صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

وتمكن الباحثون من الحصول على أسماء عدد من آلهة لحيان، منها: "ابلف""اب الف" "ابالف"، بمعنى "أبو ايلاف"، و "عجلبن"، و "بدع سمع" " بدعسمع"، و "بعلسمن"، "بعل السماء"، و "ذ غبت" "ذوغابة، و "هنا كتب" "هانئ كتب"، و "له" "لاه"،و "لهت" "الهات"، و "لت" "لات"، و "همحر" "ها محر"،و "سلمن" "سلمان"، و "هنعزي" "ها نعزي"، و "و د".
وحصلنا من الكتابات الصفوية على أسماء بعض الالهة، مثل: "اللات" "لت"، و "للعزى"، و "مناة" "منات"، و "ر ضا" "رضو"، و "ه له" "ها لاه" "الله"، و "جد عوذ"، و "شمس"، و "رحم"، و "شيع هقوم" "شيع القوم"، و "اثع" "اثاع"، و "بعل سمين" "بعل سمن"، و "دو شر" "ذو الشرى" "د شر"، و "جد ضف" "جد ضيف".
الفصل الحادي والسبعون،
شعائر الدين
ولكل دين شعائر تكون له سمة وعلامة تميزه عن غيره من الأديان. ولما كنا قد ذكرنا ان الجاهلين كانوا شعوبا وقبائل، لم تجمع بينهم وحدة فكر ولم تضمهم دولة واحدة، بعقيدة مشتركة، فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن شعائر واحدة لجميع عرب الجاهلية.
وما سأذكره عن ديانات أهل الجاهلية، مستمد إما من نصوص جاهلية، وذلك فيما يخص العربية الغربية والعربية الجنوبية في للغالب،وإما من موارد اسلامية، وهو ما في يتناول أهل الحجاز، قبل ظهور الإسلام، وبعض أنحاء نجد. وهو مما جاء عنهم في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي وفي كتب التفسير والسير والأخبار مما له صلة بأيام الجاهلية المتصلة بالإسلام، وبظهور الإسلام.

(1/3492)


وفي مقدمة شعائر الدين عند أهل الجاهلية: الأصنام وبيوتها والتقرب اليها بالصلاة وبالسجود. وبالطواف حولها، وبالنذور. وبالحبوس وبالقسم بها، وذلك تمن على عبدها الإنسان فتمنحه ما يرجوه.في هذه الحياة من صحة وعافية ومال ونسل وذكور وتكاد تنحصر الكتابات الجاهلية التي عثر عليها حتى الآن بهذه الأمور، اذ لا نكاد نجد فيها شيئا له علاقة بالآلهة يخرج عن حدود ما ذكرت. ويكاد يقتصر ما جاء في روايات أهل الأخبار عن ديانة أهل الجاهلية بهذه الأمور ايضا، فلا تتجاوز ما ذكرته من تقرب إلى صنم أو توسل اليه وطواف به، لنبل شيء منه يتمناه ويرجوه في هذه الحياة الدنيا.
أما الصلاة إلى الالهة على نحو ما يفهم من الصلاة في الإسلام فلا نجد لها ذكرا في النصوص الجاهلية، ولا نكاد نجد لها صورة واضحة صحيحة في روايات أهل الأخبار، اللهم إلا فيما يخص صلوات اليهود والنصارى والعرب فقد كان هؤلاء يصلون في كنائسهم في أوقات معينة، وقف بعض أهل الجاهلية عليها، فأشاروا اليها في أشعارهم وفي حديثهم عن أهل الكتاب.

(1/3493)


وقد ذكر ان عبدة "الشمس" كانوا قد "اتخذوا لها صنما بيده جوهرعلى لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث مرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعونه ويستشفعون به. وهم اذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها،واذا غربت واذا توسطت الفلك. ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة، لتقع عبادتهم وسجودهم له. ولهذا نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن تحري الصلاة في هذه الأوقات قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا، وسدا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام". وذكر "اليعقوبي" ان العرب كانت "اذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده ثم تلبوا". وفي هذين الخبرين دلالة على وجود الصلاة عند الجاهليين، ولا سيما في خبر عبدة الشمس، حيث كانوا يصلون ثلاث كرات لها في اليوم.
وذكر ان "التسبيح" بمعنى الصلاة والذكر، روي ان "عمر" جلد رجلين سبحا بعد العصر، أي صليا. وان قول الأعشى: وسبح على حين العشيات والضحى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
يعني الصلاة بالصباح والمساء. وعليه فسر قوله )فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون(، يأمرهم بالصلاة في هذين الوقتين.
وذكر انهم كانوا يصلون على موتاهم، وكانت صلاتهم ان يحمل الميت على سرير، ثم يقوم وليه، فيذكر محاسنه كلها ويثني عليه. ثم بقول: عليك رحمة الله. ثم يدفن.

(1/3494)


وقد أشير إلى سجود الناس للشمس والقمر في القرآن الكريم: )ومن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون. فإن استكبروا، فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون". يقول تعالى ذكره: فإن استكبر يا محمد هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم من مشركي قريش وتعظموا عن أن يسجدوا لله الذي خلقهم وخلق الشمس والقمر، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك ولا يتعظمون عنه". كما أشير إلى سجود أهل "سبأ" إلى "الشمس" في الأية: )وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم واوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون(. وفي هذه الآية وصف لتعبد أهل سبأ للشمس وسجودهم لها. وقد ذكر المفسرون أن ملكة سبأ كانت لها كوة مستقبلة الشمس، ساعة تطلع الشمس تطلع فيها، فتسجد لها. فسجودهم للشمس، هو عبادة لها وتعظيما لشأنها.
الصوم
وأما "الصوم"، فنحن لا نجد له ذكرا في الكتابات الجاهلية بالمعنى المفهوم منه عند أهل الكتاب أو المسلمين. وهو في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له.
وقبل للصائم صائم لامساكه عن المطعم والمشرب والمنكح، وقيل للصائم صائم، لامساكه عن الكلام. وقوله عز وجل: )إني نذرت للرحمن صوما(. قيل: معناه صمتا، ويقويه قوله تعالى: )فلن أكلم اليوم إنسيا(. والصوم: الصبر كذلك.
وقد ذكر "الصوم" في السور المدنية، أما في السور المكية، فقد ذكر مرة واحدة، في "سورة مريم": )فقولي: إني نذرت للرحمن صوما. فلن اكلم اليوم إنسيا(. وقد حددت السور المدنية أصول الصيام في الإسلام.

(1/3495)


والصوم المعروف عند اليهود والنصارى معروف عند أهل الجاهلية الذين كان لهم اتصال واحتكاك بأهل الكتاب. فقد كان أهل يثرب مثلا على علم بصوم اليهود، بسبب وجودهم بينهم. وكان عرب العراق وبلاد الشام على علم بصوم النصارى، بسبب وجود قبائل عربية متنصرة بينهم. وكان أهل مكة، ولاسيما الأحناف منهم والتجار على معرفة بصيام أهل الكتاب. وبصيام الرهبان، المتمثل في السكوت والتأمل والجلوس في خلوة، للتفكير في ملكوت السماوات والأرض. ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن من الجاهليين من اقتدى بهم، وسلك مسلكهم. فكان يصوم، صوم السكوت والتأمل والامتناع عن الكلام والانزواء في غار حراء وفي شعاب جبال مكة.

(1/3496)


ويذكر أهل الأخبار ان قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء. وفي هذا اليوم كانوا يحتملون، ويعيدون، ويكسون الكعبة، وعللوا ذلك بأن قريشا أذنبت ذنبا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، وأرادوا التكفير عن ذنبهم، فقرروا صيام يوم عاشوراء، فصاموه شكرا لله على رفعه الذنب عنهم. وذكر ان رسول الله كان يصوم عاشوراء في الجاهلية، ولما قدم المدينة واظب عليه وأمر الناس بصيامه حنى نزل الأمر بصيام رمضان. وقد ذكر العلماء انه يحتمل ان قريشا اقتدت بصيامه في الجاهلية، بشرع سالف ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه. وذكر بعضهم: كان يوم عاشوراء، يوما تصوم قريش في الجاهلية، اقتداء بشرع سابق، وكان النبي يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه على عادته وأمر أصحابه بصيامه في أول السنة الثانية، فلما نزل رمضان، كان من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء لا يصومه. وعلوا سبب صيام "قريش" هذا اليوم، انه كان أصابهم قحط ثم رفع عنهم، فصاموه شكرا. وورد "ان قريشا كانت تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه". وذكر ان رسول الله، كان يتحرى صوم يوم عاشوراء على سائر الأيام، وكان يصومه قبل فرض رمضان. فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه، ومن شاء تركه. وبقي هو يصومه تطوعا، فقيل له: "يا رسول الله انه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال، صلى الله عليه وسلم: اذا كان العام المقبل ان شاء الله صمنا اليوم التاسع،فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله". وذكر أيضا ان قريشا كانوا اذا أصابهم قحط ثم رفع عنهم صاموا شكرا لله وحمدا له على اجابة دعوتهم.
وقد أشار أهل الحديث إلى صيام "يوم عاشوراء"، فجعله بعضهم الصيام الذي كان في الإسلام قبل فرض صيام شهر رمضان، وذكر بعضهم انه كان مفروضا إلى السنة الثانية من المجرة، ثم نسخ بصوم رمضان.

(1/3497)


وقد أشير إلى الصيام في السور المكية من القرآن الكريم كما أشير اليه في السور المدنية، ويدل نزول الوحي به في مكة وفي المدينة أنه كان من الشعائر الدينية القديمة، وأن قريشا كان لها علم به. ويظهر من بعض الآيات أن المراد من الصوم لم يكن الامتناع من الأكل والشرب حسب، بل كان يعني في أول عهد النبوة الامتناع عن الكلام كذلك.
ورواية أن قريشا كانت تصوم في يوم "عاشوراء"، لا تتفق مع الروايات الأخرى في كيفية فرض صيام شهر رمضان. ففي هذه الروايات أن النبي "حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم: فأخبروه أنه اليوم الذي غرق الله فيه آل فرعون، ونجى موسى ومن معه منهم. فقال: نحن أحق بموسى منهم، فصام، وأمر الناس بصومه. فلما فرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه. وورد أن يهود خيبر والمدينة كانوا يعظمون صيام عاشوراء ويتخذونه عيدا.
ويقصدون بصوم اليهود يوم عاشوراء، ما يقال له "يوم الكفارة"، وهو يوم صوم وانقطاع، ويقع قبل عيد المظال بخمسة أيام، أي في يوم "10 تشرى" وهو يوم "الكبور" Kipor. ويكون الصوم فيه من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي، وله حرمة كحرمة السبت، وفيه يدخل الكاهن الأعظم قدس الأقداس لأداء الفروض الدينية المفروضة في ذلك اليوم.

(1/3498)


ومما يلاحظ ان علماء التفسير والحديث، قد اختلفوا اختلافا كبيرا في موضوع الصيام قبل نزول الأمر به وفرضه. فقال بعضهم كان المسلمون يصومون كما تصنع من صيامهم خمسين يوما "حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر". وقال بعض آخر، كان صيام الناس قبل فرض رمضان صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وذكر ان ذلك كان تطوعا لا فرضا، ولم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوما فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان. ولم أتمكن من العثور علي خبر قاطع يفيد بأن المسلمين كانوا يصومون بمكة قبل الهجرة إلى المدينة.
ولا صلة لقصة "أبي قيس بن صرمة الأنصاري" "أبو صرمة الأنصاري" و "عمر بن الخطاب" بصيام عاشوراء ولا بعدد أيام الصوم. وكل ما ورد فيها ان المسلمين كانوا في أول ما فرض عليهم في رمضان اذ أفطروا وكان الطعام والشراب وغشيان النساء لهم حلالا ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم عليهم ذلك إلى مثلها من القابلة، فلم يزل المسلمون على ذلك، حتى نام "أبو قيس بن صرمة" بعد افطاره وكان يعمل في حيطان المدينة بالأجر، فلما أفاق أبى ان يأكل شيئا وأصبح صائما، وكان "عمر" قد وقع على جارية له، فنزل الوحي بنسخ ذلك عنهم في اية: )أحلى لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن. علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم (. فلا صلة لقصتيهما بموضوع الصوم.

(1/3499)


ويظهر أنه خبر صيام قريش يوم "عاشوراء" " هو خبر متأخر ولا يوجد له سند يؤيده. ولا يعقل صيام قريش فيه، وهم قوم مشركون، وصوم "عاشوراء"، هو من صيام يهود. وهو صيام كفارة واستغفار عندهم، فلم يستغفر قريش ويصومون هذا اليوم وماذا فعلوا من ذنب، يطلبوا من آلهتهم العفو والغفران ة وإذا كان هناك صوم عند الجاهليين، فقد كان بالأحرى أن يصومه الأحناف، ولم يرد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد صيامهم في "عاشوراء" ولا في غير عاشوراء. ثم إن علماء التفسير والحديث والأخبار، يذكرون أن الرسول صام "عاشوراء" مقدمه المدينة على نحو ما ذكرت قبل قليل،. وأنه بقي عليه حتى نزل الأمر بفرض رمضان. ويظهر أن الرواة أقحموا اسم قريش في صيام "عاشوراء"، لإثبات أنه كان من السنن العربية القديمة، التي ترجع إلى ما قبل الإسلام وأن قريشا، كانت تصوم قبل الإسلام.
ويظهر من روايات أهل الأخبار، أن صوم أهل الجاهلية: صوم امتناع عن الأكل والشرب وإتيان النساء. وهو صوم الإسلام، وصوم امتناع عن الكلام وحبس للسان، إما لأمد معين قصير، مثل يوم أو اسبوع، واما لأمد طويل. وقد أشير في القرآن الكريم ان هذا الصوم في قوله تعالى: ) فقولي إني نذرت للرحمن صوما، فلن أكلم اليوم أنسيا(. وروي أن رجالا من زهاد أهل الجاهلية كانوا يصومون هذا الصوم.

(1/3500)


وقد اتخذ الصوم نذرا، روي أن "أبا بكر" دخل على امرأة من "أحمس" يقال لها "زينب"، فرآها لا تتكلم، فقال: مالها لا تكلم ? قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي. فإن هذا لا يحل. هذا من عمل الجاهلية،فتكلمت فقالت له: من أنت: قال امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين ? قال لها: من قريش. قالت له: من أي قريش أنت ? قال: إنك لسؤول.أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية? قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة قال لها: كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس.
فالتصميت، وهو الصوم عن الكلام، من فعل أهل الجاهلية. وهو معروف عندهم، ولعله وقع لهم تأثرهم بأهل الكتاب.
التحنث
ومن طرق عبادة أهل الجاهلية: التحنث، أي التعبد والتقرب الى الآلهة، ومن ذلك حديث "حكيم بن حزام": "أرأيت أمورا كنت اتحنث بها في الجاهلية من صلة رحم وصدقة، أي أتقرب إلى الله تعالى بأفعال في الجاهلية ". وكان رسول الله. يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان مما تحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرر ". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - اذا انصرف من جواره - الكعبة قبل ان يدخل بيته "، فيطوف بها سبعا"، ثم يرجع إلى بيته. وذكر ان ذلك الشهر هو شهر رمضان.
الاختتان
ومن شعاثر الدين عند الجاهلين الاختتان. وهو من الشعاثر الفاشية بينهم، حتى انهم كانوا يعيرون "الأغرل"، وهو الشخص الذي لم يختتن. وكان منهم ولا سيما أهل مكة من يختن البنات أيضا، بقطع "بظورهن". وتقوم بذلك "الختانة" "الخاتنة". وقد كانوا يعيرون من تكون أمه "ختانة" نساء، فإذا أرادوا ذم أحد قالوا له: يا ابن مقطعة البظور، وإن لم تكن أم من يقال له: خاتنة.

(1/3501)


وأما الاغتسال من الجنابة وتغسيل الموتى، فمن السن التي أقرت في الإسلام، وقد أشير إلى غسل الميت في شعر للافوه الأودي،. وأشير إلى تكفين الموتى والصلاة عليهم في أشعار منسوبة إلى الأعشى وإلى بعض الجاهليين. وورد أن قريشا كانت تغسل موتاها وتحنطهم، ولكننا لا نستطيع تعميم هذه الأمور على كل العرب، ولا الإدعاء بأنها كانت من شعائر الدين عندهم، لما ذكرته مرارا من اختلاف العرب بأمور دينهم، وعدم خضوعهم لدين واحد. بل ورد أن المشركين لم يكونوا يغتسلون من الجنابة، وقد ذهب المفسرون إلى أن لفظة "نجس" الواردة في الآية: )يا ايها الذين آمنوا إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. وان خفتم عيلة، فسوف يغنيكم الله من فضله (. فانما قصد بها اجناب، "سماهم بذلك لأنهم يجيبون فلا يغتسلون. فقال: هم نجس ولا يقربوا المسجد الحرام، لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد " ولما نزل الأمر بمنع المشركين من دخول مكة، "شق ذلك على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من يأتينا بطعامنا ومن يأتينا بالمتاع ? فنزلت )وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء (. و "كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام ويتجرون فيه. فلما نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون من أين لنا طعام ? فانزل الله) وان خفتم عيلة، فسوف يغنيكم الله من فضله(.
والقرابين والنذور وزيارات المعابد والحج، هي من أبرز الشعائر الدينية عند سواد الناس. وتكاد تكون مفهوم الدين عندهم، وذلك لما فيها من تماس مباشر بامور حياتهم ومصالحهم. فهم يفعلون ذلك لغايات استرضاء الالهة والتوسل اليها

(1/3502)


بأن تعطيها غلة وافرة ومالا، فكانوا اذا تقربوا إلى صنم أو دعوا ربهم أو أدوا مناسك حجهم "فلا يسألون ربهم" إلا متاع الدنيا "فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا. هب لنا غنما،.هب لنا إبلا". "وكانوا يعني في الجاهلية يقفون يعني بعد قضاء مناسكهم، فيقولون: اللهم ارزقنا إبلا، اللهم ارزقنا غنما"، وفي هؤلاء نزلت الآية: ) فمن الناس من يقول: ربنا اتنا في الدنيا، وماله في الآخرة من خلاق (.
والفقر هو الذي حمل هؤلاء على ان يتقربوا إلى آلهتهم، بالنذور والقرابين وبالحج على فقرهم وجوعهم، على أمل ان تعطف الآلهة عليهم فتمن عليهم بالمال واليسر والبركة والصحة، تماما كما يفعل شراء أوراق "النصيب" أو أوراق سباق الخيل من الفقراء والمحتاجين علي أمل الربح والكسب.
وهذه النظرة المادية الساذجة،هي التي حملت عوامهم على تهديد آلهتهم وإخبارها انهم سيمتنعون عن تقديم أي نذر أو أداء ألحجة زيارة لها إن لم تمن عليهم وتستجيب لأدعيتهم، فتنفذ طلباتهم وما طلبوه منها. وهي التي تحملهم بعد ذلك على التراجع عن تهديداتهم هذه، وعلى الاستغفار واظهار الندم لها، لما بدر منهم من سوء أدب، على أمل استرضاؤها من جديد، بعد أن فشلت وسائل التهديد من تخويف تلك الالهة.
الحلال والحرام
يقول "ابن عساكر" في رواية تنسب إلى رجل من خثعم: كانت العرب لا تحرم حلالا ولا تحل حراما. وكانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون اليها. ومعنى هذا انهم كانوا يحلون ويحرمون. وأن أمر الحلال والحرام إلى رجال الدين منهم، وهم سدنة الأوثان.

(1/3503)


وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع "أديان العرب" وشعائرها، فقال: "وكانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل، والانتقال إلى البلدان، والانتجاعات. فكانت قريش وعامة ولد "معد" بن عدنان على بعض دين ابراهيم، يحجون البيت ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف ويعظمون الأشهر الحرم، وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم، ويعاقبون على الجرائم". فأدخل في الدين أمورا نعدها اليوم من الأعراف وقواعد الأخلاق والسلوك، وجعلها من سنة ابراهيم، أي دين العرب القديم قبل افساده بالتعبد للاصنام.
وذكر "السكري"، أن العرب كانت " دون من سواها من الأهم. تصنع عشرة أشياء منها: في الرأس خمسة.وهي المضمضة والاستنشاق والسواك والفرق وقص الشارب. وفي الجسد خمسة. هي: الختانه وحلق العانة ونتف الأبطين، وتقليم الأظفار والاستنجاء. خصت بهذا العرب، دون الأمم. فهذه الأمور العشرة هي من شعائر العرب في نظر "السكري". وهي شعائر، لا يمكن أن نجاريه في رأيه، فنقول إنها كانت في جميع العرب، وإنها كانت فيهم خاصة، دون غيرهم من الأمم وفي كلام "السكري" أمور كثيرة لا ممكن التسليم بصحتها بل نجده هو يناقض نفسه في مواضع أخرى من كتابه،من ذلك قوله: "وكانوا يؤمنون بالحساب ولا يأكلون الميتة، فعمم رأيه، وجعله شاملا كل العرب، بينما هو رأي طائفة من الجاهليين، وليس جميع أهل الجاهلية. وللقران الكريم دليل ذلك، فقد حمل عليهم لنكرانهم البعث والحساب،وحرم على المسلمين أكل لحم الميتة. )حرمت علكم الميتة والدم ولحم الخنزير (. وكانوا يأكلونها في الجاهلية.
وورد أن ممن حرم أكل الميتة على نفسه "حارثة بن أوس" الكلبي، وهو جاهلي، يقول: لا آكل الميتة ما عمرت نفسي وإن أبرح املاقي
والعقد لا أنقض منه القوى حتى يواري القبر أطباقي
الفصل الثاني والسبعون
الحج والعمرة

(1/3504)


والحج الذهاب إلى الأماكن المقدسة في أزمنة موقوتة، للتقرب إلى الآلهة،والى صاحب ذلك الموضع المقدس. وتقابل هذه الكلمة؛Bilgrinage في الانكليزية والحج بهذا المعنى معروف في جميع الأديان تقريبا، وهو من الشعائر الدينية القديمة عند الساميين.
وكلمة "حج" من الكلمات السامية الأصيلة العتيقة، وقد وردت في كتابات مختلف الشعوب المنسوبة إلى بني سام. كما وردت في مواضع من أسفار التوراة. وهي تعني قصد مكان مقدس وزيارته.
وفي روع الشعوب السامية القديمة وغيرها أن الأرباب لها بيوت تستقر فيها، قيل لها في الأزمنة القديمة "بيوت الآلهة". ولذلك يرى المتعبدون والمتقون شد الرحال اليها، للتبرك بها وللتهرب اليها، وذلك في أوقات تحدد وتثبت، وفي أيام تعين تكون أياما حرما لكونها أياما دينية ينصرف فيها الإنسان إلى آلهته، ولذلك تعد أعيادا، يعمد فيها الناس، بعد اقامتهم الشعائر الدينية المفروضة وبعد أدائهم القواعد المرسومة، إلى االفرح والسرور والرقص، ليدخلوا السرور إلى قلوب الأرباب. ففي الحج اذن مناسك وشعائر دينية وعبادة تؤدى، وافراح وسرور وحبور.
ويكون الحج بأدعية وبمخاطبة إلى الالهة وبتوسلات لتتقبل حج ذلك الشخص الذي قصدها تقربا اليها. وهذا هو الشائع والمعروف عن الحج، غير أن من الجاهليين من كان يحج حجا مصمتا، أي دون كلام، فلا يتكلم الحاج طيلة أيام حجه. وقد كان ذلك من عمل الجاهلية.
وقد ميز الشهر الذي يقع فيه الحج عن الأشهر الأخرى بتسميته " ب "شهر ذي الحجة" وب "شهر الحج". وذلك لوقوع الحج فيه. وهذه التسمية المعروفة حتى الآن في التقويم الهجري، هي تسمية قديمة، كانت معروفة في الجاهلية، وردت في نصوص الجاهلية. فبين اسماء الأشهر الواردة في نصوص المسند اسم شهر يعرف ب "ذ حجتن" أي "ذي الحجة"، ويدل ذلك على أنه الشهر الذي يحج فيه. وقد وردت كلمة "حج" في نصوص المسند كذلك.

(1/3505)


وقد ذكر "أفيفانيوس" Epiphanius ان من أسماء الأشهر عند العرب شهرا اسمه Aggathalbaeith "حج البيت" أراد به شهر "ذي الحجة". والعرب الذين قصدهم هذا الكاتب هم عرب "الكورة العربية"، ومعنى هذا ان العرب الشماليين كان لهم شهر يسمى ب "ذي الحجة" كذلك.
ولفظة Aggathalbaeith،هي لفظة عربية النجار حرفت على لسان "فيفانيوس" وقومه، لتناسب منطقهم، فصارت على هذا النحو، وهي من كلمتين عربيتين في الأصل، هما "حجة البيت"، أو "حج البيت". ويكون نص "أفيفانوس" هذا من النصوص المهمة بالنسبة لنا، التي ساعدنا في الرجوع بتأريخ استعمال هذا المصطلح إلى ايامه، ولا بد وان يكون ذلك المصطلح قد استعمل قبل أيام ذلك الكاتب ولا شك.
ويقع شهر الحج "ذي الحجة" - على رواية "افيفانيوس" - في "تشرين الثاني"، وأشار "بروكوبيوس" إلى ان العرب كانوا قد جعلوا شهرين من السنة حرما لالهتهم لا يغزون فيهما ولا يهاجم بعضهم بعضا، كما أشار "فوتيوس" إلى الأشهر الحرم عند العرب. والشهران اللذان أشار اليهما "بروكوبيوس"، هما شهرا ذو القعدة وذو الحجة في نظر "ونكلر"، وها بمثلان - في رأيه - "جولاي" و "أغسطس" أي تموز وآب.
إننا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نقول إن شهر "ذ حجتن المذكور في المسند، أو Aggathalbaeith الذي.ذكره "افيفانيوس"، هو شهر "ذو الحجة" الشهر المعروف الذي كان من شهور أهل مكة. فمن الجائز أن يكون حج العرب الشماليين أو حج العرب الجنوبين في وقت آخر يختلف عن وقت حج أهل مكة، فيكون شهرهم المذكور شهر آخر يقع في موسم آخر من السنة، ولا ينطبق شهر "ذي الحجة".

(1/3506)


ويرى "ونكلر" ان ما ذكره "فوتيوس" من احتفال العرب مرتين في السنة بالحج إلى معبدهم المقدس: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف وذلك لمدة شهرين، إنما يراد بذلك شهر رمضان لاقتران الشمس فيه ببرج الثور. وأما الشهران الاخران فهما ذو القعدة وذو الحجة.
ويظهر من غربلة ما أورده اهل الأخبار من روايات عن موسم الحج في ألجاهلية، أن الحج إلى مكة كان في موسم ثابت، هو الربيع على رأي كثير من المستشرقين، أو الخريف على رأي "ولهوزن". وذلك بسبب ما ذكر عن النسيء ومن رغبة قريش وغيرها من أن يكون في وقت واحد، كما تحدثت عن ذلك في باب النسيء. وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن "الشهر الحرام" المذكور في القرآن الكريم، هو "شهر الحج"، وهو الشهر الأول أي شهر محرم، بينما يرى المفسرون أنه رجب، أو ذو القعدة أو ذو الحجة. والأصح انه في شهر من الأشهر الحرم.

(1/3507)


وقد ورد في القرآن الكريم: )الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (. وقد قال "الطبري": "اختلف اهل التأويل في قوله: الحج أشهر معلومات. فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات: شوالا وذو القعدة، وعشرا من ذي الحجة"، "جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح ان يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج. والعمرة يحرم بها في كل شهر، وذكر ان الله لم يسم أشهر الحج في كتابه، لأنها كانت معلومة عندهم، وان المراد بذلك انه لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. وبناءا على ذلك، فلا يكون المراد من الآية ان الحج يقع في كل وقت من أوقات هذه الأشهر، وانما هو في وقت معين، ولكن الإحرام للحج، أي العزم عليه يكون في أي وقت من هذه الأشهر المذكورة، وليس في الأشهر الأخرى. وذكر "المسعودي" ان أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. ومعنى ما تقدم ان الجاهليين كانوا يتهيأون للحج من دخول شهر شوال، فيصلحون أمورهم، ويحضرون ما يحتاجون اليه من لوازم السفر،فإذا أراد أحدهم تجارة وكسبا ذهب إلى الأسوإق، حتى يهل شهر ذو الحجة، وإن لم يرد تجارة، ذهب في أي وقت يراه مناسبا له. فبدء موسم الحج اذن والتهيؤ له يكون من شهر شوال.
ويظهر من شعر نسب الى"عوف بن الأحوص،" أنه سمى شهر "ذي الحجه" شهر بني أمية" 0 إذ يقول: وإني والذي حجت قريش محارمه وما جمعت حراء
وشهر بني أمية والهدايا إذا حبست مضرجها الدماء

(1/3508)


وقد ذهب "ولهوزن" وجماعة آخرون من المستشرقين إلى تعدد بيوت الأرباب التي كان يحج اليها الجاهليون في شهر "ذي الحجة" والى عدم حصر الحج عند الجاهلين بموضع واحد. ومعنى هذا أن حج أهل الجاهلية لم يكن إلى "مكة" وحدها، بل كان الى جهات عديدة أخرى. بحيث حج كل قوم الى "البيت" الذي قدسوه وكانوا يتقربون اليه ووضعوا أصنامهم فيه. ويتفق هذا الرأي مع ما يراه أهل الأخبار من وجود بيوت للاصنام، وكان الناس يزورونها ويتقربون اليها ويذبحون عند أصنامها ويطوفون حولها ويلبون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله. والحج إلى مكة والى البيوت المقدسة الأخرى، مثل بيت اللات في الطائف وبيت العزى على مقربة من عرفات وبيت مناة وبيت ذي الخلصة وبيت نجران وبقية البيوت الجاهلية المعظمة، إنما هو أعياد يجتمع للناس فيها للاحتفال معا بتلك الايام وهم بذلك يدخلون السرور على أنفسهم وعلى أنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم وتقترن هذه الاحتفالات بذبح الحيوانات، كل يذبح على قدر طاقته ومكاته، فيأكل منها في ذلك اليوم من لم يتمكن من الحصول على اللحم في اثناء السنة لفقره، فهي أيام يجد فيها الفقراء لذة ومتعة وعبادة.
ويذكر أهل الأخبار أن الحج إلى مكة كان في الجاهلية كذلك، وأن الجاهليين كانوا يحجون إلى البيت منذ يوم تأسيسه، وأنهم كانوا يقصدون مكة أفواجا من كل مكان. وأن ملوكهم كانوا يتقربون إلى "بيت الله" بالهدايا والنذور، وان منهم من حج اليه. وأن الناس كانوا يقسمون بالبيت الحرام لما له من مكانة في نفوس جميع الجاهليين.

(1/3509)


غير اننا في نجد روايات بعض أهل الأخبار ما ينافي تعظيم كل العرب للبيت وحجهم اليه واحترامهم للحرم وللاشهر الحرم. فقد ورد ان من العرب من "كان لا يرعى للحرم ولا للاشهر الحرام حرمه"، ومنهم "خثعم" و "طيء"، وأحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب. وورد ان ذؤبان العرب وصعاليكها وأصحاب التطاول، كانوا لا.يؤمنون على الحرم، ولا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدرا. وقد كانوا خطرا يهدد البيت وأهله لذلك، ألف "هاشم" بن قريش وسادات القبائل ألفة ليحمي بهم البيت. قال "الجاحظ" في تفسيره للإيلاف: وقد فسره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشما جعل على رؤوس القبائل ضرائب يؤدونها اليه ليحمي بها أهل مكة. فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب التطاول كانوا لا يؤمنون على الحرم، لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرا، مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بني الحارث بن كعب. ورؤوس القبائل الذين جعل هاشم عليهم ضرائب يؤدونها اليه ليحمي بها أهل مكة، هم رؤساء مكة بلا شك، ومن كانت له مصلحة تجارية مباشرة بمكة، فكان ياخذ من هؤلاء ما يأخذه ثم يجمعه ويعطيه إلى " إلمؤلفة قلوبهم" من سادات القبائل النازلين حول مكة وعلى مقربة منها، كما ألف بين مكة وبين سادات القبائل الذين تمر قوافل مكة بأرضهم في طريقها الى الشام او العراق أواليمن، بروابط "الإيلاف"، أي العقود التي عقدها معهم " باعطائهم جعلا معينا، أو حقوقا تبين وتكتب، أو ربحا يدفع مع رؤوس المال عن البضائع التي تدفع لقريش، لتقوم قوافلها ببيعها في الأسواق. وبذلك أمنت مكة وسلمت تجارتها، ودانت بعض القبائل بدين قريش في الأشهر الحرم، لما فيها من فائدة ومنفعة مادية بينة ظاهرة: فاحترمتها، وبهذا أمن الحج واستراح التجار من قريش ومن غيرهم في ذهابهم بحرية وبأمان في هذه الشهور إلى الأسواق وليست لدينا ويا للاسف أخبار مدونة عن مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين.

(1/3510)


لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص الواردة إلينا، ما خلا الحج إلى "بيت الله الحرام" بمكة، حيث حفظت الموارد الإسلامية لنا شيئا من ذلك، بسبب فرض الحج في الإسلام، واقرار الإسلام لبعض شعائره التي لم تتعارض مع مبادئه ولولا ذلك لما عرفا شيئا عن الحج إلى مكة عند الجاهليين. ولهذا فسأقتصر في كلامي هنا على الحج إلى مكة فقط. إلا إذا وجدت خبرا أو نصا عن حج غير أهل مكة من الجاهليين إلى مكة أو إلى بيوت أخرى فسأتكلم عنه حينئذ.
ويظهر من غربلة ما جاء في روايات أهل الأخبار عن "حج البيت"، أن مناسك الحج لم تكن واحده بالنسبة للحجاج، بل كانت تختلف باختلاف القبائل.
فقد انفردت "قريش" بأمور من أمور الحج، واعتبرتها من مناسك حجها، وانفردت قبائل أخرى بمناسك لم تعتبرها "قريش" موجبة لها، ولم تعمل بها ووقفت قريش في مواقف، اعتبرتها مواقف خاصة بها. وأوجبت على من يفد إلى مكة للحح، مناسك معينة سنتحدث عنها. فلما ظهر الإسلام وحد مناسك الحج وثبتها. وأوجب على كل مسلم اتباعها.
ويبدأ الحج في الإسلام بلبس "الاحرام" حين بلوغه "الميقات" المخصص للجهة التي جاء منها. و "ميقات" الحج موضع احرامهم. وقد عين الرسول أكثر "المواقيت" وثبتها، فجعل "ذا الحليفة" ميقاتا لأهل "يثرب"، و "الجحفة "، ميقاتا لأهل الشام، و "يلملم" ميقاتا لأهل اليمن، و "قرن المنازل" لأهل نجد ومن يأتي من الشرق نحو الحجاز.. وأما " ذات عرق"، فميقات أهل العراق، قبل ان الرسول ثبته، وقيل إنه ثبت بعد فتح العراق. أما أهل مكة، فكانوا يحرمون من بيوتهم. ويجوز أن تكون هذه المواقيت من مواقيت أهل الجاهلية كذلك، وقد ثبتها الإسلام.

(1/3511)


ويستعد الجاهليون للحج عند حضورهم موسم "سوق عكاظ". فإذا انتهت ايام السوق، وأراد منهم من أراد الحج، ذهب إلى "مجنة"، فأقام بها إلى هلال ذي الحجة، ثم ارتحل عنها إلى "ذي المجاز"، ومنه إلى "عرفة"،فإذا كان يوم التروية، تزودوا بالماء وارتفعوا إلى عرفة. هذا بالنسبة إلى التجار، الذين كانوا يأتون هذه المواضع للتجارة. أما بالنسبة إلى غيرهم، فقد كانوا يقصدون الحج في أي وقت شاءوا، ثم يذهبون إلى "عرفة" للوقوف موقف عرفة، يقصدها "الحلة"، أما "الحمس" فيقفون ب "نمرة"، ثم يلتقون جميعا بمزدلفة للإفاضة.
ويبدأ حج أهل الجاهلية بالإهلال. فكانوا يهلون عند أصنامهم، ويلبون اليها، فإذا انتهوا من ذلك قدموا مكة، فكان الأنصار مثلا يهلون لمناة في معبده، أي انهم كانوا يغادرون "يثرب" إلى معبد الصنم،فيكونون فيه لمراقبة هلال ذي الحجة، فإذا أهلوا لبوا، ثم يسير من يسير منهم إلى مكة، لحج البيت.
والطواف بالبيوت وبالأصنام، ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه. وكانوا يفعلونه كلما دخلوا البيت الحرام، فإذا دخل أحدهم الحرم، واذا سافر أو عاد من سفر،، فاول ما كان يفعله الطواف بالبيت. وقد فعل غيرهم فعل قريش ببيوت أصنامهم، إذ كانوا يطوفون حولها، كالذي كان يفعله أهل يثرب من طوافهم ب "مناة".
وقد ذكر الأخباريون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون حول الرجمات، وهي حجارة تجمع فتكون على شبه بيت مرتفع كالمنارة، ويقال لها الرجمة. وكان الجاهليون يطوفون حول الأصنام والأنصاب كذلك. وذكر "نيلوس" Nilus أن الأعراب كانوا يطوفون حول الذبيحة التي يقدمونها قربانا للالهة. وكانوا يطوفون حول القبور أيضا: قبور السادات والأشراف من الناس.
وطافوا حول "الأنصاب"، ويسمون طوافهم بها " الدوار". فكانوا يطوفون حول حجر ينصبونه طوافهم بالبيت، وسموا تلك الأحجار الأنصاب.

(1/3512)


وللطواف كلمة أخرى هي "الدوار" من "دار" حول موضع من المواضع، وطاف حوله الشيء، واذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. ونجد هذا المعنى في شعر الشاعرين الجاهليين: امرئ القيس، وعنترة بن شداد العبسي. وقد ذكر علماء اللغة أن "الدوار" صنم كانت العرب تنصبه، يجعلون موضعا حوله يدورون به، واسم ذلك الصنم والموضع الدوار. ومنه قول امرئ القيس: فعن لنا سرب كأن نعاجه عذارى دوار،في ملاء مذيل
وقيل إنهم كانوا يدورون حوله أسابيع كما يطاف بالكعبة. وقيل حجارة كانوا يطوفون حولها تشبها بالكعبة.
وتلعب عبادة الحجر دورا بارزا في "الدوار". فقد كان قوم من أهل الجاهلية يقيمون الأحجار، ثم يطوفون حولها، يتخذون الدوار عبادة لهم. وقد تكون الأحجار أصناما، وقد تكون حجارة تنتقى فيطاف حولها. و "عن أبي رجاء العطاردي، قال: لما بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية،فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه، ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب.ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به. وكنا اذا دخل رجب قلنا جاء منصل الأسنة، فلا ندع سهما فيه حديدة، ولا حديدة في رمح إلا نزعناها وألقيناها ".
ويلاحظ ان الجاهليين كانوا يقيمون وزنا للحليب في أمور العبادة، فقد كانوا يسكبونه على الأصنام، كما رأينا في باب الأصنام، وفي القصة المتقدمة. ويلاحظ ان الرواية قد خصصت حليب الغنم، ولم تشر إلى حليب الإبل، أو حليب أية ماشية أخرى،مما قد يدل على وجود رابطة بين هذا الحليب وبين "الدوار" وان له علاقة بالأساطير، وذلك في حالة صدق الخبر بالطبع.

(1/3513)


والطواف من أهم طرق التعبد والتقرب إلى الآلهة. يؤدونه كما يؤدون الشعائر الدينية المهمة مثل الصلاة، وليس له وقت معلوم. ولا يخص ذلك بمعبد معين ولا بموسم خاص مثل موسم الحج، بل يؤدونه كلما دخلوا معبدا فيه صنم، أو كعبة أو ضريح، فهم يطوفون سبعة أشواط حول الأضرحة أيضا: كما يطوفون حول الذبائح المقدمة الى الالهة. فالطواف، إذن من الشعائر الدينية التي كان لها شأن بارز عند الجاهليين.
وكانوا يطوفون بالبيت في نعالهم، لا يطأون أرض المسجد تعظيما له. إلا ان يكون الحاج فقيرا حافيا، فقد كان منهم من لا يملك نعالا ولا خفا ولا ساثر ما يلبس بالرجل لفقره. وذكر أن رسول الله قال: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين ". وقد ذكر "السكري"، أن "الحمس" كانوا "لا يطوفون بالبيت إلا في حذاثهم وثيابهم، ولا يمسون المسد بأقدامهم تعظيما لبقعته ". وذكر أن "الحلة." كانوا على العكس منهم. " فإذا دخلوا مكة بعد فراغهم تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم، ثم استكروا من ثياب الحمس تنزيها للكعبة أن يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها بأقدامهم".
وكانوا يدخلون جوف الكعبة بنعالهم،لا يتأثمون من ذلك. وذكر أن "الوليد ابن المغيرة" كان أول من خلع نعليه لدخول الكعبة، تعظيما لها، فخلع الناس نعالهم.
وعدة الطواف حول الكعبة عند الجاهليين سبعة أشواط، ولا أستبعد ان يكون هذا العدد.ثابتا بالنسبة إلى الطواف حول البيوت الأخرى أو حول الرجمات والأنصاب والقبور أيضا. فقد كان الطواف سبعة أشواط مقررا عند غير العرب أيضا، وقد ذكر في "التوراة"، اذ كان العبرانيون يمارسونه. والعدد سبعة هو من الأعداد المقدسة المهمة عند الشعوب القديمة. ولهذا أرى ان غير قريش من العرب كانوا يطوفون هذا الطواف أيضا حول محجاتهم في ذاك الوقت.

(1/3514)


وقد ورد أن من الجاهليين من كان يطوف ويده مربوطة بيد انسان آخر، بحبل أو بسير، أو بزمام أو منديل، أو خيط أو أي شيء آخر، يفعلونه نذرا،أو حتى لا يفترقا. وقد نهى عن ذلك في الإسلام. فقد روي أن الرسول رأي أحدهما وقد فعل ذلك، فقطع بيده ذلك الرباط.
الحمس والطلس والحلة
والأخباريون يذكرون ان الطائفين بالبيت كانوا على صنفين: صنف يطوف عريانا، وصنف يطوف في ثيابه. ويعرف من يطوف بالبيت عريانا ب "الحلة". أما الذين يطوف بثيابهم، فيعرفون ب "الحمس". وأضاف بعض أهل الأخبار إلى هذين الصنفين، صنفا ثالثا قالوا له: "الطلس".
و قبائل الحلة من العرب: تميم بن مر كلها غير يربوع، ومازن، وضبة، وحميس، وظاعنة، والغوث بن مر،وقيس عيلان باسرها ما خلا ثقيفا وعدوان، وعامر بن صعصعة، وربيعة بن نزار كلها.وقضاعة كلها ما خلا علافا وجنابا. والأنصار وخثعم، ويجيلة، وبكر بن عبد مناة بن كنانة، وهذيل بن مدركة، وأسد وطيء، وبارق. وقد ذكر هذه الأسماء "محمد بن حبيب". وذكرها "اليعقوبي" على هذا النحو: تميم وضبة ومزينة والرباب وعكل وثور وقيس عيلان كلها ما خلا عدوان وثقيف وعامر بن صعصعة وربيعة بن نزار كلها، وقضاعة وحضرموت وعك وقبائل من الأزد.
وهم يذكرون ان "الحلة" هم ما عدا الحمس وانهم كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس،وكانوا يقصدون من طرحهم ثيابهم طرحهم ذنوبهم معها. ويذكرون انهم كانوا يقولون: "لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب "، "ولا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها"، "ولا نطوف في ثياب عصينا الله فها"، وذكر انهم "كانوا اذا طافوا خلعوا ثيابهم وقالوا لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فيلقونها عنهم، ويسمون ذلك الثوب اللقي ". وفي رواية ان من يطوف من "الحلة" بثيابه يضرب وتنتزع منه ثيابه. فجعلت هذه الرواية خلع الثياب واجب على الحلة محتم عليهم، لايجوز مخالفته، وإلا تعرض المخالف للعقاب.

(1/3515)


وتخضع النساء لهذه القاعدة أيضا اذا كن من الحلة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة. وقبل تضع احداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها ثم تطوف فيه. وقبل كانت تقف على باب المسجد، فتقول: من يعير مصونا? من يعير ثوبا ? من يعيرني تطوافا ? فإن أعارها أحد ثوبا أو كراه لها طافت به، وإلا طافت عريانة كما يطوف الرجال على حد زعم الروايات. لا يستر عورتها لباس أو قماش، بل كانت تضع احدى يديها على قبلها واليد الأخرى على دبرها وتطوف حول البيت على هذا النحو. وهم يروون في ذلك بيتا ينسبونه لامرأة جميلة، قيل هي: ضباعة بنت عامر بن صعصعة، طافت بالبيت عريانة وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
وشاءت بعض الروايات أن تخفف من وقع طواف النساء على هذه الصورة في النفوس، فذكرت ان بعض النساء كانت تتخذ سيورا فتعلقها في حقوتها تستتر بها، وذكرت روايات أخرى انهن كن يطفن ليلا، وبذلك يتخلصن من وقوع سترهن في أعين الرجال، لأن طواف الرجال في النهار.
وقد وصفت بعض الروايات طواف العريان فقالت: "يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا ختم طوافه سبعا، استلم الركن ثم استلم نائلة فيختم بها طوافه، ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس، فيأخذها فيلبسها ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا". هذا هو طواف أهل الجاهلية قبل الإسلام على رواية اهل الأخبار.

(1/3516)


وجاء في بعض الروايات: " كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة،إلا ان تعطيهم الحمس ثيابا، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء"، "فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجر به، كان بين أحد أمرين: إما ان يطوف بالبيت عريانا، وإما ان يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم بمسه احد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى ". وجاء أيضا ان "الحمس" كانوا "يقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب ان يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل اذا دخل أرضنا إلا من طعامنا".
وورد انهم " كانوا يطوفون بالبيت عراة،وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون ".
ويذكر بعض أهل الأخبار ان طواف الطائف عريانا إنما يكون للمرة الأولى، فإذا عاد فطاف بعد ذلك: لبس ملابسه، وطاف بملابسه كالحمس لا يلقيها خارج حدود الحرم.
والتفسير الذي ذكره الأخباريون لطواف العري، هو رغبة الطاثف حول البيت ان يكون نقيا متحررا عن ذنوبه وآثامه بعيدا عن الأدران. واعتقاده ان طوافه بملابسه طواف غير صحيح، لأن ملابسه شاركته في آثامه، فهي ملوثة نجسة، ولذلك هاب من لبسها، فإذا أتم طوافه تركها في موضعها،ولبس ملابس أخرى جديدة.
ويذكر الأخباريون ان تلك الملابس التي يلقيها المحرم تبقى في مكانها،لا يمسها أحد، ولا يحركها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرياح. ويقال لهذه الثياب التي تطرح بعد الطواف "اللقي". وقد أشير اليها في شعرل "ورقة بن نوفل". ولعل اعتقاد القوم بان تلك الملابس ملوثة بالأدران، هو الذي منع الناس الآخرين من لمس تلك الملابس والاستفادة منها،فتركوها لذلك للأرض وللشمس والرياح تعبث بها إلى ان تتمزق وتهرى.
ولكننا نجد الأخباريين يعودون فيروون روايات تناقض ما ذكروه من "اللقي".

(1/3517)


إذ يقولون: كان الحلة اذا ختموا طوافهم وأتموه بنائلة، خرجوا إلى ثيابهم التي ألقوها خارج باب المسجد، فلبسوها، فإذا أرادوا الطواف مرة أخرى طافوا بملابسهم. فهم يقرون في هذه الرواية طواف العرى، ولكنهم ينكرون ترك "اللقى" على الأرض لتدوس عليها الأقدام ولتلعب بها الرياح وتعبث بها الأهوية والأتربة، ويجعلون أصحابها يعودون اليها فيلبسونها تارة أخرى.
ونقرأ في كتبهم رواية أخرى تذكر ان أحدا من الحلة اذا لم يجد ثياب أحمسي يطوف فيها ومعه فضل ثياب يلبسها، غير ثيابه التي عليه فطاف في ثيابه ثم جعلها لقى يطرحها بين أساف ونائلة فلا يمسها أحد ولا ينتفع بها منتفع حتى تبلى من وطء الأقدام والشمس والرياح والأمطار.
وقد ذكر "محمد بن حبيب" ان "الحلة" كانوا اذا دخلوا مكة "تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم ثم استكروا لهم من ثياب الحمس تنزيها للكعبة ان يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها باقدامهم. فإن لم يجدوا ثيابا طافوا عراة. وكان لكل رجل من الحلة حرمي من الحمس يأخذ ثيابه. فمن لم يجد ثوبا طاف عريانا. وانما كانت الحلة تستكري الثياب للطواف في رجوعهم إلى البيت لأنهم كانوا اذا خرجوا حجاجا لم يستحلوا أن يشتروا شيئا ولا يبيعوه حتى يأتوا منازلهم إلا اللحم. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حرمى عياض بن حمار المجاشعي: كان اذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله".
فالذي يطوف بالبيت عريانا، هو ضعيف "الحلة"، ممن لا قبل له على استكراء ثياب له من أحمسي، وممن لا صاحب له من الخمس، يعطيه ثيابا ليلبسها. أما المتمكن من "الحلة"، ومن له صديق من الحمس، فلا يطوف عريانا وانما يطوف بثياب أحمسي.

(1/3518)


ويرى "روبرتسن سمث" ان الذي أوحى إلى الجاهليين وجوب طرح ملابس الحلة اذا أحرم فيها،اعتقادهم بتقدس تلك الملابس في أثناء الإحرام مما يجعلها في حكم ال "تابو" Tabu عند الاقوام البدائية، ولذلك لا يجوز استعمالها مرة أخرى، وهم أنفسهم قوم غير مقدسين.
وقد منع الإسلام طواف "العري" في أي وقت كان، وحتم على الجميع قريش وغيرهم لبس "الإحرام". وقد ذكر علماء التفسير في تفسير قوله تعالى: )واذا فعلوا فاحشة، قالوا وجدنا عليها اباءنا، والله أمرنا بها. قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله ما لا تعلمون( ان هذه الاية نزلت في حق المتعرين الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، "فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك قالوا وجدنا عليها اباءنا والله أمرنا بها"، "فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم ونستن بسنتهم. والله امرنا به فنحن نتبع أمره فيه". فنحن اذن أمام سنة جاهلية قديمة، ترجع طواف العري إلى أمر سابق وشريعة سابقة.
وأما "الحمس"، فهم الذين كانوا يطوفون بثيابهم، ثم يحتفظون بها فلا يلقونها، فلهم من هذه الناحية ميزة امتازوا بها على الحلة. ولهم على الحلة ميزة أخرى، هي انهم كانوا يقفون الموقف في طرف الحرم من "غرة": يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة ولا يقفون موقف غيرهم بعرفة، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل. وحجتهم انهم أهل الحرم فلا يخرجون منه مثل ساثر الناس. ويقولون: "نحن أهل الحرمة وولاة البيت.وقطان مكة وساكنها،فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولاتعرف له العرب مثل مانعرف".

(1/3519)


وتفسير كلمة "الحمس" في رأي علماء اللغة التشدد في الدين، سموا حمسا،لأنهم كانوا يتشددون في دينهم، فكانوا اذا زوجوا امرأة منهم لغريب عنهم، أي لمن كان من الحلة اشترطوا عليه ان كل من ولدت له، فهو أحمسي على دينهم. وكانوا اذا أحرموا لا ياتقطون الاقط، ولا يأكلون السمن ولا يسلؤونه ولا يمخضون اللبن، ولا يأكلون الزبد،ولا يلبسون الوبر ولا الشعر ولا يستظلون به ما داموا حرما، ولا يغزلون الوبر ولا الشعر ولا ينسجونه، وانما يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئا من نبات الحرم. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون فيها، ويطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم. وكانوا اذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ولا يدخل من بابه. وكانوا يقولون: لا تعظموا شيئا من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج فلا يهاب الناس حرمكم، ويرون ما تعظمون من الحل كالحرم، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل، فلم يكونوا يقفون به ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة: يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة. فإذا عممت الشمس رؤوس الجبال دفعوا. وكانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا نخرج من الحرم،ونحن الحمس.
وكانوا اذا أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم، تسوروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون في حجرتهم، ويحرمون ان يمروا تحت عتبة الباب. فهم يحرمون اذن اشياء لم تكن العرب تحرمها.

(1/3520)


والحارث بن عبد مناة بن كنانة. ومدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، بنزولهم حول مكة. وعامر بن عبد مناة بن كنانة. ومالك، وملكان، ابنا كنانة، وثقيف، وعدوان، ويربوع بن حنظلة. ومازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وأمهما جندلة بنت فهر بن مالك بن النضر. ويقال: ان بني عامر كلهم حمس لتحمس اخوتهم من بني ربيعة بن عامر. وعلاف، وهو ربان بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة. وجناب بن هبل بن عبد الله من كلب. وأمه آمنة بنت ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمها مجد بنت تيم الأدرم ين غالب ابن فهر".
ويتبين مما تقدم ان "الحمس"، لم يكونوا قريشا وحدهم وسكان الحرم، وانهم لم يكونوا جماعة قامت وظهرت على رابطة الدم والنسب، كما هو الحال بالنسبة إلى القبيلة. بل هم قريش وكل من نزل الحرم وسكن مكة، وطواثف من العرب شاركت قريشا في مناسك حجها، وسارت على نهجها في الحج، وشاطرتها الرأي في دينها. وقد ذكر " الجاحظ" ان "عامر بن صعصعة"، و "خزاعة" و "ثقيفا"، والحارث بن كعب، كانوا ديانين، أي على رأي ودين. وكانوا على دين قريش. وقال غيره: "وصارت بنو عامر من الحمس وليسوا من ساكني الحرم لأن امهم قرشية. وهي مجد بنت تيم بن مرة. وخزاعة إنما سميت خزاعة، لأنهم كانوا من سكان الحرم فخزعوا عنه، أي خرجوا. ويقال انهم من قريش انتقلوا ببنيهم إلى اليمن. وهم من الحمس ".
وقد ميز بعض العلماء بين "الحمس" وهم نزلاء الحرم، وبين المتحمسين الذين دخلوا في الحمس، لأن أمهاتهم من قريش، بأن أطلقوا عليهم لفظة "الأحامس". فقالوا: "والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش "،. وجاء. في بعض الأخبار ان "غطفان."، لما اتخذت لها بيتا أرادت به مضاهاة الكعبة، وجعلت له حرما كحرم مكة. أغار "زهير بن جناب الكلبي" عليه.

(1/3521)


وقد وصف "ابن معد" "التحمس" بقوله: "والتحمس أشياء أحدثوها في دينهم تحمسوا فيها، أي شددوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم اذا حبوا، فقصروا عن بلوغ الحق، والذي شرع الله، تبارك وتعالى، لابراهيم وهو موقف عرفة، وهو من الحل، وكانوا لا يسلؤون السمن ولا ينسجون مطال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاج ان يطوف لم بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عرفة، فإذا رجعوا من عرفة لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إلا عراة أو في ثوب أحمسي وان طاف في ثوبه لم يحل له ان يلبسهما ".
وللجاحظ ملاحظات قيمةعن قريش لها صلة بالتحمس، وقد تفسر لنا معنى التحميس بسبب شموله أناسا هم من غير قريش.
ذكر ان الإسلام لما ظهر، لم تكن هنالك أية امرأة قرشية، كانت مسبية عند غير قريش. ولم تكن هنالك أية امرأة مسبيه فى أي سبي القبائل وأمها من قريش. ويذكر أيضا ان قريشا لم تكن تزوج بناتها من أبناء أشراف القبائل حتى تشترط عليهم ان من تلد منهن، فيكون من يكون من الحمس. أما هم، فكانوا اذا تزوجوا من بنات قبائل أخرى، فإنهم لم يشرطوا على أنفسهم أي شرط، وكان من هذه القبائل عامر بن صعصة وثقيف وخزاعة والحارث بن كعب، "وكانوا ديانين". و كانوا على دين قريش في امورها. وكانت قريش كريمة، ولم ترض بالغارات والغزو ولا بالظلم ولم تقبل بالوأد ولا بالدخول.ممن يقع في أيديهم أسرى من النساء. وكان من فضائلهم ان من الله عليهم بالإيلاف. فأغناهم وجعلهم "لقاحأ".. فلم يخضعوا لمالك ولم يستعبدهم سلطان أجنبي. ولم يدفعوا أي سة يء عنهم لملك من الملوك. بل كانت الملوك تأتي إلى مكة وتعظم البيت وتحترم سكانه. وهم قريش الحمس.

(1/3522)


ويظهر من ملاحظات الجاحظ المذكورة، ان من أهم مبادىء الحمس، نبذ الغارات، أي الغزو، حتى جعلته قريش ركنا من أركان دينها. كما تمسكت بركن آخر، هو عدم الدخول بمن يقع في أيديهم من النساء السبايا في حالة ما اذا أغارت قبيلة عليهم، واعتدت عليهم، فانتصرت قريش عليها، وأخذت منها سبايا. اما الحمس الآخرون، مثل عامر بن صعصعة وثقيف والحارث بن كعب، وأمثالهم ممن تحمسوا، فلم يتمسكوا بهذه الأصول. وذكر "ابن الفقيه" ان القبائل المذكورة لم تكن في الأصل حمسا على دين قريش، وانما تحمست وصارت من الحمس بتاثير قريش عليها. وقريش تمسكوا وحدهم بالحمس،"وصاروا بأجمعهم تجارا خلطاء". وقد عرفت مكة ب "دار الحمس"، كما جاء ذلك في شعر ينسب إلى "الكاهن اللهبي". وعرفت قريش ب "أهل الله".
ونجد بين "الحمس" والحرم صلة متيتة، تشير إلى الأصل الديني للحمس والى ارتباطهم بالكعبة. فذهب "الزمخشري" إلى ان "حمس" من "حرم" ومن دلائل هذه الصلة أيضا مما ورد في كتب أهل الأخبار من ان الكعبة كانت قد عرفت ب "الحمساء". سميت بذلك "لأن حجرها أبيض إلى السواد". ومن ان "الحمس" هم نزلاء الحرم. فبين الحمس والحرم، صلة متينة اذن. حتى قيل ان المنسوب الى الحرم من الناس "حرمي". و "ان عياض بن حمار المجاشعي، كان حرمي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان اذا حج طاف في ثيابه. وكان أشراف العرب الذين يتحمسون على دينهم، أي يتشددون اذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم: ولم يطف إلا في ثيابه.

(1/3523)


فكان لكل رجل من أشرافهم رجل من قريش. فيكون كل واحد منهما حرمي صاحبه". ويفسر لنا هذا المعنى أيضا قولهم: "رجل حرام: داخل في الحرم"،و" الحرم بالكسر الرجل المحرم. يقال: أنت حل وانت حرم". وقد أنجب الزواج المشروط بين قريش وبين من يتزوج منها حمسا جددا، انتقل الحمس اليهم عن طريق "شرط عقد الزواج" من جهة الأمهات. أمها نسل هؤلاء الحمس الجدد، الذين هم في الواقع أنصاف أحماس، فقد صار حمسا مثل قريش، لأنهم ولدوا من والد حسب من الحمس ومن والدة أحمسية. وبذلك لم يعد الحمس أهل مكة وحدهم، بل شمل أهل مكة ومن تزوج مكيات فانجين ولدا، عدوا حمسا بشرط العقد.
وتذكر بعض الروايات ان عقيدة "الحمس" لم تكن قديمة، بل ظهرت قبيل الإسلام. " قال ابن اسحاق: كانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده، ابتدعت أمر الحمس رأيا. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها،وهم يعرفون ويقرون انها من المشاعر والحج، إلا انهم قالوا: نحن أهل الحرم، ونحن الحمس. والحمس أهل الحرم. قالوا: ولا ينبغي للحمس ان يتأقطوا الأقط ولا يسلؤوا السمن، وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل ان يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل الى الحرم اذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت اذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس". ولم تذكر هذه الرواية سبب ظهورها، ولا من أوجدها من رجال قريش.

(1/3524)


ويتبين من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن الحمس، ان الحمس هم أهل مكة الأحرار في الأصل، ثم من دان بدينهم. وجدوا أنفسهم في ضنك شديد، في واد غير ذي زرع، لا شيء عندهم غير "البيت"، فتحمسوا في دينهم وتشددوا وتعاونوا فيما بينهم على العمل معا، وعلى الدعوة إلى عبادة رب البيت واقراء الضيف والامتناع عن غزو غيرهم، وعن التحرش بأحد، إلا اذا تحرش بهم، وعلى إغاثة الملهوف ومساعدة من يأت البيت حاجا أو معتمرا أو قاصدا تجارة، وتقديم الرفادة له. ونصرة الغريب. وحافظوا على الحرمات: حرمة البيت وحرمة الحج وحرمة الأشهر الحرم، ووضعوا لأنفسهم قواعد صارمة في آداب السلوك في موسم الحج وفي غيره، تشعر انهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم كانهم "جنس"، فضله الله على بقية أجناس العرب، لهم مناسكهم، ولبقية العرب مناسكهم، ولهم قباب خاصة يضربونها لأنفهسهم في سوق عكاظ وفي المواضع الأخرى تميزهم عن سائر من يفد إلى هذه المواضع،وترفعوا عن مصاهرة سائر الناس إلا اذا وجدوا انهم أكفاء لهم، والكفاءة: القوة والمال. وأقاموا مجتمعهم الخاص هذا على قواعد دينية تعاونية. اقتصادية "صاروا بأجمعهم تجارا خلطاء". شعارهم انهم "أهل الله"، دينهم " التحمس والتشدد في الدين، فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال، فلما زهدوا في الغصوب لم يبق مكسبة سوى التجارة: فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، والنجاشي بالحبشة، والمقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجارا خلطاء ". وكان ان تفردوا بالإيلاف، وللايلاف ارتباط بالحمس، وتوجهوا إلى التجارة والاتجار، وجمعوا بين الدين والمال، وأفسحوا المجال لمن به نشاط وهمة ان يجمع مالا وأن يكون غنيا على ان يساهم بنصيبه في تحمل أعباء مجتمعهم، للدفاع عن "بيت الله" ولكسب المتحالفين معهم وتوزبع العدل فيما بينهم، توزيعا يخفف من حدة التفاوت فيما بين الغني والففير، حتى لا يقع اخلال في التوازن بين طبقات المجتمع، يحمل الفقراء

(1/3525)


على انتزاع المال من الأغنياء كرها وقسرا. وجعلوا ذلك واجبا من واجباتهم، فحثوا على رفع الظلم، واتخذوا السقاية والرفادة، وعقدوا "حلف الفضول" للدفاع عن المحتاج، وجعلوا "الإيلاف" الذي سأتكلم عنه في الجزء الخاص بالحياة الأقتصادية، سببا من أسباب اشاعة الرحمة ومساعدة الفقراء وتخفيف وطأة الفقر في هذه القرية: "أم القرى"، وفي ذلك يقول "مطرود بن كعب الخزاعي" في رثائه عبد المطلب: يا أيها الرجل المحول رحله ألا نزلت بآل عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت عليهم ضمنوك من جوع ومن إقراف
الاخذون العهد من آفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف
والمطعمون اذا الرياح تناوحت ورجال مكة مسنتون عجاف
والمفضلون اذا المحول ترادفت والقائلون هلم للأضياف
والخالطون غنيهم بفقبرهم حتى يكون فقيرهم كالكافي
كانت قريش بيضة فتفلقت فالمح خالصة لعبد مناف
قام رجال من رجال مكة بالانفاق على المحتاجين،فعدوا ذلك دينا ومروءة وشهامة. فكان "نعيم بن عبد الله" العدوي، ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم. وكان "حكيم بن حزام" ينفق من أرباحه على المحتاجن من آله وذويه. وكان صديق النبي قبل المبعث، وتذكر كتب السير والتراجم أسماء رجال آخرين عرفوا بتصدقهم على الفقراء والمحتاجن، اعتبروها منقبة وقربة لهم في الجاهلية، وقد أقرهم الرسول عليها.
فالحمس "أهل الله"، وأمته، تجمعهم عبادة الله والأصنام، والمناسك والشعائر التي وضعوها لهم، والتجارة التي جلوها مثل شعائر دينهم، ينفقون من أرباحهم منها في سبيل "الله". أي بيت الله وأهله المستضعفون، حتى جعلوا الصدقة وإطعام المحتاج من أمور الدين. فمجتمعهم مجتمع جمع بين الدين والتجارة، وبين الديات والمال. حثهم على التعاون بخلط رؤوس أموالهم و الاتجار معا يقوافل، وفيه ربح كبير مضمون، وحثهم على إنصاف من ليس له شيء حتى يصير

(1/3526)


مكتفيا غير محتاج، لا يوجه عينه نحو غيره حسدا وحقدا. شعار هذا المجتمع الله والأصنام والحج والتجارة، مجتمع لم يكن يخلو بالطبع من أحامس بخلاء، شذوا عن الطريق، واغتصبوا أموال الفقراء، كما هو الحال في كل مجتمع بشري.
وقد اقتصرت "قريش"، وهم من الحمس، على استعمال القباب المصنوعة من الأدم لا يضربها غيرها ب "منى". لأنهم " كانوا لا ينسجون مظال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم". وقد استعمل الرسول في حجه هذا النوع من القباب. ولا بد أن يكون لاقتصار قريش على استعمال هذا النوع من القباب دون غيرها في هذا الموضع،سبب ما، الأرجح انه عامل ديني واجتماعي. ويلاحظ انه كان للقباب الحمر ذكر خطير، وجاه عظيم في نظر الجاهليين.،فكان أصحابها يفتخرون على غيرهم بأنهم "أهل القباب الحمر"، وقد كان الملوك والسادة يضربون لأنفسهم القباب الحمر. فهي من امارات الجاه والمكانة والنفوذ.
ويظهر من بعض الأسماء أو الجمل التي وردت فيها كلمة "حمس" و "حمس" ان هذه الكلمة هي نعت أو اسم من أسماء الآلهة عند الجاهليين في الأصل، ثم تغير معناها بعد ذلك فصارت على النحو الذي ذكره علماء اللغة نقلا عن الروايات التي ترجع ذلك المعنى الى الجاهلية المتصلة بالإسلام. ففي الأسماء الواردة إلينا: "أحمس الله"، و "بنو أحمس"، و "أبو أحمس"، و "الأحامس" ؛ ما يفيد ان الأصل بعيد جدا عن المعنى الذي فهمه وذهب اليه أهل الأخبار، وان للكلمة معنى دينيا خاصا قديما، هو التشدد في الدين والتمسك به، وبعبادة الصنم، والمحافظة على سنة الإباء والأجداد مع تصلب وتقشف.
والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش، صاروا من الحمس بسبب أمهاتهم.

(1/3527)


هذا وقد نزل الوحي بتنظيم الحج وفق مبادىء الإسلام، فاباح للحجاج ما كانت الحمس حرمته على نفسها من طعام الحج إلا طعام أحمسى، على نحو ما ذكرت قبل قليل. وما ذكر من ان قوما كانوا. قد حرموا على أنفسهم ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها، اذا حجوا أو اعتمروا. كما نزل بوجوب ستر العورة ولبس الإحرام في الحج، وذلك بالنسبة إلى المحلين، وأغلبهم من الأعراب ومن الفقراء، حيث كانوا يطوفون عراة، وفي ضمنهم النساء. فنزل الوحي به: ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، انه لا يحب المسرفين(. ونهوا عن ذلك. وذكر عن أبي هريرة انه قال: " بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ".
كما نزل الوحي بجواز دخول الحجاج بيوتهم وخيامهم وما يأوون اليه من بيوتها، من أبوابها، لا كما كان يفعل بعضهم في الجاهلية وفي أول الإسلام، من انه اذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلما فيصعد فيه،وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من احرامه ويرون ذلك ذما، إلا ان يكون من الحمس. وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية. نزل الوحي بذلك في الاية: )وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، و لكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها، و اتقوا الله لعلكم تفلحون(.

(1/3528)


وقد ذهب بعض أهل الأخبار والسير إلى ان الآية المذكورة، نزلت في أمر الحمس،" لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فان احتاج أحدهم الى حاجة في داره تسنم البيت من ظهره، ولم يدخل من الباب". وذهب المفسرون إلى انها نزلت في الأنصار، فقد كانوا اذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية. وورد: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الاحرام،وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الاحرام، فبينما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وانه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت ? قال: فإن ديني دينك ! فأنزل الله: )وليس البر بأن تاتوا البيوت من ظهورها (. وقد أغفلت بعض الروايات اسم من كان لا يدخل البيوت من أبوابها، بأن قالت: " كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرونه برا "، أو "، كانوا في الجاهلية اذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها"، أو " إن ناسا كانوا اذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه ولا دارا من بابها أو بيتا"، أو " كان ناس من أهل الحجاز، اذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوها من ظهورها "، وذكر ان من كان يفعل ذلك، فانما يفعله،لأنهم كانوا يتحرجون من ان يكون بينهم وبين السماء حائل.

(1/3529)


وقد جعل "اليعقوبي" العرب في الجاهلية على دينين: دين الحمس ودين الحلة. وذلك بالنسبة للمشركين. وذكر ان منهم من دخل في دين اليهودية وفي النصرانية، ومنهم من تزندق وقال بالثنوية، وبهذه الفرق حصر "اليعقوبي" أديان أهل الجاهلية. إذ قال: " فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما. ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود، وفارقوا هذا الدين. ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم، فقالوا بالثنوية".
والتعميم الذي يطلقه "اليعقوبي" وبقية المؤرخين والأخباريين في قولهم "وكانت العرب في أديانهم"، لا يمكن التسليم به، إلا بالنسبة لأهل مكة ولمن كان يقصدهم من العرب. أما بالنسبة لجميع العرب، فهذا ما لا يمكن التسليم به.
وأما "الطلس"، فقد وصفهم "محمد بن حبيب" بقوله إنهم: "بين الحلة والحمس: يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس. وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثيايا، وبدخلون البيت من أبوابها، وكانوا. لا يثدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة ويصنعون ما يصنعون". وهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعك وعجيب، وإياد بن نزار.
وذكر ان من الحجاج من كان يحج بغير زاد، وان منهم من كان اذا أحرم رمى بما معه من الزاد، واستأنف غيره من الأزودة، وان "قبائل من العرب يرمون الزاد اذا خرجوا حجاجا وعمارا، فنزل الوحي: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"، فأمر من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد ان يتحفظ بزاده فلا يرمي به. وقد عرف هؤلاء ب "المتوكلة"، لتوكلهم على "رب البيت" في اطعام أنفسهم، واعتمادهم في ذلك على السؤال.

(1/3530)


وقد ذكر علماء التفسير ان الآية: )وتزودوا فإن خير الزاد التقوى( نزلت "في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مزينة، فلما أرادوا ان ينصرفوا قال: يا عمر زود القوم..... كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس".
ويظهر مما تقدم ان "المتوكلة" لم يكونوا جميعا من الفقراء المحتاجين، بل كان منهم قوم أغنياء فضل الله عليهم، بدليل انهم كانوا اذا حجوا رموا زادهم، أو أعطوه للمحتاج اليه، يفعلون ذلك ديانة وتقربا الى الله، كما فعل "المتوكلة" من بعدهم في الإسلام. فهم اذن طائفة من الطوائف الجاهلية المتدينة، ترى ان التقشف في الحج، يزيد في ثوابه، ويقرب أصحابه الى رب البيت.
ويريد أهل الأخبار بالثياب "الإحرام" على ما يظهر. وهو قديم وقد عرف عند غير العرب أيضا. وهو محاكاة لملابس رجال الدين الذين يخدمون المعابد، ويتقربون إلى الآلهة. وهو يتكون من قطعتين من: إزار ومن وشاح. ويكون أبيض اللون. واللون الأبيض من الألوان التي تعبر عن معان دينية. فقد كان رجال الدين والكهنة يلبسون الثياب البيض. كما انه شعار الحزن عند بعض الشعوب، وفي جملتهم عرب الحجاز. ويظهر ان أهل مكة وهم قريش، كانوا يلبسون الإحرام، أو يكرهونه لغيرهم من العرب أو يعيرونه لهم إن كانوا من حلفائهم، فيحرمون كإحرام قريش. أما من لم يتمكن من الحصول على الإحرام، فقد كان يضطر بحكم الضرورة إلى الطواف عريانا على نحو ما يقصه علينا أهل الأخبار.

(1/3531)


أما بالنسبة إلى أهل العربية الجنوبية من معينيين وسبئيين وقتبانيين وحضرميين، فإننا لا نستطيع ان نتحدث عن سنة الطواف حول المعابد عندهم، لعدم ورود شيء عن ذلك في النصوص الواصلة إلينا. ولكني لا أستبعد احتمال طوافهم حول بيوت أصنامهم على نحو ما كان يفعله أهل الحجاز، لأن الطواف حول بيوت الأصنام أو حول الصنم من السنن الشائعة بين العرب وعند جماعات من بني إرم والنبط.
التلبية
وذكر "محمد بن حبيب" ان طواف أهل الجاهلية بالبيت اسبوعا، وذكر انهم كانوا يمسحون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة. وكانوا يلبون. وذكر ان نسك قريش كان لإساف.، وان تلبيتهم: " لبيك اللهم لبيك،لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك ". وان تلبية من نسك للعزى: " لبيك اللهم لبيك، لبيلك وسعديك، ما أحبنا اليك ". وان تلبية من نسك للات: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، كفى ببيتنا بنية،ليس بمهجور ولا بلية، لكنه من تربة زكية أربابه من صالحي إلبرية ". وكانت تلبية من نسك لجهار: " لبيك، اللهم لبيك. لبيك، اجعل ذنوبنا جبار،واهدنا لأوضح المنار، ومتعنا وملنا بجهار". وكانت تلبية من نسك لشمس: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، ما نهارنا نجره، ادلاجه وحره و قره، لا نتقي شيئا ولا نضره، حجا لرب مستقيم بره "، وكانت تلبية من نسك لمحرق: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك حجا حقا، تعبدا ورقا "، وكانت تلبية من نسك لود":"لبيك اللهم لبيك، لبيك، معذرة اليك ". وكانت تلبية من نسك ذا الخلصة: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، بما هو أحب اليك ". وكانت تلبية من نسك لمنطبق: " لبيك، اللهم لبيك، لبيك ". وتلبيةعك، أنهم كانوا اذا بلغوا مكة، يبعثون غلامين أسودين أمامهم، يسيران على جمل " مملوكين،قد جردا، فهما عريانان، فلا يزيدان على ان يقولا: " نحن غرابا عك ". واذا نادى الغلامان بذلك صاح من خلفهما من عك: "عك اليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، على الشداد الناجية ".

(1/3532)


وكانت تلبية من نسك مناة: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، لولا ان بكرا دونك يبرك الناس ويهجرونك، ما زال حج عثج يأتونك، إنا على عدوائهم من دونك"، وتلبية من نسك لسعيدة: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لبيك، لم ناتك للمياحة، و.لا طلبا للرقاحة، ولكن جئناك، للنصاحة ".. وكانت تلبية من نسك ليعوق: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، بغض إلينا الشر،وحبب إلينا الخير، ولا تبطرنا فنأشر، ولا تفدحنا بعثار ". وكانت تلبية من نسك ليغوث:" لبيك، اللهم لبيك، لبيك، أحبنا بما لديك، فنحن عبادك، قد صرنا اليك ". وكانت تلبية من نسك لنسر: "اللهم لبيك، اللهم لبيك، لبيك، اننا عبيد، وكلنا ميسرة عتيد، وأنت ربنا الحميد، اردد إلينا ملكنا والصيد". وكانت تلبية من نسك ذا اللبا: " لبيك اللهم، لبيك، لبيك، رب فاصرفن عنا مضر، وسلمن لنا هذا السفر، إن عما فيهم لمزدجر، واكفنا اللهم أرباب هجر ". وكانت تلبية من نسك لمرحب: " لبيك اللهم لبيك، لبيك، اننا لديك. لبيك، حببنا اليك". وكانت تلبية من نسك لذريح: " لبيك، اللهم لبيك، لبيك، كلنا كنود، وكلنا لنعمة جحود، فاكفنا كل حية رصود ". وكانت تلبية من نسك ذا الكفين: " لبيك، اللهم لبيك، لبيك، إن جرهما عبادك، الناس طرف وهم تلادك، ونحن أولى منهم بولائك ". وتلبية من نسك هبل: " لبيك اللهم لبيك، اننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح".

(1/3533)


وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع التلبية، فقال: " فكانت العرب، اذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده، ثم تلبوا حتى يقدموا مكة، فكانت تلبياتهم مختلفة. وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، تملكه وما ملك. وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف. وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل التواني والوفاء والجلد اليك. وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها. وكانت تليية قيس عيلان: لبيك اللهم لبيك، لبيك أنت الرحمان، أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان. وكانت تلبية ثقيف: لبيك اللهم إن ثقيفا قد أتوك، وأخلفوا المال وقد رجوك. وكانت تلبية هذيل: لبيك عن هذيل قد أدلجوا بليل، في إبل وخيل. وكانت تلبية ربيعة: لبيك ربنا لبيك، لبيك إن قصدنا اليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة. وكانت حمير وهمدان يقولون: لبيك عن حمير وهمدان والحليفين من حاشد والهان. وكانت تلبية الأزد: لبيك رب الأرباب، تعلم فصل الخطاب، لملك كل مثاب. وكانت تلبية مذحج: لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى. وكانت تلبية كندة وحضرموت: لبيك لا شريك لك، تملكه، أو تهلكه،أنت حكيم فاتركه. وكانت تلبية غسان: لبيك رب غسان، راجلها والفرسان. وكانت تلبية بجيلة: لببك عن بجيلة في بارق ومخيلة، وكانت تلبية قضاعة: لبيك من قضاعة، لربها دفاعة، سمعا وطاعة. وكانت تلبية جذام: لبيك من جذام، ذوي النهي والأحلام، وكانت تلبية عك والأشعريبن: نحج للرحمان بيتا عجبا مستترا مضببا محجبا

(1/3534)


و "التلبية" اجابة المنادي، أي اجابة الملبي ربه. وقولهم: لبيك آللهم لبيك، معناه اجابتي لك يا رب، واخلاصي لك. وقد كان الجاهليون يلبون لأصنامهم تلبيات مختلفة. وقد ذكر "أبو العلاء المعري"، ان تلبيات العرب جاءت طما ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطور. فالمسجوع كقولهم: لبيك ربنا لبيك والخير كله بيديك
والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرجز، والآخر من المنسرح. فالذي من الرجز كقولهم: لبيك إن الحمد لك والملك لاشريك لك
إلا شريك هولك تملكه وما ملك
أبو بنات بفدك و كقو لهم: لبيك يامعطي الأمر لبيك عن بني النمر
جئناك في العام الزمر نأمل غيثا ينهمر
يطرق بالسيل الخمر والذي من المنسرح جنسان: أجدها في آخره ساكنان كقولهم: لبيك رب همدان من شاحط ومن دان
جئناك نبغي الإحسان بكل حرف مذعان
نطوي اليك الغيطان نامل فضل الغفران
والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم: لبيك عن بجيله الفخمة الرجيله
ونعمت القبيله جاءتك بالوسيله
تؤمل الفضيله وربما جاءوا على قواف مختلفه، من ذلك تليبة بكر بن وائل: لبيك حقا حقا تعبدا ورقا
جئناك للنصاحة لم نأت للرقاحه
وروي في تلبية "تميم" قولها: لبيك لولا أن بكرا دونكا يشكرك الناس ويكفرونكا
ما زال منا عثج يأتونكا ورووا أن من تلبيات همدان: لبيك مع كل قبيل لبيك همدان أبناء الملوك تدعوك
قد تركوا أصنامهم وانتابوك فاسمع دعاء في جميع الأملوك
ومن تلبياتهم قولهم: لبيك عن سعد وعن بنيها وعن نساء خلفها تعنيها
سارت إلى الرحمة تجتنيها وختم "أبو العلاء المعري" رأيه عن التلبية بقوله: "والموزون من التلبية، يجب أن يكون كله من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعلهم قد لبوا به ولم تنقله الرواة ".

(1/3535)


والتلبية هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام، غير أنه غير صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد. فصارت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك،، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك". كما جعلها جزا من حج مكة، بعد أن كانت تتم خارج مكة، إذ كانت كل قبيلة تقف عند صنمها، وتصلي عنده ثم تلبي، قبل أن تقدم مكة. وذلك بالنسبة لمن كان يحج مكة. فابطل ذلك الإسلام، وألغى ما كان من ذلك من حج أهل الجاهلية. وقد رأينا صيغ التلبيات، وكيف كانت تلبيات القبائل خاصة بها، تلبى كل قبيلة لصنمها، وتوجه نداءها اليه.
وتردد جمل التلبية بصوت مرتفع، ولعل ذلك لاعتقاد الجاهلين أن في رفع الصوت إفهاما للصنم الذي يطاف له بأن الطائف قد لبى داعيه، وأنه استجاب أمره وحرص على طاعته. وقد أشار بعض الكتاب "الكلاسيكيين" إلى الصخب والضجيج الذي كان يرتفع في مواضع الحج بسبب هذه التلبية.
وهناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت الحرام، كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة ومنى والمزدلفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم بها، ثم حرمها الإسلام، فنسيت وأهملت فذهبت معالمها مع ما ذهب من معالم الجاهليين.
وتقف الحمس في حجها على أنصاب الحرم من نمرة على نحو ما ذكرت أما الحلة والطلس، أي غير الحمس من بقية العرب فيقفون على الموقف من عرفة، عشية يوم "عرفة". فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم حتى يلتقوا بمزدلفة جميعا. وكانوا يدفعون من عرفة اذا طفلت الشمس للغروب وكانت على رؤؤس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم. فيبيتون بمزدلفة حتى اذا كانت في الغلس وقفت الحلة والحمس على "قزح"، فلا يزالون عليه حتى اذا طلعت الشمس وصارت على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير.

(1/3536)


ومن مناسك الحج الطواف بالصفا والمروة، وعليها صنمان: اساف ونائلة: وكان الجاهليون يمسحونهما. وكان طوافهم بهما قدر طوافهم بالبيت، اي سبعة أشواط. تقوم بذلك قريش، أما غيرهم فلا يطوفون بهما، وذلك على أغلب الروايات. ويظهر ان الصفا والمروة من المواضع التي كان لها أثر خطير في عبادة أهل مكة. ففي حج أهل مكة طوافان: طواف بالبيت، وطواف بالصفا والمرو ة.
بين الصفا والمروة يكون "السعي" في الإسلام، ولذلك يقال للمسافة بين المكانين "المسعى". وكان إساف بالصفا، وأما نائلة فكان بالمروة. ولا بد ان يكون لاقتران الاسمين دائما سبب، و "المسعى" هو الرابط المقدس بين هذين الموضعين المقدسين عند الجاهليين.
وكان أهل مكة يتبركون بلمس الحجر الأسود، ثم يسعون بين الصفا والمروة. ويطوفون بإساف أولا ويلمسونه، كل شوط من الطواف ثم ينتهون بنائلة. ويلبون لهما: وكانت تلبيتهم لهما: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه و ما ملك". وذكر أن "الأنصار"، لما قدموا مع النبي في الحج، كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، وأرادوا تركه في الإسلام. وذكر أن قوما من المسلمين قالوا: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوا الوثنيين، فلما جاء الإسلام وكسرت الاصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله: )إن الصفا والمروة من شعائر الله (. ويتبين من غربلة الأخبار أن الذين كانوا يطوفون بالصنمين المذكورين ويسعون بينهما. هم من عباد الصنمين وهم قريش خاصة، وليس كل من كان يحج إلى مكة من العرب، ولذلك كرهوا الطواف في الإسلام بالصفا والمروة. وقد استبدل الإسلام بالطواف السعي، لهدم الصنمين اللذين كان الناس يطوفون حولهما واكتفى بالسعي بين الموضعين.

(1/3537)


وذكر بعض العلماء أن العرب عامة كانوا لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: ) إن الصفا والمروة من شعائر الله(، أي لا تستحلون ترك ذلك. وذكر أن الأنصار كانوا يهلون لمناة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما، فأنزل الله الآية المذكورة. وكان أهل "تهامة" ممن لا يطوفون أيضا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ونزل الأمر بالطواف بالبيت، ولم ينزل بالطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي.: انا كنا نطوف في الجاهلبة بين الصفا والمروة وان الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من جناح أن لا نطوف بهما. فنزل الوحي: ) ان الصفا والمروة من شعائر الله (، فصار الطواف بين الصفا والمروة لجميع الحجاج، لا كما كان في عهد الجاهلية. من اقتصاره على قريش وبعض العرب المتأثرين بهم. فكانوا يطوفون بهما ويمسحون بالوثنين إساف ونائلة، فما جاء الإسلام تحرج يعض الناس وفيهم قوم من قريش من الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، فنزل الأمر به.
وذكر أهل الأخبار ان السعي ببن الصفا والمروة،شعار قديم من عهد هاجر أم اسماعيل. وأما رمل الطواف، فهو الذي أمر به النبي، أصحابه في عمرة القضاء ليري المشركين قوتهم، حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب.

(1/3538)


وورد في خبر عن "عائشة" انها قالت: " إن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، ثم يجيئون،فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام، كرهوا ان يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى آخرها. قالت: فطافوا ". وهو خبر يناقض أخبارا أخرى يتصل سندها ب "عانشة"، تجمع على انها قالت: إن الأنصار أو الأنصار وغسان كانوا قبل ان يسلموا يصلون لمناة، فلا يحل لهم ان يطوفوا بن الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، ولم أجد في خبر آخر شيئا يفيد أن إسافا ونائلة كانا على ساحل البحر.
و "السعي" في الإسلام سبعة أشواط، تبدأ بالصفا، وتختتم بالمروة. وعندما يصل الحاج حد "السعي" يسعى ويهرول، فإذا جاز الحد مشى. وكان الجاهليون يبدأون ب "الصفا" وينتهون ب "المروة." كذلك.
ومن مناسك حج أهل الجاهلية الوقوف ب "عرفة"، ويكون ذلك في التاسع من ذي الحجة ويسمى "يوم عرفة". ومن "عرفة" تكون "الإجازة" للافاضة إلى "المزدلفة". ومن "المزدلفة" إلى "منى". وقد كان الجاهليون من غير قريش يفيضون في عرفة عند غروب الشمس، وأما في المزدلفة فعند شروقها. وكان الذي يتولى الإجازة رجلا من تميم يقال له "صوفة "، ثم انتقلت إلى "صفوان" من تميم كذلك. ولم يكن "الحمس" يحضرون عرفة، وإنما يقفون بالمزدلفة، وكان سائر الناس يقف بعرفة. ولما رأى أحد الصحابة رسول الله واقفا بعرفة عجب من شأنه وأنكر منه ما رأى لأنه من الحمس، وما كان يظن أنه يخالف قومه في ذلك، فيساوي نفسه بسائر الناس. فأنزل الله: ) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (، فشمل ذلك الحمس وغيرهم. فاخذوا يقفون كلهم موقف عرفة، ووضع عن قريش ما فعلوه من تمييز أنفسهم عن الناس.

(1/3539)


وورد في روايات أخرى، أن قريشا وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، وورد أن قريشا وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه. يقولون: إنما نحن أهل حرم الله، فلا نخرج من حرمه، وأنهم -قالوا "نحن بنو ابراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنوا مكة وساكنوها، فليس، لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما نعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل، كما تعظمون الحرم. فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا. من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والافاضة منها ".
وذكر أن قريشا ومن دان بدينها تفيض من "جمع" من المشعر الحرام. و "جمع" المزدلفة.
و "عرفة" أو "عرفات" موضع على مسافة غير بعيدة عن مكة. لابد وان يكون من المواضع التي كان يقدسها أهل الجاهلية، وان يكون له ارتباط بصنم من الأصنام، وإلا لما صار جزءا من أجزاء مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. ويقف الحجاج موقف عرفة من الظهر إلى وقت الغروب. وقد يكون لموقف الجاهليين في عرفة وقت الغروب علاقة بعبادة الشمس. فإذا غربت الشمس اتجه الحجاج إلى "المزدلفة".
الإفاضة

(1/3540)


ومن "عرفة" تكون الإفاضة إلى "إلمزدلفة". و "المز دلفة"، موضع يكاد يكون على منتصف الطربق بين "عرفة" و "منى". وفيه يمضي الحجاج ليلتهم، ليلة العاشر من "ذي إلحجة". ومنه تكون الإفاضة عند الشروق إلى "منى". وقد نعت ب "المشعر الحرام" في القرآن الكريم. ويذكر أهل الأخبار ان "قصي بن كلاب"، كان قد أوقد نارا على "المزدلفة" حتى يراها من دفع من عرفة، وان العرب سارت على سنته هذه. وبقيت توقدها حتى في الإسلام. ولا بد وان يكون من المواضع الجاهلية المقدسة كذلك، التي كان لها صلة با الأصنام. وقد ذكر علماء اللغة اسم جبل بالمزدلفة دعوه "قزحا"، قالوا انه "هو القرن الذي يقف عنده الإمام"، وذكروا ان "قزح" اسم شيطان. ونحن نعرف اسم صنم يقال له "قزاح"، قد تكون له صلة بهذا الموضع.
ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من "المزدلفة" إلى "منى"، لرمي الجمرات ولنحر الأضحية. و"منى" موضع لا يبعد كثيرا عن مكة. ولعلماء اللغة آراء في سبب التسمية، من جملتها انها عرفت بذلك لما يمنى بها من الدماء.وذكر بعض أهل الأخبار ان "عمرو بن لحي" نصب بمنى سبعة أصنام، نصب على "القرين" القرن الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى صنما، ونصب على الجمرة الأولى صنما، وعلى الجمرة الوسطى صنمأ، وعلى شفير الوادي صنما. ولا بد أن يكون لهذا الموضوع صلة بالأصنام، نظرا لما له من علاقة متينة بمناسك الحج. وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام.
وقد ذكر العلماء "أن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس،ويقولون: أشرق ثبير"، وأن النبي خالفهم، فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشمس". وفي فعل المشركين ذلك، ووقوفهم انتظارا للافاضة عند طلوع الشمس، دلالة على عبادة الشمس عندهم، ولهذا غير الرسول هذا الوقت.

(1/3541)


و "رمي الجمرات" بمنى من مناسك الحج وشعائره. وهو من شعائر الحج كذلك المعروفة في المحجات الأخرى من جزيرة العرب. كما كان معروفا عند غير العرب أيضا. وقد أشر اليه في التوراة. وهو معروف عند "بني إرم". وكلمة "رجم" من الكلمات السامية القديمة. وقد وردت في حديث "عبد الله ابن "مغفل": لا ترجموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الرجم، وهي الحجارة، على طريقة أهل الجاهلية، ولا تجعلوه مسنما مرتفعا. وقد فعله أهل الجاهلية على سبيل، التقدير والتعظيم. فكان أحدهم إذا مر بقبر، وأراد تقدير صاحبه وتعظيمه وضع رجمة أو رجاما عليه.
" والجمرات"، أي مواضع "رمي الجمرات" عديدة عند الجاهليين، يطاف حولها " ويحج اليها منها مواضع أصنام، وأماكن مقدسة، ومنها قبور أجداد. وقد ورد قسم بها في بيت ينسب إلى شاعر جاهلي. وترمى الجمرات على مكان عرف ب "جمرة العقبة" وب "الجمار" وب "موضع الجمار" وهو ب" منى"، وتتجمع وتتكوم عنده الحصى. وهي جمرات ثلاث: الجمرة الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة.
ويرجع أهل الأخبار مبدأ رمي الجمرات إلى "عمرو بن لحي".يذكرون انه جاء بسبعة أصنام فنصبها ب "متى"، عند مواضع الحجرات، وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، احدى وعشرين حصاة، يرمي كل منها بثلاث جمرات، ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان الصنم الذي يرمى قبله.
وكانت إفاضة الجاهليين على هذا النحو: كان أمر الإفاضة بيد رجل من أسرة تناوبت هذا العمل أبا عن جد. وقد اشتهر منهم رجل عرف ب "عميلة ابن خالد العدواني"، واشتهر بين الناس ب "أبي سيارة". كان يجيز الناس من المزدلفة إلى منى أربعين سنة. يركب حمارا أسود، وينظر الى أعالي جبل "ثبير"، فإذا شاهد عليها أشعة الشمس الأولى نادى: أشرق ثبير،كيما نغير ! ثم يجيز لهم بالإفاضة وفيه يقول الشاعر: خلوا الطريق عن أبي سياره وعن مواليه بني فزاره

(1/3542)


حتى يجيز سالما حماره مستقبل القبلة يدعو جاره
فقد أجار الله من أجاره وضرب به المثل، فقيل: أصح من عير أبي سيارة.
وذكر "الجاحظ" أن اسم "أبي سيارة" "عميلة بن أعزل"، دفع بأهل الموسم أربعين عاما، ولم يكن عيرع عيرا وإنما كان أتانا، ولا يعرفون حمارا وحشيا عاش وعمر أطول من عير "أبي سيارة" وورد أن الذين كان لهم أمر الإجازة بالحجاج،وهي الإفاضة، هم "صوفة". وهم حي من مضر من نسل "الغوث بن مر بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر"، وقد سموا "صوفة" و "آ ل صوفة"، لأن "الغوث" أبوهم جعلت أمه في رأسه صوفة وجعلته ربيطا للكعبة يخدمها. وكانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج، أي يفيضون بهم، فيكونون أول من يدفع. وكان أحدهم يقوم فيقول: أجيزي صوفة، فإذا أجازت، قال: أجيزي خندف، فإذا أجازت أذن للناس كلهم في الإجازة. وكانت الاجازة بالحج اليهم في الجاهلية. وكانت العرب إذا حجت وحضرت عرفة لا تدفع منها حى تدفع بها صوفة، وكذلك لا ينفرون من "منى" حتى تنفر "صوفة"، فإذا أبطأت بهم، قالوا: أجيزي صوفة. وورد أن "صوفة" قوم من "بني سعد بن زيد مناة" من تميم.
ويفهم من رواية أن كلمة "صوفة" لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة أطلقت على من كان يتولى البيت أو قام بشي، من خدمته، أو بشئ من أمر المناسك. فهم من رجال الدين، تخصصوا بالإجازة بالناس في مواسم الحج. ولعلهم كانوا يضعون على رأسهم صوفة على هيأة عمامة أو عصابة، أو عطر، لتكون علامة على أنهم من أهل بيت دين وشرف. فعرفوا ب "صوفة" وب "آل صوفة" وب "صوفان". وفي ذلك قال "مرة بن خليف الفهمي"، وهو شاعر جاهلي قديم: إذا ما أجازت صوفة النقب من منى ولاح قتار فوقه سفع الدم

(1/3543)


و "يظهر" من الروايات الواردة عن "ثبير"، أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين،أو أن على قمته صنما أو ببتا كانوا يصعدون اليه لزيارته وللتبرك به. ومن الشعائر المتعلقة بمنى نحر الذبائح، وهي الأضحية في الإسلام و "العتائر"في الجاهلية. ولذلك عرف هذا العيد: عيد الحج ب "عيد الأضحى". وعرف اليوم الذي تضحى به الأضحية ب "يوم النحر" وب "الأضحى" وب "يوم الأضحى". وكانوا ينحرونها على الأنصاب وعلى مقربة من الأصنام، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للافراد. وقد تترك لكواسر الجو وضواري البر فلا "يصد عنها انسان ولا سبع". وتبلغ ذروة الحج عند تقديم العتائر، لأنها أسمى مظاهر العبادة في الأديان القديمة.
وكان إلجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين، يعلقان على رقبتي الهدي، اشعارا للناس بان الحيوان هو هدي، فلا يجوز الاعتداء عليه،كما كانوا يشعرونه. والإشعار الإعلام. وهو ان يشق جلد البدنة أو يطعن في اسنمها في أحد الجانبين بمبضع أو نحوه، وقيل في سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف انها هدي. والشعيرة البدنة المهداة.
وكان بعض أهل الجاهلية، يسلخون جلود الهدي، ليأخذوها معهم. ويتفق هذا مع لفظة "تشريق" التي تعني تقديد اللحم. ومنه سميت ايام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تشرر في الشمس. وقيل سمي التشريق تشريقا، لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. ويظهر ان الجاهليين كانوا ينحرون قبيل شروق الشمس وعند شروقها، بدليل ما ورد في الحديث من النهي عن ذلك. ومن حديث: من ذبح قبل التشريق فليعد. أي قبل أن يصلي صلاة العيد، وهو من شروق الشمس واشراقها، لأن ذلك من وقتها.

(1/3544)


ولا يحل للحجاج في الجاهلية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم، وإلا بطل حجتهم. ويلاحظ أن غير العرب من الساميين كانوا لا يسمحون بقص الشعر في مثل هذه المناسبات الدينية أيضا، لما للشعر من أهمية خاصة في الطقوس الدينية عندهم، ولا سيما اللحية لما لها من علاقة بالدين. ولهذا نجد رجال الدين والزهاد والأتقياء. الورعين يحافظون عليها ويعتيرونها مظهرا من مظاهر التدين.
وقد كانت القبائل لا تحلق شعورها في مواسم حجها إلا عند أصنامها، فكان الأوس إذا حجوا وقفوا مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوا صنمهم مناة فحلقوا رؤوسهم عنده، وأقاموا لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك. وكانت قضاعة ولخم وجذام تحج للاقيصر وتحلق عنده.
وكان من عادة بعض القبائل، مثل بعض قبائل اليمن، القاء قرة من دقيق مع الشعر. وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى وضع كل رجل على رأسه قبضة دقيق، فإذا حلقوا رؤوسهم سقط الشعر مع ذلك الدقيق،ويجعلون ذلك الدقيق صدقة، فكان ناس من أسد وقيس يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر وينتفعون بالدقيق. وفي ذلك يقول معاوبة بن أبي معاوية الجرمي: ألم تر جرما أنجدت وأبوكم مع الشعر في قص الملبد شارع
إذا قرة جاءت تقول أصب بها سوى القمل إني من هوازن ضارع
وكان من يقصد العزى يذبح عند شجرة هناك ثم يدعون، وكان من يقصد مناة يهدي لها كما كان غيرهم يهدي للكعبة ويطوفون بها ثم ينحرون عندها، وكان عبدة ذي الخلصة في أسفل مكة يذبحون عنده كذلك. وكذلك كانت بقية القبائل تطوف في أعيادها. حول أصنامها، وتهدى اليها، ثم تنحر عندها عند اكمالها هذه الشعائر دلالة على اكمالها شعائر الحج الى هذه المواضع وانتهائها منها على أحسن وجه.

(1/3545)


وتميز الحيوانات التي يهيئها أصحابها أو مشتروها للذبح في الحح بعلامات، بأن توضع عليها قلائد تجعلها معروفة، أو ان يحدث لها جرح يسيل منه الدم ليكون ذلك علامة انها هدي. ويقال لذلك إشعار، ومنه إشعار البدن، وهو ان يشق أحد نجبي سنام البدنة حتى يسيل منه الدم ليكون ذلك علامة الهدي. وقد كان من أهل مكة من يتخذ من لحاء شجر الحرم قلادة يضعها في عنق البدن، لتكون دلالة على إنها هدي، فلا يعترضها أحد.
ويجوز للحجاج مغادرة "منى" في اليوم العاشر من ذي الحجة، أي في اليوم الأول من العيد، ففي هذا اليوم يكمل الحجاج حجهم، ولكن منهم من يمكث في هذا الموضع حتى اليوم الثالث عشر، وذلك ابتهاجا بأيام العيد، ومشاركة لإخوانه فيه. ويقال لذلك "التشريق". وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
وكان أهل الجاهلية اذا قضوا مناسكهم وفرغوا من الحج، وذبحوا نسائهم، يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فيقول بعضهم لبعض: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف، ويقول بعضهم: كان أبي جز نواصي بني فلان. يقولون ذلك عند "الجمرة"، أو عند البيت، فيخطب خطيبهم ويحدث محدثهم. أو انهم كانوا اذا قضوا مناسكهم وأقاموا بمنى قعدوا حلفا، فذكروا صنيع آبائهم في الجاهلية وفعالهم به، يقوم الرجل، فيقول: اللهم ان أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال، وما شاكل ذلك، فنزل الوحي: "فإذا قضيتم مناسككم، فإذ ذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا".

(1/3546)


وكانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء السمر، دلالة على ذهابهم إلى الحج، في أمن حتى يأتي أهله. وذكر انه كان يقلد نفسه وناقته، فإذا أراد العودة عادوا مقلدين بلحاء السمر. وروي أنهم إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة يتقلدون من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها، تقلدوا قلادة شعر فلا يعرض لهم أحد بسوء. بقي ذلك شأنهم حتى نزل الأمر بمنع دخول المشركين مكة وبوجوب قتلهم حيث وجدوا.
التجارة في الحج
قال علماء التفسير: كان متجر الناس في الجاهلية: عكاظ وذو المجاز، فكانوا إذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم. ويقولون أيام الحح أيام ذكر. وقالوا: "كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا ضالة ليلة النفر. وكانوا يسمونها ليلة الصدر، ولا يطلبون فيها تجارة ولا بيعا ". وقالوا: "كان بعض الحاج يسمون الداج. فكانوا ينزلون في الشق الأيسر من منى. وكان الحاج ينزلون عند مسجد منى، فكانوا لا يتجرون حتى نزلت ليس عليكم جناح أن تبغوا فضلا من ربكم. هي التجارة. قال.: اتجروا في الموسم". والصدر الإفاضة. ومنه طواف الصدر. وهو طواف الإفاضة.
والداج: الأجراء والمكارون وألأعوان ونحوهم الذين مع الحاج. وذكر ان قوما جاءوا إلى "عبد الله بن عمر"، فقالوا: " انا قوم نكرى، فيزعمون انه ليس لنا حج. قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون ? " قالوا بلى. قال فأنتم حاج، ومن "يكرى لخدمة الحاج، فهو من الداج.
العمرة

(1/3547)


و "العمرة" هي بمثابة "الحج الأصغر" في الإسلام، وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر "رجب". وللعمرة في الإسلام شعائر ومناسك، وتكون بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة. ولا بد أن يكون لها عند الجاهليين شعائر ومناسك. وهي في الإسلام فردية اختيارية، وهي تختلف بذلك عن الحج الذي هو فرض عين على كل مسلم مستطيع، وجماعي، أي ان المشتركين فيه يؤدونه جماعة. أما بالنسبة إلى الجاهليين، فيظهر من ذكر العمرة في القرآن الكريم انهم كانوا يؤدونها كما كانوا يؤدون الحج، ولوقوعها في شهر رجب، وهو شهر كان الجاهليون يذبحون العتائر فيه، لعلنا لا نخطىء اذا قلنا إنهم كانوا يذبحون ذبائحهم في العمرة، حينما يأتون أصنامهم فيطوفون حولها، أما في الإسلام، فالعمرة دون الحج. وإذ كانت في شهر رجب في الجاهلية، كانت حجا خاصا مستقلا عن الحح الاخر الذي يقع في شهر ذي الحجة. حرص الجاهليون على ألا يوافق موعدها موعد مواسم الحج " لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم قد تزبد على الطواف المألوف في شهر الحج.
وورد ان أهل الجاهلية كانوا يرون ان العمرة من أشهر الحج: شوال وذي القعدة وتسع من الحجة وليله ألنحر، أو عشر أو ذي الحجة من الفجور في الأرض، أي من الذنوب، ولكن بعضا آخر كان يعتمر في كل شهر، ولا سيما في رجب، حيث كانوا يحلقون رؤوسهم ويجيئون إلى محجاتهم للعمرة.
وورد ان أهل الجاهلية "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر. ويقولون: اذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر ".

(1/3548)


وذكر ان الأشهر الحرم ثلاثة سردا وواحدا فردا، وهو رجب. أما الثلاثة، فليأمن من الحجاج واردين إلى مكة وصادرين عنها، شهرا قبل شهر الحج، وشهرا بعده، قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب، ثم يرجع. وأما رجب،فللعمار يأمنون فيه مقبلين وراجعين نصف الشهر للاقبال ونصفه للاياب، إذ لا تكون العمرة من أقاصي بلاد العرب كما يكون الحج. وأقصى منازل المعتمرين بين مسيرة خمسة عشر يوما.
ويلبس المعتمر "الاحرام " أيضا. وقد كان الجاهليون يكتفون في عمرتهم بالطواف بالبيت، أما "السعي" بين الصفا والمروة.، فأغلب الظن ان العرب لم يكونوا يقومون به. بدليل ما ورد في القران الكريم من قوله: ) إن الصفا والمروة من شعائر الله،فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما. ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم (. ففي هذا النص دلالة على ان الجاهليين من غير قريش لم يكونوا يدخلون السعي بينهما في شعائر الحج أو العمرة، وان الله امر بادخاله فيهما. أما موقف الجاهليين بالنسبة لطواف العمرة،فهو نفس موقفهم بالنسبة للطواف بالبيت في أثناء الحج، والفرق بين الحج والعمرة، ان الحج هو الاحرام ثم الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروه وقضاء مناسك عرفة والمزدلفة والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها، بينما العمرة الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فلا يكون موقف عرفة من العمرة. وكان الجاهليون يحلقون رؤوسهم للعمرة، ويكون حلق الرأس علامة لها. فاذا وجدوا رجلا وقد حلق رأسه علموا انه من "العمار"، فلا يمسونه بسوء، إلا اذا مس أحدا بسوء احتراما للعمرة ولشعائر الدين.
والفرق بين العمرة والحج في الإسلام، ان العمرة تكون للانسان في السنة كلها، والحج في وقت واحد في السنة. و تمام العمرة ان يطاف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، والحج لأ يكون إلا مع الوقوف بعرفة يوم عرفة واجراء بقية المناسك.

(1/3549)


وتقبيل الأحجار والأصنام واستلامها في أثناء الطواف أو في غير الطواف من الشعائر الدينية عند الجاهليبن. كان في روعهم ان هذا التقبيل مما يقربهم إلى الآلهة، ويوصلهم اليها، فتقربوا اليها ونصبوها في مواضع ظاهرة، ومسحوا أجسامهم بها تبركا. وكلمة "تمسح" من الكلمات التي لها معاني عند الجاهليين، وكذلك كلمة "استلم" و "استلام" عند أهل مكة خاصة حيث استعملت بالنسبة للحجر الأسود. وطريقتهم ان يمر الإنسان يده على الحجر المقدس أو ان يمسسه بها إن صعب استلامه كله. وقد يعوض عن ذلك بعصا يمدها الإنسان إلى الحجر حتى تلمسه، وإذا تعذر الوصول اليه بسبب ما، فيجوز أن يفعل ذلك راكبأ على جمل.
ومن هذا القبيل ايضا طرق مطارق أبواب البيوت المقدسة طرقات خفيفة، وامرار بعض الأشياء مثل الملابس على الأصنام والصخور والمواضع المقدسة لاكتساب البركة،والتمسح بجدران البيت أو استلام أركانه أو التعلق بأطراف الكسوة. وتلطيخ الأحجار بدماء ألضحية التي تقدم للاوثان وذلك بسبب الدماء عليها، أو بتلطيخها وتلويثها كلها أو جزء منها بدم الضحية،. توكيدأ بإراقة دم الضحية في نفس من ضحيت الضحية من اجله.
وقيل إن من شعائر الجاهليين في الحح ان الرجل منهم كان إذا أحرم، تقلد قلادة من شعر، فلا يتعرض له أحد. فإذا حج " وقضى حجه، تقلد قلادة من "إذ خر"، والإذخر نبات زكي الرائحة، وان الرجل منهم يقلد بعيره أو نفسه قلاعة من لحاء شجر الحرم، فلا يخاف من أحد، ولا يتعرض له احد بسوء. وتذكرنا هذه العادة بما يلبسه بعض الحجاج عند اتمامهم حجهم وعودتهم إلى بلادهم من لباس "كوفية" خاصة باهل مكة ومن عقال حجازي وذلك بالنسبة للرجال، وخمار أبيض بالنسبة للنساء، وذلك طيلة الأيام السبعة الأولى من احتفالهم بالعودة من الحج.

(1/3550)


ولم يكن الجاهليون القريبون من مكة أو البعيدون عنها يقصدونها في حج "عرفة" وعمرة "رجب" حسب، بل كانوا يقصدونها في اوقات مختلفة وفي المناسبات، للطواف حول الأصنام،.واستلام الحجر الأسود، والتقرب إلى الآلهة المحلية. وقد ساعد ذكاء سادة قريش الذي تجلى في جمعهم اكثر ما أمكنهم جمعه من أصنام القبائل في "البيت الحرام"، على اجتذاب القبائل اليها، وبذلك نشطوا في استغلال مواسم الحج والعمرة بالاستفادة من القادمين بالاتجار معهم، وببيع ما يحتاجون اليه من طعام وزاد، فحصلوا عل مال، حسدهم عليه الاخرون فكان الفضل في ذلك للبيت.. والى ذلك أشير في القرآن، في سورة"قريش": ")فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أظعمهم من جوع وآمنهم من خوف(.
هذا ما عرفنأه عن شعائر الحج إلى مكة وعن مناسكه في الجاهلية المتصلة بالإسلام. أما عن الحج إلى البيوت الأخرى وعن شعائره ومناسكه، فلا نكاد نعرف من أمرهما شيئا يذكر. ولكننا نستطيع ان نقول إن من أهم أركان الحج عند جميع الجاهليين، وجوب مراعاة النظافة.، نظافة الجسم ونظافة الثياب. ولذلك، كانوا اذا حجوا لبسوا ملابس خاصة بالحج هي "الاحرام" أو ملابس جديدة، أو ملابس مستعملة نظيفة مغسولة،وذلك لحرمة هذه المواضع وقدسيتها، فلا يجوز دخولها بملابس وسخة دنسة، واذا كانوا يلبسون أحسن ما عندهم عند ذهابهم إلى مقابلة عظيم أو سيد قبيلة أو رجل محترم، احتراما له واجلالا لشأنه، أفلا يجب اذن لبس خير ما عند الإنسان من ثياب لدخول بيوت الآلهة، ولا سيما في مواسم الحج ?. وكان منهم من يوجب على نفسه الغسل وتنظيف جسده حين دخوله المعبد أو اعتزامه الحج.

(1/3551)


وتقبيل الأصنام والأحجار واستلامها في أثناء الطواف، والتمسح لها، من الشعائر الدينية اللازمة في الحج وفي غير مواسم الحج عند الزيارات. كان في روعهم ان هذا التقبيل مما يقربهم إلى الآلهة، ويوصلهم اليها، فتجعلها ترضى عنهم وتشفيهم مما هم فيه من سقم وأمراض، فتقربوا اليها ومسحوا أجسامهم بها تبركا وتقربا. و "التمسح" بالصنم أو الحجر المقدس، التبرك به لفضله وعبادته، كأنه يتقرب إلى الآلهة بالدنو منه ولمسه. وقد كان رجال الدين يمسحون بأيديهم أجسام المرضى وثيابهم، لازالة السوء عنهم. وقد ذكر أهل الأخبار ان الجاهليين كانوا يتمسحون بأصنامهم، ويمسحون ظهورهم بها، لاعتقادهم انها تشفيهم من كل ألم وسوء.
واستلام الصنم أو الحجر المقدس،هو نوع من أنواع التقدير والتعظيم والتقرب. ويراد بذلك تقبيل الحجر ولمسه وتناوله باليد ومسحه بالكف. واذا صعب الوصول اليه لشدة الازدحام، فقد يمد احدهم قصبة أو عودا أو عصا اليه لمسه، فيكون لمس هذه الأشياء له، كأنه لمس حقيقي، يجلب لصاحبه ما تمناه وطلبه ورجاه من ذلك الصنم أو الحجر.

(1/3552)


وقد أشار بعض "الكلاسيكين" إلى وجود غابة من النخيل في ركن من البحر الأحمر، كان يؤمها النبط للتبرك بها، إذ كانت في نظرهم أرضا مقدسة، عليها معبد من الحجر عليه كتابة، وصفوها بأنها كتابة لا يستطيع اليوناني قراءتها، وبه كهان وكاهنات يقضون عمرهم في خدمة ذلك المعبد.قالوا: وفي كل خمس سنين يحج الناس اليه، ويتجمعون عنده، ويحضر معهم من في جوار المعبد من ناس، فيذبحون، ويتقربون إلى ألهتهم. فإذا عادوا أخذوا معهم ماء من ذلك المكان، للتبرك به، لاعتقادهم أنه يمنحهم الصحة والعافية. وذكر بعض آخر أن الحج إلى هذا البيت كان مرتين في السنة: الحج الأول في مطلع السنة، ويستغرق شهرا واحدا. اما الحج الثاني فيكون في نهاية الصيف،ويستغرق شهرين. وتكون هذه الأشهر الثلاثة أشهرا حرما لا يحل فيها قتال، يعمها سلم أوجبته الآلهة على الإنسان والحيوان.
ونرى في هذه الشعائر مشابهة كبيرة لشعائر الحج في مكة. ولولا تعيين هؤلاء الكتبة المكان، ونصهم على أنه على البحر الأحمر، وانه غابة نخيل، لأنصرف الذهن إلى مكة،0 إذ نجد أن شعائر الحج فيها تشبه هذه الشعائر، واستقاؤهم من ماء "زمزم" للتبرك به، يشبه استقاء هؤلاء من بئر معبدهم هذا، وقد أهمل أولئلك الكتبة أسماء الأشهر الحرم الثلاثة، فأضاعوا علينا فرصة ثمينة كانت تساعدنا كثيرا في الوقوف على تثبيت الأشهر عند الجاهليين.
ويلاحظ أن النبط كأنوا يعقدون في أثناء هذه الأشهر الحرم سوقا، تذكرنا بسوق عكاظ التي كان يعقدها أهل الحجاز. ولا شك أن موسم الحج في المعبد المذكور، الذي يتحول إلى سوق للبيع والشراء، يشبه موسم الحج في مكة حيث ينقلب أيضا إلى سوق.
ا لأعياد

(1/3553)


والأعياد من جملة مظاهر الأديان وشعائرها. والحج في حد ذاته عيد من أعياد الجاهلين. وقد كانت للجاهليين أعياد لها صلة بأديانهم، غير اننا لا نستطيع ان نتحدث بالطبع عن وجود أعياد عامة يعيد فيها جميع الجاهليين عبدة الأصنام، لأن الأعياد العامة تستدعي وجود ديانة واحدة وعبادة إله أو آلهة مشتركة يعبدها جميع القوم، واذ كانت العرب لا تعبد إلها واحدا أو آلهة مشتركة يقدسها أهل الوبر وأهل المدر منهم جميعا، فلا يمكن ان نتصور وجود أعياد عامة لجميع العرب، في عهود ما قبل الإسلام.
ولفظة العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد على راي علماء اللغة. وهو بالمعنى المعروف الذي يخص الاحتفالات الدينية من الألفاظ المعربة المأخوذة عن لغة بني إرم على رأي المستشرقين. ف "عيدا" في الإرمية هي "العيد" في العربية.
الفصل الثالث والسبعون
بيوت العبادة
والمعبد هو الموضع المخصص للعبادة. وقد وردت في النصوص الجاهلية وفي عربية القرآن الكريم ألفاظ تؤدي هذا المعنى، فقد كان الجاهليون قد اتخذوا معابد ثابتة ومعابد متنقلة مثل بيوت الوبر، تعبدوا بها إلى معبوداتهم قبل الإسلام وقبل الميلاد.

(1/3554)


فقد كانت القبائل في حركة دائمة، بحثا عن الغزو والكلا والماء. وكانت آلهتها في حركة دائمة أيضأ، ترحل مع المتعبدين لها، وتستقر عند استقرارهم بمكان ما. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في قبتها، وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدر. وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضيع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه، وقد كانت معابدالقبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد، واتخاذ معبد ثابت، لخروج ذلك على سنن الآباء والأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان الى مكان. ثم ان أهل الوبر قوم رحل، ولا يمكن لمن هذا حاله اتخاذ معبد ثابت له، لما كان عليه من وجوب نقل أصنامه معه حيث يذهب.
ولبيوت الأصنام سدنة، يحفظون الأصنام بها، ويرعونها، وينقلونها معهم حيث ترحل القبيلة، فإذا نزلت نزلوا بها، ليقيموا لها الواجبات الدينية المفروضة في الخيمة المقدسة. حيث فرضت طبيعة البداوة على أصحابها هذا النوع من أنواع البيوت المقدسة، وهذه الطقوس الدينية التي تلائم حياة الأعراب.
وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع: بيوت عبادة خاصة بالمشركين عبدة الأصنام، وهم الكثرة الغالبة، وبيوت عبادة خاصة باليهود، وبيوت عبادة خاصة بالنصارى. أما بيوت عبادة المجوس، فقد عرفت في العربية الشرقية وفي العربية الجنوبية، ولكن عبادها هم من المجوس، أي العجم،فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.

(1/3555)


وما ذكرته عن بيوت العبادة، خاص بالمعابد العامة، وهناك مواضع عبادة خاصة، جعلت في البيوت، وضع أصحابها أصنامهم في ركن من أركانها، وتقربوا اليها. روي ان العباس، كان قد أقام الصنمين أسافا ونائلة في ركن داره، وكانا حجرين عظيمين. واحتفظ غيرة بأصنام في بيوتهم للتبرك بها، ولحماية البيت، وكانوا اذا سافروا حملوا أصنامهم الصغيرة معهم للاحتماء بها، وأخذ بعض شباب المدينة ما وجدوه من أصنام في البيوت، تعبد لها آباؤهم فحطمها، ومنهم من رماها في مواضع العذرة والقاذورات.
وقد استطعنا اليوم بفضل جهود السياح والمنقبين والباحثين من الحصول على بعض المعلومات عن معابد جاهلية كانت عامرة يوما ما. وذللث بعثور المذكورين على ألواح مكتوبة وجدت في خرائب تلك المعابد. ولكن ما عثرعليه، لاصلة له بالدين في الغالب، فليس فيه أدعية أو صلوات أو كتابات تفصح عن عقائد القوم وعن أمور دينهم. ولهذا فإن علمنا بديانات الجاهليين لا يزال ضحلا، لم يتقدم تقدما مرضيا، وأملنا الوحيد في زيادته هو في المستقبل، فلعله يخرج من صناديق سره المكتومة ما يفصح عن عقائد القوم.
وقد اتخذ بعض العرب، وهم المتمكنون، بيوتا وكعبات لعبادة أصنامهم، وضعوا أصنامهم في أجوافها، ومنهم من اتخذ صنما، فلم يبن عليه بناء، لعدم استطاعته ذلك. ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت، نصب حجرا أمام الحرم، وامام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسموها ا لأنصاب.

(1/3556)


وذكر أن "وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي"، كان قد اتخذ له صرحا بالحزورة، سوق كانت بمكة، يرتقيه بسلالم يتعبد فيه، فعرف بصاحب الصرح. والبيت، مأوى الإنسان ومسكنه في الأصل، ثم تجوز الناس فأطلقوا اللفظة على المعبد، باعتبار أنه بيت الآلهة أو الإله، لاعتقادهم أن الالهة تحل به. وقد كانوا يضعون الصنم أو الأصنام فيه. ويقال للبيت عندئذ "بيت الله" أو "بيت ريام" وهو بيت يذكر "ابن الكلبي" أنه كان لحمير بصنعاء، وأن الناس كانوا يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح، أو "بيت الربة" وما شاكل ذلك، بحسب اختصاص البيت بالصنم.
كذلك أطلقت كلمة "بيت " بمعنى معبد في نصوص المسند،فورد: "وقدسو بيت مرب"، أي "وقدسوا بيت مأرب" أو "وبيت مأرب المقدس". فلفظة بيت هي اللفظة التي استعملت لمواضع العبادة، أي المعبد، أطلقت قبل اسم الإله أو الموضع لتدل على التخصيص. وهي ترد في لغات سامية أخرى في هذا المعنى نفسه.
وأما "الكعبة" فالبيت المربع، وكل بيت مربع كعبة عند العرب. وقد خصصت في الإسلام بالبيت الحرام بمكة. والكعبة الغرفة أيضا. وقد كان لربيعة بيت يطوفون به، يسمونه الكعبات، وقيل: ذو الكعبات، وقد ذكره الأسود ا ابن يعفر في شعره، فقال: والبيت ذي الكعبات من سنداد
والمسجد كل موضع يتعبد فيه. وقد استعملها الجاهليون بهذا المعنى أيضا.
وقد وردت اللفظة في نصوص بني إرم وفي النصوص النبطية والصفوية. ورد على هذه الصورة "مسجدا" في نصوص بني إرم. وورد على هذه الصورة في النصوص الصفوية أيضا، وقد عنت به معبدا.

(1/3557)


وقد عبر عن المعبد بلفظة "مكربن"، أي "المكرب" أو "المكراب" في بعض نصوص المسند ؛ إذ ورد "مكربن يعق"، بمعنى "معبد يعوق". ومن هذا الأصل أخذت كلمة "مكراب" في الحبشة، ومعناها "معبد". ولهذا ذهب "كلاسر" وغيره الى ان "مكربة" Mocoraba المدينة المذكورة في "جغرافيا" "بطلميوس" هي " مكة"، لأنها "مقربة" الى الأصنام، فهي بمعنى "البيت" و "الكعبة" في لهجتنا.
وتقابل كلمة "المعبد" كلمة Templum اللاتينية التي تعني موضعا مربعا، فهي بمعنى "الكعبة"، و "كعبة" في اللغة العربية. ويلاحظ توافق تام بين معنى الكلمتين في هاتين اللغتين. ولا بد ان يكون لاتخاذ هذا الشكل للمعبد سبب، إذ لا يعقل ان يكون قد جاء ذلك عفوا، ولا سيما اننا نلاحظ ان الكلمتين: اللاتينية والعربية، قد جاءتا من شكل البناء ونوعه وطرازه.
وذكر علماء اللغة ان في جملة الالفاظ التي تطلق على بيوت الأصنام والعبادة والتصاوير، لفظة "البد". وهي تؤدي معنى "صنم" كذلك. وذكروا انها من الألفاط المعربة عن الفارسية، عربت من "بت"، وانها تعني البيت اذا كان فيه أصنام وتصاوير.
وذكروا أن في جملة الألفاط التي أطلقت على بيوت الأصنام لفظة "الطاغوت" والجمع "الطواغيت". ورد أن العرب " كانت قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي اليها، كما تهدي إلى الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر، عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت ابراهيم الخليل ومسجده".
وورد أن "الطاغوت".الصنم، وكل معبود من دون الله، ولما تقدم سمي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتا. واللفظة تعني في لغة "بني إرم": رئيس عقيدة ضلال، وشيطان وصنم.

(1/3558)


و "الهيكل" من الألفاط الدالة على موضع العبادة، استعملت لبيوت الاصنام مجازا، ولمعابد النصارى. والظاهر أن استعمالها كان عند العرب الشماليين، في الغالب. مثل عرب العراق وعرب بلاد الشام، ولا سيما عند النصارى منهم. أخذوها من الاراميين، إذ هي بمعنى بيت الصنم، أي معبد الوثنيين عندهم. وقد وردت في لغة "ألمسند" كذلك، وردت بمعنى "قصر"، ومعبد في أيام دخول النصرانية إلى اليمن.
وقد أطلق "الديدانيون" على بيت "بعل سمن"، لفظة: "احرم" بمعنى " الحرم" تعظيما وتمجيدا له. فهو ذلك الإله. وترد لفظة "محرم" - التي لا زالت حية معروفة يطلقها أهل اليمن على محرم "بلقيس" - في لغة المسند، بمعنى المعبد، والمسجد الحرام. وقد وردت في عدد من النصوص. وبيوت العبادة أنواع. بيوت عبادة كبيرة، يحج اليها في أوقات معينة، ومواسم محددة، من مواضع قريبة أو بعيدة، هي محجات يحج اليها في وقت معين ثابت، يتقرب بها المتعبدون الى رب المحجة أو أربابها بأداء واجب الخضوع والطاعة. وتكون محجة واحدة في الغالب، اختارها الإله أو الآلهة من بين سائر أماكن الأرض لتكون موضعا مقدسا وحرما آمنا، فهي أقدس بقعة وأعز مكان في نظر المتعبدين لها على وجه هذه الدنيا. فلا تدانيها المعابد الأخرى ولا تبلغ منزلتها في الحرمة والمكانة.
وهناك بيوت عبادة أخرى تكون دون المحجات في الأهمية والدرجة، لأن الآلهة لم تخترها لنفسها ولم تنص على اسمها، وانما هي دور عبادة أقامها الناس تقربا إلى تلك الآلهة. وهي متفاوتة في الدرجة أيضا، فيها المعابد الكبيرة التي صرف على اقامتها مال كثير، وفيها معابد بسيطة، يقيمها الناس تقربا إلى أر بابهم.

(1/3559)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية