صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

وقد صيرت أرض "بوز" و "بوزي" ب "أرض أوسيتس" "Ausitis" في الترجمة السبعينية للتوراة "العهد العتيق"، ولذلك رأى بعض العلماء أن المراد بها اسم "Aisetai" "ايسايتاي" "ايسايته"، وهو اسم موضع ذكره الجغرافي "بطلميوس" في داخل بادية بلاد العرب. ورأوا أن بوز هي هذا المكان.
ورأى آخرون إن "بازو" هي نجد، وأن البادية التي تحدث عنها "أسرحدون" هي "النفود". وأما "خازو" فإنها الأحساء. وذهب "رولنسن" إلى احتمال كون هذه المنطقة هي أرض ملكة الحيرة، وما يتصل بها إلى جبل شمر، لأن الوصف المذكور ينطبق - في رأيه - على هذا المكان.
وذهب "كلاسر" في مكان آخر من بحوثه المستفيضة عن "بازو" و"خازو" إلى أن "خازو" هي "حزو"، وإلى أن "بازو" و "حازو" في الأقسام الشرقية والجنوبية من "اليمامة" إلى أرض "مأكن" "Maken" إلى مرتفعات "رأس الخيمة". وأشار أيضا إلى "حزوى"، وهي "السدوسية" لبني سعد في اليمامة، وقد ذكرها "الهمداني"، ويرى أن هذه اللفظة قريبة جدا من "حزو" التوراة ومن "خازو" النص الآشوري. وعلى هذا تكون أرض "خازو" في اليمامة، وهي أرض ذات آثار قديمة وعاديات وخرائب تقع بين وادي "ملهم" و "وادي حنيفة".
ورأى بعض الباحثين المحدثين إن أرض "بازو" هي الساحل المقابل لجزر البحرين، أي جزيرة "تلمون" كما كانت تعرف عند القدامى. وأما "خازو" أي "حازو" في قراءة، فهي "الأحساء". ونرى بين اللفظتين "حازو" و "أحساء" تقاربا كبيرا.

(1/615)


ولم يذكر "أسرحدون" كيف رجع إلى بلاده بعد حملته الطويلة هذه، ومن أي سبيل رجع إلى ملكه? غير إن بعض الباحثين يرون إنه سلك طريقا غير الطريق الأول الذي سلكه في حملته على الشعوب والأرضين المذكورة. يرون انه سلك طريقا موازيا لساحل الخليج، فاخترق أرض "بازو" و "خازو"، "حاسو"، ثم سار شمالا إلى إقليم بابل. و "حاشو" عندهم هي الأحساء، وهي بين "نجد" والخليج، وكان "أسرحدون" قد سلك في حملته الأولى كما يروون طريقا اخترق "نجدا". فلما قرر العودة سلك الطريق الثاني.
ويرى "موسل" إن اسم "دخراني" "Di-ih-ra-ani" هو "Dacharenoi" المذكور عند "اصطيفان البيزنطي" "Stephen of Byzantium". أما "كلاسر" فيرى إن قبيلة "Dachareni"، التي ذكرها "بطلميوس" بعد اسم قبيلة "Malangite" هي القبيلة المذكورة في نص "أسرحدون"، وان قبيلة "Malangite" هي قبيلة "Ma-gal-a-ni" المذكورة في نص "أسرحدون". ورأى احتمال كون "Gauuani" هي "جوجان" و "Ikhilu"، هي "أجلة" أو "أخلة"، وهما عند الخرج.
ويرى "كلاسر" احتمال وجود علاقة بين "Bi-i-lu"، وهو اسم الملكة، و "باهلة"، وهو اسم القبيلة المعروفة التي تقع منازلها منذ القديم في هذه المنطقة. وعنده أن حملة "أسرحدون" قد كانت في اليمامة، حيث ينطبق وصف هذه المنطقة على وصف الأماكن المذكورة في حملة "أسرحدون" أحسن انطباق. وبعد وفاة "أسرحدون" رأى "يثع" "يطبع" "يايطع" "Uaite'" أن من الأصلح مصالحة الآشوريين، فذهب إلى "آشور بانبال"، "آشور بنبال" وقابله وأرضاه، فأعاد إليه أصنامه، ومنها الصنم "عثتر السماء"، "أتر سمائين" "Atarsamain" "A-tar-sa-ma-a-a-in"، أي "عثتر السماوات"، وهو الإله "عثتر" إله السماء، الذي سأتحدث عنه عند كلامي على ديانة العرب قبل الإسلام، ورضي عنه وأعاده إلى منصبه.

(1/616)


ويذكر "آشور بانبال" أن "Uaite'" حنث بيمينه، وخالف عهده وميثاقه معه، لما أعلن "شمش - شوم - أوكن" "Schamaschschumukin"، شقيق آشور بانبال العصيان عليه، وخاصمه، فانضم إليه، وأيده بمدد يساعده، جعله تحت قيادة "اب يثع" "أب ينع" "Abjate'" و "ايمو" ابنا "تارى" "ثأر" "تور"، "Te'ri". وقام على رأس أتباعه بغزو الحدود الغربية لأرض بلاد الشام التي سبق أن استولى عليها الآشوريون، وأصبحت من المقاطعات الخاصة لهم، من "أدوم" "Adom" في الجنوب إلى جنوب "حماة" في الشمال. غير إن السعد لم يحالف "Uaite" في هذه المرة أيضا، فتصدت الجيوش الآشورية للمدد الذي أرسل لمساعدة "شمش - شوم - اوكن"، وشتت شمله قبل وصوله إلى "بابل". أما الذين تمكنوا من العرب والوصول إلى "بابل"، فقد أبيد أكثرهم كذلك. وقد اضطر "اب يتيء" "اب يتع" "Abjate" أن ينجو بنفسه بالهرب إلى البادية خشية إن يقع في الأسر، وذهب من ثم إلى "نينوى" حيث مثل أمام الملك طالبا منه العفو وللصفح، وقبل الملك عذره وصفح عنه، ثم أصدر أمره بتعيينه ملكا في مكان "Uaite'" الذي كان مشغولا بغزو حدود الشام وفلسطين الشرقية المتاخمة للصحراء أي حدود أرض "أمورو" "Amurru" على رأي بعض العلم، وذلك بعد هزيمة "Uaite'" وتغلب الآشوريين عليه في حوالي سنة "648 ق. م.". وقد وافق "اب يتيء" "Abjate" أن يدفع جزية إلى الاشوريين، تتالف من ذهب وأحبار كريمة وجمال وحمير.

(1/617)


ولم يتمكن "Uaite'" من الثبات طويلا والاستمرار على مهاجمة الآشوريين، إذ كلف الملك "آشور بانبال" حرس الحدود والقوات الآشورية التي كانت هناك مهاجمة أتباعه، ومعاقبة "Uaite'" الذي نسي الجميل، وخاس بعهده على حد قول "آشور بانبال". وبعد مصادمات ومعارك وقعت بالقرب من "ازريلو" "Azarilu". و "خير اتكاسي" "Khiratakasi" و "ادومه" "Udume" في ممر "يبردو" "Jabrudu" في "بيت أماني" "بيت عماني" "Bit Ammani" في منطقة "خوينه" "Khaurina" و "موابه" "Mu'aba" و "ساري" "Sa'ari" و "خرجه" "Kharge" و "صوبيتي" "Subiti"، اضطر أتباع "اويتي" "Uaite'" إلى الرجوع إلى البادية للأحتماء بها. ويظهر أنهم أصيبوا في أثناء ذلك خسائر فادحة. وقد اكره "اويتيء" بعد هذه الخسائر على الالتجاء إلى الملك "نتنو" "Natnu" ملك "نبيتي" "نبيطي" "Nabaitai" "Nabaiti" تاركا زوجته بين أتباعه من قبيلة "قيدار" "Qidri" "Kedar".
ولما هاجم "امولاتي" "عمولاطي" "امولاطي" "Ammulati" ملك قبيلة "قيدار" "قيدري" أرض مملكة "مؤاب" "Moab" أصيبت جيوشه بخسارة كبيرة، وسقط أسيرا - ومعه "اديا" "عادية" "عدية" "Adija" زوجة "Uaite'" ملك "اريبي" في أيدي الملك "Kamashkalta" "Kamaskhalta" ملك مؤاب "648 ق. م". فارسلا أسيرين إلى نينوى حيث سلما إلى "آشور بانبال". وكان "، قد ساعد "شمش - شوم - أوكن" في ثورته على أخيه، وهاجم أرض المغرب "أمورو" "Ammurru"، لذلك سر "آشور بانبال" ؛ بهذا الانتصار الذي أحرزه "مؤاب". وشد رسم منظر غلب "آشور بانبال" وأسر "Ammulti و "Adija" على جدار إحدى غرف قصر الملك "آشور بانبال".

(1/618)


لقد أثرت الانتصارات التي أحرزتها جيوش "آشور" في نفس "نتنو" "ناتنو" "Natnu" ملك "Nabaiti"، فأخذ يتقرب إلى "آشور بانبال"، ومن جملة ما فعله في التقرب إليه إنه أرسل "Uaite'" - الذي كان قد التجأ إليه - إلى نينوى حيث سلم إلى الملك الذي أمر بوضعه في قفص، ليعرض على الناس عند أحد أبواب المدينة. وذكر "آشور بانبال" في كتابه أن منازل "Nabaiti" قبيلة "Natnu" بعيدة، ولم يسبق لها أن أرسلت رسلا إلى بلاط أحد من أجداده وإبائه في نينوى من قبل، وأن هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها من هذه القبيلة رسول.
وقد وصف "آشور بنبال" موقف الأعراب وصفا مؤثرا بهذه الكلمات: "اشتدت عليهم وطأة الجوع. ولكي يسدوا رمقهم، أكلوا لحوم صغارهم.. وقد سال أهل العربية بعضهم بعضا: ما بال بلاد العرب قد أحدق بها هذا الشر? فعان الجواب: تلك عاقبة من ينكث العهد، ويخرق المواثيق التي قطعناها لآشور".
وذكر "آشور بانبال" إنه عامل "Uaite'". على هذه الصورة، وذلك في عباراته التي أمر بتدوينها في النص: "حبسته في مربط الكلاب، وضعته مع بنات آوى والكلاب، وأقمته على حراسة الباب في نينوى".
وصف حملته على الأعراب و مطاردته لهم بهذه الكلمات: "في رمضاء البادية وقيظها، حيث لا ترى طيور السماء وحيث لا يرى حمار الوحش ولا الغزال". وذلك من شدة جدب البادية، وعدم احتمالها الأحياء.

(1/619)


لم تنفع الشدة التي استعملها الآشوريون في القضاء على مقاومة الأعراب شيئا.فما كاد "آشور بانبال" يشغل نفسه بقتال ملك "عيلام" وحربه في عام "640-641 ق. م." حتى ثارت القبائل العربية على آشور بزعامة "أببتأ" "أبي يثع" "Abijate" ابن "تاري" "Te're" الذي تحدثت عنه سابقا، و "اويتئ" "Uaite'" الثماني، وهو ابن "بير دادا" "Bir Dadda"، وأخذت تتحرش ثانية بحدود المقاطعات الآشورية المتصلة بالبادية. ولما أرسل الآشوريون جيوشا قوية لصد هذه الهجمات، طلبت قبيلة "قيدري" "قيدار" مساعدة "نتنو" ملك "نبتي" ، فلبى الطلب، وتحالف معهم، وأخذوا يهاجمون الحدود، ومعهم قبيلتا "يسمع" "يسمأ" "Isamme'" و "عثتر سمين" "Atarsamain". غير إن الجيوش الآشورية تمكنت - مع ذلك كما تدعي كتاباتهم - من الانتصار على "قيدار" وعلى حلفائهم، فانتصرت على حلفائهم، فأنتصرت على "Isamme'" و على "Atarsamain" و "Nabaiti" في موضع في البادية بين "ياركي" "يركي" "Jarki" "أرك" شرق تدمر، و "ازلة" "Azalla"، وشتتت شملهم. ثم انتصرت في معركة أخرى على "Atarsamain" على "قيدار" وقعت عند "Qurasiti"، وغنمت فيها غنائم كبيرة من الحمير والجمال والأغنام، كما أسرت أصنام "Uaite'" وأمه وزوجته وعددا كبيرا من أتباعه. وأخذوا إلى دمشق، وأسر"ابي يثأ" "Abjate"" وشقيقه "أيمو" "Aimnu" في المعركة التي وقعت عند "خوكرينا" "Khukkurina" "Khukruna" أما الملك "Uaite'"، فقد اعتصم مع عدد من أتباعه بالصحراء، غير أن الأمراض والأوبئة التي انتشرت بين أتباعه اكرهته على الذهاب إلى الآشوريين الذين نقلوه إلى نينوى، وعرضوه أمام الملك. وقد عوقب عقابا قاسيا،وعذب عذابا شديدا، ثم عفا عنه الملك بعد ذلك غير إنه لم يسمح له بالعودة إلى البادية، حيث أهله وأتباعه ومنازله، ولعله مات في نينوى.

(1/620)


لقد وردت في أخبار حملات الآشوريين على العرب، أسماء مواضع منها ما يمكن التعرف عليه، ومنها ما ليس في الإمكان تشخيصه الان، وقد تحدثت عن بعض مما. ويرى جض العلماء إن موضع "أزريلو" "Azarliu" المذكور في أخبار انتصارات "آشور بانبال" على العرب، هو موضع يقع في بادية الشام. وأما لفظة "أدومة" "Udume"، فيرى "موسل" انهسا تعني "ادوم" "Edom" أرض "الآدوميين" من ذرية "عيسي بن إسحاق" على رواية التوراة. وهم شعب استوطن في الأصل جبل "سعير"، ثم توسع فسكن في منطقة شملت كل تخوم كنعان الجنوبية من البحر الميت إلى الخليج الشرقي للبحر الأحمر، ومن ضمنها جبل "سعير". وقد كان الأدوميون من أعداء العبرانيين.
ولما زاحم النبط الأدوميين على أرضهم، زحفوا نحو الشمال فسكنوا في "اليهودية" "Judah"، وتوسعوا حتى تجاوزا شمال "حبرون"، ولذلك دعيت هذه المنطقة باسم "الأدومية، "Idumaea". وذكر المؤرخ اليهودي "بوسفوس" إن من أصنامهم صنما يدعى "Koze"، ويذكرنا اسم هذا الصنم باسم الصنم "قزاح"، وهو صنم كان يعبد على مقربة من مكة.
وأما "Mu'aba"، فيرى "موسل" إنها "مؤاب" المذكورة في التوراة، وهي أرض المؤابيين، أبناء "مؤاب".

(1/621)


وأسماء الأشخاص الواردة في النصوص الآشورية هي أقدم أسماء نعرفها وردت في نصوص تأريخية عند العرب الشماليين، مثل "زبيبة" و "شمس" و "الباسق" الذي كتب "بسقانو" "Basqanu" في النص الآشوري، و "أيم" الذي هو "ايمو" في الخصوص الآشورية، و "جندب" الذي صار "جنديبو" "Gindibu" في اللغة الآشورية "Kiau" "Kisu" "Ki-i-su" الذي يحتمل إنه "قيس"، و "Agbaru" "Akbaru" القريب من أكبر أو "أخبر" أو "أجبر"، و "خييصو" "جيصو" "Habisu" "Kha-bisu" الذي يحتمل إنه "خبيص" أو "خابص" أو "حبيس" أو "حابس" أو "قبيصة" أو ما شابه ذلك من أسماء، و "نخرو" "نحرو" "Niharu" "Ni-kha-ru" الذي يحتمل إنه "نخر"، أو "ناخر" أو "نهار"، "وليلى" "Laili" "Laiale"، الذي هو "ليلي" إلى آخر ذلك من أسماء.
وورد في جملة الأرضين التي استولى عليها "آشور بانبال" في بلاد العرب، اسم موضع دعي "انزلكرمة" "Enzailkarme" "Al-en-zi-kar-me"، وهو كناية عن واحة، يرى "ديلج" "Delitzsch" إنها تقع جنوب حوران.
وقد افتخر "آشور بانبال، الملك العظيم، الملك الحق الشرعي، ملك العالم، ملك آشور، ملك الجهات الأربع، ملك الملوك، الأمير الذي لا ينازعه منازع، الذي يحكم من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل، والذي جعل كل الحكام الآخرين يخرون له سجدا ويقبلون أقدامه"، بأنه ملك من البحر الأعلى حتى جزيرة "دلمون" من البحر الأسفل. ومعنى هذا أن ملكه امتد من أعالي العراق إلى البحرين.

(1/622)


يظهر من النصوص الآشورية الآشوريين قاموا بعدد من الحملات يزيد عددها على تسع للانتقام من الأعراب الذبن كانوا قد تعودوا التحرش بهم، ومضايقتهم عند اجتياز البوادي، ومهاجمة قوافلهم وحدود إمبراطوريتهم، تحرضهم بابل في بعض الأحيان، أو حكومة مصر، أو يدفعهم إلى ذلك أملهم في الحصول على غنائم يتعيشون منها. وقد أزعجت هذه التحرشات الآشوريين كثيرا، وأغضبت، يتجلى غضبهم هذا فيما دونوه عنهم. وفي الصور التي رسموها للعرب في قصورهم، فصوروهم يقبلون أرجل ملوك "نينوى" ليرضوا عنهم، مقدمين إليهم الهدايا فيها الذهب والحجارة الكريمة وأنواع الطيب والكحل واللبان والجمال. وصوروا الآشوريين وهم يحرقون خيام الأعراب، وهم نيام، وصوروا عساكرهم يقاتلون الأعراب ويطاردونهم، وهو على ظهور خيولهم المطهمة. أما العرب، فإنهم على ظهور الجمال لا يستطيعون الإفلات من الآشوريين. وترجع هذه الصور إلى أيام "آشور بانبال"، حيث عثر عليها في قصره ب "نينوى".
وقد صور العرب ولهم لحى وقد تدلى شعر رؤوسهم على أكتافهم ضفائر، وشد أحيانا بخيط. وأما الشوارب، فإنها محفوفة في الغالب. وقد صور العرب وهم يركبون الجمال عراة في بعض الأحيان، أو تمنطقوا بمنطقة ثخينة أو ائتزروا إزارا يمتد من البطن إلى الركبتين.ولا تصور هذه الصور كل الأعراب بالضرورة بل هي يمثل أولئك الذين تحاربوا مع الآشوريين.

(1/623)


لقد أقام الآشوريون لهم مسالح في أقاصي الأماكن التي بلغ نفوذهم الحربي والسياسي إليها، كما أقاموا حصونا في مفارق الطرق المؤدية إلى البادية، وذلك لحماية حدودهم من غزو أبناء البادية. كما وضعوا مراقبين آشوريين، أو مندوبين سياسيين في مواطن سكن سادات القبائل، وذلك لمراقبة حركات القبائل وأخبار حكوماتهم بنوايا وبأعمال ساداتها وللتأثير على أولئك السادات لحملهم على تنفيذ ما يريده ملوك آشور. وهي خطة قلدها من جاء بعد الآشوريين من أجانب. ولم يكن الآشوريون هم أول من ابتدع هذه السياسة، فلا بد وأن يكون من سبقهم قد سار على هذا الدرب، ومهد أرضه للآشوريين ولمن جاء بعد الآشوريين من حكام.
الفصل الخامس عشر
صلة العرب بالكلدانيين و الفرس
لا نعلم شيئا كثيرا عن صلات العرب بالكلدانيين، فلم تصل كتابات منهم تفصح عن علاقتهم بالعرب. غير إن سكوت هذه الكتابات و عدم وصولها إلينا لا يمكن أن يكون سببا يحملنا على التفكير في عدم قيام صلات بين العرب و الكلدانيين. فقد رأينا فيما مضى أنهم ساعدوا أهل بابل في نزاعهم مع أشور، ثم إن العرب كانوا يحاربون البابليين منذ القديم، و هذه المجاورة القديمة في حد ذاتها واسطة طبيعية لتكوين المباشر بين العرب و الكلدانيين.
و قد تحدث الأخباريون عن غزو "بخت نصر" "بختنصر" "604-561 ق.م." للعرب في أيام "معد بن عدنان"، و وصوله إلى موضع "ذات عرق"، كما تحدثت عن ذلك في فصل "طبقات العرب"و قد قلت إن رواته أخذوا مادته من أهل الكتاب، و أضافوا إليه مادة جديدة أنتجتها أبتداعهم له، فصار نسيجا جديدا هو المدون في الكتب. و هو حديث لا قيمة تأريخية له، و لذلك لا يمكن الاطمئنان إليه و الأخذ به. و قد قص علينا الأخباريون ألوانا كثيرة من هذا القصص الذي بان لونه و عرف أصله في القرن العشرين.
و أنا لا أريد أن استبعد احتمال قتال "بخت نصر" مع القبائل العربية، فذلك

(1/624)


ممكن جدا، ولا سيما أن بابل مجاورة للعرب، وان توسع هذا الملك ودخوله فلسطين جعل البابليين يتصلون اتصالا مباشرا بالأعراب، فلا بد أن يكون "بخت نصر" قد احتك بالعرب واتصل بهم. وقد يكون حاربهم وأوقع خسائر بهم، لتحرشهم بجيوشه وبحدود إمبراطوريته التي شملت البادية الواسعة الفاصلة بين العراق وبلاد الشام. ولكن الذي نتوقف عنده وننظر إليه بحذر، هو هذا الطابع المعروف عن الأخباريين، الذي يروون به كيفية غزو ذلك الملك ل "معد ابن عدنان".
وقد يكون "بخت نصر"، قد بلغ موضع "ذات عرق" وقد يكون بلغ موضعا آخر أبعد منه، إلا أن الذي أراه أن استيلاء البابليين على الأماكن التي احتلوها من جزيرة العرب إن وقع فعلا، فإنه لم يدم طويلا، فقد كانت فتوحات الفاتحين لجزيرة العرب كالسيول، تأتي جارفة عارمة، تكتسح كل شيء تجده أمامها، ثم لا تلبث أن تزول وتختفي آثارها بعد مدة قصيرة،لأسباب منها بعد طرق المواصلات عن عواصم الغازين الفاتحين وعدم وجود مواد غذائية كافية في البلاد المفتوحة لإعاشة جيش كبير، ليستطيع ضبط القبائل والمحافظة على الأمن، ومهاجمة القبائل للقوافل التي ترد لتموين الحاميات وللحاميات نفسها، وعدم يمكن الفاتح من وضع جيش كبير جاهز في كل لحظة للقتال ليصد غارات القبائل التي تؤلف غالبية سكان جزيرة العرب في ذلك العهد. ثم إذ القسم الأكبر من الذين قاتلوا وفتحوا أناس مرتزقة سيقوا إلى القتال سوقا، خوفا أو طمعا، وقبائل اشترى الفاتحون ساداتها بأطماعهم في مغانم يجنونها أو لدوافع حقد قبلي، ومن عادة سادات القبائل أنهم مع الفاتح ما دام قويا سخيا يبذل، لهم بكل سخاء، فإذا ضعف أو أمسك أو دارت الدنيا عليه، كانوا هم أول من ينقلب عله. ولذلك صارت أمثال هذا الفتوحات غارات انتقامية سريعة، لا يلجأ إليها إلا جمد تفكير و إعداد خطط ووجود ضرورات ملحة تستوجب إرسال مثل هذه الحملات.

(1/625)


ويرى بعض علماء التوراة والبابليات ما جاء في كتاب "دانيال" الذي كتب بعد أيام "بخت نصر" من نبوءة ومن رسالة أرسلها النبي إلى ذلك الملك، ومن فتوحات في بلاد العرب، هو من وضع كاتب تلك الرسالة، وضعه ليثبت نبوءته، وأن ذلك الكاتب أخذ فتوحات "نبونيد" فنسبها إلى "بخت نصر". أما أنا، فلا أريد أن أثبت فتوحات "بخت نصر"، ولا أريد أن أنفيها في هذا العهد، فوصول "بخت نصر" إلى الحجاز أمر ممكن، وسوف نرى أن "نبونيد" قد وصل إلى مدينة "يثرب"،فليس بمستعبد وصول "بخت نصر" إلى الحجاز، بعد أن استولى جيشه على فلسطين، وصار في إمكانه الزحف نحو الجنوب، ولكن الذي أراه الآن هو التريث، فلعل الزمن يجود علينا بنصوص قد تتحدث عن حروب وفتوح أمر بها هذا الملك فى بلاد العرب. وكتاب "دانيال"، وإن كتب على شكل نبوءة، لا يستبعد أن يكون قد استمد خبر النبوءة من وثيقة أو خبر شائع، فصاغه في شكل نبوءة، ليثبت نبوءته لبني إسرائيل.

(1/626)


وقد أخبرتنا الكتابات البابلية أن "بختنصر" "Nebuchaderzzar"أرسل في شهر "كسلو" "Kislev" "Kislew" من السنة السادسة من ملكه المقابلة سنة "599ق. م." جملة على العرب الساكنين في البادية، نهبت أملاكهم وما عندهم من مواشي، وسرقت آلهتهم ثم عادت. ولم يذكر النص البابلي اسم البادية التي هاجمها الجيش البابلي ولا اسم القبائل التي هاجمها، ولم يذكر أيضا اسم المواضع التي تحرك منها الجيش لمهاجمة العرب. ويرى الباحثون احتمال مهاجمة البابليين للعرب من "حماة" "Hamath" أو "ربلة" "Riblah"، أو "قادش" "Kadesh"، فتوغل جيش "بختنصر" في البادي، ثم عاد حاملا. معه ما ذكر في النص من أسلاب ومن مواش وآلهة العرب أي الأصنام. وكانت غاية البابليين من تأسير الأصنام وأخذها، هو اكراه القبائل على الاستسلام والخضوع لهم، لما للأغنام من أثر كبير في نفوسها، وقد رأينا إن ملوك الآشوريين مثل: "سرجون" و "سنحريب" و "أسرحدون" كانوا قد أسروا أصنام العرب وأخذوها معهم إلى آشور وكتبوا عليها شهادة الأسر والوقوع في أيدي الآشوريين، ليؤثروا بذلك نفسيا في نفوس أتباعها وعبادها ويكرهوهم على الخضوع لهم وعلى مساومة الآشوريين لاستردادها في مقابل الاستسلام لهم وتأييد سياستهم وعدم التحرش بهم. ولم يذكر النص البابلي أسماء تلك الآهة.

(1/627)


وكانت غاية "بختنصر" من إرسال حملته هذه على العرب، هو حماية حدود "حماة" وبقية مشارف فلسطين وبلاد الشام من الأعراب وإخضاعهم لحكمه، ثم تأديبها بعض القبائل التي تحرشت به على ما يظهر حين دخوله بلاد الشام وفي جملة ذلك فلسطين. واستنادا إلى ما جاء في "سفر إرميا" نستطيع أن نقول إن "قيدار" كانوا على رأس القبائل العربية البارزة التي غزاها جيش "بختنصر" وكذلك "بني الشرق" "أبناء المشرق" و "ممالك حاصور". ونظرا لوجود تشاب كبير بين الرواية البابلية عن حملة "بختنصر" على العرب وبين ما جاء في "سفر إرمياء"، أرى إن مدون السفر قد أخذ خبره هذا الذي صيره نبوءة من موارد بابلية ثم كيفه على النحو الذكور.
ولدينا خبر رواه لنا "اكسينوفون" "Xenophon"، يفيد أن "بختنصر" لما حمل على مصر أخضع "ملك العربية". وشد قصد بذلك حملته على مصر سنة "567" قبل الميلاد.
والخبر التأريخي الثاني الذي وصل الينا عن صلات البابليين المتأخرين بالعرب، هو ما ورد عن الملك "نبونيد" "Nanonid" "Nabonidus" "555 -538ق. م." "556-539ق. م." من اتخاذه "تيماء" مقرا له. فقي السنة الثالثة من حكمه جرد حملة على "أدومو" "Adumu" "Adummu" أي "دومة" "دومة الجندل"، وسار منها إلى "تيماء"، سالكا طريقا لم تعرف في الزمن الغابر، على رأس جيشه، جيش أرض "أكد" "أكاد" ة فلما وصل إليها، أعمل فيها السيف، وقتل أميرها وأهلها، والظاهر إن ذلك بسبب مقاومتهم له وعنادهم في الدفاع عن مدينتهم، ثم طاب له أن يستقر بها، فابتنى بها قصرا ضخما له جعلوه كالقصر الذي في يابل، وحلت "تيماء" محل بابل، أي صارت عاصمة لملك البابليين.

(1/628)


ويرى العلماء أن حملة "نبونيد" على "دومة الجندل" "ادومو" "Adummu" "وتيماء" "Tema" كانت في سنة "552ق. ج.". وقد جاء إليها سالكا الطريق الرية المؤدية من بلاد الشام إلى شرقي الأردن، الطريق التي يسلكها حجاج بلاد الشام في الإسلام إلى مكة. وبعد أن قضى على حكام المدينتين استقر في "تيماء" ومعه حرسه البابليون. ويظهر من أشارته في نصه المدون عن أخبار فتوجاته إنه سلك في وصوله إلى "تيماء" سبيلا لم يسلكها الأقدمون من قبل، ومن إشارته إلى قتله "ملك تيماء" وسكان المدينة أن المدينة في أيامه كانت مستقلة، يحكمها ملك من أهلها، وأن البابليين لم يكونوا قد حكموها قبله.
وقد أقام "نبونيد" سنين في عاصمته الجديدة. أما ابنه "بلشاصر" "بلشصر" "بلشسر" "Belsharrusur"" "Beksazar"، فكان ب "بابل" مع الجنود البابليين. ويظهر إنه أقام بهذه المدينة حتى السنة الحادية عشرة من حكمه، وربما أقام بها أكثر من ذلك قليلا، حتى اضطر إلى تركها والعودة إلى بابل، بظهور الفرس، الذين هددوا البابليين، ووسعو ملكهم، وصاروا على مقربة من بابل. فقد تغلب "كيرش" "كورش" "Cyrus" على العربية وأدخلها في جملة أملاكه، وعين عليها مقيما سياسيا فارسيا "ستراب" "Satrap"، ويظهر أن حملته هذه على العربية كانت حوالي سنة "540 - 539ق. م"، وأن "نبونيد" كان قد ترك "تيماء"، وجاء إلى بابل قبل تغلب "كيرش" على العربية.

(1/629)


وقد يتساءل المرء عن الأسباب التي حملت "نبونيد" على تراك بابل والالتجاء هذه السنين إلى "تيماء": أهي لشؤون سياسية خطيرة حملته على السكنى في هذه المدينة البعيدة عن عاصمته القديمة ، أم هي عوامل عسكرية، أو اقتصادية أو بواعث شخصية لا تتعلق بهذه ولا بتلك ? أما إجابات المؤرخين، فهي مختلفة ومتنوعة. منهم من رأى أن لتيماء أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية لوقوعها في ملتقى طرق تجارية عالمية بالنسبة إلى ذلك العهد، والاستيلاء عليها والبقاء فيها معناه كسب عظيم، ورح كبير بالنسبة إلى عالم السياسة في ذلك اليوم. ومنهم من رأى أن ذلك كان لأثر مزاج الملك وطبيعته ورغبته في التخلص من أمراض بابل؛ بسكناه في محل جاف مرتفع زهاء "3450" قدم عن سطح البحر.
وتيماء مركز مهم، ذكر كما رأينا في خصوص الآشوريين، وهو من الأماكن القديمة المذكورة في التوراة، وهو فيها كناية عن أحد أبناء إسماعيل، مما يدل على إنه كان من المواطن الإسماعيلية، ويقع على مسافة "200" ميل إلى الجنوب الشرقي من رأس خليج العقبة، ويمثل هذه المسافة إلى الشمال من المدينة، وعلى بعد "65" ميلا من شمالي العلا. وبها عين غزيرة المياه، هي التي بعثت الحياة في هذا المكان.. وتعد أشهر عين ماء في جزيرة العرب، تستعمل للسقي، ولإرواء المزارع التي تنبت مختلف الفواكه والتمور والحبوب. وهواؤها صحي جيد، ولا تزال مأهولة، فهي في الزمن الحاضر، كناية عن قريرة يزيد عدد سكانها على الألفين،. يسكنون في بيوت من طين وفي أكواخ.

(1/630)


وعلى مقربة من "تيماء" خربة فيها أحجار ضخمة مربعة، وبقايا عمران قديم يظن بعض العلماء إنها موضع معبد عتيق. ويرى بعض من زارها إنها كانت مدينة لا تقل ضخامة عن "الحجر" وعن المدن الأخرى التي ترئ آثارها في العربية النبطية حتى الآن. ولم تفحص هذه الخربة التي يسميها الناس "توما" "Tuma" فحصا علميا. وقد يثعر فيها على كتابات آشوري وبابلية ويونانية وإرمية وعربية ترينا أثو الاتصال الثقافي الذي كان في هذه المواضع التي تعد ملتقى القوافل والتجار والثقافات.
وقد عثر في هذه الخربة على حجر مكتوب بلغة بني إرم، يرجع تأريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ورد فيه إن أحد الكهان استورد صنما جديدا إلى تيماء، وبنى له معبدا، وعبن له كهانا توارثوا خدمة "صلم هجم". و "صلم" بمعنى صنم. وقد مثل صنم "هجم" في زي آشوري، وظهر في اسفل الرسم رسم الكاهن الذي شيد ذلك النصب. وقد نشرت ترجمة الكتابة الإرمية. ويرى "سدني سمث" إن تأريخها يرجع إلى أيام "نبونيد"، فلعله صنع في ذلك الزمن بتأثير البابليين.
ولطول إقامة "نيونيد" في "تيماء"، لا يستبعد أن يجيء يوم قد يعثر فيه على كتابات أو آثار أخرى ترجع إلى هذا الملك. فلا يعقل إن تذهب ذكريات أيامه كلها من هذه المدينة، وينطمس أثر قصره عنها، ذلك القصر الذي بالغ الملك في وصفه وأراد أن يجعله في مستوى قصور بابل. وقد يعثر فيها على مراسلاته مع مدينته بابل ومع الحكومات الأجنبية التي كانت في أيامه ومع الأعراب. وإذا حدث ذلك، فقد نجد شيئا جديدا لا نعرفه عن أيام تيماء في عهد نبونيد.

(1/631)


وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "تمياء" التي استقر بها "نبونيد" هي تيماء أخرى تقع في العروض على ساحل الخليج، وحجتهم في ذلك أن المسافة بين تيماء الحجاز وبابل، كبيرة واسعة، تجعل من الصعب تصور إقامة "نبونيد" في هذا المكان. أما العروض فإنه على اتصال ببابل، ولا يفصل بينهما حاجز أو فاصل أو عائق، ولهذا ذهبوا إلى احتمال وقوع "تيماء" في العروض، كما ذهب بعض آخر إلى احتمال كون "تمياء" "تيمان" الذكورة في التوراة. وهي أرض "أبناء الشرق"، وملتقى طرق القوافل القادمة من بلاد الشام ومصر والعراق والجنوب. غير أن الباحثين في هذا اليوم متأكدون من أن "تيماء" "نبونيد" هي "تيماء" الحجاز، في المملكة العربية السعودية.
فقد عثر في "حران" على كتابة مهمة جدا في بحثنا هذا، دونها الملك "نبونيد"،عثر عليها في سنة "1956 م"،وكانت مدفونة في خرائب جامع حران الكبير، وترجما إلى الإنكليزية، وإذا بها تتحدث عن تأريخ أعمال ذلك الملك، ومما جاء فيها: إنه لما ترك "بابل" وجاء إلى "تياء"، أخضع أهلها، ثم ذهب إلى "ددانو" "ديدان" و "بداكو" و "خبرا" و "ايدنخو" حتى بلغ "اتريبو". ثم تحدث بعد ذلك عن عقده صلحا مع "مصر" و "ميديا" "ما - دا - ا - ا" "مادا ا" "Ma-da-a-a "Mdees" ومع "العرب "مات ا -را -بي - او" "Mat Ara-di-u". وقد ختم العمود الذي جاء فيه هذا الخبر بأسطر تشمت جمل منها ؛ يفهم من مآلها أن العرب المذكورين أرسلوا إليه رسلا، عرضوا عليه عقد صلح معه، واستسلامهم له، فوافق على ذلك، بعد إن كبدهم جيشه خسائر فادحة، وأسر منهم، ونهب. ولم تذكر تلك الأسطر المواضع التي حارب فيها جيش "نيونيد" أولئك الأعراب. وقد يفهم من هذه السطور الأخيرة أيضا إن بعض هؤلاء العرب هاجموا البابليين، ونهبوا المناطق الخاضعة لهم بالرغم من عقدهم الصلح كل معه، وموافقتهم على إن يسالموه، وهذا ما دعاه على إرسال حملات تأديبية عليهم، أنزلت بهم خسائر فادحة.

(1/632)


ولم يكن نص "نبونيد" معروفا بين العلماء يوم اختلفوا في تعيين موضع "تيماء" 0 أما اليوم وقد نشر النص وترجم ترجمة دقيقة صحيحة، وعرفنا منه "فدك" و "خيبر" و "يثرب"، وهي مواضع معروفة مشهورة حتى اليوم وتذكر مع "خيبر"، فقد أجمع العلماء على أن "تيماء" "نبونيد" هي "تيماء" الحجاز من درن أي شك، وان موضع إقامة. ملك بابل وقصره كان في هذا المكان من الحجاز.
ولما كان استيلاء "نبونيد" على "تيماء" في حدود سنة "551 - 552ق. م." وجب أن يكون زحفه على الأماكن المذكورة بعد ذلك، والظاهر إن الذي حمله على التوغل في الجنوب، رغبته في السيطرة على اخطر طريق برية لتجارة، تربط بلاد الشام بالعربية الجنوبية، وهي طريق قديمة مسلوكة، تسلكها القوافل التجارية المحملة بأنفس التجارات المطلوبة في ذلك العهد، ثم السيطرة على البحر الأحمر، وذلك بالاستيلاء على الحجاز وعسير واليمن وربما على العربية الجنوبية كلها. ولو تم له ذلك، لكان ملكه قد بلغ المحيط الهندي . ومن يدري? فلعل اختياره "تيماء" مقرا له، وتجوله في الأرضين الواقعة بينها وبين "يثرب" كان لهذا السبب، أي لتنفذ تلك الفكرة الخطرية، فكرة السيطرة على جزيرة العرب وبلوغ المياه الدافئة للوصول إلى إفريقية والهند والعربية الجنوبية! إلا أن فكرته هذه لم تتحقق كما يتبين من النص، فكان أقصى إليه "يثرب"، ثم توقف عند ذلك.

(1/633)


ويرى بعض الباحثين الذين درسوا كتابة "حران" هذه أن الصلح الذي أشار إليه، الملك يجب أن يكون قد عقد في حوالي سنة "548ق. م." في مدينة "تيماء" عاصمة الملك الجديد، وأن الصلح الذي عقد مع الأعراب قد وقع في "تيماء" أيضا، وأن الهجمات التي هاجم بها بعض الأعراب البابليين وقعت إبان وجوده في هذه العاصمة وقبل رحيله عنها إلى "بابل"، ولكن من هم العرب الذين عقدوا الصلح مع "نبونيد"? ومن هم العرب الذين هاجموا جيشه والأرضين التي خضعت له? إن النص لم يشر إليهم، ولم يتحدث عنهم، وهم بالطبع قبائل عديدة، قد يكون منها قبائل سالمت البابليين وحالفتهم، ومنها قبائل عارضتهم وكرههم، ثم إن بين القبائل منافسة وأحقاد وحسد، فإذا حالفت قبائل حكومة ما، حسدتها القبائل المنافسة، فهاجمتها وهاجمت الحكومة التي عقدت معها الحلف، لإثبات نفسها، ولإظهار وجدودها، ولأخذ الزعامة منها، وهذا داء القبائل منذ كان النظام القبلي.
والذي أراه أن الحجاز لم يكن آنذاك تحت حكومة واحدة يرأسها ملك واحد، وإنما كان على نحو ما كان عليه عند ظهور الإسلام، حكومات قرى ومدن وقبائل. ويؤيد ذلك ما جاء في النص البابلي عن "تيماء" أن "نبونيد"، "فتل بالسلاح ملك تيماء" "ملكو". ومعنى هذا إنها كانت في حكم حاكم يلقب نفسه بألقاب الملوك. ولا أستبعد أن يكون حال "ديدان" و "خير" م و "فدك" و "يديع" و "يثرب" مثل حال هذه المدينة، أي عليها حكام يلقبون أنفسهم بألقاب الملوك. ولا أستبعد أيضا أن يكون حالها أو حال بعضها على نحو حال هذه المدن يوم ظهور الإسلام أي تحت حكم سادات المدينة والأشراف يشتركون معا في الحكم ويتشاورون فيما بينهم عندما يحدث حادث ما في مدينتهم أو قريتهم في أمور السلم وفي أمور الحرب.

(1/634)


ووضع سياسي على هذا النحو، لا يمكن أن يقاوم جيشا لجبا قويا عارما كجيش بابل المدرب على القتال، والذي يعيش على الحروب، ولذلك انهار بسرعة وسلم أمره إلى البابليين. ومن هنا نشتم من نص "نبونيد" رائحة الاستخفاف بأسلحة "العرب"، أي الأعراب سكنة هذه المواضع، وبأسلحة تلك المدن التي استسلمت له. وكل ما فعله الأعراب أنهم تراجعوا إلى البوادي، وصاروا يشنون منها غارات على البابليين ليأخذوا منهم ما يجدونه أمامهم، فإذا تعقبهم البابليون عادوا إلى معاقلهم وحصونهم: الصحراء.
وقد عثر على كتابة ثمودية وردت فيها جملة: "رمح ملك بابل"، وعلى كتابة ثمودية أخرى جاء فيها: "حرب دون" "حرب ديدان". وقد فسر العلماء الجملتين المذكورتين بأنهما إشارة إلى الحرب التي نشبت بين البابليين وأهل ديدان في أيام "نبونيد"، وان أهل تلك المناطق صاروا يؤرخون بها لأهميتها عندهم كحادث تأريخي. فالكتابتان أذن تحددان وقت تلك الحرب، وتعينان مبدأ تقويم يؤرخ بموجبه عند أهل ثمود. غير أننا لم نتمكن من الوقوف على ذلك المبدأ من الكتابتين المذكورتين، لقصرهما ولعدم وجود مفتاح معهما يفتح لنا الباب لنصل منه إلى الموضع الذي حفظ فيه صر ذلك التأريخ.
أما موضع "Da-da-nu"" "دادانو"، فإنه "ديدان"، وهو موضع معروف مشهور، ورد ذكره في "العهد القديم"، وفي عدد من الكتابات وتحدثت عنه في مواضع من هذا الكتاب، فكان إذن في جملة الأرضين التي خضعت لحكم "نبونيد".
وأما "Pa-dak-ku" "بداكو"، فهو موضع "فدك"، ولم يكن مشهورا في الأخبار القديمة، و إنما اشتهر في أيام الرسول، إلا أن عدم اشتهاره لا يمكن أن يكون دليلا على عدم وجوده في أيام "نبونيد". وربما لا يستبعد أن يعثر في خرائبه على آثار من عهد "نبونيد" وقبل عهده، إذ كان كل معروفا قبل أيامه، بدليل ذكره في جملة المواضع التي استولى عليها هذا الملك.

(1/635)


وأما "Hi-ib-ra-a" "خي - ا ب - ر ا - ا" "خيبرا"، فهو موضع "خيبر". وهو موضع معروف وقد كان من مواطن يهود في أيام النبي. وهو موضع "خيبر" الذي أرخ بحرب وقعت فيه في حوالي سنة "568م" "بعد مفسد خيبر بعام".
وموضع "Ia-di-hu-u" "Iadihu"، وهو موضع "يديع"، ويقع بين "فدك" و "خيبر"، وقد ذكره "ياقوت الحموي" والهمداني.
وأما "Iatribu" "ايتريبو" ، فهو موضع "يثرب" أي المدينة. وقد ذكر في جغرافيا "بطلميوس"، فيكون نص "حران" إذن أقدم نص ذكر اسم هذا المكان.
و "يثرب" إذن آخر موضع استولى عليه البابليون في الحجاز وألحقوه بمملكتهم مملكة بابل. لسكوت النص عن ذكر مواضع أخرى تقع في جنوبها ولو كانوا قد تجاوزوها لذكروا اسم الأماكن التي استولوا عليها من دون شك.
وقد استطعنا بفضل هذا النص التأريخي الخطير من العثور على خبر "يثرب" في وثيقة تعود إلى ما قبل الميلاد بكثير، فعلمنا منه إنها كانت مدينة عامرة قديمة، وإنها كانت أقدم بكثير مما تصوره أهل الأخبار عن نشوئها، ثم استطعنا أن نفهم إن العراقيين كانوا قد استولوا على منطقة مهمة من الحجاز في ذلك العهد، وان بعد المسافات بين الحجاز أو العربية الجنوبية لم يحل بين الآشوريين والبابليين من التوغل مسافات شاسعة في جزيرة العرب من طرفيها ومن اجتياز نجد أيضا، كما رأينا من وصولهم إلى جنوب البحرين على الخليج وإلى سبأ وإلى يثرب في هذا العهد.
وقد تنقل "نبونيد" مدة عشر سنوات في هذه المنطقة التي فتحها من الحجاز، في أرض يبلغ طولها حوالي "255" ميلا من "تيماء" إلى "يثرب" وحوالي "100" ميل عرضا، يراجع أهلها وينزل بين قبائلها، ويختلط بها، ثم يعود إلى عاصمته تيماء، حيث يسير منها أمور الدولة. ويظهر أنه تطبع من خلال أقامته هذه المدة بين العرب ببعض طباعهم، واقتبس بعض.مصطلحاتهم حيث وردت في النص.

(1/636)


ويرى بعض من عالج هذا النص ودرسه أن الملك البابلي نقل معه خلقا من العراق، وأسكنهم في هذه الأماكن الحجازية، في المواضع المذكورة وكان يأتي إليهم من تيماء، ليتفقد أحوالهم، وليرى بنفسه سبل الدفاع عنهم وحمايتهم من غارات الأعداء. ويرون أيضا أن في جملة ما جاء بهم إلى هذه الأماكن اليهود: يهود من بابل، ويهود من فلسطين، كما رأوا أن اليهود كانوا قد سكنوا هذه المواضع من قبل، وربما كان ذلك منذ جاء اليهود إلى فلسطين، فأقامرا بها إلى أيام النبي.
ويظهر أن الملك "نيونيد" كان قد وضع خطة للهيمنة على الأرضين فكلحاقها نهائيا ببابل، وذلك باسكان أتباعه بها وإجبارهم على الإقامة فيها. وقد نفذ خطته هذه فعلا، ووزع من كأن قد جاء بهم معه على هذه المواضع بأن انتزع الأملاك من أصحابها العرب وأعطاها للمستوطنين لجدد، وحماهم بجيش وضعه في كل مكان لصد غارات الأعراب عليهم. ولتقوية معنوياتهم ولتثبيت قلوبهم في البقاء في هذه الأرضين الجديدة. صار يتفقد شؤونهم بين الحين والحين ويزورهم. ولكن الخطة لم تنجح، لأن الظروف السياسية والعسكرية أكرهته على العودة إلى بابل، فمات مشروعه مع عودته، فلم تلحق تلك الأرضين قي بابل، غير أن أكثر المستوطنين الجدد بقوا في هذا الأماكن، وفي جملتهم اليهود الذين ازداد عددهم بمرور الأيام وكونوا مستعمرات يهودية وصلت "يثرب" في الجنوب.

(1/637)


لقد ترك فتح "نبونيد" لهذه الأرضين من الحجاز وبقاء بعض من نقلهم إلى هذه المواضع فيها للاستيطان بها أثرا كبيرا من الناحية الثقافة والاقتصادية والحضارية، وهي نواح لم تدرس حتى الآن، ولم يهتم بها أحد. ولكن وجود ألفاظ عراقية قديمة في لغة أهل "يثرب" والمناطق الأخرى التي تقع إلى الشمال منها، وخاصة في الزراعة، يدل دلالة واضعة على أثر العراق في أهل هذه المواضع، فقد يكون قسم منه من بقايا أثر أولئك العراقيين الذين نقلوا إلى هذه الأماكن، وقد يكون قسم منه من مؤثرات أخرى وقعت قبل هذا الحادث. قد يكون في أيام "بخت نصر" أو قبله، وقد يكون بعضه من مؤثرات حوادث وقعت بعد ذلك.
وفي نسخة "قمران" الحاوية لبعض الإصحاحات من العهد القديم، وقد عثر عليها في نفس الوقت الذي عثر فيه على نص "حران" أخبار قد تساعدنا في توضيح أسباب سوق "نبونيد" لليهود وأخذهم معه، وإرسائهم بهذه الأرضين الجديدة من أعالي الحجاز، إرساء أقرهم فيها وأبقاهم حتى جاء الإسلام فأبعدهم عن الحجاز.
إننا لا نملك نصوصا بابلية عن مدى بلوغ سلطان البابليين السياسي في جزيرة العرب وعن صلاتهم بالقبائل العربية، لذلك. انحصر علمنا بعلاقة بابل بالعرب في الأمور التي ذكرتها. وقد عثر على نص في مدينة "عانة"، يثبت وجود صلات تجارية بين بابل والبلاد العربية كما يشير إلى أثر بابل في الحياة العربية.
أما علاقات البابليين بأهل الخليج، فلا نعرف من أمرها شيئا، فلم يرد في النصوص البابلية التي تتحدث عن هذه الحقبة شيء ما عن الفتوحات البابلية في هذه الأرضين. وقد يعثر على شيء من الكتابات في المستقبل، تتحدث عن الصلات التي كانت بين حكومة "بابل" وأهل الخليج في هذا العهد.
وكل ما نعرفه عن علاقة البابليين بالخليج، إن البابليين كانوا قد ضموا جزيرة "دلمون" أي البحرين إلى أملاكهم، وعينوا عليها حاكما بابليا، وذلك بعد سنة "600 ق. م." بقليل.

(1/638)


ومعارفنا بصلات العرب بالأخمينيين " "Achaemenianوبالبارثيين "الفرث" "Parthians" قليل جدا. ويرى بعض المؤرخين أن العرب كانوا في أيام "الأخمينيين" قد تقدموا في زحفهم نحو الشمال،فدخلت قبائل منهم إلى العراق، ووسعت مساحة الأرضين التي كان العرب قد استوطنوها سابقا، كما تقدموا في هذا العهد نحو الغرب، فتوسعوا في بلاد الشام وفي طور سيناء إلى شواطئ نهر النيل، حيث كانوا قد استوطنوها، وقد قاموا بخدمات كبيرة نحو ملوك الفرس في زحفهم على مصر.
ولم يلاق العرب أية مقاومة كانت في أثناء حركاتهم وتنقلاتهم ودخولهم الأرضين التي كان الأخمينيون قد استولوا عليها، ولكن وجدوا أنفسهم في حرية تامة، لهم الحق في الذهاب إلى أي مكان شماءوا، وهذا مما مكنهم من الدخول إلى أرضين جديدة وإلى توسيع هجرتهم في الأرضين التي كان الأخمينيون قد بسطوا سلطانهم عليها.
لقد ذكر "اكسنوفون" "Xenophon" العرب في جملة أتباع الملك "كيرش" "Cyrus" "Kyros" الثاني "557 -529ق. م." "559- 529ق.م"، وذكر أن هذا الملك عين واليا عنه على "العربية" "Arabiai" "Arabioi" ويظهر من ورود لفظة "Arabiai" بعد "Kappadokia" أن المراد بها "الجزيرة"، أي "Mesopotamia"، أو جزء منها. ويظهر من موضع آخر أن "العربية" هي المنطقة الواقعة في شرق "Araxes" أي "الخابور.
وقد من العرب في أخبار حملة "كيرش" على "بابل" أن جماعة من العرب كانت تحارب معه. وكانت تلك الجماعة من الأعراب الراكبين للجمال. وذلك في سنة "539" قبل الميلاد.

(1/639)


ويتبين من مراجعة الموارد اليونانية التي تعرضت لتاريخ وجغرافية العراق، أن اليونان آخذوا يطلقون لفظة "Arabioi" من هذا الوقت فما بعده بمعنى "العرب" و "عرب"، أي علما لقوم وشعب على نحو ما كانوا يطلقون من أسماء على الشعوب الأخرى. وقد ذكروهم في جملة شعوب الجزيرة،أي "Mesopotamia". وقد أخذوا ذلك من "الأيونيين" "Ionien". وعلى هذا فيكون مراد "اكسينوفون" وغيره من العربية الأرض التي غلب عليها العرب. ومعنى هذا توسع العرب في زحفهم وتقدمهم نحو الشمال وتغلبهم على أرضين جديدة كان سكانها من بني إرم وغيرهم، وتعرب كثير من بني إرم وتكوين طبقة عربية مستعربة.
ولما قام "قمبيز" الثاني "قمباسوس" "Cambyses" بغزو مصر سنة "525ق. م."، وطلب معونة العرب، أمدوه بالجمال، وبالماء، وساعدوه مساعدة كبيرة لولاها لما تمكن من الوصول إلى مصر. ويزعم "هيرودوتس" أن "فانس" "Panes"، الذي خان سيده فرعون مصر، فهرب منه وذهب خلسة إلى "فمبيز" وحثه على فتح مصر، أشار على الملك بأن يستعين بالعرب ليساعدوه في اجتياز الصحراء. وكان الملك يفكر في الصعوبات التي ستعترض جيوشه في قطع تلك الفيافي والقفار، ومن أهمها قلة الماء. فلما اقتنع الملك بصواب رأي "فانس" وصدقه، أرسل رسولا إلى مللك العرب ليتفاوض معه في هذا الأمر، فوافق العرب على تقديم المساعدات فهيأوا قربا كثيرة ملؤوها بالماء، وحملوها على ظهور جمالهم حيث قدموها إلى الفرس.
ولم يشر "هيرودوتس" إلى اسم الملك العربي الذي وافق علي تموين الجيش الفارسي بما يحتاح اليه في حملته على مصر بالماء، ولم يشر أيضا إلى الأرض التي كان يحكمها. وقد يكون هذا الملك أحد ملوك النبط الذين كانوا يحكمون في أعالي الحجاز وفي الأقسام الجنوبية من الأردن وطور سيناء، وقد يكون أحد كبار سادات القبائل العربية الكبيرة في طور سيناء، حيث كان له سلطان واسع كبير على اللأعراب الساكنين في هذه الأرضين.

(1/640)


وأشار "هيرودوتس" في معرض كلامه على تزويد العرب فمبيز بالماء، إلى وجود نهر عظيم في بلاد العرب، دعاه: "كوريس" "قوريس" "corys"، زعم إنه صعب في "البحر الأرتيري" "البحر الأرتيري" "Ertythreean Sra" أي البحر الأحمر، قائلا: إن هاك من زعم إن ملك العرب عمل انبوبا من جلود الثيران والحيوانات الأخرى لنقل المياه من النهر إلى صهاريج، أمر بحفرها وعملها في الصحراء لخزن الماء فيها، وان هناك ثلاثة خطوط من هذه الأنابيب تنقل الماء إلى ممسافة اثني عشر يوما من النهر إلى موضع هذه الصهاريج.
ولا يعقل إن يكون في بلاد العرب نهر على الوصف الذي ذكره "هيرودوتس" في ذلك العهد. كما إن الأنابيب المذكورة الممتدة إلى تلك المسافات المذكورة، هي من مخيلات القصاص الذين أخذ منهم ذلك المؤرخ خبره. والظاهر إن الذين حدثهوه عن ذلك النهر، كانوا قد سمعوا أو شاهدوا السيول التي تصب في البحر الأحمر في مواسم الأمطار الشديدة، فتصوروها أنهارا عظيمة تجري طاول السنة. اما الصهاريج، فإنها معروفة في بلاد العرب، ولا سيما شمال العربية الغربية، تأتي إليها مياه الأمطار فتملؤها، وتغطي فتحاتها، فلا يعرف مواضعها إلا أصحابها، فإذا داهمهم عدو، سدوا منافذها، فلأ يصل إلى مائها أحد. والظاهر ان الذين أمدوا الفرس بالماء، كانوا يأخذونه من الصهاريج المنتشرة في مختلف الأماكن، ومن هنا ظهرت أسطورة نقل الماء اليها من ذلك انهر في ثلاثة خطوط من الأنابيب المصنوعة من الجلود.

(1/641)


وذكه "هيرودوتس" في أثناء الكلام على "دارا" "داريوش" "داريوس" "Darius"، إن جميع سكان آسية الذين أذلهم "كيرش" "كورش" ثم "فمبيز" بعده، قد اعترفوا بسلطانه، الا العرب. فهؤلاء لم يخضعوا كالرقيق البتة لسلطان الفرس، و إنما كانوا قد تحالفوا معهم، وأصبحوا حلفاء وأصدقاء لهم منذ مهدوا الطويق لقمبيز للوصول إلى مصر. ولو كانت علاقاتهم غير ودية معهم، لما تمكن الفرس من القيام بذلك الغزو. وأثنى هذا المؤرخ على إباء العرب، وعلى شهامتهم، وعلى محافظتهم على الوعد والعهود.
وذكر "هيرودوتس" أن الأرضين بين "Phoenicia"، أي "فينيقية" ومدينة "Cadytis"، كانت تابعة للسريان الفلسطينيين "Palaestine Syrian". أما الأرضون بين مدينة "Cadytis" وموضع "Jenysus" "Ienysos"، فقد كانت تابعة للملوك العرب، ويريد بهم عددا من سادات القبائل ولا شك، ويرى "جميس رنل" "James Rennell" أن مدينة "Cadytis" هي القدس ويرى آخرون إنها "غزة". وأما "Jenysus"، فهي "خان يونس" في جنوب غربي "غزة" على رأي "جيمس رنل".
يتبين من قول "هيرودوتس" هذا إن العرب كانوا في أيام "فبيز" أي قبل الميلاد بعدة قرون، في هذه المنطقة من فلسطين. وانهم كانوا قد انتشروا في "طور سيناء"، ونزلوا المناطق الشرقية من مصر، حتى ضفة نهر النيل. ولهذا السبب أطلق عليها اسم "العربية" دلالة على توغل العرب فيها.

(1/642)


لقد كانت "غزة" مدينة عربية يحكمها ملوك عرب. وقد كانت في حكم ملك عربي في أيام "هيرودوتس"، وكانت كل الأرضين الواقعة بين "غزة" وبين "Rhinokolura" تحت حكم العرب أيضا وذلك منذ أيام الفلسطينيين. وقد كان يحكم "غزة" في أيام "هيرود الكبير". ملك من أهل غزة. وقد كانت "غزة" قبيل الإسلام وعند ظهوره فرضة العرب، يقصدها أهل العربية الغربية للبيع والشراء. ولا أستبعد أن تكون "غزة" فرضة عرب العربية الغربية في هذا الوقت أيضا. وقد كان تجار العربية الشرقية يقصدونها أيضا على الرغم من بعد المسافة واتساع الشقة، فقد كان أهل "الجرعاء" "جرها" "Gerrha"، يقصدونها، حاملين معهم تجارة الهند وما وراء الهند، فتأخذهم إبلهم عن طريق الواحات والآبار إلى "دومة الجندل" ومنها إلى جنوب فلسطين فغزة حيث يبيعون ما عندهم ويشترون ما يحتاجون إليه من حاصلات البحر المتوسط ثم يعودون بأموالهم الجديدة إلى بلادهم ليبعها هناك، أو لشحنها إلى ما وراء الخليج من أرضين.
وفطن "دارا" لخطورة المشروع القديم، مشروع ربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عن طريق نهر "النيل" فاحتفره. وقد وضع أساس هذا المشروع "رامسيس الثاني"، غير إنه امتلأ بعد ذلك بالرمال مرارا، فاحتفره من جاء من بعده من الملوك. وذكر "هيرودوتس" أن الفرعون "نخو" "Necos" كان قد أرسل بعثة دخلت الخليج العربي، أي البحر الأحمر في اصطلاح اليونان عن طريق القناة التي حفرت بين النيل وهذا البحر، وكانت هذه البعثة من الفينيقيين للبحث عن أعمدة "هرقل" "Hercules".
ويرى بعض الباحثين احتمال كون الملك التي حكم "غزة" في هذا العهد، ملك من ملوك اللحيانيين.

(1/643)


واهتم "دارا" بأمر التجارة البحرية، فامر "Skylax" من اليونانيين بالذهاب إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي لكشف تلك المناطق وتكوين صلات تجارية معها، فوصل هذا المكتشف اليوناني - على رواية هيرودوتس - إلى الهند. وهو بذلك أول يوناني يبلغنا خبره حتى الآن، يدخل البحر الأحمر، ويطوف حول جزيرة العرب للوصول إلى الهند. ويفخر "دارا" في كتابته التي أشار فيها إلى مشروع القناة، بأنه استطاع أن يسير السفن عبرها من مصر إلى أرض فارس. وقد كانت هذه الخطوة من أعظم الخطوات في تأريخ العالم،ولاشك.
وقد أثرت تأثرا خطيرا في التجارة العربية في البحار، إذ فتحت البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي لمنافسين أقوياء، صار بإمكانهم شراء تجارة أفريقية والهند وسواحل جزيرة العرب بأسعار رخيصة، لبيعها في الأماكن التي تريدها والتي كانت تشتريها بأثمان عالية، وبذلك أخذت من التجار العرب جزءا كيرا من أرباحهم، وألحقت بتجارتهم مع البحر المتوسط ضررا لا يستهان به.
ولما تحدث "دارا" عن الأرضين التي خضعت لحكمه، أدخل "عرباية" "أرباية" "Arabaya" في جملة تلك البلاد. وقد دعاها ب "ماتو أريبي" "Matu A-ra-bi" في النص البابلي. ولم يقصد "دارا" ب "عرباية" كل البلاد العربية، أي جزيرة العرب وبادية الشام، وإنما أراد بها بادية الشام، كما تحدثت ذلك في شرح المراد من "ماتو أريري" في الكتابات المسمارية. وقد كانت هذه البادية مثل جزيرة العرب موطنا للأعراب منذ وجد العرب.

(1/644)


وقد ذكر "هيرودوتس" إن بلاد العرب كانت تقدم جزية سنوية من الطيب إلى "دارا"، إلا إنه لم يحدد مكان البلاد العربية، ولم يشر إلى العرب الذين دفعوا هذه الجزية. ولما كانت هذه الجزية طيبا، فأنها تحطنا على التفكير في أن الغرب الذين دفعوها كانوا من رجال القوافل المتاجرة التي تأتي، بتجارة العربية الجنوبية ليبيعها في بلاد الشام ومصر، وكان الطيب والبخور من أهم المواد الرائجة في أسواق تلك البلاد. وهذه الجزية لم تكن بالمعنى السياسي المفهوم الذي يدل على خضوع العرب للفرس، وإنما كانت جعالة سنوية تدفع للسلطات الحاكمة على تلك الأسواق مقابل السماح لها يالاتجار، أو إن "هيرودوتس" عنى ببلاد العرب الأرضين التي كان يسكنها العرب ودخلت تحت حكم الفرس، وعنى بالعرب الذين دفعوها بعض القبائل العربية التي كانت تقيم في مصر أو طور سيناء أو بادية الشام.
ويلاحظ إن "هيرودوتس" كان قد ذكر، كما بينت قبل قليل، إن العرب لم يخضعوا للفرس في أيام كورش ولا في أيام فمييز، و إنما كانوا حلفاء للفرس. فيظهر من كلام "هيرودوتس" الأخير إن العرب الذين خضعوا للفرس ولدارا، هم من أعراب بادية الشام، ومن كانت منازلهم وديارهم في فلسطين وفي طور سيناء. ويرى بعض المؤرخين إن "العربية" التي خضعت لحكم "دارا" لم تكن جزيرة العرب، و إنما منطقة الجزيرة الواقعة بين "بابل" وآشور، مثل منطقة "سنجار" "Singara" و "الحضر"، وكان العرب قد توغلوا فيها.

(1/645)


وقد ورد في خبر للمؤرخ "اكسينوفون" "Xenophpn" وفي كتابة ل "كيرش الثاني" "Kyros II" "Kyrush II"، ما يفيد إن العرب كانوا قد خضعوا الأخمينيين. فورد في كتابة "كيرش" مثلا: "ملوك الأرضين الغربية الذين يقطنون في الخيام"، وذلك في جملة من اعترف بسلطان الملك عليهم. غير إن هذه الإشارات لا تفيد إن العرب كانوا قد خضعوا لهم مدة طويلة، كما إنها لا تدل على خضوع حقيقي لهم، ولا سيما وقد ذكرنا إن "هيرودوتس" قد صرح إن العرب لم يخضعوا لحكم الفرس.
وأشار "هيرودوتس" إلى وجود فرقة عسكرية من العرب في الجيوش الفارسية التي كانت بمصر، كان على رأسها قائد فارسي دعاه "ارسامس" "Arsames"، وقال إنه أحد أولاد "دارا". ويظهر إن هؤلاء الجنود هم من عرب مصر، أي من العرب القاطنين هناك، ولعلهم من سكان الأرضين المحصورة بين النيل والبحر الأحمر. وقد كان العرب ينزلون هذه المنطقة والمنطقة شرقي النيل وجنوب البحر المتوسط والمتصلة بطور سيناء منذ القديم. فالعرب كانوا من قدماء سكان مصر، لا كما يتصور بعضهم من انهم دخلوا مصر الفتح، وانهم لذلك غرباء لا صلة هناك بينهم وبين المصريين قبل الإسلام. والمعروف إن "الهكسوس" الذين حكموا مصر كانوا من العرب في رأي كثر من العلماء، بل في نظر قدماء المصرين، كما حكى ذلك الراهب المصري المؤرخ "مانيتو" "Manetho" في كتابه المؤلف باليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد. وقد ذهب بعض الباحثين إلى إن "هيرودوتس" قصد ب "العرب" النبط، غير إن بعضا آخر يخالف هذا الرأي ويعترض عليه، فيرى إن النبط لم يظهروا ظهورا بينا إلا في أواخر أيام الأخمينيين، وكان ظهورهم في "بطرا" "Patra" وما حولها. أما مملكتهم فلم تقم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد. ولهذا فإن العرب الذين قصدهم المؤرخ اليوناني، هم عرب آخرون، وان الأرض التي أرادها ذلك المؤرخ هي: طور سيناء حتى شواطئ نهر النيل.

(1/646)


ويظهر من الإشارات الواردة في التوراة، أن عرب الضواحي، كانوا يقيمون في مستوطنات، عرفت ب "حاصير" "حازير" "حاصور" "حصور" "Haser" في العبرانية. ومعناها: "محاط". وقد كانوا أشباه بدو في الواقع. أناخوا في هذه المواضع واستقروا بها وامتهنوا الرعي.
وكان الجنود العرب يلبسون كما يقول "هيرودوتس" نوعا من الثياب يسمى "زيرا" "Zeria"، وهي ثياب طويلة تشد عليها الحزم، ويحمل مرتدوها على أكتافهم اليمنى قسيا طوالا. أمها في حاله عدم استعمالها، فيلقونها على ظهورهم. والظاهر أن هذه الكلمة هي تحريف "السيرا". و"السيرا": "ضرب من البرود، وقيل: ثوب مسير، فيه خطوط تعمل من القز كالسيور. وقيل: برود يخالطها حرير. وقيل: هي ثياب اليمن لا. ويلاحظ أن الثياب المخططة كانت ولا تزال شائعة بين شعوب الشرق اللأدنى، فلا تستبعد أن تكون كلمة "Zeira" تصحيفا أو تحريقا للسيراء، وهي أقرب إليها من لفظة "إزار" أو مئزر على ما أرى.
وقد ألف الفرس - بالإضافة إلى الجنود الغرب المشاة كتائب عربية من الهجانة، تقاتل على الإبل، يلبسون ملابس المشاة، ويحملون أسلحتهم. يقول "هيرودوتس": إنهم كانوا يرضعون في مؤخرة الفرسان، تجنبا لانزعاج الخيل إذا ما سارت مع الإبل.
وقد استعملت دول أخرى كتائب عربية من الهجانة في جملة القوات المحاربة، للعمل في البوادي خاصة ، حيث يصعب على المشاة والفرسان اجتيازها وتعقيب الأعراب. ولا تزال كتائب الهجانة محافظة على حياتها بين القوات المحاربة، ولحماية الحدود الصحراوية حتى الآن.
وقد ألف العرب فرقة محاربة من الرماة بالسهام ومن المقاتلين، اشتركت في جيش "احشوبرش" "Xerxes" "485 -465 ق. م 0".
وقد أدخل الملك "احشوبرش" "العربية" "Arabia" في جملة البلاد التي كانت قد خضعت لحكمه، وذلك في نص من أيامه، عثر عليه. وقد ذكر "العربية بعد موضع "Maka" وقبل موضع "Gandara".
الفصل السادس عشر
العرب والعبرانيون

(1/647)


لم تذكر التوراة "العرب" في مواليد بني نوح: سام، وحام، ويافث. ولكنها ذكرت أسماء قبائل لا شك في أصلها العربي، وفي سكناها في جزيرة العرب. وهذا يؤيد ما ذهبت إليه من أن كلمة "العرب" لم تكن تعني قومية خاصة، ولم تكن تؤدي معنى العلمية، و إنما ترادف "الأعراب والبدو، أي سكان البادية، ولهذا لم تذكر في جدول الأنساب، وذكرت في مواضع أخرى من التوراة، لها علاقة بالبادية والتبدي والأعرابية. والا لم تسكت عن ذكر العرب بين الشعوب المصنفة في الجدول المذكور، وقد كان العرب يجاورون العبرانيين وكانوا على اتصال بهم دائم، فكان ينبغي ذكرهم في ذلك الجدل، لو كانت هذه التسمية تعني العلمية في الأصل، وتعني جميع سكان جزيرة العرب من حضر وبدو. إما وهي لم تكن تعني إلا قسما من العرب، وهم الأعراب أي حالة خاصة من الحالات الاجتماعية، فلذلك لم تذكر، ومن ذكر في الجدول كلهم حضر مقيمون يعرفون بأسمائهم، وهم معروفون، أو قبائل أعرابية عرف العبرانيون أسماءها فذكروها، فمن طبع العبرانيين إطلاق لفظة "العرب" على الأعراب الذين لا يعرفون أسماءهم وعلى البدو عامة دون تخصيص.
والبدو هم طبقة عاشت عيشة خاصة، ولم تكن قبيلة واحدة أو قبائل معينة محدودة يمكن حصرها وإرجاعها إلى نسب واحد، على نحو ما نفهم من كنعانيين وفينيقيين، ثم إن الأعراب لم يكونوا ينتسبون إلى جد واحد ولا إلى أب معين، لذلك لم تدخلهم التوراة في عداد الشعوب.

(1/648)


وقد ذهب جماعة من المستشرقين إلى إن العبرانيين هم قوم أصلهم من جزيرة العرب، هاجروا منها وارتحلوا عنها على طريقة الأعراب والقبائل المعروفة نحو الشمال. وجزيرة العرب لذلك هي الوطن الأم الذي ولد فيه العبرانيون. ودليلهم على ذلك هو الشبه الكبير بين حياة العبرانيين وحياة الأعراب، وان ما ورد في التوراة وفي القصص الإسرائيلي عن حياة العبرانيين، ينطبق على طريقة الحياة عند العرب أيضا، ثم إن أصول الديانة العبرانية القديمة وأسسها ترجع إلى أصول عربية قديمة. أضف إلى ذلك إن العرب والإسرائيليين ساميون، وجزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، فالعبرانيون على رأيهم هم من جزيرة العرب، وهم جماعة من العرب إذن إن صحت هذه التسمية، بطرت على أمها وعاقتها وهربت منها إلى الشمال.
و إذا جارينا التوراة في قولها بالأنساب، نرى أن العرب والعبرانيين هم على رأيها من أصل واحد، هو سام بن نوح، ونرى أيضا إنها تعترف ضمنا بقدم "اليقطانيين"، أي القحطانيين على الإسرائيليين. فاليقطانيون هم أبناء يقطان ابن عابر بن شالح بن أرفكشاد بن سام. وعلى ذلك فهم أقدم عهدا من بني إسرائيل، وأعرق حضارة ومدنية منهم، ولا سيما إذا ما عرفنا أن كلمة "عبري" على رأي كثير من العلماء تعني التحول والتنقل، أي البساوة، أي انهم كانوا بدوا أعرابا "يتنقلون في البادية قبل مجيئهم إلى فلسطين واستقرارهم بها وتحضرهم، على حين كان القحطانيون متحضرين مستقرين أصحاب مدن وحضارة. كذلك جعلت التوراة الفرع العربي الآخر الذي وضعته في قائمة أبناء "كورش" أقدم عهدا من الإسرائيليين.

(1/649)


لقد كان العرب ، بدوا وحضرا على اتصال بالعبرانيين، فأينما عاش العبرانيون عاشوا مع العرب. ولعل هذا الاتصال هو الذي حمل نسابيهم على عد العرب ذوي قربى لليهود، ومن ذوي رحمهم. وكان العرب حتى في أيام تكوين العبرانيين حكومة في فلسطين يؤثرون تأثيرا خطيرا في الوضع السياسي هناك. وقد كانوا يقطنون بكثرة في الأقسام الشرقية والجنوبية من فلسطين وفي طور سيناء وغزة. بل وكانوا يقطنون في القدس كذلك.
ومن علماء التوراة من يرى أن "أيوب"، صاحب السفر المسمى باسمه، أي "سفر أيوب" وهو من أسفار التوراة، هو رجل عربي، إذ كانت كل الدلائل الواردة في سفره تدل على إنه من العرب، فقد كان من أرض "عوص" Uz"" و "عوص" وإن اختلف العلماء في مكانها، فالراجح عندهم إنها في بلاد العرب في "نجد"، أو في بلاد الشام في "حوران"، أو في "اللجاة"، أو على حدود "ادوم" "Idumaea"، أو في العربية الغربية في شمال غربي "المدينة". ويرى بعضهم إنه كان يسكن في شرق فلسطين أو في جنوب شرقيها، أي في جزيرة العرب، أو في بادية الشام.
وسبب هذا الخلاف، هو أن التوراة لم تحدد مكان ارض "عوص"، فبينما نرى أن سفر "أيوب" يتحدث عن هجوم "أهل سبأ" على ملك "أيوب" واستياق بقر كانت له تحرث الأرض وأتن ترعى، مما يشعر أن أرض "أيوب" التي هي "عوص"، كانت على مقربة من السبئيين. نرى هذا السفر يذكر. بعد آية واحدة هجوم ثلاث فرق من الكلدانيين على ابل "أيوب"، مما يجعلنا نتصور أن أرض "عوص" كانت على مقربة من الكلدانيين، أي في البادية. القريبة من الفرات،. والرأي عندي أن "أيوب" كان رجلا. غنيا يملك ابلا وبقرا وأتنا، وأملاكا، وربما كان سيد قبيلة، وله رعاة يتنقلون بماشيته في بادية الشام ما بين العراق وفلسطين وأعالي الحجاز، فأغار "أهل سبأ" على بقر له كانت تحرث أرضه وعلى أتن كانت ترعى في أرضه، وأخذوها من رعاته وحراسه.

(1/650)


وهؤلاء السبئيون، هم من السبئيين النازحين إلى الشمال والساكنين في أعالي الحجاز وفي الأردن. فالغارة كانت في هذه المنطقة. أما غارة الكلدانيين فكانت في العراق على مقربة من أرض الكلدان، وذلك لأن رعاة إبله كانوا قد تنقلوا إلى هناك على عادة الأعراب حتى اليوم في التنقل بإبلهم من مكان إلى مكان طلبا للماء والكلأ، فاستولى الكلدانيون عليها وأخذوها، ولا علاقة لهاتين الغارتين بموطن أيوب.
وقد ذكر في سفر "أيوب" إنه "كانت قنيته سبعة آلاف من الغنم وثلاثة آلاف من الإبل وخمس مئة فدان بقر وخمس مئة أتان. وله عبيد كثيرون جدا، وكان ذلك الرجل أعظم أبناء المشرق جميعا". وتدل هذه الأرقام والأوصاف المذكورة لثروته إنه كان من أعاظم الأغنياء في أيامه، وأنه كان من "أبناء الشرق"، هي ترجمة لجملة "ببي قيديم" "Bene Kedem" العبرانية، وليس في التوراة تحديد لمكان "بني قيديم" "بني قديم"، ولا تعريف لهم، ولكن التسمية العبرانية هذه، تشير إلى أن المراد منها من كان يقيم في شرق العبرانيين ولا سيما في البادية الواقعة شرق فلسطين. فهم إذن في نطر لعبرانيين، الساكنون في شرقهم. ولما كان أيوب من "بني قيديم"، ومن أرض "عوص"، فيجب أن تكون أرض "عوص" في البادية في شرق فلسطين، أي في منازل "بني قديم" الممتدة إلى العراق، وهي مواطن الأعراب. وقد عرف واشتهر بعض "بني قيديم" بالحكمة عند العبرانيين.
ويستبدل من يقول بعروبة "أيوب" بالأثر العربي البارز على "سفر أيوب". ومن قدماء من قال بوجود أثر للعروبة في سفره، العالم اليهودي "ابن عزرا" "بن عزرة" "Idn Ezra" "Ben ezra" من رجال القرن الثاني عشر. وقصد تبعه في ذلك جماعة من الباحثين الذين وجدوا في الكلمات والتعابير والأسماء الواردة في ذلك السفر ما يشر إلى وجود أثر عربي عليه، حتى ذهب بعضهم إلى أن%)633( ذلك السفر هو ترجمة لأصل عربي مفقود.

(1/651)


وفي أثناء حديث التوراة عن أيام "داوود" وملكه، أشارت إلى رجل كان من شجعانه وأبطاله الذين تباهى بهم وافتخر، دعته "أبيل" العربي "Abiel" وكان من أهل "بيت عرابة" "بيت عربة" "Beth-Arabah" في تيه " "يهودا". ويدل لقبه هذا والموضع المذكور إنه كان من العرب، وأشارت إلى رجل آخر، ذكرت إنه كان على جمال "داوود"، دعته ب "أوبيل الإسماعيلي" "Obil"، فهو من العرب الإسماعيليين. ولا يستبعد أن يكون هذا الرجل من وجوه الأعراب، ولذلك أوكل إليه أمر إبله، وهي حرفة من صميم عمل أبناء البادية.
وقد أشر في سفر "يوئيل" إلى السبئيين، فورد فيه: "ها أنا ذا أنهضتهم من الموضع الذي بعتموهم إليه، وأرد عملكم على رؤوسكم، وأبيع بنيكم وبناتكم بيد بني يهوذا ليبيعوهم السبئيين لأمة بعيدة، لأن الرب قد تكلم". وقد ورد هذا التهديد لأن الصوريين والصيدونيين وجميع دائرة فلسطين كانوا قد استولوا على فضة الهيكل في "أورشليم" وذهبه ونفائسه، وباعوا "بني يهوذا" و "بني أورشليم" لبني "ياوان"6 أي اليونان. فورد هذا التهديد على لسان "يهوه" إله إسرائيل متوعدا أولئك الذين نهبوا الهيكل وأسروا "بني يهوذا" و "بني أورشليم"، أي سكان القدس، وباعوهم لليونان، بمصير سيئ، وبانتقام الرب منهم، وبقرب ورود يوم، يبيع فيه "أبناء يهوذا"، أي العبرانيين أبناء المذكورين إلى السبئيين.
وتدل جملة "للسبئيين، لأمة بعيدة" على إن السبئيين المذكورين كانوا يسكنون في منازل بعيدة عن العبرانيين. ويظهر إنها قصدت السبئيين أهل اليمن، فهم بعيدون عن فلسطين. وكان تجار سبأ يأتون أسواق اليهود لشراء ما فيها من بضاعة بشربة لاستخدامهم في سبأ.
%)645( وفي التوراة خبر زيارة ملكة "سبأ" لسليمان، وقصة هذه الزيارة، وان دونت فيما بعد، كتبها كتبة التوراة بعد عدة قرون، إلا إنها تستند إلى قصص قديم كان متداولا ولا شك بين العبرانيين، فدونه هؤلاء الكتاب.

(1/652)


وقد رأى بعض نقدة التوراة إن هذه القصة قد كتبها أولئك الكتبة لاثبات عظمة سليمان، وسعة دولته، وشهرة حكمه. غير إن هذا لم يبت به حتى الآن. ورأى آخرون إن هذه الملكة لم تكن ملكة "سبأ" في اليمن، لعدم ورود أسماء ملكات في النصوص العربية الجنوبية، بل كانت ملكة تحكم في العربية الشمالية، تحكم جماعة من السبئيين الذين كانوا قد نزحوا إلى هذه المناطق منذ عهد بعيد، وكونوا مستوطنات سبئية في الأردن وفي أعالي الحجاز.
وتعلل التوراة سبب زيارة ملكة سبأ. لسليمان بقولها: "وسمعت ملكة سبأ بخير سليمان لمجد الرب، فأتت لتمتحنه بمسائل، فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم جدا. بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة، وأتت إلى سليمان وكلمته يكل ما كان بقلبها". فلما سألته ورأت "البيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقائه ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب، لم يبق فيها روح بعد، فقالت للملك: صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي ". وأعطت "سليمان" " مئة وعشرين وزنة ذهب وأطيابا كثيرة جدا وحجارة كريمة لم يأت بعد مثل ذلك الطيب في الكثرة الذي أعطته ملكة سبأ للملك سليمان".

(1/653)


وجاء في سفر "الملوك الأول" حكاية عن الذهب الذي وصل إلى سليمان: "وكان وزن الذهب. الذي أتى سليمان في سنة واحدة ستمئة وست وستين وزنة ذهب، ما عدا الذي ورد من عند التجار وتجارة التجار وجميع ملوك العرب وولاة الأرض ". ولا تعني جملة "وجميع ملوك العرب" و " كل ملك ها عرب" في رأيي ونظري ملوك جزيرة العرب، كما يفهم ذلك من ظاهر النص، و إنما تعني رؤساء أعراب كانوا يقيمون على مقربة من فلسطين، وفي فلسطين نفسها، دفعوا إليه هدايا وضرائب، لأنهم كانوا يتاجرون مع العبرانيين، فقدموا إليه هدايا على قاعدة ذلك اليوم. وقد رأينا إن الآشوريين كتبوا مثل ذلك عن العرب وعن غيرهم في نصومهم، إذ لا يعقل خضوع كل ملوك جزيرة العرب لسليمان. فلم يكن ملكه قد جاوز حدود العقبة، كما نجد في التوراة، وقد ذكرنا إن لفظة "ها عرب"، أي "العرب" إنما كانت تعني الأعراب والبدو في العبرانية، ولذلك فجملة "وكل ملوك العرب" تعني " وكل رؤساء الأعراب"، وهم كثيرون. فقد كانوا قبائل وعشائر، ولكل قبيلة وعشرة سيد ورئيس. وقد كان منهم عدد كبير في فلسطين وفي طور سيناء.

(1/654)


ووجه "سليمان" أنظاره نحو البحر، ليتجر مع البلاد الواقعة على البحار، وليستورد منها ما يحتاج العبرانيون إليه، فأنشأ أسطولا تجاريا في "عصيون جابر" "Ezion Geber" على خليج الققبة بجانب "أيلمة" "أيلوت" "Eloth" "ايلات" "Elath"، من أرض "أدوم". وقد عرف خليج العقبة بي "بحر سوف"، "يم - سوف" "Yam-Soph" في العبرانية. ولما كان العبرانيون لا يعرفون البحر، استعان سليمان ب "حيرام" ملك "صور" في تستير الأسطول وتدريب العبرانيين على ركوب البحر. فأمده بخبراء من صور، تولوا قيادة السفن، يخدمهم رجال سليمان. فمخروا البحر حتى وصلوا إلى "أوفير"، وأخذوا من هناك ذهبا، زنته أربع مئة وعشرون وزنة، أتوا بها إلى سليمان. ويظن إن "عصيون جيبر" "عصيون جمبر" "عصيون جابر" "Ezion Geber" كانت عند "عين الغديان" في قعر وادي العربة، على رأي بعض الباحثين،أو "تل الخليفة" على رأي بعض آخر. وقد عرفت ب "Bernice" فيما بعد، وتقع إلى الغرب من العقبة. وقد قامت بعثة أمريكية بحفريات علمية بين 1938 و1940 في هذا الموضع، وظفرت - فيما عثرت عليه من الآثار- بأدوات مصنوعة من النحاس ومن الحديد. والظاهر إن سكان هذا الموضع كانوا يحصلون على النحاس من مناجمه الغنية في "طور سيناء".
وفي جملة ما عثر عليه من آثار في "تل الخليفة" جرتان، عليهما كتابات بأحرف المسند، وقد قدر أن تاريخ صنعهما لا يقل عن القرن الثامن قبل الميلاد. وتدل أحرف المسند هذه على إن صانعيها كانوا يكتبون بهذا القلم، وقد رأى بعض الباحثين، إنها من صنع أهل مدين. و إذا صح هذا الرأي فإنه يكون دليلا على آن المدينيين كانوا يكتبون به. ويرى "ريكمنس" "G. Ryckmans" أن لهذه الكشوف صلة بالمعينيين الذين كانوا في العلا وتبوك.

(1/655)


وترى طائفة من علماء التوراة أن "أوفير" التي اشتهرت بوفرة ذهبها، والتي أرسل "سليمان" إليها سفنا مع سفن "حيرام" في طلب الذهب وخشب الصندل والحجارة الكريمة، هي أرض في بلاد العرب. ونظرا إلى ورود اسمها بين "شبا" و "حويلة" في الإصحاح العاشر من التكوين، ذهب بعضا لعلماء إلى وقوعها في الأقسام الشرقية أو في الأقسام الجنوبية من جزيرة العرب. ورأى "كلاسر" إنها المنطقة الواقعة على ساحل خليج عمان والخليج العربي. وذهب نفر آخر من علماء التوراة إلى وقوع "أوفير" في إفريقية أو في الهند. ولكن الرأي الغالب إنها في العربية على ما ذكرت. وذلك، لما ورد في التوراة من أن "أوفير" ابن من أبناء "يقظان"، وقد ذكر بين "شبا" و "حويلة"، ونظرا إلى أن مواطن اليقطانيين هي ما بين "ميشا وأنت آت نحو سفار جبل المشرق". و "ميشا" وإن تباينت آراء العلماء في تعين مكانه فمنهم من ذهب أنه "ميسيني" "ميسان" "Mesene" على رأس الخليج، "خليج البصرة"، أو "ماش" "ماشو" "Mashu" الأرض المذكورة في الكتابات الآشورية، والتي تعني بادية الشام. أو أنه موضع "موزح" أ, "موسح" في نجد. إلا أنك ترى من كل آرائهم انه اسم مكان في بلاد العرب، أو اسم قبيلة عربية، وأن "سفار" وهي الحد الآخر من حدود منازل اليقطانيين هي ظفار" "Zafar" ، عاصمة مملكة حضرموت القديمة على رأي علماء التوراة. وما كانت أسماء أبناء يقطان المذكورين, والذين قد تحققنا من هويتهم كناية عن أسماء مواضع في جزيرة العرب، وجب إن تكون "أوفر" في جزيرة العرب كذلك.
ومن الباحثين من يرى إن "أوفير" هي "عسير"، ورأى آخرون إنها ارض "مدين" وقد رجح أكثرهم كونها على سواحل جزيرة العرب الغربية او الجنوبية، لأن الأماكن هي اقرب إلى الوصف الوارد في التوراة من الأماكن الأخرى.

(1/656)


وقد ذكر الهمداني في "معادن اليمامة" موضعا سماه "الحفير"، قال:" ومعدن الحفير بناحية عماية ، وهو معدن ذهب غزير". وصلة وجود الذهب فيه بغزارة، تنطبق على هذا الموضع أحسن انطباق، الا إن هذا الموضع بعيد عن البحر، ولكن من يدري? فلعل كتاب التوراة لم يكونوا يعرفون مكان "أوفير"، وإنما سمعوا بذهبه، الذي يتاجر به العرب الجنوبيون، من الموانئ الساحلية، فأرسل سليمان سفنه إلى مواضع بيعه في سواحل جزيرة العرب لشرائه ومن هنا ظن كتاب "العهد القديم" إن "أوفير" على ساحل البحر. و "الحفير" كما ترى اسم قريب جدا من "أوفير".
وقد ضرب المثل بكثرة تبر "آوفير"، وبحسن سبائك ذهبها، فورد في سفر "أيوب" على لسان "اليفاز التيماني" مخاطبا "أيوب"، داعيا إياه إلى توجيه وجهه لله:" فانك إن تبت إلى القدير، يعاد عمرانك وتنقي الإثم عن أخبيك، فتجعل التبر مكان التراب وسبائك أوفر مكان حصى الأودية" وأنشأ سليمان خطا بريا آخر ينتهي بأرض اشتهرت بالذهب كذلك، سميت في التوراة "ترشيش". وقد استعان سليمان بمدربين وملاحين من "صور"، أمده بهم "حيرام" ملك "صور". وكان الأسطول مختلطا إسرائيليا وحيراميا، يذهب مرة في كل ثلاث سنوات. وأما البضاعة التي يعود بها من "ترشيش" فهي ذهب وفضة وعاج وقردة وطواويس. ولم يتفق العلماء حتى الآن على تعيين موضع "ترشيش"، فرأى بعضهم إنه مكان في إفريقية، ورأى بعض آخر إنه في مكان ما من سواحل آسية الجنوبية، ورأى آخرون إنه في أسبانية. وكانت سفن صور تتاجر مع ترشيش وتربح من هذه التجارة ربحا فاحشا، كما جاء ذلك في التوراة.

(1/657)


وعلى أثر وفاة "سليمان" في حوالي سنة "937 ق. م." انشطرت حكومته شطرين: إسرائيل "Israel" و "يهوذا" "Judah". وقد أثر هذا الانقسام على أعمال العبرانيين التجارية الحرية، لذلك لا نسمع لها ذكرا في التوراة إلى أيام "يهوشافاط" "Jehoshaphat" ابن الملك "آسا" "Asa"، الذي حكم فيما بين "876" و "851" ق. م. تقريبا فتحدثنا التوراة إنه اتفق مع "أخزيا".ملك "إسرائيل" على بناء أسطول جديد في "عصيون جابر" ليسير إلى "ترشيش"، غير أن مأربهما لم يتحقق، إذ. تكسرت السفن، ولم تستطع السير إلى "ترشيش". ويظهر إنه أراد إحياء، فكرة "سليمان" القديمة في الاتصال بالبحر الأحمر والمحيط الهندي وبإفريقية وبسواحل جزيرة العرب الجنوبية وبسواحل آسية، إلا إنه لم ينجح. والظاهر أن العبرانيين لم يكونوا قد أتقنوا بناء السفن والسير بها في البحار، فأخفقوا، وأن نجاح "سليمان" في الوصول إلى "أوفير" و "ترشيش." مرده إلى خبرة ومهارة البحارة الصوريين الفينقيين.
ويظهر من سفر "الملوك الأول" إن "يهوشافاط" قام بنفسه منفردا ببناء السفن لإرسالها إلى "ترشيش"، غير إنها تكسرت في "عصيون جابر" فعرض "أخزيا بن آخاب" ملك إسرائيل عليه أن يبنيا أسطولا مشتركا، يشترك فيه ملاحون من إسرائيل وملاحون من يهوذا، إلا إنه رفض ذلك. ولم نعد نسمع بمحاولات أخرى للعبرانيين ترمي إلى إعادة فكرة "سليمان" في بناء سفن بحرية للاتجار بها مع البلاد الواقعة على البحر بمسافات بعيدة عن إسرائيل.
نعم، لقد كون "المكابيون" أسطولا تجاريا لهم جعلوا مقره في "يافا" "Jappa" ولكنهم لم يتمكنوا من بناء أسطول لهم يخترق مياه البحر الأحمر، ليزاحم العرب أو غيرهم فيه. فلم يكن الإسرائيليون من عقات البحر على شاكلة الفينيقيين أو العرب الجنوبيين أو سكان العروض. ولولا المساعدة الثمينة التي قدمها ملك صور لسليمان، لما استطاع العبرانيون أن يصلوا إلى "ترشيش ! أو "أوفير".

(1/658)


وقد انصرف "يهوشافاط" على ما يظهر إلى إقرار الأمن في حدود مملكته، وتحسين علاقاته مع "أخاب" ملك إسرائيل، ومع جيران "يهوذا"، حتى تمكن من عقد محالفات معهم، أدت إلى الاستقرار والهدوء، فلم يحاربوا "يهوشافاط"، وهذا مما جعل علماء يهود على التجول في مدن "يهوذا" لتعليم الناس أحكام دينهم. وحمل إليه "الفلسطينيون" هدايا وجزى دفعوها فضة، كما جاء في التوراة، ودفع إليه "العرب" كما تقول التوراة أيضا "7700" كبش و "7700" تيس. ويظهر إن "العرب" المذكورين، هم من الأعراب النازلين في "يهوذا" ومن الأعراب الذين يفدون عليها للاتجار ة وإلا فلم يدفع الأعراب الساكنون في خارج "يهوذا" جزى أو هدايا لملكها، وليس له سلطان عليهم? وقد ترجمت لفظة "عربايم" العبرانية بلفظة "عربان" في ترجمة "جمعية التوراة الأمريكانية" للتوراة إلى العربية. أما "الترجمة الكاثوليكية" فقد ترجمتها بلفظة "العرب". أما المراد من النص العبراني، فهو "الأعراب لأن لفظة "عرب"، لم تكن تعني يومئذ غلا هذا المعنى.
وتولى "يهورام" "Jahoram" "851-843 ق.م."، الحكم على مملكة "يهوذا" بعد "يهوشافاط". وتذكر التوراة أنه قتل جميع اخوته وبعض رؤساء إسرائيل بالسيف. وأنه أغضب إله "إسرائيل" بأفعاله المنكرة لذلك "أهاج الرب على يهورام روح الفلسطينيين والعرب الذين بجانب الكوشيين، فصعدوا إلى يهوذا وافتتحوا وسبوا كل الأموال الموجودة في بيت الملك مع بنيه ونسائه أيضا, ولم يبق له ابن إلا يهوحاز أصغر منه". وتذكر بعد ذلك أن الله ابتلاه بمرض في أمعائه وبأمراض رديئة "فذهب غير مأسوف عليه، وذفنوه في مدينة داوود، ولكن ليس في قبور الملوك".

(1/659)


ويظهر أن هجوم أيوب على "أورشليم" كان "هجوما شديدا عنيفا كاسحا، بدليل ما جاء في الآية التي أشرت إليها في التوراة، وفي الآية الأولى من "الإصحاح التالي" للإصحاح المذكور: "وملك سكان أورشليم أخزيا ابنه الأصغر عوضا عنه، لأن جميع الأولين قتلهم الغزاة الذين جاءوا مع العرب إلى المحلة". وفي هذا الهجوم الماحق دلالة على ضعف مملكة "يهوذا" وتضعضع الأمن فيها وعلى التناحر الشديد الذي كان بين السكان حتى أننا لنجد الشعب فرقا غير متثقفة، وأكثرها تخاصم الحكام.
ويرى "مرغيلوث" "Margoliouth" أن المراد بالعرب الذين بجوار الكوشيين. العرب الجنوبيين، أي سكان اليمن. وذلك لأنهم في جوار "ا لكوشيين" آي الحاميين، السودان، وهم سكان إفريقية، لا يفصلهم عنهم إلا مضيق "باب المندب". ويرى أيضا أن ذلك الهجوم كان بحرا، مستدلا على رأيه هذا بأن العرب المذكورين سرعان ما تراجعوا إلى منازلهم بغنائمهم وبما حصلوا عليه من أموال، دون أن يكلفوا أنفسهم البقاء في "أورشليم" والاستيلاء على "يهوذا"، وبمساعدة الفلسطينيين للعرب في هجومهم على يهوذا، وقد كان الفلسطينيون يسكنون سواحل فلسطين.
أما "موسل"، فيرى أن "العرب الذين بجانب الكوشيين"، هم العرب النازلون في الأقسام الغربية من "طور سيناء" وعلى حدود مصر، وفي الأقسام الجنوبية من "طور سيناء" وعلى مقربة من "أيلة". وقد كانت "طور سيناء" موطنا قديما للعرب، وقد أشير في الكتابات المسمارية إلى ملوك عرب، حكموا هذه الأرضين.

(1/660)


ويحدثنا الإصحاح السادس والعشرون من "أخبار الأيام الثاني" أن "عزيا" "Uzziah" ملك "يهوذا" "779 -740ق. م.". كان مستقيما في أول أمره مطبعا لأوامر الكهان، لذلك وفقه الله، فخرج "وحارب الفلسطينيين وهدم سورجت وسور يبنة وسور أشدود، وبنى مدنا في أرض أشدود والفلسطينيين وساعده الله على الفلسطينيين وعلى العرب الساكين في جوربعل والمعونيين. ويفهم من هذه الآيات أن الفلسطينيين والعرب كانوا جبهة واحدة متحدة ضد ملكة "يهوذا". وقد كبدوها خسائر فادحة كما رأينا. فلما تولى هذا الملك، أراد رمي صفوف أهل مملكة "يهوذا" ووقاية مملكته، وقد نال تأييد شعبه له، فحارب الفلسطينيين وتغلب عليهم، وحارب العوب الساكنين في "جوربعل" والمعونيين، وهدم أسوار المدن التي عرفت بعدائها ل "يهوذا"، وبنى مدنا جديدة في "أشدود" وفي الأرضين الساحلية المعروفة بفلسطين.
ومدينة "جث"، هي مدينة قديمة في تخوم "دان"، وبها ولد "جليات" "كلياث" "Goliath" جبار الفلسطينيين كما أنها إحدى مدنهم الخمس. وكانت في أيام داوود في يد الفلسطينينن، وكان عليها ملك اسمه "أخيش" "Achish"، ولم يعرف مكانها بالضبط. وأما "يبنة"، وتعرف أيضا ب "يبنئيل"، فإنها من مدن الفلسطينيين كذلك. وهي "بينة" في الزمان الحاضر، وتقع على بعد "2 ا" ميلا جنوب "يافا" و "3" أميال شرقي البحر، أو "يمنة" على مسافة 7 أميال جنوبي "طبرية".

(1/661)


ولم يتمكن علماء التوراة من تثبيت موضع "جوربعل". وتعتي لفظة "جور" "مسكن"، فكون تفسر "جوربعل" "مسكن بعل". ويظهر من ذكر الفلسطينيين والعرب الساكنين بهذا المكان والمعونيين بعضهم مع بعض أن أرضيهم كانت قريبة بعضها من بعض، وأنهم كانوا يدا واحدة على "يهوذا". ويرى "موسل" أن الزاوية الشمالية الغربية من أرضى "حسمى" هي "جوربعل". وتقع في رأيه على مقربة من جبل "إرم" الذي يعرف اليوم باسم "رم"، وهو "Aramaua" في "جغرافية بطلميوس"، ويكون حد ا من الحدود الشمالية للحجاز. وذهب بعض الباحثين إلى أن "جوربعل" تعني "صخرة بعل"، في بعض النصوص الإغريقية، ولهذا فسروها بي "بطرا". ولذلك قالوا إن العرب المذكورين كانوا العرب الساكنين عند "بطرا" "سلم" "Petra".
وأما "المعونيون"، فان آراء علماء التوراة متباينة كذلك في تعيين هويتهم. وقد ذهب.بعضهم إلى انهم جماعة من "المعينيين"، الذين كانوا في "ديدان"، وكونوا مملكة معينية شمالية. وذهب بعض آخر إلى انهم سكان "معين مصران".
وقد استعاد "عزيا" "أيلة" "ايلات" "Eloth" "elath"، وبنى ميناءها، وتقع في أرض "آدوم"، وهي فرضتها الشهيرة، ويقع على مقربة منها ميناء "عصيون جابر" الذي تحدثت عنه. وقد بقيت في ملك "يهوذا" إلى إن استولى عليها ملك "أرام". وقد حاول "عزيا" ومن جاء بعده، جعل "ايلات" "أيلة" ميناء "يهوذا" الجنوبي، وذلك للاستفادة منه في الاتجار مع إفريقية والبلاد العربية وسواحل آسية الجنوبية، تطبيقا لخطة "سليمان"، إلا إن هذا الأمر لم يتحقق، إذ لم تكن مملكة "يهوذا" قوية متمكنة في هذه المناطق الجنوبية، التي كانت هدفا للغارات والحروب.
ويظهر إن مينماء "عصيون جابر" كان قد خرب أو امتلا يالرمال، فلم يصلح للاستعمال، فرأى "حمزيا" استبدال مين اء "أيلة" به، وقد يكون ماء هذا الميناء أعصق وأصلح للملاحة وللمواصلات من ذلك المين اء، لذلك وخ اخنيار ملك "يهو ذ ا" عاث * ?.

(1/662)


وفي أخبار حملة "سنحاريب" التاسعة ما يفيد إن "حزقيا"- ملك "يهوذا" استخدم ال "الأريبي"، أي الأعراب، فيمن استخدمهم للدفاع عن القدس "أورشليم"، حينما حاصرها ملك آشور. ولم يكن هؤلاء العرب، إلا أعرابا من سكان "يهوذا"، ومن سكان الأرضين الأخرى في فلسطين.
وعلى عاتق هؤلاء الأعراب وقعت مسؤولية الدفاع عن القدس، حيث قاموا بدور كبير في الدفاع عنها وفي مقاومة الآشوريين.
ولما سمح الفرس ليهود بابل الذين كانوا في الأسر بالعودة إلى بلادهم، توسل "نحميا" إلى "ارتحشبا"، ملك الفرس، بالسماح له بالعودة إلى القدس، وكان "تحميا" نديما للملك، يسقيه الخمر ويؤانسه، فسمح له. ولما وصل إليها، وجد المدينة خربة، وقد تهدمت أسوارها واقتلعت أبوابها، فجمع سكانها وأمرهم بإعادة بناء الأسوار وإصلاح الثغر والثلم التي فيها، وعمل أبواب جديدة. ولكنه، لقي معارضة شديدة من "سنلبط الحوروني" و."طوبيا العبد العموني" و "جشم العربي"، إذ عارضوا في إعادة بناء الأسوار والأبواب وهددوه بالزحف على المدينة. ونجد في "سفر نحميا" وصفا لموقفهم من "نحميا"، فيه استهزاء وسخرية به وازدراء بأمر سكان "أورشليم" وبالسور الذي أخذني بنائه، وبين المستهزئين أناسمن العبرانيين. " ولما سمع سنبلط إننا آخذون في بناء السور، غضب واغتاظ كثيرا، وهزأ باليهود، وتكلم أمام اخوته وجيش السامرة، وقال: ماذا يعمل اليهود الضعفاء ? هل يتركونهم ? هل يذبحون ? هل يكملون في يوم ? هل يحيون الحجارة من كوم التراب وهي محرقة ? وكان طوبيا العموني بجانبه، فقال: إن ما يبنونه إذا صعد ثعلب فانه يهدم حجارة حائطهم". وقد تأثر "نحميا" من هذا الازدراء الشائن كثيرا، فتراه يوجه وجهه لربه ونخاطبه قائلا: "اسمع يا إلهنا لأننا قد صرنا احتقارا ورد تعييرهم على رؤوسهم واجعلهم نهبا في أرضي السبي".

(1/663)


وصمم "نحيا" كما يقول على الاستمرار في البناء حتى إكماله " فلما سمع سنبلط وطوبيا والعرب والعمونيون والأشدوديون إن أسوار أورشليم قد رممت، والثغر ابتدأت تسد، غضبوا جدا، وتآمروا معا أن يأتوا ويحاربوا أورشليم ويعملوا بها ضررا". ولكنهم كما يفهم من "نحميا" لم ينفذوا تهديدهم بالهجوم على القدس، بل بقوا يتكلمون ويهددون، يرسلون الرسل إلى "نحميا" للاجتماع به "، ويذكر "نحيا" انهم لم يكونوا يريدون من هذا الاجتماع إلا الفتك به، فرفض. وعندئذ تراسل "سنبلط" و "طوبيا" مع أحد رؤساء "أورشليم" وهو "شمعيا بن دلايا"، ليدخل "نحميا" الهيكل، ثم يعلن للناس إنه دخل الهيكل خائفا هاربا، فتسقط منزلته من أعند الناس. وقد أحس "نحيا" بالمؤامرة، فرفض الدخول كما يقول.
وكان "جشم" العربي، من أشد المعارضين لبناء السور،ولتحصين القدس، وذلك لأنه كان يرى في هذا العمل إعادة لدولة "يهوذا" ولتنصيب "نحميا" ملكا على "أورشليم". وقد صرح برأيه هذا إلى "نحميا" في رسالة وجهها إليه نقل "نحميا" منها هذه الكلمات: "وجشم يقال: أنلك أنت واليهود تفكرون إن تتمردوا، لذلك أنت تبني السور لتكون لهم ملكا بحسب هذه الأمور. وقد أقمت أيضا أنبياء لينادوا بك في أورشليم قائلين في يهوذا ملك".
وما كان "جشم"، ليعارض بناء أسوار القدس ووضع الأبواب لها، وإعادة حكومة "يهوذا" التي قضى عليها البابليون إلى الوجود لو لم يكن صاحب سلطان وحكم في أرضين تجاور القدس، وهذا رأى في إعادة الملكة إلى القدس عاصمة ملكة "يهوذا" المنقرضة، تهديدا له ولمن تحالف معهم على مقاومة هذا المشروع.

(1/664)


و "جشم" "Geschem" اسم من الأسماء العربية المعروفة. وفي القبائل العربية قبيلة يقال لها "جشم"، وهي من قبائل "بني سعد"، وهو أيضا "جشم" من أسماء الرجال. ويرد بصورة: "جشم" في الكتابات النبطية. ولم يشر "نحميا" إلى موطنه ومكانه، ولذلك لا ندري أين كان. وقد ذهب بعض الباحثين في التوراة إلى إنه كان من أهل "السامرة" "Samaria"، وذهب بعض آخر إلى إنه كان من أهل المناطق الجنوبية من "يهوذا" وأنه كان رئيس قبيلة فيها.
وذهب بعض، الباحثين إلى أن "جشم بن شهرو" "جشم بن شهر"، هو "جشم" المذكور في التوراة. وهو أحد ملوك قبيلة "قيدار" "قدار" "قدرو". وهو الذي عارض "نحميا" في سنة "444" قبل الميلاد في إعادة بناء سور "أورشليم". وقد كانت "قيدار" ملكة تسيطر على أرض تمتد من "دلتا" النيل إلى حدود مملكة "يهوذا" فجنوب "ديدان" بحوالي "21" كيلومترا نحو الجنوب في الحجاز، أما في الغرب فتصل حدودها بالبادية. فملك "قيدار" وهو "جشم بن شهر"، كان إذن هو المعارض لبناء السور، وفي معارضته هذه دلالة ولا شك على مقاومته لمحاولة إعادة دولة إسرائيل،من بعد السبي.
ويظن أن الإناء الذي عثر عليه بصير في موضع يقع على مسافة اثني عشر ميلا إلى غرب الإسماعيلية، وقد دون عليه اسم شخص يدعى "قينو بن جشم ملك قيدار"، هو ابن "جشم" المعاصر "لنحميا". وعلى ذلك يكون أحد ملوك "قيدار".
وقد كانت "طور سيناء" منذ القديم أرضا يسكنها العرب، حتى في أيام داوود وسليمان. ونجد أن رسالة "القديس بولس" إلى أهل غلاطية تجعل جبل سيناء في ديار العرب، وتذكر أن "طور سيناء" موطن أبناء هاجر، أي العرب. كما تجد أن النقب ووادي عربة كانا من مواطن الأعراب. وقد كان أعراب "جشم" وغيره ينتقلون وينزلون في هذه المواطن وعلى مقربة من القدس.

(1/665)


وفي هذا العهد وصل الاتجار بين فلسطين وبين العربية ذروته. فعثر على مواد كثيرة في مواضع متعددة من فلسطين استوردت من العربية الجنوبية. كما عثر في حضرموت على آثار تدل على إنها استوردت من فلسطين وبلاد الشام. وقد كانت حاصلات العربية الجنوبية هي من أهم السلع المطلوبة في فلسطين. ترسل، إليها عن طريق البر على ظهور الجمال.
ومنذ عهد "نحميا" أي أوسط القرن الخامس قبل الميلاد، أخذ العبرانيون ينظرون نظرة عداء إلى العرب، ويعدونهم في الجماعات المعادية لهم. وذلك مما يدل على اتخاذهم موقفا موحدا ضد العبرانيين وعلى توغلهم في فلسطين في المناطق التي حكمتها حكومتا "إسرائيل" و "يهوذا"، ولهذا اشتدت مقاومة العرب للعبرانيين واتحدوا مع الشعوب الأخرى في. قاومتهم، وفي منعهم من إعادة تكوين حكومة يهودية في هذه البلاد.
ولما تولى "يهوذا المكابي" مؤسس أسرة "المكابيين" "Maccabees" "166-161ق.م." الحكم، حارب أعداء العرانين، وكان من بينهم "تيموتاس" "Timotheus" رئيس "العمونيين"، "الذي استأجر جيشا من العرب ومن الغرباء يحارب به "يهوذا"، غير إنه أصيب كما يقول "سفر المكابين" بخسائر في كل المعارك التي خاضها مع "يهوذا"، ولم يتمكن من الانتصار علية.
وقد تحدث سفر المكابيين الثاني عن "تيموتاس" هذا، فقال: "ثم ساروا "أي اليهود" من هناك تسع غلوات زاحفين على تيموتاس، فتصدى لهم قوم من العرب يبلغون خمسة آلاف، ومعهم خمس مئة فارس، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان الفوز لأصحاب يهوذا بنصرة الله، فانتصر عرب البادية، وسألوا يهوذا إن يعاقدهم على أن يؤدوا إليهم مواشي ويمدوهم بمنافع أخرى". ولعل هؤلاء العرب، هم العرب المذكورون، الذين ذكر السفر الأول من المكابيين أن "تيموتاس" كان قد استأجرهم لمقاتلة اليهود. وقد كانوا من أعراب البادية، كما نرى ذلك في هذا النص.

(1/666)


وورد في "سفر المكابيين الأول" اسم سيد قبيلة عربية هو "زبديئيل" "زبدايل" "زبديل"، وكان يقطن في "ديار العرب"، كما جاء ذلك في السفر المذكور. ذكر السفر اسم هذا الرئيس وهو يتكلم على فرار "اسكندر بالس" "Alexander Balas" إلى "ديار العرب"، وكان قد مني بهزيمة أوقعه بها "بطلميوس" "بطلماوس" "Ptolemy"، عمه أي والد زوجته. وكان قد تخاصم معه. فلما وصل "إسكندر بالس" إلى "ديار العرب"، قبض عليه "زبديئيل"، وقطع رأسه، وأرسله إلى "بطلماوس".
ولم يتحدث السفر المذكور عن منزل "زبديئيل"، ولم يحدد مكان "ديار العرب"، وعندي أن المراد ب "ديار العرب" بادية الشام، والأرضيين التي دعاها الأشوريون ب "أريبي" "Aribi"، وهي موطن آمن لمن يصل إليه، إذ يصعب للجيوش النظامية أن تقاتل فيها. وقد كان "زبديئيل" من رؤساء البادية في هذا الزمن. وهو حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد. وكان الحاكم على اليهود هو "يوناتان" من المكابيين.
ويذكر "سفر المكابيين" أيضا أن "تريفون" "Tryphon"، وهو أحد قواد "إسكندر بالس" ومن جماعته، ذهب إلى رجل عربي اسمه "ايملكوئيل"، وكان يربي "أنطيوخس بن الإسكندر"، فألح عليه أن يسلمه إليه ليملكه مكان أبيه، ومكث عنده أياما. وقد تمكن عربي مع حقد العبرانيين المتزايد على العرب من حكم اليهود وهن تأسيس أسرة حاكمة حكمتهم ? ذلك الرجل هو "انتيباتر" "Antipater" الأدومي، نسبة إلى "أدوم" "Edom" "Idumea" "Idumaea"، وهم سكان جيل سعير، الذين دعاهم "اويسبيوس" "Eusebius" باسم "Gabelene" أو "Gabalen" أي الجبليين.

(1/667)


فقد تمكن هذا الرجل الذي لم يكن من أسرة ملكية ولا من أسرة معروفة بفضل شخصيته وبقوته من فرض نفسه حاكما على "ادوم" "Idumaea"، ثم تمكن من جل نفسه حاكما "Procurator" على اليهودية "Iudaea" "Judaea"، وذلك في حوالي السنة "33" قبل الميلاد. وفي خبر إن "يوليوس قيصر" "Julius Caesar"، اعترف به "Procurator" على اليهودية في حوالي السنة "47" قبل الميلاد.
ولما وقعت الحرب بين "يوناتان" المكابي "161 - 143 ق. م." و "ديمترتوس الثاني"، ضرب "يوناتان" العرب المسمين بالزبديين "Zabadaeans" وأخذ منهم غنائم كثيرة. حدث ذلك في سنة "144 ق. م.". ويرى بعض علماء التوراة إن هذه القبيلة العربية قبيلة "زبد" "زبيد" كانت تنزل في موضع في شمال غربي "دمشق"، ويرى بعض آخر احتمال إن ذلك المكان هو "الزبداني"، الذي يبعد عشرين ميلا من الشام على طريق دمشق بعلبك. وأرى إن من المحتل أن يكون هؤلاء "الزبديون" هم سكان "زبد"، وهو خرب في الزمن الحاضر، يقع بن قنسرين ونهر الفرات. وقد اشتهر عند المستشرقين بالكتابة التي عثر عليها في هذا الموضع، وقد كتبا باليونانية والسريانية والعربية، ويرجع تأريخها إلى سنة "511م". وقد أدخلهم "يوسفوس" في عداد النبط.
و "أرتاس زعيم العرب" الذي طرد "ياسون" من بلاده حينما التجأ إليه فارا من الملك "أنطيوخس"، هو "الحارث" أو "حارثة" وهو من ملوك النبط، ولا شلك. وقد ذكر اسمه في سفر المكابيين الثاني.
وفي أيام "سترابون" كان العرب في جملة سكان مدن فلسطين، مثل القدس و "يافا" و "الجليل". وذكر "سترابون" إن "ا لأدوميين" "Idumaens" كانوا يقطنون الأقسام الغربية من "اليهودية" "Iudaea"، وهم على حد قوله من "النبط". ولما كان "سترابون" قد نقل كلامه من موارد أخرى قديمة، فما ذكره يفيد إن العرب كانوا يقيمون في فلسطين قرونا عديدة قبل الميلاد.

(1/668)


وقد ذكر العرب في جملة الشعوب الساكنة في "أورشليم" يوم مرور الخمسين يوما على المسيح. ويظهر من أعمال الرسل إن أهل القدس كانوا خليطا في تلك الأيام من معظم شعوب العالم المعروفة يومئذ.
وقد أطلق العبرانيون اسم "طيعة" و "طيابة" على العرب، محاكاة لبني إرم. فتجد اللفظة في "التلمود" وفي كتابات العبرانيين المدونة في القرون الأولى لميلاد. وقد أخذ الاسم "طيعة" و "طيابة" من "طيء" اسم القبيلة المعروفة، على فى ما ذكرت في الفصل الأول.
وقد ذكرت في "المدراش" قبيلة عربية عرفت ب "سوجي"، لعله "سواجر"، أو ما شابه ذلك من أسماء.
وفي التوراة مصطلحات يرى العلماء إنها كناية عن العرب. ففيها مصطلح "بني قديم" "Bene Kedem"، ومعناه: "أبناء الشرق"، ويقصد به الساكنون شرق العبرانيين، أي سكان بادية الشم، وهو في معنى "شركوني" "شرقوني"، أي الساكنون في المشرق. وهم كما نعلم قبائل عديدة من العرب سكنت هذه البادية قبل الميلاد بمدة لا يعلمها إلا الله. وقد يكون من بين هؤلاء أقوام من الآراميين.
وقد وصفت التوراة بعض عادات العرب ورسومهم، كما تعرفت لتجارتهم. ولما كانت "فلسطين" امتدادا طبيعيا لجزيرة العرب، وجزء منها، وكانت على طريق مصر وبلاد الشام وعلى ساحل البحر المتوسط، صارت سوقا مهمة للتجار العرب وللأعراب، يأتونها لبيع ما عندهم من سلع، وأهمها أنواع الطيب والذهب والحجارة الكريمة والأغنام والأعتدة وحاصلات بلاد العرب الأخرى، كما كانوا يشترون من أسواقها ما فيها مما يحتاجون إليه من حاصلات حوض البحر المتوسط وبلاد الشام وفي جملة ذلك الرقيق.

(1/669)


وورد في "التلمود" اسم صنم عربي دعي "نشرا"، ويقصد به "نسر" ولاشك. وهو من أصنام العرب المعروفة. وقد ذكر "ابن الكلبي" إن حمير تعبدت لنسر. كما إنه ذكر في "التلمود" أيضا "حج الأعراب"، وذكر إن مواسم حجهم كانت تتغير بتغير فصول السنة. وقد تعرض للأحكام الشرعية. الخاصة بدخول البيوت، فذكر إنها لا تنطبق على خيام العرب، لأنها متنقلة، فلا تستقر في مكان واحد. كما ذكر إن من عادة نساء العرب التحجب عند خروجهن إلى المحال العامة. ولعله يقصد بذلك نساء المدن، وذكر إن من عادة الرجال وضع اللثام على وجواهم في أثناء السفر لوقايتهم من الرمال، وأشار إلى أن للعرب مقدرة فائقة في معرفة مواضع المياه في الصحراء بمجرد شم الرمال. وورد في "المشنة" "المشنا" إن أغلب طعام العرب من اللحوم.
وقد ورد في "السنهدرين"، أن أحد اليهود قص على الحبر "حية" "R. Hiyya"، إنه رأى مسافرا عربيا أخذ سيفا بيده فقطع به جملا قطعا، ثم أخذ "جرسا" فدق به، فنهض الجمل حالا، وكأنه لم يقطع إربا، فقال له الحبر، إن ما حدث هو نوع من الخداع.
ونجدا "السنهدرين" كلاما ل ""ربه بن برحنه" "Rabbah B. Bar Hana" يروي فية "، أنه كان مسافرا، وفي أثناء سفره التقى به عربي، فقال له: تعال معي وسأري ك الموضع الذي انشقت به الأرض وابتلعت جماعة "القورحيين" "قورح" "Korah". فذهب معه إليه، ورأى به دخانا. ثم أخذ العربي قطعة من صوف وبلها بالماء، ثم وضعها على رمح له، ثم أدخلها الموضع فاستشاطت بالنار. ثم قال للعربي أصغ إلى المكان، لعلك تسمع شيئا فيه. فسمع أصواتا تقول:"موسى وتوراته على الحق، أما القورحيون فهم كذابون" ثم قال له في كل ثلاثين يوما يتحول هؤلاء في جهنم "Gehenna"، تحول اللحم في القدر، وهو يقولون: "موسى وتوراته على حق، أما هم، فهم كذابون".

(1/670)


ونجد قصة هذا الحبر في "بابا بثرا" "Baba Bathra" حيث يقول: لقد كنت في سفر في صحراء، فالتقى بنا تاجر عربي، وكان ممن يستطيع التنبؤ يمواضع المياه وبالأبعاد وبالطرق من شم التربة، فأردنا الاستفسار منه عن أقرب مكان إلينا فيه ماء. فقال لنا: أعطوني رملا فأعطي، فشمه ثم قال أقرب مكان اليكم فيه ماء هو على بعد ثمانية فراسخ "Parasangs" ثم سرنا وأردنا الاستفسار ثانية منه، فقدمنا له رملا، شمه ثم قال لنا الماء على بعد ثلاثة فراسخ من هذا المكان. ثم حاول هذا الحبر اختباره لمعرفة مدى صدقه من كذبه، فأبدل الرمل، فلما قدم إليه رملا آخر. لم يستطع أن يقول شيئا.
ويقص علينا قصة أخرى يزعم أنها وقعت له مع هذا التاجر العربي، حيث يقول إنه قال له: تعال م ثي أريك "أموات التيه"، أي الإسرائيليين الذين ماتوا في التيه، في طريقهم إلى أرض الميعاد. فذهب الحبر معه، ورأى الأموات وكأنهم في حالة فرح وسرور، وقد رقدوا على أظهرهم، ثم يقول: وقد رفع أحد هؤلاء الأموات ركبته، ومر التاجر العربي من تحت تلك الركبة، وقد كان حالملا رمحه راكبا بعيره، ومع ذلك فإن رمحه لم يمس رجل الميت. ثم يقول وقد ذهبت إلى أحد الأموات الراقدين فقطعت جزءا من ذيل ردائه الأزرق العميق، وعندما حاولت الرجوع، لم أتمكن من الحركة وبقيت ثابتا في مكاني، فقال له العربي: إذا أخذت شيئا من هؤلاء فأرجعه إلى محله، وإلا فإنك ستبقى ملتصقا في مكانك،لأن من يتطاول على حرمة الراقدين فيأخذ شيئا منهم، يجمد في مكانه، ولا يستطيع التحرك. فذهبت وأرجعت القطعة وتمكنت عندئذ من السير.

(1/671)


ثم يذكر أن هذا التاجر العربي أخذه إلى جبل الطور "جبل سيناء" "Mount of Sinai" فأراه إياه، ثم أخذه إلى الموضع الذي انشق بالقورحيين، جماعة "قورح"، فأراه شقين في الأرض، ووجد الدخان لا يزال يخرج منهما، ثم يذكر إنه اخذ قطعة الصوف وادخلها هو بنفسه، ثم أخرجها و إذا بها وقد علقا بها النار، ثم يقص باقي القصة على نحو ما جاء في "السنهدرين".
ونجد في "مينحوت" "Menahoth" فتوى تتعلق في نجاسة أو طهارة قرب الماء. وقد ورد في هذه الفتوى، أن القرب التي تشد وتعقد بعقدة تكون طاهرة، إلا إذا عقدت بعقدة عربية. فإنها تكون نجسة ولا يحل الشرب منها.
ونجد هذا البحث مرة أخرى في" مكان آخر من "المشنة" في كتاب ال "قليم" "Kelim"، أي "كتاب الأواني والأوعية" من "كتاب الطهارة"، حيث عرضت آراء الأخبار قي قرب الماء وفي كيفية عقد عقدتها لمدة طويلة أو لمسة قصيرة، ومن حيث شدة العقدة أو رخاوتها، وتأثر ذلك في طهارة الماء. فأشير إلى قرب ماء العرب وموقفهم من الشرب منها أو من الاستفادة من مائها وهل يعد ماؤها طاهرا أو نجسا في الشريعة اليهودية ? وقد جاءت آراء الأخبار متباينة في ذلك. ويظهر إن اتصال العرب باليهود اتصالا وثيقا بالعراق، وسكن اليهود بين العرب في بلاد العرب، أثار أمام اليهود هذه المشكلة الفقهية، فهم مضطرون دائما إلى الاتصال بالعرب وإلى شرب الماء منهم، فظهرت من ثم عندهم هذه المشكلة، وكان على الأحبار بيان رأيهم في طهارة ماء القرب، وقرب العرب مشها بوجه خاص، لما في ذلك من علاقة بقضية الطهارة والنجاسة ومكانتها في فقه يهود.
وفي موضع آخر من كتاب "الأواني والأوعية" "Kelim"، بحث عن جواز أو عدم جواز ارتداء بعض الأردية وموقف الشريعة من أكسية الرأس وأغطية الوجه والجسم، فبحث في جملة ما بحث عنه، عن القناع الذي يصنعه العرب على أوجههم وعن تلثمهم به، فهل يجوز لليهودي شرعا إن يفعل فعل العرب أم لا.

(1/672)


وقد استثنت "المشنه" في كتاب "أو حولت" أي "الخيام"، عشرة مواضع من تطبيق أحكام الشرع عليها، بخصوص طهارتها أو نجاستها لكون ساكنيها من الوثنيين. وقد ذكرت مضارب خيام العرب على رأس. هذه المواضع العشرة التي لا تخضع لحكم الشريعة في موضوع حكم طهارتها أو نجاستها. وذلك لأن مضارب البدو غير مستقرة، إذ إن الأعراب يتنقلون من مكان إلى آخر. لذلك لا يمكن تطبيق الأحكام الشرعية التي تطبق على العقار الدائم عليها في موضوع نجاسة الأثاث والأواني كل شيء يكون تحت الخيمة التي يموت فيها إنسان، ولأن أصحابها غير يهود.
وقد أشير في "مينحوت" "Menahoth" إلى موضوع تقديم طعام مطبوخ في موقد عربي، هل يقبل أو يرفض. فأشار بعض فقهاء الشريعة اليهودية إلى عدم جواز الأكل من ذلك الطبيخ.
ونجد في "بابا بثرا" "Baba Bathea"، إن الحبر "ماير" "R. Meir" يسثني النبط والعرب والسلمونيين "Salmoeans" من الوعد الذي أعطاه الله لموسى حين أراه الأرض الموعودة. ويظهر إن "السلمونيين"، هم قبيلة من القبائل العربية الشمالية. لعل لاسمهم علاقة ب "سلمان".
وقد ورد ذكر العرب في كتاب الحيض "نده" "Niddah" من كتاب "الطهارة" في الفقه اليهودي. وذلك في موضوع العبدة وهل يجوز الاتصال بها، أو لا يجوز، على اعتبار إنها خصصت لأداء الأعمال لا للاتصال الجنسي. وقد أجاز الحبر "شيشت" "R. Shesheth" إيداع العبدة أي المملوكة إلى العرب، على إن يقال لهم احترسوا من الاتصال بالإسرائيليات.
وفي التلمود والمشنه والكمارة مسائل، فقهية أخرى عديدة يخرجنا ذكرها هنا من حدود هذا الموضوع تتعلق بموضوع صلات العرب واليهود. في مثل موقف الشريعة اليهودية من ذبائح العرب، وهي التي يذبحها اليهود للعرب في مقابل إعطائهم اللحم ليقدم العرب دمها وشحمها للأصنام.

(1/673)


وموقف الشريعة من المرأة التي يأسرها الأعراب ثم تعاد بعد ذلك إلى أهلها بعد فك أسرها، هل يجوز للحبر أو لغيره التزوج منها أو لا? أو موقف الشريعة من المملوكة اليهودية التي تكون في أيدي العرب، من حيث احتمال دخول العرب بها. أو موقف الشريعة من الحبوب أو المواد الأخرى التي تقع بين روث ماشية العرب، أو دخول إبل العرب في "كثوبة" "Kethubah" يهودي. أو موقف اليهودي من المرأة. أو موضوع نظر اليهودي إلى عضو كل جسم امرأة عربية، مثل صدرها حينما يمر في مكان ويراها وقد كشفت عن صدرها لترضع رضيعها، أو موقف الشريعة اليهودية من المختتنين العرب.
ونجد في باب "الشهادات" "الوثائق" "كظين" "خطين" "Gittin" قولاء لأحد الأحبار يقول: إن امرأة عربية جاءت إلى أحد اليهود تحمل كيسا فيه تعاويذ لبيعها، فقال لها اليهودي أعطيك تمرتين عن كل تعويذتين. فاغتاظت المرأة ورمت ما حملته في النهر. فندم اليهودي وقال وددت لو لم أكن قد أعطيتها هذا العرض الرخيص.

(1/674)


وقد نشأت هذه المعضلات الفقهية من اختلاط اليهود بالعرب في فلسطين وفي الأماكن التي هاجروا إليها من بلاد العرب من جراء ضغط الرومان عليهم، وعدم تمكنهم من ممارسة عبادتهم في البلاد الخاضعة للحكم الروماني بسهولة وبحرية تامة، فهاجر كثير منهم إلى أعالي الحجاز وإلى العراق حيث اختلطوا بالعرب وعاشوا بينهم في مثل "الأنبار" و "فومبديثة" و "زقونية" "زكونية" "Zekonia"، وهو موضع على مقربة من "فومبديثة". وموضع "بمكسه" "Be-Mikes"، "نهردعة" "Nehardea" وسورا "Sura" وأماكن أخرى من العراق. وقد كان ليهود الفرات اتصال وثيق بالعرب وكانوا يعيشون معهم في كثير من الأماكن ويتاجرون معهم. وكون اليهود لهم "كالوتا" أي "جالبة" عاشوا فيها متمتعين بشبه استقلال ذاتي، يدير رؤسائهم "كالوتاتهم"، ويكونون هم المثلين لأتباعهم أمام السلطات صاحبة النفوذ الفعلي، كما كانوا يعقدون أحلافا مع الأعراب على طريقة أهل المدن والحضر في عقد مواثيق مع سادات القبائل لمنع الأعراب من غزوهم ومن التحرش بأملاكهم وتجاراتهم.
وأود إن أشير هنا إلى أهمية "المتلمود" و "المشنه" و "الكماره"، بالنسية لتأريخ العراق، ففي أبوابها بحوث قديمة عن موطن العراق وجغرافية العراق في عهد تدوين هذه الكتب، وهي يمتد لمئات من السنن. ففي "القبدوشين" مثلا، أسئلة وأجوبة عن "إقليم بابل" وعن "ميسان" "Mesene" وعن "ميديا"، وقد وردت فيها أسماء مدن وأنهار وقرى وغير ذلك مما يساعد كثيرا في فهم جغرافية العراق في عهود ما قبل الميلاد وما بعده.

(1/675)


وقد تساهل الفرس في الغالب مع اليهود، فمنحوهم استقلالا ذاتيا واسعا في إدارة شؤون مستوطناتهم وفي ممارسة طقوسهم الدينية وفي الاتجار، حتى صارت كل مستوطنة تدير شؤونها بنفسها وتختار حاكمها بنفسها، حتى إن بعضها وضعت على رأسها حاكما يهوديا لقبته بلقب "ملك"، أدار شؤون الجالية طبقا لأحكام يهود. وكان هؤلاء الحكام هم الصلة بين اليهود وبين الفرس. وقد صارت بعض هذه المستوطنات من أهم المراكز العملية ضد اليهود في العالم، وفي ضمن ذلك فلسطين. وفي هذه المواضع دون "التلمود البابلي"، دونه أحبارهم الذين استقروا في العراق. وهو يعد من أثمن التراث العبراني الذي ظهر عند اليهود. وقد تأثر بالروح العراقية حتى امتاز بها على التلمود الأورشليمي، أي التلمود الذي كتب في فلسطين.
وقد لاقى اليهود مساعدة حسنة من العرب، وعوملوا معاملة طيبة. وبظهر من مواضع في التلمود والمشنه، إن العبرانيين فروا إلى جزيرة العرب منذ أيام "بخت نصر". وقد تأثر اليهود النازحون إلى جزيرة العرب بعادات العرب ورسومهم. ويحدثنا "أبا أريخا" من الأحبار وكبار علماء التلمود في القرن الثالث الميلادي، إن اليهود كانوا يؤثرون حكم الإسماعيليين، ويقصد بهم العرب، على الرومان، ويؤثرون حكم الرومان على حكم المجوس. ومع ذلك، فقد حدث خصام بين العرب واليهود، فنجد في "التلمود" مواضع يظهر فيها حقد اليهود على العرب وكراهيتهم لهم. كالذي يظهر من كلام "الحبر يشوعه بن ليفي"4 "يشوعه بر ليفي"، حين رأى أكواما من العنب مكدسة، فقال: "يا للبلاد يا للبلاد". لمن هذه، لأولئك العرب "الوثنيين" الذين ثاروا علينا لخطيئتنا. وكالذي يظهر من كتاب "قدوشيين" "Kiddushin"، حيث ورد، "أعطي العالم عشرة "قابات" من الوقاحة، خص العرب بتسع منها". وفي هذا الكلام دليل على تطاول العرب على اليهود في المواضع التي كانوا يعيشون بها معا. وحقد لليهود عليهم من أجل ذلك.

(1/676)


ونجد في الأخبار السريانية والعبرانية أخبار غارات وغزوات قام بها عرب العراق على الجاليات اليهود التي انتشرت من "بابل" وما جاورها حتى جاوزت شمال "عانه" على نهر الفرات. وقد أزعجت هذه الغارات لليهود الذين حولوا هذه الأرضين إلى أرض سادتها وغليتها حتى صيرتها على شاكلة "وادي القرى" عند ظهور الإسلام. فاضطروا تحصين مستوطناتهم وأحاطتها بأسوار وإلى تشكيل قوات تقوم بحمايتها ليل نهار حتى في أيام السبت والأعياد اليهودية، مع تحريم الشريعة اليهودية العمل يوم السبت. وأباح الأحبار لهذه القوات حمل السلاح في أيام السبت وفي أيام العطل حتى تكون على استعداد للدفاع عن تلك المستوطنات في أية لحظة يشن فيها الأعراب غاراتهم عليها، إذ يحتمل إنها تقوم بقتل اليهود.
وقد ترض الرعاة اليهود الذين كانوا يخرجون بماشيتهم من مستوطناتهم إلى البنية أو إلى ضواحي مستوطناتهم إلى غارات الأعراب عليهم، وسلبهم ماشيتهم، كما تعرض اليهود إلى الأسر، فأسر عدد منهم، نساء ورجالا. حتى سلبوا. وأسروا بعض الأحبار، لذلك كانت الجاليات اليهودية تخشى من الأعراب كثيرا. وقد تعرضت مدينة "نهر دعة "Nehardea" إلى الغزو وذلك سنة "570" من للتقويم السلوقي الموافقة لسنة "259" للميلاد 1 فقد غزاها كما تقول الأخبار اليهودية سيد قبيلة عربية، اسمه "بابابر نصر" "بابا بن نصر" "Papa Bar Nasr"، وألحق بها أضرارا فادحة، وخرب بعض أماكنها، وقد هرب منها بعض أحبارها إلى مستوطنات يهودية أخرى. وقد ذهب المؤرخ اليهودي "كريتس" "Graetz" إلى أن هذا الأمير العربي المهاجم هو "أذينة" ملك تدمر وزوج الملكة الزباء. غير أن اشتهار ملوك الحرة عند العرب ب "آل نصر" وقرب الحيرة من مدينة "نهر دعة" واتصال عربها بالجاليات اليهودية يحملنا على التفكر في أن المهاجم هو أمر من أمراء "آل نصر". ملوك الحيرة، وهم حلفاء الفرس.

(1/677)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية