صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المغازي
المؤلف : الواقدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر واطمأن جعلت زينب بنت الحارث تسأل: أي الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون: الذراع والكتف. فعمدت إلى عنز لها فذبحتها، ثم عمدت إلى سم لابطى ، قد شاورت اليهود في سموم فأجمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين والكتفين. فلما غابت الشمس صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب وانصرف إلى منزله، ويجد زينب جالسة عند رحله فيسأل عنها فقالت: أبا القاسم، هدية أهديتها لك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدية فقبضت منها ووضعت بين يديه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم حضور، أو من حضر منهم: ادنوا فتعشوا! فدنوا فمدوا أيديهم، وتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع، وتناول بشر بن البراء عظما، وأنهش رسول الله صلى الله عليه وسلم نهشا وانتهش بشر، فلما ازدرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلته ازدرد بشر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة. فقال بشر بن البراء: قد والله يا رسول الله وجدت ذلك من أكلتي التي أكلتها، فما منعني أن ألفظها إلا كراهية أنغص إليك طعامك، فلما تسوغت ما في يدك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت ألا تكون ازدردتها وفيها نعى . لم يرم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حول، ثم مات منه. ويقال لم يقم من مكانه حتى مات، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب فقال: سممت الذراع؟ فقالت: من أخبرك؟ قال: الذراع: قالت: نعم. قال: وما حملك على ذلك؟ قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي، ونلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان نبيا فستخبره الشاة ما صنعت، وإن كان ملكا استرحنا منه. فاختلف علينا فيها، فقال قائل رواية: أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ثم صلبت. وقال قائل رواية: عفا عنها. وكان نفر ثلاثة قد وضعوا أيديهم في الطعام ولم يسيغوا منه شيئا. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاحتجموا أوساط رءوسهم من الشاة، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت كتفه اليسرى. ويقال: احتجم على كاهله، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة.
وقالوا: وكانت أم بشر بن البراء تقول: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه وهو محموم فمسسته فقلت: ما وجدت مثل ما وعك عليك على أحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما يضاعف لنا الأجر كذلك يضاعف لنا البلاء؛ زعم الناس أن برسول الله ذات الجنب! ما كان الله ليسلطها علي، إنما هي همزة من الشيطان، ولكنه من الأكلة التي أكلت أنا وابنك يوم خيبر. ما زال يصيبني منها عداد حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري . فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا. ويقال: إن الذي مات في الشاة مبشر بن البراء. وبشر أثبت عندنا، وهو المجتمع عليه.
قال عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عن قول زينب ابنة الحارث قتلت أبي قال: قتل يوم خيبر أبوها الحارث وعمها يسار، وكان أخبر الناس، هو الذي أنزل من الشق، وكان الحارث أشجع اليهود، وأخوه زبير قتل يومئذ، فكان زوجها سيدهم وأشجعهم سلام بن مشكم، كان مريضا وكان في حصون النطاة فقيل له: إنه لا قتال فيكم فكن في الكتيبة. قال: لا أفعل أبدا. فقتل وهو مريض، وهو أبو الحكم الذي يقول فيه الربيع بن أبي الحقيق:
ولما تداعوا بأسيافهم ... فكان الطعان دعونا سلاما
وكنا إذا ما دعونا به ... سقينا سراة العدو السماما
وهو كان صاحب حربهم ولكن الله شغله بالمرض.

(1/276)


قالوا: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم يوم خيبر فروة بن عمرو البياضي، وكان قد جمع ما غنم المسلمون في حصون النطاة وحصون الشق وحصون الكتيبة، لم يترك على أحد من أهل الكتيبة إلا ثوبا على ظهره من الرجال والنساء والصبيان، وجمعوا أثاثا كثيرا وبزا وقطائف وسلاحا كثيرا، وغنما وبقرا، وطعاما وأدما كثيرا. فأما الطعام والأدم والعلف فلم يخمس، يأخذ منه الناس حاجتهم، وكان من احتاج إلى سلاح يقاتل به أخذه من صاحب المغنم، حتى فتح الله عليهم فرد ذلك المغنم. فلما اجتمع ذلك كله أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزىء خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها لله وسائر السهمان أغفال. فكان أول ما خرج سهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخير في الأخماس، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيع الأربعة الأخماس فيمن يريد، فجعل فروة يبيعها فيمن يريد، فدعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة وقال: اللهم ألق عليها النفاق! قال فروة بن عمرو: فلقد رأيت الناس يتداركون علي ويتواثبون حتى نفق في يومين، ولقد كنت أرى أنا لا نتخلص منه حينا لكثرته. وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغنم يعطى منه على ما أراد الله من السلاح والكسوة، فأعطى منه أهل بيته من الثياب والخرز والأثاث، وأعطى رجالا من بني عبد المطلب ونساء، وأعطى اليتيم والسائل. وجمعت يومئذ مصاحف فيها التوراة من المغنم، فجاءت اليهود تطلبها وتكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ترد عليهم. ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة. فباع يومئذ فروة المتاع، فأخذ عصابة فعصب بها رأسه ليستظل بها من الشمس، ثم رجع إلى منزله وهي عليه فذكر فخرج فطرحها. وأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عصابة من نار عصبت بها رأسك. وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من الفيء شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لي من الفيء خيط ولا مخيط، لا آخذ ولا أعطي. فسأله رجل عقالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى نقسم الغنائم ثم أعطيك عقالا، وإن شئت مرارا . وكاىن رجل أسود مع النبي صلى الله عليه وسلم يمسك دابته عند القتال يقال له كركرة، فقتل يومئذ، فقيل: يا رسول الله استشهد كركرة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه الآن ليحرق في النار على شملة غلها. فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أخذت شراكين يومئذ كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شراكان من نار. وتوفي يومئذ رجل من أشجع، وإنهم ذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم غل في سبيل الله. قال زيد بن خالد الجهني: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يسوى درهمين. وكان نفر من المسلمين أصابوا خرزا من خرز اليهود وكانوا رفقاء؛ فقال المحدث لهذا الحديث: لو كان الخرز عندكم اليوم لم يسو درهمين. فأتي بذلك الخرز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما فرغ من المقسم، فقالوا: يا رسول الله، نسينا! هذا الخرز عندنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم يحلف بالله أنه نسيه؟ قالوا: نعم. فحلفوا بالله جميعا أنهم نسوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرير الموتى فسجن عليهم بالربطان، ثم صلى عليهم صلاة الموتى. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد الغلول في رحل الرجل فلا يعاقبه، ولم يسمع أنه أحرق رحل أحد وجد في رحله، ولكنه يعنف ويؤنب ويؤذي ويعرف الناس به.
قالوا: واشترى يوم خيبر تبرا بذهب جزافا، فلهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان فضالة بن عبيد يحدث يقول: اصبت يومئذ قلادة فبعتها بثمانية دنانير، فذكرت ذلك لرسول الله صلى اللهعليه وسلم، فقال: بع الذهب وزنا بوزن. وكان في القلادة ذهب وغيره فرجعت فيها. واشترى السعدان تبرا بذهب أحدهما أكثر وزنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربيتما فردا! ووجد رجل يومئذ في خربة مائتي درهم، فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ودفعها إليه.

(1/277)


وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ولا يبع شيئا من المغنم حتى يعلم، ولا يركب دابة من المغنم حتى إذا براها ردها، ولا يلبس ثوبا من المغنم حتى إذا أخلقه رده، ولا يأت من السبي حتى تستبرىء وتحيض حيضة، وإن كانت حبلى حتى تضع حملها. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ على امرأة مجح فقال: لمن هذه؟ فقيل: لفلان. قال: فلعله يطؤها؟ قالوا: نعم. قال: كيف بولدها يرثه وليس بابنه، أو يسترقه وهو يعدو في سمعه وبصره؟ لقد هممت أن ألعنه لعنة تتبعه في قبره.
قالوا: وقدم أهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر، فلما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعفر قال: ما أدري بأيهما أنا أسر، بقدوم جعفر أو فتح خيبر! ثم ضمه رسول الله وقبل بين عينيه.
وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو وأصحابهم ونفر من الأشجعيين، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة. قالوا: نعم يا رسول الله. ونظر أبان بن سعيد بن العاص إلى أبي هريرة فقال: أما أنت فلا. فقال أبو هريرة: يا رسول الله، هذا قاتل ابن قوقل. قال أبان بن سعيد: يا عجباه لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن ! ينعى علي قتل امرىء مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهنى على يده.
قالوا: وكان الخمس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل مغنم غنمه المسلمون، شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غاب عنه. وكان لا يقسم لغائب في مغنم لم يشهده، إلا أنه في بدر ضرب لثمانية لم يشهدوا، كلهم مستحق فيها. وكانت خيبر لأهل الحديبية، من شهدها منهم أو غاب عنها قال الله عز وجل: " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه " يعني خيبر. وقد تخلف عنها رجال: مري بن سنان، وأيمن بن عبيد، وسباع بن عرفطة الغفاري، خلفه على المدينة، وجابر بن عبد الله وغيرهم. ومات منهم رجلان، فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تخلف منهم ومن مات، وأسهم لمن شهد خيبر من الناس ممن لم يشهد الحديبية. وأسهم لرسل كانوا يختلفون إلى أهل فدك، محيصة بن مسعود الحارثي وغيره، فأسهم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحضروا. وأسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال: سويد بن النعمان، وعبد الله بن سعد بن خيثمة، ورجل من بني خطامة، وأسهم للقتلى الذين قتلوا من المسلمين.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة ذلك. وقد قال قائل: إنما كانت خيبر لأهل الحديبية، لم يشهدها غيرهم ولم يسهم فيها لغيرهم. والقول الأول أثبت عندنا أن قوما شهدوا خيبر فأسهم لهم ولم يكونوا شهدوا الحديبية.
حدثني ابن أبي سبرة، عن قطير الحارثي، عن حزام بن سعد بن محيصة قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة من يهود المدينة غزا بهم إلى خيبر، فأسهم لهم كسهمان المسلمين. ويقال: أحذاهم ولم يسهم لهم، وكان معهم مملوكون، منهم عمير مولى آبي اللحم. قال عمير: ولم يسهم لي وأعطاني خرثى متاع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محذيهم . وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عشرون امرأة: أم سلمة زوجته، وصفية بنت عبد المطلب، وأم أيمن، وسلمى امرأة أبي رافع مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، وامرأة عاصم بن عدي ولدت سهلة بنت عاصم بخيبر، وأم عمارة نسيبة بنت كعب، وأم منيع وهي أم شباث، وكعيبة بنت سعد الأسلمية، وأم متاع الأسلمية، وأم سليم بنت ملحان، وأم الضحاك بنت مسعود الحارثية، وهند بنت عمرو ابن حزام، وأم العلاء الأنصارية، وأم عامر الأشهلية، وأم عطية الأنصارية، وأم سليط.

(1/278)


وحدثني ابن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم، عن أم علي بنت الحكم، عن أمية بنت قيس بن أبي الصلت الغفارية، قالت: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار فقلنا: إنا نريد يا رسول الله أن نخرج معك في وجهك هذا فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على بركة الله! قالت: فخرجنا معه وكنت جارية حديثة السن، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله، فنزل الصبح فأناخ وإذا أنا بالحقيبة عليها دم مني؛ وكانت أول حيضة حضتها، فتقبضت إلى الناقة واستحييت. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: لعلك نفست! قلت: نعم قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء، ثم اطرحي فيه ملحا واغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي. ففعلت، فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء ولم يسهم، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا. وكانت في عنقها حتى ماتت وأوصت أن تدفن معها، وكانت لا تطهر إلا وجعلت في طهورها ملحا، وأوصت أن يجعل في غسلها ملح حين غسلت.
حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن أنيس، قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ومعي زوجي حبلى، فنفست بالطريق فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقع لها تمرا فإذا أنعم بله فامرثه ثم تشربه. ففعلت فما رأت شيئا تكرهه. فلما فتحنا خيبر أحذى النساء ولم يسهم لهن، فأحذى زوجتي وولدي الذي ولد. قال عبد السلام: لست أدري غلام أم جارية.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمر بن الحكم، عن أم العلاء الأنصارية قالت: فأصابني ثلاث خرزات، وكذلك أصاب صواحبي، وأتي يومئذ برعاث من ذهب، فقال: هذا لبنات أخي سعد بن زرارة، فقدم بها عليهن فرأيت ذلك الرعاث عليهن، وذلك من خمسه يوم خيبر.
حدثني عبد الله بن أبي يحيى، عن ثبيتة بنت حنظلة الأسلمية، عن أمها أم سنان قالت: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج جئته فقلت: يا رسول الله، أخرج معك في وجهك هذا، أخرز السقاء، وأداوي المرضى والجريح إن كانت جراح - ولا يكون - وأنظر الرحل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرجي على بركة الله فإن لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهن من قومك ومن غيرهم، فإن شئت فمع قومك وإن شئت فمعنا. قلت: معك! قال: فكوني مع أم سلمة زوجتي. قالت: فكنت معها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو من الرجيع كل يوم عليه الدرع، فإذا أمسى رجع إلينا، فمكث على ذلك سبعة أيام حتى فتح الله النطاة، فلما فتحها تحول إلى الشق وحولنا إلى المنزلة، فلما فتح خيبر رضخ لنا من الفيء، فأعطاني خرزا وأوضاحا من فضة أصيبت في المغنم، وأعطاني قطيفة فدكية، وبردا يمانيا، وخمائل ، وقدرا من صفر . وكان رجال من أصحابه قد جرحوا فكنت أداويهم بدواء كان عند أهلي فيبرأون، فرجعت مع أم سلمة فقالت لي حين أردنا ندخل المدينة، وكنت على بعير من إبل النبي صلى الله عليه وسلم منحه لي، فقالت: بعيرك الذي تحتك لك رقبته أعطاكيه رسول الله. قالت: فحمدت الله وقدمت بالبعير فبعته بسبعة دنانير. قالت: فجعل الله في وجهي ذلك خيرا.
قالوا: فأسهم للنساء، وأسهم لسهلة بنت عاصم، ولدت بخيبر، وولد لعبد الله بن أنيس بخيبر، فأسهم للنساء والصبيان. ويقالك رضخ للنساء والصبيان ولم يجعلهم كأهل الجهاد.

(1/279)


وحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، قال: رأيت في رقبة أم عمارة خرزا حمرا فسألتها عن الخرز فقالت: أصاب المسلمون خرزا في حصن الصعب بن معاذ دفن في الأرض، فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به بمن معه من النساء فأحصين، فكنا عشرين امرأة، فقسم ذلك الخرز بيننا هذا وأرضخ لنا من الفيء، قطيفة وبردا يمانيا ودينارين، وكذلك أعطى صواحبي. قلت: فكم كانت سهمان الرجال؟ قالت: ابتاع زوجي غزية بن عمرو متاعا بأحد عشر دينارا ونصف، فلم يطالب بشيء، فظننا أن هذه سهمان الفرسان - وكان فارسا - وباع ثلاثة أسهم في الشق زمن عثمان بثلاثين دينارا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاد في خيبر ثلاثة أفراس، لزاز والظرب والسكب ؛ وكان الزبير بن العوام قد قاد أفراسا، وكان خراش بن الصمة قد قاد فرسين، وكان البراء ابن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف - أبو إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم أرضعه - قد قاد فرسين؛ وكان أبو عمرو الأنصاري قد قاد فرسين. قال: فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل من كان له فرسان خمسة أسهم، اربعة لفرسيه وسهما له، وما كان أكثر من فرسين لم يسهم له. ويقال إنه لم يسهم إلا لفرس واحد، واثبت ذلك أنه أسهم لفرس واحد. ويقال: إنه عرب العربي يوم خيبر وهجن الهجين؛ فأسهم للعربي وألقى الهجين. وقال بعضهم: لم يكن الهجين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كانت العراب حتى كان زمن عمر بن الخطاب وفتح العراق والشام، ولم يسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لمن كان معه من الخيل لنفسه إلا لفرس واحد، هو معروف، سهم الفرس. وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في النطاة ثلاثة أسهم، لفرسه سهمان وله سهم، كان مع عاصم بن عدي.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن حزام بن سعد بن محيصة، قال: خرج سويد بن النعمان على فرس، فلما نظر إلى بيوت خيبر في الليل وقع به الفرس، فعطب الفرس وكسرت يد سويد، فلم يخرج من منزله حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فأسهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم فارس.

(1/280)


قالوا: وكانت الخيل مائتي فرس. ويقال: ثلاثمائة، ومائتان أثبت عندنا. وكان الذي ولي إحصاء المسلمين زيد بن ثابت، فقسم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم الذين غنموا من المتاع الذي بيع، ثم أحصاهم ألفا وأربعمائة، والخيل مائتي فرس. فكانت السهمان على ثمانية عشر سهما، وهم الذين ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسهمان، ولخيلهم أربع عشرة مائة، والخيل مائتي فارس لها أربعمائة سهم. فكانت سهمان المسلمين التي أسهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في النطاة أو في الشق ثلاثة أسهم فوضى لم تعرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تحد ولم تقسم، إنما لها رؤساء مسمون، لكل مائة رأس يعرف يقسم على أصحابه ما خرج من غلتها، فكان رؤساؤهم في الشق والنطاة: عاصم بن عدي، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله رضوان الله عليهم. وسهم بني ساعدة، وسهم بني النجار لهم رأس، وسهم حارثة بن الحارث، وسهم أسلم وغفار، وسهم بني سلمة - وكانوا أكثر ورأسهم معاذ بن جبل - وسهم عبيدة رجل من اليهود، وسهم أوس، وسهم بني الزبير، وسهم أسيد بن حضير، وسهم بلحارث بن الخزرج، رأسه عبد الله بن رواحة، وسهم بياضة، رأسه فروة بن عمرو، وسهم ناعم. فهذه ثمانية عشر سهما في الشق والنطاة فوضى يقبض رؤساءهم الغلة منه، ثم يفض عليهم، ويبيع الرجل سهمه فيجوز ذلك. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من رجل من بني غفار سهمه بخيبر ببعيرين ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعلم أن الذي آخذ منك خير من الذي أعطيك، والذي أعطيك دون الذي أخذ منك، وإن شئت فخذ وإن شئت فأمسك! فأخذ الغفاري. وكان عمر بن الخطاب يشتري من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهم، وأخذ من أصحابه وهم مائة، وهو سهم أوس كان يسمى سهم اللفيف حتى صار لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابتاع محمد بن مسلمة من سهم أسلم سهمانا، ويقال: إن أسلم كانوا بضعة وسبعين، وغفار بضعة وعشرين فكانوا مائة، ويقال: كانت أسلم مائة وسبعين، وغفار بضعة وعشرين، وهذا مائتا سهم، والقول الأول أثبت عندنا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر سأله اليهود فقالوا: يا محمد، نحن أرباب النخل وأهل المعرفة بها. فساقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على شطر من التمر والزرع، وكان يزرع تحت النخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقركم على ما أقركم الله. فكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي، وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر، وكان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص عليهم النخل، فكان يخرصها فإذا خرص قال: إن شئتم فلكم وتضمنون نصف ما خرصت، وإن شئتم فلنا ونضمن لكم ما خرصت. وإنه خرص عليهم أربعين ألف وسق، فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك، وتجاوز في القسم. فقال: يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك يحملني أن أحيف عليكم. قالوا: بهذا قامت السموات والأرض! فكان عبد الله بن رواحة يخرص عليهم، فلما قتل يوم مؤتة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا الهيثم بن التيهان يخرص عليهم، ويقال: جبار بن صخر، فكان يصنع بهم مثل ما كان يصنع عبد الله بن رواحة، ويقال: الذي خرص بعد ابن رواحة عليهم فروة بن عمرو. قالوا: وجعل المسلمون يقعون في حرثهم وبقلهم بعد المساقاة وبعد أن صار ليهود نصفه، فشكت اليهود ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، ويقال: عبد الرحمن بن عوف، فنادى: إن الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم. فاجتمع الناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن اليهود شكوا إلي أنكم وقعتم في حظائرهم، وقد أمناهم على دمائهم وعلى أموالهم والذي في أيديهم من أراضيهم، وعاملناهم، وإنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها. وكان المسلمون لا يأخذون من بقولهم شيئا إلا بثمن، فربما قال اليهودي للمسلم: أنا أعطيكه باطلا ! فيأبى المسلم إلا بثمن.
قال ابن واقد: وقد اختلف علينا في الكتيبة، فقال قائل: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خالصة ولم يوجف! عليها المسلمون، إنما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/281)


وحدثني عبد الله بن نوح، عن ابن غفير، وموسى بن عمرو بن عبد الله ابن رافع، عن بشير بن يسار. وحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، أنهم كانوا يقولون ذلك. وقال قائل: هي خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، من الشق والنطاة. وحدثني قدامة بن موسى، عن ابي بكر بن محمد بن محمد بن عمرو بن حزام، قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز في خلافته أن افحص لي عن الكتيبة. قال أبو بكر: فسألت عمرة بنت عبد الرحمن فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح بني أبي الحقيق جزأ النطاة والشق والكتيبة خمسة أجزاء، وكانت الكتيبة جزءا منها، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس بعرات، وأعلم في بعرة منها، فجعل لله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل سهمك في الكتيبة. فكان أول ما خرج منها الذي فيه مكتوب على الكتيبة، فكانت الكتيبة خمس النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت السهمان أغفالا ليس عليها علامات، وكانت فوضى للمسلمين على ثمانية عشر سهما. قال أبو بكر: فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بذلك.
وحدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن أبي مالك، عن حزام بن سعد بن محيصة، قال: لما خرج سهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان الشق والنطاة أربعة الأخماس للمسلمين فوضى.
وحدثني عبد الله بن عون، عن أبي مالك الحميري، عن سعيد بن المسيب، وحدثني محمد ، عن الزهري، قال: الكتيبة خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم من أطعم في الكتيبة وينفق على أهله منها. قال ابن واقد: والثبت عندنا أنها خمس النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطعم من الشق والنطاة أحدا وجعلها سهمانا للمسلمين، وكانت الكتيبة التي أطعم فيها. كانت الكتيبة تخرص ثمانية آلاف وسق تمر، فكان لليهود نصفها أربعة آلاف، وكان يزرع في الكتيبة شعير، فكان يحصد منها ثلاثة آلاف صاع، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم نصفه؛ ألف وخمسمائة صاع شعير، وكان يكون فيها نوى فربما اجتمع ألف صاع فيكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصفه، فكل هذا قد أعطى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين من الشعير والتمر والنوى.
تسمية سهمان الكتيبة
خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وسلالم، والجاسمين، وسهما النساء، وسهما مقسم - وكان يهوديا - وسهما عوان، وسهم غريث، وسهم نعيم، وهو اثنا عشر سهما.
ذكر طعم النبي في الكتيبة أزواجه وغيرهم
أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا تمرا وعشرين وسقا شعيرا. وللعباس بن عبد المطلب مائتي وسق، ولفاطمة وعلي رضي الله عنهما من الشعير والتمر ثلاثمائة وسق، والشعير من ذلك خمسة وثمانين وسقا، لفاطمة من ذلك مائتا وسق. ولأسامة بن زيد مائة وخمسون، منها أربعون شعيرا وخمسون وسقا نوى، ولأم رمثة بنت عمر بن هاشم بن المطلب خمسة أوساق شعير، وللمقداد بن عمرو خمسة عشر وسقا شعيرا.
وحدثني موسى بن يعقوب، عن عمته، عن أمها، قالت: بعنا طعمة المقداد بن عمرو من خيبر خمسة عشر وسقا شعيرا من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم.

(1/282)


بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى محمد رسول الله لأبي بكر بن أبي قحافة مائة وسق. ولعقيل بن أبي طالب مائة وأربعين، ولبني جعفر بن أبي طالب خمسين وسقا، ولربيعة بن الحارث مائة وسق، ولأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مائة وسق، وللصلت بن مخرمة بن المطلب ثلاثين وسقا، ولأبي نبقة خمسين وسقا، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، وللقاسم بن مخرمة بن المطلب خمسين وسقا، ولمسطح بن أثاثة بن عباد وأخته هند ثلاثين وسقا، ولصفية بنت عبد المطلب أربعين وسقا، ولبحينة بنت الحارث بن المطلب ثلاثين وسقا، ولضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أربعين وسقا، وللحصين، وخديجة، وهند بن عبيدة بن الحارث مائة وسق، ولأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين وسقا، ولأم هانىء بنت أبي طالب أربعين وسقا، ولجمانة بنت أبي طالب ثلاثين وسقا، ولأم طالب بنت أبي طالب ثلاثين وسقا، ولقيس بن مخرمة بن المطلب خمسين وسقا، ولأبي أرقم خمسين وسقا، ولعبد الرحمن ابن أبي بكر أربعين وسقا، ولأبي بصرة أربعين وسقا، ولابن أبي حبيش ثلاثين وسقا، ولعبد الله بن وهب وابنيه خمسين وسقا، لابنيه أربعين وسقا، ولنميلة الكلبي من بني ليث خمسين وسقا، ولأم حبيبة بنت جحش ثلاثين وسقا، ولملكان بن عبدة ثلاثين وسقا، ولمحيصة بن مسعود ثلاثين وسقا، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم للرهاويين بطعمة من خمس خيبر بجاد مائة وسق، وللداريين بجاد مائة وسق، وهم عشرة من الداريين قدموا من الشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوصى لهم بطعمة مائة وسق: هانىء بن حبيب، والفاكه بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن بر وأخوه الطيب بن بر، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، ويزيد بن قيس، وعزيز بن مالك، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وأخوه مرة بن مالك، وأوصى للأشعريين بجاد مائة وسق.
أخبرنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: حدثنا ابن الثلجي قال: حدثنا الواقدي قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لم يوص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بثلاثة أشياء، للداريين بجاد مائة وسق، وللأشعريين بجاد مائة وسق، وللرهاويين بجاد مائة وسق، وأن ينفذ جيش أسامة بن زيد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد له إلى مقتل أبيه، والا يترك بجزيرة العرب دينان.
قالوا: ثم استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في قسم خمس خيبر فأشار عليه أن يقسمه في بني هاشم وبني المطلب وبني عبد يغوث.
وحدثني معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال جبير ابن مطعم: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بخيبر من بني هاشم وبني المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخواننا من بني المطلب لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أفرأيت إخواننا من بني المطلب، إنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، أعطيتهم وتركتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني المطلب لم يفارقوني في الجاهلية والإسلام؛ دخلوا معنا في الشعب، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد! وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه.

(1/283)


قالوا: وكان عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث يحدث قال: اجتمع العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين - لي وللفضل بن عباس - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدى الناس، وأصابا ما يصيبون من المنفعة. فبعث بي والفضل فخرجنا حتى جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقناه، وانصرف إلينا من الظهر وقد وقفنا له عند حجرة زينب، فأخذ بمناكبهما فقال: أخرجا ما تسران ! فلما دخل دخلا عليه فكلماه فقالا: يا رسول الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدى ما يؤدى الناس، ونصيب ما يصيبون من المنفعة. فسكت ورفع رأسه إلى سقف البيت ثم أقبل علينا فقال: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس. ادع لي محمية بن جزء الزبيدي وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقال لمحمية: زوج هذا ابنتك - للفضل . وقال لأبي سفيان: زوج هذا ابنتك - لعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث. وقال لمحمية: أصدق عنهما مما عندك من الخمس! وكان يكون على الخمس. فكان ابن عباس يقول: قد دعانا عمر إلى أن ينكح فيه أيامانا ويخدم منه عائلنا، ويقضي منه غارمنا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه كله، وابى ذلك علينا.
حدثني مصعب بن ثابت، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أن أبا بكر وعمر وعليا رضي الله عنهم جعلوا هذين السهمين على اليتامى والمساكين. وقال بعضهم: في السلاح والعدة في سبيل الله. وكانت تلك الطعمة تؤخذ بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وفي خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، رضي الله عنهم، حتى كان يحيى بن الحكم فزاد في الصاع سدس المد، فأعطى الناس بالصاع الذي زاد، ثم كان أبان ابن عثمان فزاد فيه فأعطاهم بذلك، وكان من مات من المطعمين أو قتل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فإنه يرثه تلك الطعمة من ورث ماله. فلما ولي عمر بن الخطاب قبض طعمة كل من مات ولم يورثه، فقبض طعمة زيد بن حارثة، وقبض طعمة جعفر بن أبي طالب، وكلمه فيه علي بن أبي طالب فأبى؛ وقبض طعمة صفية بنت عبد المطلب، فكلمه الزبير في ذلك حتى غالظه فأبى عليه برده، فلما ألح عليه قال: أعطيك بعضه. قال الزبير: لا والله، لا تخلف تمرة واحدة تحبسها عني! فأبى عمر تسليمه كله إليه. قال الزبير: لا آخذه إلا جميعا! فأبى عمر وأبى أن يرد على المهاجرين. وقبض طعمة فاطمة، فكلم فيها فأبى أن يفعل. وكان يجيز لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنعن، فماتت زينب بنت جحش في خلافته فخلى بين ورثتها وبين تلك الطعمة، وأجاز ما صنعن فيه من بيع أو هبة، وورث ذلك كل من ورثهن ولم يفعل بغيرهن. وأبى أن يجيز بيع من باع تلك الطعمة، وقال: هذا شيء لا يعرف، إذا مات المطعم بطل حقه فكيف يجوز بيعه؟ إلا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أجاز ما صنعن، فلما ولي عثمان كلم في تلك الطعمة فرد على أسامة ولم يرد على غيره. فكلمه الزبير في طعمة صفية أمه فأبى يرده وقال: أنا حاضرك حين تكلم عمر، وعمر يأبى عليك يقول خذ بعضه، فأنا أعطيك بعضه الذي عرض عليك عمر، أنا أعطيك الثلثين وأحتبس الثلث. فقال الزبير: لا والله، لا تمرة واحدة حتى تسلمه كله أو تحتبسه.
حدثني شعيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال: لما توفي أبو بكر رضي الله عنه كان ولده ورثته يأخذون طعمته من خيبر؛ مائة وسق في خلافة عمر وعثمان، ورثت امرأته أمر ومان بنت عامر بن عويمر الكنانية ، وحبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير، فلم يزل جاريا عليهن حتى كان زمن عبد المللك أو بعده فقطع.

(1/284)


قال أبو عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عمن أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خمس خيبر فقال: لا تسأل عنه أحدا أبدا أعلم مني؛ كان من أعطي منه طعمة جرت عليه حتى يموت، ثم يرثه من ورثته، يبيعون ويطعمون ويهبون؛ كان هذا على عهد أبي بكر وعمر وعثمان. قلت: ممن سمعت ذلك. قال: من أبي وغيره من قومي. قال أبو عبد الله: فذكرت لعبد الرحمن بن عبد العزيز هذا الحديث فقال: أخبرني من أثق به أن عمر كان يقبض تلك الطعمة إذا مات الميت في حياة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن. ثم يقول: توفيت زينب بنت جحش في سنة عشرين في خلافة عمر فقبض طعمتها، فكلم فأبى أن يعطيها الورثة. قال: إنما كانت من النبي صلى الله عليه وسلم طعمة ما كان المرء حيا، فإذا مات فلا حق لورثته. قال: فكان الأمر على ذلك في خلافة عمر حتى توفي، ثم ولي عثمان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أطعم زيد بن حارثة طعمة من خيبر لم يكن له بها كتاب، فلما توفي زيد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد. قلت: فإن بعض من يروي يقول: كلم أسامة بن زيد عمر وعثمان في طعمة أبيه فأبى، قال: ما كان إلا كما أخبرتك. قال أبو عبد الله: هذا الأمر.
تسمية من استشهد بخيبر مع رسول الله
من بني أمية من حلفائهم: ربيعة بن أكثم، قتل بالنطاة، قتله الحارث اليهودي؛ وثقف بن عمرو بن سميط، قتله أسير اليهودي؛ ورفاعة بن مسروح، قتله الحارث اليهودي. ومن بني أسد بن عبد العزى: عبد الله بن أبي أمية بن وهب حليف لهم وهو ابن أختهم، قتل بالنطاة. ومن الأنصار محمود بن مسلمة دلى عليه مرحب رحى من حصن ناعم بالنطاة. ومن بني عمرو بن عوف: أبو الضياح بن النعمان، شهد بدرا؛ والحارث بن حاطب قد شهد بدرا، وعدي بن مرة بن سراقة؛ وأوس بن حبيب، قتل على حصن ناعم؛ وأنيف بن وائلة ، قتل على حصن ناعم. ومن بني زريق: مسعود بن سعد، قتله مرحب. ومن بني سلمة: بشر بن البراء بن معرور، مات من الشاة المسمومة؛ وفضيل بن النعمان، وهو من العرب، من أسلم؛ وعامر بن الأكوع، أصاب نفسه على حصن ناعم فدفن هو ومحمود بن مسلمة في غار واحد بالرجيع. ومن بني غفار: عمارة بن عقبة بن عباد بن مليل، ويسار، العبد الأسود، ورجل من أشجع؛ فجميع من استشهد خمسة عشر رجلا. وقد اختلف في الصلاة عليهم فقال قائل: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقال قائل: لم يصل عليهم. وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلا. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبلة بن جوال الثعلبي كل داجن بخيبر، ويقال: أعطاه كل داجن في النطاة، ولم يعطه من الكتيبة ولا من الشق شيئا.
ذكر ما قيل من الشعر في خيبر
قال ناجية بن جندب الأسلمي:
يا عباد الله فيما نرغب ... ما هو إلا مأكل مشرب
وجنة فيها نعيم معجب
وقال أيضا:
أنا لمن أبصرني ابن جندب ... يا رب قرن قد تركت أنكب
طاح عليه أنسر وثعلب
أنشدني هذا عبد الملك بن وهب من ولد ناجية قال: مازلت أرويها لأبي وأنا غلام.
حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنه سئل عن الرهان التي كانت بين قريش حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فقال: كان حويطب بن عبد العزى يقول: انصرفت من صلح الحديبية وأنا مستيقن أن محمدا سيظهر على الخلق، وتأبى حمية الشيطان إلا لزوم ديني، فقدم علينا عباس بن مرداس السلمي فخبرنا أن محمدا سار إلى خيابر، وأن خيابر قد جمعت الجموع فمحمد لا يفلت، إلى أن قال عباس: من شاء بايعته لا يفلت محمد. فقلت: أنا أخاطرك. فقال صفوان بن أمية: أنا معك يا عباس. وقال نوفل بن معاوية: أنا معك يا عباس. وضوى إلي نفر من قريش، فتخاطرنا مائة بعير خماسا إلى مائة بعير، أقول أنا وحيزي يظهر محمد. ويقول عباس وحيزه: تظهر غطفان. فاضطرب الصوت، فقال أبو سفيان بن حرب: خشيت واللات حيز عباس بن مرداس، فغضب صفوان وقال: أدركتك المنافية! فأسكت أبو سفيان، وجاءه الخبر بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حويطب وحيزه الرهن.

(1/285)


قالوا: وكانت الأيمن تحلف عن خيبر؛ وكان أهل مكة حين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر قد تبايعوا بينهم، منهم من يقول: يظهر الحليفان أسد وغفار واليهود بخيبر، وذلك أن اليهود أوعبت في حلفاءها، فاستنصروهم وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، فكانت بينهم في ذلك بيوع عظام.

(1/286)


وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد خرج يغير في بعض غاراته، فذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسلم وحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم أخت مصعب العبدي امرأته، وكان الحجاج مكثرا، له مال كثير، معادن الذهب التي بأرض بني سليم، فقال: يا رسول الله، ائذن لي حتى أذهب فآخذ ما لي عند امرأتي، فإن علمت بإسلامي لم آخذ منه شيئا، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لابد لي يا رسول الله من أن أقول. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء. قال الحجاج: فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء، وإذا بهم رجال من قريش يتسمعون الأخبار، قد بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار إلى خيبر، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا وسلاحا، فهم يتحسبون الأخبار مع ما كان بينهم من الرهان، فلما رأوني قالوا: الحجاج ابن علاط عنده والله الخبر! يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت: بلغني أنه قد سار إليها وعندي من الخبر ما يسركم. فالتبطوا بجانبي راحلتي يقولون: يا حجاج أخبرنا. فقلت: لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيبر. كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع وجمعوا له عشرة آلاف، فهزم هزيمة لم يسمع قط بمثلها، وأسر محممد أسرا، فقالوا: لن نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم! ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه، فلا تقبلوا منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا. قال: فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، هذا محمد إنما ينتظر أن يقدم به عليكم. وقلت: أعينوني على جمع مالي على غرمائي فأنا أريد أن أقدم فأصيب من محمد وأصحابه قبل أن تسبقني التجار إلى ما هناك. فقاموا فجمعوا إلي مالي كأحث جمع سمعت به، وجئت صاحبتي وكان لي عندها مال فقلت لها: مالي، لعلي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني التجار إلى من انكسر هناك من المسلمين . وسمع ذلك العباس فقام، فانخذل ظهره فلم يستطع القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذى، وعلم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره يفتح وهو مستلق، فدعا بابنه قثم وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يرتجز ويرفع صوته ألا يشمت به الأعداء. وحضر باب العباس بين مغيظ محزون، وبين شامت، وبين مسلم ومسلمة، مقهورين بظهور الكفر والبغي، فلما رأى المسلمون العباس طيبة نفسه طابت أنفسهم واشتدت منتهم ، ودعا غلاما له يقال له أبو زبينة فقال له: اذهب إلى الحجاج فقل، يقول العباس: الله أعلى وأجل من أن يكون الذي تخبر حقا. فجاءه فقال الحجاج: قل لأبي الفضل: أحلني في بعض بيوتك حتى آتيك ظهرا ببعض ما تحب، فاكتم عني. فأقبل أبو زبينة يبشر العباس أبشر بالذي يسرك فكأنه لم يمسه شيء، ودخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العباس وأعتقه وأخبره بالذي قال، فقال العباس: لله علي عتق عشر رقاب! فلما كان ظهرا جاءه الحجاج فناشده الله: لتكتمن علي ثلاثة أيام. فواثقه العباس على ذلك، قال: فإني قد أسلمت ولي مال عند امرأتي ودين على الناس، ولو علموا بإسلامي لم يدفعوا إلي؛ تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر، وجرت سهام الله ورسوله فيها وانتثل ما فيها، وتركته عروسا بابنة حيي بن أخطب، وقتل ابن أبي الحقيق. قال: فلما أمسى الحجاج من يومه خرج، وطال على العباس تلك الليالي، ويقال: إنما استنظر العباس يوما وليلة، وجعل العباس يقول: يا حجاج، انظر ما تقول فإني عارف بخيبر؛ هي ريف الحجاز أجمع، وأهل المنعة والعدة في الرجال. أحقا ما تقول؟ قال: إي والله، فاكتم عني يوما وليلة. حتى إذا مضى الأجل والناس يموجون في شأن ما تبايعوا عليه، عمد العباس إلى حلة فلبسها، وتخلق الخلوق وأخذ في يده قضيبا، ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجاج بن علاط، فقرعه فقالت زوجته: لا تدخل، أبا الفضل! قال: فأين الحجاج. قالت: انطلق إلى غنائم محمد ليشتري منها التي أصابت اليهود منهم قبل أن تسبقه التجار إليها. فقال لها العباس: فإن الرجل ليس لك بزوج إلا أن تتبعي دينه؛ إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ذهب بماله

(1/287)


هاربا منك ومن أهلك أن يأخذوه. قالت: أحقا يا أبا الفضل؟ قال: إي والله! قالت: والثواقب إنك لصادق. ثم قامت تخبر أهلها، وانصرف العباس إلى المسجد وقريش يتحدثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إليه وإلى حاله تغامزوا وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ قال العباس: كلا والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم حيي بن أخطب، وضرب أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبرك بهذا؟ قال العباس: الصادق في نفسي، الثقة في صدري، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا فوجدوا الحجاج قد انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقا، فكبت المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر بذلك. منك ومن أهلك أن يأخذوه. قالت: أحقا يا أبا الفضل؟ قال: إي والله! قالت: والثواقب إنك لصادق. ثم قامت تخبر أهلها، وانصرف العباس إلى المسجد وقريش يتحدثون بما كان من حديث الحجاج، فلما نظروا إليه وإلى حاله تغامزوا وعجبوا من تجلده، ثم دخل في الطواف بالبيت، فقالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ قال العباس: كلا والذي حلفتم به، لقد فتح خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم حيي بن أخطب، وضرب أعناق بني أبي الحقيق البيض الجعاد الذين رأيتموهم سادة النضير من يثرب، وهرب الحجاج بماله الذي عند امرأته. قالوا: من خبرك بهذا؟ قال العباس: الصادق في نفسي، الثقة في صدري، فابعثوا إلى أهله! فبعثوا فوجدوا الحجاج قد انطلق بماله واستكتم أهله حتى يصبح، فسألوا عن ذلك كله فوجدوه حقا، فكبت المشركون وفرح بذلك المسلمون، ولم تلبث قريش خمسة أيام حتى جاءهم الخبر بذلك.
باب شأن فدك
قالوا: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فدنا منها، بعث محيصة بن مسعود إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام ويخوفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر ويحل بساحتهم. قال محيصة: جئتهم فأقمت عندهم يومين، وجعلوا يتربصون ويقولون: بالنطاة عامر، وياسر، وأسير، والحارث وسيد اليهود مرحب، ما نرى محمدا يقرب حراهم ، إن بها عشرة آلاف مقاتل. قال محيصة: فلما رأيت خبثهم أردت أرحل راجعا، فقالوا: نحن نرسل معك رجالا يأخذون لنا الصلح - ويظنون أن اليهود تمتنع. فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم وأهل النجدة منهم، ففت ذلك أعضادهم وقالوا لمحيصة: اكتم عنا ما قلنا لك ولك هذا الحلي! لحلي نسائهم، جمعوه كثيرا. فقال محيصة: بل أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي سمعت منكم. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما قالوا. قال محيصة: وقدم معي رجل من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر من اليهود، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويجليهم ويخلوا بينه وبين الأموال. ففعل، ويقال: عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من بلادهم ولا يكون للنبي صلى الله عليه وسلم عليهم من الأموال شيء، وإذا كان جذاذها جاءوا فجذوها، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل ذلك وقال لهم محيصة: ما لكم منعة ولا رجال ولا حصون، لو بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم مائة رجل لساقوكم إليه. فوقع الصلح بينهم أن لهم نصف الأرض بتربتها لهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصفها، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. وهذا أثبت القولين. فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يبلغهم، فلما كان عمر ابن الخطاب وأجلى يهود خيبر، بعث عمر إليهم من يقوم أرضهم، فبعث أبا الهيثم بن التيهان وفروة بن عمرو بن حيان بن صخر، وزيد بن ثابت، فقوموها لهم؛ النخل والأرض، فأخذها عمر بن الخطاب ودفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها، فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أو يزيد - كان ذلك المال جاءه من العراق - وأجلاهم عمر إلى الشام. ويقال: بعث أبا خيثمة الحارثي فقومها.
انصراف رسول الله من خيبر إلى المدينة

(1/288)


قال أنس: انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وهو يريد وادي القرى، ومعه أم سلمة بنت ملحان، وكان بعض القوم يريد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية حتى مر بها فألقى عليها رداءه، ثم عرض عليها الإسلام فقال: إن تكوني على دينك لم نكرهك، فإن اخترت الله ورسوله اتخذتك لنفسي. قالت: بل أختار الله ورسوله. قال: فأعتقها فتزوجها وجعل عتقها مهرها. فلما كان بالصهباء قال لأم سليم: انظري صاحبتك هذه فامشطيها! وأراد أن يعرس بها هناك، فقامت أم سليم - قال أنس: وليس معنا فساطيط ولا سرادقات - فأخذت كسائين وعباءتين فسترت بهما عليها إلى شجرة فمشطتها وعطرتها، وأعرس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من خيبر، وقرب بعيرها وقد سترها النبي صلى الله عليه وسلم بثوبه، أدنى فخذه لتضع رجلها عليه، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه، فلما بلغ ثبارا أراد أن يعرس بها هناك، فأبت عليه حتى وجد في نفسه، حتى بلغ الصهباء فمال إلى دومة هناك فطاوعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت حين أردت أن أنزل بثبار - وثبار على ستة أميال والصهباء على اثني عشر ميلا - قالت: يا رسول الله خفت عليك قرب اليهود، فلما بعدت أمنت. فزادها عند النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وعلم أنها قد صدقته، ودخلت عليه مساء تلك الليلة، وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عليها بالحيس والسويق والتمر، وكان قصاعهم الأنطاع قد بسطت، فرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل معهم على تلك الأنطاع. قالوا: وبات أبو أيوب الأنصاري قريبا من قبته آخذا بقائم السيف حتى أصبح، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرة فكبر أبو أيوب فقال: ما لك يا أبا أيوب؟ فقال: يا رسول الله، دخلت بهذه الجارية وكنت قد قتلت أباها وإخوتها وعمومتها وزوجها وعامة عشيرتها، فخفت أن تغتالك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له معروفا.
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل صفية في منزل الحارثة بن النعمان، وانتقل حارثة عنها. وكانت عائشة وحفصة يدا واحدة فأرسلت عائشة بريرة إلى أم سلمة تسلم عليها - وكانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر - وتسألها عن صفية أظريفة هي؟ فقالت أم سلمة: من أرسلك، عائشة؟ فسكتت فعرفت أم سلمة أنها أرسلتها، فقالت أم سلمة: لعمري إنها لظريفة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لها لمحب. فجاءت بريرة فأخبرت عائشة خبرها، فخرجت عائشة متنكرة حتى دخلت على صفية وعندها نسوة من الأنصار، فنظرت إليها وهي منتقبة، فعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرجت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فقال: يا عائشة كيف رأيت صفية؟ قالت: ما رأيت طائلا، رأيت يهودية بين يهوديات - تعني عماتها وخالاتها - ولكني قد أخبرت أنك تحبها، فهذا خير لها من لو كانت ظريفة. قال: يا عائشة، لا تقولي هذا فإني عرضت عليها الإسلام فأسرعت وأسلمت وحسن إسلامها. قال: فرجعت عائشة فأخبرت حفصة بظرفها، فدخلت عليها حفصة فنظرت إليها ثم رجعت إلى عائشة فقالت: إنها لظريفة وما هي كما قلت.
فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصهباء سلك على برمة حتى انتهى إلى وادي القرى يريد من بها من اليهود. وكان أبو هريرة يحدث قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم ، وكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما نزلوا بوادي القرى انتهينا إلى اليهود وقد ضوى إليها أناس من العرب، فبينا مدعم يحط رحل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استقبلتنا اليهود بالرمي حيث نزلنا، ولم يكن على تعبية وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا لك الجنة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم يصبها المقسم تشتعل عليه نارا. فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو بشراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: شراك من نار! أو شراكان من نار.

(1/289)


وعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر. ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وأخبرهم إن أسلمواأحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله. فبرز رجل منهم وبرز إليه الزبير بن العوام فقتله؛ ثم برز آخر فبرز إليه الزبير فقتله؛ ثم برز آخر فبرز له علي رضي الله عنه فقتله؛ ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله، ثم برز آخر فبرز له أبو دجانة فقتله؛ حتى قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل رجل دعا من بقي إلى الإسلام. ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك النخل والأرض بأيدي اليهود وعاملهم عليها. فلما بلغ يهود تيماء ما وطىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم. فلما كان زمن عمر رضي الله عنه أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام. وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وادي القرى راجعا بعد أن فرغ من خيبر ومن وادي القرى وغنمه الله، فلما كان قريبا من المدينة سرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته، حتى إذا كان قبيل الصبح بقليل نزل وعرس. وقال: ألا رجل صالح حافظ لعينه يحفظ لنا صلاة الصبح؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله! قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ووضع الناس رءوسهم، وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول لبلال: يا بلال احفظ عينك! قال: فاحتبيت بعباءتي واستقبلت الفجر، فما أدري متى وضعت جنبي إلا أني لم أستيقظ إلا باسترجاع الناس وحر الشمس، وأخذتني الألسنة باللوم؛ وكان أشدهم علي أبو بكر. وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أهون لائمة من الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له حاجة فليقضها. فتفرق الناس في أصول الشجر، وقال صلى الله عليه وسلم: أذن يا بلال بالأذان الأول. قال بلال: وكذلك كنت أفعل في أسفاره، فأذنت فلما اجتمع الناس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اركعوا ركعتي الفجر. فركعوا ثم قال: أقم يا بلال! فأقمت فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس. قال بلال: فما زال يصلي بنا حتى إن الرجل ليسلت العرق من جبينه من حر الشمس، ثم سلم فأقبل على القوم فقال: كانت أنفسنا بيد الله، ولو شاء قبضها وكان أولى بها، فلما ردها إلينا صلينا. ثم أقبل على بلال فقال: مه يا بلال! فقال: بأبي وأمي، قبض نفسي الذي قبض نفسك. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم.
ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحد جبل يحبنا ونحبه؛ اللهم إني أحرم ما بين لابتي المدينة! قال: وانتهى إلى الجرف ليلا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله بعد صلاة العشاء.
فحدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بالجرف: لاتطرقوا الناسء بعد صلاة العشاء. قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره فخلى سبيله ولم يهجه ، وضن بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى ما يكره.

(1/290)


حدثني عبد الله بن نوح الحارثي، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن سعد بن حزام بن محيصة، عن أبيه، قال: كنا بالمدينة والمجاعة تصيبنا، فنخرج إلى خيبر فنقيم بها ما أقمنا ثم نرجع، وربما خرجنا إلى فدك وتيماء. وكانت اليهود قوما لهم ثمار لا يصيبها قطعة ، أما تيماء فعين جارية تخرج من أصل جبل لم يصبها قطعه منذ كانت، وأما خيبر فماء واتن، فهي مغفرة في الماء، وأما فدك فمثل ذلك. وذلك قبل الإسلام، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وفتح خيبر قلت لأصحابي: هل لكم في خيبر فإنا قد جهدنا وقد أصابنا مجاعة؟ فقال أصحابي: إن البلاد ليس كما كانت، نحن قوم مسلمون وإنما نقدم على قوم أهل عداوة وغش للإسلام وأهله، وكنا قبل ذلك لا نعبد شيئا. قالوا: قد جهدنا، فخرجنا حتى قدمنا خيبر، فقدمنا على قوم بأيديهم الأرض والنخل ليس كما كانت؛ قد دفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم على النصف؛ فأما سراة اليهود وأهل السعة منهم قد قتلوا - بنو أبي الحقيق وسلام بن مشكم، وابن الأشرف - وإنما بقي قوم لا أموال لهم وإنما هم عمال أيديهم. وكنا نكون في الشق يوما وفي النطاة يوما وفي الكتيبة يوما، فرأينا الكتيبة خيرا لنا فأقمنا بها أياما، ثم إن صاحبي ذهب إلى الشق فبات عني وقد كنت أحذره اليهود، فغدوت في أثره أسأل عنه حتى انتهيت إلى الشق فقال لي أهل أبيات منهم: مر بنا حين غابت الشمس يريد النطاة. قال: فعمدت إلى النطاة، إلى أن قال لي غلام منهم: تعال أدلك على صاحبك! فانتهى بي إلى منهر فأقامني عليه، فإذا الذباب يطلع من المنهر. قال: فتدليت في المنهر فإذا صاحبي قتيل، فقلت لأهل الشق: أنت قتلتموه! قالوا: لا والله، ما لنا به علم! قال: فاستعنت عليه بنفر من اليهود حتى أخرجته وكفنته ودفنته، ثم خرجت سريعا حتى قدمت على قومي بالمدينة فأخبرتهم الخبر. ونجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عمرة القضية، فخرج معي من قومي ثلاثون رجلا، أكبرنا أخي حويصة، فخرج معنا عبد الرحمن ابن سهل أخو المقتول - والمقتول عبد الله بن سهل - وكان عبد الرحمن ابن سهل أحدث مني، فهو مستعبر على أخيه رقيق عليه، فبرك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال عبد الرحمن: يا رسول الله إن أخي قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبر، كبر! فتكلمت فقال: كبر، كبر! فسكت. وتكلم أخي حويصة فتكلم بكلمات وذكر أن اليهود تهمتنا وظنتنا ثم سكت، فتكلمت وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب من الله ورسوله، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في ذلك فكتبوا إليه: ما قتلناه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن ولمن معهم: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله، لم نحضر ولم نشهد. قال: فتحلف لكم اليهود؟ قالوا: يا رسول الله، ليسوا بمسلمين. فواده رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائة ناقة، خمسة وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين حقة، وخمسة وعشرين بنت لبون، وخمسة وعشرين بنت مخاض. قال سهل بن أبي حثمة: رأيتها أدخلت عليهم مائة ناقة، فركضتني منها ناقة حمراء وأنا يومئذ غلام.
حدثني ابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كانت القسامة في الجاهلية ثم أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، وقضى بها في الأنصاري الذي وجد بخيبر قتيلا في جب من جباب اليهود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: تحلف لكم اليهود؛ خمسين رجلا خمسين يمينا بالله ما قتلنا؟ قالوا: يا رسول الله، كيف تقبل أيمان قوم كفار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتحلفون خمسين رجلا خمسين يمينا بالله أنهم قتلوا صاحبكم وتستحقوا الدم؟ قالوا: يا رسول الله لم نحضر ولم نشهد. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته على اليهود لأنه قتل بحضرتهم.

(1/291)


حدثني مخرمة بن بكير، عن خالد بن يزيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته على اليهود، فإن لم يعطوا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله. وأعانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببضعة وثلاثين بعيرا - فهي أول ما كانت القسامة. وكان الناس يطلعون إلى أموالهم بخيبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان.
وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: خرجت أنا والزبير، والمقداد بن عمرو، وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل إلى أموالنا بخيبر فطلعنا نتعاهدها، وكان أبو بكر يبعث من يطلعها وينظر إليها، وكان عمر يفعل ذلك أيضا، فلما قدمنا خيبر تفرقنا في أموالنا. فعدى علينا من جوف الليل وأنا نائم على فراشي فصرعت يداي فسالوني: من صنع هذا بك؟ فقلت: لا أدري، فاصلحوا أمر يدي! وقال غير سالم، عن ابن عمر، قال: سحروه بالليل وهو نائم على فراشه فكوع حتى أصبح كأنه كان في وثاق، وجاء أصحابه فأصلحوا من يديه، فقدم ابن عمر المدينة فأخبر أباه بما صنع به.
حدثني محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: أقبل مظهر بن رافع الحارثي بأعلاج من الشام يعملون بأرضه وهم عشرة، فأقبل حتى نزل بهم خيبر فأقام بها ثلاثة أيام، فيدخل بهم رجل من اليهود فقال: أنتم نصارى ونحن يهود وهؤلاء قوم عرب قد قهرونا بالسيف، وأنتم عشرة رجال أقبل رجل واحد منهم يسوقكم من أرض الخمر والخير إلى الجهد والبؤس، وتكونون في رق شديد، فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه. قالوا: ليس معنا سلاح. فدسوا إليهم سكينين أو ثلاثة. قال: فخرجوا فلما كانوا بثبار قال لأحدهم، وكان الذي يخدمه منهم: ناولني كذا وكذا. فأقبلوا إليه جميعا قد شهروا سكاكينهم، فخرج مظهر يعدو إلى سيفه وكان في قراب راحلته، فلما انتهى إلى القراب لم يفتحه حتى بعجوا بطنه، ثم انصرفوا سراعا حتى قدموا خيبر على اليهود فآووهم وزودوهم وأعطوهم قوة فلحقوا بالشام. وجاء عمر الخبر بمقتل مظهر بن رافع وما صنعت اليهود، فقام عمر خطيبا بالناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن اليهود فعلوا بعبد الله ما فعلوا، وفعلوا بمظهر بن رافع مع عدوتهم على عبد الله بن سهل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أشك أنهم أصحابه ليس لنا عدو هناك غيرهم؛ فمن كان له بها مال فليخرج فأنا خارج، فقاسم ما كان بها من الأموال، وحاد حدودها، ومورف أرفها ومجلي اليهود منها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " أقركم ما أقركم الله " وقد أذن الله في جلائهم إلا أن يأتي رجل منهم بعهد أو بينة من النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقره فأقره. فقام طلحة بن عبيد الله فقال: قد والله أصبت يا أمير المؤمنين ووفقت! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أقركم ما أقركم الله " ، وقد فعلوا ما فعلوا بعبد الله بن سهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وما حرضوا على مظهر بن رافع حتى قتله أعبده، وما فعلوا بعبد الله بن عمر، فهم أهل تهمتنا وظنتنا . فقال عمر رضي الله عنه: من معك على مثل رأيك؟ قال: المهاجرون جميعا والأنصار. فسر بذلك عمر.
حدثني معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: بلغ عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه: " لا يجتمع بجزيرة العرب دينان " . ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى وجد عليه الثبت من لا يتهم، فأرسل إلى يهود الحجاز فقال: من كان منكم عنده عهد من النبي صلى الله عليه وسلم فإني مجليه، فإن الله عز وجل قد أذن في جلائهم. فأجلى عمر يهود الحجاز.

(1/292)


قالوا: فخرج عمر بأربعة قسام: فروة بن عمرو البياضي، قد شهد بدرا، وحباب بن صخر السلمي، قد شهد بدرا، وأبو الهيثم بن التيهان، قد شهد بدرا، وزيد بن ثابت؛ فقسموا خيبر على ثمانية عشر سهما، على الرءوس التي سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه سمى ثمانية عشر سهما وسمى رؤساءها. ويقال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمى الرؤساء ثم جزأوا الشق والنطاة، فجزأوها على ثمانية عشر سهما، جعلوا ثمانية عشر بعرة فألقين في العين جميعا، ولكل رأس علامة في بعرته، فإذا خرجت أول بعرة قيل سهم فلان وسهم فلان. وكان في الشق ثلاثة عشر سهما، وفي النطاة خمسة أسهم. حدثني بذلك حكيم بن محمد من آل مخرمة، عن أبيه. فكان أول سهم خرج في النطاة سهم الزبير بن العام؛ ثم سهم بياضة، يقال: إن رأسه فروة بن عمرو؛ ثم سهم أسيد بن حضير؛ ثم سهم بلحارث بن الخزرج، يقال: رأسه عبد الله بن رواحة؛ ثم سهم ناعم؛ يهودي. ثم ضربوا في الشق، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا عاصم بن عدي، إنك رجل محدود، فسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سهمك. فخرج سهم عاصم أول سهم في الشق، ويقال: إنه سهم النبي صلى الله عليه وسلم كان في بني بياضة، والثبت أنه كان مع عاصم بن عدي. ثم خرج سهم علي رضي الله عنه على أثر سهم عاصم؛ ثم سهم عبد الرحمن بن عوف؛ ثم سهم طلحة بن عبيد الله؛ ثم سهم بني ساعدة، يقال: رأسهم سعد ابن عبادة؛ ثم سهم بني النجار؛ ثم سهم بني حارثة بن الحارث؛ ثم سهم أسلم وغفار، يقال: رأسهم بريدة بن الحصيب؛ ثم سهما سلمة جميعا؛ ثم سهم عبيد السهام؛ ثم سهم عبيد؛ ثم سهم أوس، صار لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال ابن واقد: فسألت ابن أبي حبيبة: لم سمى عبيد السهام؟ قال: أخبرني داود بن الحصين قال: كان اسمه عبيد، ولكنه جعل يشتير من السهام بخيبر فسمي عبيد السهام.
حدثني إسماعيل بن عبد الملك ابن نافع مولى بني هاشم، عن يحيى ابن شبل، عن أبي جعفر قال: أول ما ضرب في الشق خرج سهم عاصم ابن عدي فيه سهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وحدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت أحب أن يخرج سهمي مع سهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخطأني قلت: اللهم اجعل سهمي في مكان معتزل لا يكون لأحد على طريق. فكان سهمه معتزلا وكان شركاؤه أعرابا، فكان يستخلص منهم سهامهم؛ يأخذ حق أحدهم بالفرس والشيء اليسير حتى خلص له سهم أوس كله.
حدثني عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما قسم عمر رضي الله عنه خيبر خيروا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في طعمهن الذي أطعمهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتيبة، إن أحببن أن يقطع لهن من الأرض و الماء مكان طعمهن، أو يمضى لهن الوسوق وتكون مضمونة لهن. فكانت عائشة رضي الله عنها وحفصة رضي الله عنها ممن اختار الأرض والماء، وكان سائرهن أخذن الوسوق مضمونة.
حدثني أفلح بن حميد قال: سمعت القاسم بن محمد يقول، سمعت عائشة رضي الله عنها تقول يوما: رحم الله ابن الخطاب! قد خيرني فيما صنع، خيرني في الأرض والماء وفي الطعمة، فاخترت الأرض والماء، فهن في يدي، وأهل الطعم مرة ينقصهم مروان، ومرة لا يعطيهم شيئا، ومرة يعطيهم. ويقال: إنما خير عمر رضي الله عنه أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط.
حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: خير عمر رضي الله عنه الناس كلهم؛ فمن شاء أخذ الطعمة كيلا، ومن شاء أخذ الماء والتراب، وأذن لمن شاء باع، ومن أحب أن يمسك أمسك من الناس كلهم، فكان من باع الأشعريين، من عثمان بن عفان مائة وسق بخمسة آلاف دينار، وباع الرهاويون من معاوية بن أبي سفيان بمثل ذلك. قال أبو عبد الله: هذا الثبت عندنا والذي رأيت عليه أهل المدينة.

(1/293)


وحدثني أيوب بن النعمان، عن أبيه، قال: خير عمر رضي الله عنه من كانت له طعمة أن يعطيه من الماء والأرض أو الطعم مضمونة، فكان أسامة ابن زيد اختار الطعمة مضمونة. ولما فرغ عمر رضي الله عنه من القسمة أخرج يهود خيابر، ومضى عمر رضي الله عنه من خيبر في المهاجرين والأنصار إلى وادي القرى. وخرج معاوية بالقسام الذين قسموا: جبار بن صخر، وأبو الهيثم بن التيهان، وفروة بن عمرو، وزيد بن ثابت، فقسموها على أعداد السهام، وأعلموا أرفها، وحدوا حدودها، وجعلوها السهام تجرى. فكان ما قسم عمر من وادي القرى لعثمان بن عفان خطر، ولعبد الرحمن ابن عوف خطر، ولعمر بن أبي سلمة خطر - الخطر هو السهم - ولعامر بن ربيعة خطر، ولمعيقب خطر، ولعبد الله بن الأرقم خطر، ولبني جعفر خطر، ولعمرو بن سراقة خطر، ولعبد الله وعبيد الله خطران، ولشييم خطر، ولابن عبد الله بن جحش خطر، ولابن أبي بكر خطر، ولعمر خطر، ولزيد ابن ثابت خطر، ولأبي بن كعب خطر، ولمعاذ بن عفراء خطر، ولأبي طلحة وجبير خطر، ولجبار بن صخر خطر، ولجبار بن عبد الله بن رباب خطر، ولمالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله بن عمر خطر، ولسلمة بن سلامة خطر، ولعبد الرحمن بن ثابت وابن أبي شريق خطر، ولأبي عبس بن جبر خطر، ولمحمد بن مسلمة خطر، ولعباد بن طارق خطر، ولجبر بن عتيك نصف خطر، ولابن الحارث بن قيس نصف خطر، ولابن جرمة والضحاك خطر.
حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن مكنف الحارثي، قال: إنما خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القسام برجلين، جبار بن صخر وزيد بن ثابت، هما قاسما المدينة وحاسباها، فقسما خيبر وأقاما نخل فدك وأرضها، ودفع عمر إلى يهود فدك نصف القيمة؛ وقسما السهمان بوادي القرى، ثم أجلى عمر رضي الله عنه يهود الحجاز، وكان زيد بن ثابت قد تصدق بالذي صار له من وادي القرى مع غيره.
سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة
في شعبان سنة سبع
حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة ، فخرج عمر رضي الله عنه ومعه دليل من بني هلال، فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، وأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحدا. وانصرف راجعا إلى المدينة حتى سلك النجدية، فلما كان بالجدر قال الهلالي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هل لك في جمع آخر تركته من خثعم، جاءوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، إنما أمرني أصمد لقتال هوازن بتربة. فانصرف عمر راجعا إلى المدينة.
سرية أبي بكر إلى نجد
في شعبان سنة سبع
حدثني حمزة بن عبد الواحد، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وأمره علينا، فبيتنا ناسا من هوازن، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات ، وكان شعارنا: أمت! أمت!
سرية بشير بن سعد إلى فدك
في شعبان سنة سبع
حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك. فخرج فلقي رعاء الشاء فسأل: أين الناس؟ فقالوا: هم في بواديهم . والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء وعاد منحدرا إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا وحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير وولى منهم من ولى. وقاتل بشير قتالا شديدا حتى ضرب كعبه، وقيل: قد مات، ورجعوا بنعمهم وشاءهم. وكان أول من قدم بخبر السرية ومصابها علبة بن زيد الحارثي. وأمهل بشير بن سعد وهو في القتلى، فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقم عند يهودي بفدك أياما حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة.

(1/294)


وهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير، فإن ظفرك الله بهم فلا تبق فيهم. وهيأ معه مائتي رجل وعقد له اللواء، فقدم غالب بن عبد الله من سرية قد ظفر الله عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام: اجلس! وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، فخرج أسامة بن زيد في السرية حتى انتهى إلى مصاب بشير وأصحابه، وخرج معه علبة بن زيد.
حدثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: كان مع غالب عقبة بن عمرو أبو مسعود، وكعب بن عجرة، واسامة بن زيد، وعلبة بن زيد؛ فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة محالهم، حتى أوفى على جماعة منهم ثم رجع إلى غالب فأخبره. فأقبل غالب يسير حتى إذا كان منهم بمنظر العين ليلا، وقد اجتلبوا وعطنوا وهدأوا، قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرا، فإنه لا رأي لمن لا يطاع. ثم ألف بينهم فقال: يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان - لا يفارق كل رجل زميله - وإياكم أن يرجع إلي أحدكم فأقول: أين فلان صاحبك؟ فيقول: لا أدري؛ وإذا كبرت فكبروا. قال: فكبر وكبروا، وأخرجوا السيوف. قال: فأحطنا بالحاضر وفي الحاضر نعم وقد عطنوا مواشيهم، فخرج إلينا الرجال فقاتلوا ساعة، فوضعنا السيوف حيث شئنا منهم ونحن نصيح بشعارنا: أمت! أمت! وخرج أسامة بن زيد في إثر رجل منهم يقال له نهيك بن مرداس فأبعد، وحوينا على الحاضر وقتلنا من قتلنا، ومعنا النساء والماشية، فقال أميرنا: أين أسامة بن زيد؟ فجاء بعد ساعة من الليل، فلامه أمرينا لائمة شديدة وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك؟ فقال: إني خرجت في إثر رجل جعل يتهكم بين حتى إذا دنوت ولحمته بالسيف قال: لا إله إلا الله! فقال أميرنا: أغمدت سيفك؟ قال: لا والله ما فعلت حتى أوردته شعوب. قال: قلنا: والله بئس ما فعلت وما جئت به، تقتل امرءا يقول لا إله إلا الله! فندم وسقط في يديه. قال: واستقنا النعم والشاء والذرية، وكانت سهامهم عشرة أبعرة كل رجل، أو عدلها من الغنم. وكان يحسب الجزور بعشرة من الغنم.
وحدثني شبل بن العلاء، عن إبراهيم بن حويصة، عن أبيه عن أسامة بن زيد، قال: كان أميرنا آخى بيني وبين أبي سعيد الخدري. قال أسامة: فلما أصبته وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى رأيتني وما أقدر على أكل الطعام حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلني واعتنقني واعتنقته، ثم قال لي: يا أسامة، خبرني عن غزاتك. قال: فجعل أسامة يخبره الخبر حتى انتهى إلى صاحبه الذي قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قتلته يا أسامة، وقد قال لا إله إلا الله؟ قال: فجعلت أقول: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا من القتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا شققت قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب ؟ قال أسامة: لا أقتل أحدا يقول لا إله إلا الله. قال أسامة: وتمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.
حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الجبار، عن المقداد بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رجلا من الكفار يقاتلني، وضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله، أقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله! قال: فإني قتلته فماذا؟ قال: فإنه بمنزلتك التي كنت بها قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال.
سرية بني عبد بن ثعلبة
عليها غالب بن عبد الله إلى الميفعة في رمضان سنة سبع

(1/295)


حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن يعقوب بن عتبة، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر أقام أياما ما شاء الله أن يقيم، فقال له يسار مولاه: يا رسول الله، إني قد علمت غرة من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معي إليهم. فأرسل معه النبي صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله في مائة وثلاثين رجلا، خرج بهم يسار، فظعن بهم في غير الطريق حتى فنيت أزوادهم وجهدوا، واقتسموا التمر عددا، فبينا القوم ذات ليلة بعد ما ساء ظنهم بيسار، وظن القوم أن إسلامه لم يصح، وقد انتهوا إلى مكان قد فحصه السيل، فلما رآه يسار كبر قال: والله قد ظفرتم بحاجتكم، اسلكوا في هذا الفحص حتى ينقطع بكم. فسار القوم فيه ساعة بحس خفي لا يتكلمون إلا همسا حتى انتهوا إلى ضرس من الحرة، فقال يسار لأصحابه: لو صاح رجل شديد الصوت لأسمع القوم، فارتأوا رأيكم! قال غالب: انطلق بنا يا يسار أنا وأنت، وندع القوم كمينا، ففعلا، فخرجنا حتى إذا كنا من القوم بمنظر العين سمعنا حس الناس والرعاء والحلب، فرجعا سريعين فانتهيا إلى أصحابهما، فأقبلوا جميعا حتى إذا كانوا من الحي قريبا، وقد وعظهم أميرهم غالب ورغبهم في الجهاد، ونهاهم عن الإمعان في الطلب، وألف بينهم وقال: إذا كبرت فكبروا. فكبر وكبروا جميعا معه، ووقعوا وسط محالهم فاستاقوا نعما وشاء، وقتلوا من أشرف لهم، وصادفوهم تلك الليلة على ماء يقال له الميفعة. قال: واستاقوا النعم فحدروه إلى المدينة، ولم يسمع أنهم جاءوا بأسرى.
سرية بشير بن سعد إلى الجناب
سنة سبع
حدثني يحيى بن عبد العزيز، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: قدم رجل من أشجع يقال له حسيل بن نويرة، وقد كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين يا حسيل؟ قال: قدمت من الجناب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءك؟ قال: تركت جمعا من غطفان بالجناب، قد بعث إليهم عيينة يقول لهم: إما تسيروا إلينا وإما نسير إليكم. فأرسلوا إليه أن سر إلينا حتى نزحف إلى محمد جميعا، وهم يريدونك أو بعض أطرافك. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما، فذكر لهما ذلك، فقالا جميعا: ابعث بشير بن سعد! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرا فعقد له لواء؛ وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل ويكمنوا النهار، وخرج معهم حسيل بن نويرة دليلا؛ فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا أسفل خيبر فنزلوا بسلاح ، ثم خرجوا من سلاح حتى دنوا من القوم، فقال لهم الدليل: بينكم وبين القوم ثلثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم كمنتم وخرجت طليعة لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعا. قالوا: بل نقدمك. فقدموه، فغاب عنهم ساعة ثم كر عليهم فقال: هذا أوائل سرحهم فهل لكم أن تغيروا عليهم؟ فاختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: إن أغرنا الآن حذرنا الرجال والعطن. وقال آخرون: نغنم ما ظهر لنا ثم نطلب القوم. فشجعوا على النعم، فأصابوا نعما كثيرا ملأوا منه أيديهم، وتفرق الرعاء وخرجوا سراعا، ثم حذروا الجمع فتفرق الجمع وحذروا، ولحقوا بعلياء بلادهم، فخرج بشير بأصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس بها أحد. فرجع بالنعم حتى إذا كانوا بسلاح راجعين لقوا عينا لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة وتبعهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأصابوا منهم رجلا أو رجلين فأسروهما أسرا، فقدموا بهما على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما فأرسلهما النبي صلى الله عليه وسلم.

(1/296)


قالوا: وكان الحارث بن عوف المري حليفا لعيينة ولقيه منهزما على فرس له عتيق يعدو به عدوا سريعا، فاستوقفه الحارث فقال: لا، ما أقدر! الطلب خلفي! أصحاب محمد! وهو يركض. قال الحارث بن عوف: أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إن محمدا قد وطىء البلاد وأنت موضع في غير شيء. قال الحارث: فتنحيت عن سنن خيل محمد حتى أراهم ولا يروني، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحدا - وما طلبوه إلا الرعب الذي دخله. قال: فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب. قال عيينة: هو ذاك، إني خفت الإسار وكان أثري عند محمد ما تعلم في غير موطن. قال الحارث: أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمرا بينا في بني النضير، ويوم الخندق وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنهم كانوا أعز يهود الحجاز كله، يقرون لهم بالشجاعة والسخاء، وهم أهل حصون منيعة وأهل نخل؛ والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم. لقد سارت حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من الناس، ثم قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أديل عليهم. فقال عيينة: هو والله ذاك، ولكن نفسي لا تقرني. قال الحارث: فادخل مع محمد. قال: أصير تابعا! قد سبق قوم إاليه فهم يزرون بمن جاء بعدهم يقولون: شهدنا بدرا وغيرها. قال الحارث: وإنما هو على ما ترى، فلو تقدمنا إليه لكنا من علية أصحابه، قد بقي قومه بعدهم منه في موادعة وهو موقع بهم وقعة، ما وطىء له الأمر. قال عيينة: أرى والله! فاتعدا يريدان الهجرة والقدوم على النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مر بهما فروة ابن هبيرة القشيري يريد العمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يريدان. قال فروة: لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المدة التي هم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخروا القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى فروة حتى قدم مكة فتحسب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبدا، فخبرهم بما أوقع محمد بأهل خيابر. قال فروة: وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمحمد. قالت قريش: فما الرأي، فأنت سيد أهل الوبر؟ قال: نقضي هذه المدة التي بينكم وبينه ونستجلب العرب ، ثم نغزوه في عقر داره. وأقام أياما يجول في مجالس قريش، ويسمع به نوفل بن معاوية الديلي، فنزل من باديته فأخبره بما قال لقريش، فقال نوفل: إذا لأجد عندكم شيئا! قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدو قريب داره، وهم عيبة نصح محمد لا يغيبون عليه حرفا من أمورنا. قال: من هم؟ قال: خزاعة. قال: قبحت خزاعة؛ قعدت بها يمينها! قال فروة: فماذا؟ قال: استنصر قريشا أن يعينونا عليهم. قال فروة: فأنا أكفيكم. فلقي رؤساءهم، صفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال: ألا ترون ماذا نزل بكم! إنكم رضيتم أن تدافعوا محمدا بالراح. قالوا: فما نصنع؟ قال: تعينون نوفل بن معاوية على عدوه وعدوكم. قالوا: إذا يغزونا محمد في ما لا قبل لنا به فيوطئنا غلبة، وننزل على حكمه، ونحن الآن في مدة وعلى ديننا. فلقي نوفل بن معاوية فقال: ليس عند القوم شيء. ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم وقال: رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبروا الأمر. فقدموا رجلا وأخروا أخرى.
غزوة القضية
حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، وابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، ومعاذ بن محمد، عن محمد بن يحيى بن حباب، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، وأبو معشر؛ فكل قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم ممن لم أسم، فكتبت كل ما حدثوني قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة سنة سبع، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا - قضاء عمرتهم - وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من المسلمين سوى أهل الحديبية ممن لم يشهد صلح الحديبية عمارا، فكان المسلمون في عمرة القضية ألفين.

(1/297)


فحدثني خارجة بن عبد الله، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة سبع، بعد مقدمه بأربعة أشهر، وهو الشهر الذي صدته المشركون، لقول الله عز وجل: " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص " يقول: كما صدوكم عن البيت فاعتمروا في قابل. فقال رجال من حاضر المدينة من العرب: والله يا رسول الله، ما لنا من زاد وما لنا من يطعمنا . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدقوا، وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا. قالوا: يا رسول الله، بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بما كان، ولو بشق تمرة، ولو بمشقص يحمل به أحدكم في سبيل الله. فأنزل الله عز وجل في ذلك: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " . قال: نزلت في ترك النفقة في سبيل الله.
حدثني الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: متع في سبيل الله ولو بمشقص، ولا تلق بيدك إلى التهلكة.
حدثني الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: نزلت هذه الآية في ترك النفقة في سبيل الله.
وحدثني ابن موهب، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضية ستين بدنة.
حدثني غانم بن أبي غانم، عن عبيد الله بن ينار، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الأسلمي على هديه، يسير بالهدي أمامه يطلب الرعي في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم.
فحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عبيد بن أبي رهم، قال: أنا كنت ممن يسوق الهدي وأركب على البدن.
حدثني محمد بن نعيم، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنت ممن صاحب البدن أسوقها.
حدثني يونس بن محمد، عن شعبة مولى ابن عباس، قال: قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه بيده هو بنفسه.
حدثني معاذ بن محمد، عن عاصم بن عمر، قال: حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح والبيض والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، وهي مائة فرس عليها محمد ابن مسلمة. وقدم السلاح واستعمل عليه بشير بن سعد، فقيل: يا رسول الله! حملت السلاح وقد شرطوا علينا ألا ندخل عليهم إلا بسلاح المسافر؛ السيوف في القرب! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندخلها عليهم الحرم، ولكن تكون قريبا منا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا. قيل: يا رسول الله! تخاف قريشا على ذلك؟ فأسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم البدن.
وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن جابر بن عبد الله، قال: أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب المسجد لأنه سلك إلى طريق الفرع، ولولا ذلك لأهل من البيداء.

(1/298)


وحدثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سلكنا في عمرة القضية على الفرع، وقد أحرم أصحابي غيري، فرأيت حمارا وحشيا فشددت عليه فعقرته، فأتيت أصحابي، فمنهم الآكل والتارك. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كل! قال أبو قتادة: ثم حج حجة الوداع. فأحرم من البيداء، وهذه العمرة من المسجد؛ لأن طريقه ليس على البيداء. قال ابن واقد: فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي، والمسلمون يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، فيجد عليها نفرا من قريش فسألوا محمد بن مسلمة فقال: هذا رسول الله، يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله. فرأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من الخيل والسلاح، ففزعت قريش فقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، ونحن على كتابنا ومدتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه والهدي والسلاح، قد تلاحقوا، فقالوا: يا محمد! والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر! تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر؛ السيوف في القرب! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ندخلها إلا كذلك. ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة فقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم. فلما جاء مكرز بخبر النبي صلى الله عليه وسلم خرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال، وخلوا مكة، وقالوا: ولا ننظر إليه ولا إلى أصحابه. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رحمهم الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء، وأصحابه محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم، متوشحو السيوف يلبون؛ فلما انتهى إلى ذي طوى وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون على راحلته القصواء، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته.
فحدثني سعيد بن مسلم، عن زيد بن قسيط، عن عبيد بن خديج، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع التلبية حتى جاء عروش مكة.
حدثني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى استلم الركن.
حدثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، قال: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي رجل على السلاح، عليهم أوس بن خولي.
حدثني يعقوب بن محمد بن عدب الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أم عمارة، قالت: شهدت عمرة القضية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت قد شهدت الحديبية، فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى البيت، وهو على راحلته وابن رواحة آخذ بزمام راحلته - وقد صف له المسلمون - حين دنا من الركن حتى انتهى إليه، فاستلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه، على راحلته، والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... إني شهدت أنه رسوله
حقا وكل الخير في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر، إن أسمع! فأسكت عمر.
فحدثني إسماعيل بن عباس، عن ثابت بن العجلان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن المشركين على الجبل وهم يرونكم، امشوا ما بين اليماني والأسود. ففعلوا.

(1/299)


وحدثني إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند المروة عند فراغه، وقد وقف الهدي عند المروة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر! فنحر عند المروة. وقال ابن واقد: وكان قد اعتمر مع النبي صلى الله عليه وسلم قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، فأما من كان شهد الحديبية وخرج في القضية فإنهم شركوا في الهدي.
حدثني يعقوب بن محمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن الحارث بن عبد الله، عن أم عمارة، قالت: لم يتخلف أحد من أهل الحديبية إلا اعتمر عمرة القضية، إلا من مات أو قتل؛ فخرجت ونسوة معي في الحديبية فلم نصل إلى البيت، فقصرن من أشعارهن بالحديبية ثم اعتمرن مع النبي صلى الله عليه وسلم، قضاء لعمرتهن، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة. وكان ممن شهد الحديبية وقتل بخيبر ولم يشهد عمرة القضية: ربيعة بن أكثم، ورفاعة بن مسروح ، وثقف بن عمرو، وعبد الله بن أبي أمية بن وهب الأسدي، وأبو صياح، والحارث بن حاطب، وعدي بن مرة بن سراقة، وأوس بن حبيب، وأنيف ابن وائل، ومسعود بن سعد الزرفي، وبشر بن البراء، وعامر بن الأكوع.
وكان ابن عباس رضي الله عنه يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم في القضية أن يهدوا، فمن وجد بدنة من الإبل نحرها، ومن لم يجد بدنة رخص لهم في البقرة؛ فقدم فلان ببقر اشتراه الناس منه.
حدثني حزام بن هشام، عن أبيه، أن خراش بن أمية حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة.
حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن يحيى بن حبان، أن الذي حلقه معمر بن عدب الله العدوي.
حدثني علي بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد ابن المسيب، قال: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بلال بالظهر فوق ظهر الكعبة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك. فقال عكرمة بن أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول! وقال صفوان بن أمية: الحمد الله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا! وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم، حين يقوم بلال بن أم بلال ينهق فوق الكعبة! وأما سهيل بن عمرو ورجال معه، فحين سمعوا ذلك غطوا وجوههم.
حدثني إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، قال: لم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة في القضية، قد أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك. وأمر بلالا فأذن فوق الكعبة يومئذ مرة ولم يعد بعد، وهو الثبت.
حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ميمونة وهو محرم، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم.
حدثني هشام بن سعد، عن عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب، قال: لما حل رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها.

(1/300)


حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهري المشركين؟ فلم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها، فخرج بها؛ فتكلم زيد بن حارثة، وكان وصى حمزة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحق بها، ابنة أخي! فلما سمع ذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي، أسماء بنت عميس. فقال علي رضي الله عنه: ألا أراكم في ابنة عمي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها نسب دوني، وأنا أحق بها منكم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أحكم بينكم! أما أ،ت يا زيد فمولى الله ورسوله، وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أحق بها! تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها فقضى بها لجعفر. قال ابن واقد: فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جعفر؟ قال: يا رسول الله، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله. فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: تزوجها! فقال: ابنة أخي من الرضاعة! فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هل جزيت سلمة؟ حدثني عبيد الله بن محمد قال: فلما كان عند الظهر يوم الرابع، أتى سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى - ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من مجالس الأنصار يتحدث معه سعد بن عبادة - فقال: قد انقضى أجلك، فاخرج عنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم ، فصنعت لكم طعاما؟ فقالا: لا حاجة لنا في طعامك، اخرج عنا! ننشدك الله يا محمد والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا؛ فهذه الثلاث قد مضت! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل بيتا، وضربت له قبة من الأدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها، لم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها. فغضب سعد ابن عبادة لما رأى من غلظة كلامهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لسهيل: كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض أبيك! والله لا يبرح منها إلا طائعا راضيا. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا سعد، لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا. قال: وأسكت الرجلان عن سعد. قال: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع بالرحيل، وقال: لا يميسين بها أحد من المسلمين. وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل سرف، وتتام الناس، وخلف أبا رافع ليحمل إليه زوجته حين يمسي، وأقام أبو رافع حتى أمسى، فخرج بميمونة ومن معها، فلقوا عناء من سفهاء المشركين، آذوا بألسنتهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال لها أبو رافع - وانتظر أن يبطش أحد منهم فيستخلى به ، فلم يفعلوا - ألا إني قد قلت لهم: " ما شئتم! هذه والله الخيل والسلاح ببطن يأجج! " وإذا الخيل قد قربت فوقفت لنا هنالك والسلاح، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، فلما انتهينا إلى بطن يأجج ساروا معنا، فلم نأت سرف حتى ذهب عامة الليل، ثم أتينا سرف، فبنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أدلج حتى قدم المدينة.
سرية ابن أبي العوجاء السلمي
في ذي الحجة سنة سبع

(1/301)


حدثني محمد، عن الزهري، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء سنة سبع - رجع في ذي الحجة سنة سبع - بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا، فخرج إلى بني سليم. وكان عين لبني سليم معه، فلما فصل من المدينة خرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم، فجمعوا جمعا كثيرا. وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون له، فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه. فراموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إسلام عمرو بن العاص
حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عمرو بن العاص: كنت للإسلام مجانبا معاندا، فحضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فقلت في نفسي: كم أوضع ؟ والله ليظهرن محمد على قريش! فخلفت مالي بالرهط وأفلت - يعني من الناس - فلم أحضر الحديبية ولا صلحها، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلح ورجعت قريش إلى مكة، فجعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه؛ ما مكة بمنزل ولا الطائف، وما من شيء خير من الخروج. وأنا بعد نات عن الإسلام، أرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم. فقدمت مكة فجمعت رجالا من قومي كانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدمونني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدرهنا ، مع يمن نفس وبركة أمر . قال، قلت: تعلمون والله أني لأرى أمر محمد أمرا يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. قالوا: ما هو؟ قال: نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن كان يظهر محمد كنا عند النجاشي، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد؛ وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا. قالوا: هذا الرأي. قال: فاجمعوا ما تهدونه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم. قال: فجمعنا أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه بكتاب كتبه إليه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي! أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: فقلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا. ثم قربته إليه، فأعجبه، وفرق منه أشياء بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، وأمر أن يكتب ويحتفظ به. فلما رأيت طيب نفسه قلت: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا؛ قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله! فرفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، وابتدر منخاري، فجعلت أتلقى الدم بثيابي، وأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه. ثم قلت له: أيها الملك، لو ظننت أنك تكره ما فعلت ما سألتك. قال: واستحيى وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول رسول الله - من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى بن مريم - لتقتله؟

(1/302)


قال عمرو: وغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت؟ قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه؛ والله إنه لعلى الحق، وليظهرن على كل دين خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت: أفتبايعني على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ودعا لي بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا، وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم فألقيتها، ثم خرجت إلى أصحابي فلما رأوا كسوة الملك سروا بذلك وقالوا: هل أدركت صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود إليه. قالوا: الرأي ما رأيت! وفارقتهم كأني أعمد لحاجة فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت برقع ، فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعيبة ، وخرجت من الشعيبة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى خرجت على مر الظهران، ثم مضيت حتى كنت بالهدة، إذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا، وأحدهما داخل في خيمة، والآخر قائم يمسك الراحلتين، فنظرت وإذا خالد بن الوليد، فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت: أين تريد؟ قال: محمدا، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طمع ؛ والله لو أقمنا لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام. وخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل، ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح! يا رباح! فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين! فظننت أنه يعنيني وخالد بن الوليد، ثم ولى مدبرا إلى المسجد سريعا فظننت أنه يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا، فكان كما ظننت. وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونودي بالعصر فانطلقنا جميعا حتى طلعنا عليه صلوات الله عليه، وإن لوجهه تهللا، والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا. فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأخر. فقال: إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها. قال: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة، وكان عمر على خالد كالعاتب.
قال عبد الحميد: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أويس، عن حبيب بن أوس الثقفي، عن عمرو، نحو ذلك. قال عبد الحميد: فقلت ليزيد: فلم يوقت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا، إلا أنه قبيل الفتح، قلت: وإن أبي أخبرني أن عمرا، وخالدا، وعثمان بن طلحة، قدموا المدينة لهلال صفر سنة ثمان.

(1/303)


وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي حبيبة، قراءة عليه، حدثنا محمد بن شجاع قال، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال، فحدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال، سمعت أبي يحدث يقول: قال خالد بن الوليد: لما أراد اللهبي من الخير ما أراد قذف في قلبي حب الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن اشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء وأن محمدا سيظهر. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان؛ فقمت بإزاءه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر آمنا منا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خيرة - فاطلع على ما في أنفسنا من الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعا وقلت: الرجل ممنوع! وافترقنا وعدل عن سنن خيلنا وأخذ ذات اليمين؛ فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين المذهب إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدا، وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعا، أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فتغيبت فلم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام! ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين، لكان خيرا له، ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتتك مواطن صالحة. قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام وسرني مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال خالد: وارى في النوم كأني في بلاد ضيقة جديبة، فخرجت إلى بلد أخضر واسع، فقلت إن هذه لرؤيا. فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر. قال: فذكرتها فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس ، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف. فأبى أشد الإباء وقال: لو لم يبق غيري من قريش ما اتبعته أبدا. فافترقنا وقلت: هذا رجل موتور يطلب وترا، قد قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل الذي قلت لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان، قلت: فاطو ما ذكرت لك. قال: لا أذكره وخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي تخرج إلي، فخرجت بها إلى أن ألقى عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي لصديق ولو ذكرت له ما أريد! ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب عليه ذنوب من ماء لخرج. قال: وقلت له نحوا مما قلت لصاحبيه، فاسرع الإجابة وقال: لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج، إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه. قال: فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج؛ فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها فقال: مرحبا بالقوم! فقلنا: وبك! قال: فأين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال: وذلك الذي أقدمني. قال: فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة فأنخنا بظاهر الحرة ركابنا، فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا؛ فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيني أخي فقال: أسرع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم. فأسرعت المشي فطلعت عليه، فما زال يبتسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد على السلام

(1/304)


بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: الحمد لله الذي هداك! قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا إلى الخير. قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا عن الحق، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام يجب ما كان قبله قلت: يا رسول الله، على ذلك؟ فقال: اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك. قال خالد: وتقدم عمرو، وعثمان، فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، فوالله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أسلمت يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه .ه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: الحمد لله الذي هداك! قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا إلى الخير. قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا عن الحق، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام يجب ما كان قبله قلت: يا رسول الله، على ذلك؟ فقال: اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك. قال خالد: وتقدم عمرو، وعثمان، فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، فوالله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أسلمت يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه .
قال أبو عبد الله: سألت عبد الله بن عمرو بن زهير الكعبي: متى كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خزاعة كتابه؟ فقال: أخبرني أبي، عن قبيصة بن ذؤيب أنه كتب لهم في جمادة الآخرة سنة ثمان. وذلك أنه أسلم قوم من العرب كثير، ومنهم من هو بعد مقيم على شركه، ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية لم يبق من خزاعة أحد إلا مسلم مصدق بمحمد، قد أتوا بالإسلام وهو فيمن حوله قليل، حتى قدم علقمة بن علاثة وابنا هوذة وهاجروا، فذلك حيث كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خزاعة: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بديل، وبشر ، وسروات بني عمرو، سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم، الله لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإني لم آثم بإلكم، ولم أضع في جنبكم، وإن أكرم تهامة علي أنتم، وأقربهم رحما أنتم ومن تبعكم من المطيبين. فإني قد أخذت لمن قد هاجر منكم مثل ما أخذت لنفسي - ولو هاجر بأرضه - غير ساكن مكة إلا معتمرا أو حاجا؛ وإني لم أضع فيكم إذ سالمت ، وإنكم غير خائفين من قبلي ولا محصورين. أما بعد: فإنه قد أسلم علقمة بن علاثة وابناه، وتابعا وهاجرا على من تبعهما من عكرمة؛ أخذت لمن تبعني منكم ما آخذ لنفسي، وإن بعضنا من بعض أبدا في الحل والحرم، وإنني والله ما كذبتكم وليحبكم ربكم.
حدثني عبد الله بن بديل، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن مسلمة، عن أبيه، عن بديل بن ورقاء مثل ذلك.
سرية أميرها غالب بن عبد الله بالكديد
في صفر سنة ثمان

(1/305)


حدثنا الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهني، عن جندب ابن مكيث الجهني، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي أحد بني كلب بن عوف، في سرية كنت فيهم ، وأمره أن يشن الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث. فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء، فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام. فقلنا: لا يضرك رباط ليلة إن كنت تريد الإسلام، وإن يكن غير ذلك نستوثق منك. فشددناه وثاقا، وخلفنا عليه رجلا منا يقال له سويد بن صخر، وقلنا: إن نازعك فاحتز رأسه. ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمن ناحية الوادي، فبعثني أصحابي ربيئة لهم، فخرجت فأتيت تلا مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم، حتى إذا أسندت فيه وعلوت على رأسه انبطحت، فوالله إني لأنظر إذ خرج رجل منهم، من خباء له فقال لامرأته: والله إني لأرى على هذا التل سوادا ما رأيته عليه صدر يومي هذا، فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب أخذت منها شيئا. فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئا. فقال: ناوليني قوسي ونبلي! فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهما، فوالله ما أخطأ به جنبي، فانتزعته فوضعته وثبت مكاني. ثم رماني الآخر فخالطني به أيضا، فأخذته فوضعته وثبت مكاني. فقال لامرأته: والله لو كان زائلة لتحرك بعد، لقد خالطه سهماي، لا أبا لك! إذا أصبحت فاتبعيهما؛ لا تمضغهما الكلاب. ثم دخل خباءه وراحت ماشية الحي من غبلهم وأغنامهم، فحلبوا وعطنوا ، فلما اطمأنوا وهدأوا شننا عليهم الغارة، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، واستقنا النعم والشاء فخرجنا نحدرها قبل المدينة حتى مررنا بأبي البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا. وخرج صريخ القوم في قومهم فجاءنا ما لا قبل لنا به، ونظروا إلينا وبيننا وبينهم الوادي وهم موجهون إلينا، فجاء الله الوادي من حيث شاء بماء ملأ جنبيه؛ وأيم الله ما رأينا قبل ذلك سحابا ولا مطرا، فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا وقد أسندنا في المشلل وفتناهم، فهم لا يقدرون على طلبنا، فما أنسى رجز أميرنا غالب:
أبى أبو القاسم أن تعز بي ... وذاك قول صادق لم يكذب
في خضل نباته مغلولب ... صفر أعاليه كلون المذهب
ثم قدمنا المدينة.
فحدثني عبد العزيز بن عقبة، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه، قال: كنت معهم ونا بضعة عشر رجلا، شعارنا: أمت! أمت!
سرية كعب بن عمير إلى ذات أطلاح
في شهر ربيع الأول سنة ثمان
قال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
حدثني ابن أبي سبرة، عن الحارث بن الفضيل، قال: كان كعب يكمن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم، فرآه عين لهم فأخبرهم بقلة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءوا على الخيول فقتلوهم.
سرية شجاع بن وهب
إلى السي من أرض بني عامر من ناحية ركبة
في ربيع الأول سنة ثمان؛ وسرية إلى خثعم بتبالة
حدثني الواقدي قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازي بالسي، وأمره أن يغير عليهم، فخرج؛ فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون، وقد أوعز إلى أصحابه قبل ذلك ألا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك كله حتى قدموا المدينة واقتسموا الغنيمة ، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا؛ كل رجل، وعدلوا البعير بعشرة من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة.

(1/306)


قال ابن أبي سبرة: فحدثت هذا الحديث محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان فقال: كانوا قد أصابوا في الحاضر نسوة فاستاقوهن، وكانت فيهن جارية وضيئة فقدموا بها المدينة. ثم قدم وفدهم مسلمين، فلما قدموا كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبي، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم شجاعا وأصحابه في ردهن، فسلموهن وردوهن إلى أصحابهن.
قال ابن أبي سبرة: فأخبرت شيخا من الأنصار بذلك فقال: أما الجارية الوضيئة فكان شجاع بن وهب قد أخذها لنفسه بثمن فأصابها، فلما قدم الوفد خيرها، فاختارت المقام عند شجاع بن وهب، فلقد قتل يوم اليمامة وهي عنده، ولم يكن له منها ولد. فقلت لابن أبي سبرة: ما سمعت أحدا قط يذكر هذه السرية. فقال ابن أبي سبرة: ليس كل العلم سمعته. قال: أجل والله.
فقال ابن أبي سبرة: لقد حدثني إسحاق بن عبد الله سرية أخرى، قال إسحاق: حدثني ابن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة عليهم، وأن يسير الليل ويكمن النهار، وأمره أن يغذ السير. فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، قد غيبوا السلاح؛ فأخذوا على الفتق حتى انتهوا إلى بطن مسحب ، فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر، فقدمه قطبة فضرب عنقه ثم أقاموا حتى كان ساعة من الليل، فخرج رجل منهم طليعة فيجد حاضر نعم، فيه النعم والشاء؛ فرجع إلى أصحابه فأخبرهم، فأقبل القوم يدنون دبيبا يخافون الحرس، حتى انتهوا إلى الحاضر وقد ناموا وهدأوا؛ فكبروا وشنوا الغارة، فخرج إليهم رجال الحاضر، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت الجراح في الفريقين. وأصبحوا وجاء الخثعميون الدهم ، فحال بينهم سيل أتى، فما قدر رجل واحد منهم يمضي حتى أتى قطبة على أهل الحاضر، فأقبل بالنعم والشاء والنساء إلى المدينة، فكان سهامهم أربعة أربعة، والبعير بعشرة من الغنم بعد أن خرج الخمس. وكان في صفر سنة تسع
غزوة مؤتة
حدثنا الواقدي قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي ثم أحد بني لهب، إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، أنا رسول رسول الله. فأمر به فأوثق رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرا. ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف، ولم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر،فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر جلس وجلس أصحابه، وجاء النعمان بن فنحص اليهودي، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم. فقال النعمان بن فنحص: أبا القاسم، إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان، فلو سمى مائة أصيبوا جميعا. ثم جعل اليهودي يقول لزيد ابن حارثة: اعهد، فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا! فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بار. فلما أجمعوا المسير وقد عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم اللواء ودفعه إلى زيد بن حارثة - لواء أبيض - مشى الناس إلى أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونهم ويدعون لهم، وجعل المسلمون يودع بعضهم بعضا، والمسلمون ثلاثة آلاف، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين. قال ابن رواحة عند ذلك:
لكني أسال الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
وهي أبيات أنشدنيها شعيب بن عبادة.

(1/307)


حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا. أو قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لاتغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث؛ فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم؛ ادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين؛ وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفيء ولا في القسمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين؛ فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم؛ وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة رسوله، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذمتكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.
حدثني أبو صفوان، عن خالد بن يزيد، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف ووقفوا حوله فقال: اغزوا بسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين للناس، فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان، في رءوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف، ولا تقتلن امرأة ولا صغيرا ولا مرضعا ولا كبيرا فانيا، لا تغرقن نخلا ولا تقطعن شجرا، ولا تهدموا بيتا.
حدثني أبو القاسم بن عمارة بن غزية، عن أبيه، عن عطاء بن أبي مسلم؛ قال: لما ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا رسول الله، مرني بشيء أحفظه عنك! قال: إنك قادم غدا بلدا، السجود به قليلن فأكثر السجود. قال عبد الله: زدني يا رسول الله! قال: اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب. فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع إليه فقال: يا رسول الله، إن الله وتر يحب الوتر! قال: يا ابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشرا أن تحسن واحدة. فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها. قال أبو عبد الله: وكان زيد بن أرقم يقول: كنت في حجر عبد الله بن رواحة فلم أر والي يتيم كان خيرا منه؛ خرجت معه في وجهه إلى مؤتة، وصب بي وصببت به فكان يردفني خلف رحله، فقال ذات ليلة وهو على راحلته بين شعبتي الرحل، وهو يتمثل أبيات شعر
إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسافة أربع بعد الحساء
فزادك أنعم وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وآب المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مشتهى الثواء
هنالك لا أبالي طلع نخل ... ولا نخل أسافلها رواء
فلما سمعت هذه الأبيات بكيت، فخفقني بيده وقال: ما يضرك يا لكع أن يرزقن الله الشهادة فأستريح من الدنيا ونصبها وهمومها وأحزانها وأحداثها. ويرجع بين شعبتي الرحل، ثم نزل نزلة من الليل فصلى ركعتين وعاقبهما دعاء طويلا ثم قال لي: يا غلام! فقلت: لبيك! قال: هي إن شاء الله الشهادة.

(1/308)


ومضى المسلمون من المدينة، فسمع العدو بمسيرهم عليهم قبل أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير، فلما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا الجموع. وقام فيهم رجل من الأزد يقال له شرحبيل بالناس، وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون وادي القرى وأقاموا أياما، وبعث أخاه سدوس وقتل سدوس وخاف شرحبيل بن عمرو فتحصن، وبعث أخا له يقال له وبر بن عمرو. فسار المسلمون حتى نزلوا أرض معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام في مائة ألف، عليهم رجل من بلى يقال له مالك. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فإما يردنا وإما يزيدنا رجالا. فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم ابن رواحة فشجعهم ثم قال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واخد؛ وإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا، وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان! فشجع الناس على مثل قول ابن رواحة.
فحدثني ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: شهدت مؤتة، فلما رأينا المشركين راينا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت ابن أرقم. يا أبا هريرة، ما لك؟ كأنك ترى جموعا كثيرة. قلت: نعم، قال: تشهدنا ببدر؟ إنا لم ننصر بالكثرة! حدثني بكير بن مسمار، عن ابن كعب القرظي، وابن أبي سبرة، عن عمارة بن غزية، أحدهما يزيد على الآخر في الحديث، قال: لما التقى المسلمون والمشركون، وكان الأمراء يومئذ يقاتلون على أرجلهم، أخذ اللواء زيد بن حارثة، فقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم، فقتل زيد بن حارثة. قال ابن كعب القرظي، أخبرني من حضر يومئذ قال: لا، ما قتل إلا طعنا بالرمح. ثم أخذه جعفر، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها ، ثم قاتل حتى قتل.
وحدثني عبد الله بن محمد، عن أبيه، قال: ضربه رجل من الروم فقطعه، نصفين، فوقع أحد نصفيه في كرم، فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا.
حدثني أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وجد مما قتل من بدن جعفر ما بين منكبيه اثنان وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح.
حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن صالح، عن عاصم بن عمر، قال: وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحا، ووجد به طعنة قد أنفذته.
حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة بن عبد الله بن أبي بكر، زاد أحدهما على صاحبه في الحديث قالا: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا! فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا! فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: استغفروا له، فقد دخل الجنة وهو يسعى! ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فجاءه الشيطان فمناه الحياة وكره إليه الموت، ومناه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا! ثم مضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له، ثم قال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد، دخل الجنة فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة. ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة، فاستشهد ودخل الجنة معترضا. فشق ذلك على الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصابه الجراح. قيل: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فشجع، فاستشهد فدخل الجنة. فسري عن قومه.

(1/309)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية