صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

والراووق، المصفاة، وقيل: الباطية والناجود. وذكر بعض علماء اللغة إن الراووق الكأس. وقد وردت اللفظة في شعر لعدي بن زيد العبادي: قدمته على عقار كعين الديك صفى سلافه الراووق
وقد عرف أهل العربية الجنوبية "البلور" لوجوده في اليمن وفي أماكن أخرى. وهم يستخرجونه من نوع خاص من الحجر ويصقلونه بعناية، والغالب عليه اللون الأبيض غير إن بعضه ذو الوان اخرى، هو لون الحجر الذي أخذ منه.
ولا يزال أهل اليمن يمارسون صقل الحجارة الكريمة التي يستخرجونها من بعض الجبال، مستعملين في ذلك الماء والتراب الناعم على حجارة رملية ويصنعونها بأشكال مختلفة ويستعملونها في صنع الحلي. وهي ذوات ألوان متعددة: بيض وسود وخضر وزرق وصفر وحمر، ومنها ما يجمع عدة ألوان متمازجة. ويعد جبل نقم وجبل الغراس من أهم المواطن التي تستخرج منها مثل هذه الحجارة على مقربة من صنعاء.
وقد عني العرب الجنوبيون بشق الطرق وتمهيدها، وبعمل القناطر والجسور وقد بلطوا بعض الطرق بالحجارة وبمادة تشبه "السمنت"، وترى اليوم بقايا قناطر عملوها في الأودية للعبور عليها، وقد دمر الكثير منها بسبب الحروب والاهمال.
ونرى في الصورة بقايا قنطرة جاهلية وقد تطرق اليها الخراب من كبر العمر. و قد عملت على واد يفصل بين الجبال.
الفصل التاسع عشر بعد المئة
الفنون الجميلة
وبين الآثار التي عثر عليها الرحالون، أو نقلت إلى بعض متاحف الغرب، عدد من التماثيل والصور المنحوتة على الحجارة، وهي قليلة في الوقت الحاضر لا تعطينا فكرة واضحة عن الفن العربي الجنوبي، وبعضها يمثل فنا عربيا جنوبيا أصيلا، فلا يشبه المنحوتات اليونانية أو الرومانية، أو المصرية، أو الايرانية، أو غيرها، وبعض آخر له شبه بفن بعض هذه الشعوب، مما حمل المستشرقين على أن يذهبوا إلى أن هذا التشابه هو نتيجة تقليد ومحاكاة لذلك الفن.

(1/4648)


ونلاحظ على هذا التمثال الذي عثر عليه في مقبرة قديمة عند "تمنع" عاصمة "قتبان"، ويعود عهده إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد، إن المثال حاول جهد إمكانه اعطاء تمثاله الذي صنعه طابعا عربيا جنوبيا، لكنه لم يتمكن من ذلك، وقد دون في أسفله إسم صاحبه، وهو "جبا ام هنعمت"، "جبأ أوام هنعمت".
ومن الصعب إصدار حكم عام على الفن العربي الجنوبي استنادا الى هذه التماثيل والصور المنحوتة أو البارزة، لأنها قليلة غير مغنية وغير كافية لإصدار حكم في هذا الموضوع، ثم هي من صنع أيد متعددة، فيها أيد قوية ذات موهبة، وفيها أيد ضعيفة إنتاجها بدائي يشبه فن البدائيين، لاتناسق فيه ولا تناسب بين الأجزاء. وقد نشأ ذلك بالطبع عن تفاوت مواهب المشتغلين بهذه الصناعات وعن وجود أناس اتخذوا الحفر في المرمر حرفة يتكسبون بها، وقد يكون لأنهم ورثوا تلك الحرفة، فاشتغلوا بها، مع عدم وجود قابليات فنية لديهم.
وقد عبر عن النحات، أي المثال الذي يصنع التماثيل بلفظة "هصنع"، أي الصانع في اللغة اللحيانية. ويعبر عن صنع التمثال بلفظة "نحت"، أي حسب تعبيرنا عن نحت التماثيل في الوقت الحاضر0 و تطلق لفظة "هصنع" على الرسام كذلك وعلى المعمار.
ويلاحظ أن الفن العربي الجنوبي مثل أكثر الفنون الشرقية الأخرى،لا تجاري الفن اليوناني في هيأة الجسم في موضوع إبراز جماله. فإذا ما نظرت إلى تمثال أو صورة بارزة أو حفر عربي جنوبي، ترى فرقا واضحا بين عمل الفنان في هذه الصور وعمل الفنان الهلليني اليوناني المعاصر له. ففي عمل هذا الأخير نرى عملا فنيا جميلا راقيا، يبرز جمال الفن وروحية "الفنان"، وهو عمل يقرب القطعة المعمولة إلى قلبك، ويجعلها تؤثر فيك تأثيرا عميقا، على حين لا نرى مثل هذا الإبداع في الفنون الشرقية في الغالب.

(1/4649)


وفي الفن اليوناني تناسق وتناسب بين الأجزاء. راعى الفنان فيه النسب الطبيعية للجسم فمثلها في تماثيله، وأظهرها بمظهر يشعرك بقوه فنه وبتمكنه من التعبير عن أحاسيسه. أما الفن الجاهلي، عموما عربي جنوبي أو من موضع آخر، فإنه لم يتمكن من تحقيق هذا التناسق ولا النسب ولا الاتساق والتوازن بين الأعضاء. ولم يتمكن الفنان مع كل ما بذله من جهد من اظهار الجمال الفني على القطع التي صنعها، ولا من اعطائها حياة ودما وروحا أخاذة تجعلك تشعر انك امام فنان عبر عن إدراكه الفني وعن الحس الذي يشعر به احسن تعبير باية طريقة أو مدرسة من مدارس الفن. وبأية وسيلة من وسائل التعبير عن الذوق الفني الذي تملك الفنان فجعله يعبر عنه بطريقته التعبيرية الخاصة بهذا الانتاج المجسم لروحه والذي نسميه الفن.
ولا تملك المتاحف في الوقت الحاضر تماثيل جاهلية بالحجم الطبيعي للانسان.
ويظهر إن اعتبار كثير من الناس للتماثيل أصناما قد أدى بهم إلى اتلافها والقضاء عليها. وهناك أمثلة عديدة تؤيد هذا الرأي ذكرها القدامى والمحدثون. بل إن هذه النظرة لا تزال عند البعض. ثم إن الناس لم يكونوا يدركون قيمة الأثر في حفظ تأريخ أمتهم، ولهذا فلم يكونوا يهتمون بالتماثيل ولا بالأحجار المكتوبة ولا بكل أثر من الآثار. وتوجد اليوم قطع تماثيل يظهر انها من تماثيل حطمها الإنسان بيده وهشمها بنفسه، إما للقضاء على معالم الوثنية المتجسمة في نظره في هذا التمثال، وإما للاستفادة من أحجاره في أغراض البناء أو أغراض أخرى تفيده.
ومن بينها رؤوس تماثيل أو أقدام تمثال، أو جسم تمثال بلا رأس ولا أرجل.
أما التماثيل الصغيرة، فقد وصل عدد منها دون أن يمسها أي سوء. وقد استخرج عدد منها من باطن الأرض، استخرجه المنقبون والمواطنون الذين أخذوا يحفرون التلول الأثرية للبحث عن أثر يبيعونه لتجار العاديات. ونجد فى دور المتاحف وعند جماع العاديات عددا منها.

(1/4650)


ومن بين التماثيل الكاملة التي تستحق الدراسة والانتباه ثلاثة تماثيل لملوك من مملكة "أوسان". يبلغ ارتفاع احداها "89" سنتمترا. وقد نحتت من المرمر.
وهي تمثل مرحلة من مراحل التطور في فن النحت عند العرب الجنوبيين. وقد حاول النحات جهد امكانه بذل أقصى ما عنده من فن وقابلية وموهبة في اعطاء هؤلاء الملوك ما يليق بهم من جلال ووقار ومظهر، وإبراز ملامحهم وملابسهم، ولكنه فشل في نواح ووفق قدر استطاعته في نواح. وقد نحت شعر الرأس وجعله متدليا طويلا مجعدا. وجعل للتماثيل قواعد استقرت عليها، دون عليها أسماء أصحابها. وقد اختلف الباحثون الذين بحثوا في خصائص النحت البارزة على هذه التماثيل في تقدير عمرها، فذهب بعض منهم إلى أنها ترجع إلى القرن السادس أو إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وذهب بعض منهم إلى أنها ترجع الى القرن الأول قبل الميلاد، بينما رأى آخرون أنها من نحت القرن الأول بعد الميلاد.
وهناك تماثيل صغيرة لرجال ونساء وأطفال بعضها من حجر وبعضها من معدن تكشف لنا عن عادات وتقاليد المجتمع في ذلك العهد. في مثل الكشف عن الحلي التي كانوا يحلون بها جيد المرأة وعنقها، أو التي تحلى بها الأيدي أو الأرجل، كما تكشف بعضها عن ملابس المرأة والرجل والأطفال في تلك الأوقات، ولهذا فإن لهذه التماثيل أهمية كبيرة لا من الناحية الفنية حسب، بل من الناحية التأريخية أيضا لأنها تتحدث عن العوائد الاجتماعية كذلك.
وتعبر بعض شواخص القبور عن شعور الحزن والاسى في نفس من أمر بحفر تلك الشواخص أو نحتها. فقد حرص صانعها على أن تكون معبرة عن المناسبة التي عملت من أجلها على أكمل وجه. واكملها برموز و إشارات دينية لها صلة وعلاقة بالحياة الثانية، وتزيد في فوائد هذه الشواخص بالنسبة لعمل الباحث، التماثيل التي وضعت مع الميت في قبره، لتعبر عنه. فهي تعبير آخر عن هذا الشعور المؤسف في شكل آخر من أشكال الفن.

(1/4651)


وقد كانت العادة آنذاك، دفن تماثيل مع الموتى، أو صورا محفورة على الصخر، فقد عثر في مصر وفي الجاز وفي بلاد الشام على مثل هذه التماثيل مدفونة في القبور، على مقربة من الأجداث. بعضها تماثيل رجال وبعضها تماثيل أطفال، ومن النادر تماثيل نساء، ولعل ذلك بسبب النظرة الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك العهد، من إعطاء الأولوية للرجل في المجتمع ثم للأولاد الذكور.
ونرى في هذه الصورة رأس رجل عربي جنوبي، حفر النحات عيني الرجل حفرا، وجعلها واسعة، فبدتا وكأنهما قد قلعتا، وأوصل اللحية بشعر الرأس، حتى أحاط الشعر بالرأس والوجه، وصار كأنه هالة. أما الفم، فصغير مفتوح، ولم يتمكن النحات من حفره حفرا يقارب الطبيبة، ولم يتمكن كذلك من إبراز معالم الأنف. أما الجبين فأملس، وأما الوجنتان، فملساوان كذلك، وأما الحجر المنحوت، فمن الرخام.
وإذا قارنت هذا التمثال والتماثيل العربية الجنوبية بالتماثيل اليونانية، أو بالتماثيل اليونانية التي عثر عليها في جزيرة "فيلكا" في الكويت، تجد فرقا عظيما من النواحي الفنية، فالفنان اليوناني له إدراك عظيم للقيم الفنية، له قدرة عظيمة على إبراز الملامح، وفي تقدير النسب بين الملامح وأعضاء الجسد، ثم هو متمكن تماما من كيفية إظهار الحاجبين وحفر الأنف، و إبراز العينين. ومع مرور مئات السنين على الفن اليوناني، فإنك تستطيع أن تجد فيه حتى يومنا هذا الإبداع والجمال والاتساق والانسجام. خذ هذه الصورة، التي هي تمثال من الطين المحروق، عثر عليه في جزيرة فيلكا، ويعود عهده إلى حوالي "200" سنة قيل الميلاد، ثم قارنه بصور التماثيل التي عثر عليها في العربية الجنوبية ترى فرقا كبيرا جدا بين الفنين.

(1/4652)


ولكننا نجد مع ذلك في الفن العربي الجنوبي، محاولة نستحق التقدير، تظهر في طموح الفنان العربي الجنوبي ورغبته جهد إمكانه في إظهار شخصيته ومواهبه الفنية، وهو لو وجد التقدير الذي كانت يظهره اليونان للفن، لأبدع ولا شك إبداعا كبيرا في عمله الفني.
وقد عبر الفنان العربي الجنوبي عن مشاعره بطريقة أخرى، هي طريقة الحفر على الحجر أو المعدن أو الخشب أو أية مادة أخرى يمكن الحفر عليها. وذلك بطريقتين: طريقة الحفر أي نقش الصورة أو ما يراد تخليد أثره على المادة حفرا كأن تحفر صورة إنسان أو حيوان حفرا عليها بأن تجعل معالم الصورة محفورة حفرا، عميقا نازلا في تلك المادة. فالحفر في هذه الحالة هو رسم محفور. وطريقة الحفر البارز، وذلك بجعل الأثر المراد تخليده بارزا ظاهرا فوق سطح المادة التي حفر عليها. وذلك بأن يؤشر معالم ما يراد تخليده ويرسم، ثم يحفر ما حوله من سطح المادة التي رسم عليه، فتبرز الصورة وترتفع بهذا الحفر عن سطح تلك المادة.
وعثر على عدد من تماثيل الحيوانات، نحتت من المرمر ومن أحجار أخرى، فعثر على تمثال بقرة، وعثرت بعثة "وندل فيلبس"على تماثيل ثيران في خرائب مأرب. كما عثر بعض الباحثين على تماثيل أسود أو خيل. وقد تمكن الفنان من التعبير عن موهبته الفنية في بعض المنحوتات، وأجاد في إبراز مظاهر بعض أعضاء جسم تلك الحيوانات التي نحتها. وقد وصلت بعض هذه التماثيل وهي مهشمة، وقد فقدت بعض منها بعض أجزاء جسمها، فأضاع هذا الفقدان على الباحثين امكانية اعطاء رأي فني علمي عن هذه المنحوتات.
ومن الصعاب التي اعترضت "الفنان" العربي الجنوبي مسأله التعبير عن

(1/4653)


الحركات، ورسم الأشياء المتجاورة، والتمييز بين البعيد والقريب، والتفريق بين المنازل الاجتماعية، كالسيدة المصون صاحبة البيت وبين خادمتها. وهي مشكلات تواجه كل فنان، ولا يتغلب عليها بالطبع إلا من له قدرة وعلم بالتصوير والنحت. ومن جملة النواقص التي نلاحظها على الصور المحفورة أن أكثر القطع المحفورة لم تتمكن من التنسيق بين وضع صاحب الصورة. فبينما نجد الوجه مثلا وهو متجه إلى الأمام، كأن صاحبها ينظر اليك، نرى الساقين والقدمين جانبيتين وهذا الوضع لا يتناسب بالطبع مع وضع القسم الأعلى من الجسم.
وقد نشأت عن صعوبة التعبير عن الأشياء المتجاورة، مثل رسم ثورين متجاورين يجران محراثا، أو فرسين مربوطين معا في محراث، مشكلة لم يتمكنوا من التغلب عليها، فلجأوا الى طريقة بدائية في الغالب، يتحدث وضعها عن هذا العجز، هو رسم أحد الحيوانين مثلا، وكأنه تحت الحيوان الثاني المجاور له، و ذلك كما نرى في الصورة التي يمثل فلاحا يحرثه ويجر محراثه ثوران، فوضع الفنان الثور الجانبي الأيمن فوق الثور الجانبي الآيسر، ظانا إن ذلك قد عبر عن هذا الوضع، فبدا الثوران وكأن أحدهما قد ركب الآخر.
وقد عثر على لوح يمثل وجه انسان مستدير، رسم كأنه مع الجبين دائرة كاملة. وقد حفر الشعر على صورة قوس يكاد يحيط بالوجه إلا الحنك، وقد برز الشعر متموجا، وقد فصلت بين الأمواج قواطع جعلت الشعر خصلا. أما العينان فصغيرتان بالنسبة إلى الأنف. وبدا الفم مقفلا وقد حلق صاحب الرأس ذقنه، وترك له شاربين طويلين يتصلان بالشعر المتدلي من الرأس. أما الأذنان فقد اختفتا تحت الشعر ولا أثر لهما في الصورة. والرقبة غليظة وقد أحاطت بها حيتان ارتفعتا إلى أعلى على هيأة قوس. ويظهر في هذه الصورة أثر الفن الساساني.

(1/4654)


وقد عبر النحات عن تجعد شعر الرأس بحفره بصورة تشعرك انه يعبر عن شعر متجعد. وذلك بإحداث ثغرات تظهر الشعر وكأنه عقد، وقد جعله متدليا إلى الكتفين، أو نازلا على الجبين حتى الحاجبين، ولأجل أن يريك العينين وكأنهما في صورة طبيعية وضع أحجارا ملونة أو أصباغا في بعض الأحيان على باطن العين لتظهر التمثال وكأنه بعينين حقيقيتين. تنظران إلى الأشخاص.
وحال حفر الأزهار وعناقيد العنب ورؤوس الحيوانات وبعض الكروم هي خير من حيث الإجادة من تصاوير الإنسان أو الحيوانات كاملا. وقد عثر على قطع رسمت فيها التيوس وهي من الحيوانات الكثيرة في اليمن، وقد رسمت بصورة تتمثل فيها القوة والحيوية.
وقد استعمل العرب الجنوبيون الكروم كثيرا للزخرفة، ولا يستبعد ذلك منهم فالكروم من النباتات المحبوبة الكثيرة في اليمن. وقد درت عليهم أرباحا طائلة واستعملت للاكل وللشرب. وهي تعطي نبيذا طيبا وخمرا مشهورا. فلا غرابة إذا ما استعملوه بكثرة للزينة، يحفرون صوره في اطارات الألواح أو الصور، أو يكبسون صوره في الجبس.

(1/4655)


وعثر على قطع فنية نفيسة، من الحجر النفيس الغالي المحفور،أي من الأحجار الكريمة، حفرت عليها صور ذات صلة بالأساطير الدينية، مثل القطعة النفيسة المحفوظة في المتحف البريطاني، ويظهر انها من صنع فنان قتباني، حفر عليها أيلين أو وعلين وقد وقف كل واحد منهما على جانب، وقفا على القدمين الخلفيتين ورفعا القدمين الأماميتين إلى أعلى، وصور النحات القدم المقابل للشخص الذي يقابل القطعة أو ينظر اليها وقد عقف، أي بوضع منحن. أما القدم المقابل للقدم المعقوف، فلم يتمكن النحات من اعطائها الوضع الصحيح، ونجد رأسي الحيوانين وقد اتجها إلى الداخل، فكأنهما يريدان الكلام مع بعضهما أو الالتقاء، ولاظهار قرني الحيوانين معقوفين، نحت النحات عليها نحوتا على شكل "الجزر"، أو الورق الرفيع. ووضع للحيوانين ذيلين قصيرين، وقد جعل آلة الذكر للحيوانين منتصبتين، وجعل تحت القدم المرتفع لكل حيوان رمزا، له فم مفتوح متصل برقبة أو بجسم ينتهي بدائرة صغيرة، ثم بما يشبه كرة قائمة على ثلاثة أرجل. ووضع بين الحيوانين "طغراء" قراءته: "اب عم"، "ابي عم"، أي "أبى" "عم" إله قتبان.
وبين الأحجار الكريمة المحفورة التي عثر عليها في خرائب اليمن. أحجار أصلها من العراق ومصر ومن أحجار يونانية من أيام القياصرة ومن العصور الهيلينية، وقد نحتت على بعض منها حروف بالمسند المعبرة عن بعض المعاني الدينية أو عن أسماء أصحابها. وهي تستعمل خاتما في الأصابع، وتختم بها الوثائق والرسائل.
وقد وضعوا "الدمى" على ألواح الأبواب، إما للزينة، وإما لدفع الشر والأذى أو للتبرك والتقرب. وقد قيل إن "الدمية" الصورة المصورة أو الصنم. وقد عرفوا "الدمية" بالصورة وبالصنم وبالصورة المنقشة بالعاج، ونحوه. وعرفوها أيضا بالصورة المصورة لأنها يتأنق في صنعتها ويبالغ في تحسينها.
وقد اتخذ العرب الجنوبيون من الحجر أثاثا لهم، فنحتوا منه أسرة وعروشا.

(1/4656)


وقد عثر على قطع من المرمر، هي من بقايا عروش أو كراسي عملت لبعض الأغنياء. وعثر على كراسي مصنوعة من أحجار أخرى. كما عثر على صناديق صنعت من حجر، وقد زوقت واجهاتها وزخرفت وحفرت عليها بعض الصور التي تمثل الأوراق والنباتات والأزهار والنوافذ أو واجهات البيوت.
واتخذوا من الحجارة مذابح Altars. وللمذابح مكانة في الطقوس الدينية ورسوم العبادة عند الجاهليين. ويقال لها: "مذبحت" و "مذبح" و "حردن". تذبح عليها حيوانات كبيرة مثل ثيران. وقد عثر على نماذج منها في مختلف المعابد. وقد زين بعض منها وزخرف.بصور حيوانات حفرت عليها أو نحتت كما حفرت عليها رموز لها علاقة بالعبادة والآلهة. وهي تفيدنا من هذه الناحية في الوقوف على فن الزخرف والنقش وعلى كل ما له من علاقة بالحياة الدينية عند الجاهليين.
وللمباخر والمجامر والمحارق أهمية أيضا بالنسبة لمن يريد الوقوف على الفن الجاهلي. وقد عرفت المحارق ب "مصرب" و "مشود". وهي مواضع لحرق ما يقدم إلى المعبد من ضحايا عليها. وعرفت المجامر ب "مسلم"، وأما المبخرة، فهي "مقطر". وقد عثر على نماذج عديدة منها. وقد صنعت من مواد مختلفة من مرمر ومن معادن. مثل البرنز أو الذهب أو الفضة. وقد تفنن في صنعها، وبعضها مفتوح ليس له غطاء، وبعض آخر له غطاء. وقد نقش على بعض منها اسم الطيب الذي يحرق بالمجمرة، واسم صاحبها والمعبد أو الإله الذي خصصت به.
ولم يصل إلينا ويا للاسف من مصوغات الذهب والفضة شيء كثير. والصياغة صناعة اشتهر بها العرب الجنوبيون، حتى بالغ في ذلك بعض الكتاب اليونان، فأشاروا للى أوان وأثاث وأدوات منزلية أخرى مصنوعة من الذهب والفضة.
ولكننا لم نر شيئا مما ذكروا، ولم يروا هم ذلك أيضا بالطبع، وإنما رووا ذلك عن طريق السماع.

(1/4657)


وبعرف الذهب ب "ذهب" في العربيات الجنوبية. وأما الفضة، فيقال لها "صرف". وقد وردت أرض "شبا" في جملة الأماكن التي مونت العبرانيين بالذهب، حمله اليهم تجار "شبا".
وترد في الكتابات جمل مثل: "قدم تمثالا من ذهب"، مما يدل على أن العرب الجنوبيين كانوا ينذرون إلى الهتهم إن منت عليهم وأجابت طلبهم بأن يقدموا لها نذرا هو تمثال من ذهب. غير أن الباحثين لم يعثروا حتى اليوم إلا على عدد محدود من تماثيل صيغت من ذهب، بل عثروا على تماثيل من البرنز. لذا ذهب بعضهم إلى إن العرب الجنوبيين قصدوا بكلمة "ذهبن"، أي "الذهب"، معدن البرنز، وذهب بعضهم إلى أنهم قصدوا معادن طليت بماء الذهب.
وفي جملة ما هو محفوظ من أعمال الصاغة، قلادة جميلة من الذهب عثر عليها في خرائب مدينة "تمنع" سبق أن وضعت صورتها قبل صفحات. وقلائد أخرى وصفائح من الذهب حفرت عليها صور بعض الحيوانات. كما عثر على معادن مطلية بطبقة من ذهب.
وقد وصلت قطع فنية نفيسة مصنوعة من المعادن، تدل على ذوق عال وعلى مهارة في الصنعة واتقان. من ذلك مصباح يضيء بالزيت، مصنوع من يتكئ على قاعدة. أما موضع الزيت، فينساب انسيابا جميلا، وقد صنع بشكل متناسق، وارتفع فوق المصباح من الطرف العريض تمثال "ايل" جميل جدا ربطه بالصباح حزمة انفتحت عند اتصالها بالمصباح على هيئة أصابع يد. فلما ارتفعت، اتصل بعضها ببعض على هيأة ضفيرة، الى موضع اتصالها بالأيل. وقد انكسرت يدا الحيوان وكانت ممتدة. أما الرقبة والرأس والقرنان، فقد صنعت بدقة وبمهارة، وعلى الجملة القطعة تدل على تطور كبير في فن الصناعات اليدوية عند العرب الجنوبيين، وذلك كما نراه في الصورة المذكورة.

(1/4658)


ونرى في قطعة أخرى مصنوعة من البرنز فنا وخيالا، نرى رجلا قد وضع على رأسه غطاء يشبه الخوذة، وأمسك بيديه أسدين، فاليد اليمنى أمسكت بيد أسد، واليد اليسرى أمسكت بيد الأسد الأخر وقد أدار الأسدان رأسيهما إلى الجانبين، وكأنهما يتلويان من شدة القبض عليهما، وإن كانت لا يمثل أجزاء الأجسام تمثيلا كاملا، تعطي انطباعا حسنا، وتعبر عن الفكرة تعبيرا طيبا.
وهنك قطعة مصنوعة من البرنز كذلك، تمثل منظرا رمزيا: ففي الوسط، راقص يشبه شكله شكل الشيطان في الأساطير، وقد اتصل فوق رأسه، وعلى الغطاء عمود يحمل طيرا مادا جناحيه. ويقابل الطائر أيلان، انتصب كل أيل على جانب منا جاني الطير، و كأنهما يتقاتلان، ويحمل الأيلان حيوانين.
ونرى في هذه الصورة تمثالا من البرنز لثور يرمز إلى الإله القمر، وقد عثر عليه في "ظفار".

(1/4659)


ونرى في هذه الصورة تمثال رجل صنع من النحاس، تظهر على شعر رأسه نتوءات بارزة كأنها الخرز، ربما يمثل زينة، أو تعبر عن شعر صاحبها المتموج. أما الوجه، فلا يمثل وجه أهل اليمن، بل كأنه بمثل وجها ل "بوذا"، أي وجها متأثرا بالفن الهندي الصيني القديم. الأنف فيه ضخم، والفم كبير، وقد غطى الجسيم بقميص له رأس يغطي الرقبة ويصل إلى الحنك، وتجد القميص مفتوحا تحت الخصر، وأما أعلى القميص فمغلق، وقد شد على الخصر "خنجر" مستقيم، على طريقة أهل اليمن في حمل الخناجر إلى هذا اليوم، وقد مدت اليد اليمنى إلى أعلى، وظهرت أصابع الكف واضحة مفصلة. أما اليد البسرى، فقد مدت إلى أعلى قليلا، وكفها مقبوض، مكونا ثقبا، يظهر أنه صنع لوضع عصا في الثقب، أو شيئا آخر يرمز إلى سيادة ومنزلة اجتماعية. ونجد الجسم لا يتناسب مع ضخامة الرأس والكتفين، فهو ضئيل ضعيف. وفي الأذن صغيرة بالنسبة إلى الرأس. وقد وضعت في مقدم الشعر. ونرى إن الوجه عليق، مما يدل على أن بعض الناس كانوا يحلقون شعر أوجههم في تلك الأيام. وأما الرقبة فغليظة. وهناك قطع أخرى هي عبارة عن تماثيل بشر أو حيوانات مثل حيات أو جمال أو خيل أو جرذان وأمثال ذلك، وقد صنعت من البرنز كذلك، بعضها في غاية الجودة والاتقان. ومن بين هذه القطع المتقنة عصا انتهى طرف منها على هيأة أفعى، نرى فيها الأناقة والرشاقة، وعصا أخرى رأسها على هيئة حية وقد تدلى إلى أسفل. والقطعتان من الصناعات المتأخرة ومن أواخر أيام دولة حمير.

(1/4660)


وبين القطع القديمة المصنوعة من البرنز، تمثال رجل ماش يبلغ ارتفاعه "93" سنتمترا، رجله اليسرى متقدمة على اليمنى، ويرى القسم الاعلى من الجسيم عاريا إلا من جلد أسد أو فهد لف على الظهر، ويتصل طرفاه بالصدر. أما الوركان فقد غطيا بمئزر شد على الجسم بحزام عريض. وقد جعل المثال الرأس وكأنه قد غطي بخوذة مجعدة، كناية عن الشعر، وقد تدلى على الجبين. ووضع شيئا أشبه بالريشة للمحافظة على الشعر، وجعل للرجل لحية عبر عن تجاعيد شعرها بعقد. وجعل العينين واسعتين، اما الأنف فكبير ملتحم، وأما الفم فصغير. وأما الجسم عموما، فهو نحيف. وقد عثر على هذا التمثال في المدخل المؤدي إلى "حرم بلقيس". ويرى بعض الباحثين أنه يعود إلى القرن السابع أو السادس قبل الميلاد. وأن صاحبه كان من كبار الموظفين في أيامه، وربما كان بدرجة حامل أختام الملك أو كاتم أسراره، وقد قدم التمثال تقربة ونذرا إلى الإلهه "المقه". ووجد اسم صاحبه مدونا على الكتف الأيسر منه، وهو "معدكرب" "معديكرب".
وبين التماثيل المصنوعة من البرنز تمثال امرأة وهي ترقص، وقد لبست فستانا طويلا يمتد على سروال، وكأنه يمثل الزي الفارسي القديم، المعروف في العراق، وقد أبدع صانع التمثال في عمله فجعله حيا ينبض بالحياة، وقد ضيق خصر المرأة، وجعل الساقين بعضها فوق بعض، ليأخذ جسمها وضع راقصة وهي في حالة رقص، كما ترى في هذا التمثال.
ونجد في مصنوعات المعادن مصنوعات تتحدث عن وجود اثر عراقي عليها، ومصنوعات أخرى تثير إلى وجود أثر مصري أو يوناني أو هندي عليها، وقد نسب بعض الباحثين وجود هذا الأثر إلى الصلات التجارية التي كانت تربط بين الأرضين المذكورة و بين العربية الجنوبية، كما نسبوه إلى اثر الرقيق المشترى من تلك البلاد والمستورد إلى العربية الجنوبية، حيث كلف بأداء الحرف اليدوية. وحيث أن هذا الرقيق كان من بلاد مختلفة، لهذا ظهر التنوع في هذه الصناعات.

(1/4661)


ومن المصنوعات البرنزية التي يظهر عليها اثر الفن اليوناني مجموعة التماثيل التي عثر عليها في بيت "يفش" في خرائب "تمنع"، وتماثيل أخرى حفظت في متحف "صنعاء". وتمثالين لزنجيين عثر عليهما في موضع "نخلة الحمرا" "نخلة الحمراء" على مسافة خمسين كيلومترا جنوب شرقي "صنعاء". وتماثيل أخرى لبعض الحيوانات، مثل تمثال حصان وتمثال آخر لأسد.
والتماثيل البرونزية التي عثر عليها في بيت "يفش" بمدينة "تمنع"، هي من الآثار المهمة التي عثر عليها في أرض قتبان. ونظرا للأثر "الهليني" البارز على جسم الأسد وعلى وجه راكبه المحافظ على الملامح اليونانية يرى الباحثون انها من القطع الفنية التي ربما يعود عهدها إلى القرن الأول للميلاد، حيث كان اليونان اذ ذاك يمخرون عباب البحار، وكان تجارهم ينقلون المصنوعات اليونانية إلى مختلف الأنحاء من العالم، لبيعها ولشراء ما يحتاجون إليه من النفائس التي لا توجد في بلاد اليونان وما وراءها. والظاهر إن الفنانين العرب، وقفوا على قطع فنية يونانية، فقلدوها وعملوا على صنع مثلها،وقد ضربوا على القاعدة الحروف المسند، الدالة على صاحب البيت. ومن هذه التماثيل تمثال أسد، امتطى على ظهره ولد بيده اليمنى لجام، وبيده اليسرى شيء يشبه القفل، وقد صنع الأسد وكأنه يريد الوثوب، وذلك كما تراه في الصورة. وقد قدر تأريخ صنعه فيما بين السنة 75 و55 قبل الميلاد. ومنهم من يجعله بعد ذلك، أي في القرن الأول للميلاد.

(1/4662)


وقد تبين من هذه التماثيل أن العرب الجنوبيين، كانوا ينتعلون نعالا على نحو أنعلة هذا اليوم، وهي سميكة لتقاوم الأرض فلا تأكلها عند المشي، كما تبين لنا من دراسة هذه التماثيل أن بين ملابس العربية القديمة قبل الإسلام وبين ملابس العرب في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في الوقت الحاضر تشابه كبير. ومن الممكن في هذا اليوم عمل دراسة عن ملابس العرب الجنوبيين بالاستعانة بهذه التماثيل وبالصور المحفورة على الأحجار، التي تمثل مختلف طبقات المجتمع في ذلك العهد.
تمثالان صنعا من البرز، ويرى على التمثال أثر الفن "الهيليني" واضحا بارا.
من كتاب Qataban and Sheba )ص 189( أما الخشب المزخرف، فهو وجه آخر من أوجه الفن وأضرابه، وقد استعمل في البناء وفي أثاث البيت وفي صنع التماثيل والألواح المكتوبة وفي أغراض أخرى. وقد عثر المنقبون على نماذج منه. ولما كان الخشب معرضا للتلف والهلاك أكثر من المعدن والحجر، لذلك فإن يد الطبيعة قد لعبت بالكثير منه، كما استعملته يد الإنسان قبل الإسلام وبعده في أمور أخرى غير الأمور التي خصصها أصحاب تلك الأخشاب لها، لذلك زالت معالم الكثير منها، واستعمل بعض منه في الوقود وفي اعمال البناء. ولا زلنا لا نملك نماذج من الأثاث المعمول من الخشب، مثل صناديق لحفظ الألبسة والأشياء الأخرى التي تحتاج إلى حفظ، وسرر منامة وكراسي وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في حياته من مصنوعات الخشب.

(1/4663)


إن الفنان العربي الجنوبي حاول جهد طاقته إظهار شخصيته في أعماله الفنية، وهو وإن كان قد حاكى غيره وقلده في بعض الأمور، غير أنه نجح في اعطاء فنه صورة المحيط الذي عاش فيه. فنرى السحنة اليمانية على وجوه بعض التماثيل، ولا سيما في أوجه الرجال. ونجد الطابع العربي الجنوبي يبرز على بعض المصنوعات. وسوف يزداد علمنا ولا شك في المستقبل بالفن العربي الجاهلي في المستقبل حين تهدأ الأحوال وتقوم البعثات العلمية بالحفر العلمي المنظم في جزيرة العرب، فربما يعثر على أعمال فنية تغير وجهة نظر العلماء المكتوبة عنه في هذا اليوم.
وأما الحديث عن الفن في الحجاز قبل الإسلام، فحديث مقتضب مختصر، لأن البحث العلمي لم يبدأ هناك حتى الان. فاقتصر علمنا عنه على ما ورد في الموارد الاسلامية وحدها. وما ورد في هذه الموارد هو اشارات عارضة ذكرت عرضا في أحوال لا علاقة لها بالفن بل في البحث عن أمور أخرى، مثل: فتح مكة، حيث أشير إلى وجود تصاوير وأصنام في الكعبة، أمر الرسول بطمسها وازالة معالمها وبكسر كل ما كان هناك من أصنام، ومثل ما جاء في كتب الحديث والفقه عن "الصور والتماثيل" في باب النهي عنهما في الإسلام. وذلك يدل على إن بعض أهل مكة وسائر مواضع الحجاز الأخرى، كانوا يضعون الصور والتماثيل في بيوتهم، وان طائفة من الناس كانت تصور وتتعيش من بيع الصور، وأن طائفة أخرى كانت تنحت وتعمل التماثيل، وأن طائفة من النساجين والخياطين كانوا يجعلون صور انسان أو حيوان على الستائر أو الملابس لتزويقها، فنهى عن ذلك الإسلام.

(1/4664)


ونحن لو أخذنا بروايات أهل مكة عن بناء الكعبة، خرجنا منها على أن الكعبة لم تكن عند ظهور الإسلام وبعد تعميرها الأخير قبل البعثة، شيئا يذكر من ناحية الفن والهندسة المعمارية، فهي لم تكن سوى بيت مكعب، تحيط بحرمه البيوت، ولم يكن الحرم واسعا وله سور، وانما كان ساحة مفتوحة تجاوز عليها أهل مكة، فأدخلوا جزءا منها في بيوتهم، ولذلك اضطر الخلفاء إلى توسيعها، بشراء البيوت المجاورة وهدمها لاعادة ادخالها في الحرم. ونحن لا نجد اليوم أثرا باقيا على وضعه وحاله من آثار الجاهلية سوى "الحجر الأسود"، وبئر زمزم، أما الأشياء الأخرى مثل الكعبة، فإنها من بناء الإسلام.
أما بيوتها، فلا علم واضح لنا عنها، لأن أهل الأخبار لم يتحدثوا عنها حديثا فيه إفاضة، وقد ورد في خبر إساءة الجوار لرسول الله، أن رسول الله كان يجلس تحت ظلة أمام باب داره، فكان جيرانه يرمونه بالحجارة، مما يدل على أنهم كانوا يبنون ظللا على أبواب بيوتهم يجلسون تحتها على "دكة" ويستظلون بها من حرارة الشمس حين وقوفهم أمام الباب. ولا بد وأن تكون بيوت تجار مكة، من حجارة وكلس، وقد تكون من طابقين أو أكثر، ولكن الأخبار لا تتحدث بحديث مفصل عنها.
وفي أعالي الحجاز، آثار من بقايا أبنية ومن تماثيل وكتابات مكتوبة ومن تصاوير نقشت على الصخور، تعبر عن حالة النقاش الذي نقشها، وهو من الأعراب. وفي جملة الصور مناظر إنسان يصيد غزالا، أو يجاهد في قتل أسد أو حيوان مفترس، أو فارسا قد امتطى ظهر فرسه، أو مناظر قطعان حيوانات وحشية أو أليفة، وما شاكل ذلك من مناظر تمر على عيون الرعاة. وبعض هذه الصور مما يعود عهده إلى ما قبل الميلاد. وهي تستحق الدرس وتوجب على عشاق الفن دراسة النواحي الفنية والتعبيرية في هذه الصور المرسومة على الأحجار والصخور.

(1/4665)


وفي المتحف البريطاني حجر، رمز إليه ب B.M.120928 كتب عليه بالحروف الصفوية "هف زبن بن أحرب" أي "هذا لزبان بن أحرب". وقد حفر صورة جمل تحت الكتابة، جعله لاعبا بذنبه، وله سنام ضخم لا يتناسب حجمه مع جسم الجمل، وله رقبة ورأس، أقرب إلى رقبة الزرافة ورأسها من رأس و رقبة الجمل. ولكن الرسم لا بأس به بصورة عامة، إذا أدركنا أن راسه من الأعراب الذين عاشوا قبل الإسلام.
ونجد في الأحجار الصفوية الأخرى، صور فرسان، وهم يتحاربون، أو يتسابقون، وصور خيل وحيوانات أخرى. وبعض هذه الصور في غاية من الاتقان والإبداع، وبعضها تمثل فنا بدائيا، لكنه يعبر عن وجود قابلية لدى راسمي هذه الصور الذين كانوا أعرابا يتنقلون في البوادي، وهم مع ذلك كتبة، لأننا نجد أسماء من رسم هذه الصور مكتوبة تحتها أو حولها لتدل عليهم.
واما العربية الشرقية، فقد عثرت البعثات التي نقبت بها على أعمال فنية عديدة، وقد عثر في "أبو ظبي" وفي أماكن أخرى من الخليج على آثار لم تكن معروفة من قبل. وقد أشرت في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب إلى عثور المنقبين عن الآثار على آثار مهمة في البحرين وفي جزيرة "فيلكا" من جزر الكويت، وهي تشير إلى اثر الاختلاط الذي كان بين الهند، وفارس والروم والعراق وبين سكان الخليج، قبل الميلاد بعهود طويلة. ولا بد وأن تنبت في هذه الأرضين حضارة مختلطة، لأنها على ساحل البحر، وعلى طريق يعتبر من أهم طرق العالم في التجارة وفي المواصلات الدولية في القديم وفي الحديث.
وفي جملة ما عثر عليه في جزيرة "فيلكا" بقايا معبد يوناني، بناه جنود الاسكندر حين أقاموا واستقروا بها، وقد تمكنت البعثة "الدانماركية" التي نقبت في هذه الجزيرة من العثور عليه، ونظفت ساحته حتى ظهر على هذه الصورة التي تراها في الصفحة السابقة.

(1/4666)


وفي جملة ما عثر عليه في جزيرة "فيلكا" نقود تعود إلى أيام "السلوقيين" خلفاء الاسكندر، وآثار اليونانيين الذين أقاموا في هذه الجزيرة منذ جاء جيش الاسكندر لفتح الهند. فاستقر قسم منهم بها وأنشأ معبدا فيها، عثر في أنقاضه على بقايا أعمدة حجرية استخدمت لرفع سقفه، يظهر عليها الأثر الهليني بكل وضوح، وعلى أحجار منقورة مزخرفة وعلى كتابات. وقد استخدم الحجر في أعمال البناء، كما ترى ذلك في الصورة المأخوذة لموضعه، بعد تنظيفه وإعادة دائرة الآثار والمتاحف في الكويت للاحجار الى مواضعها. كما عثر في هذه الجزيرة على جرار كثيرة تعود إلى العهد البرونزي، تشبه الجرار الخزفية التي لا زال الناس يستعملونها في مواضع متعددة من جزيرة العرب.
ومن أبدع ما عثر عليه في هذه الجزيرة، تمثال صغير من الطين المحروق يمثل "أفروديت"، يعود عهده إلى حوالي السنة "350" قبل الميلاد، وهو تاريخ انشاء هذا المعبد، ومخربشة جميلة، تمثل شجرة، يظهر انها كانت قد وضعت في أعلى واجهة المعبد. وتمثال رأس الاسكندر، تحيط به الهالة، وتمثال آخر، صنع من الطين المحروق، وعدد كبير من الأختام، حفرت عليها مناظر مختلفة، فيها صور حيوانات، يعود عهدها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
أما علم الفن العربي في العراق، فنحن لا نستطيع أن نتكلم عنه إلا بإيجاز مخل، وسبب ذلك، أن الحيرة التي كانت عاصمة المناذرة، والتي كانت من أكبر المستوطنات العربية، هدمت في الفتح الإسلامي وما بعده لاستخدام طابوقها وأخشابها في بناء "الكوفة". فقد بني مسجد الكوفة بأنقاض قصور الحيرة، فزالت بذلك معالم تلك المدينة، ولم يبق منها أي شيء بتوالي الأيام.

(1/4667)


ويظهر من الأخبار الواردة في كتب أهل الأخبار، أن اهل الحيرة كانوا يتخذون "إيوانا" في قصورهم. يجعلونه موضعا يجلسون فيه. عرف بالإيوان الحيري. وقد كانوا يزخرفون الجدر باستعمال "الآجر" المزخرف. كما كانوا يطلون الجدر على الطريقة العراقية القديمة بطبقة من "الجص"، ليظهر أملس أبيض، وكانوا يطلون الجدر الخارجية للبيوت بهذه الطبقة، ومن هنا ?? بدت مدينتهم وكأنها مدينة بيضاء، فقيل لها الحيرة البيضاء.
???????? ????التصوير
وقد عثر المنقبون والباحثون عن الآثار القديمة على رسوم بشر وحيوان ونبات نقشها الجاهليون على الصخور والحجارة، يرمز بعض منها إلى أمور دينية وأساطير قديمة. ويعبر البعض الاخر عن مواهب فنية عند حافري هذه الصور، وعلى مقدرة تقدر في الرسم، وعلى وجود ميول فطرية عند أصحابها في الفن، وفي محاولة إبراز العواطف النفسية والتعابير بلغة فنية يفهمها كل إنسان، هي لغة الرسم والنقش.
وفي أخبار أهل الأخبار إن أهل الجاهلية كانوا يتقربون إلى الصور،كما كانوا يزينون بيوتهم بالصور وبالنسيج المصور، كما كانوا يستعملون ستائر ذات صور، ويلبسون ملابس ذات صور ورسوم. ولما فتح الرسول مكة، أمر بتحطيم ما كان بها من أصنام وأوثان. وقد ذكر أهل الأخبار، انه كانت في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وجد صور الملائكة وغيرهم، فرأى ابراهيم مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة أجمعين. فأمر الرسول بطمس تلك الصور، فغسلت بالماء، ومسحت بثوب بل بالماء، فطمست، إلا صورة عيسى بن مريم وأمه، إذ أمر الرسول بابقائها كما تقول الروايات، فبقيت إلى ايام "عبد الله بن الزبير"، فلما تهدم البيت، تهدمت الصورة معه.
وفي شعر "امرى القيس" اشارة إلى التصوير. ففي البيت: بلى رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال

(1/4668)


اشارة إلى التصوير. فالخط، الكتابة والرسم، والتمثال الصورة، والصنم، أي التمثال المجسد. والتماثيل الصور. وقد كانوا يصورون الصور ويرسمونها قبل الإسلام.
ولكننا لا نملك اليوم صورا زيتية أو صورا أخرى مرسومة بالألوان أو بالحبر أو الصبغ الأسود على أدم أو قراطيس، أو الواح، فإن مثل هذه الصور لا يمكن إن تعمر طويلا تحت الأتربة لذلك تبلى ولا استبعد احتمال عثور المنقبين في المستقبل على مثل هذه الصور، لما ذكرته من وجود الصور والتصوير عند الجاهليين.
وقد كان الجاهليون يقتنون الصور يضعونها في بيوتهم للزينة، كما كان هناك مصورون يعيشون من بيع الصور التي يرسمونها، وصناع تماثيل، ينحتونها أو يعملونها بالقوالب بجعل عجين الجبس فيها، فإذا جف أخذ شكل التمثال، فيباع. وقد أشير إلى التصوير وصنع التماثيل في الحديث، بمناسبة ما ورد فيه من كره الإسلام للتصوير، أو تحريمه كما ذهب إليه البعض، فقد كره في الإسلام تصوير كل ذي روح، مثل تصوير إنسان أو حيوان، وكره بيع المصورات، واتخاذ التصوير حرفة يتعيش منها. وقد سأل بعض المصورين "ابن عباس" رأيه في التصوير، وهي حرفته التي كان يتعيش منها، فنهاه عنها، إلا إذا صور شجرا أو شيئا لا روح فيه. وكانت معيشة هذا المصور من صنعة يده، يصنع التصاوير ويبيعها للناس.
وقد كانت الوثنية لا تتعارض مع التصوير، بل كانت تشجعه وتشجع الفنون الجميلة. فقد كانت الأصنام عماد سنتهم، واليها كانوا يتقربون، وكانوا يضعونها في بيوتهم للتقرب إليها والتبرك بها، كما أنهم لم يكرهوا الغناء ولا الموسيقى، لما لهما من صلة بأعيادهما وبالطقوس الدينية.
وقد منع من بيع الأصنام، أي التماثيل في الإسلام، كما حرم بيع الصور المتخذة من جوهر نفيس، وكان بين أهل مكة وغيرها من القرى أناس يتعيشون من بيعها، ويتفننون في صنعها، فماتت بذلك هذه الحرفة التي هي من الفنون الجميلة، مثل التصوير.
الفصل العشرون بعد المئة

(1/4669)


أمية الجاهليين
الشائع بين كثير من الناس إن العرب قبل الإسلام كانوا في جهالة عمياء وضلالة، لا يقرأون، ولا يكتبون، وان الكتابة كانت قليلة بينهم، واستدلوا على رأيهم هذا باطلاقهم لفظة "الجاهلية" على ايامهم، وبما جاء من انهم كانوا قوما "أميين لا يكتبون". واستدلوا على ذلك بحديث ذكر إن الرسول قاله، هو "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
وقد تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن معنى "الجاهلية"، وعن الآراء التي قيلت فيها، حديثا فيه إفاضة وإحاطة، وقد قلت فيما قلته إن تفسير الجاهلية بالجهل، الذي هو ضد العلم، تفسير مغلوط، وان المراد من الجاهلية السفه والحمق والغلظة والغرور، وقد كانت تلك أبرز صفات المجتمع الجاهلي آنئذ، وتحدثت في كتابي: "تأريخ العرب قبل الإسلام" عن معنى الأمية وذلك في اثناء كلامي على أمية الرسول وآراء العلماء فيها من مسلمين ومستشرقين، وقلت إن للأمية معنى آخر غير المعنى المتداول المعروف، وهو الجهل بالكتابة والقراءة. فقد ذكر "الفراء" وهو من علماء العربية المعروفين، إن الأميين هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. ويراد بالكتاب، التوراة والانجيل. ولذلك نعت اليهود والنصارى في القرآن ب "اهل الكتاب"، وهذا المعنى يناسب كل المناسبة لفظة "الأميين" الواردة في القرآن الكريم، وتعني الوثنيين اي جماع قريش وبقية العرب، ممن لم يكن من يهود وليس له كتاب.

(1/4670)


وللعلماء آراء في الأمية، وذلك لما لها من صلة بالرسول، ولما كان القرآن قد نعت قوم الرسول بالأميين، وجعل الرسول أميا مثلهم، فقد ذهبوا إلى إن العرب كانوا قبل الإسلام أميين بمعنى انهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون إلا من شذ منهم وندر، وإلا أفرادا من أهل مكة، زعموا انهم تعلموا الكتابة من عهد غير بعيد عن الإسلام، ولو أخذنا أقوالهم مأخذ الجد، وجب علينا القول بأنهم انما تعلموها في حياة الرسول أي قبل الوحي بسنين ليست بكثرة، وان مكة كانت المدينة الوحيدة التي عرفت الكتابة في جزيرة العرب، وهو كلام لا يقوم على علم. فقد كان بيثرب كتاب يكتبون بكتاب مكة، وكان في أماكن أخرى كتاب يكتبون بكتابهم أيضا، فضلا عن انتشار الكتابة بالمسند في العربية الجنوبية وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب.
والرسول أمي، لم يقرأ ولم يكتب، فإذا أراد كتابة رسالة أو عهد أو تدوين للوحي، أمر كتابه بالتدوين. على ذلك أجمع المسلمون. وقد وردت في القرآن آيات مثل: )اقرأ باسم ربك(، وآية )وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون(. اخذها البعض على إن فيها دلالة على إن النبي كان يقرأ ويكتب، واستدل أيضا ببعض ما ورد في كتب الحديث والسير، وفيه ما يفيد انه كان ملما بالقراءة والكتابة، كالذي ورد في صلح "الحديبية" انه "هو الذي كتب الكتاب بيده الشريفة. وهو ما وقع في البخارى".

(1/4671)


وما جاء في السيرة لابن هشام: "فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكتب الكتاب هو وسهيل". وما جاء في البخارى: "وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكتاب ليكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد". وقالوا إن في هذا المذكور وفي غيره من مثل ما ورد من إن الرسول "لما اشتد وجعه، قال: ائتوني بالدواة والكتب اكتب لكم كتابا لا تضلون معه بعدي أبدا"، ومثل ما ورد "في حديث أبي بكر رضي الله عنه، انه دعا في مرضه بسواة ومزبر فكتب اسم الخليفة بعده"، دلالة مريحة على قدرته على الكتابة والقراءة. وللعلماء كلام في الأدلة المذكورة، ولهم آراء في تفسير الآيات التي تعرضت لموضوع الأمية. والأمية في تفسير علماء اللغة من لا يكتب، أو العيي الجلف الجافي القليل الكلام. قيل له أمي لأنه على ما ولدته أمه عليه من قلة الكلام وعجمة اللسان، أو الجهل التام بالقراءة والكتابة. "لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب"، أو لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة، أو الأمي الذي على خلقه الأمة، لم يتعلم الكتاب، فهو على جبلته. وقد ورد في الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب"، أو "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، أو "بعثت إلى أمة أمية"، فذهبوا إلى إن العرب كانوا على أصل ولادة أمهم، لم يتعلموا الكتابة ولا الحساب، فهم على جبلتهم الأولى. "وكل شيء للعرب، فإنما هو بديهة وارتجال... ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه احدا من ولده. وكانوا اميين لا يكتبون".

(1/4672)


وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "الأمي"، و "اميون"، و "اميين"، ونعت الرسول ب "النبي الأمي"،وردت في سور مكية وفي سور مدنية. وردت لفظة "الأمي" في سورة الأعراف، وهي من السور المكية، ووردت لفظة "أميون" و "الأميين" في سورة البقرة، وسورة آ ل عمران، وسورة الجمعة، وهي من السور المدنية. ويلاحظ إن الآيتين المكيتين، خاصتان بالرسول، فنعت فيهما ب "النبي الأمي"، اما الآيات المدنية، فقد قصد بها "الأميين"، الذين ليس لهم كتاب بمعنى المشركين.
وقد بحث "الراغب الاصبهاني" في معنى "الأمية" فقال: "والأمي: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب وعليه حمل: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم. قال قطرب: الأمية: الغفلة والجهالة. فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة. ومنه قوله تعالى: )ومنهم اميون لا يعلمون الكتاب إلا اماني(، اي إلا إن يتلى عليهم. قال الفراء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب. والنبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، قيل منسوب إلى الأمة الذين لم يكتبوا لكونهم على عادتهم. كقولك عامي لكونه على عادة العامة. وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه واعتماده على ضمان الله منه بقوله: سنقرئك فلا تنسى. قيل سمي بذلك لنسبته إلى أم القرى".

(1/4673)


وقد ذهب بعض العلماء إلى إن الأميين من لا كتاب لهم من الناس، مثل الوثنيين والمجوس، قال الطبري في تفسير الآية: )وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ? فإن اسلموا فقد اهتدوا(: "يعني بذلك جل ثناؤه، وقل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميين، الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أ أسلمتم..". وذهب كثير من المفسرين إلى إن الأميين الذين لا كتاب لهم، اي الذين ليسوا يهودا ولا نصارى. وورد: "إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يكره إن يظهر الأميون من المجوس على اهل الكتاب من الروم"، قال الطبري: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يكره إن يظهر الأميون من المجوس على اهل الكتاب من الروم، ففرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: انكم اهل كتاب والنصارى اكل كتاب، ونحن اميون، وقد ظهر اخواننا من اهل فارس على اخوانكم من اهل الكتاب". فالمسلمون اهل كتاب، والمجوس اميون كمشركي مكة وبقية العرب المشركين، لا لكونهم، لا يقرأون ولا يكتبون، بل لأنهم لم يؤمنوا بالتوراة والانجيل.
ويلاحظ إن الآية: )وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين (، والآية: )ومن اهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائما، ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل( ؛ والآية: )ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا اماني (، وكذلك: )هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم (، لا تؤدي معنى الأمية، بمعنى الأمة الجاهلة بالقراءة والكتابة، لعدم انسجام التفسير مع المعنى،وانما تؤدي معنى وثنية، أي امة لم تؤمن بكتاب من الكتب السماوية، أي في المعنى المتقدم.

(1/4674)


"والأمي والأمان -بضمهما - من لا يكتب أو من هو على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب، وهو باق على جبلته. وفي الحديث: إنا أمة امية، لا نكتب ولا نحسب. اراد انه على اصل ولادة امهم، لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى.
وقيل لسيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، الأمي لأن امة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولا، وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة احدى آياته المعجزة، لأنه صلى الله عليه وسلم، تلا عليهم كتاب الله منظوما تارة بعد اخرى، بالنظم الذي انزل عليه، فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، ففي ذلك انزل الله تعالى: )وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولاتخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون(. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج احاديث الرافعي إن مما حرم عليه صلى الله عليه وسلم: الخط والشعر، وانما يتجه التحريم إن قلنا انه كان يحسنهما، والأصح انه كان لا يحسنهما، ولكن يميز بين جيد الشعر ورديئه. وادعى بعضهم انه صار يعلم الكتابة بعد ان كان لا يعلمها لقوله تعالى من قبله في الآية. فإن عدم معرفته بسبب الاعجاز. فلما اشتهر الإسلام وأمن الارتياب عرف حينئذ الكتابة. وقد روي عن ابن ابي شيبة وغيره: ما مات رسول الله صلى الله طيه وسلم، حتى كتب وقرأ، وذكره مجالد للشعبي. فقال ليس في الآية ما ينافيه. قال ابن دحية: واليه ذهب ابو ذر الفتح النيسابوري والباجي وصنف فيه كتابا، ووافقه عليه بعض علماء افريقية وصقلية. وقالوا: إن معرفة الكتابة بعد اميته لا تنافي المعجزة، يل هي معجزة اخرى بعد معرفة اميته وتحقق معجزته، وعليه تتنزل الآية السابقة والحديث فان معرفته من غير تقدم تعليم معجزة. وصنف ابو محمد بن مفوز كتابا رد فيه على الباجى وبين فيه خطأه، وقال بعضهم يحتمل إن يراد انه كتب مع عدم علمه بالكتابة وتمييز الحروف، كما يكتب بعض الملوك علامتهم وهم اميون، والى هذا ذهب القاضي ابو جعفر السمناني".

(1/4675)


وقد تعرض "الألوسي" لهذا الموضوع في تفسيره الآية: )وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون. بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم، وما يجحد آياتنا إلا الظالمون(. فقال: "واختلف في انه صلى الله عليه وسلم، أكان بعد النبوة يقرأ ويكتب ام لا? فقيل انه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة، واختاره البغوي في التهذيب، وقال: انه الأصح. وادعى بعضهم انه صلى الله عليه وسلم، صار يعلم الكتابة بعد إن كان لا يعلمها، وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية، فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر امر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ. وروى ابن ابي شيبة وغيره: ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. ونقل هذا للشعبي فصدقه، وقال: سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافيه. وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال صل الله عليه وسلم: رأيت ليله أسري بي مكتوبا على الجنة: الصدقة بعشر امثالها، والقرض بثمانية عشر.
ثم قال: ويشهد للكتابة احاديث في صحيح البخاري وغيره، كما ورد في صلح الحديبية: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله، الحديث.
وممن ذهب إلى ذلك ابو ذر عبد بن احمد الهروي، وابو الفتح النيسابوري، وابو الوليد الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني. وصنف فيه كتابا، وسبقه إليه ابن منية. ولما قال ابو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه، وكتب به الى علماء الأطراف، فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد اميته صلى الله عليه وسلم، لا تنافي المعجزة، بل هي معجزة اخرى لكونها من غير تعليم.

(1/4676)


وقد رد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح إنا أمة أمية نكتب ولا نحسب. وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله: كتب، فمعناه امر بالكتابة، كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. وتقديم قوله تعالى: من قبله على قوله سبحانه: ولا تخطه كالصريح في انه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقا. وكون القيد المتوسط راجعا لما بعده غير مطرد. وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده، فقال: يفهم من ذلك انه عليه الصلاة والسلام كان قادرا على التلاوة والخط بعد انزال الكتاب، ولولا هذا الاعتبار، لكان الكلام خلوا من الفائدة. وأنت تعلم انه لو سلم ما ذكره من الرجوع، لا يتم امر الإفادة إلا إذا قيل بحجية المفهوم، والظان ممن لا يقول بحجيته.
ثم قال الألوسي في تفنيد هذه الردود ما نصه:
ولا يخفى إن قوله عليه الصلاة والسلام: إنا امة امية لا نكتب ولا نحسب، ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام. ولعل ذلك باعتبار انه بعث عليه الصلاة والسلام، وهو واكثر من بعث اليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب اميون، لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الاكثر بعد. واما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالمكاتية، فخلاف الظاهر. وفي شرح صحيح مسلم للنووي عليه الرحمة نقلا عن القاضي عياض: إن قوله في الرواية التي ذكرناها: ولا يحسن يكتب فكتب، كالنص في انه صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه، فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه. ثم قال: وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا".

(1/4677)


وبحث "القرطبي" في هذا الموضوع أيضا، فقال: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب، الضمير في قبله عائد إلى الكتاب، وهو القرآن المنزل على محمد، صلى الله عليه وسلم، أي وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى اهل الكتاب، بل أنزلناه اليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتابا، ويخط حروفا لارتاب المبطلون أي من اهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وقالوا الذي نجده في كتبنا انه امي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان اهل الكتاب يجدون في كتبهم إن محمدا صلى الله عليه وسلم، لا يخط ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية؛ قال النحاس: دليلا على نبوته لقريش، لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط اهل الكتاب ولم يكن بمكة اهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك.
الثانية: ذكر النقاش في تفسير الآية عن الشعبي انه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كتب. واسند أيضا حديث ابي كبشة السلولي ؛ مضمنه: انه صل الله عليه وسلم، قرأ صحيفة لعيينة بن حصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وفول الباجي رحمه الله منه.

(1/4678)


قلت: وقع في صحيح مسلم من حديث البراء في صلح الحديبية إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي: اكتب الشرط بيننا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال له المشركون: لو نعلم انك رسول الله تابعناك - وفي رواية بايعناك - ولكن اكتب محمد بن عبدالله، فأمر عليا إن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرني مكانها، فأراه فمحاها وكتب ابن عبدالله. قال علماؤنا رضي الله عنهم: وظاهر هذا انه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيده، وكتب مكانها ابن عبدالله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا. فقال: فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن إن يكتب. فقال جماعة، بجواز هذا الظاهر عليه وانه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذر والباجي، ورأوا إن ذلك غير قادح في كونه أميا، ولا معارض بقوله: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، ولا بقوله: إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهارا على صدقه وصحة رسالته، وذلك انه كتب عن غير تعلم لكتابة، ولا تعاط لأسبابها، وانما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبدالله لمن قرأها، فكان ذلك خارقا للعادة، كما انه عليه السلام علم علم الأولين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ معجزاته، وأعظم فضائله. ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسن ان يكتب. فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال: كتب. قال شيخنا أبو العباس احمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا، لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رمي

(1/4679)


من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة، على إن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة،غير ان العقل لايحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها.
قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا انها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أميا لا يكتب، وبكونه أميا في أمة أمية قامت الحجة، وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وانما الآية الا يكتب،والمعجزات يستحيل ان يدفع بعضها بعضا. وانما معنى كتب وأخذ القلم، أي أمر من يكتب به من كتابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم، ستة وعشرون كاتبا.
الثالثة - ذكر القاضي عياض عن معاوية انه كان يكتب بين يدي النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال له: ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم. قال القاضي: وهذا وان لم تصح الرواية انه صلى الله عليه وسلم، كتب، فلا يبعد ان يرزق علم هذا، ويمنع القراءة والكتابة.
قلت: هذا هو الصحيح في الباب انه ما كتب ولا حرفا واحدا، وانما امر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى. فإن قيل: فقد تهجى النبي، صلى الله عليه وسلم، حين ذكر الدجال،.فقال: مكتوب بين عينيه ك ا ف ر، وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أميا، قال الله تعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب، الآية. وقال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فكيف هذا ? فالجواب ما نص صلى الله عليه وسلم، في حديث حذيفة، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضا. ففي حديث حذيفة: يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، فقد نص في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميا. وهذا من أوضح ما يكون جليا".

(1/4680)


وقد ذهب "الطبرسي" في تفسيره للآية المذكورة إلى إن الرسول ساوى قومه في المولد والمنشأ، لكنه جاء بما عجز عنه الآخرون من كلام الله والنبوة، فهو أمي مثلهم. ثم عرض رأي "الشريف المرتضى"، القائل: "هذه الآية تدل على ان النبي، صلى الله عليه وسلم، ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة، فأما بعد النبوة فالذي نعتقده في ذلك التجويز، لكونه عالما بالكتابة والقراءة والتجويز لكونه غير عالم بهما من يخر قطع على أحد الأمرين. وظاهر الآية يقتضي إن النفي قد تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها، ولأن التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، لأن المبطلين انما يرتابون في نبوته صلى الله عليه وسلم، لو كان يحسن الكتابة قبل النبوة. فأما بعد النبوة، فلا تعلق له بالريبة والتهمة فيجوز ان يكون قد تعلمها من جبرائيل عليه السلام، بعد النبوة".
وتعرض "الجاحظ" لهذا الموضوع أيضا، فقال نقلا عن كلام شيخ من البصريين، "إن الله انما جعل نبيه أميا لا يكتب ولا يحسب ولا ينسب، ولا يقرض الشعر، ولا يتكلف الخطابة، ولا يتعمد البلاغة، لينفرد الله بتعليمه الفقه واحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين دون ما تتباهى به العرب، من قيافة الأثر والبشر، ومن العلم بالأنواء وبالخيل، وبالأنساب وبالأخبار، وتكلف قول الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن الحكيم، وتكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على انه من الله.
وزعم إن الله تعالى لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم ليكون أنقص حظا من الحاسب الكاتب، ومن الخطيب الناسب، ولكن ليجعله نبيا، وليتولى من تعليمه ما هو أزكى وأنمى. فإنما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القبائل ليجلي له الكثير".

(1/4681)


وقد رد "الجاحظ" على كلامه هذا، بقوله: "وقد أخطأ هذا الشيخ ولم يرد إلا الخير. وقال بمبلغ علمه ومنتهى رأيه. ولو زعم إن أداة الحساب والكتابة، وأداة قرض الشعر ورواية جميع النسب، قد كانت فيه تامة وافرة، ومجتمعة كاملة، ولكنه صلى الله عليه وسلم صرف تلك القوى وتلك الاستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة، وأشبه بمرتبة الرسالة، وكان إذا احتاج إلى البلاغة كان أبلغ البلغاء، واذا احتاج إلى الخطابة كان أخطب الخطباء، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، ولو كان في ظاهره، والمعروف من شأنه انه كاتب حاسب، وشاعر ناسب، ومتفرس قائف، ثم أعطاه الله برهانات الرسالة وعلامات النبوة، ما كان ذلك بمانع من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، والانقياد لأمره على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم. ولكنه اراد ألا يكون للشاغب متعلق عما دعا إليه حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وان رق، وليكون ذلك أخف في المؤونة، واسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، صار لسانه لا ينطلق به، والعادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف. وكانت آلته أوفر وأداته أكمل، إلا انها كانت مصروفة إلى ما هو أرد.
وبين ان نضيف إليه العجز، وبين ان نضيف إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له، فرق.
ومن العجب إن صاحب هذه المقالة لم يره عليه السلام في حال معجزة قط، بل لم يره إلا وهو إن أطال الكلام قصر عنه كل مطيل، وان قصر القول اتى على غابة كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط واقامة الشعر، فكيف ذهب ذلك المذهب، والظاهر من امره عليه السلام خلاف ما توهم!?".
فهذا هو رأي الجاحظ في امية الرسول.

(1/4682)


واما حديث:. "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، فيعارضه حديث آخر ينسب إلى الرسول هو: "قريش اهل الله، وهم الكتبة الحسبة". "وبقال قريش اهل الله، لأنهم كتبة حسبة". والقرآن الكريم نفسه، يفند إن قريشا لم يكونوا يحسنون الكتاب أو الحساب، لما فيه من آيات تناقض هذا الرأي. وفي الحديث، أحاديث كثيرة يجب عدم الأخذ بها، لأنها ضعيفة، ويشبه ان يكون الحديث المذكور واحد منها. ومن هذه الأحاديث الضعيفة، حديث: "حق الوالد على ولده ان يعلمه الكتابة والسباحة، والرماية، وان لا يرزقه إلا طيبا"، وحديث: " حق الوالد على ولده ان يحسن اسمه، ويزوجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب". والحديث المذكور من الأحاديث التي يرجع سندها إلى "ابي هريرة" وفي الأحاديث المنسوبة إليه احاديث كثيرة يجب عدم الأخذ بها.

(1/4683)


ولو أخذنا بالحديث على علاته، وقبلناه دون نقد، كما يفعل كثير من الناس، وجب علينا الفول إن الرسول كان يقرأ ويكتب. ورد: "وذكر صاحب الشرعة أيضا، انه صلى الله عليه وسلم، قال لمعاوية رضي الله عنه، وهو يكتب بين يديه: ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم"، وانه قال "لزيد بن ثابت" وهو احد كتابه: "إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه"، فهل يعقل صدور هذا الوصف، وهذه التسمية للحروف، وهذه المصطلحات من رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب. وقد روى الرواة هذين الحديثين مع تعارضهما لأقوال العلماء، ورووا أيضا إن "ابا ذر" الغفاري سأل الرسول ": "يا رسول الله، كل نبي مرسل بم يرسل ? قال: بكتاب منزل. قلت: يا رسول الله، اي كتاب أنزل على آدم ? قال: ا ب ت ث ج إلى آخره. قلت: يا رسول الله، كم حرف ? قال: تسع وعشرون. قلت: يا رسول الله، عددت ثمانية وعشرين، فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى احمرت عيناه، ثم قال: يا ابا ذر، والذي بعثني بالحق نبيا ! ما أنزل الله تعالى على آدم إلا تسعة وعشرين حرفا. قلت: يا رسول الله، فيها ألف ولام. فقال عليه السلام: لام ألف حرف واحد، أنزله على آدم في صحيفة واحدة، ومعه سبعون ألف ملك. من خالف لام ألف، فقد كفر بما أنزل على آدم ! ومن لم يعد لام ألف فهو بريء مني وأنا بريء منه ! ومن لايؤمن بالحروف، وهي تسعة وعشرون حرفا لا يخرج من النار ابدا". وبعد فهل نقبل بحديث من هذا النوع، وكل ما فيه يطعن في صحته !

(1/4684)


ويظهر صراحة من الآية: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، إن مرادها من الأميين، ليس الجهل بالكتابة والقراءة، وانما العرب الذين لم يكن عندهم كتاب منزل من السماء. ودليل ذلك ما اورده "الطبري" في تفسيرها من اقوال وروايات. فقد قال: "والأميون هم العرب"، قال "قتادة": "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم. قال: كان هذا الحي من العرب امة أمية ليس فيها كتاب يقرأونه، فبعث الله نبيه محمدا، صلى الله عليه وسلم، رحمة وهدى يهديهم به"، وقال: " كانت هذه الأمة أمية لا يقرأون كتابا"، وقال: "انما سميت امة محمد صلى الله عليه وسلم الأميين لأنه لم ينزل عليهم كتابا"، وقوله: " ويعلهم الكتاب. يقول ويعلمهم كتاب الله وما فيه من امر الله ونهيه وشرائع دينه،والحكمة يعني بالحكمة السنن".
وقال: "ويزكيهم ويعلمهم الكتاب أيضا، كما علم هؤلاء. يزكيهم بالكتاب والأعمال الصالحة ويعلمهم الكتاب والحكمة كما صنع بالأولين"، وقال في تفسير " وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين. يقول تعالى ذكره، وقد كان هؤلاء الأميون من قبل ان يبعث الله فيهم رسولا منهم في جور عن قصد السبيل وأخذ على غير هدى مبين، يقول يبين لمن تأمله انه ضلال وجور عن الحق وطريق الرشد". وقال "ابن كثير" في تفسيرها: " وذلك ان العرب كانوا قديما متمسكين بدين ابراهيم الخليل عليه السلام فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكا... فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل لجميع الخلق، فيه هدايته والبيان لجميع ما يحتاجون إليه، من امر معاشهم ومعادهم". وقال "القرطبي": قال ابن عباس: الأميون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهما لم يكونوا اهل كتاب".

(1/4685)


فالأميون اذن هم العرب، لأنهم كانوا اهل شرك، وليس لهم كتاب، وليس للفظة صلة بالأمية التي تعني الجهل بالقراءة والكتابة.
واما حديث: " إنا امة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين". وقد نسب سنده إلى "ابن عمر"، فحكمه حكم الحديث السابق، وقد فسر الحساب، بأنه حساب النجوم وتسييرها، لا الجهل بالحساب.
وقد ذهب "شبرنكر" الى ان الرسول كان يقرأ ويكتب، وانه قرأ "اساطير الأولين"، و "شبرنكر"من المستشرقين العاطفيين، الذين يأخذون بالخبر، مهما كان شأنه فيبني حكما عليه.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى إن المقصود من الأميين هنا الوثنيون. وان الأمية هذه اخذت من اليهود الذين كانوا يطلقون لفظة "امت"و "اميم " على غيرهم، يريدون بها الوثنيين. كما في جملة: "امت ها عالولام " Ummot ha Olam وقد أطلق اليهود على الغرباء وعلى كل من هو غير يهودي، "كوي" Goy للواحد، و "كويم" Goyim للجمع. وتقابل هذه اللفظة لفظة Gentile في اللاتينية. ويقال للغريب عنهم "اخريم" Ahrim و Nochrim، كذلك، تمييزا لهم عن العبرانيين الذين يذهبون إلى انهم أمة مقدسة مفضلة على العالمين.
وذهب بعض المستشرقين اليهود إلى ان لفظة "الأميين" معربة من اصل "كوى" و "كوييم" المذكور.

(1/4686)


والذي أراه إن لفظة "أمي" و "أمية" لم تكن تعني عند الجاهليين معنى عدم القراءة والكتابة والجهل بهما، وانما كانت تعني عندهم: مشركين ووثنين، وهو المعنى الذي ورد في القرآن الكريم. والذي نعت الرسول فيه بالأمي، لأنه من العرب، ومن قوم ليس لهم كتاب، عرفوا بذلك من قبل اهل الكتاب اليهود. أما تفسيرها بالجهل بالكتابة والقراءة، فقد وقع في الإسلام، اخذوه من ظاهر معنى لفظة "الكتاب" الواردة في القرآن، فظنوا انها تعني "الكتابة " بينما المراد منها الكتاب المنزل، لعدم انسجام تفسيرها بالكتابة مع معنى الآية، ودليل ذلك انهم لما فسروا "الأمية" بمعنى عدم القراءة والكتابة حاروا في ايجاد مخرج لهذا التفسير، فقالوا ما قالوه في تفسيرها من انها سميت بالأمية لأنها علي خلقة الأمة، أو لأنها على الجبلة والفطرة، وأصل ولادة الأمهات وما شاكل ذلك من تفاسير مضطربة باردة، تخبر إن علماء اللغة لم يجدوا لها أصلا ووجودا عند الجاهليين فلجأوا إلى هذه التعليلات. ولو كانت الأمية معروفة عند أهل الجاهلية بهذا المعنى لاستشهدوا عليها بشعر من أشعار الجاهليين أو المخضرمين، ولما لجأوا إلى هذه التفاسير المتكلفة، لأن من عادتهم الاستشهاد بالشعر في تفسير الألفاظ، ولا سيما الألفاظ الغريبة، فعدم استشهادهم بشاهد من شعر أو نثر في تفسير الأمية هو دليل على إن اللفظة بهذا التفسير من الألفاظ التي ولدت في الإسلام، وانها لم تكن عربية خالصة، وانما سمعوها من اهل الكتاب.
وعندي إن يهود يثرب هم الذين أطلقوا لفظة "الأميين" على العرب المشركين، على عادتهم حتى هذا اليوم في نعت الغرباء عنهم بألفاظ خاصة مثل "كوييم"، لتمييزهم عن أنفسهم، باعتبارهم "شعب الله المختار" المؤمن بإله اسرائيل.

(1/4687)


ومما يؤيد هذا الرأي، اننا نطلق في عربيتنا لفظة "الأمي" على من لا يعرف القراءة والكتابة معا، بينما نطلق على الشخص الذي يحسن القراءة ولا يحسن الكتابة قارىء، أو قارئة، وذلك لوجود جماعة كانوا يحسنون القراءة، ولكنهم لا يكتبون.
ونجد اليوم من النساء من يحسن القراءة ولا يكتبن، ولما نزل الوحي على الرسول: باقرأ، قال الرسول: ما أنا بقارىء، أو لست بقارىء، ولم يقل: أنا أمي، مما يدل على ان الأمية انما صارت تعبر عن عدم القراءة والكتابة فيما بعد.
ثم اننا لا نجد في اللغات القديمة لفظة واحدة في معنى "الأمية" التي نستعملها في عربيتنا في الوقت الحاضر، اي في معنى الجهل بالقراءة والكتابة معا، وانما يقال لا يقرأ أو لا يكتب، أو يجهل القراءة والكتابة، فلا يعقل خروج العربية على هذه القاعدة. واستعمالها الأمية قبل الإسلام مصطلحا للتعبير عن الجهل بالكتابة والقراءة معا. ولم أعثر في النصوص الجاهلية على هذه اللفظة أو على لفظة اخرى تؤدي هذا المعنى.
ولا يعقل ان يكون اليهود أو غيرهم قد أطلقوا الأمية على العرب، بسبب جهل العرب الكتابة والقراءة. فقد كان سواد يهود ونصارى جزيرة العرب أميا أيضا، لا يقرأ و لا يكتب، إلا ان القرآن الكريم أخرجهم من الأميين، واستثناهم، وأطلق عليهم "اهل الكتاب"، وذلك يدل دلالة واضحة على إن المراد من "الأميين" العرب الذين لهم كتاب، اي العرب الذين لم يكونوا يهودا ولا نصارى لا من لا يحسن الكتابة والقراءة. والقرآن الكريم هو الذي هدانا إلى لفظة "الأميين " فلم ترد اللفظة في نص من نصوص الجاهلية، وبفضله ايضا عرفنا مصطلح "أهل الكتاب" دلالة على اهل الديانتين.
وأنا لا أريد ان أثبت هنا إن العرب قاطبة كانت أمة قارئة كاتبة، جماعها يقرأ ويكتب، وانها كانت ذات مدارس منتشرة في كل مكان من جزيرتهم،

(1/4688)


تعلم الناس القراءة والكتابة والعلوم الشائعة في ذلك الزمن، فقول مثل هذا هو هراء، ما في ذلك شك، ولا يمكن أن يدعيه أحد ثم إن شيوع القراءة والكتابة بالمعنى المفهوم عندنا، لم يكن معروفا حتى عند أرقى الشعوب إذ ذاك مثل اليونان والرومان والساسانيين في عالم ذلك العهد. فسواد كل الأمم كان جاهلا لا يحسن قراءة ولا كتابة، وانما كانت القراءة والكتابة في الخاصة وفي أصحاب المواهب، والقابليات الذين تدفعهم مواهبهم ونفوسهم على التعلم والتثقف وتزعم الحركة الفكرية بين أبناء جنسهم. ومن هنا كانت كل الأمم أمية من حيث الأكثرية و الغالبية، انما اختلفت في نسبة المتعلمين والمتخصصين والمجتهدين ودرجتهم فيها.
وفي هذا تتباين وتختلف أيضا، فقد كان اليونان والرومان والعالم النصراني في الدرجة الأولى في العهد الذي قارب الإسلام، يليهم الفرس واليهود والهنود. أما العرب، فقد كانوا يتباينون في ذلك أيضا تباينا يختلف باختلاف أماكنهم كما سأبين ذلك.

(1/4689)


فأهل البوادي، ولا سيما البوادي النائية عن الحواضر، هم أميون ما في ذلك من شك، لأن طبيعة البادية في ظروفها المعلومة لا تساعد على تعلم القراءة والكتابة، ولا على ظهور العلوم وتطويرها فيها، غير اننا لا تعني انهم كانوا جميعا أميين، لا قارىء بينهم ولا كاتب. فقد كان بينهم من يقرأ ويكتب، بدليل هذه النصوص الجاهلية التي عثر عليها مبعثرة في مواضع متناثرة من البوادي، وفي أماكن نائية عن الحضارة. وهي كتابات أعراب ورعاة إبل وبقر وأغنام، دونوها تسجيلا لخاطر، أو للذكرى، أو رسالة لمن قد يأتي بينهم، فيقف على أمرهم، ومن هنا نستطيع أن نقول إن أعراب الجاهلية، كانوا أحسن حالا من أعراب هذا اليوم، فقد كان فيهم الكاتب القارىء، الذي يهتم بتسجيل خواطره، وباثبات وجوده بتدوينه هذه الكتابات، وأن الأمية المذكورة لم تكن أمية عامة جامعة، بل أمية نسبية، على نحو ما نشاهده اليوم في مجتمعاتنا من غلبة نسبة الأمية على نسبة المتعلمين.
وأما أهل الحواضر، فقد كان بينهم من يقرأ ويكتب، كما كان بينهم الأمي أي الجاهل بالقراءة والكتابة. كان منهم من يقرأ ويكتب بالقلم المسند، وكان بينهم من يقرأ ويكتب بالقلم الذي دون به القرآن الكريم، فصار القلم الرسمي للاسلام، بفضل تدوين الوحي به، كما كان بينهم من يكتب بقلم النبط وبقلم بني إرم. وكان بينهم من يكتب ويقرأ بقلمين أو أكثر.
وقد سبق إن ذكرنا إن الأحناف كانوا يكتبون ويقرأون، ورأينا بعضا منهم كان يكتب بأقلام اعجمية، وكان قد وقف على كتب أهل الكتاب، وكانوا أصحاب رأي ومقالة في الدين وفي أحوال قومهم. وذكرت انهم قالوا عن بعضهم، مثل "ورقة بن نوفل"، انه كان "يكتب الكتاب العبراني،فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب".

(1/4690)


وقد ذكر "الهمداني" إن العرب كانت "تسمي كل من قرأ الكتب أو كتب:، صابئا، وكانت قريش تسمي النبي، صلى الله عليه وسلم، أيام كان يدعو الناس بمكة ويتلو القرآن: صابئا". فالصباة على تفسير "الهمداني"، هم الكتبة وكل من قرأ الكتب، وعلى ذلك يكون الحنفاء في جملة الصباة.
وقد ذكر أهل الأخبار انه كان لدى "الأكاسرة" ديوان خاص يدون فيه كل ما يخص عرب الحيرة وسائر العرب بالعربي، ويتولى أيضا ترجمة كل ما يرد إلى الدولة بالعربية إلى الفارسية، ويترجم ما يصدر بالفارسية من الحكومة إلى العرب بالعربية، وان في جملة من اشتغل في هذا الديوان وقام بالترجمة فيه "زيدا العبادي"، أبا الشاعر الشهير "عدي بن زيد العبادي"، وزعم "ابن الكلبي" إن ملوك الحيرة كانوا يملكون دواوين فيها أخبارهم ومقدار مدد حكمهم وما قيل في مدحهم من شعر، وفي خبر صحيفة المتلمس وقراءة أحد غلمان الحيرة للصحيفة التي كان يحملها ما يشير إلى معرفة غلمان أهل الحيرة القراءة والكتابة.
وفي كل هذه الروايات والأخبار تفنيد لزعم من ذهب إلى إن العرب قبل الإسلام كانوا جميعا في جهالة وأمية.

(1/4691)


بل ورد في روايات أهل الأخبار في ترجمة عدي بن زيد العبادي المذكور: إن كان في الحيرة معلمون، يعلمون الأطفال القراءة والكتابة، يذهبون إلى بيوت الأطفال يعلمونهم إن شاء أهلهم، أو يعلمونهم في الكتاتيب. وقد ورد أيضا: إن من الكتاتيب ما كانت تعلم بالعربية ومنها ما كانت تعلم بالفارسية. فكان جد عدي ين زيد العبادي مثلا ممن تعلم في دار أبيه، وخرج من أكتب الناس في يومه "وطلب حتى صار كاتب ملك النعمان الأكبر. وكان أبوه زيد ممن حذق الكتابة والعربية، ثم علم الفارسية. ولما تحرك عدي، وأيفع، طرحه أبوه في الكتاب، حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه شاهان مرد إلى كتاب الفارسية، فكان يختلف مع ابنه، ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية، حتى خرج من أفهم الناس بها، وافصحهم بالعربية، وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب، فخرج مع الأساورة الرماة، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها".
وذكر أهل الأخبار إن "لقيط بن يعمر الإيادي" الشاعر كتب صحيفة إلى قومه إياد، يحذرهم من كسرى. وكان كاتبا ومترجما في قصر كسرى، يكتب من الفارسية إلى العربية ومن العربية إلى الفارسية، فلما أراد كسرى الانتقام من قومه، كتب اليهم قصيدة في صحيفة، فيها: سلام في الصحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إياد
وذكر إن "سعد بن مالك" أرسل ابنه "المرقش" الشاعر المعروف وأخاه إلى رجل من أهل الحيرة، فعلمهما الكتابة، فكانا يكتبان أشعارهما، وذكر انه كان يكتب بالحميرية، وانه كتب أبياتا بها على خشب رحل "الغفيلي الذي تركه وحده لما مرض، فلما قرأوا الكتابة ضربوا "الغفيلي" حتى أقر.
وكان جفينة العبادي، وهو من نصارى الحيرة، وظئرا لسعد بن أبي وقاص، كاتبا، قدم المدينة في عهد عمر، وصار يعلم الكتابة فيها. وقد اتهمه "عبيد الله بن عمر" بمشايعة أبي لؤلؤة على قتل أبيه، فقتله وقتل ابنيه.

(1/4692)


ولما نزل "خالد بن الوليد" الأنبار، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم ? فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا - فكانت اوائلهم نزلوها أيام بختنصر حين أباح العرب، ثم لم تزل عنها - فقال: ممن تعلمتم الكتاب ? فقالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشدوه قول الشاعر: قومي إياد لو انهم أمم أو لو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا ساروا جميعا والخط والقلم
ووجد "خالد بن الوليد" أهل "النقيرة" يعلمون أولادهم الكتاب في كنيستها. وهي قرية من قرى "عين التمر". ومنها كان "حمران" مولى "عثمان بن عفان". ولما فتح "خالد" حصن عين التمر، وغنم ما فيه، "وجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الانجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم"، ثم أخرجهم، فقسمهم في أهل البلاء، فكان منهم نصير، أبو موسى ابن نصير، وسيرين أبو محمد بن سيرين، وخمران مولى عثمان وغيرهم.
فنحن في العراق أمام مدارس تعلم العربية في القرى وفي الأماكن التي تكون غالبية سكانها من العرب، وتعلمهم أمور دينهم من نظر في الأناجيل وفي الكتب الدينية النصرانية والعلوم اللسانية المعروفة إلى غير ذلك من علوم ومعرفة وثقافة.
وورد في روايات أهل الأخبار ان عددا من الشعراء الجاهليين كانوا يكتبن ويقرأون. وكان منهم من إذا نظم شعرا دونه ثم ظل يعمل في اصلاحه وتنقيحه وتحكيك ما نظمه إلى أن يرضى عنه. فينشده الناس. وممن كان يكتب ويقرأ سويد بن الصامت الأوسي، صاحب مجلة لقمان، والزبرقان بن بدر، وكعب ابن زهير، وكعب بن مالك الأنصاري، والربيع بن زياد العبسي، وكان هو واخوته من الكملة. وقد كتب إلى "النعمان بن المنذر". شعرا يعتذر إليه فيه.

(1/4693)


وذكر ان أهل "دومة الجندل" كانوا يكتبون ويقرأون، وان أهل مكة انما تعلموا الكتابة من أحدهم. وورد إن قوما من "طيء" تعلموا الكتابة والقراءة من كاتب الوحي لهود. وذكر إن "بشر بن عبد الملك" السكوني، أخو "أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن" السكوني الكندي صاحب دومة الجندل، وكان نصرانيا، يأتي الحيرة فيقيم بها الحين، تعلم الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شأنه، فرآه "سفيان بن أمية بن عبد شمس " و "أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب" يكتب فسألاه أن يعلمهما، الخط، فعلمهما الهجاء، ثم أراهما الخط، فكتبا. ثم إن بشرا وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم "غيلان بن سلمة الثقفي"، فتعلم الخط منهم، وفارقهم بشر ومضى إلى ديار مضر، فتعلم الخط منه "عمرو بن زرارة بن عدس " فسمي عمرو الكاتب. ثم أتى بشر الشام، فتعلم الخط منه ناس هناك.
وتعلم الخط من الثلاثة الطائيين: "مرامر بن مرة"، و "أسلم بن سدرة"، و "عامر بن جدره"، الذين وضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم أهل الأنبار - رجل من طابخة كلب، فعلمه رجلا من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردد، فأقام بها،وعلم الخط قوما من أهلها.
وقد وصف الشاعر "أبو ذؤيب" الهذلي كاتبا من اليمن وهو يكتب كتابا، ولم يكن خط هذا الكتاب بالقلم العربي، قلم أهل مكة، وانما كان بقلم أهل اليمن وهو المسند. وذلك كما يظهر من تعابير هذا الشاعر الواردة في شعره، إذ يقول: عرفت الديار كرقم الدوا ة يزبره الكاتب الحميري
برقم ووشى كما زخرفت بميشمها المزدهاة الهدي
أدان وأنبأه الأولو ن أن المدان الملي الوفي
فنمنم في صحف كالريا ط فيهن إرث كتاب محي
وهي قصيدة عدتها أربعة عشر بيتا، ذكر في أولها دروس الديار وطموسها إلى أن رثى ابن عمه "نشيبة" بخمسة أبيات من آخرها.

(1/4694)


ويظهر من هذه الأبيات إن ذلك الكاتب الحميري كان يكتب بالحبر الموجود في دواة على شيء يصلح للكتابة عليه كأديم أو قرطاس، ولم يكن يستعمل المزبر المعمول من حديد لنقش الحروف على الحجر. وهذا مما يدل على ان أهل العربية الجنوبية كانوا يكتبون على مواد الكتابة الأخرى بالحبر والقلم، فعل أهل مكة وأهل الحيرة ودومة الجندل.
وذكر أهل الأخبار أيضا، إن رجلين من "بني نهد بن زيد" يقال لهما "حزن" و "سهل" كانا يكتبان ويقرأ ان، وكانا قد زارا "الحارث بن مارية" الغساني، وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، ولهما ظرافة وأدب وصحبة، فنزلا منزلا طيبا من قلب الحارث، فحسدهما "زهير بن جناب الكلبي" وكان من ندماء الملك، فأراد افساد مكانهما عنده، فقال له: "هما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك". يريد اخباره انهما كانا يتجسسان عليه فيكتبان بأخباره إلى خصمه "المنذر" الأكبر، ملك الحيرة، جد النعمان بن المنذر.
وأما عرب بلاد الشام، فلم يذكر أهل الأخبار شيئا عن علمهم بالكتابة والقراءة، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون دليلا على جهلهم بها. ولا سيما انهم كانوا على اتصال ببني إرم في بلاد الشام وبعرب بلاد العراق، ثم انه يجوز انهم كانوا يكتبون بقلم بني إرم، على عادة معظم شعوب الشرق الأدنى إذ ذاك، في الكتابة به، لأنه كان قلم العلم والثقافة والأدب في ذلك الحين. ثم اننا سمعنا إن ملوكهم المتنصرين كانوا يرأسون مجالس المناظرات في أمور الدين، ويبحثون مع رجال الدين في موضوعات دينية، ويدافعون عن مذهب اليعاقبة في طبيعة المسيح، ومثل هؤلاء الملوك لا يعقل أن يكونوا جهلة أميين لا يقرأون ولا يكتبون.

(1/4695)


وقد سبق أن تحدثت عن،الكتابات الصفوية وعن كتابات عربية شمالية أخرى، عثر عليها السياح والمستشرقون في مواضع متعددة من "الصفاة" وفي البوادي، كتبت على صخور وهشيم صخور منثور، دل البحث فيها على انها كتابات أعراب، كان أصحابها يتنقلون من مكان إلى مكان طلبا للمرعى والصيد.
وتدل تلك الكتابات الصفوية على إن أعراب الجاهلية كانوا في أيام الجاهلية أحسن حالا من حيث علمهم بالكتابة والقراءة من أعراب هذا اليوم. فالكتابات الصفوية الكثيرة المبعثرة في البوادي، هي كتابات أعراب، متجولين، كانوا يرعون الإبل وبقية الماشية،فكانوا يسلون أنفسهم بالكتابة والتصوير على الحجارة، بينما لا نكاد نجد بين اعراب هذا اليوم من يكاد يقرأ ويكتب.
كما تحدثت عن كتابات ثمودية، وثمود قوم من لب العرب ومادة العرب البائدة الأولى في عرف النسابين، وتحدثت أيضا عن القلم المسند بلهجاته ولغاته، فهل يصدق بعد هذا قول من زعم إن العرب قبل الإسلام كانوا في جهالة عمياء، لا يقرأون ولا يكتبون.
ولا يعقل أن يكون المذكورون أميين كتبوا للتسلية والتلهية، وان الأوامر والقوانين التي دونها ملوك اليمن قبل الإسلام وأعلنوها للناس بوضعها في المحلات العامة وفي الأماكن البارزة كانت مجرد تدوين أو تزويق وتزيين، لا للاعلان ولإفهام المواطنين بمحتوياتها. إن تدوين تلك الكتابات ووضع الحجارة الفخمة المكتوبة للاعلان، دليل على إن في الناس قوما يقرأون ويكتبون ويفهمون، وان الحكومات انما أمرت بتدوينها لإعلام الناس بمحتوياتها للعمل بها، كما تفعل الحكومات في الوقت الحاضر عند إصدارها أمرا أو قانونا بإذاعته بالوسائل المعروفة على الناس للوقوف عليها، وان من بين الحجارة الصفوية واللحيانية والثمودية المكتوبة، ما هو رسائل وكتب وجهت إلى أشخاص معروفين، كما نفعل اليوم في توجيه الرسائل إلى الأقرباء والأصدقاء.

(1/4696)


ووجد عند ظهور الإسلام قوم كانوا يكتبون ويقرأون ويطالعون الكتب بمكة ولهم إلمام بكتب أعجمية، ومن هؤلاء. "الأحناف" وقد ذكر عن بعض إنهم كانوا يجيدون بعض اللغات الأعجمية،. وانهم وقفوا على كتب اليهود والنصارى وعلى كتب اخرى. وفي معركة "بدر" اشترط الرسول على من أراد فداء نفسه ولم يكن موسرا من أهل مكة، أن يعلم عشرة نفر من المسلمين القراءة والكتابة، كما كان من عادة أهل مكة تدوين ما يجمعون عليه وما يلزمون أنفسهم به في صحف يختمونها بخواتمهم وبأسمائهم لتكون شواهد على عزمهم كالذي فعلوه في الصحيفة. وذكر إن أمية بن أبي الصلت كان فيمن قرأ الكتب ووقف عليها، وذكروا غيره أيضا.

(1/4697)


وذكر أهل الأخبار إن قوما من أهل يثرب من الأوس والخزرج، كانوا، يكتبون ويقرأون عند ظهور الإسلام، ذكروا فيهم: سعد بن زرارة، والمنذر ابن عمرو، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وكان يكتب بالكتابين العربية والعبرية أو السريانية، ورافع بن مالك وأسيد بن حضير، ومعنى "معن" بن عدي البلوي، وأبو عبس بن كثير، واوس بن خولى، وبشير بن سعيد، وسعد بن عباده، والربيع بن زياد العبسي، وعبد الرحمن بن جبر، وعبدالله ابن أبي، وسعد بن الربيع، وقد رجعوا أصل علمهم بالكتابة والقراءة إلى قوم من يهود يثرب، مارسوا تعليم الصبيان القراءة والكتابة، دعوهم "بني ماسكة"، ويظهر، إن صحت هذه الرواية، إن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية أيضا، وانهم كانوا يعلمونها للعرب. وتعرض البلاذري لهذا الموضوع فقال: "كان الكتاب في الأوس والخزرج قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون". ونجد هذا الخبر في موارد أخرى، أخذته دون أن تشير إلى السند، فظهر وكأنه حقيقة مسلمة وخبر متواتر، حتى جاز على المحدثين، فبنوا عليه حكما، هو أن الكتاب كان في يثرب قليلا، حتى جاء الإسلام، فانتشر بها، وانه لو كانت الكتابة منتشرة عندهم، لما كلف الرسول القارئين الكاتبين من أسرى بدر، بأن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة، فداء لنفسه من الأسر.

(1/4698)


ويظهر إن يهود يثرب، وربما بقية يهود، مثل يهود خيبر، وتيماء وفدك ووادي القرى، كانوا يكتبون بقلمهم، كما كانوا يكتبون بالعربية، ويظهر من استعمال "البلاذري" جملة: "وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول"،إن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية، كما كان يكتب بها صبيان المدينة، وكانوا يعلمون الكتابة لصبيان يثرب في مدارسهم. وفي هذا الخبر وأمثاله دلالة على إن الكتابة كانت معروفة بين أهل يثرب أيضا قبل الإسلام، وانها كانت قديمة فيهم، ولهذا فلا معنى لزعم من قال انها انتشرت بيثرب في الإسلام، وان الكتابة كانت قليلة بها قبل هذا العهد.
وقصد أهل الأخبار بجملة "وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، الكتابة بالخط العربي الشمالي، لا بالقلم المسند، لأن هذا هو مرادهم من "الكتاب العربي" و "كتاب العربية"، ويظهر إن اليهود قد تعلموا الخط العربي من عرب العراق وبلاد الشام، أو من التجار والمبشرين الذين كانوا يفدون إلى الحجاز، وأما القلم المسند، الذي هو قلم العرب الجنوبين، فلم يكن مستعملا في يثرب، وإلا لأشير إليه، مع انها من القواعد المتعصبة للقحطانية، وحاملة الدعوة الى اليمن قبل الإسلام وفي الإسلام. وهذا يدل على إن المسند كان قد طورد في جزيرة العرب قبل الإسلام، وأن سلطانه كان قد تقلص كثيرا، خارج العربية الجنوبية قبل نزول الوحي على الرسول، وربما كان القلم العربي الشمالي قد دخل العربية الجنوبية أيضا قبل الإسلام، فأخذ ينافس المسند فيها، ولا سيما في المناطق التي تركزت فيها النصرانية وتحكمت في أهلها، فأخذ النصارى يقاومون ذلك القلم، لأنه قلم الوثنية، ويعلمون أولاد النصارى القلم العربي الشمالي، لأنه قلمهم الذي كانوا يعلمون به في كنائس العرب في العراق وفي دومة الجندل وبلاد الشام.

(1/4699)


وقد أطلق العرب على الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، وقيل الحساب أيضا، والجلد أي الشجاعة، وقول الشعر، وأصحاب الشرف والنسب: الكملة. وجمع بعض أهل الأخبار إلى ذلك استواء القامة وكمال الإنسان. ومن هؤلاء الكملة: "سعد بن عبادة بن دليم" سيد الخزرج، وهو من أسرة غنية تطعم الفقراء، ولها أطم يأوي إليه الفقراء للأكل. ولما نزل النبي يثرب، كانت جفنة "سعد" تدور مع النبي، وكان يعشي كل ليلة أهل الصفة.
ومن الكملة: الربيع بن زياد العبسي. وكان هو واخوته من الكملة. و "رافع بن مالك"، و "أسيد بن حضير"، و "عبد الله ين أبي"، و "أوس بن خولى"، و "سويد بن الصامت"، و "حضير الكتائب".
ويظهر من النظر إلى قائمة أسماء من أدخلهم أهل الأخبار في الكملة، إن الكتابة والرماية والعوم، لم تكن الشروط الأساسية الكافية، لكي يعد الإنسان كاملا، فقد توفرت هذه الشروط في أناس آخرين، لم يدخلوا مع ذلك في الكملة، وانما هنالك أشياء اخرى بالاضافة إلى الأمور المذكورة، هي الشرف وكمال الجسم والعقل والامتناع عن الهجر في الكلام، والتحلي بالحكمة وبالفطانة واللب وقول الشعر المحكم الحكيم.
وكان "عبد الرحمان بن جبر"، أبو عبس الأنصاري، يكتب بالعربية قبل الإسلام. ومات سنة أربع وثلاثين.
وكان "المنذر"، "منذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان" الخزرجي من الكتبة. وكان أحد السبعين الذين بايعوا الرسول، وأحد النقباء الاثني عشر. "وكان يكتب في الجاهلية بالعربية". قتل يوم بئر معونة. وكان "أبو جبيرة بن الضحاك" الأنصاري، ممن يكتب. وقد تولى الكتابة للخليفة "عمر".

(1/4700)


وكان "قيس بن نشبة" عم الشاعر "العباس بن مرداس" السلمي، أو ابن عمه من الكتبة. ذكر انه كان ممن قرأ الكتب وتأله في الجاهلية. والعباس بن مرداس نفسه كان كاتبا، ذكر انه لما سمع إن رجلا من أهل مكة اشترى إبلا لقيس بن نشبة فلواه حقه، وان "قيسا" قام بمكة يقول: يا آل فهر كنت في هذا الحرمفي حرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع مني من ظلم بلغ ذلك "عباس بن مرداس" فكتب إليه أبياتا منها:
وائت البيوت وكن من أهلها مددا تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا
فقام العباس بن عبد المطلب وأخذ له بحقه، وقال: أنا لك جار ما دخلت مكة، فكانت بينه وبين بني هاشم مودة.
وفي جملة من كان يكتب ويقرأ من أهل مكة "حرب بن أمية". واليه ينسب قوم من أهل الأخبار ادخال الكتابة بين قريش. وهو أبو "أبي سفيان ابن حرب"، فهو جد "معاوية بن أبي سفيان". وورد إن الذي حمل الكتابة إلى قريش بمكة "أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة". فهو ناشر الكتابة على هذه الرواية بين أهل مكة. والاثنان على رأي أهل الأخبار من أقدم كتاب مكة اذن، بل هما ناشرا الكتابة بها. وقد ذهب "ابن قتيبة" إن "بشر بن عبد الملك العبادي" علم "أبا سفيان بن أمية"، و "أبا قيس بن عبد مناف بن زهرة" الكتاب، فعلما أهل "مكة". وقد ذكر "السيوطي" عن "أبي طاهر" السلفي في "الطيوريات" بسنده عن "الشعبي"، انه "قال: أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس". تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار..
ولو أخذنا برأي من قال إن "حرب بن أمية" أو "أبو سفيان بن أمية"، ما أول من علم أهل مكة الكتابة، نكون قد جعلنا "بني أمية" أول من أدخل القلم إلى مكة، بفضل تعليم "بشر" لهم هذا القلم. ومنهم انتشر بين أهل مكة في عهد غير بعيد عن ايام النبي.

(1/4701)


وذكر إن في جملة من كان يكتب قبل الإسلام."عمرو بن عمرو بن عدس"، وذكر "ابن النديم" إن "أسيد بن ابي العيص" كان من كتاب العرب. وذكر انه كان في خزانة "المأمون" كتاب بخط "عبد المطلب بن هاشم" في جلد أدم، فيه ذكر حق "عبد المطلب بن هاشم" من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري، من أهل وزل صنعا عليه ألف درهم فضة كيلا بالحديدة ومتى دعاه بها أجابه. وكان الخط شبه خط النساء.
وكان "حنظلة بن أبي سفيان" ممن يحسن الكتابة والقراءة بمكة. فقد ورد في الأخبار انه كتب من مكة إلى والده "أبو سفيان"، وكان إذ ذاك مع العباس بن عبد المطلب بنجران، يخبره خبر الرسول. وكان والده يكنى به. وقد قتله "علي بن أبي طالب" يوم "بدر".
وكان "بغيض بن عامر بن هاشم" من كتاب قريش قبل الإسلام. وهو الذي كتب الصحيفة على بني هاشم. وورد إن "أبا الروم بن عبد شرحبيل" واسمه "منصور بن عكرمة" هو الذي كتب الصحيفة.
وكان "الوليد بن الوليد" وهو أخو "خالد بن الوليد" ممن يكتب ويقرأ، وكان "خالد" ممن يقرأ ويكتب كذلك. وكان الوليد سبب اسلام "خالد". فقد كان قد فر من مكة ولحق بالرسول عمرة القضية، وكتب إلى أخيه خالد، إن الرسول قال له: "لو أتانا، لأكرمناه، وما مثله سقط عليه الإسلام في عقله"، فوقع الإسلام في قلب خالد. وكان سبب هجرته.
وكان "نافع بن ظريب بن عمرو بن نوفل ين عبد مناف بن قصي " القرشي ممن يكتب. أسلم يوم الفتح. وهو الذي كتب المصاحف لعمر بن الخطاب، أو المصحف، وذكر انه كان يكتب المصاحف، وانه كتب المصاحف لعثمان، فيظهر انه كان من نساخ المصاحف، ينسخها للناس.

(1/4702)


وكان "حاطب بن أبي بلتعة" من الكتاب. وكان حليفا لبني أسد بن عبد العزى، ويقال حالف الزبير، وقيل مولى "عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد". وهو الذي كتب كتابا إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله اليهم، فنزلت فيه: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم". وقد شهد مع علي بن ابي طالب على كتاب رسول الله لسلمة بن مالك السلمي، الذي كتب الرسول به اقطاعه ما بين ذات الحناظي إلى ذات الأساود.
وكان الحكم بن أبي أحيحة سعيد بن العاصي، وهو الذي سماه رسول الله "عبدالله" من اولئك الذين أمرهم الرسول إن يعلم الكتاب بالمدينة. وكان كاتبا قتل يوم "مؤته".
يقول أهل الأخبار: ولما نزل الوحي كان "في قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، أخو سهيل بن عمرو العامري من قريش، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية، وخالد بن سعيد أخوه، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى العامري، وأبو سفيان بن حرب بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، ومن حلفاء قريش: العلاء الحضرمي".
ولكننا لو أحصينا أسماء من كان يكتب من اهل مكة، ممن نص أهل الأخبار على أسمائهم، وممن لم ينصوا على اسمهم، وانما ذكروهم عرضا في اثناء كلامهم عنهم فذكروا انهم كانوا يكتبون ويقرأون، لوجدنا إن عددهم أكثر بكثير من هذا الرقم المذكور، رقم سبعة عشر كاتبا، أو بضعة عشر نفرا، وهو عدد ورد اليهم على ما يظهر من خبر آحاد، انتشر في الكتب، فصار متواترا منتشرا حتى في كتب المؤلفين في هذا اليوم، اتخذوه دليلا على أمية العرب قبل الإسلام.

(1/4703)


وقد استعان الرسول بقوم كتبوا له، أشار العلماء إلى أسمائهم. منهم من كتب له الوحي، فعرفوا من ثم ب "كتاب الوحي". ومنهم من كتب له بريده ورسائله، ومنهم من تولى له تدوين المغانم وأمور الزكاة والخرص والصدقة وما إلى ذلك من امور اقتضاها تطور الظروف والأحوال، ومنهم مثل "زيد بن ثابت " من كتب له بالعربية وبالعبرانية أو السريانية. وذكر إن بعضهم كان مثل زيد يكتب بغير العربية أيضا. وكان ممن كتب له: "علي بن ابي طالب"، و "عثمان بن عفان"، و "معاوية بن أبي سفيان"، و "حنظلة الأسيدي"، و "خالد بن سعيد بن العاص"، و "ابان بن سعيد"، و "العلاء بن الحضرمي"، و "عبد الله بن أبي سرح".
وروي إن "أول من كتب له أبي بن كعب، وكان إذا غاب أبي كتب له زيد بن ثابت".، وكان يكتب في الجاهلية.
وجاء في ترجمة أنس بن مالك: أن أمه جاءت به يوم قدم الرسول يثرب وقالت له: "يا رسول الله، هذا ابني وهو غلام كاتب". ومعنى هذا أن غلمان يثرب كانوا يقرأون ويكتبون.
وقد ورد في أخبار "بدر" أنه كان في أسرى قريش قوم يقرأون ويكتبون، وقد امر رسول الله بفك رقاب هؤلاء الأسرى على أن يكون فداؤهم تعليم كل واحد منهم عشرة من صبيان المسلمين الكتابة والقراءة. وقد علم كل واحد منهم صبيان يثرب الكتابة فانتشرت الكتابة بينهم.
وذكر أن ممن كتب لرسول الله: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وخالد وابان ابنا سعيد بن العاص، وحنظلة الأسيدي، والعلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبدالله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وعبدالله بن عبدالله بن ابي بن سلول، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهيم بن الصلت، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة، وعبدالله ابن الأرقم الزهري. وذكر أن عدد من كتب للرسول ثلاثة وأربعون كاتبا.

(1/4704)


وأول من كتب للنبى من قريش "عبدالله بن سعد بن أبي سرح"، وأول من كتب له مقدمه المدينة "أبي بن كعب"، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان بن فلان. وهو من كتاب الوحي والرسائل. وقد كان "عبد الله بن الأرقم الزهري" من كتاب الرسائل للرسول، وأما الكاتب لعهوده إذا عهد وصلحه إذا صالح، فعلي بن أبي طالب. وقد وردت في أواخر بعض كتب الرسول أسماء كتاب تلك الكتب.
وفي طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أمر بتدوينه رسول الله لنهشل بن مالك الوائلي من باهلة، كتبه "عثمان بن عفان".
وكان "علي بن أبي طالب" من كتاب الوحي، والكاتب لعهود الرسول إذا عهد، وصلحه إذا صالح. ذكر أنه تعلم الكتابة وهو صغير، ابن أربع عشرة سنة، تعلمها في "الكتاب".
وكان من كتاب رسول الله الذين كتبوا له الرسائل إلى سادات القبائل يدعوهم فيها إلى الإسلام: خالد بن سعيد بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وعبدالله بن زيد، وأبي بن كعب، وعلي. وجهيم بن الصلت، والأرقم ابن أبي الأرقم المخزومي، والزبير بن العوام، والعلاء بن الحضرمي، وعقبة، والعلاء بن عقبة، وعثمان بن عفان، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وثابت بن قيس بن شماس.
وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، من كتاب الرسول، وقد كان أول مرتد في الإسلام. ارتد وكان قد خالف في كتابه إملاءه، فأنزل الله فيه آيات من القرآن نهى فيه عن اتخاذه كاتبا فهرب، فلما كان يوم "الفتح" التجأ الى "عثمان" أخوه من الرضاعة فأجاره، واستجار له "عثمان" عند النبي فأجاره له. وقد عينه "عثمان" عاملا على مصر، وافتتح إفريقية، ومات سنة ست وثلاثين، أو سبع وخمسين، أو تسع وخمسين. وروي انه كان أول من كتب له من قريش.

(1/4705)


وهناك رواية يرجع سندها إلى "أنس بن مالك"، تذكر أن "رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه سميعا بصيرا، كتب سميعا عليما، وإذا املى عليه سميعا عليما، كتب سميعا بصيرا. وكان قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان من قرأهما قرأ قرآنا كثيرا، فتنصر الرجل، وقال إنما كنت أكتب ما شئت عند محمد.. قال: فمات". ولا نعرف كاتبا ينطبق عليه هذا الوصف سوى "عبدالله بن سعد بن أبي سرح". فهو المراد بهذه القصة. وهي قصة لا يمكن أن تكون صحيحة، لأن ارتداد "عبدالله" إنما كان بمكة، فدليل النص عليه في سورة الأنعام، وهي سورة مكية، فكيف يكون قد قرأ سورة البقرة وآل عمران، ثم تنصر، وهما سورتان مدنيتان.
وفي "عبدالله" نزلت الآية: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو قال: أوحى إلي ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل الذي أنزل الله"، على رأي أكثر المفسرين. "كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيما يملي عزيز حكيم، فيكتب غفور رحيم، فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حول، فيقول نعم سواء. فرجع عن الإسلام، ولحق بقريش. وقال لهم: لقد كان ينزل عليه عزيز حكيم، فأحوله ثم أقول لما أكتب، فيقول: نعم سواء. ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة". وورد في رواية أخرى: "وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه سميعا عليما، كتب هو عليما حكيما: وإذا قال: عليما حكيما، كتب سميعا عليما، فشك وكفر. وقال: إن كان محمد يوحى إليه، فقد أوحي إلي وإن كان الله ينزله، فقد أنزلت مثل ما أنزل الله. قال محمد: سميعا عليما. فقلت أنا: عليما حكيما. فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي، أو لبني عبد الدار، فأخذوهم فعذبوا".

(1/4706)


وورد في رواية أخرى: "كان قد تكلم بالإسلام فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم يكتب له شيئا، فلما نزلت الآية التي في المؤمنين: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة. أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: ثم أنشأ خلقا آخر، عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت علي، فشك عبدالله حينئذ، وقال لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا، لقد قلت كما قال. وذلك قوله: ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله. وارتد عن الإسلام".
وورد أنه كان يقول: كنت أصرف محمدا حيث أريد. كان يملي علي. عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم كل صواب. فهدر النبي دمه. وذكر أنه "قال لقريش: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد. وكان يملي عليه الظالمين، فيكتب: الكافرين، يملى عليه سميع عليم، فيكتب: غفور رحيم وأشباه ذلك. فأنزل الله: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو قال أوحي إلي، ولم يوح إليه شيء. ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله. فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله بقتله، فكلمه فيه عثمان بن عفان، فأمر رسول الله بتركه.
وقد ذكر "الجاحظ" أنه "كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فخالف في كتابة املائه. فانزل الله فيه آيات من القرآن نهى فيه عن اتخاذه كاتبا، فهرب حتى مات بجزيرة العرب كافرا". والصحيح أنه هرب، فلما كان يوم الفتح أمن النبي الناس إلا أربعة نفر وامرأتين. عكرمة، وابن خطل، ومقيس ابن صبابة، وابن أبي سرح، فأما عبدالله فاختبأ عند عثمان، فجاء به حتى اوقفه على النبى، وهو يبايع الناس، فاستجار له عثمان، فأجاره. وعاش وشهد فتح مصر مع "عمرو بن العاص"، وأمره "عثمان" على مصر. واختلف في وفاته، فقيل مات سنة "536" وقيل عاش إلى سنة تسع وخمسين. وكان أخا لعثمان في الرضاعة.

(1/4707)


وكان "جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي"، ممن تعلم الخط في الجاهلية، فجاء الإسلام وهو يكتب، وقد كان كتب لرسول الله. ذكر انه كان هو و "الزبير بن العوام" يكتبان أموال الصدقات. وهو الذي كتب كتاب الرسول إلى "يحنه بن رؤبة" بتبوك، وكتابه ليزيد بن الطفيل الحارثي.
وذكر اسم "الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي" في جملة من كتب للرسول. ففي طبقات ابن سعد، أنه كتب له كتابه لعبد يغوث بن وعلة الحارثي، وكتابه لعاصم بن الحارث الحارثي، وكتابه للأجب، رجل من "بني سليم".
وكان اسمه "عبد مناف بن أسد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم"، ويكنى "أبا عبدالله"، كان من السابقين الأولين، قيل أسلم بعد عشرة، وقيل قبل ذلك. وكان رسول الله يجلس في داره التي على "الصفا"، حتى تكاملوا أربعين رجلا، وكان آخرهم إسلاما "عمر" فلما تكاملوا أربعين رجلا خرجوا،وأقطعه النبي دارا بالمدينة.
و "عبدالله بن الأرقم بن أبي الأرقم" من كتاب الرسول كذلك. كان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده، "قال عمر: كتب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم كتاب. فقال لعبدالله بن الأرقم الزهري: أجب هؤلاء عني، فأخذ عبدالله الكتاب فأجابهم، ثم جاء به، فعرضه على النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: أصبت، قال عمر ? فقلت: رضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما كتبت، فما زالت في نفسي يعني حتى جعلته على بيت المال". وكتب لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر، وكان أميرا عنده. وذكر أنه كان إذا غاب عن الرسول، وغاب زيد بن ثابت، واحتاج الرسول إن يكتب إلى أحد أمر من حضر إن يكتب. فمن هؤلاء عمر وعلي وخالد بن سعيد و المغيرة.

(1/4708)


وكان عبدالله من الأرقم بن عبد يغوث الزهري، والعلاء بن عقبة، يكتبان بين الناس المداينات وسائر العقود والمعاملات. وذكر إن "عبدالله بن الأرقم" الزهري، كان من المواظبين على كتابة الرسائل عن النبي.
وكان "حنظلة بن الربيع بن صيفي" الأسيدي، من كتاب الرسول، وقد نعته الطبري ب "كاتب النبي". وعرف ب "الكاتب". وهو من "بني أسيد"، وبنو أسيد من أشراف تميم. وهو ابن أخي "أكثم بن صيفي" حكيم العرب. وقد عرف ب "حنظلة الكاتب". وذكر انه كان " خليفة كل كاتب من كتاب النبي، إذا غاب عن عمله، فغلب عليه اسم الكاتب. وكان يضع عنده خاتمه، وقال له: ألزمني، واذكرني بكل شيء لثالثة. فكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة ايام إلا أذكره، فلا يبيت رسول الله وعنده شيء منه". ومات بمدينة الرها.
ومن كتاب الرسول: "شرحبيل بن حسنة" الطابخي. ويقال الكندي، ويقال التميمي. وهو ممن سيره "أبو بكر" في فتوح الشام. وكان أميرا على ربع من أرباع الشام لعمر بن الخطاب، وقد مات في طاعون "عمواس".
وكان "خالد بن سعيد بن العاص" "خالد بن سعيد بن العاصي"ممن كتب للرسول. كتب له كتابه إلى "بني عمرو بن حمير". وهو من السابقين الأولين. وقد استعمله الرسول على صدقات مذحج وعلى صنعاء، فلم يزل عليها الى أن مات رسول الله. وكان له اخوة هما: أبان وعمرو بن سعيد بن العاص، وكانا ممن عملا للرسول. فلما توفي الرسول، رجعا مع خالد عن أعمالهم، فخرجوا إلى الشام، وفي جملة ما كتبه خالد، كتاب الرسول لبني أسد، وكتابه للعداء بن خالد بن هوذة ومن تبعه من عامر بن عكرمة، وكتابه لراشد ابن عبد السلمي، وكتابه لحرام بن عبد عوف من "بني سليم"، وكتابه لبني غاديا، وهم قوم من يهود، وكتابه لبني عريض، قوم من يهود، وكتابه لثقيف، وكتابه لسعيد بن سفيان الرعلي.

(1/4709)


وكان "ابان بن سعيد بن العاص" "العاصي"، وهو اخو خالد، ممن أسلم بعد هجرة الرسول إلى يثرب. ويقال ايام خبير. وكان هو الذي تولى إملاء مصحف عثمان على زيد بن ثابت، يوم جمعه في خلافة عثمان، أمرهما بذلك عثمان. وذلك في رواية من جعله حيا إلى ايام الخليفة "عثمان". وزعم في روايات أخرى انه قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة، أو يوم اليرموك. وقيل قتل يوم مرج الصفر. وذكر في رواية انه توفي سنة سبع وعشرين في خلافة عثمان.
وكان "طلحة" من الكتبة. وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى. وكان تاجرا، وكان عند وقعة بدر في تجارة في الشام. ولما قدم المدينة آخى النبى بينه والزبير. وذكر انه آخى بينه وبين "كعب بن مالك" حين آخى بين المهاجرين والأنصار. وكان من الأغنياء، كانت غلته ألفا وافيا تهل يوم. والوافي وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.
والزبير بن العوام في جملة من كتب للرسول. كتب له كتابه لبني معاوية بن جرول الطائيين.
و "أبو عبيدة بن الجراح"، من هذه الجماعة الكاتبة القارئة. وهو من الأوائل الذين دخلوا في الإسلام، كان إسلامه قبل دخول النبي دار "الأرقم"، وقد آخى الرسول بينه وبين "سعيد بن معاذ".
و "العلاء بن الحضرمي"، وهو "عبدالله بن عماد"، وكان أبوه قد سكن مكة وحالف حرب بن أمية، وكان للعلاء عدة إخوة منهم: "عمرو بن الحضرمي"، وهو أول قتيل من المشركين، وماله أول مال خمس في المسلمين، وبسببه كانت وقعة بدر. وقد استعمل النبي "العلاء" على البحرين. وهو الذي كتب للرسول كتابه لبني معن الطائيين، وكتابه لأسلم من خزاعة.وكان أخوه "ميمون بن الحضرمي" صاحب بئر "ميمون" التي بأبطح مكة، احتفرها في الجاهلية. وذكر "المسعودي" أن العلاء ربما كتب بين يدي النبي مع "ابان ابن سعيد".

(1/4710)


و "يزيد بن أبي سفيان" أخو "معاوية" من الكتاب كذلك توفي سنة "18" أو "19" للهجرة. وهو ممن أسلم يوم الفتح، وقد كان عمر قد استخلفه على "الشام" بعد وفاة "معاذ"، فلما مات استخلف أخاه "معاوية".
وكان "معاوية بن أبي سفيان" من كتبة الرسول. وذكر أنه كان "من الكتبة الحسبة الفصحاء". ومعنى هذا أنه كان يتقن الكتابة والحساب. ولم يذكر من ذكر سيرته متى تعلم الكتابة. ولا استبعد أن يكون قد تعلمها بمكة قبل دخوله في الإسلام. وهو ممن ولد قبل الإسلام وأسلم عام الفتح. فتكون كتابته للرسول اذن بعد هذا العام. ومن كتبه التي كتبها للرسول كتابه لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي، وكتابه لبني قرة بن عبدالله بن أبي نجيح النبهانيين، وكتابه لعتبة بن فرقد، وكتابه لوائل بن حجر لما أراد الشخوص إلى بلاده. وذكر "المسعودي" أن "معاوية" كتب للرسول قبل وفاته بأشهر.
و "المغرة بن شعبة" من دهاة العرب وشياطينهم. أسلم قبل عمرة الحديبية. وكان يقال له "مغيرة الرأي". وكان رسول "سعد" إلى "رستم"، أصيبت عينه باليرموك، وروي انه كان أول من وضع ديوان البصرة، واول من سلم عليه بالامرة. وهو الذي كتب كتاب رسول الله إلى أهل نجران. وكتابه ليزيد بن المحجل الحارثي. وكتابه لبني قنان بن ثعلبة من بني الحارث، وكتابه لبني جوين الطائيين، وكتابه لعامر بن الأسود بن عامر بن جوين الطائي، وكتابه لبني الجرمز بن ربيعة، ومم من جهينة. وذكر انه والحصين بن نمير كانا يكتبان ما بين الناس.
و "معيقيب" ابن أبي فاطمة، من "ذي أصبح" وقيل من "بني سدوس".
وكان حليفا لبني عبد شمس. اسلم بمكة. وقد ولاه "عمر" بيت المال، ثم كان على خاتم "عثمان". وورد انه كان حليف بني أسد، وكان يكتب مغانم رسول الله.

(1/4711)


وكان "عقبة بن عامر بن عبس" الجهني الصحابي المشهور من الكتاب وصف بأنه "كان قارئا عالما بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرا كاتبا، وهو أحد من جمع القرآن". وعثر على مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف "عثمان" "وفي أخره: كتبه عقبة بن عامر بيده". ونجد في طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أمر الرسول بكتابته لعوسجة بن حرملة الجهني في آخره: "وكتب عقبة وشهد".
وجاء في خبر ضعيف أنه كان للرسول كاتب يقال له "السجل"، وكاتبا يقال له: "ابن خطل، بكعب قدام النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان إذا نزل: غفور رحيم، كتب رحيم غفور، وإذا نزل: سميع عليم، كتب عليم سميع. وفيه: فقال ابن خطل: ما كنت أكتب إلا ما اريد، ثم كفر ولحق بمكة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قتل ابن خطل، فهو في الجنة.فقتل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة". وهذا وهم، وقد خلط صاحب هذا الخبر بين "عبدالله بن أبي سرح" وبين "ابن خطل" الذي لم يرد في الأخبار انه كتب للرسول.
وذكر "ابن دحية" أن في "بني النجار" كاتبا كان يكتب الوحي للرسول ثم تنصر. وهو خبر لا نجده في الموارد الأخرى، ولم ينص على اسم الكاتب، والأغلب في نظري أنه من الأخبار الموضوعة، وضع على بني النجار للإساءة اليهم، وضعه من كان يتحامل عليهم.

(1/4712)


ويظهر إن كتاب الرسول قد وزعوا الأعمال الكتابية فيما بينهم، أو إن الرسول هو الذي وزع تلك الأعمال عليهم، حيث خصص كل واحد منهم بعمل من الأعمال. فقد روي إن عليا وعثمان كانا يكتبان الوحي فإن غابا كتب أبي بن كعب وزبد بن ثابت. وان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية يكتبان بين يديه في حوائجه، وان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان ما بين الناس. وان عبدالله بن الأرقم والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. وان زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي. وإن معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي يكتب مغانم رسول الله. وان حنظلة بن الربيع "ربيعة" بن المدقع بن أخي اكثم بن صيفي الأسدي، "الأسيدي"، خليفة كل كاتب من كتاب النبي، إذا غاب عن عمله فغلب عليه اسم الكاتب. وكان يضع عنده خاتمه. وقال له: الزمني واذكرني بكل شيء لثالثة. فكان لا يأتي على مال ولا طعام ثلاثة ايام إلا اذكره، فلا يبيت رسول اقه وعنده شيء منه. فهو كاتب عام يكتب للرسول في كل أموره، وهو خليفة كل الكتاب. ولهذا غلبت عليه لفظة "الكاتب". وقد كانت وفاته في خلافة "عمر"، ومات في "الرها" من بلاد مضر.
وذكر أن "المغيرة بن شعبة" و "الحصين بن نمير" يكتبان ايضا فيما يعرض من حوائجه.
و "حذيفة بن اليمان " "توفي سنة 36 ه" ممن بكتب خرص النخل. وخصص" المسعودي" عمله بخرص الحجاز.
وذكر "عبدالله بن زيد" الضمري في جملة كتاب رسول الله إلى الملوك.ونجد في طبقات "ابن سعد" صورة كتاب أرسله رسول الله "لمن أسلم من حدس من لخم"، كتبه له "عبدالله بن زيد".

(1/4713)


وكان "العلاء بن عقبة" فيمن كتب للنبي. وذكر أن الرسول كان يبعثه والأرقم في دور الأنصار. وكانا يكتبان بين الناس المداينات والعهود والمعاملات. وفي جملة ما كتبه للرسول كتابه لبني شنخ من جهينة، وكتابه للعباس بن مرداس السلمي، أنه أعطاه "مدفوا". وذكر أنهما كانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء.
و "أبي بن كعب بن قيس" من كتاب الوحي، وهو من يثرب من "بني النجار" من "الخزرج". وقد عرف ب "سيد القراء"، وكان أقرأ الناس للقرآن. وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله. وكان ممن كتب للنبى قبل "زيد بن ثابت" ومعه أيضا. وذكر انه كان أول من كتب لرسول الله مقدمه المدينة، وأول من كتب في آخر الكتاب: "وكتب فلان" وكان إذا لم يحضر دعا رسول الله "زيد بن ثابت" فكتب. وكان وزيد يكتبان الوحي بين يدى الرسول، ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك. ونجد في طبقات ابن سعد، صور كتب دونها أبي للرسول، منها كتابه لخالد بن ضماد الأزدي، وكتابه لعمرو بن حزم، وهو عهد يعلمه فيه شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده، حيث بعثه إلى اليمن، ومنها كتابه لجنادة الأزدي، وكتابه للمنذر ابن ساوى، وكتابه إلى "العلاء بن الحضرمي"، بشأن ارسال ما تجمع عنده من الصدقة والعشور، وكتابه لجماع في جبل تهامة كانوا قد غصبوا المارة من كنانة والحكم والقارة ومن اتبعهم من العبيد، وكتابه لبارق من الأزد. وقد شهد على صحته أبو عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان.

(1/4714)


وزيد بن ثابت من الأنصار، من "بني النجار". ولما قدم الرسول المدينة استكتبه، فكتب له الوحي، كما تولى له أمر كتابة الرسائل. ذكر أنه تعلم الكتابة على أسرى "بدر" في جماعة من غلمان الأنصار. فقد "كان فداء الأسرى من أهل بدر أربعين أوقية أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده علم عشرة من المسلمين، فكان زيد بن ثابت ممن علم". وذكر أنه جاء إلى أبيه وهو يبكي، فقال ما شأنك ? قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبدا.
وروي أنه في السنة الرابعة من الهجرة أمر الرسول زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود، وقال لا آمن أن يبدلوا كتابي. فتعلم كتابهم، وتولى أمر كتابة رسائل الرسول اليهم، والرد على رسائلهم. ونسب إليه اتقانه الكتابة بلغات أخرى. ذكر المسعودي منها: الفارسية والرومية والقبطية والحبشية. وأنه تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وكان يكتب إلى الملوك ويجيب بحضرة النبى ويترجم له وقيل إنه كان من أعلم الصحابة بالفرائض. وكان هو الذي تولى قسم غنائم اليرموك. وتولى جمع القرآن في أيام أبي بكر، بتكليف من الخليفة. وذكر أنه كان "رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض". وقد عرض زيد القرآن على رسول الله، "وكان آخر عرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القرآن على مصحفه، وهو اقرب المصاحف من مصحفنا".

(1/4715)


وكان حين قدم رسول الله المدينة ابن احدى عشرة سنة. وكان يوم "بعاث " ابن ست سنين وفيه قتل ابوه. ويظهر انه كان قد تعلم الكتابة وهو صغير. ذكر انه أتي بزيد النبي مقدمه المدينة، فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأ عليه فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي. فتعلمها، وتولى الكتابة بالعبرانية أو السريانية بين الرسول واليهود، فضلا عن كتابة رسائله وما ينزل عليه من الوحي حين يكون عنده لذلك عد من البارزين في قراءة القرآن. وبرز في القضاء والفتوى والفرائض،وعد من اصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر وعلي وابن مسعود وأبي وأبو موسى، وزيد بن ثابت، وهو الذي جمع القرآن.
وهو الذي جمع القرآن في عهد "ابي بكر"، وقد اختلفت في سنة وفاته، فقيل مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، وقيل سنة احدى أو اثنتين، أو خمس وخمسين. وفي خمس وأربعين قول الأكثر، وذكر ان حسان رثاه بقوله: فمن للقوافي بعد حسان وابنه ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت
وعهد رسول الله إلى "زيد" احصاء الناس والغنائم، وتقسيمها عليهم حسب حصصهم.
وكان "ثابت بن قيس بن شماس" الأنصاري ممن كتب للرسول. كتب له كتابه لوفد ثمالة والحدان. وقد شهد على الكتاب ووقع عليه "سعد بن عبادة"، و "محمد بن مسلمة". وكان خطيب الأنصار. وقد قتل يوم اليمامة". وهو الذي أمره الرسول أن يجيب على خطاب خطيب. "تميم" ولسانها الناطق "عطارد ابن حاجب". فكان خطيب المسلمين.
و "محمد بن مسلمة"، هو من الأوس. ولد قبل البعثة، وهو أول من سمي في الجاهلية محمدا. أسلم قديما على يدي "مصعب بن عمير"، وآخي الرسول بينه وبين "أبي عبيدة". واستخلفه الرسول على المدينة في بعض غزواته. وقد كتب للرسول كتابه لمهري بن الأبيض. توفي سنة "43" أو "46".

(1/4716)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية