صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

وبأرض -خيبر جملة عيون ومسايل ماء، لا زال الناس يزرعون عليها. وتوجد آثار نقوش وكتابات تشير إلى سكن كان بهذا الموضع يعود إلى أيام الجاهلية. وقد عثر "فلبي"على نقود قديمة، ومن الممكن استصلاح أرض خيبر وتحويلها إلى أرض زراعية منتجة.
و "تيماء"من المناطق الخصبة كذلك. وتشاهد آثارها ظاهرة للعيان. وقد حصل المنقبون على مجموعات أثرية منها، في جملتها قطع من النقود تعود إلى القرن الاخير قبل الميلاد. وهناك آثار آبار ومسايل ماء تدل على أن الأرض كانت مخصبة مزروعة، ومن أشهر آبارها بئر "خداج". يستقي منها الأعراب ويزرعون عليها في الوقت الحاضر. وقد وجد "فلبي"صورا وصخورا منحوتة تمثل رأس الإله "صلم"إله ثمود وإله هذه المنطقة، وأمامها أرض ممهدة كانت موضع تقديم القرابين لذلك الإله.
وقد وجد "فلبي"وغيره من السياح ممن زار هذه الأرضين الواقعة شمال "يثرب"، آثار مستوطنات جاهلية كثيرة وآثار قنوات وآبار ومسايل مياه، تدل على أنها كانت عامرة مزروعة، وان في الامكان احياءها، وآن آفة اندثارها هو كثرة الغزو الذي وقع عليها وعدم وجود حكومات تدافع عنها وتحميها من غزو الأعراب، الذين كانوا وباء بالنسبة للحضر، ينهبون ما يجدونه امامهم ويحرقون الزرع ثم يهربون.
وعرفت اليمامة بتمورها أيضا، وهو أنواع عديدة، وكان الأعراب يأتونها لشراء التمر منها، وقد عرف الذين يردون اليمامة لامتيار التمر ب" السواقط"، و "السقاط"ما يحملونه من تمر.
وعرفت يثرب وما حولها وما وقع أعلاها إلى بلاد الشام بكثرة نخلها، وهو نخل زرع سككا في بساتين على طريقة الأنباط في أمصارهم.، لا يخافون عليها كيد كائد. تتخلله السواني والسواقي لتسقيه، فيثرب حوائط وآطام، عاش أهلها على الزرع والغرس والجلاد. وقد أشير إلى كثرة نخل يثرب في شعر ينسب إلى الشاعر "امرىء القيس"، فنعتها ب "جنة يثرب":
علون بأنطاكية فوق عقمة كجرمة نخل أو كجنة يثرب

(1/4043)


وقد افتخر "كعب بن مالك"يوم الخندق على قريش بأن قومه غرسوا النخل حدائق تسقى بالنضح من آبار ثقبت من عهد "عاد"أي من آبار قديمة جدا، فهي تسقي النخيل المغروسة عليها، ولهم رواكد فيها "الغاب"و "البردى"يزخر فيها نهر "المرار"، ولهم الزرع الذي يتباهى بسنبله الجميل، لا سيما إذا أصابته أشعة الشمس، لم يجعلوا تجارتهم اشتراء الحمير لأرض دوس أو مراد، بل أثاروا الأرض وحرثوها وغرسوها على نحو ما تفعل النبط في أمصارها، لا يخافون عليها كيد كائد، دلالة على عز أهل يثرب ومنعتهم وأنهم لم يغلبوا على بلادهم من قديم الدهر كما أجليت أكثر الأعاريب عن محالها وأزعجها الخوف عن مواطنها.
ومن أنواع التمور: "الصرفان"، و "البرني"، تمر أصفر مدور، من أجود التمور. وقيل: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء عذب الحلاوة. و "التعضوض"ضرب من التمر، والعمر نخل السكر، وهو معروف عند أهل البحرين. و "البحون"، ضرب من التمر، والصفرى، وقد نعت بأنه سيد التمور، ثم "السرى"، ثم "اللصف"، ثم "الفحاحيل"، ثم "المجتنى"، ثم "الجعا دى"، ثم "الشماريخ"، ثم " المشمرخ"، ثم "البياض"، ثم "السواد"وهما ألوان كثيرة.
الكرم
والكرم شجر العنب، والعنب، ثم الكرم. وقد زرع في مواضع كثيرة من جزيرة العرب في البساتين وفي الحدائق. وفي الأماكن التي توفرت فيها المياه والجو الطيب المناسب لزراعته، مثل اليمن، التي اشتهرت به، و "الطائف"وهو أجناس عديدة،بعض أصيل أي من نابت جزيرة العرب ومن تربتها، وبعض مستورد استورد من بلاد الشام بصورة خاصة ومن أماكن أخرى، فغرس في بلاد العرب ونبت نباتا حسنا، وأجاد اجادة طيبة،جعل زراع الكروم يكثرونه من زراعته.
والعنب، هو "عنيم"، أي "عنب"في لغة المسند كذلك.

(1/4044)


وإذا يبس العنب دعي "زبيبا". ويعرف الزبيب ب "فصمم"، أي "فصم""فصيم"في اللهجة الحميرية. وقد وردت هذه اللفظة في نص أبرهة، بمناسبة توزبع أبرهة الزبيب على العمال. الذين ساهموا في بناء سد مأرب.
وقد كان أهل اليمن كما يظهر من نصوص المسند يكثرون من زراعة الأعناب ويربحون من زراعتها كثيرا، بدليل ورود كثير من النصوص الزراعية، وفيها: أن أصحابها قد غرسوا أعنابا في المناطق الفلانية والفلانية، او ورثوا المزرعة الفلانية وفيها أعناب كثيرة. وبدليل حفر صور أغصان العنب وعناقيد العنب في الأحجار وابرازها على الألواح المصنوعة من الجبس، أو حفرها على الأخشاب للزينة والزخرفة، وتفننهم في ذلك، حتى صارت هذه الزخرفة من مميزات الفن اليماني. وما كانوا يفعلون ذلك لو لم يكن للاعناب وجود في اليمن، ولو لم تكن زراعته منتشرة كثيرا في تلك البلاد.
ومن أنواع العنب: العنب "الجرشي"، وهو عنب طيب، يقول علماء اللغة: هو أطيب العنب كله، وهو أبيض إلى الخضرة، رقيق صغير الحبة، وهو أسرع العنب إدراكا، عناقيده طوبلة، ينسب إلى جرش، مخلاف باليمن. والعنب "الكلافي"، وهو نوع من أنواع أعناب أرض العرب، وهو عنب أبيض فيه خضرة، وزبيبه أدهم أكلف، ولذلك سمي: الكلافي. وقيل: هو منسوب إلى الكلاف بلد بشق اليمن. والعنب التربي نسبة إلى "تربة"، والعنب التبوكي نسبة إلى تبوك. و "الرمادي"، ضرب من العنب بالطائف أسود. أغبر. و "الغربيب"، ضرب من العنب بالطائف شديد السواد، وهو من أجود العنب وأرقه وأشده سوادا. و "الحمنان"، عنب طائفي، أسود إلى الحمرة صغير الحب. والدوالي نوع من الكروم.
و "العنجد"، الزبيب، أو ضرب منه، أو الأسود منه، أو الرديء منه. و "الفرصد"، عجم العنب، او عجم الزبيب.

(1/4045)


وقد اشتهرت قرية "ثافت"باليمن يكثرة كرومها، ويقال لها "أثافت " و "اثافة"أيضا. وقد عرفت بخمرها المصنوع من هذه الكروم. وكان الأعشى كثيرا ما يتجر فيها، وكان له معصار للخمر يعصر فيها ما جزل له أهل أثافت من أعنابهم.
ويقال "الأكار"لمن يشتغل في بستان عنب. ويقال للأكار "الجوار". والأكار الزراع والحراث.
والتين هو من الأشجار المعروفة في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد أشير إليه في القران الكريم. وهو كثير في أرض العرب، وأجناسه كثيرة، برية، وريفية، وسهلية، وجبلبة. ويكون أخضر اللون، أو أصفر،واحمر وأسود. وهو كثير بالسراة مباح، يؤكل رطبا ويزبب ويدخر.
وذكر بعض علماء اللغة انه "البلس"، وقال بعض آخر: البلس: ثمر كالتين يكثر باليمن، وقيل هو التين نقسه إذا أدرك. ومنه "الطبار"، قيل هو تين كبير من أكبر أنواع التين، كميت أنى تشقق، واذا أكل قشر لغلط لحائه، فيخرج أبيض، ويزبب. وذكر بعض علماء اللغة، انه من شجر الضرف، وهو على صورة التين، إلا انه أدق. و "الضرف"، شجر التين، يقال لثمره البلس. أو هو من شجر يشبه الأتأب في عظمه وورقه، إلا إن سوقه غبر مثل سوق التين، وله تين. وقيل: له جني أبيض مدور مفلطح كتين الحماط الصغار، مر يضرس يأكله الناس والطير والقرود.
والرمان من الفواكه المعروفة في الحجاز وفي اليمن، وقد ذكر في القرآن الكريم. ومنه أنواع برية، ذكر بعض علماء اللغة منها "المظ". وهو ينبت في جبال السراة " وفي بقية الجبال. وذكر بعض آخر، أنه شجر الرمان. و "الجشب"قشور الرمان عند أهل اليمن.
والتفاح بأرض العرب كثير. والموز معروف عندهم، ولا سيما في العربية الجنوبيه وفي التهائم. و "الخوخ"معروف عند العرب، ويقال له "الفرسك".
و "الفرصاد"، التوت أو حمله أو أحمره. و "التوت"من الألفاظ المعربة. ويربون على ورقه ديدان الحرير.

(1/4046)


و "الزيتون"، شجر معروف في بلاد العرب، استخرجوا منه زيت الزيتون. وقد ذكر في القرآن الكريم.
و "السدر"، من الأشجار المعروفة في كل مكان من جزيرة العرب. ورد ذكره في القرآن. واستعمل ورقه في مقام الصابون، كما استفيد من ثمره ومن أغصانه وأخشابه. وهو يتحمل الصبر على العطش لعمق جذوره في باطن الأرض. وبذلك لاءم جو جزيرة العرب هذا النوع من الشجر، وما زال الناس يزرعونه في كثير من المواضع. وقد استعمل مظلة يجلسون تحتها في أيام الحر الشديد ومجلسا يجلسون فيه لتمضية الوقت والتسلي والترويح عن النفس.
والسدر من العضاه، هو لونان، فمنه عبري ومنه ضال. فأما العبري، فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير. وأما الضال، فذو شوك. وذكر أهل الأخبار: أن أجود نبق يعلم بأرض العرب. نبق هجر. وهر أشد نبق حلاوة وأطيبه رائحة. يفوح فم آكله وثياب ملابسه كما يفوح العطر.
الجوز
والجوز معروف بأرض العرب، ويربى باليمن، وبالسروات شجر جوز لا يربى ؛ وخشبه موصوف بالصلابة والقوة،وينبت الجوز في الجبال والمرتفعات. وقد أشير إلى صلابة وقوة خشب الجوز في شعر للأعشى. وقد زعم إن سفينة "نوح"كانت من خشب الجوز. والجوز نوعان: جوز يربى، أي يزرعه الإنسان بنفسه ويرعاه، وجوز وحشي، نبت على الطبيعة، دون إن تزرعه يد انسان. وهو أنواع عديدة، لها اسماء ترد في كتب إللغة.
اللوز
واللوز ثمر معروف في بلاد العرب، ومن أسمائه القمروص. وهو على نوعين: حلو ومر. وقد استعملا في المعالجة: في معالجة أمراض عديدة، من باطنية وجلدية. واستعمل الحلو منه في الطعام، وفي الحشو. والثمر الملو ز، هو الثمر المحشو به. وذلك إن ينزع منه نواه، وبحشى فيه اللوز، واللوز، صنف من المزج، والمزج ما لم يوصل إلى أكله إلا بكسر،وقيل هو ما دق من المزج. أو المر من اللوز.
الثمر

(1/4047)


والثمر، حمل الشجر. وهو "ثمر"في نصوص المسند كذلك، ويجمع عندهم على "اثمر"، أي "أثمار". و "الفاكهة"الثمر كله. وفي القرآن الكريم: )وفاكهة وأبا(. قال العلماء الأب الكلأ، وما تأكله الأنعام، والمرعى كله. والفاكهة ما أكله الناس. فالأب من المرعى للدواب كالفاكهة للانسان.
ويحتاج الشجر المثمر إلى رعاية وعناية وحماية من أذى الطبيعة ومن أذى الإنسان والحيوان فعلى صاحبه حمايته من الشمس المحرقة، ومن البرد الشديد ومن الأهوية والعواصف، ومن الحشرات التي قد تصيبه فتاتي عليه، ومن الأمراض والآفات الزراعية، ومن تطاول إنسان غريب عنه عليه، بقطعه أو بسرقة ثمره، ثم حمايته من أذى الحيوان، بأكله أو باكل ورقه أو ثمره، وكسر أغصانه، وأمثال ذلك مما يلحقه من أذى بالشجر وبثمره.
ولحماية الشجر، أحاطوا الأرض المشجرة بحائط مرتفع قدر الإمكان، ليمنع الإنسان أو الحيوان من دخولها، ومن الاعتداء على شجرها أو ثمرها، ويقال لها "الحائط". و "الحائط"البستان. وقد أطلقت اللفظة على البستان من النخل في الغالب وكانت "يثرب"، ذات "حوائط". وقد أشير إليها في الحديث: ورد: "على أهل الحوائط حفظها بالنهار. يعني البساتين".
وقد عني أهل الجاهلية بتحسين وبتنوبع وبتطعيم أشجارهم المثمرة، وكان منهم مثل أهل الطائف واليمن من استورد الشجر المثمر الجيد من الخارج. من بلاد الشام ومن افريقية والهند ومن المواضع التي اشتهرت بصنف جيد من أصناف الشجر من جزيرة العرب " وبذلك نوعوا ثمرهم وحسنوا أصناف شجرهم، ويظهر أثر استيراد الشجر من خارج جزيرة العرب، من الأسماء الأعجمية التي عرفت بها في الجاهلية، والتي تتحدث عن المكان الذي استوردت منه.

(1/4048)


وقد ذكر أهل الأخبار اسماء عدد من الأشجار نبتت ونمت نموا طبيعيا، منها ما نبت على الجبال والمرتفعات، ومنها ما نبت في البوادي وفي التهائم. فهي من الأشجار الوحشية التي لم تزرعها يد إنسان. بعض منها مثمر، يستفاد من ثمره، وبعض منه مثمر، غير أنه لا يمكن الاستفادة من ثمره، ولا ينتفع به إنسان أو حيوان. وبعض منه عقيم، غير مثمر.
ومن الأشجار المعروفة: التين الوحشي، أو التين البري. ويكثر وجوده في الجبال والمرتفعات. وقد عرفت جبال السراة بكثرة وجود هذا التين بها، والزيتون الوحشي "العتم". ذكر علماء اللغة إن "العتم"شجر الزيتون البري، وقيل هو ما ينبت منه في الجبال، ويوجد شجر يشبهه ينت بالسراة. ويستخرج الأهلون اليوم منه دهنا قاتم السواد يسمى "القطران"، لطلاء الأبواب والنوافذ في أرض "شمران"المحاذيه للسراة في المملكة العربية السعودية. واتخذت منه الأسوكة. ورد: الأسوكة ثلاثة: أراك، فإن لم يكن فعتم أو بطم.
والحماط، شجر شبيه بالتين، خشبه وجناه وريحه، إلا إن جناه هو أصغر وأشد حمرة من التين، ومنابته في أجواف الجبال، وقد يستوقد بحطبه ويتخذ خشبه لما ينتفع به الناس، ويبنون عليه البيوت والخيام. وقيل هو في مثل نبات التين،غير انه أصغر ورقا وله تين كثير صغار من كل لون أسود وأملح واصفر، وهو شديد الحلاوة، ويحرق الفم إذا كان رطبأ، فإذا جف ذهب ذلك عنه، وهو يدخر، وله إذا جف متانة وعلوكة، وهو أحب شجر إلى الحيات، تألفه كثيرا، ولذلك قيل: شيطان حماط. وهو شجر التين الجبلي، أو هو الأسود الصغير المستدير منه، أو هو شجر "الجميز". و "الجميز " التين الذكر، يكون بالغور، وهو حلو، وهو الأصفر منه والأسود يدمي الفم.

(1/4049)


والتألب، وينبت بجبال اليمن، وله عناقيد كعناقيد البطم، فإذا أدرك وجف اعتصر للمصابيح، وهو أجود لها من الزيت. وتقع السرفة في التألبة فتعريها من ورقها. ويتخذ من عيدان التألب القسي. و "الألب"شجرة شاكة كاللاترج، ومنابتها قرى الجبال، وهي سم، يؤخذ خضبها وأطراف أفنانها فيدق رطبا ويقشب به اللحم ويطرح للسباع كلها، فلا يلبثها إذا أكلته، فإن هي شمته ولم تأكله عميت عنه.
و "الشوحط"، ضرب من شجر الجبال، تتخذ منه القسي. ويكثر وجوده في جبال السراة، فإنها هي التي تنبته. وله ثمرة مثل العنبة الطويلة، إلا أن طرفها أدق. وهي لينة تؤكل، و "النبع"، شجر من أشجار الجبال، أصفر العود رزينه ثقيله في اليد، وإذا تقادم احمر. تتخذ منه القسي". وكل القسي إذا ضمت إلى قوس النبع كرمتها قوس النبع، لأنها أجمع القسي للارز واللين، ولا يكون العود كريما، حتى يكون كذلك، أي شديدا لينا. وتتخذ السهام من أغصانه. وله ذكر في شعر الشعراء الجاهليين.

(1/4050)


ومن أشجار الجبال: "الرنف"، و "الحثيل"، و "البان"، و"الظيان". و "الرنف"، شجر ينضم ورقه إلى قضبانه إذا جاء الليل وينتشر بالنهار. وفي مقتل "تأبط شرأ"، أن الذي رماه لاذ منه برنفة، فلم يزل - "تأبط شرا"يجدمها بالمسيف حتى وصل إليه فقتله، ثم مات من رميته. و"الحثيل"، شجر جبلي يشبه الشوحط، ينبت مع النبع وأشباهه. و "البان"، شجر، ولحب ثمره دهن طيب. وتعالج بحبه جملة أمراض جلدية وداخلية. وهويطول باستواء مثل نبات الأثل، وورقه له هدب كهدب الأثل، وليس لخشبه صلابة. وعده بعض العلماء من العظاه، وله ثمرة تشبه قرون اللوبياء، إلا أن خضرتها شديدة. فهو من النبات الذي تطبب به. و "الظيان"، ياسمين البر، وهو نبت يشبه النسرين، وضرب من اللبلاب. وقد دبغ بورقه، ويلتف بعضه على بعض. وهو على هذا التعريف، ليس من الأشجار التي تعطي الخشب. وبعض ما ذكرته ينبت في الهضاب والأودية. وذكر أن للظيان، ساق غليظة، وهو شاك، ويحتطب. وله سنفة كسنفة العشرق. والسنفة: ما تدلى من الثمر وخرج عن أغصانه. والعشرق: ورق يشبه الحندقوقا منتنة الرائحة.
والقرظ، شجر عظام لها سوق غلاظ، أمثال شجر الجوز وورقه أصغر من ورق التفاح، وله حب يوضع في الموازين. وهو يخبت في القيعان، واحدته قرظة. ويستعمل حبه للتداوي. ويدبغ به، ويستخرج صبغ منه، يصبغ به الأديم. والقرظ من أشهر مواد الدباغة وصبغ الجلود عند الجاهليين.

(1/4051)


و "الضهياء"، وهو شجر يشبه العناب تأكله الإبل والغنم. و "العرعر" شجر يعمل به القطران، وهو شجر عظيم جبلي لا يزال أخضر، يسميه البعض "السرو"، وقيل: الساسم، وقيل الشيزى، وله ثمر أمثال النبق، يبدو خضر، ثم يبيض، ثم يسود حتى يكون كالحمم، ويحلو فيؤكل واحدته عرعرة. و "البشام"، شجر عطر الرائحة طيب الطعم، يدق ورقه ويخلط بالحناء يسود الشعر. و قيل: هو شجر ذو ساق وأفنان وورق صغار، أكبر من ورق الصعتر، ولا ثمر له، واذا قطعت ورقته أو قصف غصنه هريق منه لبن أبيض. قيل: ويستاك بقضبه. وفي حديث "عتبة بن غزوان"، ما لنا طعام إلا ورق البشام.
و "الد لب"، شجر "الصنار"، معرب "جنار" الفارسية، و احدته "دلبة"، شجر عظيم، ورقه يشبه الخروع إلا أنه أصغر منه، ومذاقه مر عصف، وله نوار صغار. يتخذ منه النواقيس. تقول العرب: هو من أهل الدربة بمعالجة الدلبة، أي هو نصراني. و "التنضب"، شجر ضخام ليس له ورق، وهو يسوق وبخرج له خشب ضخام وأفنان كثيرة، وإنما ورقه قضبان تأكله الإبل والغنم. وقال بعض العلماء: التنضب شجر له شوك قصار، وليس من شجر الشواهق، تألفه الحرابى. وذكر بعض اخر، أن التنضبة شجرة ضخمة يقطع منها العمد للاخبية، وتتخذ منها السهام. وذكر بعض آخر: التنضب شجر حجازي، وليس بنجد منه شيء إلا جزعة واحدة بطرف "ذقان"عند التقيدة، وهو ينبت ضخما على هيئة السرح، وعيدانه بيض ضخمة، وهو محتظر وورقه منقبض ولا تراه إلا كأنه يابس مغبر وان كان نابتا. وشوكه كشوك العوسج، وله جني مثل العنب الصغار يؤكل. وهو أحيمر. ودخان التنضب أبيض مثل لون الغبار، ولذلك شبهت الشعراء الغبار به. وقد قطعت منه العصي الجياد. وذكر أن للتنضب تمرا يقال له "الهمقع"يشبه المشمس يؤكل طيبا.

(1/4052)


والأيدع، شجر يشبه الدلب، إلا أن أغصانه أشد تقاربا من أغصان الدلب، له وردة حمراء، وليس له ثمر، نهى الرسول عن كسر شيء من أغصانه وعن السدر والتنضب والشبهان، لأن هؤلاء جميعأ ذوات ظلال يسكن الناس فيها من البرد والحر.
والشبهان والشبه، نبت كالسمر شائلك له ورد لطيف أحمر،وحب كالشهدانج يشرب للدواء، وترياق لنهش الهوام، نافع للسعال، ويفتت الحصى ويعقل البطن. وذكر انه شجر من العضاه. فهو من النباتات التي تطبب بها. و "السرح"شجر كبير عظيم طويل لا يرعى وانما يستظل فيه وينبت بنجد في السهل والغائط، ولا ينبت في السهل والغلظ، ولا ينبت في رمل ولا جبل، ولا يأكله المال إلا قليلا. له ثمر أصفر، أو هو كل شجر لا شوك فيه. وقد ورد ذكره في الشعر الجاهلي.
و "السلم"، شجر من العضاه، وورقه القرظ الذي يدبغ به الأديم. وهو سلب العيدان طولا شبه القضبان، وليس له خشب، وإن عظم، وله شوك دقاق طوال حاد، وله برمة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الريح وفيها شيء من مرارة، وتجد بها الظباء وجدا شديدا. والسماق في جملة الشجر الذي ينبت في جزيرة العرب، ذكر بعض العلماء انه يسمى "الظمخ"في الحجاز، و "العرتن "في نجد. وهو من شجر القفاف والجبال.وله ثمر حامض عناقيد فيها حب صغار.
وهو من النبات الذي يداوى به، في جملة أمراض. وورد إن "الظمخ"، هو شجر السماق، ويقال فيه الظنخ، والزمخ، والطنخ. وان الظمخ، شجرة على صورة الدلب، يقطع منها خشب القصارين التي تدفن، وهي العرن، وهي أيضا شجرة التين في لغة طيء. وذكر إن "العرنة"عروق "العرنتن"، و "العرنة"خشب الظمخ، واحدتها ظمخة. شجرة على صورة الدلب، يقطع منها خشب القصارين التي تدفن. وقيل هو شجر يشبه العوسج ؛ إلا انه أضخم منه، وهو أثيث الفرع وليس له سوق طوال. وسقاء معرون دبغ به.

(1/4053)


و "الخزم"، شجر كالدوم سواء، وله أفنان وبسر صغار يسود إذا أينع مر عفص لا يأكله الناس. تتخذ من لحائه الحبال. والخزام بائعه. وذكر أنه شحر يشبه ورقه ورق البردي، وله ساق كساق النخلة يتخذ منه الأرشية الجياد. وأما "الدوم"، فشجر ثمره "المقل". تعبل شجرته وتسمو ولها خوص كخوص النخل، وتخرج أفناء كأفناء النخلة. وذكر أن "المقلى"صمغ شجرة شائكة كشجرة اللبان، وهو الذي يسمى "الكور"، أحمر طيب الرائحة. ينبت بعمان،في جبل يدعى "قهوان"مطل على البحر. وهو من الأدوية المعروفة عند العرب. و "المقل المكي"، ثمر شجر الدوم، الشبيه بالنخلة في حالاتها ينضج ويؤكل، ويستعملونه لمعالجة المعدة. ويتدخن اليهود بالمقل، الذي هو الكندر، وحبه يجعل في الدواء و "الشقب"، شجر ينبت كنبتة الرمان وورقه كورق السدر، وجناه كالنبق وفيه نوى. وذكر أنه شجر من شجر الجبال ينبت في جبال اليمن على أفواه الأودية، له أساريع كالشطب التي في السيف، يتخذ منها القسي. و"الإثرار" وله ورق يشبه ورق الصعتر وشوك نحو شوك الرمان، ويقدح ناره إذا كان يابسا فيقتدح سريعأ، وقد يتخذ من "الإثرار"القطران، كما يتخذ من العرعر.

(1/4054)


و "المرخ"من شجر النار عند العرب، أي من الأشجار التي تورى بسرعة وتعطي نارا طيبة، سربع الورى كثيره، حتى قالوا: في كل شجرة نار، واستمجد المرخ والعفار. وقيل هو من العضاه، وهو ينفرش ويطول في السماء حتى يستظل فيه، وليس له ورق ولا شوك، وعيدانه سلبة قضبان دقاق، وينبت في شعب وفي خشب، ومنه يكون الزناد الذي يقتدح به. ذكروا أنه ليس في الشجر كله أورى نارا من المرخ، وربما كان المرخ مجتمعا ملتفا وهبت الريح وجاء بعضه إلى بعض فأورى فأحرق الوادي. ولم ير ذلك في سائر الشجر و "العفار"، من شجر النار كذلك. وهو شجر يتخذ منه الزناد، يسوى من أغصانه فيقتدح به. شبيه بشجرة الغبيراء الصغيرة، وهو شجر خوار. وقيل في قوله تعالى: )أفرأيتم النار التي تورون أ أنتم أنشأتم شجرتها( إنها المرخ والعفار. وهما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر.

(1/4055)


و "الأراك"من الحمض، وقيل الحمض نفسه، له حمل كحمل عناقيد العنب، يستاك به، أي بفروعه. وهو أفضل ما استيك بفروعه، وأطيب ما رعته الماشية رائحة لبن. تتخذ المساويك من الفروع ومن العروق، وأجوده عند الناس العروق. ويقال للغصن من ثمر الأراك "المرد"، والنضيج منه "الكباث"، و "البرير"ثمر الأراك أيضا. و "الطلح"، شجر عظيم حجازي جناته كجنات السمرة، وهو شوك أحجن ومنابته بطون الأودية، وهو أعظم العضاه شوكا وأجودها صمغا. وذكر بعض علماء اللغة، إن الطلح شجرة طويلة لها ظل يستظل بها الناس والإبل وورقها قليل ولها أغصان طوال عظام، ولها شوك كثير مثل سلاء النخل، ولها ساق عظيمة لا تلتقي عليها يدا الرجل، وهي أم غيلان، تنبت في الجبل، الواحدة طلحة. وذكر بعض آخر، إن الطلح أعظم العضاه وأكثره ورقا، وأشده خضرة، وله أشواك ضخام طوال وشوكه من أقل الشكوك أذى، وليس لشوكته حرارة في الرجل، وله برمة طيبة، وليس في العضاه أكثر صمغا منه ولا أضخم ولا ينبت إلا في أرض غليظة شديدة خصبة. وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى: )وطلح منضود(، بأنه الطلع، و "الطلع"لغة في الطلح. وذكروا إن الطلع الموز. وهذا في نظر بعض آخر، غير معروف، لأن شجر الموز غير شجرالطلح.
و "النشم"، شجر جبلي، تتخذ منه القسي، وهو من عتق العيدان.

(1/4056)


و "الغرب"، شجر، يسوى منه الأقداح البيض. و " العرفط"، شجر من العضاه، وهو فرش على الأرض لا يذهب في السماء، وله ورقة عريضة وشوكة حديدة حجناء، وهو مما يلتحى لحاؤه وتصنع منه الأرشية التي يستقى بها، وتخرح في برمه العلفة كأنها الباقلاء، تأكله الإبل والغنم. وقيل لبرمته الفتلة، وهي بيضاء كان هيادبها القطن. وهو من خرج العيدان، وليس له خشب ينتفع به فيما ينتفع من الخشب وصمغه كثير، وربما قطر على الأرض حتى يصير تحت العرفط، مثل الأرحاء العظام. وذكر بعض علماء اللغة: العرفط، شجرة قصيرة متدانية الأغصان، ذات شوك كثير طولها في السماء كطول البعير بأركالها وريقة صغيرة. تنبت في الجبال، تأكل الإبل بفيها أعراض غصنتها، وذكر أن لصمغها رائحة كريهة، فإذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه. وقد أشير الى رائحته هذه في كتب الحديث.
و "الغرف"شجر يدبغ به، ويعمل منه القسي، وذكر انه لا يدبغ به، وقيل يدبغ بورقه، وإن كانت القسي تعمل من عيدانه، وذكر انه إذا جف فمضغ شبهت رائحته رائحة الكافور. وجعله بعضهم ثماما. فقالوا: الثمام أنواع، منه: الغرف، وهو شبيه بالأسل، وتتخذ منه المكانس، ويظلل به المزاد فيبرد. و "الشث"شجر من أشجار الجبال، وقيل ضرب من الشجر ونبت طيب الريح مر الطعم يدبغ به، ينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. وقيل شجر مثل شجر التفاح القصار في القدر، ورقه شبيه بورق الخلاف، ولا شوك له، وله برمة موردة صغيرة، فيها ثلاث حبات أو أربع سود، ترعاه الحمام إذا انتثروه.

(1/4057)


وذكر إن "الغر يف"شجر خو"ار مثل الغرب أو البردي. و " الضرو " شجرة الكمكام، وهو شجر طيب الريح يستاك به، ويجعل ورقه في العطر، وأكثر منابت الضرو باليمن، وهو من شجر الجبال كالبلوط العظيم له عناقيد كعناقيد البطم، غير انه أكبر حبا، ويطبخ ورقه فإذا نضج صفي ورد ماؤه إلى النار فيعقد. يتداوى به. وذكر إن الكمكام قرف شجر الضرو، وقيل صمغ شجرة تدعى الكمكام تجلب من اليمن، وقيل هو علك الضرو. وقرف شجرة الضرو أو لحاؤها من أفواه الطيب. وقد يستاك به.
و "المظ"، شجر الرمان أو بريه، ينبت في جبال السراة ولا يحمل ثمرا وإنما ينور نورا كثير. ومنابته الجبال. وفي نوره عسل كثير ويمص وتأكله النحل فيجود عسلها، وله حطب أجود حطب وأثقبه نارا يستوقد كما يستوقد إلشمع. وقيل هو الرمان البري الذي تأكله النحل، وإنما يعقد الرمان البري ورقا ولا يكون له رمان. وقيل هو: دم الأخوين، وهو دم الغزال، الذي يعرف بالقاطر المكي، وهو عصارة عروق الأرطي، وهي حمر، والإرطاة خضراء، فإذا أكلتها الابل احمرت مشافرها.
و "السماق"من الأشجار التي تنبت بجبال تهامة، وأهل الحجاز يسمونه "الضمخ"، وأهل نجد يسمونه "العرتن".
و "الشوع" شجر البان، أو ثمره. قيل شجر طوال وقضبانه طوال سمجة، ويسمى ثمره أيضا الشوع. وهو يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، والناس يسلفون في ثمره الأموال. وأهل الشوع، يستعملون دهنه كما يستعمل أهل السمسم دهن السمسم. وهو جبلي، وقيل ينبت في الجبل والسهل. و "الضبر"، شجر جوز البر، يكون بالسراة في جبالها ينور ولا يعقد. وذكر بعض علماء اللغة، أن "الضبر"، "جوز بويا، و "جوز بوا"، كما يسميه البعض. وذكر بعض اخر، أنه جوز صلب. و"الضبار"، شجر يشبه شجر البلوط، وحطبه جيد، مثل حطب المط فإذا جمع حطبه رطبا، ثم أشعلت فيه النار، فرقع فرقعة المخاريق، ويفعل ذلك بقرب الغياض التي فيها الأسد. فتهرب.

(1/4058)


و "الطباق"، شجر ينبت متجاورا، لا تكاد ترى منه واحدة منفردة، وهو نحو القامة، وله ورق طوال دقاق خضر تتزلج، إذا غمزت يضمد بها الكسفر يجبر. وله نور أصفر مجتمع، ولا تأكله الإبل ولكن االغنم، ومنابته الصخر مع العرعر، والنحل تجرسه والأوعال أيضأ. وينبت بجبال نواحي مكة، وقد استخدم في معالجة أمراض جلدية وداخلية، و "السراء" ضرب من شجر القسي و "الصوم"، شجرة بلغة هذيل، قيل إنها على شكل الإنسان، كريهة المنظر جدا، يقال لثمرها رؤوس الشياطين، يعني بالشياطين الحيات، وليس لها ورق. وقيل لها هدب ولا تنتشر أفنانها بنبت نبات الأثل، ولا تطول طوله، وأكثر منابتها بلاد "بني شبابة".
و"القتاد" شجر ضخم ينبت بنجد وتهامة. وهو شجر صلب له شوك كالأبر. وهو من العضاه. وهو ضربان، فأما القناد الضخام، فإنه يخرج له خشب عظام وشوكة حجناء قصيرة، وأما القتاد الآخر، فإنه ينبت صعدا ينفرش منه شيء وهو قضبان مجتمعة، كل قضيب منها ملان ما بين أعلاه وأسفله شوكا، وفي المثل: من دون ذلك خرط القتاد. وإبل قتادية تأكل شوك القتاد.
و "الأشكل"، السدر الجبلي، وقيل: شجر مثل شجر العتاب في شوكه وعقف اغصانه، غير أنه أصغر ورقا وأكثر أفنافا، وهو صلب جدا، وله نبيقة حامضة شديدة الحموضة، منابته شواهق الجبال تتخذ منه القسي.
و "الصاب"و "السلع"ضريان من الشجر مران، والمصاب قصب السكر. و "السرح"من الأشجار، له ثمر يقال له "الأء"، يشبه ألزيتون عل قول أو الموز على قول اخر. يأكله الناس ويرتبون منه الرب و "الغضور"شجر أغبر ينبت في كل جبال تهامة. وذكر أن "السرح"شجر كبار عظام طوال لا ترعى وإنما يستظل فيه، وينبت بنجد في السهل والغلظ، ولا ينبت في رمل ولا في جبل ولا يأكله المال إلا قليلا له ثمر أصفر وقيل السرحة، دوحة محلال واسعة يحل تحتها الناس في الصيف يبنون تحتها البيوت.

(1/4059)


و "الغاف"شجر عظام ينبت في الرمل ويعظم،وورقه أصغر من ورق التفاح، وهو في خلقته، وله ثمر حلو جدا، وهو غلف كأنه قرون الباقلى وخشبه أبيض، أو هو شجر الينبوت يكون بعمان. وذكر إن الغاف من العضاه، وهي شجرة نحو القرظ شاكة حجازية تنبت في القفاف.
الأشجار العادية
ونجد في كتب اللغة والأخبار ألفاظا تعبر عن قدم الأشجار وضخامتها، فاستعملوا "العادي"، و "الدمل"، و "العدملة"، و "العدملي"للقديم من الشجر. وقد رأينا انهم استعملوا "العادي"بمعنى الشيء القديم، ولا شيء قديم لا يعرف أصله. ومنه "العيدانة"، للشجرة الصلبة القديمة، التي لها عروق نافذة الى الماء و "العدمل"، كل مسن قديم وقيل هو الضخم القديم من الشجر و "العدولي"، الشجرة القديمة الطويلة و "الربوض"، الشجرة العظيمة الضخمة الغليظة و الدواثح، آلعظام من الشجر و "الهيكل"،النبات الطويل، البالغ العبل، اي العظيم، وكذلك الشجر أما الشجرة الطويلة، فيقال لها "سحوق"و "سهوق". والنخلة السحوق، الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني. وقيل هي الجرداء الطويلة التي لا كرب لها و "السمق"من الشجر، هو الشجر الطويل المرتفع. والقراح، النخل الطويل الذي زال كربه وصار أملس.
جماعة الشجر

(1/4060)


وفي دواوين اللغة ألفاظ كثيرة أطلقت على جماعة الشجر من حيث كثافتها في أرض تنبت بها، ومن هذه الألفاط: "الدحل"، الشجر الملتف، كالدغل. و "الدغل"، الشجر الكثير الملتف، وقيل هو اشتباك النبت وكثرته، وأعرف ذلك في الحمض، والجمع " أدغال. و "الشجراء"، اسم لجماعة الشجر، و "الغيضة"، مجتمع الشجر في مغيض ماء، والمراد بالشجر، أي شجر كان، أو خاص بالغرب لا كل شجر، و "الأجمة"، الشجر الكثيف الملتف. وأما "الغيطلة"، فهي الشجر الكثيف الملتف، وجماعة الشجر والعشب وكل ملتف مختلط، وقيل جماعة الطرفاء. و "الحرجة"، اسم لمجتمع الشجر، وقيل الشجر الملتف. وقيل الحرجة تكون من السمر والطلح والعوسج والسلم والسدر. وقيل هو ما اجتمع من السدر والزيتون وسائر الشجر. و "العيص"، الشجر الكثير الملتف، وقيل هو الشجر الملتف النابت بعضه في أصول بعض. وقيل: ما اجتمع بمكان وتدانى والتف من السدر والعوسج والنيع والسلم من العضاة كلها وهو من الطرفاء الغيطلة، ومن القصب الأجمة. وقيل العيص، ما التف من الشجر وكثر مثل السلم، والطلح، والسيا ل، والسدر، والعرفط، والعصاه. وأما "الرمخ"، فالشجر المجتمع كذلك.

(1/4061)


وأما "الغيل"، فالشجر الكثير الملتف الذي ليس بشوك يستتر به. وقيل جماعة القصب والحلفاء وأما "الغريف"، فالشجر الكثير الملتف من أي شجر كان، أو الأجمة من البردي والحلفاء، وقد يكون من الضال والسلم. وأما "الأبأة"، فالقصبة، أو أجمة الحلفاء والقصب خاصة، وماؤها شر المياه. وأما "الزأرة"،فالأجمة ذات الحلفاء و الماء و القصب. و "الزأرة"قرية كبيرة بالبحرين، وبها عين معروفة، يقال لها عين الزأرة، وقيل "مرزبان الزأرة"كان منها. و "المرز بان" الرئيس، أي رئيس الأجمة. و "الخيس"، "الخيسة": فالشجر الكثير الملتف، والمجتمع من كل الشجر، أو ما كان حلفاء وقصبا، وقيل الملتف من القصب والأشاء والنخل. وقيل: منبت الطرفاء وأنواع الشجر، و الخيسة، الأجمة، و "الربض"، جماعة الطلح والسمر، وقيل: جماعة الشجر الملتف. و "الوهط"، ما كثر من العرفط، وقيل: وهط من عشر، كما يقال عيص من سدر. وقيل: الوه: المكان المطمئن من إلارض المستوى، تنبت فيه العضاه، والسمر، والطلح، والعرفط. ويقال للغملى من النبات، وهو ما التف بعضه على بعض "الشربب".
و "الأيكة"، الشجر الملتف الكثير، وقيل: الغيضة تنبت السدر وألأراك ونحوهما، أو الجماعة من كل الشجر حتى من النخل، وخص بعضهم به منبت الأثل ومجتمعه. وقال بعض علماء اللغة: الأيك الجماعة الكثيرة من الأراك تجتمع في مكان واحد. وقد ذكرت الأيكة في القرآن الكريم. قيل أن شجر أصحاب الأيكة كان الدوم، وقيل: أثل ورهط من عشر، وقصيمة من غضى. وأما "العيكة" فلغة في الأيكة.

(1/4062)


و "الغابة": الأجمة ذات الشجر المتكاثف، لأنها تغيب ما فيها، وقيل الغابة: الأجمة التي طالت ولها أطراف باسقة. يقال: ليث غابة. وقيل الغابة أجمة القصب. وفي الحديث: كان منبر الرسول من أثل الغابة، وفي رواية من طرفاء الغابة. والغابة غيضة ذات شجر كثير، وهي على تسعة اميال من المدينة. وقيل: موضع قريب من المدينة. والعرب تسمي ما لم تصبه الشمس من النبات كله: الغيبان.
و "الصور"، جماع النخل، وقيل النخل المجتمع الصغار. قيل: ويقال لغير النخل من الشجر صور. و "العقدة"، المكان الكثير المشجر، يرعونه من الرمث والعرفج، وقيل الحائط الكثير النخل. وتنبت القصباء والحلفاء في الماء الراكد أو الهادىء، على حواشي الأنهار حيث يظهر الماء في المنخفضات. جاءفي شعر للأعشى: كبردية الغيل وسط الغريف إذا ما أتى الماء منها السديرا
والقصباء جماعة القصب، وقيل منبتها. وقد أقصب المكان، وأرض قصبة ومقصبة، أي ذات قصب. وينبت في المواضع التي يكثر وجود الماء الراكدة أو الهادئة بها، مثل المستنقعات والبطاثج، مثل بطائح العراق، حيث تعد من أهم منابت القصب والبردي في العراق حتى اليوم.
والقصب مادة مهمة لأهل الريف، ولمن يعيش على الماء، مثل أهل البطائح والأهوار، والمستنقعات، والأجم التي تتخلها المياه. إذ اتخذوا منها بيوتا صنعوها من القصب، ولا زال سكان "الأهوار" في العراق يصنعون بيوتهم من القصب. واتحذوا منها فراشا. يجلسون عليه، هو "البارية"، ويقال لها "البوري"، و "البورية"، و "البورياء"، و "الباري"، و "البارياء". الحصير المنسوج من القصب. وقد أشير إلى "البوري"في الحديث.
والحلفاء نبت من الأغلاس، قلما تنبت إلا قريبا من ماء أو بطن واد، وهي سلبة غليظة المس، وقد يأكل منها الإبل والغنم أكلا قليلا، وهي أحب شجرة إلى البقر. وقد كانت الأسود تأوي إليها. ومن مآوي الأسود الآجام ومنابت الحلفاء. وقد تجف، إذا قل الماء.

(1/4063)


والبردي من النبات الذي يحتاج مثل القصب والحلفاة إلى ماء. فهو لا ينبت إلا قريبا من ماء أو في مستنقع أو هور، أو منخفض فيه ماء. ويؤلف أجمة في وسط ماء.
و "الجليل"، نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت. وهو "الثمام"في رأي بعض علماء اللغة. و "الثمام"،نبت ضعيف له خوص، أو شبيه بالخوص،وربما حشي به وسد به خصاص البيوت. وهو أنواع، فمنها: الضعة ومها الجليلة، ومنها الغرف، وهو شبيه بالأسل وتتخذ منه المكانس، ويظلل به المزاد فيبرد الماء. يقال: "بيت مثموم"مغطى به. وقد يستعمل لإزالة البياض من العين.
الفحم وقطع الشجر
وقد صنع أهل الجاهلية من النباتات البرية والأشجار الجبلية الفحم، وهم لا يزالون يصنعونه من هذه المواد. وذلك بإشعالها أولا ثم باطفاء جمرها،للاستفادة من الفحم الحاصل من ذلك في أغراض شتى. ويحمله أصحابه إلى أهل المدر، لبيعه لهم، أو لمقايضته مع الباعة بمواد أخرى يحتاجون إليها. وقد أدى الإسراف في ذلك وفي قلع الأشجار البرية النابتة بالطبيعة دون التعويض عنها بزراعة غيرها في مكانها، الى تحول الأرضين الشجراء إلى أرض جرداء، وإلى إلحاق ضرر كبير بمصدر ثروة مهمة من الثروات الطبيعية.
وتشاهد في كثير من المناطق الجبلبة والنجود بقايا أشجار قديمة وأصول اشجار ممتدة بين الصخور تدل على أن هذه المناطق الجرد كانت ذات أشجار باسقة، ولكنها أصابها الدمار بفعل جهل الإنسان واعتدائه عليها، وعدم عنايته بها،فتلفت وبادت، حتى استحالت تلك البقاع الشجراء قفارا جردا.

(1/4064)


وكان مما ضيق من مساحة الأرضين المشجرة، التي شجرتها الطبيعة بنفسها،قطع الإنسان الشجر من عروقه أو من موضع اتصال الساق بالأرض، للاستفادة من المقطوع إلى أقصى حد ممكن، مما أهلك النبت، فأمات عروقه، وقطع عنه مادة الحياة، ولم يحفل بغرس آخر في مكانه، ليآخذ محله، لأن الأرض ليست أرضه، وانما هو يريد بيع الخشب والحطب ليستفيد من الثمن، فقلت مساحة الأرض المشجرة بالطبيعة، بهذا التجاوز الفظيع. ولم تعوض الطبيعة الإنسان عن الضرر الذي ألحقه بنتاجها، فقد أعطته كثيرا، وكان من الواجب عليه أن يعينها في الانبات، لا أن يعمل على إفساد ما زرعته.
آفات زراعية
ويفهم من بعض النصوص الجاهلية إن الزراعة كانت تتعرض لآفات زراعية خطيرة تقضي على المزروعات في بعض الأحيان. وطالما وجدنا أصحابها يسألون الآلهة وقاية مزروعاتهم وحمايتها وانزال البركة عليها ومنحهم غلات وافرة كثيرة. وقد يكون من بين هذه الآفات: الحشرات والجراد وانحباس المطر. ومن طرق هذه الحماية في نظرهم تسمية الزرع باسم إله، ليكون في حمايته ورعايته. وقد يخصص نصيب منه لذلك الإله، في مقابل حمايته له.

(1/4065)


وفي كتب اللغة ألفاظ عديدة في معاني الآفات التي تصيب الزروع، مثل: البثق، وهو داء يصيب الزرع من ماء السماء، و " الغمل"، وهو مرض يغمل النبات، فيجعله يركب بعضه بعضا ويذبل ويعفن. و "الخناس"، داء يصيب الزرع فيتجعثن منه فلا يطول. و "الشفران"، و "اليرقان"، آفة للزرع تصيبه فيصفر منها، وقيل دود يكون في الزرع فيتلفه، و "الأرقان"، والرصع، والوصم، وهو العيب في العود، والقادح، أيضا يقع في الشجر وفي الخشب فيأكله، والقادح أيضا العفن، ويقع القادح في الأسنان، وهو السواد الذي يظهر فيها. والسوس، داء يصيب الزرع، لوقوع السوس فيه، بسبب حشرة تعبث فيه، ويقال مثل ذلك بالنسبة إلى الصوف والثياب والطعام، إذا عبثت العثة فيها. و "العثة" سوسة، أو الأرضة التي تلحس الصوف فتؤذيه. وقيل: دويبة تعلق إلإهاب فتأكله. والجدجد أيضا دوبية تعلق الإهاب فتأكله. والأرضة ضربان، ضرب صغار، مثل كبار الذر، وهي آفة الخشب خاصة، وضرب مثل كبار النمل، ذوات أجنحة، وهي افة كل شيء من خشب ونبات، غير إنها لا تعرض للرطب، وهي ذوات قوائم. وقيل: هي دودة بيضاء شبه النملة تظهر في أيام الربيع. وقيل دودة بيضاء سوداء الرأس، وليس لها أجنحة، وهي تغوص في الأرض وتبني لها كنا من الطين، وهي تأكل الخشب وغيره. والنخر، داء يصيب الأغصان والسيقان، والخشب، فيسبب جفافها وتفتتها. و "القادحة"، دودة تأكل الشجر.
و "القتع"، دود حمر تأكل الخشب، أو هي الأرضة، وقيل الدود مطلقا. وقيل هي السنفة، وللقتعة، والهرنصانة، والحطيطة، والبطيطة، واليسروع، و العوانة، و الطحنة.
و "السرفة"، دويبة تؤذي الزرع، تثقب الشجر ثم تبني فيها بيتا من عيدان دقاق تجمعها بمثل غزل العنكبوت، وقيل دودة تنسج على بعض الشجر وتأكل ورقه وتهلك ما بقي منه بذلك النسج. وذكر أن "الهرنصانة"،السرفة، وأن "البطيطة"السرفة كذلك. وأن "الحطيطة"السرفة أيضا.

(1/4066)


ومن الأمراض والآفات التي تصيب النخيل، الدمان، ويقع على التمر، فيفسد، وتصيبه العفونة قبل إدراكه حتى يسود. والمراض، داء للثمار يقع فيها فيهلكها، و "القشام"، وهو أن ينتفض تمر النخل قبل أن يصير بلحا. وذكر بعض العلماء أن الدمان فساد النخل قبل إدراكه، وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفونا. وذهب آخرون الى أنه فساد الطلع وتعفنه وسواده. وقال بعفضهم: الدمان التمر المتعفن، وانه فساد التمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسود من الدمن. وأما المراض، فذكر بعض العلماء أنه اسم لجميع الأمراض. وأما القشام، فهو أكال يقع في التمر.
ومن الافات التي كانت تصيب الزرع فتؤذي الناس وتلقي بأصحاب الزرع خسائر كبيرة "الجراد". فقد كان يكتسح الزرع في بعض السنين اكتساحا، فيأتي في موجات كثيفة، ويلتهم كل ما يجده أمامه، حتى يجرد الأرض جردا، ولا يترك من نبتها شيئأ. ونجد في كتابات المسند اشارات إليه. ويقال له: "اربى" في العربيات الجنوبية. وفي العربية: "جراد سد"، أي كثير سد الأفق. ويقال جاءنا سد من جراد، إذا سد الأفق من كثرته.
وللجراد أسماء تمثل مراحل نموه، ذكرها علماء اللغة.مما يدل على مدى اتصاله بحياة الناس، وما كان يحدثه من أذى وأثر في زرعهم. وإذا أكل الجراد نبت أرض. قيل: أرض مجرودة، وجرد الجراد الأرض جردا، ومن أسماء الجراد "الجندب". وقيل انه الصدى يصر بالليل ويقفز ويطير، وقيل هو أصغر من الصدى يكون في البراري، وقيل هو الصغير من الجراد.
وكان الجراد يغزو المزارعين فيأتي على ما زرعوه، لا يترك لهم منه شيئا، وهم عاجزون عن الاتيان عليه. وهو أنواع عديدة من حيث اللون والجسم. وكان إذا انتفل من مكان إلى مكان ظهر في السماء، وكانه سحابة من كثرته. وقد صار طعاما لهم " يأكلونه كما يأكل هو زرعهم. ذكر إن "ابن أبي أوفى"قال: غزونا مع النبي سبع غزوات أو ستا كنا نأكل معه الجراد.
الأسوكة

(1/4067)


السواك سوك الفم بالعود. والعود مسواك. ويتخذ من الأراك، فإن لم يكن فعتم أو بطم. ويستاك بالبشام كذلك، وهو شجر ذو ساق وأفنان وورق صغار أكبر من ورق الصعتر ولا ثمر له.
الفصل الثالث والتسعون
المراعي
وفي جزيرة العرب مراعي، منها الخاص، ومنها العام. والمراعي الخاصة ما تكون ملكا لرجل أو أسرة أو قبيلة تفرض سلطانها على المرعى، مثل الاحماء، حيث لا يسمح لأحد غير مأذون بالرعي في "الحمى". أما المراعي العامة، فهي التي لا تدخل في ملك أحد، وإنما يرعى فيها كل أبناء الحي، وجميع أبناء ا!قبيلة، لأن أرض القبيلة ملك للقبيلة ما دامت عزيزة فيها مالكة لرقبتها، يرعى فيها كل أبنائها، فإذا ذلت واستخذت طمعت فيها القبائل المجاورة القوية، فشاركتها في أرضها، وربما أجلتها عنها. وإذا ارتحلت القبيلة عن أرضها، وتركتها، ونزل بها نازل جديد، صارت الأرض ملكا له، ما لم يدفع عنها بالقوة، أو يتركها هو رضاء. فإذا ارتحل عنها، ونزل في مكان جديد، سقط حقه فيها، وانتقلت رقبة الأرض إلى النازل الجديد. وهكذا تكون المراعي عامة مشاعة بين جميع أبناء القبيلة، ما خلا الحمى، ينتفع بها جميع أبنائها، بما في ذلك سادة القبيلة وأصحاب الاحماء، الذين ترعى إبلهم في احمائهم، كما ترعى مع إبل الناس في مراعي القبيلة، ولا يجوز لأحد من القبيلة أن يأخذ من أرباب المواشي عوضا عن مراعي القبيلة، لأنها للجميع. وقد اخذ بهذا الحكم في الإسلام بالنسبة للمراعي الموات، بقول الرسول: "الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ".
و "الر عي"الكلأ، وهو ما ترعاه الراعية. والراعي، هو للذي يتولى أمر الماشية التي ترعى، ويقال للذي يجيد رعية الإبل "تر عاية"و "ترعى"، أو هو الحسن الارتياد للكلأ للماشية، أو صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل. و "الرعاوى" الإبل التي ترعى حوالى القوم وديارهم لأنها الإبل التي يعتمل عليها.

(1/4068)


ويقال للمرعى في المسند "مرعم"، "مرعيم"، "مرعى". والمرعى موضع الرعي. والر عي الكلأ. والمرعى والرعي ما ترعاه الراعية. ورعيان، ورعاء، رعاة الغنم على الأكثر. ويقال "ترعى"و "ترعاية"و "تراعية"للرجل يجيد رعية الإبل، أو هو الحسن الارتياد للكلأ للماشية، أو صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل. و "الرعاوى"، الإبل التي ترعى حوالى القوم وديارهم، لأنها الإبل التي يعتمل عليها. ويقال للمرعى "الأب"، وهو الكلأ جميعه الذي تعتلفه الماشية، رطبه ويابسه.
ويعبر عن الإبل إذا رعت ب "سامت المال"، و "سامت الإبل"، يقال سامت الراعية والماشية والغنم تسوم سوما، رعت حيث شاءت، فهي سائمة. والسوام والسائمة الإبل الراعية، وقيل كل ما رعى من المال في الفلوات إذا خلى وسومه يرعى حيث شاء، والسائم للذاهب على وجهه حيث يشاء. وذكر إن السوام والسائمة كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأصل. وورد في الحديث: سائمة الغنم. و "السرح"المال السائم. وذكر بعض علماء اللغة إن المال لايسمى سرحا إلا ما يفدى به ويراح.
وتؤدي لفظة "مرتع"معنى "مرعى"، ورتع بمعنى أكل وشرب للبهائم.
ولا يكون الرتع إلا في خصب وسعة. وتؤدي لفظة "النجعة"، معنى طلب الكلا في موضعه. و "والنجعة عند العرب المذهب في طلب الكلأ في موضعه، والبادية تحضر محاضرها عند هيج العشب ونقص الخرف وفناء ماء السماء في الغدران، فلا يزالون حاضرة يشربون الماء العد حتى يقع ربيع بالأرض خرفيا كان أو شتيا، فإذا وقع الربيع توزعتهم النجع وتشبعوا مساقط الغيث يرعون الكلأ والعشب، إذا أعشبت البلاد، ويشربون الكرع وهو ماء السماء، فلا يزالون في النجع الى أن يهيج العشب من عام قابل وتنش الغدران فيرجعون إلى محاضرهم على أعداد المياه".
ويقال أرض معرضة، للأرض التي يستعرضها المال ويعرضها، أي هي أرض فيها نبات ي رعاه المال إذا مر فيها.

(1/4069)


وإذا أقامت الإبل في المرعى، قيل: "عدنت الإبل"، وخص بعضهم به الإقامة في "الحمض"، وقيل يكون في كل شيء.
وقد تكون المراعي عند مشارف أهل الحضر، لا تبعد عن القرى وعن مستوطناتهم كثيرا، وذلك بالنسبة لرعي الغنم. فيؤدي أهل البيوت أغنامهم إلى الراعي، ليأخذها إلى الخارج فيرعى بها وتتجمع عند الراعي أغنام لمختلف الناس، في مقابل أجر يدفع له. وقد كان الرسول راعي غنم، يرعى غنم قريش، وغنم أهله ب "أجياد"بالقراريط.
وكان بين أصحاب الغنم، وبين أصحاب الإبل تنازع، وقد كان يستطيل أصحاب الإبل على أصحاب الغنم.
و "المنقل"، النجعة يتنقلون من المرعى إذا احتفوه إلي مرعى آخر، وذلك
إذا رعوا فلم يتركوا فيه شيئا. والناقلة ضد للقاطنين، والجمع النواقل. والنقل الطريق المختصر. والنجعة طلب الكلأ في موضعه. والبادية تحضر محاضرها عند هيج العشب ونقص الخرف وفناء ماء السماء في الغدران، فلا يزالون حاضرة يشربون الماء العد حتى يقع ربيع بالأرض خرفيا كان أو شتيا، فإذا وقع الربيع توزعتهم النجع وتتبعوا مساقط الغيث يرعون الكلأ والعشب إذا أعشبت البلاد ويشربون الكرع وهو ماء السماء، فلا يزالون في النجع إلى ان يهيج العشب من عام قابل، وتنش الغدران، فيرجعون إلى محاضرهم على اعداد المياه.

(1/4070)


وإذا أمطرت السماء مطرا كافيأ، كان ذلك خيرأ للعرب وفرحة عظيمة. إذ تغيث الأرض وتكسوها حلة سندسية جميلة، وتزول الغبرة عن وجهها، وتظهر الأرض فرحة مستبشرة بعد عبوس وكآبة. فتهيج الأرض وتنبت نبتا أخضر، يكون بهجة للناظرين وطعاما شهيا للابل ولبقيه حيواناتهم، تقبل عليه إقبالا شديدا، فتشبع وتصح أجسامها، ويكثر نسلها. ويقال للخضرة التي تكسو وجه الأرض "الكلأ"، وهو العشب، رطبه ويابسه. وأرض كليئة ومعكلأة، كثيرة الكلأ. وذكر إن العشب الكلأ الرطب، والرطب من البقول البرية، ينبت في الربيع، وهو سرعان الكلأ في الربيع يهيج ولا يبقى. ويدخل في العشب، أحرار البقول وذكورها، فأحرارها ما رق منها وكان ناعما. وذكورها ما صلب وغلظ منها. وذكر بعضم إن العشب كل ما أباده الشتاء وكان نباته ثانية من أرومة أو بذر.
وفي ذلك يقول الأعشى: ألم تر أن الأرض أصبح بطنها نخيلا وزرعا نابتا وفصافصا
والفصافص الرطب من علف الحيوان، ويسمى "القت". وقيل هو رطب القت. وفي الحديث: ليس في الفصافص صدقة.
و "البقل"ما نبت في بزره لا في أرومة ثابتة. وذكر أنه كل ما اخضرت به الأرض. والفرق بين البقل ودق الشجر، أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت. وقال بعض علماء اللغة: البقل ما لا يثبت أصله وفرعه في الشتاء. والبقلة، بقل الربيع خاصة. وبقلت الأرض إذا أنبتت. وذكر أن من أسماء بقل الربيع: الجشر.
وترد لفظة "لسسن"، "لسس"، الواردة في نصوص المسند في معنى "لساس " في عربيتنا. ويراد بها أول البقل، وقيل هو من البقل ما استمكنت منه الراعية وهو صغار. وقيل: البقل ما دام صغيرا لا تستمكن منه الراعية، وذلك لأنها تلسه بألسنتها لسا.

(1/4071)


والحشيش الكلأ اليابس، ولا يقال وهو رطب حشيش. والطاقة منه حشيشة. والعشب يعم الرطب واليابس. وقال بعض علماء اللغة: الحشيش أخضر الكلأ ويابسه. وقال بعض آخر العرب إذا اطلقوا امم الحشيش عنوا به الخلي خاصة، وهو أجود علف يصلح الخيل عليه. وهو من خير مراعي النعم. وقال بعض آخر: البقل أجمع رطبا ويابسا حشيش وعلف وخلي. والخلي: الرطب من النبات. وقال بعض علماء اللغة: هو النبات الرقيق ما دام رطبا.
وترد في المسند لفظة "جمست""جمسة"، بمعنى الحشائش عند جفافها والنبت إذا ما ذهبت غضاضته. وهي بهذا المعنى في عربية القرآن الكريم. فالجامس من النبات ما ذهبت غضوضته ورطوبته فولى وجسا.
وتنبت الأمطار ما دق من الشجر، وبعض أنواع الشجر، وقد تثمر ثمرا يستفيد منه الإنسان. كما يستفيد من عوده ومن حطبه وخشبه. أما ورقه فيكون طعاما شهيأ للابل. ونجد في كتب اللغة أسماء عدد كبير من هذه النباتات. وقد استعان الأعراب بالنبات وبالشجر في مداواة أنفسهم،، علمتهم تجاربهم الطويلة القديمة، ما ينفع منها في معالجة ما يصابون به من مرض، فصار لهم طب خاص بهم،يقوم على الفراسة وعلى الملاحظة وعلى التجارب في استخدام النبات في مداواة الإنسان وفي معالجة ماله، ولا زال هذا الطب معمولا به في البوادي، عند ا لأعراب.
ويعد الأراك من أطايب أكل الإبل، إذا أصابت منه شيئا.، ظهر طعمه في للبن، وهم يستحسنون هذا اللبن. وقد كان الرعاة إذا مروا به اجتنبوا ثمرته، و "الكباث"، هو أحسن ثمره، ولونه أسود، وهو أطيب ثمر الأراك. وقد اجشاه الرسول يوم كان راعيا، وهو النضيج من ثمر الأراك. وما لم ينضج فهو "بربر". وقيل: الكباث هو ما لم ينضج منه، وقيل حمله إذا كان متفرقا.

(1/4072)


وتكتسي الأرض بعد ظهور الكلأ ثوبا سندسيا جميلا، فتظهر خضراء، لكثرة ما عليها من "الخضر"، وهو الزرع والنبات الذي نبت عليها. و "الخضر"، المكان ااكثير الخضرة. ويراد بالخضرة "البقلة الخضراء"، وهي بقلة خضراء خشناء ورقها مثل ورق الدخن وكذلك ثمرتها وترتفع ذراعا،وهي تملأ فم البعير.
و "الخضر" ضرب من الجنبة، والجنبة من الكلأ ما له أصل غامض في الأرض، مثل النصى والصليان. وليس الخضر من أحرار البقول التي تهيج في الصيف. وجيدها الذي ينبته الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لاتجد سواها،وتسميها العرب الجنبة، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمريها.
والجنبة، عامة الشجر التي تتربل في زمان الصيف. واسم لنبوت كثيرة، وهي كلها عروق. سميت جنبة، لأنها صغرت عن الشجر الكبار وارتفعت عن التي لا أرومة لها في الأرض. فمن الجنبة: النصي والصليان والحماط والمكر والحذر والدهماء. صغرت عن الشجر ونبلت عن البقول. والنصي: نبت ما دام رطبا، فإذا ابيض، فهو الطريفة، فإذا ضخم ويبس، فهو الحلي. وهو من أفضل المرعى. وذكر أن "الطريفة"من النصي، إذا ابيض ويبس، أو هو منه إذا اعتم وتم وكذلك من الصليان. وذكر أيضا أن الطريفة من النبات، أول الشيء، يستطرفه المال،،فيرعاه كائنا ما كان. وسميت طريفة، لأن المال يطرفه إذا لم يجد بقلاه. وقيل لكرمها وطرافتها واستطراف المال إياه. وقيل: الطريفة خير الكلأ، إلا ما كان من العشب. ومن الطريفة النصي والصليان والهلتي والشحم والثغام.
و "الحلي"ما ابيض من يبيس النصي والسبط، وقيل: هو كل نبت يشبه نبات الزرع،أو اسم نبت بعينه. وقيل هو من خير مراتع أهل البادية للنعم والخيل.

(1/4073)


والحماط، شجر شبيه بالتين، خشبه وجناه وريحه، إلا أن جناه هو أصغر وأشد حمرة من التين، ومنابته في أجواف الجبال، وقد يستوقد بحطبه، ويتخذ خشبه لما ينتفع به الناس، يبنون عليه البيوت والخيام. وقيل: هو في مثل نبات التين، غير أنه أصغر ورقا، وله تين كثير صغار من كل لون أسود وأملح وأصفر، وهو شديد الحلاوة يحرق الفم إذا كان رطبا، فإذا جف ذهب ذلك عنه. وهو يدخر وله إذا جف متانة وعلوكة. وهو أحب شجر إلى الحيات، أي إنها تألفه كثيرا. يقال: شيطان حماط.
والصليان، نبت من الطريفة، ينبت صعدا وأضخمه أعجازه وأصوله على قدر نبت الحلي"، ومنابته السهول والرياض. وقيل الصليان من الجنبة لغلظه و بقائه.
والمكرة نبتة غبراء مليحاء تنبت قصدا، كأن فيها حمضا حين تمضغ، تنبت في السهل والرمل، لها ورق وليس لها زهر. وقد تقع المكورعلى ضروب من الششجر كالرغل. و "الدهماء"، عشبة عريضة ذات ورق وقضب، كأنها القرنوة، ولها نورة حمراء يدبغ بها، ومنبتها قفاف الرمل.
الحمض والخلة
ويقسم بعض العلماء المرعى كله إلى حمض وخلة. فالحمض ما فيه ملوحة، والخلة ما سواه. وكل أرض لم يكن بها حمض، فهي خله، وإن لم يكن بها من النبات شىء. وخلل الأرض الي لاحمض بها، وربما كانت بها عضاه، وربما لم تكن. ولو أتيت أرضأ ليس بها شيء من الشجر فهي جرز.من الأرض، قات إنها خلة.
والحمض ما ملح وأمر من النبات، كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها. وذكر أن الحمض من النبات كل نبت مالح أو حامض يقوم على سوق ولا أصل له. ومن الحمض النجيل، والخذراف، والاخريط، والقضة، و القلام، والهرم، والحرض، والدغل، وما أشبهها. وذكر أن الحمض كل نبات لا يهيج في الربيع ويبقى على القيظ وفيه ملوحة، إذا أكلته الإبل شربت عليه.واذا لم تجده رقت وضعفت. وهي كفاكهة الإبل، والخلة ما حلا، وهي كخبزها، تقول العرب: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها ويقال لحمها.

(1/4074)


والرمث، مرعى للإبل، وهو من الحمض، وشجر يشبه الغضى،لا يطول ولكنه ينبسط ورقه وهو شبيه يالأشنان، وله هدب طوال دقاق، وهو مع ذلك كله كلأ تعيش فيه اللإبل والغنم وإن لم يكن معها غيره، وربما خرج فيه عسل أبيض كأنه الجمان، وهو شديد الحلاوة وله حطب وخشب ووقوده حار وينتفع بدخانه من الزكام. ويرتفع دون القامة فيحتطب.
والطرفاء جماعة الطرفة، شجر. قيل إنها أربعة أصناف من الأثل، وقيل الطرفاء شجر من العضاه، هدبه مثل هدب الأثل، ويس له خشب، وإنما يخرج عصيا سمحة في السماء، وقد تتحمض به الإبل إذا لم تجد حمضا غيره. وقيل انه من الحمض.
والإثل: شجر، عده بعضهم نوع من الطرفاء، وقال بعض آخر: الأثلة سمرة أو عضاهة طويلة قويمة يعمل منها الأقداح. والنجيل، ضرب من دق الحمض، وقيل هو خيرالحمض كله وألينه على السائمة. وذكر انه إذا أخرج عن الحمض أربع شجرات، فسائره نجيل، هي الر مث والغضى والسلج. ومن النجيل: الخذراف، والرغل، والغولان. والهرم، والفذا، والقلام والطمحاء. والخذراف، نبات ربعي إذا أحس بالصيف يبس، أو هو ضرب من الحمض له وريقة صغيرة يرتفع قدر الذراع. والرغل، نبت، أو حمضة تنفرش وعيدانها صلاب وورقها نحو من ورق الجماجم إلا إنها بيضاء ومنابتها السهول، والإبل تحمض به.
والغولان، حمض كالأشنان، وقيل شبيه بالعنظوان، إلا انه أدق منه. وهو مرعى. و "الهرم"، نبت ضعيف ترعاه الإبل، وقيل ضرب من الحمض فيه ملوحة. وقيل هو يبيس الشبرق، وهو أذله وأشده انبساطأ على الأرض واستبطاحا، وقيل شجر، وان الهرمة البقلة الحمقاء. و "الغذام"، نبت من الحمض. و "القلام"من الحمض ة،هو كالأشنان إلا انه أعظم و "القضاض " شجر من الحمض، وقيل هو دقيق ضعيف أصفر اللون.
والأراك من الحمض، وقوم مؤركون نازلون بالأراك يرعونها، ويقال أطيب الألبان ألبان الأوارك. وفي الحديث أتى بلبن الأوارك وهو بعرفة، فشرب منه.

(1/4075)


و "الحرض"، من النجيل. وذكر أنه الأشنان، تغسل به الأيدي على أثر الطعام. وشجرته ضخمة، وربما استظل بها، ولها حطب، وهو الذي يغسل به الناس الثياب. وأنقى وأبيض حرض هو حرض ينبت باليمامة، بواد منها بقال له جو" الخضارم. و "الحيهل"، شجرة قصيرة من دق الحمض لا ورق لها، وقيل إنه "الهرم"، وهو إذا أصابه المطر نبت سريعا، وإذا أكاته الإبل، فلم تبعر ولم تسلح مسرعة ماتت، وبذلك فسروا تسمية "الهرم"هرما.
وقد يضطر اصحاب الماشية إلى اطعامها ما ينبت في الأرض السبخة، أي ذات الملح. يقال "ملح الماشية"، بمعنى أطعمها سبخة الملح. و "السبخة"، أرض ذات نز وملح، وهي لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر والنبات. وتوجد السباخ في مواضع من جزيرة للعرب، في الأماكن الوطئة، حيث تنز الأرض، ويعلوها الملح، وتكون رخوة.
ولفظة "رعى"من الألفاظ التي كثر ورودها في الكتابات الصفوية، وهي كتابات أصحابها رعاة، كانوا يتنقلون مع ماشيتهم من مكان إلى آخر في طلب المرعى، فكانوا يكتبون خواطرهم على الحجارة والصخور، تخليدا لنزولهم هاتيك المواضع. وهم من عشائر مختلفة امتهنت الرعي، فكانت تتنقل من مكان إلى مكان. تتوغل في الربيع في البوادي، فإذا انتهى الموسم ويبس الكلا، عادت إلى مواضع قريبة من الحضر، حيث يتوفر فيها الماء، فترعى ماشيتها بكلأ هذه الأرضين، وتبيع إلى أهل المدر، ما يكون عندها من وبر وأصواف ومنتوج ألبان.
وتثبت النصوص الصفوية أن أصحابها كانوا جماعة من الرعاة، يتنقلون من مكان إلى مكان، بدليل الإشارة إلى المرعى "همرعى "ه مرعى"، "ها مرعى"، أي "المرعى" والى الماء والى البقر والإبل والشياه "شهى" "شاهي"، والأودية "هنخل" "ه - شخل" "ها نخل"وغير ذلك من الألفاظ التي ترد على ألسنة الرعاة. فكان هؤلاء الصفويون يتنقلون مع الكلأ والماء لرعي ماشيتهم.
أصناف الرعاة

(1/4076)


والرعاة على صنفين: رعاة الإبل، وهم إلممعنون في البوادي، والذين يبيتون مع الإبل في المرعى لآ يأوون إلى بيوتهم، ولا يرعون غيرها، وهم: "الجشر" أو هم الذين يرعون الابل، ويقيمون معها في المرعى، ولا يرعون معها غيرها من بقية الحيوانات. وهم جل الأعراب، بل كلهم، لأن حياة الأعرابي هي حياة رعي إبل، يرعاها عند ببته أو على مبعدة منه. بات مع الإبل بعيدا عن بيته أو أهله اياما أو موسم الربيع، أو أقام عند خيمته مع إبله، فهو راعي إبل في الحالتين.
وراعي الإبل، هو الأعرابي الأصيل، ابن البادية جواب بيداء، لا يأكل البقل والخضر، هو كما قال الراجز: جواب بيداء بها غروف لايأكل البقل ولا يريف
ولا يرى في بيته القليف
ويقال للاعرابي الذي ينشأ في البدو والفلوات لم يزايلها: المقحم. ويكون هؤلاء الرعاة الأعراب من أبعد الرعاة عن "المصانع"، أي القرى والحضر، ومن أهلها، لا يذهبون إليها ولا يتصلون بها. فهم يعيشون في عالم خاص بهم بعيد عن القيود والتكاليف، والتنويع في المأكل والمشرب.
ورعاة يرعون إبلا ويرعون غيرها معها من بقر وخيل وغنم. وهم لعدم استطاعة البقر والغنم من التوغل في البادية والتعمق في طياتها، لا يستطيعون الابتعاد عن الماء كثيرا، لعدم استطاعة تلك الحيوانات الصبر على العطش كثيرا، ولهذا فهم على اتصال بالحضر وبالحضارة، وهم مرحلة وسطى بين الحضارة وبين الأعرابية، وهم الجرثومة التي نبتت منها المجتمعات العربية الحضرية في العراق وفي بلاد الشام وفي جزيرة العرب، وهم من أهل الخيام السود المنسوجة من شعر الماعز، أو من صوف الأغنام. وقد أشير اليهم في التوراة، وقد كانوا يسكنون شرق العبرانيين وفي أرض فلسطين.

(1/4077)


وكانوا ينتجعون أيام الكلأ فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بينهم ألفة، فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك، وقد عرف هؤلاء ب "الخلطاء". كما كانرا يتشاركون في الرعي، وذلك أن يستأجروا راعيا أو رعاة، ويقدم كل واحد من الشركاء ما يريد تقديمه من الإبل أو إلشياه، ويحتمل كل واحد من المتشاركين أجر الرعي، حسب عدد إبله أوشياهه.
ولا يشترط في الراعي، أن يكون أجيرا لغيره يرعى إبل وماشية غيره، فقد يكون راعيا، وهو مالك لإبله ولبقية الماشية التي يرعاها " وهو إنما سمي راعيا لأنه اتخذ الرعي وسيلة للحياة يعيش عليها. ويجوز أن يكون قد ورثها عن آبائه وأجداده، ويجوز أن يكون قد اختارها هو حرفة له، كما يجوز أن يكون راعيأ لمال غيره من أهل قبيلته أو من الأبعدين، وقد يكون هؤلاء من أهل الحواضر المستقرين، يسلمون ما لهم للرعاة، لترعى في البوادي، وليكثر نسلها وتصح أجسامها، فإذا أرادوا بيعها طلبوا من الرعاة اعادتها اليهم.
ويقوم الأبناء في العادة برعي إبل الأب والعائلة، ونجد في القصص إشارات اليهم، لطمع الرجال في الإبل، وازدراءهم شأن الراعي لصغر سنه، فيستاقون إبله، مما يتسبب عن ذلك تعقب السراق، ووقوع حوادث بينهم وبين أرباب الإبل.

(1/4078)


ولا يربي الرعاة الدجاج والبط والحمام والأوز والطيور المختلفة والخنازبر، انما يربيها أهل الريف. والريف ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، وأرض فيها زرع وخصب، أو حيث تكون الخضر والمياه والزروع. وتربية الدجاج حرفة ينظر العربي إليها نظرة ازدراء واستهجان ؛ فلا يليق برجل حر يحترم نفسه، إن يخدم طيرا أو حيوانا صغيرا كالدجاجة، ولذلك كانت من حرف "النبط"والعرب المتنبطة، أي أهل الريف ممن خالط النبط، أي بني إرم، ومن تأثر بهم. وقد ربى أهل القرى الدجاج والطيور، لأكلهم، إذ كانوا يأكلون لحم الدجاج. ذكر إن الرسول والصحابة أكلت لحومها، ونجد الشعراء يشيرون إلى صياح الديكة عند دنوهم من الأرياف، لتربيتهم الدجاح واعتنائهم بها، واعتبارهم لحومها من ألذ اللحوم.
وترعى ألماشية في القرى وفي المزارع بما يظهر من أخضرعلى وجه الأرض بعد الحصاد، ويقال لذلك: المحشرة.
الرعاة والحضارة
وقد حدث في الجاهلية ما يحدث اليوم: يتنقل الأعراب بمواشيهم وبيوتهم وكل ما يملكون من باطن جزيرة العرب في الجفاف، فيتجهون نحو الشمال، نحو بلاد الشام والعراق للرعي والاكتيال. ينزلون هناك جماعات حيث يجدون الماء والكلأ، في مواضع مختلفة قد تكون بعيدة عن القرى والمدن ممعنة في البادية، وقد تكون في اطراف القرى وبين الحضر، وقد يدخلون بين الحضر للاكتيال والامتيار وللري في مواضع العشب والكلا المحيطة بهم. وهم على هذه الحالة ما دامت بهم حاجة إلى كل أولئك، فإذا انتهت أو شح ما قصدوه انتقلوا إلى مواضع أخرى، وهكذا كانت سنة البدوي في الحياة.

(1/4079)


وقد كانوا يفدون دوما من باطن الجزيرة، فيتوغلون في بادية الشام ومنهم من كان يمعن في التوغل في تلك البادية حتى يصل أقصاها،أي أعاليها في الشمال، فيدخل الأرضين الجنوبية من "تركية"في الوقت الحلضر، وأعالي العراق وبلاد الشام. ومنهم من كان يجد له طيب العيش والمقام، في هذه المهابط والمواطن الجديدة، فيقيم بها، وقد يتحضر قوم منهم، ومن هؤلاء تولد حضر العرب في هذه الديار.
ولما كان في مجيء الأعراب علما هذه الصورة محاذير وأخطار على الحضر وعلى الحكومات، اضطرت الحكومات المسيطرة على العراق وبلاد الشام إلى اتخاذ وسائل الحماية المختلفة لحماية أرضها منهم، فبنت المسالح ووضعت الحرس في المواضع المشرفة على البوادي الممسكة بعنان طرقها، لمراقبة القادم والخارج ولابلاغ رجال الأمن بدنو الخطر، وحذرت من الأعراب، فأشرفت على حركاتهم وسكناتهم خشية انتهازها فرص الضعف، فتعبث على عادتها بالأمن. وقد أنشأ الرومان واليونان بركأ واتخذوا صهاريج لخزن مياه الأمطار ليستفيد منها الأعراب وليجدوا فيها ما يحتاجون إليه، فلا يتوغلوا عميقا في بلاد الشام، كما أقاموا حصونا في أطراف البادية لمراقبة حركات الأعراب.
وهكذا أمن حكام الشام من خطر الأعراب، بعد أن اتبعوا معهم سياسة الترضية والتهدئة للاستفادة منهم في حفظ الحدود. وأقام قسم من الأعراب في المواضع التي تتوافر فيها المياه، وزرعوا، واشتغلوا ببعض الحرف مثل غزل الأصواف ونسجها، والتوسط في التجارة بين الأعراب وسكان المدن والقرى البعيدة عن البادية من بلاد الشام، وزرع الحبوب وأشجار الزيتون والكروم. واستفادوا من هذا الحاصل الزراعي ببيعه للاعراب المحتاجين إليه.

(1/4080)


ولا حاجة بي إلى الاشارة إلى أثر ألمراعي في حياة جزيرة العرب، وفي حياة الأعراب بصورة خاصة. فعلى المراعي تتوقف حياة الماشية عماد الثروة والمال لأهل البادية، وهي من أهم المشكلات العويصة بالنسبة اليهم وإلى الحكومات حتى الان. والأعرابي ومعه ماشيته وراء المراعي يفتش عنها في كل مكان،وينتقل إليها ليجد فيها الكلأ لماشيته. وسبب هذه المشكلة هو قلة وجود الماء في جزيرة العرب، وقلة الأمطار وانحصارها في مواسم ضيقة لا تمتد طويلا، وانحباسها في بعض السنين، مما يسبب قصر زمن الرعي، وجفاف الكلا والتأثير في حياة الماشية بحيث تتعرض للهلاك والموت. وهذا مما يحمل القبائل على التنقل من مكان إلى مكان، فتتزاحم وتتطاحن للاستيلاء على المراعي.
الفصل الرابع والتسعون
الثروة الحيوانية
والحيوان ثروة مهمة وخاصة لتلك البلاد الفقيرة التي لا تملك صناعة، والتي تكون مواردها الطبيعية محدودة. فتعوض عن الصناعة بتربية الحيوان وبالزراعة إن توفر الماء. والإبل مصدر ثروة عظيمة في الجاهلية، لاستفادتهم منها في أمور كثيرة عديدة. وبعدد الإبل تقاس الثروات. والإبل المال عند العرب، وأساس التعامل بينهم. قال بعض العلماء: "المال في الأصل، ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل، لأنها كانت أكثر أموالهم". وفي الحديث نهي عن اضاعة المال. قيل أراد به الحيوان، أي يحسن إليه ولا يهمل.
ويطلق العرب على الإبل والبقر والشاء "النعم"، وزاد بعض علماء اللغة المعز والضأن. وذكر بعض آخر، إن النعم، إنما خصت بالإبل، لكونها عندهم أعظم نعمة. وقيل إن العرب إذا أفردت النعم، لم يريدوا بها إلا الإبل، فإذا قالوا الأنعام: أرادوا بها الإبل والبقر والغنم.

(1/4081)


ويراد ب "الماشية"، الإبل والغنم، وقيل الإبل وابقر والغنم، وقال بعض العلماء، وأكثرما يستعمل في الغنم، وقيل: كل مال يكون سائمة للنسل والقنية من إبل وشاء وبقر، فهي ماشية وأصل المشاء النماء والكثرة. ومشت الماشية مشاء كثرت أولادها.
و "الشاة"، الواحدة من الغنم، تكون للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن، والمعز، والظباء، والبقر، والنعام، وحمر الوحش. وفي الحديث ": فأمر لها بشياه غنم، انما أضافها إلى الغنم، لأن العرب تسمي البقرة الوحشة شاة، فميزها بالاضافة لذلك، وشاء، وشياه، وشواه، وأشاوه، وشوي، وشيه، في حالة الجمع.
و "السوام"و "السائمة"، الإبل الراعية، وقيل كل ما رعى من المال في الفلوات، إذا خلى وسومه يرعى حيث شاء. والسائم الذاهب إلى وجهه حيث شاء، يقال سامت السائمة، وأسأمها هو، أي أرعاها أو أخرجها إلى الرعي. وذ كر إن السوام والسائمة كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأصل. وسوم الخيل، أرسلها إلى المرعى، ترعى حيث شاءت.
والجمل هو الحيوان الوحيد الذي رضي بمرافقة الأعراب وبمشاطرتهم حياتهم في البوادي. ألفهم وعاشرهم وشاركهم في مسر اتهم وفي أحزانهم، صابرا راضيا، حملهم ويحمل أثقالهم، لا يسألهم على ذلك أجرا، وهو مع ذلك طعامهم إذا جاعوا، او شعروا انه قد مرض مرضا لا يرجى شفاؤه،أو انه قد كبر وأسن، فصار لا يصلح للعمل، ومن وبره صنعوا خيامهم. وهو قنوع يقنع بالقليل ولا يطالب بالكثير. ويصبر على العطش والجوع، لا يباريه في هذا الصبر أي حيوان من الحيوانات التي ألفت الإنسان وقاسمته حياته، إذا اخضرت الأرض، وجد طعامه هبة، لا يكلف مالكه شيئا عن اقتضامه له، وإذا يبست الأرض، قنع بالتهام اليابس، وبتناول العوسج ونباتات البر، التي يكون عمرها أطول من عمر الكلأ، وإذا بعد الماء صبر على العطش حتى يجده،لا يلح على صاحبه بوجوب تقديم الما، له، كما تفعل الخيل والحمير والبغال.

(1/4082)


وتعد" لحوم الإبل من اللحوم اللذيذة الطيبة عند العرب. وتنحر عند قدوم شخصية كبيرة تقديرا لها، وتنحر تقربا إلى الأصنام وفي المناسبات الدينية وتعقر القبور إكرامأ لصاحب القبر، ويبيع الجزارون لحومها وسائر اللحوم الأخرى. ونظرا إلى أهمية الإبل بالنسبة إلى حياة الأعراب، ولغلاء ثمنها، ولعدم تمكنهم من شراء عدد كثير منها، إلا بالنسبة للموسر منهم، اقتصدوا في ذبحها، إلا لعلة قاتلة ومرض مهلك، لأنها أصول أموالهم، فهم يريدون إكثارها، وفي اكثارها اكثار لأموالهم، ولا سيما في إكثار الإبل النجيبة التي لا توازى عندهم بثمن، والتي تعد مقياس الثراء والجاه والغنى عند العرب.
وإذا مات فصيل الناقة أو ذبح، سلخ برأسه وقوائمه ثم حشي جلده تبنا لتزأمه أمه وتشم رائحته، فتدر عليه ولا ينقطع لبنها، فتحلب. ويقال للجلد المحشو بالتبن "أابو".
و "الأشراط"الإبل أو الغنم تعزل للبيع. و "الشريطة"، الجماعة المعزولة منها، المعدة للبيع.
والجمل،هو الحيوان الوحيد الذي لم يجد الأعرابي في تربيته بأسأ ولا غضاضة، ولا حطة لقدر ومنزلة. فاجتناه وتباهى به وافتخر، وجعله مقياس ثرائه وماله، وأعزشيء عنده في حياته، وما الذي يملكه الأعراب في دنياه غير هذا الجمل ! أما البقر والغنم والحمير واابغال، فهي دون الجمل في المكانة والمنزلة عنده، فترفع لذلك عن تربينها، واعتبر تربيتها وخدمتها وبيعها عملا من أعمال "النبط"والخدم والعبيد والأعاجم.وكيف يقبل أن ينظف تلك الحيوانات وأن يجمع روثها، ويتحمل سقوط أبوالها عليه، وأن يشم رائحة أرواثها وبولها، وهي حوله أو في بيته، والروث قذارة. وكيف يرضى أن يحشها وأن يقدم لها العلف والقت، ثم تروث له. جاء في المثل: أحشك وتروثني?.

(1/4083)


والجمل قليل الكلفة، لا يكلف أكله صاحبه كثيرا، يعيش على ما تنبته الأرض، وعلى ما يجده على وجهها من يابس النبات، ومن عوسج ونبات ذي شوك، ومن نباتات أخرى تتبطر عليها بقية الماشية. وهو لا يطلب من صاحبه علفا غاليا، أو متنوعا، كما تفعل بقية الماشية، مثل البقر والخيل والغنم والحمير، مع إنها ليست في صبر الجمل ولا في قدرته على تحمل المشقات وحمل الأثقال إلى مسافات طويلة في البوادي، وفي الرمال التي تفزع منها بقية الماشية، وتهلك إن اجبرت على للسير بها.
والإبل من حيث الأصالة والعرق أجناس وأصناف، فيها الإبل الأصيلة التي يفتخر أصحابها بها، ويظنون على غيرهم بها، ولا يعطون منها لأحد، وفيها الإبل الرخيصة، من الصنف الواطيء المعدود للبيع، لخساسة جنسه، ولعدم نجابته. وكان الملوك وسادات القبائل يجنون الأصيل من الإبل، فكان "النعمان ابن المننر"، وهو من أصحاب الهوايات في حيازة النادر من الأشياء، يمتلك الإبل الجيدة، ومنها إبل عرفت ب "عصافير النعمان". وقد أمر للنابغة بمائة ناقة من عصافيره بريشها وحسام وآنية من فضة، أعطاها بريشها ليعلم أنها من عطايا الملوك. وكانت للملك "المنذر"ملك الحيرة إبل نجائب منهن إبل عرفت ب "عصافير المنذر".
ومن الابل الجيدة الشهيرة، النجائب القطريات. نسبت إلى قطر وما والاها من البر. و "المهرية"، وقد نالت حظا واسعا من الشهرة حتى زعم أنها من إبل الجن. وقد اشتهرت "جرش"، باليمن بإبلها. فقيل "ناقة جرشية" وبعير جرشي، . والأرحبيات من نجائب الإبل الكريمة، منسوبة إلى بني أرحب من همدان، والصدفية، و الجرمية، والداعرية.

(1/4084)


وكانوا لا يبيعون الإبل النجيبة، إلا عن اضطرار. ويسمونها "الحرائز". ذكر عماء اللغة إن الحرائز من الإبل التي لا تباع نفاسة. ومنه المثل: لا حريز من بيع، أي إن أعطيتني ثمنأ أرضاه لم أمتنع من بيعه. والحرزة خيار المال، لأن صاحبها يحرزها ويصونها، ومنه الحديث في الزكاة: لا تأخذوا من حرزات أموال الناس شيئا، أي من خيارها.
وللعرب مصطلحات يقولونها في الإبل إذا كثر عددها. منها "الهجمة" القطعة الضخمة منها، قيل: أولها أربعون إلى ما زادت، و "الهنيدة"، المائة فقط، وقيل: هي ما بين الثلاثين والمائة، أو ما بين السبعين والمائة، أو ما بين السبعين إلى دوينها، أو هي ما بين التسعين إلى المائة. وقال بعض علماء اللغة: إذا بلغت الإبل ستين، فهي "عجرمة"، ثم هي "هجمة"حى تبلغ المائة. وتطلق لفظة "الكور"على الجماعة الكثيرة من الإبل.
والعارض الناقة المريضة أو الكسير، وهي التي أصابها كسر أو آفة، وكانوا ينحرون ا لعوارض،ومن عادتهم انهم لا ينحرون الإبل إلا من داء يصيبها،وتقول العرب للرجل إذا قدم اليهم لحما أعبيط أم عارضة. فالعبيط الذي ينحر من غير علة. والعرب تعير من يأكل العوارض، ومن ينحر الإبل المريضة للضيوف.
ويقال للابل وللبقر "العوامل"، ويظهر أن ذلك بسبب تشغيل أهل القرى لها في كثير من الأعمال في مثل الحمل وسحب الماء من الابار والحراثة وأمثال ذلك من أعمال. وأطلقت اللفظة على بقر الحراثة والدياسة. وفي حديث الزكاة: ليس في العوامل شيء... العوامل من البقر،هي التي يستقى عليها ويحرث وتستعمل في الأشغال.
وذكر "الهمداني"أن بالعربية الجنوبية من البقر الجندية والخديرية والجبلانية، وهي قوية. وقد استخدم أهل العربية الجنوبية البقر في الحراثة، وكذلك غيرهم في معظم أنحاء جزيرة العرب.

(1/4085)


والخيل جماعة الأفراس. و "الفرس" للذكر والأنى، ولا يقال للانثى فرسة. و "الحصان"الفرس الذكر، أو هو الكريم المضنون بمائه، حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانا. و "الحجر"، الأنثى من الخيل. و "الطحون"الكتيبة من الخيل.
لم تكن الخيل كثيرة في الحجاز عند ظهور الإسلام. ففي معركة "بدر"لم يكن مع المسلمين سوى فرسين، فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، ولم يكن مع قريش سوى مائة فرس. فقد كانت غالية الثمن، وتكاليفها عالية، فعسر عاى من لا مال له شراؤها والانفاق عليها. وقد ورد في.بعض الروايات أن "المقداد بن عمرو"، كان فارس يوم بدر، حتى انه لم يثبت انه كان فيها عاى فرس غيره. وكان اسم فرسه "سبحة".
والأخدرية من الخيل منسوبة ائ "أخدر"فحل أفلت فتوحش، ذكر أهل ا الأخبار انه كان لسليمان، أو لأزدشير "أردشير". وهناك حمر عرفت بالأخدرية كذلك، ذكروا إنها منسوبة إليه أيضا. والخدري، الحمار الأسود، والأخدري وحشيه، ويقال للاخدرية م ن الحصر بنات الأخدر.
والأغنام عند الحضر وأشباههم،يربونها للاستفادة من لحومها وألبانها وأصوافها، ولحاجتها إلى الماء والكلا والعلف بصورة دائمة، صارت من ماشية أهل الحضر والمراعي. وهي مصدر ثروة لأصحابها، تصدر إلى أسواق العراق وبلاد الشام لبيعها هناك. ومن أنواعها المشهورة: الكباش العوسية. والعوس، ضرب من الكباش البيض، ويكون صوفها أبيض، وهو مرغوب مطلوب.

(1/4086)


و "المعز"خلاف الضأن من الغنم، والمعز ذوات الشعور، والضأن ذوات الصوف، و "الماعز"واحد المعز. ويستفاد من لحوم المعز ومن ألبانها وشعرها. وكان أعراب بادية الشام الساكنين على مقربة من فلسطين، يتخذون بيوتهم من شعر الماعز، كما تتخذ البسط والسجاجيد منها. و "العنز"الأنثى من المعز. ويكثر وجود المعز البري في جبال السراة وفي المناطق الصخرية،حيث يعيش على الأشجار و الاعشاب البرية. ويربي الرعاة المعز، حيث يأخذون قطعانها الى المواضع المعشبة القريبة من الماء لترعى هناك، وتربى بصورة خاصة في الأرضبن الجبلية والمتوجة، حيث يتسلق المعز المرتفعات، فيأكل ما يجده أمامه من شجر و حشائش.
الطيور
وقد عني أهل المدر وأهل الريف، بتربية الطيور، وعلى رأسها الدجاج. وقد عد أكله من طعام المترفين المتمكنين، لارتفاع ثمنه بالنسبة إلى الفقراء، وكانوا يتفننون في طبخه. وقد أكله ألنبي والصحابة.
والأوز عند العرب البط، صغاره وكبار. ويعدونه من طير الماء،ويذكر علماء اللغة أن "بطة"و "بط"من الالفاظ المعربة. واللفظة إرمية أصلها في لغة بني إرم "بطو".
ويربي الزراع الحيوانات للاستفادة منها في الخدمات الزراعية وفي معاشهم، كالجمال للنقل والحراثة ومتح الماء من الآبار العميقة، والبقر للانتفاع بألبانها ولحومها وللحراثة ومتح الماء، والضأن والمعز والدجاج وغير ذلك من الحيوانات الأخرى الأليفة، مثل اليط والأوز، وغيرها، مما يربيه الحضر وأهل الريف.
تربية النحل

(1/4087)


والنحل ذباب العسل، يقع على الذكر والأنثى. و "اليعسوب"أمير النحل وذكرها والرئيس الكبير. والعسل من الأغذية الثمينة عند أهل الجاهليه، وقد استعملوه في المعالجة من أمراض عديدة، نص عليها في كتب الحديث والطب. وقد أطلق العرب لفظة "العسل"على ما يشبه العسل في الحلاوة أو في الشكل، فقالوا: عسل العرفط، وهو صمغ العرفط لحلاوته، وعسل اللبنى، صمغ ينضح من شجرة، يشبه العسل لا حلاوة له، ويتبخر به، وعسل الرمث، شيء ابيض يخرج منه كالجمان. ويعسل النحل في "الخلى"، وقد يتخذ النحل خليته بنفسه، في الجبال وفي البساتين، فتكون خلايا طبيعية، وقد يعسل الإنسان بيده خلية النحل، كما يفعل من يربي النحل، فيتخذ لها ما يشبه الراقود من طين،ويقال لها "كوارة"، أو خشبة تنقر ليعسل فيها، وأشياء أخرى. وهي خلايا أهلية. و "الكور"موضع الزنابير، و "كوارة النحل"، شيء يتخذ للنحل من القضبان والطين، ضيق الرأس تعسل فيه، وقد يراد باللفظة العسل في الشمع. و "الشمع"الموم كذلك. و "الجزع"خلية النحل.
وتعزل للنحل مواضع منتبذة عن البيوت يقولون لها: "المصانع"، واحدتها مصنعة.
والنحل من الجوارس في اصطلاح أهل الأخبار، ويعنون بذلك أنه يلحس الشجر والنور للتعسيل. فهو من الجوارس.
. وقد عد "سترابون"العسل من جملة المحصولات التي اشتهرت بها العربية السعيدة، وذبر أنه كثير جدا فيها. وهو كثير في اليمن، ولا تزال اليمن على شهرتها به.
وقد كانت الجبال والهضاب المنعزلة، من مواطن النحل الوحشي، وهناك "معيدون"، حذقوا الرقي والنزول من الجبال، يذهبون إلى الجبال للبحث بين صخورها عن خلايا للنحل لاستخلاص العسل منها. وقد اشتهرت جبال "بني سليم"، بكثرة ما بها من عسل، وبقيت على شهرتها هذه في الإسلام.

(1/4088)


وقد عني الحضارمة بتربية النحل ودر العسل عليهم ربحا طيبا. ونجد في كتاب رسول الله لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي واخوته وأعمامه " أن لهم أموالهم ونحلهم ورقيقهم وآبارهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم بحضرموت " وفي ذكر النحل بعد اللأموال، اشارة إلى أهميته وكونه من مصادر الرزق عندهم في ذلك الوقت.
الأسماك
وقد أشير في القرآن الكريم إن صيد البحر، فورد فيه: )أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما، واتقوا الله الذي إليه تحشرون(. وصيد البحر، ما يصطاد من البحار من حيوانات تعيش فيه. وقد كان العرب يعتاشون من البحر، ولا سيما سكان السواحل حيث يسد هذا الصيد جزءا مهما من معيشتهم، فيستعملون ما يحتاجون إليه، ويبيعون الفائض منه، أو يتقاضون به. وقد كان سكان السمواحل يخرجون بالوسائل المتيسرة لهم لصيد السمك، ومنهم من يصطاد عند السواحل فيجمع ما يقع تحت يديه ليستفيد منه.
ويقال لصياد السمك "العركي"كذلك. ولهذا قيل للملاحين "عرك"لأنهم يصيدون السمك. وفي الحديث إن النبي كتب إلى قوم من لليهود على ساحل خليج العقبة عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ماصادت عروككم، وربع المغزل. والعروك جمع عرك، وهم الذين يصيدون السمك.
وقد عاش على صيد البحر خلق كثير من سكنة السواحل، في ذلك الزمن، حيث كانت سبل العيش عندهم قليلة ضيقة. وقد استفادوا من الحيتان والأسماك الأخرى الكبيرة بصورة خاصة للحمها الغزير، ولاستعمال عظامها وهي كبيرة في حاجات متعددة، حتى جلودها استفادوا منها. والحيتان معروفة في البحر الأحمر وفي البحر العربي والخليج. وهي لضخامتها يحتاج في صيدها إلى آلات والى أيدي متعددة. وقد أشير إليها والى ضخامتها في القرآن الكريم.
والحوت، في رأي بعض علماء اللغة السمك كله، ولكن الغالب أنه ما عظم منه، والسمك في العرف أصغر من الحوت.

(1/4089)


ويجفف السمك في الشمس، ويملح أحيانا كا ويجفف في الهوإء ليؤكل وقت الحاجة اليه. وقد يستعمل علفا للحيوانات. وقد يطحن السمك المجفف ويؤكل طحينه، ويجعل علفأ للحيوانات. وقد يحفظ السمك في ماء مملح أو في خل، ويقال للسمك المملح ما دام طريا "القريب". وأما السمك الممقور في ماء وملح، فهو "النشوط". والمقر السمكة المالحة أو المنقعة في الخل. و "الحساس"، سمك يجفف ويسمى "قاشعا "كذلك.
ومن حيوان البحر "التامور"، و "الاطوم"سلحفاة بحرية غليظة الجلد، يشبه بها جلد البعير الأملس وتتخذ منها الخفاف للجمالين، وتتخذ منها النعال. وقيل: إنها سمكة عظيمة، يقال لها المصلة والزالخة، تحذى من جلدها النعال.
و "النكيع" دابة من دواب البحر، و "الزجر"، سمك عظام، و "اللخم " سمك بحري، ضخم لا يمر بشيء إلا قطعه، وهو يأكل الناس. وقيل هو الكوسج، وقيل القرش. و "الجمل"، كاللخم من السمك الضخم، ويقال. له "البال"، قيل إن طول السمكة منه ثلاثون ذراعا، ويقال هي "الكبع".
و "الكبع"، جمل البحر، وقيل سمك بحري وحشي الهيئة، ومنه يقال للمرأة الدميمة: يا وجه الكبع. و "الكنعد" و "الكنعت"ضرب من سمك البحر. و "سابوط"دابة من دواب البحر. و "قضاعة"اسم كلب الماء، وقيل كلبة الماء. و "قبع"دويبة بحرية، و "الدوع"ضرب من الحيتان بلهجة أهل اليمن، وسمكة حمراء صغيرة كأصبع. و "العنز"، ويقال لها "عنز الماء"أيضا، سمكة كبيرة، لا يكاد يحملها بغل.

(1/4090)


و "الجريث"سمك يقال له "الجري"". ويظهر أن اليهود كانوا لا يأكلونه، ولما جاء الإسلام، سالوا عن أكله، فاختلف الناس فيه، فمنهم من أباحه ومنهم من نهى عنه. وذكروا اسم نوع آخر من السمك اسمه "الصلور"، قالوا إنه "الجريث"، وأما "الانقليس"، فإنه "مار ماهي"بالفارسية، أي حية الماء. وقد ذكر أحد الشعراء أن الأزد كانوا يأكلون: "للشيم"، والجريث، والكنعد، و "الشيم"نوع من السمك أيضا. فقال: قل لطغام الأزد لا تبطروا بالشيم والجريث والكنعد
وقد كان أهل للبحرين يحملون "الكنعد"المالح في الجلال البحرانية. يستخرجونه من البحر. وذكر الشاعر "جرير"هذا السمك أيضا، وذكر أنهم كانوا يشوونه ويأكلونه مع البصل.
و "القرش"سمك ضخم كبير، يقال له Shark في الانكليزية، يستفاد من لحومه، كما يستفاد من شحومه في الأغراض الطبية، وقد يستفاد من جلوده الغليظة في صنع الأحذية. وزعم أهل الأخبار، أن "القرش"، دابة بحرية تخافها دواب البحر كلها.
وأشير في الحديث إلى دابة من دواب البحر، يقال لها "العنبر"، عثر عليها رجال سرية كان الرسول قد أرسلها إلى ناحية السيف، فجاعوا فاكلوها. ويذكر علماء اللغة أنها سمكة بحرية يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها يالفارسية"باله"تتخذ من جلدها الترسة،فعرف الترس المتخذ منها بالعنبر. قال العباس بن مرداس: لنا عارض كرهاء الصريم فيه الأشلة والعنبر
وذكر أن الناس كانوا يحتذون أحذية من جلد العنبر فيكون أقوى وأبقى ما يتخذ منه وأصلب.

(1/4091)


وقد اتخذوا من جلد الأسماك الكبيرة الخشنة مادة تحك بها السياط والقدحان والسهام والصحاف، ويقال لهذا الجلد: "السفن". وقيل: السفن جلد الاطوم تسوى قوائم السيوف من جلدها، أو جلد أخشن غليظ كجلود التماسيح أو الضب يجعل على قوائم السيوف، أو يسحج بها القدح حتى تذهب عنه آثار المبراة. وقد ذكر اللؤلؤ والمرجان في القرآن الكريم، ويستخرج اللؤلؤ من أجواف الصدف. وقد اشتهر به أهل العربية الشرقية بصورة خاصة، يستخرجه الغواصون من البحر. ولا تزال هذه المنطقة تستخرجه وتربح منه. ويوجد اللؤلؤ في البحر الأحمر، ولا سيما قرب جدة والى الجنوب، لكنه لم يشتهر لؤلؤه شهرة لؤلؤ الخليج، ولم يشتهر غواصو البحر الأحمر بالغوص. ولعل اللؤلؤ الذي ذكر في القرآن الكريم هو من اللؤلؤ المستورد من الخليج. واللؤلؤ الدر في تفسير علماء اللغة.
وتعد جزيرة "فرسان " من مغاصات الدر، أي اللؤلؤ. و "المرجان"مادة كلسية، يفرزها نوع من الحيوانات البحرية نظير هيكل لوقاية جسمه من الأمواج. وقد تتوسع فتكون صخورا مرجانية تكون خطرا على السفن. وله ألوان مختلفة، من أبيض وآخر أحمر،. بعضه متفرع على هيأة مروحة أو أشكال النبات. وتصنع منه حلي، ولذلك عد في جملة المواد الثمينة مثل اللآلىء التي تدخل في التجارة. وهو في البحر الأحمر، ولا سيما في ساحل جزيرة العرب، كثير. ويظهر إن أهل الأخبار وعلماء اللغة، لم يكونوا على علم واضح بالمرجان، فذهب بعض منهم إلى انه صغار اللؤلؤ، وقال بعض آخر إلى انه "البسذ"، وهو جوهر أحمر، وذهب بعض آخر الى انه عظام اللؤلؤ، وذهب آخرون إلى انه خرز أحمر، إلى غير ذلك من آراء. و "البسذ"، لفظة فارسية. وقد ذكر علماء التفسير إن "كعب الأحبار"قال: ألمرجان "البسذ".

(1/4092)


والصدف، وهو المحار، غشاء اللؤلؤ ويظهر أن أهل الجاهلية كانوا يرون إن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها،فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ. وقد استفادوا من الصدف، إذ اتخذوا منه حليا وزينة. وأكلوا ما في جوفها. وهناك ألفاظ تؤدي معنى الصدف،مثل الجم، وهو صدف من أصداف البحر. و "القبقب " و "القنقن"ضرب من صدف البحر، يعلق على الصبيان من العين. و "الدوك"ضرب من صدف البحر، والدلاع ضرب من محار البحر.
وقد استفادوا من السلاحف، ولا سيما البحرية منها. استفادوا من هيكلها ومن لحمها، وعالجوا بعض الأمراض بدمها. وذكر أن "الغيلم"السلحفاة، وقيل الذكر منها. واتخذوأ من عصب السلحفاة ومن عظامها خرزا يظنم منها القلائد والأسورة.
وفي جزيرة العرب حيوانات وحشية، منها ما كانت مؤذية وهي السباع. ومنها ما كانت تفيد الإنسان، إذ كان يصطادها ويأكلها: مثل الغزلان والظباء الوحشية، والبقر الوحشي، و "الناشط"هو الثور البري، والحمر الوحشية، والوعل، وقد تمكن الإنسان من تأليف بعض هذه الحيوانات مثل الغزال والظبي، فرباها بمقياس صغير في البيوت وفي البساتين.
وتوجد القردة في مواضع من جبال السراة وفي العربية الجنوبية، وقد كانت تؤذي النبات والشجر.
وعرفت "النمور"في مواضع من جزيرة العرب، فقد ذكر العلماء إن في جبل " أقراح"نمور وأراوي، وان في جبل "شواحط"كثير من النمور والأراوي. والأروى أنثى الوعول وهي تيوس الجبل. وعرفت مواضع الأسود ب "مأسدة"، و منها "بيش""بيشة"باليمامة.

(1/4093)


ويظهر إن أهل الجاهلية لم يستذوقوا لحم الخنزير، ولعل منهم من كان يحرم كله او يتجنبه. وقد ذكر إن الأحناف كانوا يحرمون أكله على أنفسهم، وان من سنن ابراهيم، تجنب أكل لحم الخنزير، غير إن النصارى العرب، ومنهم "تغلب"كانوا يأكلونه، وقد عيرهم غيرهم بأكله. ولا تجد في الشعر الجاهلي ولا في القصص اشارات إلى أكل أهل الجاهلية لحم الخنزير، ولا إلى تربيتهم له. ويظهر انهم كانوا يكرهونه، وإلا لما سكتت روايات أهل الأخبار عن ذكره، ولقام الرعاة بتربيته وبالعناية به، عنايتهم بالحيوانات الأخرى.
واستعان الجاهليون بالكلاب في الصيد، وهناك فصائل خاصة منها استخدمت في الصيد. كما استخدموها في حراسة الماشية، وفي الحرث.
وقد كانت الذئاب والسباع تؤذي الرعاة. تغتنم الفرص، فتهجم على ماشيتهم وتفترس ما تستطيع افتراسه منها. ولهذا كانوا إذا نزلوا أرضا مسبعة، أي ذات سباع، خافوا منها، وأوقدوا بها نارا في الليل، لطرد السباع عنهم، إذ كانت تخشى النار. واذا كثرت السباع في الطريق، قيل: أسبعت الطريق. والمسبوعة البقرة التي أكل السيع ولدها. ويقال للارض التي تكثر فيها الذئاب: أرض مذأبة، كقولك أرض مأسدة من الأسد، للارض التي تكثر فيها الأسود. وإذا جاع الذئب، صار شرسا جريئا لا يهاب الإنسان، فيهجم على الغنم، مع وجود الرعاة معها، وقد يهاجم البشر. وقد تختقي الذئاب بالغضى، فيقال ذئاب الغضى.
وفي موضع يقال له "بستان ابن عامر"مأسدة. وهو مجتمعع النخلتين: النخلة اليمانية والشامية. و"عثر"مأسدة أيضا باليمن، وقيل جبل بتبالة مأسدة. ومن مواضع الأسد: أسد خفان، وأسد الشرى من بلاد لخم، وأسد حاملة، وأسد الملاحيظ، وأسد المقيضا، وأسد الكطاء، واسد تعشر، وأسد لية، وأسد حلية، وأسد السحول،وأسد عتود وغيرها. وهناك مواضع أخرى اشتهرت بوجود الوحش بها.
العلف

(1/4094)


و "العلف"هو ما تأكله الماشية، وقوت الحيوان وقضيم الدابة. وبائعه العلاف. ومنه "القت"، الفصفصة، وقيل الرطب والبابس من العلف، وخص بعضهم به اليابس منه. و "الفصفصة"رطب القت. وفي الحديث: ليس في الفصافص صدقة. وهي الرطبة من علف الدواب، أي القت. واللفظة من المعربات، عربت من أصل فارسي، هو "اسبست"و "اسفست "والتبن من علف الماشيه، وكذلك "الحشيش"، وهو الكلأ اليابس. ذكر بعض علماء اللغة إن الحشيش لا يطلق على الكلأ الرطب، وقال بعض آخر: الحشيش: أخضر الكلأ ويابسه. وذكر بعض: إن العرب إذا أطلقوا اسم الحشيش، عنوا به الخلي خاصة، وهو أجود علف يصلح الخيل عليه، وهو من خير مراعي النعم، وهو عروة في الجدب وعقدة في الأزمات. وقال بعض علماء اللغة: البقل أجمع رطبا ويابسا. حشيش وعلف وخلي. و "الخلي"، الرطب من النبات. وقيل: هو الحشيش الذي تحش من بقول الربيع، وقيل: هو النبات الرقيق ما دام رطبا. وقيل: كل بقلة قلعتها. وأخلت الأرض كثر خلاها.
وقد تعلف بعض الماشية شعيرا، مثل الخيول الأصيلة والبقرة الحلوب. وقد تعلف نخالة. وقد تمزج النخالة بالملح، لتقوية عظام الحيوان. وقد تعلف سمكا مجففا، أو طحين السمك المجفف، أو عظامه، وذلك كما فعل أهل العربية الجنوبية، لكثرة وجود السمك عندهم، فتصح أجسام ماشيتهم وتدر عليهم الحليب. ويعتنى بعلف الخيل الكريمة خاصة، حتى كان الرجل منهم يبيت طاويا ويشبع فرسه، ويؤثره على نفسه وأهله وولده. وكانوا يعلفون خيولهم ذرة. قال "أبي بن خلف"لرسول الله "إن عندي فرسا أعلفه فرقا من ذرة " وقد يكون العلف "سحالة"، والسحالة قشر البر والشعير ونحوه، وفد تحات من الدخن والذرة، وتقدم السحالة إلى الدجاج والطيور خاصة.
ومن علف الإبل "الخبط الملجون"، وهو ورق الشجر يخبط ثم يخلط بدقيق أو شعير فيعلف الإبل، وكل ورق أو نحوه، فهو ملجون أو لجين و الخليط من العلف طين مختلط بتبن، أو تبن مختلط بقت.
نجابة العرق

(1/4095)


وللعرب عناية خاصة بالأصل والعرق: عرق الإنسان وعرق الحيوان. فهم يضنون بذي العرق الكريم من أن يتصل بما دونه في الإصالة والنجابة لئلا يتردى نسله، وينحط عقبه. وكذلك كانوا يفعلون بالخيل والإبل. فهم يحافظون على ألشاب الكرم الأصيل النجيب من الجنسين، ويدونون شجرة النسب، ويحفظونها حفظهم لأنساب الناس. وكانوا يضنون بضراب الجمل وبعسب الحصان الأصيل، إلا إذا كانت الناقة أو الفرس من الأصائل النجبات. وقد كان بعضهم من يوافق على ضراب فحل نجيب لديه، إذا أعطى ثمنا يوافق عليه عن ذلك الضراب، لحاجته إلى المال.
وكان من شدة عنايتهم بالخيل والإبل، أنهم حفظوا أنسابها، ودونوا أسماء النابه منها، ووضعوا الكتب فيها، وقد طبعت بعض منها، وهي لمشاهر الأخباربين مثل ابن الكلبي. ولا زال العرب يعتنون بنسب فحول الخيل والإبل، ويدونون شجرة أنسابها ويحفظونها حفظ أنساب الناس.
ضراب الفحل
وكان منهم من يأخذ الكراء على ضراب الفحل. فيجعل على الضراب أجرا يتفق عليه. فينزو الفحل على الناقة في مقابل ذلك الأجر. وكانوا يزيدون في ثمن ضراب الجمل إذا كان أصيلا معروفا. وقد نهى الإسلام عن ثمن الضراب، وجعله من السحت. كما نهى عن عسب الفحل، أي ثمنه. و "العسب"، ضراب الفحل وطرقه، أو ماء الفحل فرسا كان أو بعيرا. واعطاء الكراء على الضراب، واسم الكراء الذي يؤخذ على ضرب الفحل. ويقال للضراب "الشبر" كذلك. وهو طرق الجمل وضرابه، وأخذ الكراء على ضراب الفحل والعادة عندهم انهم يستأجرون الفحل للضراب للناتج. وللفقهاء في جواز ذلك وعدمه أقوال.
الأمراض والأوبئة

(1/4096)


ويصاب الحيوان كما يصاب الإنسان بالأمراض والأوبئة. وقد تفتك به فتكا فتؤذي صاحبه، وتنزل به خسارة كبيرة، ولا سيما إذا كان ذلك الحيوان من الإبل. وقد يتأذى الحيوان من حيوان آخر فيهلكه، فقد تصيب بعض، الطيور الإبل فتؤذيها. وكل طائر يتطير منه للابل، فهو عرقوب، لأنه يعرقبها. وعرقبه قطع عرقوبه. وطير العراقيب الشقراق، تقول العرب: إذا وقع الأخيل على البعر ليكشفن عرقوباه. مما يدل على أنه كان يؤذي الإبل. و "القراد"تعفن الإبل وتؤذيها، كما تؤذي غير الإبل من الحيوان أيضا.
وقد تصاب الإبل ب "الهيام"، وهو داء يأخذ بها، فيصيبها مثل الحمى، ولذلك عرف ب "حمى الإبل". وقيل انه جنون يصيب الإبل فيهلكها. يصيبها في الموضع المهيم الموبئ، الذي تكون فيه نقوع ساكرة لا تجري ولذلك قال أهل الأخبار إن الهيام يحدث من ماء تشربه الإبل مستنقعا وعن شرب النجل إذا كثر طحلبه واكتنفت الذبان به. وبتهامة مياه من هذا النوع.
و "النقبة"قرحة تخرج بالجنب، وجرب يصيب الإبل. "والنقر"، مرض يصيب الشاة.
وقد كانوا يتوسلون إلى الأصنام لتشفي ماشيتهم من أمراض قد تصاب بها. روي عن "ساعدة الهذلي"أنه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها جرب فأدنيتها منه أطلب بركتهه. فالأصنام تشفي من الأمراض وتبارك في الماشية وفي الإنسان على رأي الجاهليين.
الفصل الخامس والتسعون
الارض
والأرض هي مصدر الثراء والغنى للانسان، وعلى مقدار ما يملكه الإنسان من أرض، تكون ثروته ويكون غناه، وعلى قدر ما يبذله صاحب الأرض من جهد في استغلالها وفي تطويرها وفي استنباط ما في باطنها من خيرات يتوقف دخله منها وغلته التي تأتيه من أرضه هذه.

(1/4097)


ولا تعرف ملكية الارض والماء، إلا بين الحضر. أما الأعراب، فإن هذه الملكية تكون عندها للقبيلة ولساداتها، حيث يحمون بعض الأرض، أو يستنبطون الماء من أرض موات لا ماء فيها، فتتحول الأرض بذلك إلى أرض نافعة ذات ماء، يبسط حافرها حمايته عليها ويجعلها ملكا له، وقد يزرع عليها، فتصير الأرض التي يزرعها ملكا له. وبهذه الطريقة تكونت الملكية بين القبائل.ولا يستطيع أن ينال من هذه الملكية بالطبع إلا المتمكن من أبناء القبيلة ومن ساداتها، من يتمكن بما لديه من مال وامكانيات من استنباط الماء ومن احياء الأرض واستغلالها بما عند من اموال وعبيد.
ويكتسب هذا التملك صفة شرعية، إذ يعتبر ملكا صرفا لصاحبه، ليس لأحد حق منازعته عليه. ولمالكه أن يتصرف به كيف يشاء. له أن يبيعه، وله أن يبقيه، وان مات انتقلت ملكيته إلى ورثته.
فالأرض في معظم جزيرة العرب، حق عام مشاع لا تعود ملكيته لأحد. إلى إن صار الرعي، وأخذت القبائل تنتقل من مكان إلى مكان، ففرض سادتها حق الحمى، وهو نوع من التملك المتولد من حق الاستيلاء بسبب الزعامة والقوة والاغتصاب، فصار الحمى ملكا لسادات القبائل، وصارت الأرض المتبقية التي دخلت في حوزة القبيلة بسبب بسطها سلطانها عليها، ملكا لها. ملكا مشاعا بين جميع أبناء القبيلة، ليس لأحد صد أحد من أبناء قبيلته عن ارتياد أرضها، إلا بقانون القوة والعزة والتجبر، أو بفرض سلطانه على الأرض باستنباط مائها وهو حق لا يعمل به إلا القوي المتمكن.

(1/4098)


ومن هذا الإحياء للارض الموات تكونت بعض المستوطنات في البوادي، جلب ظهور الماء فيها الناس إليها، فسكنوا حولها، وجاءوا من أطرافها للاستقاء من مائها، وشجع العثور عليه في هذا الموضع المتمكنين الآخرين على الحفر أيضا، فكان إذا ظهر ماء عذب، جذب الناس إليه، وسحرهم بسحره، وأناخهم حوله، فتوسعت بذلك تلك المستوطنات، وتعددت،وظهرت فيها الملكية الفردية، والحياة الحضرية القائمة على الحيازة والتملك الفردي، بصورة أوسع مما نجدها عند البدوي الاعتيادي الذي لا يملك إلا بيته، وهو خيمته وأهله، وما قد يكون عنده من الإبل.
ظهور القرى
وصار بعض هذه المستوطنات قرى، توسع قسم منها حتى صار بمنزلة المدن، منها ما كان يضاهي "يثرب"أو مكة في الحجم، غير أنه لم يشتهر ولم يذكر، لعدم وجود تماس له وصلة مباشرة بتأريخ الإسلام. وهي مستوطنات سكن وماء وأسواق وتجارة، ذكرها أهل الأخبار بقولهم: "قرية كانت عظيمة الشأن " وبقولهم: "قرى"، وصار بعض منها "قرى وزروع ونخيل"، أي قرى غلبت الزراعة على أهلها، فظهرت الزراعة بها. زراعة نخيل، إن كانت زراعة النخيل هي الزراعة المتغلبة عليها، وزراعة نخيل وزروع أخرى، إن شاركت الزروع الأخرى النخيل في ذلك. وهذا هو سبب نص "الهمداني"وأمثاله ممن كتب عن مواضع جزيرة العرب، على القرى، بأنها قرى، أو قرى سكن، أو قرى نخيل، أو قرى زراعة ونخيل، أو نخل وقرية.
وأما القرى التي غلب التعدين عليها، فقد نص عليها بأنها "معدن"،لتمييزها عن القرى الأخرى.

(1/4099)


وهكذا ظهرت في البوادي مستوطنات زراعية رعوية، كفت نفسها بنفسها، توقف حجمها على كمية الماء فيها، وتوقف انتاجها على مقداره وكمية، وظهرت فيها نتيجة لذلك الملكية الفردية، تملك المقيم فيها الأرض التي استقر بها وبنى بيته عليها، وتملك زرعه وحاصله إن كان له زرع، وتملك ماشيته إن كان صاحب ماشية. وتولد نتيجة لكل ذلك مجتمع مستقر، تعاون فيما بينه في الدفاع عن نفسه وعن ماله، وفي جلب السلع التي يحتاج إليها الإنسان والميرة، وتولد فيها تعامل وبيع وشراء، توقف حجمه بالطبع على حجم ذلك المكان وعلى مقدار وجود الماء به.
فالبحث عن الماء والحصول عليه بالمال وبالخدم والعبيد،كون الملكيات الفردية في الوادي بين الأعراب، وأوجد المستوطنات الحضرية والمستقرات، وصير من بعض البدر حضرا أو أشباه حضر، وغير بعض التغيير من معاييرهم ومقاييسهم الاجتماعية، بجعلهم زراعا وفلاحين، بعد كره واستهجان للمزارع وللزراعة. وهذه المستوطنات هي مستوطنات نشأت وظهرت بجهد الإنسان. وبعمله وجده، وبأستثمار عقله وماله وفي تسخير أتباعه في استنباط الماء، وتحويل الأرض البكر إلى أرض زراعة وسكن، وفي جزيرة العرب مستوطنات عديدة من هذا القبيل، ومعظم مستوطنات يثرب، هي من هذا النوع، مستوطنات قامت على الآبار التي احتفرها المتمكنون من أهلها، فزرعوها وأقاموا الأطم بها لحماية الزرع والناس من الأخطار. والأطم القصور، وكل حصن بني بالحجارة أطم. وقيل هو كل بيت مربع مسطح. وقد اشتهرت يثرب باطامها. وذكر "الأعشى" آطام جو بقوله: فلما أتت آطام جو وأهله أنيخت فألقت رحلها بفنائكا

(1/4100)


وأقيمت الحصون لحماية هذه المستوطنات، واتخذت وسائل التحصن الأخرى لحماية النفس والزرع من الأعراب الجياع. ولا تزال في اليمامة اثار حصون وآطام عادية، تعود إلى ما قبل الإسلام بأمد. وكانت حماية ومنعة للساكنين حولها، وتشاهد آثار السكن في أطرافها، وآثار آبار مندرسة، وآثار زرع، هي مزارع القوم، فنجد في الافلاج حصونا، ونجد في "ملهم"حصونا كان يتحصن بها "بنو يشكر"، ونجد في أرضين أخرى حصونا بنيت كلها لدرء النفس من الأخطار واليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض، وفيها بتل، والبتيل، هن مربع مثل الصومعة مستطيل في الحماء من طين، ويرجع أهل الأخبار زمانها إلى "طسم"و "جديس"، وذكروا أن طول بعضها خمسمائة ذراع.
وقد أشار أهل الأخبار إلى قرى ومستوطنات قديمة في مواضع متعددة من جزيرة العرب، نسبوها إلى "عاد" والى "طسم"و "جديس"لبعض منها حصون وآبار. فالقرية موضع قديم به ماء عادي، أي ماء قديم، إلى جنبه آبار عادية وكنيسة منحوتة في ااصخر.والقصر العادي بالأثل من عهد طسم وجديس، و "القرية": القرية الخضراء، خضراء حجر، هي حضور لطسم وجديس، وفيها حصونهم وبتلهم. والبتيل: هن مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين. بناء بعضه مائتا ذراع أو خمسمائة ذراع مرتفعا سامقا في السماء، وبقرية بني سدوس، قصر مبني بصخر منحوت، نسبه أهل الأخبار إلى "سليمان بن داوود". و "تر" نخيل وحصون عادية وغير عادية.
إلى غير ذلك من قرى وقصور وحصون قديمة ذكرها أهل الأخبار، أشرت الى بعض منها في مواضع من هذا الكتاب، نشأت ونبتت في البوادي، في المواضع التي أمكن للانسان بفنه البدائي وبعلمه في ذلك الوقت من استنباط الماء فيها. وبظهور ذلك الماء نبتت مستوطنات وزروع ونخيل وملكيات في أرض كانت ميتة ليس لها مالك، فأحياها استنباط الماء منها، وجعلها ملكا لأصحاب الماء.

(1/4101)


وقد كانت هذه الآطام والحصون معاقل لأصحاب الأرض ومنازل لهم، ومخازن يخزنون بها حاصل أرضهم وماشيتهم عند دنو الخطر، وقد يحتمي بها عبيدهم وأتباعهم فهي مثل، قلاع الأشراف النبلاء في أوروبة أيام الاقطاع ومثل المحافد والقصور في اليمن. وهي تختلف في الحجم والسعة باختلاف درجة ومنزلة المالك للأرض، من حيث تملكه للمال وللخدم والعبيد وما عنده من ثراء، وقد صارت سببا في تحويل أصحابها الى حضر أو شبه حضر، ولو انهم كانوا وسط بواد وبين أعراب، فإقامتهم. في أبنية مستقرة وحرثهيم الأرض وزرعها، واستخدامهيم للعبيد في الفلاحة، طورتهم بعض التطوير، حى صاروا على شاكلة الحضر، يتركون منازلهم لزيارة القرى والأرياف، ويتصلون بالحضر وقد يقيمون بينهم على نحو ما يفعله كثير من سادات "شيوخ"القبائل في الوقت الحاضر، وكان جل سادات القبائل الكبار من أصحاب الأبنية الثابتة، لهم منازلهم ومزارعهم وأعرابهم الذين لم تمكنهم أحوالهم المادية من تملك الأرض والزرع، فاشتغلوا برعي الإبل، وقد تتعرض مزارع هذه المستوطنات إلى الأخطار مع وجود الحصون وأبنية الحماية الأخرى، فالمزارع الكبيرة لا يمكن حمايتها إلا إذا حميت في حصون عديدة من جميع جهاتها وحمايتها على هذا النحو عمل مكلف باهظ. لذلك كان المهاجم يهاجم الزرع ليحرق قلوب أصحابه المتحصنون في الحصن، فلما هاجم "بنو يربوع""بني يشكر"، تحصن "بنو يشكر"بحصنهم بقريش "ملهم"، فأحرق "بنو يربوع"بعض، زرعهم، وعقروا بعض نخلهم، فلما رأى القوم ذلك نزلوا اليهم فقاتلوهم.
وقد اتخذ المزارعون ملاجىء لهم عند أماكن زرعهم يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس ومن المطر والعواصف، وكانوا يسكنون بها، كانت هذه سنتهم في الجاهلية وفي الإسلام. وقد ذكر مؤلف "بلاد العرب"أن بروضة السويس قبتين مبنيتين يسكنها الزراعون.

(1/4102)


وقد أولد هذا المجتمع تباينا في منازل الناس، جعل من أصحاب الأرض الكبيرة ملاكا كبارا لهم أطم وحصون، يأوون إليها، ولهم خدم يخدمونهم ويخدمون زرعهم وماشيتهم، هم العنصر المنتج، والآلة التي تساعد على الانتاج وعلى تكثيره، وعلى تزييد أموال الملاك، أما هم أنفسم فمجرد خدم ورقيق، خلقوا لخدمة سادتهم ووجدوا لرعاية أموالهم والعناية بزرعهم وتكثر رزقهم. و،إلى جانب هؤلاء أناس أحرار، كان في رزقهم شح، وفي حياتهم عسر، وقوتهم قليل و قاموا بمختلف الأعمال والحرف لإعالة أنفسهم وسد رمقهم.
وقد تمكنت بعض هذه المستوطنات من انتاج حاصل زراعي سد حاجة أهل المستوطنة، ومن بيع الفائض منها الأعراب. وبينها مستوطنات زرعت الحبوب، مثل الحنطة وصدرتها إلى أماكن أخرى. فقد ذكر إن قرى اليمامة كانت تمون مكة بالحب، وتمون الأعراب بالتمور. وما هذه القرى سوى مستوطنات، ظهرت في البوادي بسبب وجود الماء فيها، وبسسب استنباطه من الأرض بحفر الابار، فنمت وتوسعت، لاتساع صدر الماء بها، ولتفضل الأرض على من نزل بها باعطائهم ماءا كافيا، كفاية تساعد على توسع المستوطنة، فيما لو عمل النازلون بها على استنباطه من باطنها، واستعملوا عقولهم وأيديهم في استغلال التربة للحصول على موارد الرزق منها.
وتحدد الأرض المملوكة بحدود، وقد توضع على أطرافها علامات، لتكون حدودها معلومة، فلا يتجاوز عليها. ويقال للحد بين الدارين، أو بين الآرضين "الجماد". وقد أشير إلى "الجوامد"، أي الحدود في الحديث. ورد اذا وقعت الجوامد فلا شفعة في الحدود.

(1/4103)


والأرض، عامر أو غامر، والعامر المأهول والمزروع والمستغل، والغامر خلاف العامر، وهو الخراب. وقد قسم "عمر"السواد إلى عامر وغامر، أي عامر وخراب. والغامر الأرض ما لم تستخرج حتى تصلح للزراعة والغرس، وقيل: هو ما لم يزرع مما يحتمل الزراعة. واتما قيل له غامر، لأن الماء يبلغه فيغمره. ويقال للارض العامرة: "السوداء"، وأرض سوداء، أرض مغروسة، والأرض في عرف العرب إذا غرست اسودت واخضرت، و "البيضاء" الخراب من الأرض، لأن الموات من الأرض يكون أبيض.
والبور: الأرض قبل أن تصلح للزرع، وقيل: هي الأرض التي لم تزرع،أو الأرض كلها قبل أن تستخرج حتى تصلح للزرع أو الغرس. وفي كتاب النبي لأكيدر دومة: ولكم البور والمعامى وأغفال الأرض. فالبور الأرض الخراب التي لم تزرع،أو هي التي تجم سنة لتزرع من قابل. وذكر أن المعامى الأعلام من الأرض ما لا حد له. والأغفال ما لا يقال على حده من الأرض. والمعامى على حد قول بعض العلماء أغفال الأرض التي لا عمارة بها، أو لا أثر للمارة بها. والغفل: ما لا عمارة فيه من الأرضين، وقيل الموات، وأرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة، وأرض سبب ميتة لا علامة فيها، وكل ما لاعلامة فيه ولا أثر عمارة من الأرضين والطرق ونحوها غفل، وبلاد أغفال لا أعلام فيها يهتدى بها. وقد ورد في كتاب الرسول إلى الأكيدر: "أن له الضاحية والبور والمعامى وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور".
والضاحية ما كان خارج السور من النخل، والضاحية البادية، وضواحي قريش النازلون بظواهر مكة.

(1/4104)


والعامر، إما ملك للحكومة، وإما ملك للملوك ولذويهم، وإما ملك للمعبد،أي اوقاف حبست على المعابد، وإما ملك لأسر وأفراد، وذلك بالنسبة للحضر،وفي العربية الجنوبية بصورة خاصة. وأما بالنسبة إلى الأعراب، سكنة البوادي، فأرض القبيلة - كما سبق إن قلت - ملك لها، إلا ما حمى منها. فهو من حق أصحاب الإحماء. فالأرض أذن مشاعة بين أبناء القبيلة، ويدخل في ذلك الماء و الكلأ.
وقد عبر في أحد النصوص عن الأرض التي آلت إلى صاحبها بطريق التملك ب "مقبلت قنيو""، أي الأرض التي أقبلت إلى الشخص بطريق الملكية. ومعناها الأرض المقتناة أي الملك. وهي أرض ملكها صاحبها إرثا من أهله،وذلك تمييزأ لها عن الأرض التي يتملكها صاحبها شراء، وقد عبر عنها ب "شامتهو"، أي الأرض المشتراة.
وتعد كل الأرضين التي لا تملكها الجهات المذكورة ملكا للدولة. ورقبتها بيد الحكومة، وتسجل باسم الشعب الحاكم. فإذا كانت الحكومة حكومة معين، تسجل الأرض باسم شعب معين، وإذا كانت الأرض في سبأ، تسجل باسم شعب سبأ، وقد توسعت رقعة الأرضين الحكومية بالفتوحات الواسعة التي تمت في عهد الملك "كرب ايل وتر"،وفي عهود الملوك المحاربين مثل "شمر يهرعش"الذين إذا انتصروا على خصومهم جعلوا أرضهم وما يملكونه غنيمة لحكومتهم، تابعة لبيت المال. وذلك على نحو ما فعله المسلمون في الفتوحات من تسجيلهم الأرضين التي فتحوها بأسم "بيت مال المسلمين".
وقد تؤجر أرض التاج للقبائل والعشائر بعقد يتفق عليه، تذكر فيه شروطه في الوثاثق التي تدون لهذه الغاية، ويتم الدفع بموجبها، فيكون إما عينا، وإما نقدا. وقد يقوم سادات القبائل باستغلال الأرضين المؤجرة على حسابهم، وقد يؤجرونها أو يؤجرون أجزاء منها إلى حاشيتهم أو أتباعهم في مقابل جعل يدفع لهم. فيكون دخلهم من هذه الأرض المؤجرة من العوائد التي اتفقوا على استحصالها من المستأجرين الثانويين ومن صغار الفلاحين.

(1/4105)


وقد كان الفلاح مغبونا في الأكثر، لأنه بحكم فقره واضطراره إلى استئجار الأرض بشروط صعبة في الغالب، مضطر إلى الاستدانة في أغلب الأحيان، لضمان معيشته في مقابل تعهد بدفع ما استدانه في آخر موسم الحصاد وقطف الثمر فإذا حق ألاجل، اضطر إلى دفع ديونه وما ترتب عليها من ربا فاحش، وما عليه من حق للحكومة ولصاحب الأرض، فلا يتبقى لديه ما يكفيه في عامه الجديد، فيضطر إلى تجديد الاستدانة، والغالب أن أصحاب الأرض هو الذين يقومون بتقديم الديون الى الفلاحين، لربطهم طول حياتهم بالأرض، فلايتمكن الفلاح من الهروب منها بسبب ثقل ما عليه من الديون، ووجوب دفعها مع فائضها كاملة إن أراد تركها، وهو حل لا يتمكن من تنفيذه، فيظل لذلك مرتبطا مع عائلته بأرض المالك صاحب الديون.
وكانت حكومة سبأ تستغل أرضها الخاضعة للخزينة العامة، أي "أرض السلطان"، إما بأدارتها نفسها وباستغلالها بتشغيل المزارعين بها على حساب الدولة، وإما بيعها، وإما بتأجيرها في مقابل "أجر"يقال له، "اثوبت"في لغتهم.
وامتلكت المعابد أرضين واسعة شاسعة، استغلتها باسم الآلهة، ودرت عليهم أرباحا كثيرة. وهي أرضين سجلت بأسمها منذ نشأت المعابد وظهرت، فارتبطت بها، وصارت وقفا عليها. منها ما سجل في عهد "المكربين"أي حكومات رجال الدين في العربية الجنوبية، يوم كان "المكرب"هو رجل الدين والحاكم الدنيوي، فكانت نظرتهم إن الأرض وما عليها ملك للآلهة. ورجال الدين الحكام هم خلفاء الآلهة على الأرض، وهم وحدهم لهم حق الحكم والفصل بين البشر، وما يقرونه حق، وما يخانفونه ويحرمونه فهو باطل. وهم الذين يفصلون بين الحرام وبين الحلال، ويقررون ما يوافق حكم الآلهة رما يخالفه. فهم حكام الشرع و القانون.

(1/4106)


وكانت للمعابد الأخرى أحباس خصصت بها، وحميت للمعبد ولما ينذر له ويحبس عليه من حيوان يرعى فيه، فلا يتطاول عليه أحد. وقد سبق إن تحدثت عن حرم "العزى"، وهو شعب حمته قريش للصنم، يقال له "سقام"في وادي حراض، وقد كان حرما آمنا، لا يجوز قطع شجره ولا الاعتداء على ما يكون فيه من انسان وحيوان. وهو قرب مكة بين "المشاش"و "الغمير" فوق ذات عرق، الى البستان، وقيل بالنخلة الشامية. كما كان بيت الحرام، حرم واسع به شجر وزرع، سبق إن تحدثت عنه.
وقد وجدت في بعض المناطق، مثل أرض قبيلة "بكل""بكيل"، أملاك واسعة حبست على "المقه"، كانت تديرها وتتصرف بها عشيرة "مرثد"،ووجدت أرضون واسعة في مناطق أخرى، جعلت المعبد من أكبر ملاك الأرض.
وقد استغل المعبد بنفسه بعض أملاكه، وأجر بعضا آخر للاسر المتنفذه ولسادات القبائل، بموجب اتفاقات دونت وحفظت في خزائن المعابد. وقد كان المتنفذون قد استولوا على بعض حبوس المعابد، واستغلوها، ولما كانوا أقوياء،والأوقاف في مناطق نفوذهم، ولا يمكن للمعبد أن ينتزعها منهم، اضطر إلى تأجيرها لهم ببدل ايجار رمزي، ليحافظ بذلك على اسم وقفه، فلا يستبد أولئك السادة به، ويسجلونه ملكا بأسمه. فصارت هذه الأملاك من أملاك المعبد بالأسم، ومن أملاك إلملاك الأقوياء بالفعل.
ولا نجد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد بوجود حبوس كبيرة وكثيرة على المعابد في العربية الغربية أو العربية الوسطى أو العربية الشرقية، على نحو ما وجدناه في اليمن، ويعود سبب ذلك في رأيي إلى صغر مساحات الأرضين الخصبة المزروعة في هذه الأقسام، والى قلة الماء فيها، مما جعل من الصعب على الناس التخلي عن أرضين كبيرة للمعبد. بل ترينا أخبارهم إن أهل هذه المناطق كانوا لا يتئثمون أحيانا من التطاول على "حرم"المعابد، فكانوا يقطعون شجره ويستقطعون قطعا من أرضه لأتخاذها منازل لهم كالذي حدث ل"حرم"بيت الله.

(1/4107)


وقد كان الملوك وكبار الملاك يقطعون أرضهم اقطاعات لاستغلالها. ويعبر عن ذلك بلفظة "بضع"في المسند، أي القطعة. وقد يراد بها الأرض المعطاة لجماعة لاستغلالها في الزراعة.
وفي أواخر عصور الملكية في سبأ، نجد طبقة الاشراف وسادات "الأعراب " "اعربم"والقبائل وقد ازداد نفوذها وقوي سلطانها، فنازعت الملك على صلاحياته في بعض الأحيان. وصار لرؤساء القبائل نفوذ قوي في المملكة، حتى قلصت حكم ال "مزود"واستأثرت بالأرض، واحتكرتها، فاضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أولئك الرؤساء في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والمبالغ التي يجب على رئيس القبيلة أن يقدمها الى الملك في مقابل استغلاله للأرض، ويقوم الرئيس بإيجار أرضه لأتباعه المتنفذين في القبيلة أو لأفراد قبيلته الاعتياديين، يتقاضى على ذلك أجرا يتفق عليه، باهظا مرهقا للفلاح المسكين الذي لا يملك في العادة أرضا، فتحولت العربية الجنوبية بذك الى دولة اقطاعية، أرباحها وحاصلها ونتاجها وقف وإقطاع لطبقات معينة متنفذه.
وفي جملة تلك الواجبات تقديم عدد يتفق عليه من أتباع من حصل على أرض حكومية للقيام بالخدمات العسكرية، ووجوب الدفاع عن الحكومة عند ظهور خطر عليها. فيقوم إلمقتطع للارض بإرسال رجاله على حسابه للدفاع عن الملك. وبذلك صارت جيوش الملك مؤلفة من جنود مرتزقة وجنود أرسلوا إلى القتال إرسالا بأمر سادتهم تنفيذا لالتزاماتهم التي ألزموا أنفسهم بها مع الملوك.

(1/4108)


وممكن حصر الأشخاص الذين تمتعوا بنعم الاقطاع وامتيازاته بالملوك وبذويهم،والملك هو الراعي الشرعي للحق العام، وهو الناظر والوصي لأرض الدولة، وهو بهذه الصفة يصطفي لنفسه ولأولاده ولأهله خيرة الأرضين، ثم يليه من بعده رجال الدين الناطقون باسم الآلهة، وهم في نظر الشرع، أي الدين أصحاب الأرض، لأن الأرض ملك للآلهة. ثم يليهم قادة الجيش وصفوة الملوك وكبار الحكام، والسادات. سادات الحضر وسادات القبائل. أما السواد، وهم غالبية الناس، فليس منهم من يملك إلا المساحات الصغيرة من الأرض، وإلا البيوت، وأغلب الباقين عالة على غيرهم، يتعيشون باستعمال أيديهم في كسب قوتهم وقد يؤجر سيد القبيلة أو سادات الأرض ما استحوذوا عليه من الحكومة من أرضين إلى أناس غرباء أجراء أم إلى قبائل أخرى، في مقابل شروط يعينها، فيستغلون الأرض بموجبها، ويكونون عندئذ في حمايته وفي رحمته ورعايته،فيعاملون عندئذ وكأنهم فرع من فروع قبيلة صاحب الأرض. واذا استمر العقد، فقد يدمجهم الزمن في قبيلة سيد الأرض فيعدون منها، وينسبون إليها، مع انهم غرباء عنها. ومن هنا نرى إن القبائل في العربية الجنوبية، لم تكن على نحو ما نفهمه من معنى القبيلة، من إنها بنو أب واحد، وأصحاب نسب واحد يصعد حتى يتصل بجد، بل قد تكون من قبائل وعشائر مختلفة ومن جماعات عمل، تمثل مختلف الحرف، انضمت إلى قبيلة كبيرة، أو إلى ملاك كبير، للعمل في أرضه أو لأداء خدمات له، فلما طال بها المقام اندمجت في القبيلة الكبيرة، أو في قبيلة الملاك الكبير، فعدت منها، أو في آل وأتباع صاحب الأرض، فعدوا من أتباعه، ونسبوا إليه، حتى إذا طال الزمن وتقادم العهد، صار ذلك الرئيس جدا لهم، وعد نسبهم منه.

(1/4109)


ولما ظهر الإسلام، كان الأقيال وسادات القبائل قد استبدوا بالأمر وتحكموا في رقاب الأرض، واقطعوها فيما بينهم، ولقب بعضهم كما سبق أن تحدثت عن ذلك أنفسهم بألقاب الملوك. ومن هؤلاء "بنو وليعة".ملوك حضرموت: "حمدة"، و "مخوس"، و "مشرح"، و "أبضعة". و "الحار ث ابن عبد كلال"، و "نعيم بن عبد كلال"، و "النعمان"قيل ذي دعين "ذي يزن"ومعافر وهمدان وشريح بن عبد كلال، وزرعة ذي رعين. و "جيفر بن الجلندي"و "عبد بن الجلندي"وهما من الأزد. وكان "جيفر"، يلقب نفسه بلقب ملك عمان. و "ذو الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك ابن حسان بن تبع"، و "ذو عمرو"، و "معدي كرب بن أبرهة"صاحب خولان. و "ربيعة بن ذي مرحب"الحضرمي، وآل ذي مرحب، وكانوا يملكون الأموال والنحل والرقيق والابار والمياه والسواقي والشراجع بحضرموت، و "وائل بن حجر"، من كندة حضرموت، وكان يملك الأرضين والحصون والأودية، وكان "الأشعث"وغيره من كندة ينازعونه في واد.
ويقال لتقديم الفلاح أو المستأجر لأرض ما،ما عليه من حقوق تجاه الحكومة،التي استأجر الأرض منها، أو صاحب الملك، الذي استأجر أرضه لزراعتها، "دعتم""دعت"، أي "غلة"، تسلم إلى وكلاء الحكومة أو صاحب الأرض عن حقهم المتفق عليه.
وتعرف الأرضون الحكومية التي تعطى باللزمة والإجارة لمن لايملكها ب "مقبلت "و "قبلت"، و "مقبل"، من أصل "قبل". تعطى في مقابل تعهد يتعهد الملتزم والمؤجر بدفع مبلغ معين أو حصة معينة إلى الملك أو ممثليه من الموظفين أو أصحاب الأرض، وذلك في مقابل استغلاله للارض. وقد تدون شروط الأتفاق وتثبت ليرجع إليها إذا حدث اختلاف.

(1/4110)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية