتعصب لجنسيته، مثل إن يكون سريانيا أو يهوديا، هذا رجع تلك الألفاظ إلى لغته لتعصبه لها،والمتأثر بنظرية جهل الجاهليين وعدم وجود أي علم أو ثقافة لديهم، والمتعصب على الإسلام، هذا رجع أكثر الألفاظ الحضارية إلى النصرانية أو اليهودية أو الفارسية، لإثبات أخذ الإسلام منها،وتعلم الرسول ديانته من تلك الديانات. أما البحث العلمي الخالص، فهو ما كان بعيدا عن كل الميول والاتجاهات والنزعات ودوافع التعصب، قائما على الحقائق والوقائع وفكرة البحث عن الحق للتوصل إليه. فالرأيان في نظري باطلان، بعيدان عن جادة العلم. وواجب الباحث في مثل هذه الأمور أن يتريث اولا"، وألا يبت في قرار إلا إذا كان متأكدا من سلامة السبل التي سار عليها في الوصول إلى قراره، ولا سيما أن العربية والعبرانية والسريانية كلها من هذا الأصل الذي يطلق علماء الأجناس واللغات عليه: الأصل السامي، وتشترك كلها أو أكثرها في كثير من الألفاظ، والحكم بأن هذه اخذت من هذه أو تلك، حكم فج ناقص إذ لم يستند إلى موارد ونصوص مرتبة ترتيبا تاريخيا. ثم إن العربية ليست عربية واحدة؛ فإن هناك ألسنة عربية أخرى، مثل عربيات اليمن، وهي لهجات عربية قديمة

(1/5307)


ذات نصوص يعود تأريخ بعضها الى ما قبل الميلاد، فلا بجوز التعميم بالاستنآد إلى لغة القرآن الكريم وحدها، بل لا بد من تتبع ما جاء في اللغات العربية الأخرى. أضف الى ذلك أن أهل اليمن كانوا أصحاب حضاره وحضارتهم أرقى واعلى درجة من حضارة بعض الساميين. ولذلك يدفعنا الواجب إلى دراسة ما جاء في نصوصهم. من ألفاظ ومسميات وآراء ومقارنتها بما جاء في النصوص الواردة في اللغات. السامية الأخرى، للحصول على رأي علمي في هذه الأمور. ولكننا مع ذلك نحن في وضع لا نتمكن فيه من البت في هذه الأمور، لأن مالدينا من نصوص جاهلية أغلبه من النوع الذي عز عليه على ظاهر الأرض، لأن الظروف لم تمكن العلماء حتى الآن من التنقيب تنقيبا علميا عميقا في باطن مواطن الاثار، لاستخراج المطمور من الكتابات والاثار الأخرى، الغالب أن يكون المطمور ذا أهمية كبيرة، وسيعين المؤرخين في كتابة الأجزاء المفقودة من تاريخ العرب قبل الإسلام. وقد يكون من بين ما يعثر عليه ما هو أقدم من النصوص التي بين أيدينا. وعلى هذه النصوص إن رتبت ترتييا زمنيا يوثق به، يمكن أن يكون اعتمادنا في تئبيت المفردات وفي تعيين زمن استعمالها في العربية وفي كونها عربية أصيلة أو معربة.

(1/5308)


ان وجود المعربات دليل على اتصاله الجاهليين بغيرهم، واتصال غيرهم بهم، على الروابط الفكرية التي كانت بين العرب وبقية الساميين،ويين العرب والشعوب الأخرى وجمعها وتصنيفها لذلك في مجموعات حسب الموضوعات يعطينا رأيا عن النواحي التي تاثر بها الجاهليون في أمور الحياة. غير إن هذا العمل عمل شاق، ويجب أن يستند إلى معجمات جامعة مرتبة ترتيبا تاريخيا، تذكر الكلمة، ثم تذكر أصلها من اي أصل أتت وفي أي زمن كان ذلك وأول من استعملها أو أقدم نص عربي وردت فيه، وفي اي معنى استخدمت، وهكذا. ولكننا لا نملك، يا للأسف، مثل هذه المعجمات. وكل ما لدينا معجمات قديمة، لم تنتبه لهذه الأمور، لم يميز الجاهلي من الإسلامي، ولا اللفظ الوارد في عربية القرآن الكريم من اللفظ الوارد في اللهجات العربية الأخرى على انها مرادفات، ترد في عربيتنا على حين انها مسميات للشيء ذاته في اللغات العربية الأخرى.

(1/5309)


والذين يقولون بعدم وقوع المعرب في كلام العرب، كانهم يتصورون إن العرب كانوا بمعزل عن العالم وانقطاع عن الناس. ولهذا لم يتأثروا بغيرهم، ولم يؤثروا في غيرهم، وأن عرقهم لذلك بقي صافيا نقيا سليما، لم تدنسه أعراق أعجمية، ولم يمازج دمهم دم غريب، ولم تدخل لغتهم لفظة غريبة، بل بقيت نقية صافية على ما خلقها الله يوم خلق اللغات. وقد تكون في اللغات الأخرى، كلمات دخيلة، أما العربية فحاشاها من ذلك وهؤلاء لا يدرون انه قد كانت في سواحل جزيرة العرب قبل الإسلام مستوطنات يونانية، نشات في مواضع عديدة من سواحل البحر الأحمر وسواحل البحر العربي وا الخليج العربي، وقد بقي أصحاب تلك المستوطنات في مستوطناتهم فلم يعودوا إلى ديارهم، ونسوا أصولهم وعاداتهم، وصاروا عربا مثل سائر العرب،يرجعون أنسابهم الى أصول عربية على عرف العرب وألأعراب. وأن منهم من بقي عرقه الدساس يحن إلى أصله،فقد ذكر المؤلفون اليونان إن بعض القبائل العربية الساكنة على السوآحل، كانوا يرحبون ببعض اليونان، لاعتقادهم انهم يجمعهم واياهم صلب واحد.
يضاف إلى ذلك الرقيق من الجنسين، وقد كانت بلاد العرب تجلب عددأ كبيرا منه في كل عام، تشتريه من أسواق العراق ومن أسواق بلاد الشام، وتوكل إليه القيام بأعمال مختلفة، ولا سيما الأعمال التي نحتاج إلى خبرة ومهارة فنية ودراية. ونحن نعلم أن العربي الصريح يأنف من الاشتغال بالحرف وزراعة الخضر، ولذلك و كل إلى هذا الرقيق أمر القيام بها، فأدخل إلى العربية كثيرا من الألفاظ الخاصة بالزراعة وبالحرف، لم تكن معروفة في العربية، كماسأتحدث عن ذلك فيما..

(1/5310)


يضاف إلى ذلك أيضا، التجارة فقد كان التجار من عرب وغرباء يتعاطونها في جزيرة العرب وفي خارجها، يصدرون منها حاصلاتها وما تجمع فيها من سلع مستوردة من سواحل افريقية الشرقية والهند، ويأتون إليها بما تحتاج إليه قبائلها وأهل مدرها وأهل إفريقية من بضائع مصنوعة أو منسوجة من حاصل الانبراطوريتين الساسانية والرومية والأرضين المصاقبة لهماومن الطبيعي أن يؤدي ذهاب التجار العرب إلى اسواق العراق وبلاد الشام، واحتكاكهم بالفرس والروم، إلى الوقوف على أحوالهم والاتصال بهم والأخذ منهم والتأثر بثقافتهم وحضارتهم واقتباس ما يلائمهم منهم ومن الطببعي أن يؤثر التجار الروم والفرس بعض اسلتاثر في نفوس زملائهم العرب في الأماكن التي ولجوها من جزيرة العرب، وأن ينقلوا اليهم شيثا من آراثهم وأفكارهم وتجاربهم في الحياة،وأن يعطوهم شيثا من مصطلحات لغتهم التي لا تعرفها العربية، ومن الأسماء الخاصة بالتجارة وبالبضائع التي يأتون بها إلى جزيرة العرب لبيعها في أسواقها.
وكان للمبشرين شان مهم في نقل التراث اليوناني والإرمي إلى جزيرة العرب في ايام الجاهلية، وبجهادهم المضني المتواصل وعملهم المتواصل، دخلت النصرانية في أماكن متعددة قاصية من بلاد العرب،حتى نمكنوا من تنصير قبائل وامراء ورؤساء قبائل، بطريقتهم الخاصة في الاقناع والتأثير، وبالتطبيب، وبالتقرب إلى ضعاف الحال من الناس.وقد اتبعوا في التبشير وفي إدارة المؤسسات التبشيرية النظم الإدارية والدينية المتبعة في الكنيسة، فجعلوا "بيث قطرايا"، أي "قطرا" الموضع المعروف اليوم على ساحل ا الخليج، كرسيا ل "مطرابوليطي"، يقيم فيه، ويشرف على إدارة خمسة أساقفة، يقيمون في "ديرين" و "مشمهيغ" أي "سماهيج" وهجر وبلاد "مازون" و "حطا" المسماة "ييد أردشير"، وهي الخط.

(1/5311)


وفي موضع مثل نجران غلبت النصرانية على أهله،نظمت الكنيسة شؤون المدينة، فتولى رئيسها الديني، وهو بدرجة "أسقف"، الأمور الدينية، وتولى "السيد" أمور الحرب و ادارة المسائل الخارجية المتعلقة بعلاقة نجران بغيرها، وتولى "العاقب" الأمور الداخلية، وهم جميعا يؤلفون معا مجلس المدينة فيديرون معا أمور الناس، وينظرون في كل ما حدث بينهم من نزاع وخصومات. وهكذا نظمت العلاقات بين كنيسة المدينة وحكهامها، وانسجم الحكم بين الجماعتين.
وقد أدخل التبشبير ألفاظا يونانية وسريانية ترد في الديانة وفي الحياة اليومية إلى اللغة العربية، ولا سيما المصطلحات الخاصة بتنظيم الكنيسة وبالحياة النصرانية، كما كان لبعض الشعراء الجاهليين يد في إدخال بعض المصطلحات النصرانية إلى العربية، كالذي نجده في شعر "مرىء القيس" والأعشى وعدي بن زيد العبادي وغيرهم من كلمات ترد بكثرة عند النصارى، نتيجة اتصالهم واحتكاكهم بهم، فصارت بذلك تلك الكلمات من المعربات ويضاف إلى من ذكرنا اليهود، ففد كان لهم أثر في الجاهليين، في يهودالعربية الغربية خاصة، أي في الحجاز، في البقعة الممتدة من "يثرب" حتى بلاد الشام، وفي اليمن. فقد سكن اليهود في هذه المواضع، وبنوا لهم مستوطنات فيها، واختلطوا بعربها، واحترفوا الحرف كما ذكرت ذلك في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.

(1/5312)


وقد كانت "مدراشات" اليهود في يثرب وفي المستوطنات اليهودية الأخرى تلقن اليهود أحكام دينهم، وتعلم أطفالهم القراءة والكتابة. وقد قصدها العرب وجلسوا في مما يستمتعون إلى يهود. وقد شاهدها الرسول بعد هجرته إلى المدينة، وحفر جدلا كان قد وقع بين جماعة من يهود، كما حضرها أبو بكر ونفر آخرون من الصحابة. وكان أحبارهم يدرسون فيها ويفتون، كما كانوا يقيمون الصلوات واحتفالات الأعياد في "الكنيس". ومن هؤلاء.اليهود ومن "مدراشاتهم" انتقلت الألفاظ العبرانية إلى العربية فعربت، وفي جملة ذلك لفظة "مدراس"، و "سفر"، و "تور اة"، و "تا بوت"، و "حبر"، و "كاهن" وغير ذلك من مصطلحات لأكثرها صلة بشؤون الدين.
إن الحاجة، هي التي تحمل الناس على الأخذ والعطاء، وبها نفسر اقتباس العرب للمعربات. فأسماء بعض الالات والأدوات والطرق الفنية والأنسجة الدقيقة المصنوعه من الحرير وأسماء المأكولات النفيسة وأسماء النبات التي هي من أصل شمالي وبعض المشروبات وما شابه ذلك، انما دخلت العربية وعربت لأسباب عديدة، أهمها أن الحياة في جزيرة العرب حياة عادية، تكاد تجري على وتيرة واحدة، فلم تساعد على ظهور الأمور المذكررة، فاضطر الناس بحكم الحاجة إلى أخذها من غيرهم واستيراد أشياء مادية وغير مادية من جيرانهم، حتى في الأمور الفكرية والروحية، مثل المعربات الدينية فإن خضعت الحاجة، فالنصارى العرب استعملوا معربات من اصل سرياني، لأنهم اضطروا إلى استعمالها، لأنها تعابير دينية لا وجود لها عند العرب الوثنيين أولا، ثم هي مصطلحات رسمية كنسية، لم تتساهل الكنيسة في تغيير أسمائها، ولهنا استعملها العرب على النحو المرسوم، كما يستعمل الأعاجم المسلمون المصطلحات العربية، لأنها مصطلحات اسلامية ليس لها مقابل في لغتهم، أو لأنها مصطلحات دينية نحب المحافظة على تسميتها وان وجد لها مقابل في لغات الأعأجم.

(1/5313)


واكثر المعربات الجاهلية، هي من أصل يرجع إلى لغة بني ارم أو إلى لغة الفرس، ثم تليها المعربات المأخوذة من لغات أخرى مثل اليونانية والعبرانية واللاتينية والحبشية والقبطية، وكثير من الألفاظ اليونانية إنما دخل إلى العربية عن طريق السريانية، فقد كان السريان قد أدخلوها في لغتهم، لأنها لم تكن معروفة عندهم، ومن لغتهم هذه تعلمها الجاهليون.
والمعربات السريانية الأصل، هي في الزراعة في الغالب، وفي التوقيت، ثم في موضوعات دينية وصناعية وتجارية وفي أمور أخرى. أما المعربات عن الفارسية فهي في موضوعات زراعية كذلك وفي أسماء المأكول والملبوس وأمور اجتماعية. وأما المعربات عن العبرانية، ففي أمور خاصة بسكناهم بين العرب وبأمور دينهم وشؤونهم. وأما المقتبس عن اليونانية فهو في أمور حرفية، وفي مصطلحات دينية ومصطلحات زراعية ومصطلحات تستعمل في شؤون البحروما شاكل ذلك. وتفسر وجود المعربات السريانية والفارسية بنسبة تزيد على نسبة وجود المعربات الأخرى هو إن المتكلمين بلغة بتي إرم كانوا مزارعين في الغالب، وكانوا على اتصال بالعرب، وقد خالطهم العرب وعاشوا بينهم، واقتبسوا منهم، حتى انهم كتبوا بلسانهم، ودخل الكثير منهم في دينهم، دين النصرانية، ولا سيما قبيل الإسلام. وقد كانت أحوالهم الاجتماعية مشابهة للاحوال الاجتماعية عند العرب، ولا سيما عرب بلاد الشام والعراق. ووضع مثل هذا يؤدي بالطبع إلى الاقتباس والأخذ والعطاء. وأما الفارسية، فقد كان الفرس يحتلون بلاد العراق وكان لهم نفوذ على العربية الشرقية، وقد استولوا على اليمن قبيل الإسلام، ولهم تجارة مع أهل مكة وأماكن أخرى، وبحكم هذه الصلات دخلت في العربية ألفاظ فارسية وصارت في عداد المعربات.

(1/5314)


ونحن إذا تتبعنا صورة توزع المعربات بين العرب، نجد إن توزيعها يختلف باختلاف الأمكنة، فهناك أمكنة تأثرت بالمعربات الفارسية بالدرجة الأولى، وهناك مواضع تأثرت بالمعربات السريانية في الأكثر، وهناك أقاليم تأثرت بالمعربات عن اليونانية أو الحبشية بالدرجة الأولى. ثم نجد ظاهرة أخرى في كيفية توزع المعربات وظهورها، هي ظاهرة الحاجة والظروف السائدة في مكان ما. فيمكننا اذن ارجاع تأثر لهجات العرب الجاهليين بالمؤثرات اللغوية الأعجمية اذن الى عاملين: عامل الاختلاط بالأعاجم عن طريق الجوار أو السكن معهم في موضع واحد، واستخدامهم لهم ومجيء الأجانب من تجار ومبشرين اليهم، وعامل الحاجة التي كانت تدفع إلى أخذ أشياء غير معروفة في بلاد العرب، فتدخل العربية باسمائها الأعجمية، فإذا انقضى زمن عليها، تدخل في ضمن اللسان العربي وتعرب، حتى ليخيل إلى من لا يعرف أصلها انها عربية الأصل والنجار.
ولما تقدم نرى إن المعربات عن السريانية والفارسية هي أظهر وأبرز في لهجات عرب العراق من المعربات الأخرى،وان المعربات عن السريانية واليونانية - اللاتينية أبرز وأوضح في لغة عرب بلاد الشام من المعربات المنقولة عن الفارسية أو الحبشية. وان المعربات عن الحبشية واللهجات الافريقية، هي أوضح وأكثر ظهورا في لهجات العرب الجنوبيين من المعربات الأخرى، و ذلك بسبب اختلاط العرب الجنوبيين بأهل الساحل الافريقي الشرقي ووجود جاليات افريقية في العربية الجنوبية وجاليات عربية جنوبية في السواحل الافريقية المقابلة منذ أيام ما قبل الميلاد، فأذى هذا الاختلاط والتجاور إلى الأخذ والعطاء في اللغة. كما نجد المعربات عن الهندية والفارسية والإرمية ظاهرة بارزة على ألسنة أهل ا الخليج " لاتصالهم بالهند وبفارس.وبالعراق.

(1/5315)


وأما مثال ظهور المعربات بسبب الحاجة، فهو مما نجده في لهجة أهل يثرب وما حولها من مؤثرات فارسية وسريانية في الزراعة بصورة خاصة وفي نواح أخرى من نواحي الحياة الاجتماعية، فقد استعل أهل المدينة ألفاظا فارسية في لهجتهم، بسبب حاجتهم وظروفهم. فأرضهم أرض خصبة ذات آبار ومياه، ولما كانوا في حاجة إلى أيدي عاملة لتشغيلها لاستغلال مواردها استعانوا بالرقيق،وكان معظم الرقيق الذي جيء به، من رقيق العراق الذي يرجع إلى أصل فارسي، أو نبطي متأثر بالفارسية، لرخص ثمنه بالنسبة إن رقيق الروم، ولفطنته ولمهارته في الحرف بالنسبة لرقيق افريقية، وعن طريق هذا الرقيق دخلت المعربات الفارسية والنبطية المستعملة في الزراعة وفي أمور أخرى عرف بها الفرس والنبط إلى "يثرب". أما أهل مكة، فلم تظهر المعربات الزراعية عندهم، لعدم وجود حاجة لهم إليها، بل استخدموا معربات أخرى في الأمور التي كانوا بحاجة إليها، والتي لم يكن لها وجود عندهم، وقد دخلت اليهم من اماكن مختلفة، كان لهم تعامل معها، ومن الرقيق والتجار الغرباء الذين كانوا يعيشعون بها.

(1/5316)


ولبعض المحدثين بحوث في الدخيل من السريانية على العربية، من جملتها بحث المستشرق "فرنكل" Frankel دعاه "الألفاظ الآرامية الدخيلة على العربية" "Die Aramaischen Fremdworter im arabicchen". وكتابه هذا هو أشهر كتاب ألفه المستشرقون في هذا الباب. كما إن لآباء للكنيسة الشرقيين مؤلفات وبحوثا في الألفاظ السريانية في العربية، وضعوها بالعربية، نشر بعضها في مجلة المشرق، ونشر بعض آخر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، ونشر بعضه في كتب، مثل كتاب: "غرائب اللغة العربية"، تأليف الأب رفائيل نخلة اليسوعي، وفيه باب خاص بالكلمات الدخيلة في العربية الداخلة فيها من الارامية والعبرانية والفارسية واليونانية ومن التركية واللاتينية والايطالية والفرنسية:من لغات أخرى. وفي بعض هذه البحوث تسرع في الأحكام، إذ فيها ألفاظ نسبت إلى أصل سرياني، وهي من الألفاظ الواردة في اللهجات العربية القديمة، وفيها مما يرد في العربية وفي اللغات السامية الأخرى، لأنه من المشترك الذي يرد في أصول الساميات..وقد رأيت اختيار ألفاظ في الزراعة أو ألفاظ لها علاقة بها، من القائمة التي أوردها "الأب رفائيل نخله اليسوعي"، للالفاظ الآرامية الداخلة في العربية، و ذلك للقوف عليها، ولتكوين فكرة عنها، وبعض هذه الألفاظ هو في رأيي مما استعمله العرب قبل الإسلام، ووارد في النصوص الجاهلية، فمن الصعب ارجاعه إلى أصل ارامي من غير نص أو دليل منطقي مقبول وبعضه من النوع الوارد في العربية وله أصل عربي، فلا يمكن أن يقال إنه من أصل آرامي، لمجرد وجود مرادف له أو لفظ مقارب له، وبعض آخر هو من الألفاظ التي ترد في كثير من اللغات السامية فلا يجوز تخصيصه بالسرياني، وارجاع أخذ العرب له من هذا الأصل.

(1/5317)


ومن اللهجات في الزراعة وما يتعلق بها وبالفواكه والحبوب والأزهار وما شاكل ذلك: "آس" وهو من أصل سرياني هو "اسو"، و "أب" بمعنى ثمرة من "أبو"، و "ارف" و "أرفى" من أصل سرياني كذلك بمعنى قسم الأرض وحددها، ومن يمسح الأرض ويحددها. و "أكتار" بمعنى حراث، أي من محرث الأرض من أصل Akoro، و "أنبوب"، من "أبوبو" Aboubo بمعنى قصبة وأنبوب أجوف وما بين عقدتين من القصب، و"اندر" بمعنى بيدر، من "ادرو" Edro و "باسور" بمعنى عنب غير ناضج، و "باكورة" ويراد بها أول الثمر من Bakorto و "بطيخ"، أي البطيخ من Fatiho"بور" صفة للارض من "بورو"Bouro و "بيب"، بمعنى قناة ومجرى الماء إلى الحوض من أصل "بيبو" Bibo، و "بيدر" منBayt-edro و "- تبن" من "تبنو"، و "تخم" بمعنى حد" من أصل "تحومو"thoumo و "ترعة"، بمعنى قناة عميقة من "توعتو" و "توت" من "توتو" toutoا و"ثوم"من toumo و "جبن من أصل goubno والجريب منgribo، و "جرام" بمعنى نواة من أصل garmo، و "الجران" ويراد به حجر منقور للماء وغيره من Gourno، و "الحب" بمعنى الجرة الكبيرة من "حبو" Houbo و "حمص" من "حمصو" Hemso و "حندقوق" من Handqouqo، و "خبيص"، بمعنى حلوى مخبوصة، من طحين وسمن وعسل وأصلها "حييصو" Habiso، و "ا لخر د ل" من "حرد لو"Hardlo، و "خس" من "خسو" Haco، و "الخوص" الذي يكون على السعف من "حوصو" Housoا، والخوخ من Houho و "الدبرة" البقعة المزروعة أي الحقل من "دبرو" dabroو "دبس" أي الدبس من debcho و"دبق" من debeq و "درس"، كأن نقول درس الحنطة من drach و "دقلة" أي نخلة من deqlo، و "رب" وهو ما ينثر من عصير الثمار من أصل Raubo و "رحى" من Rahyo و "رمان" من أصل Roumano و "ريحان" من Rihno و"زبن"بمعنى باع الثمرعلى شجره من Zaban نمعنى باع و "زبون" بمعنى مشتري من zobouno و "زفت" من أصل zefto و "زق" من zeqo و "زمارة " قصبة يزمر بها من zamorto و "زيت" من zayto و "زيتون" من

(1/5318)


zaytouno و "سكة" مثل سكة المحراث من sekto
و "سكر" ما يسد به النهر من chakro و "سلاء" أي شوك النخل من salow و "سماق" من أصل sawmoqo، وسنبل الحنطة من seblo و"سنبل" بمعنى نيات طيب الرائحة من sanboul و "شتلة" ما قلع من النبات ليغرس في مكان آخر من أصل chetlo و "شرعوف" نبات وثمر من أصل sourafo و "شالم" و "شولم" و "شيلم" من chaylmo و "صعتر" من setro و "صفصاف" من safsofoو "مطمورة"، وهي حفرة تحفر في الأرض يوسع أسفلها لحفظ الحبوب من matmourto و "عذق" أي عنقود عنب أونخل من "عدق" daq و "عقا ر" خمر ونبات يتداوى به، وقد سمى العرب الخمر دواء من أصل egro، و "عنب" من enbo، و "عنقر" جذر القصب من eqoro. بمعنى جذر و "عود" وهو العود الذي يتبخر به من ouda، و "غابة" من أصل obto بمعنى غابة كثيرة الأشجار، وغدير بمعنى نهر وبركة يتركها السيل من gadiro،و"غرب" نوع من الحور من أصل arbo، و "فجل" من fouglo، وفدان من أصل fando و "فرث"، من ferto" و "الفروج" من farougo، و"الفرخ" من farahto، و "فرع" بمعنى غصن من "فرعو"fero، و "فقح" مثل "فقح النبات" بمعنى أزهر من أصل، "فقح" fqah، و "فقاح النبات" أي زهره من أصل "فقو" fagho، و "فقد"، بمعنى شراب من زبيب أو عسل من "فقودو" fqodo،، و "فل" وهو زهر يشبه الياسمين من "فلو" falo و "قثاء" من qtouto، و "قش" من qecho، و "قصر" وهو ما يبقى في الغربال من النفاية، من أصل "قصرو" qisro أي قشرة الحنطة، و "القطران" وهو سائل زيتي يستخرج من بعض الأشجار من أصل "قطرون" qotron " و "القفيز" وهو مكيال من "قفيزو" qfizo، و "قفص" من "قفسو"qafso، و "قلة" بمعنى جرة كيرة من "قلتو" qoulto، و "قمح" أي حنطة، من "قمحو" qamho، و "كاث" وهو ما ينبت مما انتثر من الزرع المحصود من koto و "كداس"الحب المحصود المجموع من "كديخو" qdicho، و "كر"" بمعنى حمل ستة اوقار حمار، أو ستون قفنزا من "كورو" kouro، و

(1/5319)


"كرب" من أصل "كزب" krab، و "كر ا ث" من karoto، و "كرخ" بمعنى أجرى وحول من "كرخ" krak، و "كرفس" من "كرفسو"،krafso و "كزبرة" من "كوزبرتو" kouzbarto، و "كمثر ى" من "كو متر و" komatro، و "معين" نعت للماء الجاري على وجه الأرض من "مينو" mino، و "نجر" من "نجر"nagar ومنها النجار، و "نشوق" من "نسكو" nosko و "نطر" بمعنى حرس من "نطر" ntar ومنها الناطور أي الحارس، و "نطا ر" وهو ما يكون على هيأة رجل ينصب بي الزرع لإخافة الطيور. وإبعاد الحيوانات المضرة به من "نوطورو"notoro، و "نيطل" بمعنى دلو من "نطلو" notlo.، ونعناع من mono، و "نورج" سكة المحراث من "نورجو" norgo، و "نير" وهي خشبة معترضة في عنقي ثورين يجران محراثا من "نيرو" niro، و "هرطمان" من qourtomo، وبل ووابل بمعنى المطر الشديد من "يبل"، و "ورد" من "وردو" wardo، و "وسق" بمعنى حمل بغير من "وسقو" wasqo، و "يتوع"، كل نبات له لبن، أي سائل أبيض في داخله يشبه اللبن من"يتوعو"،yatou,o. وقد وردت لفظة "الأب "" في القرآن الكريم: "وفاكهة وأب... متاعا لكم". وقد ذكر إن "عمر" قال: "قد عرفنا الفاكهه فما الأب ? قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف"،قد اختلف المفسرون في المراد منها، مما يدل على أن اللفطة لم تكن معروفة عندهم معرفة واضحة، وفي كلام عمر: "إن هذا لهو التكلف"، أو قوله: "ما كلفنا أو ما أمرنا بهذا" دلالة على عدم وضوح معناها عنده وعند الناس. وهي بمعنى "ثمرة" في الإرمية Ebo، وقد ذهب العلماء إلى أن "الأب" ما تنبت الأرض للانعام والماشية، فهي في معنى آخر، يخص العشب والكلا وما تنبته الأرض ليعلفه الحيوان في راي غالبية العلماء، في المعنى الوارد لها في السريانية.

(1/5320)


وأما "الأرف"، فبمعنى تقسيم الأرض وتحديدها، ويقال لمن يمسح الأرض يعين حدودها "ارفو"، Arfoفي الارمية، وقد ذكر علماء ا الغة ان الارف الحدود بين الأرضين، أو معالم الحدود بين الأرضين، "وفي حديث عثمان رضي الله عنه، الارف تقطع الشفعة، وهي المعالم والحدود، هذا كلام أهل الحجاز، وكانوا لا يرون الشفعة للجار".
وأما "الأكار" فيذكر علماء اللغة أنها من أصل "أكر"، بمعنى "حفر"، والأكار بمعنى الحفار والحراث والزارع. ومن ذلك حديث "أبي جهل: فلو غير اكار قتلتي"، أراد به احتقاره وانتقاص". تقابل هذه اللفظة لفظة "اكورو" Akoro في الأرمية التي هي "اكار"، ويين الألفاظ التي ذكرتها ألفاظ لايوجد دليل على انها معربة من اصل ارمي لأننا نجد إن لها جذرا عربيا، وهي ليست من المسميات التي لم يعرفها العرب حتى نقول انها استوردت من الخارج، أو ان الحاجة حملت العرب على تعلمها من الرقيق الذي كان عندهم أو من المبشرين أو التجار الغرباء.

(1/5321)


وأما المعرب عن الفارسية مما في الزراعه، فاكثره من اسماء أثمار او أزهار أو روائح وعطور، مثل أ الخريز" بمعنى البطيخ، من اصل "خربوزة". وفي الحديث عن أنس قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يجمع يين الخربز والرطب". وفي حديث عن عائشة: "ياكل البطيخ بالرطب". و "السيسنبر" نوع من الريحان، و "الجل" بمعنى الورد، و "الجلاب" اي ماء الورد. وقد وردت اللفظة في حديث عائشة عن الرسول. و ذلك دليل على إن الفظة كانت معروفة قبل أيام الرسول. ويلاظ إن لفظة "بطيخ" هي من الألفاظ المعربة كذلك، عربت من أصل "فطيخو" بلغة بتي ارم، وقليل منه ما يخص آلات للزراعة أو الأرض، مثل "بستان" والجمع "بساتين".، وذلك لأن غالبية الذين كانوا يفلحون الأرض ويزرعونها في العراق وفي بلاد الشام، هم من بني إرم أو من المتكلمين بلغتهم، وباحتكاك العرب بهم تعلموا اسماء الآلات والأدوات وطرق حرث الأرض وزرعها، وأسماء كثير من الزروع ومقاييس الأرض وطرق الاستفادة من الأرض، فدخلت إلى العربية. أما الفرس في العراق، فلم يكونوا يباشرون زراعة الأرض وفلاحتها في العراق،وانما كان "مرازبتهم" وأثرياؤهم يمتلكون الأرضين الواسعة، ويسخرون أهل البلاد في استغلالها لهم، ولهذا لم تترك لغتهم أثرا كبيرا يشبه الأثر "الإرمي" من ناحية الزراعة في العربية.
أما المعربات في الزراعة عن اليونانية، فاقل عددا، إذ لم يكن العرب على اتصال مباشر بالمزارعين اليونان، لهذا لم ياخذا عنهم كثيرا، والمعروف من المعربات في هذا الباب هو في أسماء نمر نبات او بذور، أو ما يتعلق بحاصل عنب، مثل الخمور، فقد كان أهل الحجاز يستوردون الخمور من بلاد الشام، وقد تعلمها أهل هذه البلاد من الروم بأسمائها اليونانية. ولما أخذها العرب من بلاد الشام، حرفوا الأسماء بعض التحريف يلائم المنطق العربي.

(1/5322)


من هذه المعربات: "الاسفنط": وهي أجود الخمر المطيب من عصير العنب.، من أصل "افسنتين" Apsinthion، كان الخمر يطيب به. و "خندروس"، ويراد بها نوع حنطة، أو حنطة مجروشة من أصل Khandhros، و"خندريس" ويراد بها خمر معتقة، ونعت لخمر مصنوعة من الكرم اسمه Kantharios. و "زنجبيل"، وهي من اصل zinguiveri. ومن الألفاظ الواردة في القرآن الكريم. وقد ذكرت في شعر منسوب إلى الأعشى.
و "القرنفل"، من أصل Kariofillon. و "كافور" من Kafoura. وفي السريانية qafouro. و "المسطار"، ويراد بها الخمر التي اعتصرت من أبكار العنب حديثا، وأصلها "مسطس" Mousotos. و "نرجس" من أصل Narkisos.
وبلاد الشام أكثر شهرة من العراق في الأعناب، وهي مادة صالحة لصنع أنواع متعددة من الخمور. اما اهل العراق، فقد استخرجوا خمرهم من التمر،فلم يعرف لهذا السبب بتنويع الخمور. وقد استغل سكان جزيرة العرب التمور أيضا لاستخراج الخمور منها، و ذلك في الأماكن التي تكثر فيها النخيل، وتقل أشجار الكروم. ولاتصال الحجاز ببلاد الشام بالقوافل الكبيرة، كانت الخمور من أهم السلع التي تستوردها القوافل من تلك البلاد. - ومن الألفاظ الارامية التي دخلت في العربية،.ولها معان سينية لفظة "ابل" بمعنى تنسك من ebal، و "تابس" بمعنى "حزن" من etebal، و "أبيل" بمعنى راهب من "ابيلو" abilo الإرمي بمعنى ناسك وراهب. وقد جعلها "الجواليقي" فارسية الأصل وهو خطأ منه. و "الباعوث"، صلاة لثاني عيد الفصح في بعض الطوائف من أصل boouto" بمعنى صلاة وطلب "برخ" بمعنى زياده ونماء من "برختو" bourhto بمعنى بركة وعطية و" البيعة" من "بيعتو" bito. و "الدنح"، ويراد بها عيد الغطاس،

(1/5323)


من اصل "دنحو" و "دير" اي بيت الرهبان، من أصل دار. و "ديراني." نسبة إلى "دير"، من أصل Dayronoyo. و "رباني"، بمعنى عالم بشريعة اليهود، وحاخام أي معلم من أصل "ربونو" Rabono. و "روح القدس" من "روح قدشو" Rouhqoudcho. و "مزمور" من "مزمورو" Mazmouro. و "سلاق" عيد صعود السيد المسيح،من Souloqoأي صعود. و لا "صلاة" من "صلوتو" Salouto. و "قس" "قسيس" من "قشيشو" Qachicho. و "القوس" ويراد بها الصومعة، من أصل Kaucho، بمعنى عزلة.. و "ناقوس" من أصل. noqouch وهناك ألفاظ أخرى لها معان دينية، لم تكن شائعة معروفه الا بين النصارى، لذلك لم أر حاجة إلى الاشارة إليها، ثم إن من الصعب البرهنة على انها كانت مستعملة عند النصارى الجاهليين،.
وبعض الألفاظ المذكورة معروف، وقد ذكر في الحديث، وهذا مما يدل على شيوعه عند أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، وبعضه مما ورد في القرآن الكريم من ايات تعرضت للنصرانية في ذلك العهد. " وباتصال العرب باليهود في الحجاز، دخلت في العربية ألفاظ ومصطلحات دينية، عربت، مثل: "آمين" من أصل "امن"، و"اسرائيل" و "اسرائين" من "يسرائيل" "ي س رال"، و"تابوت" "ت ب ه" بمعنى صندوق خشب و "تلمود" و "توراة" من "تورا" بمعنى تعليم وشريعة، و "جهنم" من "جي هنم"، بمعنى وادي هنم، وهو جنوب أورشليم، أي القدس، وقد كثر فيه قبل الميلاد إحراق الأطفال تضحية لإله العمونيين. و "حبر" من "حبر" "ج ب ر" بمعنى "الرفيق" في الأصل، ثم قصصت بعالم. و "اسرافبل" من "سرافيم" "س ر ف ي م"، ملك من الملائكة الكبار، و "سبت" امم يوم، من "شبث" بمعنى يوم الراحة، واستراح. و "سبط"، قبيلة من قبائل اليهود الاثني عشر، من "شبط"، و "مدراس"، بمعنى معهد تدرس فيه التوراة، من "مدرثس، "مدراش"، اي بحث وشرح نص.

(1/5324)


ولفظة "نبي" "نابى" nabi للستعملة في عربيتنا من الألفاظ الواردة في التوراة، وردت "300" مرة في مواضع مختلفة منها. وترد في لغة بني إرم ايضا، حيث وردت على هذه الصورة nbiyo. وقد ذكر علماء اللغة انها من المعربات.
واخذت العربية من العبرانية ألفاظا قليلة ذات صلة بالحرف، مثل "تايوت" بمعنى صندوق من "تبا" teba، ويراد بها معنى صندوق في العبرانية. و "فطيس" من "بطيش" Pattich بمعنى مطرقة كا ا. و "قدوم" من "قردم" "قردوم" qardom بمعنى فاس، و "كرزن" من "كرزن" بمعنى فاس كبيرة"، وقد احترف اليهود الحدادة والصياغة والنجارة في الحجاز، وتكسبوا منها، ورآهم الجاهليون، وهم يعملون بآلاتهم، فتعلموا منهم أسماء الآلات المذكورة وغيرها، واستعملوها على النحو المذكور.
ويلاحظ إن الباحثن في المعربات من المستشرقين والشرقيين، رجعوا أصول ألفاظ يهودية إلى السريانة، وهي يهودية في الأصل، وقد أحلها السريانية من العبرانية بواسطة النصرانية، بدليل.ورودها في اليهودية قبل ظهور النصرانية بزمن. أما المجوسية، ديانة الفرس، فلم تترك اثرا يذكر في العربية من ناحية المعربات ذات المعاني الدينية، لقلة اتصالا العرب بها، وعدم اهتمام المجوس بنشر دينهم، وقلة عددهم في جزبرة العرب. ولهذا كانت أكئر ألألفاظ الدينية التي عرفها الجاهليون، قد دخلت فيهم من اليهودية والنصرانية،بسبب اتصال اليهودية والنصرابية بالجاهليين اتصالا مباشرا، ولفظة "المجوسية" نفسها هي من الألفاظ المعربة، فهي من أصل Magush في الفارسية القديمة، Magh في الفارسية الحديثة، و Maghos في اليونانية، وقد اتتقلت من الإرمية إلى العربية، وفي الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يمجسانه، أي يعلمانه دين المجوسية" وذكر أن اللقظة قد وردت في ييت شعر جاهلي هو: أحارأريلك برقاهب وهنا كنار مجوس تستعر استعارا

(1/5325)


يقال إن صدر البيت لامرىء القيس وعجزه للتوأم اليشكري، "قال، أبو عمرو ابن العلاء: كان امرؤ القيس معنا عريضا ينازع كل من قال إنه شاعر،فنازع التوأم اليشكري، فقال له: إن كنت شاعرا فملط انصاف ما أقول وأجزها، فقال: - نعم، فقال امرؤ القيس: أصاح أريك برقا، هب وهنا
ففال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا
فقال أمرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح
فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا
إلى آخر الشعر. وإذا صح هذا التمليط، تكون هذه اللفظة قد وردت فيه لأول مرة في شعر جاهلي.

(1/5326)


من الألفاظ التي لها صلة بالمجوسية لفظة."موبذ." و "موبذان"، بمعنى الرئيس الديتي للمجوس. من أصل "موبد"، بمعنى كاهن ورجل دين عند الفرس القدماء. وفي باب الماكولات والمشروبات وما يتعلق بهما، تجد المعربات عن الفارسية أبرز وأطهر من المعربات الماخوذة من لغة بني ارم، أو من لغة الروم واللغات الأعجمية الأخر. ف "الباذق"، وهو ضرب من الأشربة، من أصل فارسي، هو "باذة" "باده" بمعنى خمر، ئي شراب مسكر. ولفظة "باطية" ويراد بها إناء زجاج للشراب، من أصل "باديه" أي جرة، و "البالغاء"، بمعنى الاكارع من أصل "بايها" بمعنى أرجل.. و "الجلاب" اي ماء للورد، من أصل "كل آب"، و "كل" بمعنى ورد،و"آب" بمعنى ماء. و"الجوزينج" "الجوزينق" من الحلاوات، وتعمل من الجوز. من أصل "كوزينة". و "الخربز" البطيخ، من أصل "خربوزة" و "ا لخشكنان" و"الخشكار"، اي خبز مصنوع من قشر الحنطة والشعير، من أصل "خشك"، يمغنى يابس وآرد، بمعنى طحين. و "خوان" بمعنى مائدة و "دوق" بمعنى لبن استخرج زبده، من أصل "دوغ"، بمعنى لبن حامض. و "فالوذج" "الفالوذ" "الفالوذة"، نوع من الحلواء، من أصل "فالوده" "بولاد""، ويذكر أهل الأخبار: أن عبدالله بن جدعان كان يطعم العرب هذا الطعام، فمدح. و "القند"، السكر، و "الكعك"، من أصل "كاك". و "اللوزينح" نوع من الحلواء، من أصل "لوزينه"، و "الأنبار" أهراء الطعام، واحدها "نبر"، و "أنابير" جمع الجمع، من أصل "انباشتن" بمعنى خزن. و "الدرمك"، وهو الدقيق الأبيض، أي لباب الدقيق، و "الجردق"، و "السميذ".
و "السكباج"، وهو لحم يطبخ بخل، من أصل "سركه باحة"، و "السكبينج" دواء. وصمغ شجرة بفارس، و "السكرجة" قصاع يؤكل فيها صغار، و "الز ير باج"، و "الاسفيداج"، و "الطباهج"، و "النفرينج." من ألوان الطبيخ.

(1/5327)


وسبب ذلك إن الفرس كانوا ارفع مستوى من بني إرم في الحياة الأجتماعية" واكثر تقدما في الحياة البيتية منهم، فتفننوا في الماكل والملبس،وتنوعوا في المطبخ وافتنوا في تنويع الأكل، وأوجدوا لكل طعام اسما، لم تعرفه لغة بني إرم، لأنهم لم يكونوا يعرفون تلك الأطعمة، وباحتكاك العرب بالفرس وببني ارم الذين اقتبسوا من الفرس بعض تلك الماكولات تعلموا منهم أنواع الأطعمة، وأخذوا منهم أسماءها أيضا، ودخلت على بعضها الصنعة، لتحويلها وفق قواعد النطق العريي.
وينطبق ما قلته عن المعربات الفارسية في الأكل والمشروبات وما يتعلق بهما، على المعربات من الفارسية في العطور والروائح والطيب وما يتعلق بها،.وعلى بعض العوائد الاجتماعية، ولا سما بين العرب الذين كانوا على انصال مباشر بالفرس. فقد تاثروا بحكم هذا الاتصال بهم، واقتبسوا منهم بعض عوائدهم، مثل استخراج ماء الورد المسمى "جلاب"، وهو "ماء الورد" للتطيب به. وقد وردت لفظة "الجل"، ومعناها الورد في بيت شعر للأعمثى. وكذلك الجلسان"، وقد ذكر إن "الجلسلن" من "كلشان" "كلشن"، اي ما يخثر من الورد على الحلفرين في العرس، وذكر انها الورد، أو قبة يعجلون عليها الورد.
و "القمقم"، قنينة لماء الزهر أو نحوه "قمقمة". وتعتي لفظة كوكوميون وهي "قمقم" وعاء من نحاس لتسخين الماء في اليونانية.. ولعل احدى اللغتين قد استعارتها من الأخرى. وقد رجع بعض علماء اللغة اللفظة إلى الرومية، أي اليونانية، وذكر إن اللفظة وردت في بيت شعر لعنترة.
و "مسك". من "مشك". و "نافجة" وعاء المسك، من أصل "نافه" من "ناف" بمعنى سرة.
واستعارت العربية من الفارسية الفاظا من الألبسة والأنسجة والخياطة، و ذلك مثل "ابريسم" وهي من اصل "أبريشم" و "استبرق" من أصل "استبرك"، أي ثوب حرير مطرز بالذهب. وقد ذكر علماء اللغة أنها من "لستفره" و "استر وه". و "بركان" "بر نكان"، كساء، من "يرنيان".

(1/5328)


و "تخريص" "دخريص" من أصل "تيريز"، وورد أن "البنيقة" معربة كذلك من اصل "بنيك" في معنى "التخريص" و"الدخريص". و "جربان" زيراد بها جيب القميص من أصل "كريبان" و "الجوالق"، من أصل "كوال" "جوال"، ومعناها عدل كبير منسوج من صوف أو شعر.
و "الخسرواني"، وهو الحرير الرقيق الحسن الصنعة، وهو منسوب إلى الأكاسرة أي الملوك. و "الدخدار" وهو الثوب، من أصل "تخت دار". و "الديباج" من أصل "ديوباف" أي نساجة. الجن، و "السبيج"، وهو قميص بلا كمين ولا جيب، من أصل "شبى"، اي ليلى. و"سربال"، من أصل "سر بال". و "سروال"،. و "الشوذر" الملحفة والإزار،، من أصل "جادر". و "الطيلسان" من "طيلسان" "تالسان"، و "الفرند"، الحرير من "برند" و "الكرباس"، ثوب خشن من "كر با س".
وقد عرف الجاهليون ألقاب بعض القادة العسكريين والاداريين في الانبراطوريتين اليونانية والفارسية، فأدخلوها في العربية، لأنها ألقاب رسمية نعت بها أولئك الموظفون الكبار، وعرفوا بعض الرتب الكنسية كذلك. فما دخل إلى العربية من اليونانية واستعمل عند الجاهلين لفظة "بطريق"، من أصل Patrikios. وقد وردت في بعض الرسائل المنسوبة إلى الغساسنة،ويراد بها درجة قائد في الانبراطورية البيزنطية. ولفظة "أسقف"، وقد ورد في كتب السير: إن وفد نجران حين قدم على الرسول، كان يتألف من رؤساء المدينة أصحاب الحل والعقد، ويلقبون ب "السيد" و "العاقب" و "الأسقف". والسيد عندهم صاحب رحلتهم، والعاقب أميرهم وصاحب مشورتهم الذي يصدرون عن رأيه، والأسقف حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم. ولفظة "أسقف" هذه من أصل يوناني هو Episkopos، وأما "قيصر" التي يراد بها في العربية "انبراطور" الروم، أي ملكهم، فإنها من أصل لاتيني هو "سيسر" Caesar. وترد في كتب السير في معرض الكلام على الكتب التي أرسلها الرسول إلى الروم والفرس والحبشة وبعض الأمراء.

(1/5329)


ومن المصطلحات المأخوذة من الفارسية في هذا الباب، "الأسوار"، وهو الرامي، وقيل الفارس،وقائد الفرسان، من أصل "أسب سوار"، و "اسب" الحصان، و "سوار" على ظهر أي راكب، ومعناها راكب الحصان أي فارس، وتجمع "أسوار" على "أساورة". وترد في الكتب أحيانا مضافة "أساورة الفرس"، وتجمع على "أساور" و "اساورة" أيضا، وقد وردا جميعا في الشعر. وأما "الأشائب"، و،مفردها "أشابة"، فمعناها الأخلاط من الناس من أصل "آشوب". وذكر انها عربية خالصة،من "أشب الشيء" بمعنى خلطه. وترد لفظة "أنبار" و "الأنبار"، وتعني أهراء الطعام ويقال للواحد "نبر" أيضا وأما "الأنابير" جمع الجمع. وقد اشتهر موضع "الأنبار" على نهر الفرات على مقربة من الفلوجة، وكان مأهولا" بالعرب عند ظهور الإسلام، وقد ذكرت في الجزء الأول من هذا الكتاب أن بعض أهل الحجاز ينسب أخذ أهل مكة الكتابة إلى قوم منهم ذكروا أنهم تعلموها من أهل الأنبار.
و "الإيوان" في العربية، الرواق. وهو مكان متسع من بيت تحيط به ثلاثة حيطان، من اصل "أيوان" eyvan. وأما "الدهقان"، فحاكم اقليم، من "ده" بمعى ضيعة و "خان" بمعنى رئيس قبيلة، و ذلك في الفارسية القديمة. وقد وردت اللفظة في بيت شعر للأعشى وتجمع على "دهاقين". وأما "كسرى"، فملك من ملوك الفرس، وهو "خسرو" Khosrow في الفارسية. ولكن الجاهليين جعلوا اللفظة لقبا لملوك إيران، يقابل "شاه" أي الملك، وصارت عندهم مثل: "قيصر" للروم، وتبع لليمن، والنجاشي للحبشة. واما "المرزبان"، فالرئيس من الفرس، وتفسيرها "حافظ الحد" في مقابل حاكم ووالي ولاية، وتجمع على "المرازبة".

(1/5330)


وأما لفظة "الهربذة" وتجمع على "الهرابذة"، فخادم النار عند المجوس. وقيل: رئيس خدام النار الذين يصلون بالمجوس، وقد تكلمت بها العرب قديما. وقد وردت هذه اللفظة فى بيت شعر لامرىء القيس. وأما "موبذ" و "موبذان" فحاكم المجوس، بمثابة القاضي عند المسلمين، من "موبد" وهو الكاهن ورجل دين عند المجوس.
اما اسماء النقود، فإنها معربات يرجع أصلها إلى الفارسية أو اليونانية أو اللاتينية. فقد كان الجاهليون يتعاملون مع الفرس والأرضين الخاضعة للانبراطورية الرومية، ولهذا تعاملوا بنقود هاتين الانبراطوريتين. وهي نقود.ضرورية من المعادن. وتعاملوا بها في بلادهم ايضئاكما نتعامل نحن بالنقود الأجنبية، ف "النمي" مثلا، هي فلوس رصاص كانت تتخذ ايام ملك بني المنذر، يتعاملون بها في الحيرة، هي من أصل رومي، أي يوناني، هو noummiyon. وقد وردت في بيت للنابغة: وقارفت وهي لم تجرب وباع لها من الفصافص بالنمي " سفسير
وقد نسب هذا البيت لأوس بن حجر أيضا.
فيظهر من ذلك إن "بني المنذر" كانوا قد أخذوا اللفظة من اليونانية، أي من نقود نحاس ضربها الروم، فضربوها هم في الحيرة، وتعامل بها الناس.وأما "الدينار"، وهو نقد كان معروفا متداولا بين الجاهليين، مستعملا في أسواق مكة وبقية مواضع الحجاز وجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. وقد ذكر في القرآن الكريم فإنه نقد روماني يساوي عشرة دراهم، ويعرف ب denarius في الاتينية.
وأما "الدرهم" فاسم نفد يوناني، يسمى دراخمي نdhrakhmiفي اليونانية، وقد شاع استعماله إذ ذاك.
وقد وردت التسمية في بيت شعر هو: وفي كل أسواق العراق إتاوة وفي كل ما يباع امرؤ مكس درهم
ويفيد هذا البيت أن الحكومة كانت تاخذ إتاوة من الأسواق من التجار والباعة، وأن ما يباع يدقع عنه مكس، قدره درهم.
ولفظة "مكس"، هي أيضا من الألفاظ المعربة، عربت من أصل "مكسو" Makso في لغة بني إرم.

(1/5331)


و "الدانق" نقد أخذت تسميته " من الفارسية" من "دانك". وقد بقي مستعملا في الإسلام. وقد عرف ا الخليفة. "أبو جعفر المنصور" ب "الدوانيقي" نسبة إلى هذا النقد.
وأما "الفلس" وتجمع على "فلوس"، فإنه نقد من نحاس، وأصله في اليونانية "فولس" Follis. وقد عبر عنه بمعنى نقود أيضا، فقيل في العامية "فلوس"، وقصد بها نقود.
ومن المعربات المستعملة في تقويم النقد وفحصه، لفظة "شقل" بمعنى الوزن، أي وزن النقد لمعرفة مقدار معدنه المؤلف منه. ولفظة "قسطار"،ومعناها ناقد الدراهم، أي الناقد الماهر العارف بالنقد، من أصل لاتيني هو quaestor. وتظهر هذه المعربات إن أهل الحجاز وفي والعرب الشماليين كانوا قد استعملوا النقد البيزنطي والساساني في أسواقهم وفي تجارتهم، وكانوا عالة على الأعاجم في استعمال النقد. و ذلك مما يدل على إن تعاملهم التجاري مع الانبراطوريتين كان وثيقا. وقد بقيت هذه النقود الأعجمية مستعملة في الإسلام كذلك،وبقيت أسماؤها حية حتى بعد تعريب النقد، ولا يزال اسم الدينار والدرهم والفلس إلى هذا اليو م.
أما العرب الجنوبيون، فكان لهم نقد خاص بهم. تحدثت عنه في الجزء الثامن من كتابي: تأربخ العرب قبل الإسلام. وقد ذكرت أن بعض العلماء رجع تأريخ أقدم نقد عريي جنوبي عثرعليه سنة "405" قبل الميلاد. ويظهر أن أهل الحجاز لم يتعاملوا به كثيرا،بدليل عدم وجود ذكر له في المؤلفات الإسلامية، وفي الأخبار الواردة عن أيام الرسول. وقد ذكرت أن أسماء تلك النقود أسماء عربية جنوبية لا صلة لها باسماء النقود التي تحدثت عنها، ومن تلك الأسماء: "بلط" ويجمع على "بلطات"، وهو اسم نقد من ذهب. و"خبصت" "خبصة"، نقد من نحاس، و "رضى"، قيل إنها اسم نقد، وقيل إنها صفة للنقد. بمعنى رضية وصحيحة غير مزيفة ولا منقوصة، لأن النقد كان على أساس الوزن والنوع في ذلك العهد. وذكرت أيضا بعض الألفاظ التي استعملوها في الصيرفة وفي نقد النقود.

(1/5332)


ومن الألفاظ اللاتينية التي دخلت إلى العربية "لبرجد"، وهو ثوب مزدان بالذهب، وثوب غليظ مخطط من أصل Paragauda. و "برذون" من أصل burdo وBurdonis، و "دينار" من أصل denarius، وهو نقد من المعدن و "سجل" وقد تحدثت عنها و "سجلاط" من أصل "سجلاطس" Sigillatum ثياب كتان موشاة، وكأن وشيها خاتم وتزدان بصور صغيرة. و "سجنجل"، وتعتي المرآة، أو سبيكة فضة مصقولة، استعملت استعمال المرآة، من أصل Sexaangulus التي تعني "المسدس الزوايا" في اللانينية. قد وردت في بيت لامرىء القيس. و "الصراط"، بمعنى الطريق، من أصل لاتيني هو strata بمعنى طريق كبير مبلط. وقد عرف الرومان ببراعتهم في شق الطرق العسكرية لاستعمالها في التجارة وفي الأغراض العسكرية. و "الصاقور" الفاس لكسر الحجارة، من أصل لاتيني هو Securis. ويظهر أثر الأخذ من اليونانية واللاتينية والفارسية والارمية في المكاييل والموازين كذلك، و ذلك عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشام. أما عرب الجنوب فقد كانت لهم أسماء للمكاييل والموازين خاصة بهم، اختلفت عن الأسماء المستعملة عند العرب الشماليين المذكورين و ذلك كما نحدثت عنها في الموضوع الخاص بالمكاييل والموازين عند الجاهليين في الجزء الثامن من كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام. ومن هذه المعربات "المد"، وهو نوع مكيال للحبوب، وهو من أصل لاتيتي هو Modius و "الجريب"، من أصل إرمي هو " جرييو" Gribo. و "الرطل" من أصل يوناني هو Litra، و "الأوقية" من أصل يوناني uncia ounguiya، و "مثقال" من أصل matqolo"، وهو وزن في الإرمية. و "قيراط"، وهو جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء،أو حبة واحدة من اربعة وعشرين حبة.. وكانه القدماء يزنون بالحب. واللفظة من أصل يوناني هو Keration. و "قنطار"، وهو مئة رطل، من أصل لاتيني هو Certennarium Pondus. و "الكر"، وهو ستة أوقار حمار، وهو مكيال لأهل العراق، وقد ورد ذكره في الحديث، هو". كرو" Kouro

(1/5333)


في لغة بني إرم. وغير ذلك من أسماء ذكرتها في الجزء الثامن من هذاالكتاب. ولا حاجة بنا إلى اعادة ذكرها.
وأخذت العربية من اللغة "السنسكريتية" بعض الألفاظ الخاصة بالمحاصيل لخاصة بالهند، مثل الفلفل وبعض الأسماء المتعلقة بالتوابل والعقاقير والأطياب والجواهر وقد أشار علماء اللغة إلى ألفاظ شائعة على الألسنة، لكنها أعجمية الأصل تاتي في نوع المعرب. ذكر "الثعالبي" أمثلة منها في كتابه "فقه اللغة"، وقال " عنها انها: "أسماء فارسيتها منسية وعربيتها محكية مستعملة، هي: الكف.
الساق، الفرش، البز"از، الوزان، الكيال، المساح، البياع، الدلاءل، الصر"ا ف، البقا ل، الجمال، الحمأ ل، القصاب، البيطار، الرائض، الطر"از، الخراط، الخياط، القز از، الأمير، ا الخليفة، الوزير، الحا جب، القاضي، صاحب البريد، صاحب الخبر، السقاء، الساقي، الشراب، الدخل، الخرج، الحلال، الحرام" إلى غير ذلك من ألفاظ تجدها في كتابه وفي كتب اللغة التي نقلت منه.
وفي بعض الذي ذكره، ما هو فارسي حقا، أو من مصدر أعجمي آخر، لم يعرفه "الئعالبي"، لأنه لم يعرف من اللغات الأعجمية غير الفارسيه، فنسب أصل تلك الألفاظ إليها، ولكن البعض الباقي هو عربي، ما في أصله العربي من شك، ولا يمكن أن يكون من المعربات.

(1/5334)


ونجد في المعاجم وفي كتب اللغة كلاما عن هذه المعربات، فقي كتاب "المزهر" وكتب اللغة المعتبرة صفحات نص فيها على الألفاظ المعربة من مختلف اللغات. فلا أرى بي حاجة هنا إلى ذكر تفاصيل اخرى عن الألفاظ المعربة بتفصيل كل ما نص عليه العلماء من المعربات. ولكتي أود أن أيين إن علماء اللغة لم يكونوا على علم باللغات الأعجمية، ونلك لم يتمكنوا من رجع المعربات إلى أصولها الحقيقية، فأخطأوا في ذكر الأصول. ونظرا إلى إن فيهم من كان يتقن الفارسية فقد رجع أصول كثير من الألفاظ إلى أصل فارسي، لأنه وجد أن الفرس نطقوا بها، ولم يعلموا انهم أخذوها هم بدورهم من غيرهم، فصارت من لغة الفرس، أو انهم وجدوا بعض الألفاظ قريبة من أوزان الفارسية للكلمات، فظنوا انها فارسية، مع انها من أصل آخر. وفعل بعض منهم ذلك عصبية منهم إلى الفارسية لأنهم من أصل فارسي، فتمحلوا لذلك تكثيرا لسواد المعربات من لغة الفرس وتعصبا لهم.
وفي شعر الأعشى معربات عديدة مقتبسة من الفارسية، قد يكون أخذها من عرب الحيرة وبقية عرب العراق، وقد يكون اخذها من الفرس مباشرة لاتصاله واختلاطه بهم في العراق. واقتبسها إما ليحكي عما شاهده ورآه في العراق،فاستعمل الألفاظ الفارسية الشائعة هناك، وإما أن يكون قد تعمد إدخالها في شعره ليري الناس أنه حاذق بثقافة الفرس واقف على حضارتهم ولغتهم، كالذي بفعله بعض من يدرس في بلاد الغرب من استعماله ألفاظا أعجمية في لغته ليلمح للناس بانه قد تثقف بثقافة الأجانب، وتلك في نظره مبزة يفتخر بها على الناس.

(1/5335)


وقد زعم أن الأعشى رحل إلى بلاد بعيدة، فبلغ عمان وحمص وأورشليم وزار الحبشة وأرض النبط وأرض العجم، وقد ذكز ذلك في بيتين من الشعر. والى زيارته هذه للعراق ولأرض العجم ينسب أهل الأخبار ورود الألفاظ الفارسية في شعره. وفي بعض المعجمات وكتب اللغة مثل لسان العرب والمعرب للجواليقي، أبيات للاعشى يرد فيها وصف لأحوإل الفرس وعرب العراق، وقد استعمل فيها ألفاظا فارسية لها مناسبة وصلة بذلك الوصف. منها ما يتعلق بالملابس، ومنها مايتعلق بالأشربة والخمور والأفراح، ومنها ما يتعلق بالمناسبات مثل الغناء والأعياد. وشاعر آخر نجد في شعره معربات فارسية، هو "عدي بن زيد العبادي". وهو من أهل الحيرة، المقربين إلى ملوكها والى الفرس، الحاذقين بالعربية وبلغة الفرس. وقد كان كاتبا باللغتين، كما كان أبوه بليغا باللسانين، وتولى رئاسة ديوان العرب عند الأكاسرة. وهو نصراني، ولهذا استعمل في شعره ألفاظا نصرانية اقتبست من السريانية، وأشار بحكم نصرانيته إلى عادات نصرانية، كما كان حضريا مترفا غنيا أدخل إلى بيته وسائل الترف والراحة المعروفة في ذلك اليوم، ولهذا فإن لجمع شعره جمعا تاما ونقده وتحليله واستخراج صحيحه من منحوله أهمية كبيرة في اعطاء رأي عن الحياة الفكربة والثقافية لعرب العراق قبيل ا لاسلام.
وبعد، فإن اللغة التي بحثت عن وجود المعربات فيها، هي اللغة العربية التي نزل القرآن بها. أما اللهجات والألسنة العربية الجنوبية، فإن أثر هذه المعربات فيها كان قليلا، ونجد في كتاباتها ألفاظا عربية جنوبية، مكان تلك المعربات. ومعنى هذا بعد نلك اللهجات عن المؤثرات الأعجمية الشمالية. وسبب ذلك رقي المتكلمين بها، وتقدمهم في الحضارة بالقياس إلى بقية سكان جزيرة العرب والى ابتكارهم أنفسهم لكثير من الأشياء، فكان من الطبيعي إن تكون أسماؤها بلغة الصانعين لها.

(1/5336)


ولدي ملاحظة، هي إن وجود المعربات في العربية الحجازية، يدل دلالة صريحه واضحة، على إن المتكلمين بها كانوا قد تأثروا بالحضارات الشمالية أكثر من تاثرهم باخوانهم العرب الجنوبيين، وان اتصالهم الفكري كان بالشمال أكثر منه بالجنوب، ولا يقتر هذا التأثر على المعربات فقط،بل يشمل كل المؤثرات الثقافية الأخرى، كالذي رأيناه في مواضع متعددة من الأجزاه المتقدمة من هذا الكتاب. فكأننا أمام ثقافتين مختلفتين وشعبين متباينين،بالرغم من اتصال حدود الحجاز باليمن، وقرب المسافة بينهما، حتى اللغة نجد بونا شاسعا بينها وبين اللغات العربية الجنوبية، وهذا ما حمل بعض العلماء على القول: ما لغة حمير بلغتنا،ولا لسانهم بلساننا، ففرق بين اللسانين.
أما "أمية بن أبي الصات" فقد وردت في شعره معربات من أصل سرياني في الغالب، يظهر أنه أخذها من المنابع النصرانية التي قيل إنه وقف عليها. فقد ذكر أنه كان قد قرأ كتب أهل الكتاب، ووقف على أخبارهم وعقائدهم، وإن اتصاله بهم أثر في رأيه الذي كونه لنفسه في الأديان. وأرى أن من اللازم توجيه العناية لدراسة ما تبقى من شعره للوقوف على أصوله، وعلى درجة تأثره بالتيارات الفكرية والآراء الدينية لأهل الكتاب، وعلى الألفاظ المعربة عن السريانية أو غيرها التي ترد في شعر هذا الشاعر، و ذلك بعد التأكد من صحة الشعر. ومن المعربات الواردة في شعر "أمية" لفظة "تلاميذ" جمع تلميذ، و ذلك في هذا الشعر المنسوب إليه: والأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقامتنا وفيها نولد
وكا تلاميذعلى قذفاتها حبسوا قياما فالفرائص ترعد
وفي هذا الشعر: صاغ السماء فلم يخفض مواضعها لم ينتقص علمه جهل ولاهرم
لا كشفت مرة عتا ولا بليت فيها تلاميذ في أقفائهم دغم

(1/5337)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية