صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

ويظهر أن لدخول "ال" أداة التعريف على "المحرم" أهمية في تثبيت هذا الشهر، فإن للفظة "محرم" دلالة دينية، يراد بها كل شهر من الأشهر الحرم.
فكل شهر من هذه الشهور الحرم هي محرم وحرام، ومن ضمنها "المحرم".
وقد دخلت "ال" علي هذه اللفظة لتخصيصها وجعلها علمية خاصة بهذا الشهر.
وإلا دخلت على الشهور الأخرى العلمية، مثل رجب وشعبان ورمضان وصفر، فلا يقال فيها الرجب والشعبان والرمضان والصفر، بل يقال قدم شهر رجب. وقدم شعبان وشهر رمضان وصفر. وهذا يفسر قول "ابن كثير: "وعندي أنه سمي بذلك، تأكيدا لتحريمه، لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عاما وتحرمه عاما" أي انه كان قلقا متنقلا، ولم يكن ثابتا، ثم ثبت في الإسلام.
وقد ورد في كتب الحديث أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء، كما كان اليهود يصومون ذلك اليوم. ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وان الرسول حين قدم المدينة وجد اليهود يصومونه. وأن الرسول كان يصومه في الجاهلية أيضا. ولما قدم المدينة، كان يصومه، وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان، ترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. وورد "أن قريشا كانت تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن انما كانوا يعدون بالأهلة، فكان عندهم عاش المحرم. فلما قدم المدينة، وجدهم يعظمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون".

(1/5060)


وذكر أيضا: إن رسول الله، كان يتحرى يوم عاشوراء على سائر الأيام، وكان يصومه قبل فرض رمضان. فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه، ومن شاء تركه، وبقي هو يصومه تطوعا، فقيل له: "يا رسول الله انه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله". ويرجع حديث صيام قريش يوم عاشوراء إلى "عائشة"، وقد رواه عنها "عروة بن الزبير بن العوام". فقد روى انها "قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه. فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان، ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه". ويروى أيضا عن معاوية، فقد ورد عن "حميد بن عبد الرحمن ابن عوف انه سمع معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، يوم عاشوراء، علم حج على المنبر.، يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم ? سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر".

(1/5061)


وقد حاول شراح حديث "عائشة" إيجاد مخرج له، فقالوا في شرح: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية"، "يحتمل أنهم افتدوا في صيامه بشرع سالف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه". وقد وضع بعضهم بعد "وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم يصومه" جملة "في الجاهلية". وحاولوا ايجاد مخرج آخر لحديث "معاوية"، بقولهم: "والظاهر أن معاوية قاله لما سمع من يوجبه أو يحرمه، أو يكرهه، فأراد إعلامهم بنفي الثلاثة، فاستدعاؤه لهم تنبيها لهم على الحكم أو استعانة بما عندهم على ما عنده وقالوا: "إن معاوية من مسلمة الفتح، فإن كان سمع هذا بعد اسلامه، فإنما يكون سمعه سنة تسع أو عشر، فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان، ويكون المعنى لم يفرض بعد ايجاب رمضان، جمعا بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبه، وان كان سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه". ثم ذكروا بعد هذين الحديثين، حديثا يناقضهما تماما، وهو أن النبى حين قدم المدينة فرأى اليهود تصوم، فقال: ما هذا الصوم، قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني اسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال النبي: فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه". وهو حديث للعلماء عليه كلام.
وحديث معاوية لا يدل على صوم قريش ليوم عاشوراء في الجاهلية، وقد استدل به "ابن الجوزي" على أن صوم عاشوراء لم يكن واجبا، ولا يفهم منه أبدا أن قريشا كانوا يصومونه قبل الإسلام. ولو كان معروفا لما شفي أمره عليه وعلى غيرة من قريش، وحديث "عائشة" حديث مفرد، ويجوز أن يكون قد وضع على لسانها، ولا يعقل انفرادها به وعلمها وحدها بصيام قريش في ذلك اليوم، وخفاء أمره على غيرها من الرجال والنساء ممن عاش معظم حياته في الجاهلية.

(1/5062)


ويوم "عاشوراء" هو يوم "ع ش و ر" Ashura "عشور" "عشورا" عند العبرانيين، ويقع في اليوم العاشر من شهر "تشرى". وهو يوم خاص بيهود. وأنا أشك في صحة رواية أهل الأخبار القائلة إن قريشا كانوا يصومونه في الجاهلية، إذ ما هي صلة قريش الوثنيين الذين لم يكونوا من أهل الكتاب بصيام يوم هو من صميم أحكام ديانة يهود. ومما يؤيد رأيي، هو إن أهل الأخبار أنفسهم يذكرون إن الرسول "حين قدم المدينة، رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم، فأخبروه انه اليوم الذي غرق الله فيه آل فرعون، ونجى موسى ومن معه منهم، فقال: نحن أحق بموسى منهم، فصام، وأمر الناس بصومه. فلما فرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه". فلو كان الصيام معروفا عند قريش، لما سأل الرسول يهود يثرب عن صومهم صيام عاشوراء، وما جاء من قوله: "نحن أحق بموسى منهم، فصام، وأمر الناس بصومه" إلى إن فرض رمضان، فرفع عنهم صومه، وجعلهم أحرارا إن شاءوا صاموه وإن شاءوا أفطروا، أي صار تطوعا، وهو حديث يشك فيه العلماء كذلك. وهذه الرواية تناقض تماما رواية صيام قريش يوم عاشوراء. ثم اننا لا نجد في القرآن ولا في الحديث - غير حديث عائشة - ما يشير إلى وجود ذلك الصوم بمكة قبل الهجرة، ولو كان معروفا لما سكت عنه. ويرجع بعض المستشرقين دعوى صيام قريش لذلك اليوم إلى محاولة ارجاع الأصول الإسلامية إلى الحنيفية القديمة والى قدماء العرب ثم إلى ابراهيم، فصيروا قريشا تصوم عاشوراء لارجاع الصيام إلى أصل قديم.
ولا يعقل وجود الصيام عند المشركين، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، وانما كان الصيام معروفا عند الاحناف لاتصالهم بهم، وتأثرهم بكتبهم وبما كان عندهم منه أحكام، ومن ذلك ترهبهم وزهدهم، وقد كان الرهبان يكثرون من الصوم والاعتكاف.

(1/5063)


وأنا لا استبعد أن لفظة "محرم" هي نعت لهذا الشهر لا اسما له، عرف بها لكونه شهرا حراما. تقع عليه الحرمة، ومن حرمته أن الجاهليين كانوا يبتدئون سنتهم به. فالمحرم، هو أول شهر من شهور السنة في حسابهم، ولابتدائهم به، فقد تكون له حرمة خاصة عندهم.
وقد نسب أهل الأخبار شهر رجب إلى مضر، فقالوا رجب مضر، وقد أشير إلى ذلك في الحديث ايضا، مما يدل على أن هذا الشهر هو شهر مضر خاصة. وقد ذكر العلماء أنه إنما عرف بذلك لأنهم كانوا لشد تعظيما له من غيرهم، وكأنهم اختصوا به. وذكروا أيضا أنهم كانوا يرجبون فيه، فيقدمون الرجبية، وتعرف عندهم بالعتيرة، وهي ذبيحة تنحر في هذا الشهر. ويقال عن أيامه هذه أيام ترجيب وتعتير.
ويذكر علماء الأخبار أن تأكيد الرسول على "رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" في خطبة حجة الوداع، هو أن ربيعة كانت تحرم في رمضان وتسميه رجبا، فعرف من ثم ب "رجب ربيعة"، فوصفه يكونه بين جمادى و شعبان تأكيد على أنه غير رجب ربيعة المذكور. الذي هو بين شعبان وشوال. وهو رمضان اليوم. فرجب إذا عند الجاهليين رجبان: رجب مضر ورجب ربيعة، وبين الطائفتين اختلاف في مسائل أخرى كذلك.

(1/5064)


ومما يؤيد إن شهر "رجب" كان شهر مضر المحرم عندهم بصورة خاصة، ما ورد في أقوال علماء التفسير من إن "الشهر الحرام" الوارد في الآية )يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام، ولا الهدي ولا القلائد(، هو شهر "رجب"، وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال. وما ورد في الآية: )يسألونك عن الشهر الحرام. قتال فيه ?(، واجماع علماء التفسير والأخبار على انه شهر "رجب"، وان الاية نزلت في امر قتل "ابن الحضرمي" في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأول ليلة أو يوم من رجب. وقد كان المسلمون يهابونه ويعظمونه، وكان النبي يحرم القتال في الشهر الحرام، حتى نزلت الآية في حق القتال فيه وفي بقية الشهور. وقد ذهب المفسرون أيضا إلى إن "الشهر الحرام"، هو كل شهر حرام من هذه الأشهر الأربعة، وان الآية لا يراد بها التخصيص، وان ما ذكر من انه شهر رجب، فلأجل وقوع الحادث المذكور فيه.
وعرف "رجب" ب "منصل الأل" والألة والألال في الجاهلية. أي مخرج الاسنة من أماكنها. كانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ونصال السهام ابطالا للقتال فيه، وقطعا لأسباب الفتن برمته، فلما كان سببا لذلك سمي به، اعظاما له، فلا يغزون ولا يغير بعضهم على بعض. وعرف أيضا ب "منزع الأسنة" للسبب المذكور.
ومن دلائل حرمة شهر "رجب" ومكانته العظيمة عند أهل الجاهلية، تقديمهم العتائر فيه والاضاحي التي عرفت عندهم ب "الرجبية"، ووقوع اكثر المناسبات الدينية فيه. وقد نعت هذا الشهر ب "الاصم"، فقيل له "رجب الاصم"، لعدم سماع استغاثة أو قعقعة سلاح فيه، لان العرب كانت لا تقرع فيه الاسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه، فلا يهيجه، تعظيما له. وعرف ب "رجب الفرد" وب "الفرد"، لانفراده وحده من بين الاشهر الحرم الاخرى.

(1/5065)


ويرى "ولهوزن"، استنادا إلى بعض الموارد اليونانية وغيرها إن العرب كانوا يحرمون شهرا واحدا منفردا، هو "رجب الفرد"، وهو من شهور الربيع، وشهرين آخرين متصلين يقعان في القيظ، أي في أوج الصيف. أما الشهر الثالث الذي ألحق بالشهرين، فصارت به ثلاثة اشهر حرم متسلسلة متداخلة، فقد حرم في عهد متأخر لا يبعد كثيرا عن الإسلام، وهو المحرم.
ويلاحظ إن الموارد الإسلامية قد وضعت بعض الأحداث المهمة في شهر محرم مثل صوم يوم عاشوراء، ومثل اختبار القدس قبلة للمسلمين، فقد ذكروا إن ذلك كان في اليوم السادس عشر من المحرم، ومثل ذكرهم إن وصول حملة الفيل إلى مكة كان في اليوم السابع عشر منه، وان ابتداء السنة الهجرية، كان في اول المحرم، مع اننا لو دققنا ذلك تدقيقا عميقا، وجدنا إن أكثر هذا المروي لم يثبت وقوعه في هذا الشهر.
ونجد في كتب الحديث والأخبار ما يفيد بأن الجاهليين كانوا يعظمون شهري شعبان ورمضان تعظيما يكاد يضاهي تعظيمهم للاشهر الحرم. وسبب ذلك في نظري، هو بفعل النسيء في الشهرين، وتلاعبهم بالأشهر وتسميتهم لها تسميات كيفية، ووقوع ذلك التلاعب على الشهرين المذكورين دون بقية الشهور. وقد يكون بسبب أن العرب كانوا يقدسون الشهرين ويحرمونهما أيضا، وأن قريشا كانت تحترمهما أيضا، ومن هنا فضل شعبان ورمضان على بقية الأشهر الثمانية مع انهما من الأشهر الاعتيادية على حسب رواية أهل الأخبار. ولم يدخلوهما في جملة الأشهر الحرم. ونجد للشهرين حرمة كبيرة في الإسلام.

(1/5066)


وقد كان عرب العراق وبادية الشام يتجنون أيضا مثل عرب الحجاز القتال في أشهر معينة، لأنها أشهر مقدسة حرم عندهم، كما يفهم ذلك من مؤلفات الروم والسريان. فقد أشار المؤرخ "افيفانوس" Epiphsnius إلى وجود شهر عند العرب، قال إن العرب تحتفل فيه، وهو عندهم شهر مقدس، ويقع في شهر تشرين الثاني، ويريد به شهر "ذي الحجة" على ما يظن. وقد دعي ب "حجت" في بعض الموارد اليهودية. كما ذكر "بروكوبيوس" Procopius أن عرب المناذرة لم يكونوا ليحاربوا في شهورهم المقدسة، وقال إنهم كانوا قد جعلوا شهرين في السنة حرما لآلهتهم لا يغزون فيها ولا يقاتلون بعضهم بعضا، ويقعان في تموز وآب، وذكر "فوتيوس" أن العرب يحجون إلى معبدهم مرتين في السنة: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، و ذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف، و ذلك. لمدة شهرين.
وفي هذه الإشارات معلومات قيمة، تشير إلى وجود الاشهر الحرم عند العرب الشماليين. ويفهم منها أن الاشهر الحرم كانت ثابتة لا تتغير، فلا يقع حجهم مرة في شتاء ومرة في صيف، وأخرى في ربيع، ومرة في خريف. فحجهم ثابت، وأشهرهم ثابتة. ومما يؤسف له أن أولئك المؤرخين لم يشيروا إلى أسماء المواضع التي كانوا يحجون إليها.
الشهور الحل
واما الشهور الثمانية الاخرى، غير الحرم، فهي: صفر، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر،وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال. وقد أستحل فيها القتال والغزو.
وقد عرفت هذه الشهور: الحرم منها والشهور الحل بشهور معد. وكان أهل مكة يستعملونها عند ظهور الإسلام. والظاهر إن القبائل المجاورة لمكة كانت تستعملها أيضا. وبهذه الأشهر أرخت رسائل الرسول وأوامره، وصارت باستعمال الرسول لها الشهور الرسمية في الإسلام، عليها يسير كل المسلمين على اختلاف ألوانهم حتى اليوم لما لها من صلات بأمور دينهم في مثل الصوم والحج.

(1/5067)


وصفر، هو الشهر الذي يلي المحرم. "قال بعضهم: انما سمي لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقيل لاصفار مكة من أهلها اذا سافروا، وروي عن رؤبة انه قال: سموا الشهر صفرا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفرا من المتاع، و ذلك ان صفرا بعد المحرم، فقالوا صفر الناس منا صفرا". وكانوا إذا جمعوا المحرم مع صفر، قالوا: صفران. وفي ذلك قول أبي ذؤيب: أقامت به كمقام الحنيف شهري جمادي وشهري صفر
وكان أهل مكة يفتتحون سنتهم بالمحرم. فهو أول شهر عندهم من أشهر السنة، وقد أقر الإسلام هنا المبدأ، فجل المحرم أول شهر من شهور السنة الهجرية.
ويذكر أهل الأخبار أن أول من سمى الشهور المحرم وما بعده بأسمائها هذه هو "كلاب بن مرة".
الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة
النسيء

(1/5068)


عرف علماء العربية النسيء بقولهم: "والنسيء المذكور في قول الله تعالى: )انما النسيء زيادة في الكفر(. شهر كانت تؤخره العرب في الجاهلية، فنهى الله عز وجل عنه في كتابه العزيز حيث قال: )انما النسيء زيادة في الكفر(، الآية، و ذلك انهم كانوا إذا صدروا عن منى بقوم رجل من كنانة، فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرا، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم". وعرف النسيء بأنه تأخير بعض الأشهر الحرم إلى شهر آخر. و ذلك من "نسأ". والنسء تأخير الوقت. وجعله بعضهم بمعنى "الكبس"، المعروف. وقد ذهب العلماء إلى أن النسيء كل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه نسيء. فالنسيء تأخير حرمة المحرم إلى صفر، وجعل المحرم شهرا حلالا، يجوز لهم القتال فيه، لأنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر حرم، لا يغيرون فيها ولا يغزون، ومعاشهم على الغارات والغزو. ففعلوا النسيء، لإحلال ذمتهم من حرمة محرم، ولتجويز القتال فيه، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا، ثم يزول التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة. وقد عرف بعض العلماء النسيء بأنه تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر. و "العرب تقول: نسا الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك، أي أخر الله أجلك".

(1/5069)


فهم كانوا يستحلون ترك الحج في الوقت الذي هو واجب فيه، ويوجبونه في الوقت الذي لا يجب فيه،وجوزوا ذلك عليهم حتى ضلوا باتباعهم هذا التجويز. بأن جعلوا الشهر الحرام حلالا، إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حراما، ويقولون شهرا بشهر، وإذا لم يحتاجوا إلى ذلك لم يفعلوه. فكانوا "يحجون في كثير من السنين، بل أكثرها في غير ذي الحجة"، ومن هنا تلاعبوا بالأشهر وأخرجوها حقيقتها، بأن جعلوا الشهر الحرام حلالا والشهر الحلال حراما، فخالفوا بذلك ما اتفق عليه من تحريم اشهر بعينها هي من الأشهر الحل، ومن تحليل أشهر هي الاشهر الحرم.
واذا أخذنا مما جاء على لسان بعض الشعراء عن النسيء، مثل قولهم: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما
وقول أحدهم: وكنا الناسئين على معد شهورهم الحرام إلى الحليل
وقول الآخر: نسئوا الشهور بها وكانوا أهلها من قبلكم والعز لم يتحول
واعتبرناه صحيحا، نستنتج منه آن النسيء كان خاصا بحج "مكة"، وبالقبائل التي عرفت بقبائل "معد". وقد عرفنا قبائل وعشائرها وفي جملتها قريش.
واذا اخذنا النسيء بهذا المعنى، صار معناه مجرد تبديل شهر بشهر، وتأخير حرمة شهر إلى الشهر الذي يليه. وليس هذا بزيادة، أي زيادة أيام أو شهر على شهور السنة، وهي الأيام التي تتخلف فيها السنة القمرية عن السنة الشمسية، لتتساوى بها، فتثبت الأشهر في مواضعها من الفصول، وهو ما يعر عنه يالكبس فليس هذا النسيء كبسا اذا.

(1/5070)


وقد تعرض "البيروني" لموضوع النسيء عند العرب، فقال: "وكانوا في الجاهلية يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام. وكان يدور حجهم في الأزمنة الأربعة. ثم أرادوا إن يحجوا في وقت ادراك سلعهم من الادم و الجلود والثمار وغير ذلك، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة، وفي أطيب الأزمنة وأخصبها. فتعلموا الكبس من اليهود المجاورين لهم. و ذلك قبل الهجرة بقريب من مئتي سنة. فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهرا بشهورها اذا تم... ويسمون هذا من فعلهم النسيء، لأنهم كانوا ينسأون أول السنة في كل سنتين أو ثلاث شهرا، على حسب ما يستحقه التقدم".
وتعرض "ابن الأجدابي" لموضوع "الكبس" والسنة "الكبيسة" عند العبرانيين واليونانيين كذلك، فقال: "وقد كانت العرب في الجاهلية تفعل مثل هذا، وتزيد في كل ثالثة من سنيها شهرا، على نحو ما ذكرناه عن العبرانيين واليونانيين. وكانوا يسمون ذلك النسيء. كانت سنة النسيء ثلاثة عشر شهرا قمريه. وكانت شهورهم حينئذ غير دائرة في الأزمنة، كان لكل شهر منها زمن لا يعلوه. فهذا كان فعل الجاهلية حين أحدثوا النسيء، وعملوا به. فلما جاء الله تعالى بالإسلام بطل ذلك، وحرم العمل به. فقال: إنما النسيء زيادة في الكفر. وقال عز وجل: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله. فسنة العرب اليوم اثنا عشر شهرا قمرية دائرة في الأزمنة الأربعة".

(1/5071)


والنسيء الذي ذكره "البيروني" و "ابن الأجدابي"، هو كبس صحيح، وليس مجرد تقديم شهر وتأخير آخر على نحو ما رأيت. غايته تثبيت الأزمنة، وجعل الحج في موسم ثابت معين، فلا يكون في شتاء مرة، وفي صيف مرة أخرى، وفي ربيع مرة، وفي خريف مرة أخرى، يجعل السنة سنة قمرية شمسية على نحو فعل يهود بسنتهم، وهو بهذا المعنى في رواية "المسعودي". فقد قال: "وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهرا وتسميه النسيء وهو التأخير، وقد ذم الله تبارك وتعالى فعلهم بقوله: )إنما النسيء زيادة في الكفر(.
وكان النسيء الأول للمحرم، فسمي صفر به. وشهر ربيع الأول باسم صفر

(1/5072)


ثم والوا بين أسماء الشهور. وكان النسيء الثاني لصفر، فسمي الذي كان يتلوه بصفر أيضا. وكذلك حتى دار النسيء في الشهور الاثني عشر،وعاد إلى المحرم فأعادوا بها فعلهم الأول. وكانوا يعدون أدوار النسيء، ويحدون بها الأزمنة، فيقولون: قد دارت السنون من زمان كذا إلى زمان كذا دورة. فإن ظهر لهم مع تقدم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع من كسور سنة الشمس وبقية فضل ما بينها وبين سنة القمر الذي الحقوه بها، كبسوه كبسا ثانيا،وكان يبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها حتى هاجر النبي عليه السلام، وكانت نوبة النسيء كما ذكرت بلغت شعبان، فسمي محرما، وشهر رمضان صفرا، فانتظر النبى، صلى الله عليه وسلم، حينئذ حجة الوداع، وخطب بالناس، وقال فيها: "ألا، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر الذي جاء بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون". ومنذ ذلك الحين ترك النسيء. "وعنى بذلك إن الشهور عادت إلى مواضعها، وزال عنها فعل العرب بها. ولذلك سميت حجة الوداع الحج الأقوم. ثم حرم ذلك، وأهمل أصلا". وقد ذكر "المسعودي" إن عدة الشهور عند العرب وسائر العجم اثنا عشر شهرا. وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهرا، هو تقسيم قديم يعود إلى ما قبل الميلاد.

(1/5073)


وذكر أن نسيء العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثارات، والأخر تأخير الحج عن وقته تحريا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوما، حتى يدور الدور فيه الى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته. وهذا الرأي يلخص ما أورده أهل الأخبار في النسيء. ويتلخص في شيئين: النسيء تأخير الشهور، و ذلك بإحلال شهر في مكان شهر آخر، للاستفادة من ذلك في التحليل والتحريم، والنسيء بمعنى الكبس، وهو إضافة الفرق الذي يقع بين السنة الشمسية والسنة القمرية إلى الشهور القمرية لتلافي النقص الكائن بين السنتين، ولتكون الشهور القمرية بذلك ثابتة لا تتغير، تكون في مواسمها المعينة، فلا يقع حادث في شهر من شهورها في الشتاء، ثم يتحول بمرور السنين، فيقع بعد امد في الصيف أو في الربيع، كما يقع ذلك في الشهور القمرية الصرفة المستعملة في الإسلام.

(1/5074)


وتسمى الطريقة الثانية، وهي إضافة فرق الأيام بين السنتين الشمسية والقمرية إلى السنة القمرية "الكبس" في اصطلاح العلماء. وقد كانت شهور اليهود، وهي شهور قمرية، تساوي "354" يوما وست ساعات، فهي لذلك أنقص بأحد عشر يوما عن السنة الرومانية، فادخلوا، شهر ثالث عشر في كل ثلاث سنوات، سموه "فيادار" أو "أذار الثاني"، وبهذه الطريقة جعلوا السنة القمرية مساوية للسنة الشمسية. وقد ذكر "المسعودي"، أن أيام السنة "ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما، تنقص عن السرياني أحد عشر يوما وربع يوم، فتفرق في كل ثلاث وثلاثين سنة، فتنسلخ تلك السنة العربية ولا يكون فيها نيروز، وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهرا، وتسميه النسيء وهو التأخير". وذكر "القلقشندي"، أنهم كانوا يؤخرون في كل عام أحد عشر يوما، حتى يسور السور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته،فلما كانت سنة حجة الوداع، وهي تسع من الهجرة، عاد الحج إلى وقته اتفاقا في ذي الحجة كما وضع أولاء، فأقام رسول الله،صلى الله عليه وسلم، فيه الحج، ثم قال في خطبته التي خطبها يومئذ: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، يمعنى أن الحج قد عاد في في الحجة". وذكروا إن المشركين كانوا "يحجون في كل شهر عامن، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثج حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجة أبي بكر الي حجها قبل حجة الوعاع ذا القعدة من السنة التاسعة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم، في العام المقيل حجة الوداع فوافقت ذا الحجه، فذلك قوله في خطبته: إن الزمان قد استدار... الحديث. أراد بذلك أن أشهر الحج رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء.

(1/5075)


وورد في خبر يرجع سنده إلى "إياس بن معاوية"، أن المشركين كانوا "يحسبون السنة اثني عشر شهرأ وخمسة عشر يوما، فكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوما، فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر، ووافق ذلك الآهلة". وقد ورد في الحديث: "الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين"، كما ورد: "شهران لا ينقصان شهرا عيد رمضان وذو الحجة". فإذا أخذنا بذلك، كان الفرق بين أيام السنة القمرية وأيام السنة الشمسية، هو ما يجب اضافته على السنة القمرية لتكون سنة شمسية، ذات أشهر ثابتة.
واذا صحت رواية بعض الأخباريين عن إضافة الجاهليين أحد عشر يوما، إلى السنة القمرية، ليضمنوا بذلك ثبات الأشهر، وعدم تغير أوقاتها. فإن ذلك يكون كبسا صحيحا بالمعنى المفهوم من الكبس، مؤديا للغاية المتوخاة منه. وعندئذ تكون سنة أولئك الجاهليين المستعملين للكبس سنة قمرية شمسية. وانا لا أستبعد شيوعها عند أهل المدينة، بسبب اختلاطهم باليهود، ولا أستبعد كذلك اتفاقهم مع يهود يثرب في استعمال السنة المستعملة عند اليهود نفسها، وابتدائهم بالشهر الذي كان يبدأ به أولئك اليهود.

(1/5076)


ويؤيد هذه الرواية ما ذكره أهل الأخبار كلهم من إن الغاية التي حملت العاملين بالنسيء على استعمالهم له "انهم كانوا يحبون إن يكون يوم صدرهم عن الحج في وقت واحد بن السنة" فكانوا ينسئونه. والنسيء التأخير، فيؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما، فإذا وقع في عدة ايام من ذي الحجة، جعلوه في العام المقبل لزيادة أحد عشر يوما من ذي الحجة، ثم على تلك الأيام يفعلون كذلك في أيام السنة كلها. وكانوا يحرمون الشهرين اللذين يقع فيهما الحج، والشهر الذي بعدهما، ليواطئوا في النسيء بذلك عدة ما حرم الله. وكانوا يحرمون رجبا كيف وقع الأمر. فيكون في السنة اربعة أشهر حرم".
أما التفسير الأول للنسيء، وهو تفسيره بمعنى تحليل شهر محرم، وتحريم شهر حلال، وتأخر شهر وتقدم شهر، فإنه لا يحقق ما ذكر من رغبة الناس يومئذ في حجهم في وقت ثابت لا يتغير ولا يتبدل، لأن الحج يتغير فيه، فيكون أحيانا في الصيف، وأحيانا في الشتاء، وأحيانا في الربيع، واحيانا في الخريف. وهذا لا يتفق مع زعم أهل الأخبار في السبب الذي دعا إلى الأخذ بالنسيء.
والنسيء بهذا التفسر، لا يفيد إلا من ناحية التحايل والتلاعب في ايجاد حيل مشروعة في تجويز القتال في بعض الأشهر الحرم، و ذلك كان تكون قبيلة قوية تريد القتال في شهر محرم، لاستعدادها له فيه فتعمد إلى هذا الحل، والتحايل على العرف بالتوسل إلى "القلمس" لتغيير الشهور، فيصير الشهر الحرام حلالا، وبذلك يتاح لها القتال فيه.
وإني أرى في هذا التفسير تكلفا ظاهرا، وهو يعارض مع ما ذكر من الغابة من النسيء. واذا جاز إحداثه في سنة ما للغايات المذكورة، فلا يعقل احداثه في كل سنة بانتظام. وإلا لم يبق له معنى ما ولا فائدة ترجى عندئذ منه.

(1/5077)


وقد جاء معنى النسيء في الآية: "إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما. ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله. زين لهم سوء اعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين". فقال بعض علماء التفسير: كانوا يجعلون السنه ثلاثة عشر شهرا، فيجعلون المحرم صفرا، فيستحلون فيه الحرمات، فأنزل الله إنما النسيء زيادة في الكفر. "وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، و جمادى، وجمادى، ورجب، و شعبان، ورمضان، وشوال، و ذو القعدة، و ذو الحجة، يحجون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر. ثم يسمون رجب جمادى الآخر، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون رمضان شوالا، ثم يسمون ذا القعدة شوالا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة،ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر، رضي الله عنه، الأخر من العامين في ذي العقدة، ثم حج النبي، صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي، صلى الله عليه وسلم، في خطبته إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض". فالنسيء هو المحرم، وكان يحرم المحرم عاما، ويجرم صفر عاما، وزيد صفرا في آخر الأشهر الحرم، وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلوا صفر المحرم، فيحلوا ما حرم الله. وكانت هوازن، وغطفان، وبنو سليم، يعظمونه، وهم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية. وهكذا كانوا يجعلون سنة المحرم صفرا، فيغزون فيه، فيغنمون فيه ويصيبون ويحرمونه سنة. وذكر أنهم كانوا يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفرا.

(1/5078)


وقد تحدث "الطبرسي" عن النسيء فقال: " قال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في العام القابل حجة الوداع، فوافقت في ذي الحجة، فذلك حين قال النبى، صلى الله عليه وسلم، وذكر في خطبته ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر. شهرا. منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، و المحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. أراد عليه السلام الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحح إلى ذي الحجة وبطل النسيء".
وهذا الفعل الذي هو النسيء، هو الذي جعل العلماء يقولون: إن الصفر النسيء الذي كانوا يفعلونه. في الجاهلية، وهو تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه ويجعلون صفرا هو الشهر الحرام. فهم يدخلون شهرا جديدا على السنة بعد فتى الحجة، يكون مقامه بين هذا الشهر وبين شهر صفر الأول، الذي هو المحرم من. الأشهر الحرم. وبذلك يكونون قد فصلوا بين الأشهر الحرم الثلاثة، بأن جعلوا شهرا حلالا جديدا بين الشهرين المحرمين: ذو القعدة وذو الحجة، وبين الشهر الثالث المتصل بهما، وهو المحرم، ففصل عن الشهرين، وصار وحيدا. فعلوا ذلك ليحافظوا على وقت الحج، بجعله ثابتا. ولما كان ذلك معناه تغيير حرمة الأشهر الحرم الثلاثة بجعل الشهر الحلال شهرا حراما، والشهر الحرام حلالا، حرم النسيء في الإسلام. فابتعدت السنة بذلك عن السنة الشمسية،وصار الحج يدور باختلاف المواسم، لأن السنة صارت سنة قمرية. وبذلك تغير وقت الحج عما كان عليه في الجاهلية،فلم يعد ثابتا على نحو ما كان عليه عند الجاهليين.

(1/5079)


وفرارا من امم النسيء، الذي هو زيادة في الكفر، كانوا في صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل ثلاث وثلاثين سنة عربية، سنة ويسمونها: سنة الازدلاق لأن كل ثلاث وثلاثين سنة عربية تساوي اثنتين وثلاثين سنة شمسية تقريبا.
مبدأ النسيء
ويرجع أهل الأخبار مبدأ ادخال النسيء إلى الجاهلين إلى "عمرو بن لحي"
أو إلى "القلمس"، وهو "حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحارث"، أو "حذيفة بن عبد بن فقيم"، أو "نعيم بن ثعلبة"،أو " قلع بن حذيفة بن عبد بن فقيم"، أو آخرون. وذلك إن العرب كانوا لا يكبسون، إلى أن جاورتهم اليهود في يثرب، فارادوا "أن يكون حجهم في أخصب وقت من السنة وأسهلها للتردد في التجارة، ولا يزول عن مكانه، فتعلموا الكبس من اليهود". فصار النسيء عادة من عادات العرب منذ ذلك الحين إلى منعه في ا لاسلام.

(1/5080)


وكانت النسأة في بني مالك ين كنانة، وكان أولهم القلمس حذيفة بن عيد ابن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة ين الحارث بن مالك بن كنانة، ثم ابنه قلع ين حذيفة، ثم عباد بن قلع، ثم " قلع بن عباد قلع" ثم أمية بن قلع ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن أمية بن عوف بن قلع. وذكر أن أول من نسيء قلع، نسأ سبع سنين، ونسا أمية إحدى عشرة سنة. وذكر عن "ابن اسحاق" أن أول من نسا عند العرب "القلمس"، وهو "حذيفة بن عبد فقيم ابن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة"، ثم قام بعده على ذلك ابنه "عباد"، ثم من بعد عباد ابنه "قلع بن عباد"، ثم ابنه "امية ابن قلع"، ثم ابنه "عوف بن أمية" ثم ابنه "أبو ثمامة" "جنادة بن عوف"، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام. وذكر "القرطبي" عن "ابن الكلبي" أن "اول من فعل ذلك رجل من بني كنانة، يقال له: نعيم بن ثعلبة، م كان بعده رجل يقال له: جنادة بن جموف، وهو الذي أحركه لي سول الله، صلى الله عليه وسلم. وقال الزهري: حي من بني كنانة ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القلمس، واسمه حنيفة بن عبيد. وفي رواية مالك بن كنانة. وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه. وفي ذلك يقول شاعرهم: ومنا ناسىء الشهر القلمس
وقال الكميت: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما"

(1/5081)


وذكر "اليعقوبي"، إن اول من نسأ الشهور: "سرير بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة". وهو والد "هند" التي تزوجها "مرة بن كعب"، فولدت له "كلابا". وشرف "كلاب بن مرة" وجل " قدره واجتمع له شرف الأب، وهو "كعب بن لؤي"، الذي كان أول من سمى يوم الجمعة بالجمعة، وكانت العرب تسميه "عروبة"، وشرف الجد من قبل الأم، لأنهم كانوا يجيزون الحج ويحرمون الشهور ويحللونها، فكانوا يسمون النسأة والقلامس. وذكر "الزبيري"، إن "سريرا" أول من نسأ الشهور، وقد انقرض سرير، ونسأ الشهور بعده ابن أخيه القلمس، واسمه عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث ابن كنانة. ثم صار النسيء في ولده. وكان أخرهم جنادة بن عوف، وهو "أبو ثمامة". وورد في رواية أخرى، إن أخرهم هو "فقيم بن ثعلبة"، أو هو غيره. وقد ذكروا أن "أبا ثمامة"، وهو "جنادة بن أمية" من بني "المطلب بن حدثان بن مالك بن كنانة"، من نسأة الشهور على معد، كان يقف عند "جمرة العقبة، ويقول: اللهم اني ناسىء الشهور وواضعها مواضعها ولا أعاب ولا "أحاب" أجاب: اللهم إني قد أحلت أحد الصفرين وحرمت صفر المؤخر، وكذلك في الرجبين، يعني: رجبا وشعبان. ثم يقول: انفروا على اسم الله تعالى. وفيه يقول قائلهم: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما
وذكر أن أول من نسأ بعد "القلمين" القلمسين: "حذيفة بن عبد نعيم ابن عدى"، و "زيد ين عامر بن ثعلبة" "وهو القلمين بن عامر بن ثعلبة" "عياد بن حذيفة"، ثم "قلع بن عباد"، ثم "أمية بن قلع"، ثم "عوف ابن أمية"، ثم "جنادة" فأدركه الإسلام.

(1/5082)


وذكر "الطبري"، "أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فيناسى: ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، الا وان صفر العام الأول حلال، فيحله الناس، فيوم صفر عاما ويحرم المحرم عاما". ودعاه ب "أبي ثمامة صفوان بن أمية"،أحد "بني فقيم ابن الحارث، ثم أحد بني كنانة". وذكر أنه "كان رجل من بني كنانة، يأتي كل عام في الموسم على حمار له، فيقول: أيها الناس اني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما أقول. انا قد حرمنا المحرم، واخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته. ويقول إنا قد حرمنا صفر واخرنا المحرم فهو قوله: ليواطئوا عدة ما حرم الله". وكان هذا الرجل يقال له:القلمس. وكان آخر النسأة، "جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عياد "عباد" بن حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن زيد بن عامر ين ثعلبة بن الحارث بن مالك ابن كنانة"، أبو "ثمامة" "أبو أمامة" الكناني. نسأ الشهور أربعين سنة، وأدرك الإسلام. وكان أبعد النسأة ذكرا، وأطولهم أمدا. وذكر إن اسمه "أمية بن عوف بن جنادة ين عوف بن عياد بن قلع بن فقيم بن عدي بن عامر ابن الحارث بن ثعلبة"، وذكر أيضا انه "القلمس بن أمية بن عوف بن قلع ابن حذيفة بن عبد بن فقيم".
وورد في خبر ينسب إلى "ابن عباس"، انه قال: النسأة في كندة. وانهم كانوا النسأة الأول، قبل المذكورين. وذهب "الجاحظ" إلى إن النسئ كان في كنانة واما السدانة، فكانت في "مر بن أد" "من رهط صوفة والربيط منها أصحاب المزدلفة، وكانت عدوان وأبؤ سيارة عميلة بن أعزل، تدقع الناس". ويكاد يكون الاجماع على أن النسيء كان من حق "كنانة"، لم يتوله غيرهم.

(1/5083)


وذكر أن الناسيء، كان يحل للمحرمين قتال "خثعم" و "طيء"، "لأنهم كانوا لا يحرمون الأشهر الحرم، فيعيرون فيها ويقاتلون. فكان من نسأ الشهور من الناسئين يقوم" فيقول: إني لا أحاب ولا اعاب، ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أحللت حماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم".
ويذكر أهل الأخبار أن أولئك الناسئين كانوا نابهين في قومهم، لهم مركز عظيم وشأن، فكان "القلمس"، مثلا ملكا في قومه، وهو من بني كنانة، وكان عالم قومه وفقيهم في الدين، وكان الذي يلي النسيء يظفر بالرياسة لتريس العرب إياه. ويظهر أنهم كانوا أصحاب علم ونظر ومكانة محترمة، في أمور الدين، في قومهم وفي القبائل التي تحج إلى مكة.
وكلمة "قلمس" على ما يتبين من روايات الأخباريين، لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة يراد بها عند الجاهليين ما يراد من معنى الفقيه والمفتي في الإسلام". وقد ذكر علماء اللغة أن من معاني القلمس: السيد العظيم، والرجل الخير المعطاء والمفكر البعيد الغور، والداهية من الرجال، ونحو ذلك من معان تشير إلى صفات عالية في الرجل الذي أطلقت عليه، وقد تكون بمعنى العالم العارف، وقد أطلقت بصورة خاصة على هذه الجماعة، لسعة علمها بهذا الموضوع وغيره، ولوقوفها على التوقيت وعلم الفلك في تلك الأيام. وقد تكون لفظة من جملة الألفاظ المعربة التي دخلت العربية قبل الإسلام.

(1/5084)


وطريقة الناسىء في اعلانه النسيء على الناس في الحج، أن يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرا، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم". وهذا الرجل هوالناسىء، أو أن يدعو الناسء الناس في آخر موسم الحج إلى الاجتماع حوله، فإذا اجتمعوا ارتقى موضعا مرتفعا ظاهرا، أو قام على ظهر جمله صوته: "اللهم إني لا أعاب ولأ أحاب، ولا مرد لما قضيت، اللهم، إني أحللت شهر كذا "ويذكر شهرا من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شن الغارة فيه"، وأنسأته إلى العام القابل، أي أخرت تحريمه، وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي، فكانوا يحلون ما أحل ويحرمون ما حرم". فأذا انتهى من هذا الخطاب وامثاله، أباحوا لأنفسهم غارة في ذلك الشهر، وغزوا من نووا غزوه. فإذا جاء العام القابل، نهض الناسىء ليقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم الشهر الفلاني، وهو الشهر الذي أحله في العلم الماضي فحرموه، فيحرمونه. وورد في بعض الروايات، انه كان يقوم فيقول: "إني لا أحاب ولا أعاب ولا يرد ما قضيت به، وإني قد أحللت دماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم اذا عرضوا لكم". و ذلك لما ذكر من عدم تحريم طيء وخثعم الشهور الحرم، فكانوا يغزون ويقاتلون فيها، ولذلك استثاهم القلامسة من عدم مقاتلتهم في تلك الشهور، و ذلك لضرورات الدفاع عن النفس.
وقد نسب إلى بعض القلامسة شعر، قيل انهم قالوه يفتخرون فيه بأحتكارهم النسيء، وبارشادهم الناس إلى مناسك دينهم، وقيادتهم الحجاج، يسيرون تحت لوائهم، يبينون لهم شهور الحل والأشهر الحرم، كما ورد شعر منسوب إلى بعض كنانة يفتخر فيه بان قومه ينسئون الشهور على معد، فيجعلون شهور الحل حراما والشهور الحرام حلالا.
وقد قال "عمير بن قيس بن جذل الطعان"، شعرا افتخر فيه وتعرض لأمر النسيء، فكان مما جاء فيه قوله: ألسنا النسائين على معد شهور الحل، نجعلها حراما

(1/5085)


وقال بعض بني أسد: لهم ناسىء يمشون تحت لوائه يحل إذا شاء الشهور ويحرم
وقال آخر: نسوء الشهور بها وكانوا أهلها من قبلكم والعز لم يتحول
وقد نسب "القرطبي" البيت: ألسنا الناسئين على معد شهور الحل، نجعلها حراما
إلى الكميت.
وقد استمرت طريقة النسيء هذه إلى أيام الإسلام، فحج أبو يكر في السنة التاسعة من الهجرة، فوافق حجه ذي القعدة، ثم حج رسول الله في العام القابل الموافق السنة العاشرة للهجرة، المصادفة لسنة "631" للميلاد، فوافق عود الحج في ذي الحجة. ثم نزل الحكم بإبطال النسيء في الآيات: )أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم. ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم. وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين، إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم، فيحلوا ما حرم الله. زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين(، وخطب الرسول في جموع الحجاج خطبته الشهيرة التي بين فيها مناسك الحج وسننه وأمورا أخرى أوضحها لهم، فكان مما قاله لهم: "أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض، وان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا". فالغى الإسلام منذ ذلك الحين النسيء، وثبت شهور السنة وجعل التقويم القمري هو التقويم الرسمي للمسلمين.

(1/5086)


وروي كلام الرسول عنه على هذه الصورة: "أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطأوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض. وان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم. ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"، فالغى الإسلام منذ ذلك الحين النسىء، وجعل التقويم القمري الخالص هو التقويم الرسمي للمسلمين.
ويظهر من القرآن الكريم إن سبب تحريم النسيء في الإسلام هو تلاعب القلامسة بالشهور، بتحريمهم شهرا حلالا في عام، ثم تحليلهم له في العام القابل. فازال الإسلام ذلك التلاعب بتحريم النسيء، واتخاذ السنة سنة قمرية ذات اثني عشر شهرا لا غير، كما صيرها الجاهليون ثلاثة عشر أو أربعة عشر شهرا. ولما كان الزرع يعتمد على المواسم الطبيعية، وعلى الأشهر الشمسية، لذلك صار اعتماد المزارعين في الزرع وفي الحصاد على الشهور الشمسية، أي على السنة الشمسية. اما الأمور الدينية، مثل الحج والصيام، فالاعتماد بالطيع على الشهور القمرية.
واتخأذ التقويم القمري تقويما رسميا للاسلام، هو من السمات التي امتاز بها الإسلام عن الجاهلية،واعتبر من النقاط الفاصلة الني فصلت بين الجاهلية والإسلام. وهكذا زال الكبس كما زال النسيء عن السنة القمرية وعن الشهور لتحويلها إلى سنة شمسية على نحو ما رأيناه من فعل الجاهليين.
ويرى بعض المستشرقين أن النسيء والناسىء من الألفاظ المعربة عن العبرانية.

(1/5087)


وقد دخلت إلى العربية بتأثير يهود يثرب. والناسىء عند اليهود هو الرئيس الديني. وكان يقوم عندهم بتقديم وتأخير الشهور، ويعين قواعد الأعياد والصيام، ويذيع النتيجة بواسطة وفود إلى الطوائف اليهودية المختلفة. والناسىء يقابل رئيس قبيلة عند بني اسرائيل، وهذا التعريف ينطبق تماما مع ما ذكره أهل الأخبار عن "الناسىء" عند الجاهليين.
وقد بحث عدد من المستشرقين في حساب السنين عند الجاهليين وفي النسيء، فجاؤوا بآراء متباعدة غير متفقة، لكل واحد منهم رأي ومذهب في طريقة العرب قبل الإسلام في حساب الشهور وفي السنين،القمريه والشمسية والكبس والنسيء. وقد ناقشها ولخصها "نالينو" في كتابه: "علم الفلك تأريخه عند العرب في القرون الوسطى"، وهو ممن يرون أن البحث في هذا الموضوع صعب عسير، وأن البت فيه غير ممكن في الزمن الحاضر، لقلة الموارد وعدم وجود أخبار وروايات واضحة صريحة يمكن أن يستند إليها في ابداء رأي علمي ناضج في الموضوع.
والذي أراه إن اهل الحجاز كانوا يتبعون التقويم الشمسي مع مراعاة الإهلال، أي تقويما شمسيا قمريا، بدليل إن لأسماء الأشهر علاقة بالجو من برد وحر، وربيع وخريف. فقد ذكر علماء اللغة إن الربيع انما سمي ربيعا، لارتباعهم فيه والارتباع الاقامة في عمارة الربع، وأن "جمادى" سمي بذلك لجمود الماء فيه، أي انهما من أشهر الشتاء. قال الشاعر: وليلة من جمادى ذات أندية لايبصر العبد في ظلمائها الطنبا
لاينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خرطومه الذنبا
وأن رمضان من شدة الرمضاء، وهو الحر. ولا يعقل أن تكون هذه التسميات قد جاءت عفوا ومن غير ارتباط بحالة من حالات الطبيعة. وقد انتبه المتقدمون إليها، فقال بعضهم "وكانت الشهور في حسابهم لا تدور"، ولكن بعضهم لم يقبل بذلك إذ قال: "وفي هذا نظر، إذ كانت شهررهم بالأهلة، فلا بد من دورانها"، وقال في تفسير اسم جمادى "فلعلهم سموه أول ما سمي عند جمود الماء في البرد".

(1/5088)


والذي أراه إن تلك الأشهر كانت ثابتة لا تدور، بمعنى انها كانت ثابتة في مواسمها، يسيرون بموجبها في زراعتهم وفي أسفارهم، ولكنهم كانوا يسيرون على الإهلال، أي الشهور القمرية فى أمورهم الإعتبادية وفي الأعمال المالية، مثل الديون، حيث يسهل تثبيت المدة بعدد الأهلة، ومن هنا أختلط الأمر على أهل الأخبار فخلطوا بين التقويمين، بسبب عدم وضوح الروايات. وكأن شأنهم في ذلك شان العرب الشماليين آلذين كانوا يحجون في وقت واحد ثابت، هو في شهر "ذي الحجة"، الذي تحدثت عنه في مكان آخر، وشأن العرب الجنوبيين الذين كانوا يحجرن في شهر "ذي الحجه" الذي كان وقته ثابتا أيضا، فلا يكون في صيف، ثم يكون في ربيع أو في خريف أو في شتاء، ولا يعقل خروجهم على هذا الاجماع الذي نراه عند العرب الشماليين، أي عرب بلاد العراق وعرب بلاد الشام، وينفردون وحدهم باتخاذ تقويم قمري بحت.
ما ذكرناه عن النسيء وعن الكبس يخص عرب الحجاز، وأهل مكة بصورة خاصة، ولا يتناول العرب الجنوبيين، ولا عرب بقية أنحاء جزيرة العرب، لعدم وجود أخبار لدينا عنهما تتناول المواضع الأخرى، لا في النصوص الجاهلية ولا في أخبار أهل الأخبار. ولكن الذي يظهر من النصوص العريية الجنوبية المتعلقة بالزراعة ومن أسماء الشهور، أنها كانت شهررا ثابتة، اي شهورا شمسية لا قمرية، وأن السنة التي كانوا يسيرون عليها سنة شمسية، غير أن هذا لا يمنع مع ذلك من سيرهم على مبدأ الإهلال في حياتهم الاعتيادية، أي على الشهور القمرية، بحيث تكون الرؤية مبدءا للشهور، وذلك لوضوح الأهلة وإمكان رؤيتها بسهولة وتثبيت الأوقات بموجبها، بمعنى انهم كانوا يسيرون على التقويمين: التقويم الشمسي في الزراعة وفي دفع الغلات، والتقويم القمري في الأمور الآعتيادية. ولا نستطيع أن نتحدث عن كيفية احتساب العرب الجنوبيين للسنة الشمسية، ولا عن الكبس عندهم، لعدم ورود شيء عنهما في النصرص.

(1/5089)


ويظن أن سنة العرب الجنوبيين كانت من "360" يوما، مقسمة إلى اثني عشر قسما، اي شهرا، نصيب كل شهر منها "30" يوما. وحيث أن هذا المقدار من الأيام، وهو "360" يوما هو دون الآيام التي تمضيها الأرض في دورانها الحقيقي حول الشمس، لذلك كانوا يعوضون عن الفرق إما بإضافة الأيام اللازمة على أيام السنة لتكبسها فتجعلها مساوية للسنة الطبيعية، و ذلك في كل سنة، وإما بإضافة شهر كبيسة مرة واحدة في نهاية كل ست سنوات.
ويظن "بيستين"، أن القتبانيين قد أخذوا بالطريقة الثانية: طريقة إضافة شهر زائد كامل على التقويم في كل ست سنوات، لتتعادل السنة بذلك مع السنة الطبيعية، وان ذلك الشهر المضاف هو الشهر المسمى ب "ذ برم اخرن"، اي ب "ذى برم الآخر"، أو "فى برم الثاني"، عند القتبانيين وبشهر "ذ نسور اخرن"، أي "ذى نسور الآخر"، أو "ذى نسور الثاني" عند السبئيين.
ووردت في احدى الكتابات جملة "بين خرفهن"، أي بين السنتين. وقد رأى "ونكلر"، انها تعني الأيام التي تضاف إلى نهاية السنة لكبسها حتى تكون سنة طبيعية كاملة. أي سنة شمسية، ولذلك عبر عنها ب "بين السنتين"، أي الاضافة التي توضع فيما بين السنتين. السنة المتقدمة والسنة التالية لها.وذهب "كريمه" إلى انها تعني شهرا، هو الشهر الني يضاف على التقويم لكبس السنين، ويرى "بيسين"، إن هذا الرأي يصعب قبوله، لأنه لو كان شهرا كاملا، لسموه باسم معين، أو لرمزوا إليه برمز يميزه عن شهور السنة الأخرى، كأن يقولوا له "اخرن"، أي الاخر، أو الثاني.
أما اليهود، يهود جزيرة العرب، فقد كانوا يسلكون طريقتهم الخاصة في التوقيت، ويسلكون منهجهم في تعيين الشهور، كما يتأيد ذلك من الأخبار التي نجدها عنهم في كتب الأخباريين.

(1/5090)


واما النصارى العرب، فقد كانوا يتبعون التقاويم الشرقية، ويسيرون على الشهور السريانية المعروفة، وعلى وفق شعائر الكنيسة، ويحتفلون باعيادهم على وفق ما ثبت عندعم في كنيستهم. وقد أشير إليها في بعض الشعر الجاهلي وفي كتب الأخباريين.
الفصل الرابع والثلاثون بعد المئة
التقاويم والتواريخ
التقاويم
هناك نوعان من السنين: سنيين بنيت على أساس الشهور القمرية التي تثبت بمراقبة القمر، وسنتها سنة قمريةLunar Year. والتقويم الذي يقوم عليه تقويم قمري. وسنون بنيت على أساس شمسيSolar Year. والتقويم القائم عليها، تقويم شمسي،، شهوره ثابتة لا تتغير. وعدة الشهور عند العرب اثنا عشر شهرا، سواء كانت السنة شمسية أم قمرية.
ولقد قلت فيما سبق: يظهر من النصرص الجاهلية، أن أهل العربية الجنوبية كانوا يعملون بالتقويم الشمسي، وفقا للمواسم الزراعية، لأننا نراهم في هذه النصوص يزرعون ويبذرون ويحصدرن في شهور معينة، ويدفعون الضرائب في مواسم ثابتة، كما نرى أن أسماء الشهور، عندهم ذات معان متصلة بالطبيعة، مثل الجفاف، والمطر، والحر، والبرد، والربيع، والخريف، ولو كانت سنتهم سنة قمرية محضة، لما سموا أشهرهم بأسماء اشتقت من الحر والبرد واعتدال الجو. وحلول الخريف، إذ لا يعقل وقوع المعاني المذكورة مع تغير الشهور وعدم استقرارها على حال من الأحوال. إلا أن تواريخهم بالسنة الشمسية، لم يمنعهم من التوريخ بالتقويم القمري في أمورهم الاعتيادية، كما في وفاء الديون، وأخذ الديات، والبيع والشراء، والأسفار، لوضوح الشهر القمري، وامكان حساب الأهلة وضبط عددها بسهولة ويسر، فيسهل على المتعاقدين التعاقد بموجب عدد الأهلة، أما الزراعة، وتربية الحيوان ودفع الضرائب وما شابه ذلك، فلا صلة لها بالأهلة،وإنما صلتها بالمواسم والفصول، وهي من مكونات السنة الشمسية، إذن كان العرب الجنوبيون يؤرخون ويعملون بتقويمين: تقويم قمري، وآخر شمسي.

(1/5091)


استعمل العرب الجنوبيون التقويم الشمسي في الزراعة، واستعملوا التقويم القمري للاغراض التي ذكرتها، والتقويم النجمي، أي التقويم، الذي يقوم على رصد النجوم لأغراض دينية وللوقوف على الأنواء الجوية لما لها من صلة بالزراعة وبالحياة العامة.
ويتبين من النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية، ومن النصوص النبطية، ومن نص النمارة، إن اصحابها كانوا يتعاملون وفقا للتقويم الشمسي في الأمور التي لها اتصال مباشر بالطبيعة، ووفقا للتقويم القمري في الآمور الأخرى، لسهولة ضبط الأهلة، وتحقيق العقود بموجبها.،واذا كان الحال على هذا المنوال عند هؤلاء وعند العرب الجنوبيين، فبامكاننا القول إن بقية الجاهليين، ممن لم يتركوا لنا نصوصا، كانوا يتبعون التقويمين كذلك، جريا على سنه الناس في ذلك العهد، ومنهم الأعاجم، من اتباعهم التقويمين المذكورين في تنفيذ العقود والالتزامات وفي ضبط الأزمنة.
ومما يؤيد اتباع العرب الشماليين للتقويم الشمسي، ما ذكره الكتاب اليونان واللاتين، من أن العرب كانوا يقيمون طقوسهم الدينية ويؤدون شعائرهم المقدسة كالحج إلى المحجات في أوقات ثابتة، فقد ذكر "افيفانيوس"، إن للعرب شهرا يحجون فيه إلى محجاتهم، ويقع ذلك في شهر "تشرين الثاني"، كما ذكر "بروكوبيوس"، إن العرب كانوا قد جعلوا شهرين في السنة حرما لآلهتهم لا يغزون فيهما ولا يهاجم بعضهم بعضا، ويقعان في تموز وآب، وذكر "فوثيوس"، أن العرب كانوا يحتفلون مرتين في السنة بالحح إلى معبدهم المقدس: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، و ذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف، و ذلك لمدة شهرين. وفي هذه الاشارات إلى الأشهر المقدسة، والى كونها ثابتة لا تتغير بتغير المواسم، دلالة على سير العرب في تقويمهم، وفقا للتقويم الشمسي.

(1/5092)


وقد عرف التاريخ عند الجاهليين، بدليل عثور الباحثن على نصوص كثيرة مؤرخة. وقد زعم علماء اللغة تد أن التأريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وأن المسلمين أخذوه من اهل الكتاب"، وفي كلامهم صحة، إذا كان قصدهم التأريخ العام للعالم، الذي يبدأ وفقا لما جاء عند أهل الكتاب من الخلق وظهور آدم فالأنبياء والرسل والملوك إلى أيامهم، وفيه خطأ، إذا قصدوا به، التأريخ مطلقا، أي تثبيت الوقت، على نحو ما نفهم من قولنا أرخت الحادث، وأرخت الكتاب، فقد عرف التأريخ عند الجاهلين، بدليل وروده في نصوصهم. واستعمالهم لفظة "بورخ"، للتأريخ. وكلمة "ورخ"، من الكلمات الواردة بكثرة في النصوص، ومنها لفظة "توريخ" و "ورخ" بمعنى أرخ في عربيتنا. ولفظة "أرخ" نفسها هي من هذا الأصل.
وقد عرف "الجاحظ" أن الجاهليين كانوا يؤرخون إذ قال: "وكانوا يجعلون الكتاب حفرا في الصخور، ونقشا في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان؛ فربما كان الكتاب هو الناتىء، وربما كان الكتاب هو الحفر، إذا كان تأريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو احياء شرف يريدون تخليد ذكره، أو تطويل مدته، كما كتبوا على قبة غمدان... وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقر، وعلى الأبلق الفرد... يعمدون إلى الأماكن المشهورة، والمواضع المذكورة، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، أمنعها من الدروس، وأجدر أن يراها من مر بها، ولا تنسى على وجه الدهر.

(1/5093)


ثم قال: "وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها... ثم إن العرب أحبت أن تشارك العجم في البناء، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، وكعبة نجران وقصر مارد، وقصر مأرب، وقصر شعوب، والأبلق الفرد، وفيه وفي مارد، قالوا: تمرد مارد وعز الأبلق، وغير ذلك من البنيان". ثم تعرض لأهمية الكتب ولشأنها في تخليد الذكرى،فقال: "والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر، لأن من شأن الملوك إن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثرالمدن واكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، و كما هدم الآطام التي كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عامر،وكما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات لبني مروان".
وتتناسب أساليب التأريخ مع درجة عقلية المؤرخ ومستواه العقلي، لذلك نجد التواريخ بالأمور العادية البسيطة بين الرعاة والأعراب والسوقة من الناس، بينما نجد غيرهم ممن هم فوقهم درجة في العقل والثقافة يؤرخون بمناسبات لها شأن وأهمية، مثل التقاويم العامة المهمة، المثبتة بمبدأ، حيث يؤرخ بموجبها.

(1/5094)


وقد تبين لنا من دراسات نصوص المسند، أن أصحابها استعملوا جملة طرق في تأريخهم للحوادث، وتثبيت زمانها، فأرخوا بحكم الملوك، فكانوا يشيرون إلى الحادث بأنه حدث في أيام الملك فلان، من غير تعيينه بسنين، و ذلك كما في هذا المثل: "بيوم اليفع يشر ملك معنم"، أي "بيوم اليفع يشر ملك معين"، و "بيوم يذمر ملك وترال". ومعناهما في "أيام حكم اليفع يشر ملك معين"، أو" وكان ذلك في حكم اليفع يشر ملك معين" بالنسبة للفقرة الأولى و "في أيام يذمر ملك وترايل"، أو "في حكم يذمر ملك ووتر ايل"، أو "وكان ذلك في ايام حكم يذمر ملك وترايل" بالنسبة للجملة الثانية. فلم يذكر النص السنة التي دون فيها النص، أو أرخ،فبها النص من سني حكم الملك المذكور. وهي سنون قد تكون قصيرة، وقد تكون طويلة. ولفظة "يوم" هي بمعنى: "حكم" و "أيام".
وقد يؤرخ بحكم موظف من كبار موظفي الحكومة من حملة درجة "كبر" "كبير"، مثلا، أو غيرها من الدرجات العالية في الحكومة أو في المجتمع. كما ارخوا بايام الرؤساء والسادات وأرباب الأسر. وليس العرب الجنوبيون بدعا في هذا الباب، فقد كان غيرهم يؤرخ بهذه الطرق. و ذلك قبل توصلهم إلى اتخاذ تقويم واحد ثابت له بداية معينة تؤرخ به.
والغالب ذكر اسم الشهر مع حكم الكبير أو الرئيس أو أي انسان أخر، كما في هذا المثال: "بورخ ذ طنفت ذ كبر ايتم ذ عرقن"، ومعناها "بشهر ذو طنفت من كبارة أيتم ذو عرقن"، وبعبارة أوضح "بشهر ذو طنفت من حكم الكبير أيتم ذو عرقن"، و "ذو طنفت"، اسم شهر من الشهور.

(1/5095)


والكتابات المؤرخة بهذه الطريقة، على انها احسن حالا في نظرنا من الكتابات المهملة التي لم يؤرخها أصحابها بتأريخ، إلا اننا قلما نستفيد منها فائدة تذكر. إذ كيف يستطيع مؤرخ أن يعرف زمانها بالضبط، وهو لا يعرف شيئا عن حياة الملك الذي أرخت به الكتابة، أو حكمه، أو زمانه، أو زمان الرجال الذين أرخ بهم? لقد فات أصحاب هذه الكتابات إن شهرة الإنسان لا تدوم، وأن الملك فلانا، أو رب الأسرة فلانا، أو الزعيم فلانا سينسى بعد اجيال، وقد يصبح نسيا منسيا، لذلك لا بجدي التأريخ به شيئا، وذاكرة الإنسان لا تعي إلا الحوادث الجسام. لهذا السبب لم نستفد من كثير من هذه الكتابات المؤرخة على وفق هذه الطريقة، وإن استفدنا منها في آمور أخرى لا صلة لها بتثبيت تواريخها.
وقد تجمعت لدينا أسماء أشخاص أرخ الناس بأيامهم لأنهم كانوا أصحاب جاه ونفوذ، لكننا لا نعرف اليوم من أمرهم شيئا، لأن النصوص لم تذكر شيئا عنهم، وعن.أيامهم،منهم: "عم على" من "آل رشم" من عشيرة "قفعن"، و "موهم ذ ذرحن"، أي "موهب ذو ذرحان". و "غوث ايل" من "آل بيحان" "بيحن". و "شهر يجر"، و "ذران، "ذرءان".، و "اب على بن شحز"، أي "أبو على" من قبيلة "شحر". وكل هؤلاء الذين أرخ بهم هم من قتبان.
ومن الاسر التي أرخ بأيامها اسرة "نبط"و "مبحظ" و "حظفرم كبر خلل" "حزفر كبير خليل" و "حذمت" و "فضحم".
كا تجمعت لدينا أسماء عدد من الأشهر في اللهجات العربية الجنوبية المختلفة، تحتاج إلى دراسة لمعرفة ترتيبها بالنسبة للمواسم والسنة. ويظهر انهم كانوا يستعملون احيانا مع التقويم الذي يؤرخ بحكم الرجال، تقويما آخر هو التقويم الحكومي، وتختلف اسماء شهور هذا التقويم عن أسماء شهور التقاويم التي تؤرخ بالرجال.

(1/5096)


وقد تغير الحال في كتابات المسند منذ سنة "115" قبل الميلاد، على رأي غالبية الباحثين، أو السنة "109" على رأي "ريكمنمس"، اذ أرخت بتقويم ثابت أرخت بموجبه إلى قبيل الإسلام. مبدأه سنة سقوط حكومة سبأ وتكوين حكومة "سبأ وذي زيدان"، على رأي بعض علماء العربيات الجنوبية، فأرخ بهذا الحادث، ولا سيما في الكتابات الرسمية المتأخرة. ويرى "بيستين" أن مبدأ هذا التقويم غير مضبوط، وأن مبدأه فيما،بين السنة 118 - 0 1 1 قبل الميلاد. ويرى أيضا أن العرب الجنوبيين لم يؤرخوا به في هذا العهد، لأن النصوص التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد كانت لا تزال تؤرخ بالتاريخ القديم، أي بالتواريخ الغير الثابتة، مثل التأريخ بأيام الملوك والكبراء والكهنة وأمثالهم، فلو كانوا يؤرخون به لما أهملوه. ويرى انهم انما أرخوا به بعد ذلك، في حوالي القرن الثالث للميلاد.
وقد ساعدنا هذا التقويم على تثبيت تواريخ عدد من النصوص أرخت بموجبه، وعلى معرفة تأريخ هذه الحقبة التي أرخت بها. ولكن النصوص المؤرخة قليلة العدد، ثم إننا لا نملك نصا واحدا منها من ابتداء العهد بالتأريخ به، كذلك لا نملك نصوصا مؤرخة يعود عهدها إلى قبل الميلاد، أو إلى القرن الأول أو الثاني منه، وأقدم نص مؤرخ بهذا التقويم، هو النص الموسوم ب CIH 46، وتأريخه سنة "385" من هذا التقويم، وهو يساوي السنة "0 27" أو "276" للميلاد. وهو من ايام الملك "يسرم يهنعم" "ياسر يهنعم" ملك سبأ وذي ريدان وابنه "شمر يهرعش". ويراد بهما "ياسر يهنعم" الثاني و "شمر يهرعش" الثالث على رأي "فون وزمن". ونص آخر للملك "ياسر يهنعم"، تأريخه سنة "274" أو "0 28" للميلاد. والنصى الموسوم ب MM 150=CIH 448 وهو يساوي سنة "1 28" أو "287" بعد الميلاد.

(1/5097)


وهناك نصوص مؤرخة أخرى من أيام الملك "شمر يهرعش"، ونصوص من بعد أيامه حتى أيام تملك الحبشة لليمن. أما بعد أيام الحبشة في اليمن، أي أيام استيلاء الفرس عليها ثم أيام دخولها في الإسلام، فلم يصل الينا منها نص، لا مؤرخ ولا غير مؤرخ.
وآخر هذه النصوص المؤرخة، هو النص الموسوم بCIH 525، وتاريخه سنه - "669" من التأريخ الحميري، وهو يقابل سنة "554" للميلاد. ويمكن أن نقول إن هذا النص هو آخر نص مؤرخ عثر عليه لا في المسند وحده، يل في كل اللهجات العربية الأخرى، وهو أقرب تلك الكتابات عهدا بالإسلام. ويلاحظ إن بعض الكتابات المؤرخة تذكر لفظة "بورخ" أو "ورخسن" "ورخ"، ثم تذكر بعدها اسم الشهر الذي أرخ النص به، ثم عدد السنين بالنسبة للتقويم. ويراد بها معنى "شهر"، و ذلك كما في هذه العبارة: "ورخس ذو سحر.."، أي "في شهر ذو سحر.."، و "بورخ ذو خرف.."، أي "بشهر ذو الخريف 00"، أو "بورخ ذ معن"، أي "بشهر في معان.." "بشهر ذي معين"، "بشهر ذي معون"، وهناك كتابات مؤرخة استعملت لفظة "ورخهو" بمعنى "وتأريخه". كما في هذه الجملة: "ورخهو ذ لثني وسثي وسث ماثم"، أي "وتاريخه لسنة اثنين وستين وست مئة"، وبعبارة أوضح: "وتأريخه لسنة اثنين وستين وست مئة".. فاستعملت لفظة "ورخهو" اذن،، بالمعنى العلمي الذي نستعمله اليوم حين نؤرخ عهودنا ووثائقنا، فتقول: "أرخت ب.." أو "تأريخها.." وترد لفظة "خرفن"، أي سنة قبل عدد السنن في بعض النصوص، مثل: "خرفن ذ لثلئت واربعي وخمس ماتم"، ومعناها: "السنة الثالثة والأربعين بعد الخمس مئة، وقد تلحق لفظة "خرفتم"، بعد عدد السنين. كما في هذا المثال: "ورخهو ذ حجتن ذل اربعي وسث ماتم خرفتم". ومعناه: "تأريخه أو شهره ذو الحجة لأربع وستمائة سنة". وتقابل هذه السنة سنه "489" أو "495" للميلاد.

(1/5098)


ويلاحظ أن النصوص السبئية المؤرخة قد أرخت بتقويمين: تقويم عرف ب "خريفتم بن خريف نبط"، "خرفتم بن خرف نبط"، أي ب "سنين من سنة نبط"، ومعناه أن هذه السنين المذكورة، هي وفقا للتقويم الجاري على سني "نبط"، أو تقويم "نبط"، وتقويم آخر قدرت السنين فيه وفقا لسني "مبحض بن ابحض"، "ذ بخرفن ذل بن خرف مبحض بن ابحظ"، ويشير ذلك إلى وجود مبدأين للتأريخ عن السبئين: التأريخ بتقويم "نبط"، والتاريخ بتقويم "مبحض بن أبحض". و ذلك في الكتابات التي تعود إلى القرن الثالث ونهايته لما بعد الميلاد. كالكتابات التي تعود إلى أيام "ياسر يهنعم" و "شمر يهرعش"، أما الكتابات المتأخرة، فقد اختفت منها هاتين التسميتين، ويظن انهم اخلوا بالتأريخ بتقويم "مبحض" ولذلك اهملوا الاشارة إلى الآسم. لأنه كان معلوما عندهم. ويرى "بيستين" إن الفرق بين التقويمين هو قرابة نصف قرن أو ثلألة أرباع قرن.
وأسلوب التوريخ في النصوص السبئية المتأخرة هو أن تذكر لفظة "ورخن" أولا، ثم اسم الشهر من بعده، ثم السنة، كان تقول: "ورخهن ذ مذرن ذل 316 خرفتم بن خرف نبط"، أي "وبشهر ذ مذران ل 6 31 سنة من سنة نبط"، أو "وبتاريخ ذ مذران من سنة 316 من سني نبط"، أو مثل "ورخهو ذ داون ذ لخرفين ذل اربعت وسبعى وخمس ماتم"، أي "وشهره ذ داوان للسنين التي هي 574"، أو "وتاريخه ذ داوان للسنة 574"، ومثل: "خرفن ذل ثلثت واربعى وخمسمس ماتم"، أي "سنة 543"، ومثل: "وخرفهو ذ حجتن ذل اربعى وسث ماتم خرفتم"، أي "وشهره ذو الحجة لأربعين وستمائة سنة"، أو "وتأريخه ذو الحجة الموافق ل 640 سنة مضت"، ومثل: "وخرفهو ذل ثنى وسثى وسث ماتم"، أي "وتأرنحه لاثنين وستين ومائة".
ومن الغريب إن أهل الأخبار قد أغفلوا الاشارة إلى هذا التقويم فلم يذكروا عنه شيئا، ولم يشيروا إلى أن العرب الجنوبيين كانوا يؤرخون به، مع أهميته وكونه تقويما رسميا.

(1/5099)


هذا، وان في استطاعتنا القول بان اليمن لم تسر رجما على التقويم العبراني أو التقويم النصراني، حتى في أيام احتلال الحبش الأخير لليمن، أو في أيام استيلاء الفرس عليها، و ذلك بدليل توربخ أبرهة عامل الحبشة على اليمن، وهو نصراني، نصوصه بالتقويم اليماني المستعمل في اليمن الذي تحدثت فيما سلف عن مبدئه، مع أنه حاكم اليمن وممثل الحبش فيها وهو نصراني. وبدليل توريخ عدد من كابات المسند المتأخرة من عهد لا يبعد كثيرا عن الإسلام بهذا التقويم. وليس بالتقويمين المذكورين،أو بأي تقؤيم آخر من التقاويم المستعملة عند الشرقيين.
ولكن ما أذكره لا يعني بالطبع عدم احتمال توريخ يهود اليمن أو نصاراها او غيرهم بتقويم أخرى، مثل التقويم العبراني او الميلادي، أو غيرهما. وما اقوله هو عن التقويم الرسمي المدون في المسند، وربما سيعثر في المستقبل على نصوص تعود إلى عهد احتلال الحبش، لليمن، يرد فيها التاريخ بأيام الحبش فيها، أو بالتاريخ الرسمي الذى كان يتبعه الأحباش في مملكتهم.
أما العرب الشماليون، عرب العراق وبادية الشام وبلاد الشام، فلم يرد الينا من نصوصهم المؤرخة إلا عدد محدود، منها نص النمارة الذي يعود عهده إلى السنة "328" للميلاد. وهو مؤرخ بتقويم بصرى، وبصرى مركز مهم، كان يقصده عرب الحجاز للاتجار وقد وصل إليه النبي، وكان عرب هذه المنطقة يؤرخون به. ويبدأ هذا التقويم بدخول بصرى في حوزة الروم سنة "105" أو "106" للميلاد، أي السنة التي تم فيها القضاء على حكومة النبط والحاق "بترا" ب "الكورة العربية".
ولهذا فإذا اردنا تحويل سنة من السنين الني أرخ بها وفقا لتقويم بصرى، قعلينا اضافة الرقم "105" أو "106" على سني تقويم بصرى، فيكون حاصل الجمع السنة وفقا للتقويم الميلادي تقريبا. فتأريخ نص النمارة هو سنة "223" من تقويم بصرى، وقد أضفنا إليه الفرق وهو "105"، فصار الحاصل "328"، وهو ما يقابلها من سني الميلاد.

(1/5100)


وقد أرخت كتابة "حران" اليونانية بسنة أربع مئة وثلاث وستين من الأندقطية الأولى، وهي تقابل سنة 568للميلاد، والأندقطية هي دائرة ثماني سنين عند الرومانيين، وكانت تستعمل في تصحيح تقويم السنة. أما النص العربي فقد أرخ بسنة "463"، بعد مفسد خيبر بعام. ويراد بجملة: "بعد مفسد خيبر بعم"، غزوة قام بها أحد أمراء غسان أو غيره لخيبر، و ذلك في رأى الأستاذ "ليتمان". وعندي أن السنة "463"، التي أرخ بها النص العربي، هي من سني تقويم بصرى، بدليل اننا لو أضفنا إليها الرقم "105" المذكور، صار الحاصل "568"، وهو كناية عن سني الميلاد، المقابلة لسني بصرى. وعلى ذلك يكون تدوين هذا النص قد تم بعد غزو خيبر بعام، لكي لن هذا للغزو قد وقع س!نة "567" للميلابر، وقد كان "لطلرث بن جبلة" يحكم "غسان" آنذاك، فتصدق رواية "ابن قتيبة" حينئذ التي تذكر انه غزا خيبر، وسبا أهلها ثم أعتقهم بعدما قدم الشام.
وقد استعمل التقويم الذي يؤرخ بحكم "الاسكندر" تقويما عند اليونان وفي بلاد الشام، وعند عرب بلاد الشام أيضا. ومبداه الأول من شهر نيسان لسنة "311" قبل الميلاد، وتجد أثر التاريخ بهذا التقويم في الروايات التي يرويها أهل الأخبار عن عرب بلاد الشام والعراق. وقد بقي الناس يؤرخون به إلى آن حل التقويم الميلادي محله، فنسي ذلك التقويم. وذكر "المسعودي" أن ما بين الاسكندر إلى المسيح ثلثمائة سنة وتسع وستون.

(1/5101)


وقد كان الصفويون مثل غيرهم يؤرخون بالحوادث التي يكون لها شأن عندهم" مثل حروبهم بعضهم مع بعض، أو حروبهم مع غيرهم مثل النبط أو الروم. وقد أرخ بعضها بحوادث ذات صفة خاصة وعائلية، مثل "سنة قتله خاله"، أو "سنة وفاة والده". وهي حوادث لا يمكننا الاستفادة منها في استنباط تأريخ منها، لأننا لا نعرف من امرها شيئا. غير أن هنالك نصوصا مؤرخة أفادتنا بعض الإفادة في الوقوف على التوقيت عند الصفويين. ففي نص لرجل اسمه "انعم بن فخش"، ما يفيد أنه استولى على غنائم "سنة الحرب مع النبط". ويقصد بسنة الحرب مع النبط، السنة الي قضى فيها الرومان على مملكة النبط، وهي سنة "105" أو "106" للميلاد. وقد صارت هذه السنة مبدءا للتأريخ في "بصرى"، وعند العرب الصفويين.
ولدينا نص صفوي آخر، أرخ ب "سنت حرب همدى ال روم"، أي "سنة محاربة الميديين الروم"، أو "سنة حرب الميديين الروم". ويرى "ليتمان" انه قد توصل إلى ضبط تاريخ هذه الحرب. وهناك نص أرخ ب "سنت قتل ال حمد"" ويطن انه يشير إلى معركة دارت على قبيلة تسمى "آل حمد". وصاحب النص رجل من قبيلة تسمى "الرحبة"، ولا زال الأعراب يؤرخون بأيام قتالهم بعضهم مع بعض.

(1/5102)


ونحن لا نعلم اليوم كيف كان يؤرخ أهل الحيرة أو الغساسنة، لعدم ورود نصوص مدونة عن ذلك سوى ما ذكرته من نص النمارة المؤرخ بموجب تقويم بصرى. ولا أستبعد احتمال استعمال أهل الحيرة التقاويم العراقية أو الفارسية التي كانت شائعة عندهم في ذلك العهد أساسا للتاريخ. وقد يكون من بينها التقوم النصراني بالنسبة للنصارى، وينطبق ذلك على نصارى الغساسنة ايضا، كما لا أستبعد استعمال الغساسنة لتقويم الروم. وللتقاويم العربية المألوفة التي تستعمل الأساليب المحلية في تثبيت التواريخ. ويظهر من تاريخ "ابن الكلبي،" لحوادث الحيرة وعرب العراق بتقويم الساسانيين لتواريخ ملوكهم، إن أهل الحيرة كانوا قد دونوا تواريخهم بموجبها، ولكن هذا لا يمنع من احتمال اخذ ابن الكلبي أقواله في تواريخهم من تواريخ الفرس ومن رواتهم رأسا، فلا يكون عندئذ ذكره لتواريخهم. دليلا على تأريخ أهل الحيرة بتقويم الفرس.
ويروي اهل الأخبار أن العرب كانوا يؤرخون بالحوادث العظام التي تحدث لهم، من ذلك عام الخنان. وهو عام وقع فيه كما يقولون مرض خطير عضال فتك بالناس وبالإبل، فأرخوا به، ورووا في ذلك شعرا للنابغة الجعدي. وقد وقع زمن الخنان في عهد المنذر بن ماء السماء، وماتت الابل منه، فصار ذلك تأريخا لهم. ويظهر أنه كان وباء فتك بالناس وبالإبل، وانتشر في العراق وفي نجد، فأرخ به لأهميته بالنسبة لهم، والتاريخ بالأوبئة شيء مألوف، وأهل بغداد كانوا يؤرخون بطاعون وقع عندهم في عهد العثمانيين وقبل الحرب العالمية بسنوات ولا زال الشيبة يؤرخون به.

(1/5103)


وكان أهل مكة يؤرخون بما يقع عندهم من أحداث جسيمة، فإذا أرخوا بحادث ومضى عهد عليه، ووقع لهم حادث آخر أكثر أهمية وشعبية منه، ارخوا به. فتوالت لهم عدة تواريخ، نسخت بعضها بعضعا، فأرخوا كما يذكر أهل الأخبار بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن لحي، وهو الذي يقال انه بدل دين إبراهيم، وحمل من مدينة البلقاء صنم هبل.، وعمل اسافأونائلة، و ذلك كما يقال في زمن "سابور ذي الأكتاف". وأرخوا بعام موت كعب بن لؤي إلى عام الغدر، وهو الذي نهب فيه بنو يربوع ما أنفذه بعض ملوك حمير إلى الكعبة من الكسوة، ووثب بعض الناس على بعض في المواسم. ثم ارخوا بعام الغدر إلى عام الفيل الذي أرخوا به. قال "الجاحظ": "ومن الخطباء القدماء كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب عامة، ويحض كنانة على البر، فلما مات اكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل.
وذكر "اليعقوبي". أن قريشا كانوا يؤرخون بالسنين، يؤرخون بموت "قصي" لجلالة قصي عندهم، فسنة وفاته هي مبدأ تأريخهم إلى أن كان عام الفيل، فأرخوا به لاشتهار ذلك العام.
وذكروا أنهم أرخوا بعام وفاة هشام بن المغيرة المخزومي"وهو والد أبي جهل، وكان من رؤساء بني مخزوم، وله صيت عظيم بمكة، كما كان سيد قريش في زمانه. وقد مات بالرعاف، ذكر أنه كان آخر من مات به من سادة قريش. وزعموا أن الرعاف من منايا "جرهم" أيام جرهم، وأنه أهلكهم، فأرخوا به. قال بشير بن الحجير الإيادي: ونحن إياد عباد الإله ورهط مناجيه في سلم
ونحن ولاة حجاب العتيق زمان الرعاف على جرهم
وورد "زمان النخاع" في موضع "زمان الرعاف"، وهو داء أيضا، زعم أنه فتك بجرهم، فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشبان. فهو وباء أيضا زعم أن الناس أرخوا به.

(1/5104)


وأرخوا بعام الفيل، بقوا يؤرخون به إلى أن أرخ بالهجرة. وقد ترك الحادث أثرا مهما في ذاكرة قريش، ولهذا ذكروا به في القرآن، حتى يتعظوا به. ويجعلون عام الفيل في الثانية والأربعين من ملك كسرى أنو شروان، وقبل ولاية النعمان بن المنذر المعروف ب "أبي قابوس" بنحو من سبع عشرة سنة، وهي احدى وثمانين وثمانمائة لغلبة الاسكندر على دارا، وهي سنة الف وثلاثمائة وستة عشر لابتداء ملك بخت نصر. وهو العام الذي ولد فيه الرسول على،أغلب الروايات، وأرخت قريش بيوم الفجار وبحلف الفضول.
وكانوا يسمون السنين بالحوادث الخطرة الجليلة الني تقع فيها. وقد فعل ذلك المسلمون أيضا في صدر الإسلام، فسموا كل سنة مما بين الهجرة والوفاة باسم مخصوص بها مشتق مما اتفق فيها للنبى. فسموا السنة الأولى للهجرة سنة الأذن، والثانية سنة الأمر بالقتال، والثالثة سنة التمحيص، والرابعة سنة الترفئة، والخامسة سنة الزلزال، والسادسة سنة الاستئناس، والسابعة سنة الاستغلاب، والثامنة سنة الاستواء، والتاسعة سنة البراءة، والعاشرة سنة الوداع،فكانوا يستغنون بذكرها عن عددها من لدن الهجرة.

(1/5105)


أما الأعراب، فتواريخهم برئاسة ساداتهم، وبالأحداث التي تقع لهم من أفراح وأتراح، ومن غزو أو نكبة، وبالعوارض الطبيعية، مثل سقوط مطر غزير، لو انحباسه مدة طوبلة، او هزة أرضية، أو ظهور جراد، أو وقوع وباء، وما اشبه ذلك من أمور، وهم على هذا النوع من التأريخ حتى اليوم. وليس في الذي رواه أهل الأخبار عن أهل للجاهلية ما يشير إلى وقوف العرب على كتب في التأريخ يونانية أو لاتينية أو سريانية أو عبرانية، أو على معربات لها. وليس في كل الذي ذكروه اسم مؤرخ من المؤرخين الذين نجلتهم الشعوب المذكورة، غير إن هذا لا يمكن أن يكون دليلا على عدم وقوفهم على تواريخ تلك الأمم وأخبارهم، ففي القصص المنسوب إلى الجاهليين، قصص يدل على انه مأخوذ عن تلك الأمم مستورد منها ثم إن أهل الأخبار ألعجم أشاروا إلى نفر ذكروا عنهم انهم نظروا في كتاب الأساطير ورووا منها أخبار العجم، والى نفر ذكروا عنهم انهم نظروا في الكتب القديمة وحذقوا لغات أهل الكتاب، ورووا في شعرهم أو في كلامهم شيئا مقتبسا من قصص أهل الكتاب، يضاف إلى ذلك وجود الكنائس والنصرانية في بلاد العرب. والتاريخ، ولا سيما تأريخ الكنيسة موضوع مهم من الموضوعات التي استعان بها المبشرون ورجال الدين في الوعظ والارشاد. ولا يستبعد أن تكون كتب التأريخ التي كتبها أباء الكنيسة، مثل "أوسييوس القيصري" وأمثاله، في جملة الكتب التي لأتعالت بها الكنيسة لأفهام الناس تأريخها وتطورها وتطور العالم على نص ما دونوه بالاستناد إلى التوراة و الانجيل.
الفصل الخامس والثلاثون بعد المئة
اللغات السامية

(1/5106)


اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وهي التي يقال لها اللغة العربية الفصحى وكذلك سائر لهجات العرب الأخرى، هي فروع من مجموعة لغات عرفت عند المستشرقين ب "اللغات السامية". وقد أولع بعض المستشرقن بدرس هذه اللغات، فألفوا فيها كتبا وابحاثا، وأنشأوا مجلات عدة تفرغت لها، وما زالوا يسعون في توسيعها وتنظيمها وتبويبها، وقد عرفت دراساتهم هذه عندهم بالساميات، "Semitistik". وهي تتناول بالدرس كل اللغات التي يحشرها علماء الساميات في مجموعة اللغات السامية: تتناولها بغض النظر عن وجود اللغة أو عدمه في هذا اليوم، فالبحث علم، والعلوم تبتغي المعرفة دون قيد بزمان أو مكان.
وينفق علماء الساميات مجهودا كبيرا في المقارنة بين اللغات السامية وفي معرفة مميزات كل لغة، وما بينها وبين اللغات الأخرى،من فروق أو تطابق أو تشابه، ومجال بحثهم في تقدم وتوسع، خاصة بعد أن أخذ هؤلاء العلماء بأساليب البحث الحديثة التي تعتمد على الفحوص والاختبارات والملاحظات والنقد.
وقد جاءت نظرية "اللغات السامية" من التسمية التي أطلقها "شلوتسر""Shlozer" على العبرانيين والفينيقين، والعرب والشعوب المذكورة في التوراة على انها من نسل "سام بن نوح". ولم تقم نظرية التوراة في حصر اولاد سام على اساس عرقي، بل بنيت على عوامل جغرافية وسياسية، ولهذا أدخلت العيلاميين واللوديين " Lud" في أبناء "سام"، مع أنهما ليسا من الساميين، ولا تشابه لغتهما لغة العبرانيين.

(1/5107)


والقرابة بين اللغات السامية واضحة وضوحا بينا، وهي أوضح وأمتن وأوثق من الروابط التي تربط بين فروع طائفة اللغات المسماة باللغات الهندواوروبية " Indoeurpaichen"، أو الهندوجرمانية"Indogermanischen"، على حد تعبير بعض العلماء. وقد أدرك مستشرقو القرن السابع عشر بسهولة الوشائج التي تربط بروايط متينة ما بين اللغات السامية، وأشاروا إليها، ونوهوا بصلة القربى التي تجمع شملها. بل لقد سبقهم إلى ذلك علماء عاشوا قبلهم بمئات السنين هداهم ذكاؤهم وعلمهم إلى اكتشاف تلك الوشائج والى التنويه بها. فقد تحدث عالم يهودي اسمه: "يهودا بن قريش" " Jehuda ben Koraish".، وهو ممن عاشوا في أوائل القرن العاشر، عن القرابة التي تجمع بين اللغات السامية، وعن الخصائص اللغوية العديدة المشتركة بين تلك الألسن، كما أبدى ملاحظات قيمة عن الأسس اللغوبة التي تجمع شمل تلك اللغات.
والأساس الذي بني عليه رأي العلماء في حشر من يرون حشره في عائلة الساميات، أو إخراج من يرون اخراجه منها، هو قرب لغة من يرون فحصه لترشيحه لعضوية تلك العائلة من اللغات السامية، أو بعد لغته عنها، ثم قرب عقلية من يرون إدخاله في السامية من العقلية العامة التي رسمت حدودها لعقلية الساميين، من دين وأساطير وحياة اجتماعية وأدب ونحو ذلك مما يحد عقليات الناس. وبهذه الطريقة يبحث العلماء اليوم موضوع الساميات.

(1/5108)


وقد حملت الخصائص المشتركة والألفاظ المهمة الضروربة لشؤون الحياة الي ترد في كل اللهجات السامية بض العلماء على تصور وجود لغة أم، في الأيام القديمة، تولدت منها بعوامل مختلفة متعددة مجموعة "اللغات السامية". ويؤدي تخيل وجود هذه الأم إلى تخيل وجود موطن قديم للساميين كان يجمع شملهم، ويوحد بين صفوفهم، إلى أن أدركتهم الفرقة لعوامل عديدة، فاضطروا إلى الهجرة منه إلى مواطن جديدة، والى التفرق،فكانت هذه الفرقة إيذانا بتبلبل ألسنة البايليين وسببا إلى تفرق ألسنتهم وظهور هذه اللغات.
ولا يعني تصور وجود لغة سامية أم " Ursemitish"على رأي بعض العلماء ضرورة وجود لغة واحدة بالمعنى المفهوم من اللغة الواحدة، كانت أما حقيقية لجميع هذه اللغات البنات. بل الفكرة في نظرهم مجرد تعبير قصد به شيء مجازي هو الإفصاح عن فكرة تقارب تلك اللغات وتشابها، واشتراكها في أصول كثيرة اشتراكا يكاد يجمعها في أصل واحد، ويرجعها إلى شجرة واحدة هي الشجرة الأم فالسامية الأولى أو السامية الأم، أو السامية الأصلية، هي بهذا المعنى تعبير مجازي عن اقدم الأصول المشتركة التي جمعت بين اللهجات السامية القديمة في الأيام القديمة، أيام كان المتكلمون بها يعيشون في امكنة متجاورة وفي اتصآل وتقارب عبر عنه بفكرة النسب المذكور في التوراة.

(1/5109)


وليس من السهل علينا إن نتصور كيف كانت اللغة السامية الأولى. ولكننا لا نستطيع بسبب قدم زمان هذه اللغة إن كانت هناك لغة سامية أولى وبسبب الأحوال البدائية التي كانت تحيط بالمتكلمين بها شأن البشرية جمعاء في ذلك العهد ولقلة مستلزمات المعيشة يومئذ وانخفاضها - أن نتصور أن هذه اللغة كانت واسعة جدا بمفرداتها غنية بمسمياتها، وفي قواعد صرفها ونحوها وفي أساليب بيانها، لأن ما نذكره لا يمكن أن يتوفر إلا في مجتمع متطور متقدم، وإلا بعد تطور استمر أمدا طويلا، ولم يكن الساميون الأولون في ذلك العهد على درجة كبيرة من التطور والتقدم، حتى تكون لغتهم الأولى على نحو ما نذكره من اتساع وارتقاء. وتسوقنا إشارتنا العابرة هذه إلى السامية الأم إلى الإشارة إلى الوطن السامي الأول الذي عاش فيه الساميون. أيام اجتاعهم وتكتلهم في وطن واحد، وأيام تكلمهم بلسان واحد أو بألسنة متقاربة متشابهة، يفهم أحدهم الآخر بيسر وسهولة. ثم عن الأيام التي نزلت فيها المكاره على أولئك الساميين القدماء فاجبرتهم على ترك ذلك الوطن في دفعات وفي هجرات متعددة والارتحال عنه إلى مواطن أخرى جدبلة.
وقد اختلف العلماء في تعيين الموطن الأصلي للساميين، وذهبوا في ذلك مذاهب، يخرجنا الحديث عنها عن صلب موضوعنا هذا. والمفروض في هذا ألوطن أن يكون المهد الأول الذي ضم الشعوب السامية، والمكان الذي اتصلت فيه تلك الشعوب بعضها ببعض، الأثر الذي تراه في اللغة وفي الدين وفي النواحي العقلية وما شاكل ذلك.

(1/5110)


وبما إن من غير الممكن التعرف على اللغة السامية الأم، لأن الكتابة لم تكن معروفة في ذلك العهد، فكر المستشرقون في دراسة أقرب اللغات السامية إلى الأصل، فذهب بعضهم إلى أن العبرانية هي أكثر تلك اللغات شبها بالسامية الأولى، وهي لذلك أقرب بنات سام إليها. وذهب آخرون إلى تقديم لغة بني إرم على غيرها جاعلين إياها البنت الأولى التي اجتمعت فيها الخصائص السامية الأصلية أكثر من اجتماعها في أية لغة أخرى، ولهذا استحقت في رأيهم هذا التكريم والتقديم. وذهب آخرون إلى تقديم العربية على سائر اللغات الأخرى، لمحافظتها أكثر من بقية اللغات السامية على الخصائص السامية الأولى وعدم تنصلها منها وتركها لها. كالذي نراه من استعمالها للمقاطع القصيرة الصامتة ومن كثرة تعدد قواعدها التي زالت من قواعد بقية اللغات. غير إن هذه الامتيازات والحصانات التي تتمتع بها هذه اللغة، يقابلها من جهة أخرى مميزات في العربية لانجدها في اللهجات السامية الباقية، مما يبعث على الظن انها طرأت عليها فيما بعد، وأن اللغة العربية قد مرت بأدوار تطورت فيها كثيرا، والتطور هذا معناه ابتعاد هذه اللغة عن الأصل. ثم اننا نجد في العبرانية وفي لغة بني إرم قطعا من الكلام قديما جدا لا نجد له مثيلا في العربية، وهذا مما يدعو إلى حسبان اللغتين المذكورتين أقدم عهدا من اللغة العربية. غير اننا لا نستطيع مع كل ذلك أن ننكر أن معرفتنا وإحاطتنا باللغة العربية. لا تكاد تدانيها معرفتنا وإحاطتنا ببقية اللغات السامية. ومن هنا صارت اللغة العربية بلهجاتها المتعددة حقلآ مهما لإجراء التجارب والاختبارات في ميدان مقارنات اللغات السامية ودراستها، فيه من الامكانيات والقابليات ما لا نجده في بقية الحقول.

(1/5111)


وقد ذهب "نولدكه" إلى أن من الضروري، في دراسة مقارنات اللغات السامية البدء باللغة العربية، وذلك بأن نأخذ في تسجيل خصائصها ومميزاتها وقواعدها وكيفية النطق بألفاظها وما إلى ذلك، ثم نقارن ما سجلناه بما يقابله في بقية اللغات السامية، لنقف بذلك على ما بين هذه اللغات من مفارقات ومطابقات. ولا بأس في رأيه من الاستعانة باللهجات الحالية أيضا، لأنها مادة مساعدة جدا ومفيدة كثيرا في الكشف عن خصائص اللغات السامية.وعن مميزاتها وتطورها في مختلف العصور. وفي رايه إن دراسة من هذا النحو ليست بالأمر اليسير، فإنها تتطلب جلدا وعلما وإحاطة بالغات السامية كلها وبآثارها القديمة، وأن يقوم بها علماء لغويون متخصصون، على جانب كبير من العلم والذكاء. والاحاطة بالساميات.
وليس بين اللغات السامية لغة واحدة تستطيع أن تدعي انها سامية صافية نقية، وانها لم تتأثر قط باللغات الأخرى التي تنتمي إلى مجموعات لغوية غير سامية، وقضية صفاء لغة ما من لغات العالم وخلوها من الألفاظ والكلمات الغريبة، قضية لا يمكن أن يقولها رجل له إلمام بعلوم اللغات ولو يسيرا جدا. واذا كانت اللغات السامية قد تأثرت باللغات الأخرى بسبب اختلاط الشعوب واتصال ألسنتها بعضها ببعض نتيجة ذلك الاختلاط، فإن من الطبيعي أن تكون اللغات السامية قد أثرت بعضها في بعض، ولهذا نجد في كل لغة من اللغات السامية ألفاظا أخذتها من لغة ما من لغات أبناء سام.

(1/5112)


وخير ما يمكن أن نفعله الآن في موضوع اللغة السامية وأقرب اللغات السامية إليها، هو إن نقوم باستخلاص القديم المشترك من كل اللغات السامية، ثم نكون من هذا المجتمع لغة نعدها أقرب اللغات السامية صورة إلى اللغة السامية الأولى. وتعد الضمائر وأسماء العدد وأسماء أعضاء الجسم الأساسية المهمة وجملة ألفاظ تخص الحياه الانسانية الأساسية، مثل بيت وسماء وأرض وجمل وكلب وحمار وعدد من، حروف الجر، من جملة القديم المشترك في جميع اللغات السامية أو في أكثرها، وهو لذلك يفيدنا من هذه الناحية كثيرا في تكوين فكرة عن اللغة السامية القديمة وعن اقرب اللغات السامية إلى الأصل.
ويقسم علماء الساميات اللغات السامية إلى قسمين: لغات سامية شمالية، ولغات سامية جنوبية. ويقسم بعض العلماء اللغات السامية الشمالية إلى مجموعتين: مجموعة شرقية، ومجموعة غربية. ويقصدون بالمجموعة الشرقية اللغات السامية المتركزة في العراق، ويقصدون بالمجموعة الغربية اللغات السامية المركزة في بلاد الشام.
وقد تأثرت كل مجموعة من المجموعتين بالمؤثرات اللغوية والحضارية للمكان التي عاشت فيه، ومن هنا حدب بعض الاختلاف بين الجماعتين.
ومن أهم الخصائص التي امتازت بها اللغات السامية همن غيرها من اللغات: اعتمادها على الحروف الصامتة " Consonant"="Konsonant"اكثر من اعتمادها على الاصوات "Vokale"="Vocal"، فنرى أن أغلب كلماتها تتألف من اجتماع ثلائة احرف صامتة. أما الأصوات، فلا نجد لها حروفا تمثلها في اللغات السامية. وهي بذلك على عكس اللغات الآرية التي اهتمت بالأصوات، فدونتها مع الحروف الصامتة.وقد اضطرت اللغات السامية نتيجة لذلك إلى الاستزادة من الحروف، فزادت في عددها عن العدد المألوف في اللغات الآرية، وأوجدت لها حروفا للتفخيم والترقبق وإبراز الأسنان والضغط على الحلق.

(1/5113)


ويتولد في اللغات السامية بن تغيير حركات الأحرف الثلاثية الصامتة وتبديلها، معان جديدة. ولهذا كان من أهم واجبات الأصوات في اللغات السامية تغيمير حركات الحروف لتوليد معان جديدة. فالأحرف الثلاثة الصامتة إذن هي التي تكون مفهوم الكلمة وهيكلها، ولكن مفاهيم هذه الأصول الثلاثية لا تبقى على حالها متى تغيرت حركات هذه الحروف. فكلمة "فعل" المؤلفة من ثلاثة أحرف صامتة، هى حروف الفاء والعين واللام، هي أصل، غير أن هذا الأصل غير ثابت. بل هو عرضة للتغيير،ويكون تغيره بتغيير حركات أحرفه، فإذا تغيرت حركات هذه الأحرف تغيرت معانيها حتما. فكل تغيير إذن في حركات أحرف الأصل يعقبه تغير في معنى ذلك الأصل. فلفظة "فعل"، تختلف في المعنى عن لفظة "فعل"، واللفظتان "فعل" و "فعل" تختلفان أيضا في المعنى عن معنى لفظة "فعل". وقد تولد هذا الاختلاف من تغير حركات حروف الأصل وتبدلها.
ومن الممكن إحداث معان جديدة في اللغات السامية، و ذلك بإضافة زوائد تتالف من حرف أو أكثر الى الأصول الثلاثية، فيتبدل بذلك معنى الأصل. فإذا أضفنا حرف الألف بين حرفي الفاء والعين من "فعل"، تغير المعنى، وصارت اللفطة "فاعل"، وإذا وضعنا حرف الواو بين حرفي العين واللام من فعل، تغير المعنى، وصارت اللفظة "فعول"، وهكذا.
فترى مما تقدم إن المعاني المشتقة من الكلمات ذات الأصل الثلاثي مهما تغيرت وتولدت نتيجة لتغيير حركات تلك الحروف الثلاثة الصامتة، فإنها لا تتنصل من هذه الحروف ولا تتركها، بل تبقى في صلب كل كلمة، مهما صار معناها. فكلمة "قتل" العربية مثلا المؤلفة من ثلاثة أحرف صامتة، يمكن أن نولد منها معاني جديدة، أي كلمات جديدة، بتغيير هذه الأحرف الثلاثة، أو بادخال زوائد عليها، أو بتشديد بعض حروفها كما ذكرت، غير اننا لا نستطيع أن نترك حرفا من هذه الأحرف الثلاثة التي هي الأصل.

(1/5114)


فألفاظ مثل قاتل، وقتيل، وقتال، ومقتول، وقتل، وقتل"، وقتل، وكلها مشتقة من الأحرف الصامتة الثلاثة: القاف والتاء واللام، لم نتمكن من الاستغناء عن حرف من هذه الأحرف الثلاثة، بل اضطررنا إلى ابقائها كلها فيها. إلا أنا أجبرنا على التفريق بينها بسبب دخول الزيادات.
وليس في اللغات السامية ادغام للكلمات، أي وصل كلمة بأخرى، لتكون من الكلمتين كلمة واحدة يكون لها معنى مركب من معنى الكلمتين المستقلتين كما في اللغات الآرية. وأما ما نراه من عد كلمتين مضافتين كلمة واحدة تؤدي معنى واحدا، فإن هذا النوع من التركيب بين الكلمتين شيء جديد في اللغات السامية، لم يكن معروفا عند أجدادهم القدماء. وهو معروف في اللغات الآرية، كما في حالة ال " Genitive"، في اللاتينية حيث تتولد معان جديدة باضافة لفظة إلى لفظة أخرى، فتتولد من هذا التعاقب دلالة جديدة لمعنى جديد.
هذا، ونجد أن بين اللغات السامية وبين اللغات الأرية اختلافات في كثير من الأمور، فاللفطة في اللغات السامية ذات مدلول عام، وقد يكون لها جملة مدلولات تدل على معان عامة مطلقة، أما اللغات الأرية، مثل السنسكريتية، واليونانية، والألمانية، فكل جذر فيها هو كلمة ذات معنى مقيد محدود، أخذت منه المصادر والنعوت. و هناك اختلافات أخرى في موضوع ال "Conjuctions" وال"Substansive" و ال" Syntax" وال "Interdependence of sentences"وغير ذلك من أمور يعرفها علماء اللغات والنحو والصرف.

(1/5115)


ويرى العلماء أن الفعل قد تطور في اللغات السامية تطورا خطيرا، استغرق قرونا طويلة، وان ما نعرفه من تقسيم الأفعال إلى ماض ومضارع وأمر،لم يكن معروفا على هذا النحو عند قدماء الساميين. ويرى بعضهم أن الصيغة الأصلية للفعل إنما كانت صيغة الأمر، فهذه الصيغة هي أقدم صيغ الأفعال عند الساميين. وقد كانت هذه الصيغة تستعمل للدلالة على جميع صيغ الفعل من الماضي وألمصارع والأمر، ثم تخصصت فصارت تشير إلى حدوث الفعل في صيغة الأمر، و ذلك بعد ظهور صيغتي المضارع والماضي.
ومن صيغة فعل الأمر، اشتق فعل المضارع. و ذلك بزيادة حرف على أول لفظة فعل الأمر، لتدل على حالة الإسناد إلى الفاعل أو الضمير مثلا. وقد سبقت هذه الزيادة الزيادة التي لحقت آخر الفعل، فمن فعل "قم" مثلا تولد الفعل "أقوم" و "يقوم" و "نقوم" و "تقوم" ثم يقومون وتقومون.
ومن علماء اللغات من يرى أن صيغة المضارع كانت أمدا تدل على جميع الأزمنة، وأن هذا الأداء كان مستعملا عند قدماء الساميين استعمال اللغة الصينية واللغة الهندوجرمانية الأصلية له.
ونجد اليونانية تغير معاني الفعل بإدخال حرف الجر عليه، فإذا دخل حرف جر على الفعل تغير معناه.
ويظن إن الكلمات المؤلفة من حرفين صامتين، أي الألفاط الثنائية الأصل مثل أب وأم وأخ ويد، كانت أقدم من الأفعال المشتقة من ثلاثة أحرف مثل فعل، صنع، أكل، ذهب، وأن الأفعال الثلاثية اقدم من الأفعال الرباعية. وقد ذهب بعض الباحثين الى إن الأفعال الرباعية المؤلفة من أربعة أحرف كانت مؤلفة في الأصل من حرفين اثنين، ثم تطورت بالاستعمال في خلال العصور الطويلة حتى صارت رباعية الأصل.

(1/5116)


وفي العبرانية صيغتان للفعل الماضي: الصيغة المألوفة للماضي، وصيغة ثانية مشقتة من المضارع مع إضافة واو العطف، وهي صيغة قديمة جدا. وهي موجودة في البابلية القديمة وفي الكنعانية العتيقة. ولعلها كانت صلة بين المضارع وبين الماضي. وليس لهذه الصيغة وجود في العربية الشمالية وفي العربية الجنوبية والحبشية وفي لغة بني ارم.
ويلاحظ إن العبرانية تشارك اللهجات العربية الجنوبية في أمور عديدة غير معروفة في عربية القرآن الكريم، كما توجد أوجه شبه بين ألفاظ حبشية وعبرانية".
وللدلالة على الجمع أستعملت العبرانية حرفا "بم" للمذكر، و "واو وتاء" للمؤنث. أما الارامية، فاستعملت حرفا "ين" علامة للجمع، وأما العربية فلستعملت "الواو والنون" للجمع المذكر السالم، و "الألف والتاء" في الجمع المؤنث السالم، وهناك جموع تكسير كثيرة كثرة لا نكاد نرى لها مثيلا في اللغات السامية الأخرى. و ذلك بسبب أن هذه الجموع هي في الواقع جموع وردت في لهجات عربية متعددة، وردت سماعا، فلما جمعها علماء العربية ودونوها في كتب اللغة والمعاجم، لم يشيروا إلى أسماء من كان ينطق بها، فظن انها جموع استعملت في هذه العربية التي نزل بها الوحي.
ومن أهم الإختلافات التي نراها بين اللغات السامية. اختلافها في التعريف. فبينما نرى بعض اللغات كالآشورية والبابلية والحبشية لا أداة للتعريف فيها، نرى العبرانية وبعض الهجات العربية مثل الثمودية واللحيانية تستعمل حرف ال "ه" أداة له، تضعه في أول الكلمة، وبينما نرى السبئية واللهجات العربية الجنويية الأخرى تستعمل أداة أخرى للتعريف هي حرف "النون"، تضعها في آخر الكلمة المراد تعريفها، نجد العربية الفصحى تستعمل "ال" أداة للتعريف، تضعها في اول الكلمة. وتشارك السريانية العربيات الجنوبية في مكان أداة التعريف، فمكانها عندها في نهاية الكلمة أيضا، غير أنها تختلف عنها في استعمالها أداة أخرى هي حرف ال "5" أي الواو.

(1/5117)


وقد درس بعض المستشرقين أوزان الأسماء في اللغات السامية، كما درسوا اشتقاقها وأصولها التي أخذت منها، وبحثوا في حالات التصغير أي في الأسماء المصغرة وطرق التصغير عند جميع الساميين، والأسماء البسيطة والأسماء المركبة، ليستخرجوا منها قواعد قدماء الساميين في كيفية تكوين الأسماء،ولا سيما تلك الأسماء التي ترد في جميع اللغات السامية، ففي اللغات السامية أسماء مشتركة ترد في كل اللغات، منها ما هو بسيط مؤلف من كلمة واحدة، ومنها ما هو مركب، أى أسماء. مؤلفة من أكثر من كلمه بطريقة الإضافة. ودراسة هذه الأسماء بأنواعها، تفيدنا كثيرا في الوقوف على العقلية السامية وعلى الخواص المشتركه التي كانت تربط بين السامين.
ونجد الإعراب في اللغة العريية الفصحى، ويذهب العلماء إلى أن الإعراب كان موجودا في جميع اللغات السامية، ثم خف حتى زال من أكثر تلك اللغات. ونرى له أثرا يدل عليه في العبرانية في حالتي المفعول به وفي ضمير التبعية، وفي السريانية والبابلية في ضمير التبعية فإن هاتين الحالتين تدلان على وجود الإعراب في أصولها القدقية.
ونجد العربية ذات حروف يزيد عددها على حروف اللغات السامية الأخرى. ولعل اللغات الأخرى كانت تملك حروفا أخرى، ثم قل، أستعمالها فزالت من أبجديتها، لم تبق لها حاجة بها. فالعبرانية لا تمتلك الحروف: "ذ"، و"ع"، و "ظ"، و "ض". والبابلية لا يمتلك أيضا الحروف: الجين والحاء والغين والهاء وهي من أحرف الحلق، ولا الأحرف: الطاء والظاء والصاد، وهي من احرف التضخيم والتفخيم، ولا القاف، ونجد يهود السامرة لا يستعملون حرف السين. وهناك أمثلة أخرى تثبت حدوث تطور في عدد الحروف في اللغات السامية، مما سبب حدوث اختلاف.في عددها،ولهذا حدث هذا الاختلاف الذي نراه ونلاحظه بين أبجديات تلك اللغات.
ونجد العربية الجنوبية تمتلك حروفا لا تمتلكها العربية الفصحى، وذلك بسبب اختلاف طبيعتي اللهجتين.

(1/5118)


ولا بد أن تكون هنالك عوامل عديدة دعت الى حدوث تغيير في عدد الحروف في لغات الساميين. وقد عزا بعض الباحثين سقوط الأحرف التي ذكرتها من الكتابة البابلية الى استعمال البايليين للكتابة المسمارية. غير أن هذا رأي يجب أن يدرس بعناية، وأن يكون مبنيا على دراسات عديدة أصيلة، ليكون في الامكان تكوين رأي صحيح في هذا الموضوع.
واللغة العربية اليوم، هي من أعظم اللغات السامية الباقية، بكثرة من يتكلم ويكتب بها، وبكثرة ما ألف ودون بها. وهي تستعمل اليوم قلما اشتق من قلم سامي شمالي، وكان لها في الماضي قلم قديم كان مستعملا عند العرب من أيام ما قبل الميلاد إلى ظهور الإسلام، مات بسب اتخاذ الإسلام القلم الجزم قلما للوحي، دون به القرآن الكريم، فصار بذلك القلم الشرعي الرسمي، وأمات بذلك الأقلام الجاهلية إلأخرى المشتقة من القلم "المسند". ونجد في المعاجم اللغوية مئات الألوف من الألفاظ المعبرة عن معان، وقد قدر بعض العلماء عدد ألفاظ العربية بنحو من "052 305 12" كلمة. ويعود سبب غناها في الألفاظ إلى كثرة وجود المرادفات فيها، التي هي من بقايا لغات قبائل، والى خاصية جذور الكلم فيها في توليد الألفاظ الجديدة بتحريك هذه الجذورر.
وهناك لهجات تستحق الدراسة، فهي من اللهجات السامية المتفرعة عن لهجات قديمة، وهي لهجات منبوذة لم يحفل بها علماء اللغة، مثل اللهجة "الأمهربة" واللهجة "الهرربة" لغة أهل "هرر". وهي من بقايا لهجات لم يعتن بها العلماء إلا منذ احتكاك الغربيين بالمتكلمين بها. ومع ذلك فلا تزال البحوث العلمية عنها قليلة.
الفصل السادس والثلاثون بعد المئة
العربية لسان آدم في الجنة

(1/5119)


رأى علماء العربية أن العربية قديمة، وهي في نظرهم أقدم من العرب أنفسم، فما كان أدم في الجنة كأن لسانه العربية، ولما عصى سلبه الله العربية فتكلم بالسريانية، فلما تاب رد الله عليه وعلى بعض أحفاده العربية. ونظرية إن السان الأول الذي نزل به آدم من الجنة كان عربيا، فلما بعد العهد وطال، حرف وصار سريانيا، وكان يشاكل اللسان العربي، إلا انه محرف، هو كان لسان جميع من في سفينة نوح إلا رجلا واحدا يقال له جرهم، فكان لسانه لسان العرب الأول، فما خرجوا من السفينة تزوج إرم بن سام بعض بناته، فمنهم صار اللسان العربي في ولده عوص أبي عاد وعبيل،وجاثر أبي ثمود وجديس، وسميت عاد باسم جرهم، لأنه كان جدهم من الأم، بقي اللسان السرياني في ولد أرفخشذ بن سام، إلى إن وصل إلى يشجب بن قحطان من ذريته وكان باليمن، فنزل هناك بنو أسماعيل، فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي.
وقد تحدث "المعري" على لسان "ادم" في موضوع لسانه، وما روى من شعر نسب إليه، فجعله يقول: "أبيتم إلا عقوقا وأذية، إنما كنت أتكلم بالعربية وأنا في الجنة، فلما هبطت إلى الأرض، نقل لساني إلى السريانية، فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكت، فلما ردني الله - سبحانه وتعالى - إلى الجنة، عادت على العربية، فأي حين نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة. وذلك ردا على من زعم أن آدم كان يعرف الشعر العربي، وقد نظم شعره بالعربية، ورووا له شعرا زعموا انه قاله لتأييد صحة دعواهم.
وقد نسب قوم من العلماء إلى ان لغة العرب، هي أول اللغات، وكل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفا أو اصطلاحا، واستدلوا بأن القرآن كلام الله هو عربي، وهو دليل على أن لغة العرب أسبق اللغات، ومنهم من قال: لغة العرب نوعان: أحدهما: عربية حمير، وهي التي تكلموا بها من عهد هود ومن قبله، وكانت قبل اسماعبل.

(1/5120)


والثانية: العربية المحضة التي نزل بها القرآن، وأول من أنطق لسانه بها اسماعيل، فعلى هذا القول يكون توقيف اسماعيل على العربية المحضة محتمل أمرين: أما إن يكون اصطلاحا بينه وبين جرهم النازلين عليه بمكة، وإما أن يكون توقيفا من الله.
والعربية المحضة هي العربية الخالصة، وهي العربية الأصيلة عربية اسماعيل، وقد نعتت بالعربية المتينة. قالوا: أول من فتق لسانه بالعربية المتينة اسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة،. روي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا: قرآنا عربيا لقوم يعلمون، ثم قال: الهم اسماعيل هذا اللسان اهاما". والعريية التي تكلم بها "اسماعيل" والتي نزل بها القرآن وما تكلمت يه العرب على عهد النبي، تختلف عن عربية حمير وبقايا جرهم، وذكر أن "عمر بن الخطاب"، قال للرسول: يا رسول الله ؛ مالك أفصحنا ولم تخرج من بين اظهرنا ? فقال رسول الله: كانت لغة بني اسماعيل قد درست فجاء بها جبريل عليه السلام فحفطنيها،فحفظتها.

(1/5121)


والعربية بعد، في اصطلاح ائمة العربية: العربية المتينة. أما عربية أهل اليمن: عربية أبناء قحطان فعربية أخرى، وعلى هذا فنحن أمام عربيتين: عربية قحطانية، وعربية غسنانية اسماعيلية. وبالعربية المتينة تكلم عرب الحيرة، كما يظهر ذلك من خبر دونه "الجاحظ" في كتابه "البيان والتيبين"، والطبري في تأريخه، فقد ذكر "الجاحظ" إن "خالد بن الوليد" سأل "عبد المسيح بن عمرو ابن قيس بن حيان بن بقيلة": "اعرب انتم أم نبط ? قال: عرب استنبطنا، ونبط استعربنا. قال: فحرب أنتم أم سلم ? قال: سلم"، أو انه قاله لهم: "وتحكم ما أنتم! أعرب ? فما تنقمون من العرب ! أو عجم ? فما تنقمون من الإنصاف والعدل! فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما نقول انه ليس لنا لسان إلا بالعربية". فلسان اهل الحيرة عربي، ليى لهم لسان سواه. بها كانوا ينظمون الشعر وبها كتبوا. فهذه العربية هي عريبة الحيرة. وعرب العراق.
وساير كثير من المستشرقين علماء العربية في تقسيم اللهجات العربية إلى:عربيتين: عريية جنوبية، هي العربية القحطانية. وهي عربية شمالية، هي عربية القبائل العدنانية. ولكل مجموعة لهجات محلية، لم تكن تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، موتتباين بونا في شاسعا، وانما أختلفت في امور بسيطة من الفروق اللسانية، بحيث لا نستطيع أن نضعها في مجاميع لغوية جديدة.
ومن الكتابات الجاهلية التي يعود عهد بعض منها إلى ما قبل الميلاد، حصل الباحثون على علمهم بلغة العرب الجنوبيين وبحضارتهم، وقد تبين لهم منها أن تلك الكتابات يمثل لغة متطورة ذات قواعد نحوية وصرفية، وانها كانت لغة التدوين عندهم، وقد استعملت مصطلحات فنية تدل على وجود حضارة لدى الكاتبين بها، وقد دام التدوين بها إلى ظهور الإسلام.

(1/5122)


أما علمنا بقواعد نحو وصرف اللغة العربية الشمالية، التي نسميها اللغة الفصحى، فمستمد من الموارد الإسلامية فقط، لعدم ورود نصوص جاهلية مدونة بها. ولهذا اقتصر علمنا بها على ما جاء منها في الموارد الإسلامية ليس غير. أما النصوص المعدودة القصيرة، التي تبدأء بنص النمارة، وتنتهي يكتابة "حران اللجا" التي يعود عهدها إلى سنة "463" من سقوط "خبر" "خيبر"، المقابلة لسنة "568" للميلاد، فإنها وان كانت قد كتبت بعربية قريبة من العربية المحضة، إلا أنها تمثل في الواقع لهجة من اللهجات العربية الشمالية، متأثرة بالإرمية "النبطية" ولذلك لا أستطيع اعتبارها نصوصا من نصوص العربية الفصحى الخالصة، ثم إنها قصيرة أطولها نص النمارة، المدون بخمسة سطور فقط. ويعود عهده إلى سنة "328" للميلاد. ولهذا لم نتمكن من استنباط شيء مهم منها، يفيدنا في تعيين صرف ونحو العربية الفصحى، أو هذه العربية التي دونت بها، ولهذه الأسباب صار علمنا اليوم بقواعد وبنحو كتابات المسند، والكتابات الثمودية واللحيانية والصفوية والنبطية، مستمد من موارد هي اقدم جدا من الموارد الإسلامية، يعود تاريخ بعض منها إلى ما قبل الميلاد. ووثائق هذه العربيات جاهلية اصيلة،لا يشك أحد في اصالتها، أما العربية الفصحى فنصها الوحيد، الذي لا يشك أحد في أصالته هو القرآن الكريم، فلا نص بها قبله، وهو أطول نص ورد الينا بهذه العربية وبسائر العربيات الأخرى بغير استثناء.

(1/5123)


هذا وقد سبق لي أن تحدثت في الفصل الأول من هذا الكتاب عن تحديد لفظة العرب، وعن معانيها، وعن ورودها في مواضع من القرآن، مثل: )ولقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين(. وفيه )وانه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين(. وفيه: )أ أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء(. وفيه: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(. و )كذلك أنزلناه حكما عربيا(. و )كذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد(. و )قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون(.
و )كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون(. )وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا(. و )إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(. و )وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا(.
فاللسان الذي نزل به القرآن، هو اللسان العربي الفصيح الكامل الشامل ليكون بينا واضحا ظاهرا قاطعا للعذر مقيما للحجة دليلا إلى المحجة". وقد نزل "محكما معربا". و ذلك تمييزا لهذا اللسان عن ألسنة الأمم الأخرى التي نسبت إلى العجمة، فصارت ألسنتها ألسنة أعجمية.
فاللغة العربية إذن، هي لغة "العرب"، وبهم سميت وعرفت فأخذت تسميتها من اسمهم. وقد عرفنا أن المدلول الأول للفظة "العرب" هو البداوة والأعرابية، ثم توسع في مدلولها، حتى شمل كل سكنة جزيرة العرب من بدو وحضر، فأهل المدر عرب، وأهل الوبر عرب كذلك، وعرف أهل البوادي بالأعراب، تمييزا لهم عن أهل القرى، أي الحضر،.وصارت اللفظة سمة خاصة بهم. أما لسانهم ولسان الحضر، فهو اللسان العربي وكفى.
ووسمت هذه العربية بسمة أخرى، صارت ترادفها حتى اليوم، هي "العربية الفصحى" و "اللغة الفصحى"، يريدون بها هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم.

(1/5124)


تمييزا لها عن بقية اللغات واللهجات. والفصح والفصاحة البيان. وبما أن اللغة العربية بينة بليغة قيل لها ذلك. وهي في معنى "لسان عربي مبين"، أي لسان عربي فصيح أو بين. وبذلك لا ينصرف الذهن إلى لغات العوام ولا إلى لهجات القبائل في الجاهلية أو لغات أهل العربية الجنوبية، لأنها لا تتصف بصفة الفصاحة في نظر علماء اللغة.
واللغة العربية التي نكتب بها، لغة واسعة، ما في سعتها من شك: ألفاظها كثيرة، حتى لتجد فيها مئات وعشرات من المسميات وضعت كلها لمسمى واحد على ما يذكره أهل اللغة. فللاسد وللفرس وللجمل وللسيف وما يتعلق بها ألفاظ كثيرة، تجدها في كتب اللغة والمعجمات. ونحن لا نريد الشك في ذلك، ولكننا إذا أردنا إن نبحث بأسلوب علمي حديث مستند إلى لهجات القبائل، والى ما ورد في النصوص الجاهلية، فإننا سنضطر إلى القول بأن هذه الكثرة من الألفاظ ليست مسميات لشيء واحد في لغة واحدة، هي لغة القرآن الكريم، وإنما هي مسميات لذلك الشيء في لهجات عربية أخرى، جمعها علماء اللغة في الإسلام من أفواه أناس ينتمون إلى قبائل متعددة، أشاروا الى أسماء القبائل التي تكلمت بها أحيانا، ولم يشيروا إليها في أغلب الأحيان. فذهبت بين الناس على أنها مسميات لمسمى واحد في لغة واحدة، هي هذه اللغة الني نزل بها القرآن الكريم، أي انهم جعلوها من الألفاظ المترادفة.

(1/5125)


ولم تعين الموارد الأعجمية شكل اللغة العربية، ولم تنص على لسان واحد من السنة العرب، على انه اللسان العربي الفصيح العام الذي كان يتكلم به كل العرب. ولم يعين القرآن هوية اللسان العربي، ولم يخصصه بلسان معين من ألسنة العرب المتعددة، وانما جاءت التسمية فيه عامه شاملة، لا تخص لسانا واحدا، ولا لغة معينة محددة. قال المفسرون في تفسر الإية: )وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا(، )فأنزلنا هذا القرآن عربيا اذ كانوا عربأ(، وقالوا في تفسير الآية: )وكذلك انزلناه حكما عربيا(، )كذلك ايضا أنزلنا الحكم والدين حكما عربيا( وجعل ذلك عربيا ووصفه به لأنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عربي فنسب الدين إليه، اذ كان عليه نزل فكذب به الأحزاب"، وقالوا في تفسير الاية: )وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها(: "يقول تعالى ذكره وهكذا أوحينا اليلك يا محمد. قرآنا عربيا بلسان العرب لأن الذين أرسلتك اليهم قوم عرب فأوحينا اليك هذا القرآن بألسنتهم ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره لأنا لا نرسل رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم،لتنذر أم القرى وهي مكة وما حولها".

(1/5126)


وقال "الطبري" في مقدمة تفسيره "فإن كان ذلك كذلك، وكان غير مبين منا عن نفسه من خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب، كان معلوما انه غير جائز إن يخاطب جل ذكره أحدا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولاه برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه، لأن المخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه فحاله قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعده سواء، إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئا كان به قبل ذلك جاهلا. والله جل ذكره يتعالى عن أن بخاطب خطابا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت إليه، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث والله تعالى عن ذلك متعال. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم. وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما انزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. فغير جائز أن يكون به مهتديا من كان بما يهدى إليه جاهلا. فقد تبين اذن بما عليه دللنا من الدلالة إن كل رسول لله حل ثناؤه أرسله الى قوم، فإنما أرسله بلسان من أرسله اليه، وكل كتاب أنزله على نبي ورسالة أرسلها إلى أمة، فإنما أنزله بلسان من أرسله إليه، وكل كتاب أنزله على نبي ورسالة أرسلها الى أمة فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه. واتضح بما قلنا ووصفنا إن كتاب الله الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بلسان محمد صلى الله عليه وسلم، وإذ كان لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربيا، فبين إن القرآن عربي. وبذلك نطق محكم تنزيل ربنا، فقال جل ذكره: )إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(، وقال: )وانه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبلك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين(.

(1/5127)


وقد تعرض علماء العربيه لمعنى "العجم" والعرب، فقالوا: "العجم" خلاف العرب، والأعجم من لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان من العرب، ومن في لسانه عجمة وإن أفصح بالعربية، "وفي التنزيل: ولو نزلناه على بعض الأعجمين". وكل من لم يفصح شيء فقد أعجمه، وأعجم الكتاب خلاف أعربه، أي نقطه بالنقط، وورد في شعر قيل هو لرؤبة ويقال للحطيئة: الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
ومنه: والشعرلايطيعه من يظلمه يريد إن يعربه فيعجمه
أي يأتي به أعجميا، يعني يلحن فيه، وقيل يريد أن يبينه فيجعله مشكلا لا بيان له.
وقالوا: العرب خلاف العجم، ورجل معرب، إذا كان فصيحا وان كان عجمي النسب. والإعراب الإبانة والإفصاح عن الشيء. وأن يعرب بن قحطان هو أول من تكلم بالعربية، وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية، وبه سمي العرب عربا. وقيل: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا قرآنا عربيا لقوم يعلمون ثم قال: ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما"، وقيل إن يعرب أول من نطق بمنطق العربية، واسماعيل هو اول من نطق بالعرببة الخالصة الحجازية التي أنزل عليها القرآن" 0 إلى غير ذلك من اقوال تحاول ربط لفظة "العرب" بالإعراب والافصاح والإبانة، وربط العربية، أي لسان العرب بقحطان، وباسماعيل، ووراء كل هذه الأقوال المصطنعة عصبية تتحزب لقحطانية أو لعدنانية، التي هي اصطنعت هذه الأقوال في الإسلام، وحذلقة مصطنعة باردة أستغلت المجانسة اللفظية بين عرب ويعرب وأعرب، لإيجاد صلة بين معاني هذه الألفاظ وفي جذورها.

(1/5128)


وتشمل لفظة "العجم" كل من ليس بعربي، وهي في مقابل لفظة: " Barbarian" في اللغة الانكليزية المأخوذة من اصل يوناني،وهي لا تعني المتوحشين وإنما "أعاجم" و "غرباء" بتعبير أصح، الذين كانوا لا يحسنون التكلم بلغة المهذبين، بل كانوا يرطنون في كلامهم، ويتكلمون بلهجات رديئة، ثم أطلقها اليونان على كل من لا يحسن التكلم باليونانية وعلى كل من يتكلم بلغة غير يونانية. ولما دخل اليونان في حكم الرومان، صارت الكلمة تطلق على كل الشعوب الأخرى التي لا تتكلم باليونانية، أو اللاتينية. ولا استبعد احتمال مجيء هذه النظرية عند العرب من اليونان، وإن كان اليونان، لم ينفردوا بها وحدهم، فقد كانت الشعوب القديمة تعرف مثل هذه المصطلحات، ومصطلح: "كوييم" "Goim" العبري، الذي يعني" Gentiles" في الانكليزية، وغرباء، وشعوب،ومشركين عبدة أصنام، يعبر عن هذه النظرة فكل الشعوب باستثناء "العبرانيين" هم "كوييم"،والعبرانيون هم المتكلمون بالعبرانية،وغيرهم هم الذين لا يتكلمون بها. ولفظة "العجم"، وإن كانت لفظة عامة، قصد بها كل من هو ليس بعربي، لكنها أطلقت في الغالب على الفرس واليونان، وهم أرقى الشعوب التي احتك بها العرب في ذلك الوقت. وأطلقت على الفرس بصورة خاصة، لما كان للساسانيين من اتصال خاص بالعرب قبيل الإسلام. أما سكان إفريقية، فلم تطلق عليهم هذه اللفظة إلا قليلا، لأن العرب لم ينظروا اليهم نظرة احترام، ولهذا عرفوا عندهم بالعبيد، وبالحبش، وبالسودان. ققد نعتوا بالطمطمانية، فورد "طمطم حبشيون"، بإلنظر إلى لغتهم، وعدم تمكنهم من الافصاح بالعربية. وقد ورد في معلقة "عنترة": "أعظم طمطم"، في هذا البيت: تأوى له قلص النعام كما أوت حزق يمانية لأعجم طمطم

(1/5129)


ومن القرآن واللغة استنبط علماء اللغة قولهم في أن العربية من الإبانة والإفصاح، وانها انما دعيت بذلك لأن "يعرب بن قحطان" كان أول من أعرب بلسانه فنسب هذا اللسان إليه. فقد رأينا إن الآيات المتقدمة التي أشرت إليها، ذكرت إن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد جعلته في مقابل اللسان الأعجمي، فاستنتجوا منها إن العربية بمعنى الافصاح والإبانة، وان التسمية انما جاءت من هذا القبيل، مع إن الوصف راجع للغة القرآن، لا للعربية نفسها، ثم وجدوا أن الإعراب في اللغة بمعنى الإفصاح والإبانة، فربطوا بين هذه اللفظة وبين لفظة "العرب"، وقالوا إن "عرب" بمعنى فصح، وأن "العرب" من هذا الأصل، مع انهم يذكرون أيضا إن تعرب معناها أقام بالبادية، وأن تعرب واستعرب، بمعنى رجع إلى البادية بعد ما كان مقيما بالحضر فلحق بالأعراب. وأن تعرب بمعنى تشبه بالعرب وتعرب بعد هجرته، أي صار أعرابيا، وأن في الحديث: ثلاث من الكبائر، منها التعرب بعد الهجرة، وهو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب، بعد أن كان مهاجرا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، ومعنى هذا. إن صلتها بالأعرابية وب "العرب" بمعنى البدو أهل البادبة، أقرب إلى المنطق والمعقول من صلتها بالإبانة والفصاحة، أي الإعراب. وقد سبق أن ذكرت إن معنى اللفظة في النصوص الأشورية وفي كتب اليونان واللاتين والعبرانيين والسريان، وفي المسند، هو "البداوة" والأعرابية لا غير، ثم أطلقت على جميع سكنة جزيرة العرب، لغلبة الحياة الأعرابية عليها حتى صارت لفظة "العربية" بمعنى بلاد العرب، تدخل فيها مواطن أهل المدر وأهل الوبر، وصارت لفظة "العرب" علما على جنس وقوم.

(1/5130)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية