صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المعجب في تلخيص أخبار المغرب
المؤلف : المراكشي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كان قد ورد البلاد في حياة أبي يوسف أيام كونه بأشبيلية ورام الاجتماع به فلم يأذن له وأقام بالبلاد مطرحا إلى أن حبسه أمير المؤمنين أبو عبد الله في شهور سنة فلم يزل في الحبس إلى أن كانت سنة 596 وتحرك أمير المؤمنين إلى إفريقية شفع له فيه أبو زكريا يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي فأطلقه له بعد أن ضمن عنه أنه لا يتحرك في أمر يكرهونه فلم يقم هذا العبيدي بمراكش إلا أياما يسيرة بعد خروج أمير المؤمنين أبي عبد الله ثم خرج وقصد بلاد صنهاجة فالتفت عليه منهم جماعة وانتشر له فيهم تعظيم لأن هذا الرجل كان كثير الإطراق والصمت حسن الهيئة لقيته مرتين فلم أر في أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين مثله في الآداب الظاهرة من هدوء النفس وسكون الأطراف ووزن الكلام وترتيب الألفاظ ووضع الأشياء مواضعها مع الرياضة المفرطة ثم قصد مدينة سجلماسة في حياة أمير المؤمنين أبي عبد الله بجيش عظيم فخرج إليه متوليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن فهزمه العبيدي المذكور وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود ولم يزل ينتقل في قبائل البربر من موضع إلى موضع وفي ذلك كله لا يستقيم له أمر ولا تثبت عليه جماعة أوجب ذلك كونه غريب البلد واللسان لا عشيرة له ولا أصل بالبلاد يرجع إليه إلى أن قبض عليه بظاهر مدينة فاس لم يبلغني تفصيل قضية القبض عليه وكتب إلى أمير المؤمنين متولي فاس أبو إبراهيم إسحاق بن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن يعلمه بالقبض عليه وبكونه عنده في سجنه فكتب إليه يأمره بقتله وصلبه فضربت عنقه وصلب جسده ووجه برأسه إلى مراكش فهو معلق هناك مع عدة رؤوس من الثوار والمتغلبين.
ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئا من سير آبائه ولا أحدث أمرا يتميز به عمن كان قبله خلا أني رأيت كل من يعرفه من خواص الدولة قد ملئ قلبه منه رعبا لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه لقيته وجلست بين يديه خاليا به وذلك في غرة سنة 611 فرأيت - من حدة نفسه وتيقظ قلبه وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق فكيف الملوك - ما قضيت منه العجب وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شيء مما يتوقع.
ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني
وثار في أيام يوسف هذا - بعد قتل العبيدي - رجلان أحدهما ببلاد جزولة من سوس كان يدعى بالفاطمي قتل وجيء برأسه إلى مراكش في شهور سنة 612 وأنا يومئذ بجزيرة الأندلس لم يبلغني تفصيل أمره لبعدي عن الحضرة غير أني رأيتهم أعظموا الفرح بأخذه وقتله والآخر من صنهاجة قتل في سنة 618 بعد ان أثر آثارا قبيحة فيما بلغني وهزم بعوثا عدة واستفسد خلقا كثيرا بلغني هذا كله وأنا بالبلاد المصرية في التاريخ المتقدم وكان الذي تولى قتل هذا الرجل والإراحة منه وحسم الخلاف الواقع بسببه السيد الأجل أبا محمد عبد العزيز بن أمير المؤمنين أبي يعقوب بن عبد المؤمن بن علي وهو يومئذ وال على مدينة سجلماسة وأعمالها.
وفاة أبي يعقوب الثاني
ثم اتصل بي في هذه السنة - وهي سنة 621 - أن أبا يعقوب أمير المؤمنين توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة من سنة 620 ولم يبلغني كيفية وفاته فاضطرب الأمر واشرأب الناس للخلاف.
ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول
ثم ذكر لي أن عامتهم ومعظمهم اجتمعوا على تقديم السيد الأجل أبي محمد عبد العزيز بن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف ابن أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي رحمهما الله ونضر وجوههما وجزاهما خيرا عن صلاحهما وإصلاحهما!.
وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب أمه حرة اسمها مريم صنهاجية من أهل قلعة بني حماد تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب في حياة أبيه وكانت سبيت هي وأمها ملكة فيمن سبوا من أهل القلعة فأعتقهما أبو محمد عبد المؤمن وزوج مريم هذه لابنه أبي يعقوب فولدت له ثمانية من الولد أربعة ذكور وأربع بنات فالذكور هم إبراهيم وموسى وإدريس وعبد العزيز هذا المذكور هو أصغرهم توفي موسى بظاهر مدينة تاهرت قتله العرب أصحاب الميرقي في شهور سنة 605 وتوفي إبراهيم منهم بأشبيلية وأنا بها في شهور سنة 612 وتوفي أبو العلاء إدريس منهم بأفريقية كما سيأتي والبنات هن زينب ورقية وعائشة وعلية.

(1/96)


لم يتول أبو محمد عبد العزيز هذا شيئا من أمرهم في حياة أبيه لا في حياة أخيه أبي يوسف فلما ولي أبو عبد الله الأمر ولاه مدينة مالقة وأعمالها من جزيرة الأندلس وذلك في شهور سنة 598 ثم عزله عنها في شهور سنة 603 وولاه أمر قبيلة هسكورة وهي ولاية ضخمة فلم يزل واليا عليها إلى أن عزله عنها وولاه أمر سجلماسة فلم يزل واليا عليها بقية مدتة ومدة ابنه أبي يعقوب إلى أن قتل هذا الثائر المتقدم الذكر في ولاية أبي يعقوب بن أبي عبد الله فعزله أبو يعقوب عن سجلماسة وولاه مدينة أشبيلية حين عزل عنها أخاه أبا العلاء وولاه أمر إفريقية فلم يزل أبو العلاء إدريس واليا بأفريقية إلى أن مات بها في رمضان من سنة 620 على ما بلغني رحمة الله عليه.
فهذه جملة أخبار هذا الرجل أبي محمد عبد العزيز المذكور بالولاية لأمرهم كما قالوا ولئن كان ما قالوا حقا وتم هذا الأمر له ليملأنها خيرا وعدلا ولتزكون الأرض وتخرج بركاتها ولترسلن السماء مدرارها بيمن نقيبته وحسن سيرته وحميد سريرته هذا إذا ساعده الدهر وقيض الله له أعوانا صالحين فإنه - ما علمت - صوام قوام مجتهد في دينه شديد البصيرة في أمره قوي العزيمة شديد الشكيمة لا تأخذه في الحق لومة لائم أرطب الناس لسانا بذكر الله وأتلاهم لكتاب الله شهدته والولاية قد اكتنفته وأمور الرعية فقد استغرقت أوقاته وهو في كل ذلك لا يخل بشيء من أوراده ولا يترك وظيفة من الوظائف التي رتبها على نفسه من أخذ العلم وقراءة القرآن وأذكار رتبها على أوقات الليل والنهار شهدت هذا كله منه بنفسي لا أنقله عن أحد ولا أستند فيه إلى رواية هذا مع دماثة خلق ولين جانب وخفض جناح لأصحابه ولمن علم فيه خيرا من المسلمين أو ظنه مضافا إلى سخاء نفس وطلاقة وجه.
وصفته
أبيض تعلوه صفرة جميل الوجه جدا معتدل القامة متناسب الأعضاء.
وله من الولد - على علمي - ثلاثة محمد وهو أكبرهم وعبد الرحمن وأحمد وبنات.
هذا تلخيص التعريف بأخبار دولة المصامدة من أول قيام أمرهم وهو سنة 515 - إلى وقتنا هذا - وهو سنة 621 فذلك مائة وست سنين على الإجمال لا على التفصيل.
وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو الحاجة إليه وتجشم الضرورة من عني بالأخبار إلى معرفته من غير تعرض إلى ما لا حاجة بنا إليه من ذكر أولاد عبد المؤمن وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده وتفاصيل أخبارهم في ولايتهم وعزلهم وأمهاتهم وكتابهم وحجابهم ووزرائهم إذ لو تتبعنا ذلك لخرج هذا المجموع عن حد التلخيص ولحق بالكتب المبسوطة هذا على أنا لو كفينا ضرورات المعاش وأعفينا من كد الزمان لأوردنا من ذلك ما أحاط به العلم وبلغته الرواية وحصلته المشاهدة.
ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلا من كتاب أو سماعا من ثقة عدل أو مشاهدة بنفسي هذا بعد أن تحريت الصدق وتوخيت الإنصاف في ذلك كله وجهدت ألا أنقص أحدا ذرة مماله ولا أزيده خردلة مما لا يستحقه وبالله أستعين وإياه أسأل وإليه أضرع في إلهام الصواب والسداد في القول والعمل فهو حسبي ونعم الوكيل.
ولاية ابن أبي يعقوب بن عبد المؤمن
لم يكد عبد الواحد - أو عبد العزيز - ابن أبي يعقوب يجلس على عرش المغرب بعد موت أبي يعقوب الثاني سنة 630 حتى تفرق أمر بني عبد المؤمن واضطرمت مطالعهم حول العرش الموحدي فقام بالأندلس أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور أمير شرق الأندلس وأعلن نفسه أميرا على مرسية وتلقب بالعادل ثم أخذ يهيئ أسبابه للوثوب على مراكش ليستخلص العرش لنفسه وتم له ما أراد إذ ثار المغاربة على عبد الواحد أو عبد العزيز ابن أبي يعقوب فخلعوه وقتلوه بعد بضعة أشهر من ولايته!.
ولاية العادل بن المنصور
ولكن عرش المغرب والأندلس لم يخلص للعادل بن المنصور كما لم يخلص من قبله لعمه ابن أبي يعقوب فقد ثار عليه المغاربة في مراكش كما انتقض عليه أمراء الموحدين في الأندلس وانتهى الأمر بقتله في سنة 624.
ولاية المأمون بن المنصور
وكان أبو العلاء إدريس بن المنصور أمير أشبيلية وأخو العادل هو مدبر تلك الفتنة طمعا في العرش فلم يكد يعلم بمقتل العادل حتى ادعى الخلافة في أشبيلية وتسمى بالمأمون وبايعه أهل الأندلس.
المعتصم بن الناصر

(1/97)


ولكن المغاربة في مراكش لم يرتضوه خليفة وبايعوا شابا من ولد أخيه الناصر محمد بن يعقوب اسمه أبو زكريا يحيى ولقبوه بالمعتصم فسار المعتصم هذا إلى الأندلس على رأس قوة من الجند لإخضاع عمه المأمون فالتقيا في معركة دامية بشذونة فانهزم المعتصم وفر ناجيا بنفسه في طائفة قليلة من جنده.
وأتيحت الفرصة للمأمون ليجتاز المضيق إلى المغرب ويتسم عرش مراكش ولكن المعارك لم تفتر بينه وبين المعتصم بن الناصر ولم يخلص له عرش البلاد حتى مات في ذي الحجة سنة 629.
خروج الأندلس من طاعة الموحدين
وحين كانت المعارك الطاحنة دائرة في المغرب بين المأمون وابن أخيه المعتصم كان النصارى يستولون على بلاد المسلمين في الأندلس حصنا بعد حصن ومدينة بعد مدينة!.
وفي تلك الأثناء قام أمير من سلالة بني هود الجذاميين أصحاب سرقسطة السابقين اسمه أبو عبد الله محمد بن يوسف فاستولى على مرسية وأعلن نفسه أميرا عليها وتلقب باسم المتوكل على الله وخطب للعباسيين خلفاء بغداد واتخذ السواد شعارا ثم لم يلبث أن دانت له جيان وقرطبة وماردة وبطليوس ثم فقد الموحدون غرناطة وبذلك خرجت الأندلس جملة من طاعة الموحدين عدا أشبيلية والجزيرة الخضراء.
ولاية الرشيد بن المأمون
وظن المعتصم بن الناصر أن عرش المغرب قد خلص له بعد موت المأمون ولكن أمانيه لم تلبث أن خابت حين بايع أصحاب المأمون ولده الصبي أبا محمد عبد الواحد ولقبوه بالرشيد.
واستمرت المعارك ناشبة بين المعتصم وابن عمه الرشيد حتى مات المعتصم في رمضان سنة 633.
ثم مات الرشيد غريقا في جمادى الآخرة سنة 640.
ولاية المعتضد بن المأمون
وولي العرش بعد الرشيد أخوه السعيد أبو الحسن علي بن المأمون وتلقب بالمعتضد وفي عهده استشرف بنو زيان اصحاب تلمسان وبنو مرين ملوك المغرب فيما بعد إلى استخلاص عرش مراكش.
وقد قتل المعتضد هذا في صفر سنة 646 في موقعة نشبت بينه وبين يحيى ابن زيان أمير تلمسان.
ولاية المرتضى أبي حفص بن إسحاق
ثم تولى بعد المعتضد أمير من أحفاد أبي يعقوب يوسف اسمه أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم إسحاق وتلقب بالمرتضى.
أبو دبوس الواثق
- بالله والمعتمد على الله - :
ولكن العرش لم يخلص للمرتضي فقد خرج عليه أمير من أمراء الموحدين اسمه أبو العلاء إدريس ويعرف بابي دبوس وتلقب بالواثق وتحالف مع بني مرين ليعينوه على استخلاص العرش من يد المرتضى وسلم إليهم مدينة مراكش ثمنا لمعونتهم ففر المرتضى ناجيا بنفسه ولكنه لم يستطع أن يفلت من أجله فمات قتيلا سنة 665.
تغلب بني مرين
ولبث الواثق أميرا بعد المرتضى ثلاث سنين ثم أدركه أجله في معركة دارت بينه وبين بني مرين حلفائه السابقين في المحرم سنة 668 وبموته انتهى حكم الموحدين في مراكش والأندلس ليبدأ تاريخ دولة بني مرين الذين غلبوا الموحدين على أمرهم في مراكش ودولة بني الأحمر أصحاب غرناطة الذين غلبوا المتوكل بن هود على ما بيده من شرق الأندلس!.
جامع سير المصامدة وأخبارهم
وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم:
قد قدمنا أن أول من صحب المهدي محمد بن تومرت عشرة أنفس وهم المسمون بالجماعة أولهم عبد الواحد الشرقي على الصحيح ثم عبد المؤمن ابن علي أمير المؤمنين ثم عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج ثم فصكة بن ومزال سماه ابن تومرت عمر وكناه أبا حفص انتشر من ظهر عمر هذا بشر كثير وكان له عدة من الولد منهم إبراهيم وإسماعيل ومحمد أم محمد هذا ابنة عبد المؤمن ويحيى وعيسى وموسى ويونس وعبد الحق وعثمان وأحمد وعبد الواحد كان عبد الواحد هذا يتولى أمر إفريقية ولاه أمرها أمير المؤمنين أبو عبد الله سنة 603 فلم يزل واليا عليها إلى أن مات بها يوم الخميس وهو أول يوم من شهر محرم سنة 618.

(1/98)


وكان ابن تومرت يسمى فصكة هذا المبارك ويقول لا يزالون بخير ما بقي فيهم هذا الرجل أو أحد من ولده فكان الأمر كما قال: وانتفعوا به وبأولاده وأولاد أولاده وهو المشهور بعمر إينتي وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب ولم يبق في وقتنا هذا من ولده لصلبه سوى رجل واحد اسمه عثمان فارقته بمدينة مرسية وبها ودعته حين ارتحلت إلى هذه البلاد وقد ولوه مدينة جيان وأعمالها هذا آخر عهدي به ثم اتصل بي بديار مصر أنهم ولوه بلنسية ثم عزلوه عنها فلا أدري أهو بالأندلس اليوم أو بمراكش؟ وهو معدود عندي من جملة إخواني رضي الله عنه وعنا وعن جميع المسلمين.
ثم يوسف بن سليمان وأخوه عبد الله بن سليمان وهما من أهل تينمل من قبيلة تدعى مسكالة حسبما تقدم ثم أبو عمران موسى بن علي الضرير صهر عبد المؤمن كان ضرير البصر كان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا سافر عنها ثم أبو إبراهيم إسماعيل الهزرجي - وهو الذي أسلم نفسه للقتل وفدى عبد المؤمن بذلك على ما تقدم - ثم رجل من أهل يتنمل يعرف عندهم بابن بيجيت - أنا شاك في اسمه - ثم أيوب الجدميوي وهو الذي تولى قسمة الأقطاع بين الموحدين في أول الأمر.
فهؤلاء العشيرة المسمون بالجماعة وبعض الناس يعد فيهم أبا محمد واسنار وهو رجل دباغ أسود من أهل مدينة أغمات صحب أبا عبد الله بن تومرت حين مر بها فاختصه أبو عبد الله بن تومرت لخدمته لما رأى من شدته في دينه وكتمانه لما يرى ويسمع فكان يتولى وضوءه وسواكه والإذن عليه للناس وحجابته والخروج بين يديه فلم يزل على ذلك إلى أن توفي ابن تومرت فكان يتولى خدمة ضريحه وضريح عبد المؤمن حين دفن هناك توفي واشنار هذا في صدر دولة أبي يعقوب بعد أن علت سنه وكان من العباد المجتهدين والزهاد المتبتلين لم يكسب شيئا ولا خلف دينارا ولا درهما مع أنه لو شاء لكان أكثر الناس مالا لمكانه من عبد المؤمن ومن المصامدة لما كانوا يعلمون من قربه من صاحبهم وثنائه عليه في أكثر الأوقات.
وانضاف إلى هؤلاء القوم المسمين بالجماعة خلق من قبائلهم فعدوا فيهم ونسبوا إليهم.
وأول من يعترض في العرض العام ولد عمر بن عبد الله الصنهاجي ثم فرس عبد المؤمن أو من كان من ولده يتولى الأمر ثم سائر أهل الجماعة على طبقاتهم من سبق وإبطاء ثم أهل خمسين وهم خلق كثير.
ذكر قبائل الموحدين
وقبائل الموحدين الذين يجمعهم هذا الاسم ويعمهم وهم الجند والأعوان والأنصار ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم سبع قبائل أولهم قبيلة ابن تومرت وهي قبيلة تسمى هرغة وهي قليلة العدد بالنسبة إلى قبائل الموحدين ثم قبيلة عبد المؤمن تسمى كومية وهي قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب لم يكن لها في قديم الدهر ولا في حديثه ذكر في رياسة ولا حظ من نباهة إنما كانوا أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع فتبارك المعز المذل المعطي المانع! فأصبح القوم اليوم وليس فوقهم أحد ببلاد المغرب ولا تطاول أيديهم يد بكون عبد المؤمن منهم هذا على أنه - كما قدمناه - ينتسب إلى غيرهم ثم أهل تينمل وهم قبائل شتى يجمعها اسم هذا الموضع ثم هنتاتة وهي أيضا قبيلة ضخمة جدا وفي بعضها رياسة وشرف في الدهر القديم ثم جنفيسة وهي قبيلة عزيزة منيعة ولغتها أجود اللغات وأفصحها في ذلك اللسان ثم جدميوه وليست كلها - بل بعضها رعية ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة ثم بعض قبائل هسكورة.
فهذه جملة قبائل الموحدين المستحقين لهذا الاسم عندهم والذين يأخذون العطاء وتجمعهم الجيوش وينفرون في البعوث وغير هؤلاء القبائل من المصامدة رعية.

(1/99)


وإذ قد جرى ذكرهم - أعني المصامدة - على هذا النسق فلنذكر لك الآن حفظك الله وأصلحك واصلح بك القبائل التي يجمعها هذا الاسم أعني المصامدة وحد بلادهم لتعرفهم ممن سواهم من البربر فحد بلادهم النهر الأعظم الذي يصب من جبال صنهاجة وينتهي إلى البحر الأعظم - بحر أقيانس - يدعى هذا النهر أم ربيع عليه قبيلتان إحداهما تسمى هسكورة وأخرى صنهاجة وهما من المصامدة وآخر بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل لمتونة ومسوفة وسرطة وهؤلاء ليسوا مصامدة وقد كانت المملكة في هذه القبائل أيام المرابطين كما تقدم فهذا حد بلاد المصامدة عرضا وحدها طولا من الجبل المعروف بدرن إلى البحر الأعظم المسمى أقيانس وقبائلها الذين ينطلق عليهم هذا الاسم هسكورة وصنهاجة ودكالة وحاجة ورجراجة ولمطة وجزولة وجنفيسة وهنتاتة وهرغة وقبائل أهل تينمل وحول مراكش قبائل منهم أيضا وهم هرميز وهيلانة وهزرجة يدعونهم الموحدون بالقبائل فهؤلاء الذين يجمعهم اسم المصامدة ثم يجمع الكل جنس البربر من طرابلس المغرب إلى أقصى سوس وما وراء ذلك ممن ذكرنا من لمتونة ومسوفة وسرطة وآخر بلادهم أول حد بلاد السودان.
وللمصامدة بعد هذا جند من سائر أصناف الناس كالعرب والغز والأندلس والروم وقبائل من المرابطين وغيرهم.
ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان: فالصنف الأول يدعون الجموع وهم المرتزقة الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها والصنف الآخر يدعون العموم وهم الكائنون ببلادهم لا يحضرون إلى مراكش إلا في النفير الأعظم وعدد المرتزقة الذين بمراكش من قبائل الموحدين وسائر من ذكرنا من الأجناد على ما صح عندي تلخيصه عشرة آلاف نفس هؤلاء الذين بمراكش خارجا عما في سائر البلاد من الموحدين وأصناف الجند.
وإذا كان العرض العام فأول من يعترض ذرية أبي حفص عمر الصنهاجي على طبقاتهم في أسنانهم ثم بعدهم فرس الخليفة من بني عبد المؤمن ثم أهل الجماعة على ترتيب طبقاتهم ثم أهل خمسين ثم القبائل وأولهم عرضا قبيلة ابن تومرت ثم بعدهم أهل تينمل ثم كومية ثم الموحدون بعد هذا على طبقاتهم في سرعة الهجرة وبطئها.
وقد جرت عادتهم بالكتب إلى البلاد واستجلاب العلماء إلى حضرتهم من أهل كل فن وخاصة أهل علم النظر وسموهم طلبة الحضر فهم يكثرون في بعض الأوقات ويقلون وصنف آخر ممن عني بالعلم من المصامدة يسمون طلبة الموحدين ولا بد في كل مجلس عام أو خاص يجلسه الخليفة منهم من حضور هؤلاء الطلبة الأشياخ منهم فأول ما يفتتح به الخليفة مجلسه مسألة من العلم يلقيها بنفسه أو تلقى بإذنه كان عبد المؤمن ويوسف ويعقوب يلقون المسائل بأنفسهم ولا ينفصلون من مجلس من مجالسهم إلا على الدعاء يدعو الخليفة ويؤمن الوزير جهرا يسمع من بعد من الناس ثم إذا سافروا لا يزال القرآن يقرأ بين أيديهم بالغدو والعشي ركبانا وإذا نزلوا فأول شيء يصنعونه في أول النهار بعد صلاتهم الفجر أن يخرج من ينادي الاستعانة بالله والتوكل عليه هذه عندهم للركوب فحينئذ يركب الناس ويخرج الخليفة من خيمته راكبا وأعيان القرابة وأشياخ الموحدين بين يديه مشاة خطوات كبيرة ثم يأمرهم بالركوب فإذا ركبوا وقف وبسط يديه ودعا فإذا فرغ الدعاء افتتح القراءة طلبة الموحدين خلفه فيقرءون حزبا من القرآن في نهاية الترتيل وهم سائرون سيرا رفيقا ثم شيئا من الحديث ثم يقرؤون تواليف ابن تومرت في العقائد بلسانهم وباللسان العربي فإذا فرغوا وقف الخليفة أيضا وبسط يديه ودعا وإذا كان وقت النزول أيضا نزلوا مشاة بين يديه إلى خيمته فإذا بلغها بسط يديه ودعا فلا يزال هذا دأبهم في جميع سفرهم كله.
صفة أحوالهم في إقامة الجمعة
فأما صفة أحوالهم وخطبتهم في جمعهم فيخرج الخليفة منهم عند زوال الشمس من خوخة في القبلة ويخرج معه خواص حشمه ويركع ركعتين ثم يجلس فيقرأ قارئ قدر عشر آيات حسن القراءة حسن الصوت ثم يقوم رئيس المؤذنين ومعه العصا التي يتوكأ عليها الخطيب فيقول قد فاء الفيء يا سيدنا أمير المؤمنين والحمد لله رب العالمين يريد بهذا القول استئذانه في صعود الخطيب المنبر فيقوم الخطيب ويصعد المنبر ثم يناوله ذلك الرجل العصا فإذا جلس الخطيب فوق المنبر أذن ثلاثة من المؤذنين مفترقين أصواتهم في نهاية الحسن قد انتخبوا لذلك من البلاد ثم يقوم الخطيب فيخطب فأول شيء يقول:

(1/100)


الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا أسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله.
ثم يتعوذ ويقرأ سورة " قاف " من أولها إلى آخرها ثم يجلس فإذا قام إلى الخطبة الثانية قال: الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوكل عليه ونبرأ من الحول والقوة إليه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم آله واصحابه الذين اتبعوه ففاتوا الأنام جدا وعزما وأنفدوا وسعهم في نصره والصبر على ما أصابهم فيه وفاء وصدقا وحزما وعلى الإمام المعصوم المهدي المعلوم أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي الحسني الفاطمي المحمدي الذي أيد بالعصمة فكان أمره حتما واكتنف بالنور اللائح والعدل الواضح الذي يملأ البسيطة حتى لا يدع فيها ظلاما ولا ظلما وعلى وارثة شرفه الصميم قسيمه رضي الله عنه في النسب الكريم المجتبي لوارثه مقامه العلي الخليفة الإمام أبي محمد عبد المؤمن بن علي وعلى أبي يعقوب ولي ذلك الاستخلاص ومستوجب شرف الاجتباء والاختصاص اللهم وأرض عن المجاهد في سبيلك المحيي سنة رسولك الخليفة الإمام أبي يوسف أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين وعلى الخليفة الإمام أبي عبد الله ابن الخلفاء الراشدين اللهم وانصر ولي عهدهم الطالع في أفق سعدهم القائم بالأمر من بعدهم الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبا يعقوب ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين اللهم كما شددت به عرا الإسلام وجمعت على طاعته قلوب الأنام ونصرت به دين نبيك محمد - عليه الصلاة والسلام - فأقض له بالنصر المقرون بالكمال والتمام اللهم كما اجتبيته من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين فاجعله من المقتفين لآثارهم المهتدين بمنارهم المقتبسين من أنوارهم اللهم وأيد الطائفة المنصورة والجماعة إخوان نبيك وطائفة مهديك الذين أخبرت عنهم في صريح وحيك أنهم لا يزالون ظاهرين على أمرك إلى قيام الساعة وأمدهم وكافة من انتظم في سلكهم من أنصار الدين وحزبك الموحدين بمواد النصر والتمكين والفتح المبين واجعل لهم من عضدك وتأييدك أعز ظهير وأكرم نصير.
ثم يدعو وينزل فيصلي فإذا فرغ دعا الخليفة بنفسه وأمن الوزير على ما تقدم فهذه كليات سيرتهم مجملة على ما يقتضيه شرط التقريب وفي أثناء ذلك تفاصيل يطول شرحها وليس بالناظر في هذا الكتاب إليها كبير حاجة إذ قد بين له ما يستدل على ما لم يرسم في هذه الأوراق بما رسم.
ذكر أقاليم المغرب والأندلس
وهذا أصلحك الله منتهى ما بلغ من أخبار المغرب وسير ملوكه ووزرائهم وكتابهم وما تعلق بذلك حسب الاستطاعة وقد تقدم بسط العذر عما يقع من التقصير أو الخلل مع أن أصغر خدم مولانا لم تجر عادته بالتصنيف ولا حدث قط نفسه به وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية أعلى الله رتبها فما كان من إحسان فإلى تلك الهمة العلية نسبته وعنها منبعثه وما كان من غير ذلك فإغضاؤها يستره ومسامحتها تغمره.

(1/101)


وقد رسم مولانا - حرس الله مجده - أن يضاف إلى هذا التصنيف ذكر أقاليم المغرب وتعيين مدنه وتحديد ما بينها من المراحل عددا من لدن برقة إلى سوس الأقصى وذكر جزيرة الأندلس وما يملكه المسلمون من مدنها على ما تقدم فلم ير المملوك بدا من الجري على العادة في سرعة الإجابة وامتثال مرسوم الخدمة لوجوب ذلك عليه شرعا وعرفا هذا مع أن هذا الباب خارج عن مقصود هذا التصنيف وداخل في باب المسالك والممالك وقد وضع الناس فيه كتبا كثيرة ككتاب أبي عبيد البكري الأندلسي وكتاب أبن فياض الأندلسي أيضا وكتاب ابن خردادبه الفارسي وكتاب الفرغاني وغيرها من الكتب المفردة لهذا الشان المستوعبة له ونحن إن شاء الله ذاكرون من ذلك موافقة لرأي مولانا العالي ما يقف به على حدود البلاد ويصور له صورتها على التقريب من غير تطويل جارين في ذلك على ما سلف من عادتنا في سائر الكتاب فنقول وبالله التوفيق ومنه الإعانة: قد تقرر واشتهر أن أول حد البلاد المصرية مما يلي الشام العريش وآخره مما يلي المغرب مدينة أنطابلس المعروفة ببرقة هذا عرض الديار المصرية وحدها في الطول من ثغر أسوان إلى مدينة رشيد الكائنة على ساحل البحر الرومي هكذا ذكر أصحاب المسالك والممالك والمعتنون بهذا الشأنز
أولا:
المدن العامرة على الساحل
وأول حد بلاد إفريقية والمغرب مدينة أنطابلس المذكورة المدعوة ببرقة بناها الروم فكانت حاضرة لتلك البلاد ومجتمعا لأهلها افتتحها المسلمون في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومنها كان ابتداء فتح المغرب ومن هذه المدينة - أعني أنطابلس - إلى مدينة طرابلس المغرب قريب من خمس وعشرين مرحلة.
اتصال العمران بين الإسكندرية والقيروان
وما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب خمس وأربعون مرحلة وكانت العمارة متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان تمشي فيها القوافل ليلا ونهارا وكان فيما بين الإسكندرية وطرابس المغرب حصون متقاربة جدا فإذا ظهر في البحر عدو نور كل حصن للحصن الذي يليه واتصل التنوير فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية أو من الإسكندرية إلى طرابلس في ثلاث ساعات أو أربع ساعات من الليل فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم لم يزل هذا معروفا من أمر هذه البلاد إلى أن خربت الأعراب تلك الحصون ونفت عنها أهلها أيام خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب وذلك في حدود حين تغير ما بينهم وبين المعز بن باديس الصنهاجي وقطع الدعاء لهم على المنابر ودعا لبني العباس فاستولى الخراب عليها إلى وقتنا هذا واستوطنتها الأعراب من سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وغيرهم فهم اليوم بها وآثار المدن والحصون باقية إلى اليوم.
ومدينة أنطابلس هذه خراب لم يبق منها إلا آثارها وفيما بين برقة وطرابلس حصن يسمى طلميثة بالقرب منه معدن كبريت فأما مدينة طرابلس فلم تزل معمورة إلى هذا الوقت وهي أول مملكة المصامدة وقد استولى عليها في مدة ملكهم وفي ملك أبي يعقوب منهم المملوك قراقش المتقدم ذكره في ترجمة أبي يوسف ثم أخرجه منها المصامدة واستولى عليها أيضا يحيى بن غانية وعلى كثير من إفريقية حسبما تقدم تلخيصه ثم أخرجه عنها أيضا المصامدة فهي في ملكهم إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 ه.
بلاد إفريقية الساحلية
فحد بلاد إفريقية مما يلي المشرق مدينة أنطابلس المذكورة وحدها مما يلي المغرب المدينة المعروفة بقسطنطينة الهواء سميت بذلك لإفراط علوها وشدة منعتها ومسافة ما بين أنطابلس وقسطنطينة المغرب قريبة من خمس وخمسين مرحلة فهذا حد إفريقية طولا وعرضها يختلف بحسب مزاحمة الصحراء العمارة ومباعدتها وسميت إفريقية بذلك لنزول أفريقش من ولد حام بن نوح بها وأفريقش هذا هو أبو البربر فالبربر كلهم من ولد حام بن نوح خلا صنهاجة فإنهم يرجعون إلى حمير هذا كله قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه من لدن ذكر افريقش إلى ذكر صنهاجة.

(1/102)


فأول مدن إفريقية المعمورة طرابلس المغرب المتقدم ذكرها ومنها إلى مدينة تسمى قابس عشر مراحل وقابس هذه على ساحل البحر الرومي وكذلك طرابلس وتنصب إلى قابس هذه أنهار من بعض تلك الجبال التي تليها فهي بذلك أخصب بلاد إفريقية وأوسعها فواكه وأعنابا ومن قابس هذه إلى مدينة صغيرة على الساحل أيضا تسمى سفاقس أربع مراحل ومن سفاقس إلى مهدية بني عبيد ثلاث مراحل وقد تقدمت صفة المهدية في أخبار أبي محمد عبد المؤمن بن علي وبظاهر المهدية المذكورة وقريب منها جدا مدينة تدعى زويلة بناها بنو عبيد حين بنوا المهدية فاختصوا المهدية لأنفسهم وحشمهم وأعيان جندهم ووجوه قوادهم وأسكنوا زويلة هذه سائر الناس من الرعية والسودان وأراذل كتامة وغيرهم من أتباعهم ولما ارتحل المعز إلى مصر بعد أن افتتحها على يدي خادمه جوهر ارتحلت معه طائفة كبيرة من أهل زويلة هذه فإليهم ينسب الباب والحارة التي بالقاهرة اليوم ومن مهدية بني عبيد إلى مدينة تسمى سوسة وإليها تنسب الثياب السوسية مرحلتان ومن سوسة إلى مدينة تونس ثلاث مراحل ولم تكن تونس هذه في قدم الدهر على أيام الإفرنج مدينة وإنما بنيت في أول الإسلام بناها عقبة بن نافع الفهري لمصلحة رآها وإنما كانت المدينة الكبرى مدينة على الساحل هناك تسمى قرطاجة بينها وبين تونس نحو من أربعة فراسخ.
شأن مدينة قرطاجة في القديم
وهذه المدينة أعني قرطاجة هي كانت حاضرة إفريقية أيام الروم وهي مدينة عظيمة ظهر فيها من قوتهم وشدة طاعة رعيتهم لهم وفرط ما يعجب منه من تأمله ويعتبر فيه من وقف عليه وذلك أنهم جلبوا إليها المياه من بعد شديد وتحيلوا على ذلك بغرائب من الحيل يعجز عن أيسرها جميع من في هذا العصر وكانوا يضاهرن بها مدينة القسطنطينة العظمى المنسوبة إلى قسطنطين بن هيلان ملك الإفرنج ثم لما افتتح المسلمون إفريقية في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه خربوا هذه المدينة المذكورة واتخذوا مدينة القيروان دار ملكهم ومقر ولاتهم ومجتمع جندهم ومركز جيوشهم وأسسوا على ساحل البحر مدينة تونس المذكورة وكان هناك قبل ذلك دير معظم عند الروم يزورونه من أقاصي بلادهم فهدمه المسلمون وبنوه مسجدا وسموا المدينة تونس باسم الراهب الذي كان في ذلك الدير فما زالت تونس معمورة إلى وقتنا هذا.
ولما خربت مدينة القيروان على ما سيأتي الإيماء إليه صارت مدينة تونس حاضرة إفريقية ومقر ولاتها وموضع مخاطبة أولي الأمر منها وكل ما بتونس من جيد الرخام وخالص المرمر فمن مدينة قرطاجة المذكورة.
ومن مدينة تونس هذه إلى مدينة صغيرة على ساحل البحر تدعى بونة ومعنى هذه اللفظة بلسان الإفرنج جيدة ست مراحل وفيما بين تونس وبونه بليدة تسمى بني زرت بينها وبين تونس يوم تام في البر للمجد ولبني زرت هذه شأن غريب وذلك أنه يخرج في بحرها كلما طلع هلال نوع من السمك لم يكن في الشهر الذي قبل ذلك هذا متواتر عند أهلها لا يختلف فيه منهم أحد والمتفطنون من الصيادين يعرفون الشهور باختلاف السمك عليهم وإن لم يروا الأهلة وهذا منسوب إلى الطلمسات اعتنى به من عني بخدمة القمر ومن ومن مدينة بونه إلى مدينة قسطنطينة التي هي أحد حدي إفريقية خمس مراحل وقسطنطينة بينها وبين البحر مرحلتان أو أكثر من ذلك قليلا.
هذا ما على ساحل البحر أو قريب منه من مدن إفريقية وبها مما يلي الصحراء مدن أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغت مما على ساحل البحر من بلاد المغرب.
بلاد المغرب الساحلية
ومن قسطنطينة المغرب إلى بجاية خمس مراحل على الرفق وبجاية هذه هي دار ملك بني حماد الصنهاجيين الذين تنتسب قلعة بني حماد اليهم وكانوا يملكون من قسطنطينة المغرب إلى موضع يعرف بسيوسيرات وقد تقدم هذا الموضع بينه وبين بجاية قريب من تسع مراحل.
لم يزل بنو حماد يملكون بجاية وجهاتها إلى أن أخرجهم عنها في ولاية يحيى منهم أبو محمد عبد المؤمن بن علي حسبما سبق.

(1/103)


ومن مدينة بجاية إلى مدينة صغيرة تدعى الجزائر وتنسب إلى قوم يقال لهم بنو مزغن قريب من أربع مراحل وهذه المدينة - المعروفة بالجزائر - على ساحل البحر الرومي وكذلك مدينة بجاية ومن الجزائر هذه إلى مدينة صغيرة تسمى تنس أربع مراحل ومن مدينة تنس إلى مدينة وهران سبع مراحل ومن مدينة وهران إلى مدينة سبتة على التقريب ثماني عشرة مرحلة.
ضيق البحر بين المغرب والأندلس
وبساحل سبتة هذه يلتقي البحران بحر مانطس الذي هو بحر الروم وبحر أقيانس الذي هو البحر الأعظم وهذا أول الخليج المعروف بالزقاق.
وسعة البحر فيما بين سبتة والأندلس ثمانية عشر ميلا ثم لا يزال يضيق إلى أن ينتهي ذلك من عدوة البربر إلى موضع يدعى قصر مصمودة بينه وبين سبتة نصف يوم ومن جزيرة الأندلس إلى موضع يدعى جزيرة طريف مقابلا لقصر مصمودة المذكور فأضيق ما يكون البحر هنالك وسعته فيما بين هذين الموضعين اثنا عشر ميلا ترى رمال كل واحد من الشطين من الآخر في كل وقت من أوقات النهار وقد ذكر المؤرخون أن الروم بنت في قديم الدهر قنطرة على هذا الخليج ثم طغت المياه فغطتها فيذكر قوم من أهل جزيرة طريف أنهم يرونها أوان سكون البحر وهدوئه حين تصفوا المياه.
ومن مدينة سبتة إلى مدينة طنجة يوم تام في البر وطنجة هذه آخر الخليج الذي به يلتقي البحران وهي على ساحل البحر الأعظم الذي لا عمارة وراءه وهو المعروف عندنا بالبحر المحيط المتصل ببحر الهند والحبشة - وطنجة هذه آخر بلد بالمغرب المحقق وما بعدها من البلاد فإنما هو في الجنوب كمدينة سلا ومدينة مراكش - ثم لا يزال دائرا في الجنوب إى أن يأتي بلاد الحبشة والهند.
فأول بلاد المغرب مما على ساحل البحر الرومي مدينة أنطابلس المعروفة ببرقة وآخرها مما على ساحل البحر الأعظم مدينة طنجة ومسافة ما بين ذلك على التقريب ست وتسعون مرحلة فهذا ذكر المدن التي على ساحل البحر من بلاد المغرب.
ثانيا:
البلاد التي ليست على ساحل
ثم نعود إلى ذكر ما ليس على الساحل من مدن إفريقية والمغرب فنقول بلاد إفريقية من مدينة قابس المتقدم ذكرها إلى مدينة تسمى قفصة ثلاث مراحل.
ومن مدينة قفصة إلى مدينة توزر أربع مراحل وتوزر هذه هي حاضرة بلاد الجريد وأم قراها وبلاد الجريد التي يقع عليها هذا الاسم تنقسم قسمين قسم يسمى قسطيلية وهذا الاسم يقع على توزر وأعمالها وقسم يسمى الزاب وهذا الاسم أيضا يقع على مدينة بسكرة وأعمالها.
ومن مدينة توزر إلى مدينة بسكرة أربع مراحل وبالقرب من مدينة بسكرة مدينة صغيرة تسمى نقاوس بينها وبينها مرحلتان فهذه المدن التي تلي الصحراء من بلاد إفريقية ويتخللها قرى كثيرة لم نذكرها لصغرها.
شأن القيروان في قديم الزمان
وفيما بين مدينة تونس وتوزر مدينة القيروان المشهورة منها إلى الساحل ثلاث مراحل وهي كانت - أعني القيروان - دار ملك المسلمين بأفريقية منذ الفتح لم يزل الخلفاء من بني أمية وبني العباس يولون عليها الأمراء من قبلهم إلى أن اضطرب أمر بني العباس واستبد الأغالبة بملك إفريقية بعض الاستبداد وهم بنو أغلب بن محمد بن إبراهيم بن أغلب التميميون فاتخذوا القيروان دار ملكهم فلم يزالوا بها إلى أن أخرجهم عنها بنو عبيد وملكوها أيام كونهم بأفريقية ثم ولوا عليها حين ارتحلوا إلى مصر زيري بن مناد الصنهاجي فلم يزل زيري وبنوه ملوكا عليها إلى أن كان آخرهم الذي أخرجه العرب عنها تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بلجين بن زيري بن مناد المذكور فانتهبتها الأعراب وخربتها فهي كذلك خراب إلى اليوم فيها عمارة قليلة يسكنها الفلاحون وأرباب البادية.
وكانت القيروان هذه في قديم الزمان منذ الفتح إلى أن خربتها الأعراب دار العلم بالمغرب إليها ينسب أكابر علمائه وإليها كانت رحلة أهله في طلب العلم وقد ألف الناس في أخبار القيروان ومناقبه وذكر علمائه ومن كان به من الزهاد والصالحين والفضلاء المتبتلين كتبا مشهورة ككتاب أبي محمد بن عفيف وكتاب ابن زيادة الله الطبني وغيرهما من الكتب فلما استولى عليها الخراب كما ذكرنا تفرق أهلها في كل وجه فمنهم من قصد بلاد مصر ومنهم من قصد صقلية والأندلس وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى المغرب فنزلوا مدينة فاس فعقبهم بها إلى اليوم.

(1/104)


فهذه نبذة من أخبار إفريقية وفيها مدن كثيرة قد خربت لا أعرف أسماءها لقلة معرفتي بتفاصيل أحوال إفريقية لأني لم ادخل منها إلا مدينة تونس خاصة أتيتها في البحر من الأندلس وذلك سنة 614 وإنما نقلت ما نقلته من أخبارها حسب المستفيض من السماع.
وفي خراب القيروان على ما تقدم يقول: أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد ابن شرف الجذامي:
ترى سيئات القيروان تعاظمت ... فجلت عن الغفران والله غافر!
تراها أصيبت بالكبائر وحدها ... ألم تك قدما في البلاد الكبائر؟
بلاد المغرب
فقسطنطينة آخر بلاد إفريقية ما يلي البحر منها وما يلي الصحراء وما بعد قسطنطينة فهو من المغرب غير إفريقية فأول ذلك بليدة صغيرة قبلي بجاية في البر تسمى ميلة بينها وبين بجاية ثلاث مراحل ومن بجاية إلى قلعة بني حماد أربع مراحل وهي أيضا - أعني القلعة - قبلي بجاية.
طريق السفار من بجاية إلى مراكش
وها أنا أذكر طريق السفار من بجاية إلى مراكش فمن بجاية إلى مدينة تلمسان عشرون مرحلة وفيما بين ذلك بليدات صغار كمليانة ومازونة ووهران وقد ذكرناها في بلاد الساحل وبين مدينة تلمسان وبين البحر أربعون ميلا وذلك يوم للمجد ومن مدينة تلمسان إلى مدينة فاس عشر مراحل سبع منها إلى المدينة التي تدعى رباط تازا وثلاث إلى فاس وقبلي مدينة تلمسان في الصحراء مدينة سجلماسة منها إلى تلمسان عشر مراحل وهذه المدينة - أعني سجلماسة - متوسطة في الصحراء مسافة ما بينها وبين تلمسان وفاس ومراكش على حد سواء فمن حيث قصدت إليها من أحد هذه البلاد كان ذلك مسافة عشر مراحل.
التعريف بمدينة فاس
ومدينة فاس هذه هي حاضرة المغرب في وقتنا هذا وموضع العلم منه اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس كما كانت القيروان حاضرة المغرب فلما اضطرب أمر القيروان - كما ذكرنا - بعيث العرب فيها واضطرب أمر قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة فرارا من الفتنة فنزل أكثرهم مدينة فاس فهي اليوم على غاية الحضارة وأهلها في غاية الكيس ونهاية الظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم وما زلت أسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب وبحق ما قالوا ذلك فإنه ليس بالمغرب شيء من أنواع الظرف واللباقة في كل معنى إلا وهو منسوب إليها وموجود فيها ومأخوذ منها لا يدفع هذا القول أحد من أهل المغرب ولم يتخذ لمتونة والمصامدة مدينة مراكش وطنا ولا جعلوها دار مملكة لأنها خير من مدينة فاس في شيء من الأشياء ولكن لقرب مراكش من جبال المصامدة وصحراء لمتونة فلهذا السبب كانت مراكش كرسي المملكة وإلا فمدينة فاس أحق بذلك منها وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس أكثر مرافق وأوسع معايش وأخصب جهات وذلك أنها مدينة يحفها الماء والشجر من جميع جهاتها ويتخلل الأنهار أكثر دورها زائدا على نحو من أربعين عينا ينغلق عليها أبوابها ويحيط بها سورها وفي داخلها وتحت سورها نحو من ثلاثمائة طاحونة تطحن بالماء ولا أعلم بالمغرب مدينة لا تحتاج إلى شيء يجلب إليها من غيرها إلا ما كان من العطر الهندي سوى مدينة فاس هذه فإنها لا تحتاج إلى مدينة في شيء مما تدعو إليه الضرورة بل هي توسع البلاد مرافق وتملؤها خيرا.
ومن مدينة فاس إلى مدينة مكناسة الزيتون يوم تام للمجد ومن مكناسة الزيتون إلى مدينة سلا أربع مراحل.
مدينة سلا هذه على ساحل البحر الأعظم المسمى أقيانس وهي في الجنوب كما ذكرنا ينصب إليها نهر يسمى وادي الرمان يصب في البحر الأعظم المذكور.

(1/105)


وقد بنى المصامدة على ساحل هذا البحر مما يلي مراكش مدينة عظيمة سموها رباط الفتح كان الذي اختطها أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وأتمها ابنه يعقوب وبنى فيها مسجدا عظيما قد تقدم ذكره وقيل إنهم إنما بنوها بأمر ابن تومرت إياهم بذلك وذلك أنه قال: لهم تبنون مدينة عظيمة على ساحل هذا البحر يعني البحر الأعظم ثم يضطرب أمركم وينقض عليكم البلاد حتى ما يبقى بأيديكم إلا هذه المدينة ثم يفتح الله عليكم ويجمع كلمتكم ويعود أمركم كما كان فلهذا سموها رباط الفتح وبين هذه المدينة وبين سلا العتيقة النهر المذكور وقد بنوا عليه قنطرة من ألواح وحجارة يعبر الناس عليها حين يجزر النهر فإذا مد عبروا في القوارب.
وبين مدينة سلا هذه ومدينة مراكش كرسي المملكة تسع مراحل فمراكش آخر المدن بالمغرب وكان الذي اختطها ملك لمتونة تاشفين بن علي ثم زاد فيها بعده ابنه يوسف بن تاشفين ثم زاد فيها بعدهما علي بن يوسف بن تاشفين ثم ملكها المصامدة فزادوا فيها حتى جاءت في نهاية الكبر فهي اليوم طولا وعرضا قدر أربع فراسخ هذا إذا ضمت إليها قصور بني عبد المؤمن وأجرى المصامدة فيها مياها كثيرة لم تكن فيها قبل ذلك وبنوا فيها قصورا لم يكن مثلها لملك ممن تقدمهم من الملوك فصارت بذلك في نهاية الحسن وغاية الكمال كما قال الأول:
ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أنه كملا
ترجمة المؤلف بقلمه
وبهذه المدينة أعني مراكش مسقط رأسي وهي أول أرض مس جلدي ترابها وكان مولدي بها لسبع خلون من ربيع الآخر سنة 581 في أول أيام أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي.
ثم فصلت عنها وأنا ابن تسعة أعوام إلى مدينة فاس فلم أزل بها إلى أن قرأت القرآن وجودته ورويته عن جماعة كانوا هنالك مبرزين في علم القرآن والنحو.
ثم عدت إلى مراكش فلم أزل مترددا بين هاتين المدينتين.
ثم عبرت إلى جزيرة الأندلس في أول سنة 603 فأدركت بها جماعة من الفضلاء من أهل كل شأن فلم احصل بحمد الله من ذلك كله إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم انفردوا دوني بكل فضيلة ولا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.
بلاد السوس الأقصى
فمراكش هذه آخر المدن الكبار بالمغرب المشهورة به وليس وراءها مدينة لها ذكر وفيها حضارة إلا بليدات صغار بسوس الأقصى فمنها مدينة صغيرة تسمى تارودانت وهي حاضرة سوس وإليها يجتمع أهله ومدينة أيضا صغيرة تدعى زجندر هي على معدن الفضة يسكنها الذين يستخرجون ما في ذلك المعدن وفي بلاد جزولة مدينة هي حاضرتهم أيضا تسمى الكست وفي بلاد لمطة مدينة أخرى هي حاضرتهم أيضا تسمى نول لمطة فهذه المدن التي وراء مراكش فأما تارودانت وزجندر فدخلتهما وعرفتهما ولم أزل أعرف السفار من التجار وغيرهم وخاصة إلى مدينة المعدن المعروفة بزجندر وأما مدينة جزولة ومدينة لمطة فلا يسافر إليهما إلا أهلهما خاصة.
ذكر ما بالمغرب من معادن
الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك وأسماء مواضعها:
قد تقدم ذكر معدن الكبريت الذي بين برقة وطرابلس وأنه بالقرب من حصن يدعى طلميثة.
وفيما بين سبتة ووهران موضع قريب من ساحل البحر يسمى تمسامان فيه معدن حديد.
وفيما بين سلا ومراكش قريبا من ساحل البحر الأعظم بمقدار يوم أو أكثر قليلا موضع يدعى إبسنتار فيه معدن حديد أيضا وليس هذا الموضع على طريق السفار إنما يقصده من أراد حمل الحديد منه.
وبالقرب من مكناسة الزيتون على ثلاث مراحل منها حصن يدعى وركناس فيه معدن فضة وقد ذكرنا معدن زجندر الذي بسوس غير أن فضته ليست هناك أعني فضة معدن زجندر.
وبسوس أيضا معدنان للنحاس ومعدن توتياء وهي التوتياء التي يصبغ بها النحاس الأحمر فيصير أصفر.
فهذا جملة ما بالعدوة من المعادن.
المعادن بجزيرة الأندلس
وبجزيرة الأندلس معادن أيضا فمنها معدن فضة ببلاد الروم في الجهة المغربية بموضع يدعى شنترة.
وعلى أربع مراحل من مدينة قرطبة موضع يسمى شلون فيه معدن زيبق منه يفترق الزيبق على جميع المغرب.
وفي أعمال المرية وعلى يوم ونصف منها بموضع يعرف بدلاية فيه معدن رصاص.
وفي أعمال المرية أيضا على يوم ونصف منها موضع يسمى بكارش فيه معدن حديد أيضا.

(1/106)


وما بين دانية وشاطبة موضع يسمى أوربة على نصف يوم من دانية فيه معدن حديد.
فهذا أيضا جملة ما بالأندلس من المعادن فأما الذهب فمسوق إليها من بلاد السودان.
ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب
فأول ذلك نهر ببلاد إفريقية على نصف مرحلة من مدينة تونس يسمى بجردة ينصب من جبل هنالك ينتهي إلى البحر الرومي.
ونهر بجاية الذي يسمى الوادي الكبير هو متنزهها وعليه بساتينها وقصورها.
ونهر آخر فيما بين تلمسان ورباط تازا يدعى وادي ملوية يصب في البحر الرومي أيضا.
ونهر يدعى سبو هو محيط بمدينة فاس من شرقها وغربها.
ويجاور نهر سبو هذا نهر آخر كبير يسمى ورغة.
وهذان النهران ينصبان إلى البحر الأعظم بحر أقيانس بعد أن يلتقيا بموضع يدعى المعمورة.
وفيما بين مكناسة وسلا نهر يدعى بهتا ينصب إلى البحر الأعظم أيضا ونهر سلا المتقدم الذكر.
وفيما بين سلا ومراكش وعلى ثلاث مراحل من مراكش نهر عظيم يدعى أم ربيع ينصب من جبال صنهاجة من موضع يدعى وانسيفن يصب في البحر الأعظم أيضا.
ونهر على أربعة أميال من مراكش عليه قنطرة عظيمة يسمى تانسيفت.
ونهر سوس الأقصى.
ونهر ببلاد حاجة يسمى شفشاوة.
هذه الأنهار كلها تصب إلى البحر الأعظم فهذه جملة الأنهار الكبار التي بالمغرب التي لا يقل ماؤها ولا ينقطع شتاء ولا صيفا ولم نتعرض لذكر الأودية الصغار والأنهار التي تيبس في الصيف.
ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها
فأما جزيرة الأندلس فهي المعروفة في قديم الزمان عند الروم بجزيرة أشبانية وقد تقدم ذكر حدودها في صدر هذا الكتاب فإغنى ذلك عن إعادته ههنا وكان دين أهلها في الدهر القديم دين الصائبة من عبادة الكواكب واستنزال قواها والتقرب إليها بأنواع القرابين شهدت بذلك طلسمات وجدت بها وضعتها القدماء من أهلها ثم انتقل أهلها إلى دين النصرانية حين ظهر على أيدي أصحاب المسيح عليه السلام.
وكانت هذه الجزيرة أعني الأندلس منتظمة في مملكة صاحب رومية يستعمل عليها من شاء من أصحابه فلم تزل كذلك والروم يملكونها وقاعدة ملكهم منها مدينة تسمى طالقة - على فرسخين من أشبيلية - وهي مدينة عظيمة باق أثرها إلى هذا اليوم إلى أن غلبهم عليها القوطا وهي قبيلة من قبائل الإفرنج فأخرجوهم عن الجزيرة وألحقوهم برومية مدينتهم العظمى.
وانفرد القوطا هؤلاء بمملكة الجزيرة فملكوها أضخم ملك قريبا من ثلاثمائة سنة وكانت دار ملك القوطا مدينة طليطلة وهي في قريب من وسط الجزيرة فلم يزالوا بها وطليطلة دار ملكهم كما ذكرنا إلى أن افتتحها المسلمون في شهر رمضان من سنة 92 من الهجرة علىما تقدم في صدر الكتاب.
فلما افتتحها المسلمون تخيروا قرطبة دار ملكهم ومقر تدبيرهم وموضع حلهم وعقدهم فلم تزل قرطبة على ذلك إلى ان انتشرت الفتنة واضطرب أمر بني أمية بالأندلس بموت الحكم المستنصر وتغلب أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه على هشام المؤيد بن الحكم المستنصر حسبما تقدم في صدر هذا الكتاب.
فهذا تلخيص أخبار جزيرة الأندلس.
مجاز الأندلس
وأنا ذاكر إن شاء الله أول ما يلقاه من يعبر إليها من حدودها ومدنها فأول ذلك أني أقول: قد تقدم أن البحرين: بحر الروم وبحر أقيانس يلتقيان بساحل سبتة ثم يضيق الخليج ويتقارب العدوتان حتى ينتهي ذلك إلى قصر مصمودة من العدوة وجزيرة طريف من الأندلس ثم يأخذ في السعة وأول هذا الخليج مما يلي طنجة الجبل الخارج في البحر الأعظم المعروف بطرف أشبرتال وآخره الجبل الذي شرقي سبتة فإذا عبرت إلى جزيرة الأندلس من سبتة كان الذي تنزل به المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وإذا عبرت من قصر مصمودة وقعت إلى جزيرة طريف فالمدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء هي في التحقيق على ساحل البحر الرومي وجزيرة طريف على ساحل البحر الأعظم وبين الموضعين أعني الخضراء وطريف ثمانية عشر ميلا.
وفي شرقي الجزيرة الخضراء الجبل المعروف بجبل الفتح ويسمى أيضا جبل طارق وله طرف خارج في البحر يسمى طرف الفتح وعنده يلتقي البحران بجزيرة الأندلس.
فهذا تلخيص التعريب بخبر مجاز الأندلس.
البلاد التي تغلب عليها النصارى إلى سنة 621

(1/107)


فأما ذكر مدنها فقد كانت فيها مدن كثيرة تغلب النصارى على أكثرها فأنا ذاكر أسماء المدن التي بأيدي النصارى في وقتنا هذا ومواضعها من الجزيرة من مشرق ومغرب من غير تعرض إلى ما بينها من المسافات إذ كان كون النصارى بها مانعا من معرفة ذلك: فأول المدن في الحد الجنوبي المشرقي على ساحل البحر الرومي مدينة برشنونة ثم مدينة طركونة ثم مدينة طرطوشة - الثغر الأعلى - هذه البلاد التي على ساحل البحر الرومي المذكور أعادها الله للمسلمين!.
والمدن التي على غير الساحل في هذا الحد المذكور مدينة سرقسطة ولاردة وأفراغة وقلعة أيوب هذه كلها يملكها صاحب برشنونة - لعنه الله - وهي الجهة التي تسمى أرغن.
وفي الحد المتوسط ما بين الجنوب والمغرب من المدن مدينة طليطلة وكونكة وأقليج وطلبيرة ومكادة ومشريط ووبذة وأبلة وشقوبية هذه كلها يملكها الأدفنش - لعنه الله - وتسمى هذه الجهة قشتال - الثغر الأوسط - .
وتجاور هذه المملكة فيما يميل إلى الشمال قليلا مدن كثيرة أيضا وهي سمورة وشلمنكة والسبطاط وقلمرية هذه كلها يملكها رجل يعرف بالببوج - لعنه الله - وتسمى هذه الجهة ليون.
وفي الحد المغربي الذي هو ساحل البحر الأعظم أقيانس مدن أيضا منها مدينة الأشبونة وشنترين وباجة وشنترة وشنت ياقو ومدينة يابرة ومدن كثيرة ذهبت عني أسماؤها يملكها رجل يعرف بابن الريق - لعنه الله - .
فهذا ما بأيدي النصارى من مدن جزيرة الأندلس مما يلي بلاد المسلمين ووراء هذه المدن مما يلي بلاد الروم مدن كثيرة لم تشتهر عندنا لبعدها عنا وتوغلها في بلاد الروم لم يملكها المسلمون قط لأنهم لم يملكوا الجزيرة بأسرها حين افتتحوها وإنما ملكوا معظمها واستولوا على أكثرها.
المدن التي بقيت بأيدي المسلمين إلى سنة 631
وأنا ذاكر بعد هذا ما بقي بأيدي المسلمين من البلاد وعدد المراحل التي بينها وقربها من البحر وبعدها حتى يبين ذلك إن شاء الله تعالى: فأول شيء يملكه المسلمون بجزيرة الأندلس اليوم حصن صغير على شاطئ البحر الرومي يسمى بنشكلة بينه وبين مدينة بلنسية ثلاث مراحل وهذا الحصن مما يلي بلاد الروم بينه وبين طرطوشة مرحلتان أو أكثر قليلا.
ثم مدينة بلنسية وهي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء كان أهل الأندلس يدعونها فيما سلف من الزمان مطيب الأندلس والمطيب عندهم حزمة يعملونها من أنواع الرياحين ويجعلون فيها النرجس والآس وغير ذلك من أنواع المشمومات سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحها وبين بلنسية هذه وبين البحر الرومي قريب من أربعة أميال.
ثم بعدها مدينة تدعى شاطبة بينها وبينها مرحلتان.
وبينهما مدينة صغيرة تدعى جزيرة الشقر وسميت جزيرة لأنها في وسط نهر عظيم قد حف بها من جميع جهاتها فلا طريق إليها إلا على القنطرة.
ومن شاطبة هذه إلى مدينة دانية التي على ساحل البحر الرومي يوم تام.
ومن شاطبة إلى مدينة مرسية ثلاثة أيام.
ومن مرسية إلى البحر الرومي عشرة فراسخ.
ومن مدينة مرسية إلى مدينة أغرناطة سبع مراحل.
وبين ذلك بلاد صغار أولها مما يلي مرسية حصن لرقة ثم حصن آخر يدعى بلس ثم حصن آخر يدعى قلية ثم بليدة صغيرة تسمى بسطة ثم بليدة أخرى على مسيرة يوم من أغرناطة تسمى وادي آش ويقال لها أيضا وادي الأشي هكذا سمعت الشعراء ينطقون بها في أشعارهم فهذه البليدات التي بين أغرناطة ومرسية.
وفي مقابلة وادي آش على ساحل البحر الرومي مدينة المرية - مخففة الراء - وهي مدينة مشهورة تضرب أمواج البحر في سورها بينها وبين وادي آش هذه مرحلتان للمجد.
وبعد المدينة المعروفة بالمرية على ساحل البحر الرومي حصن منكب وهي بليدة صغيرة يضرب البحر أيضا في سورها بينها وبين المرية أربع مراحل.
وبين حصن منكب هذا وبين مدينة مالقة ثلاث مراحل.
وبين مالقة وبين الجزيرة الخضراء ثلاث مراحل للمجد.
وبالجزيرة الخضراء أو بجبل الفتح يلتقي البحران كما ذكرنا فالذي على ساحل البحر الرومي من بلاد المسلمين بالأندلس الجزيرة الخضراء ومالقة ومنكب والمرية ودانية وبين المرية ودانية نحو من ثمان مراحل ووراء دانية الحصن الذي يسمى بنشكلة وقد تقدم ذكره.

(1/108)


فهذا ما على الساحل من بلاد المسلمين بالأندلس أعني ما يضرب الموج في سوره فأما مدينة بلنسية فبينها وبين البحر كما ذكرنا قريب من أربعة أميال.
ثم نعود إلى ذكر البلاد التي ليست على الساحل فنقول: من مدينة أغرناطة إلى البحر قريب من أربعين ميلا وذلك مسيرة يوم تام أو يومين على الرفق.
ومن مدينة أغرناطة إلى مدينة جيان مرحلتان فبين جيان وبين البحر الرومي ثلاث مراحل.
ومن مدينة جيان إلى مدينة قرطبة مرحلتان.
ذكر قرطبة
وقد تقدم ذكر قرطبة هذه وأنها كانت دار ملك المسلمين ومقر تدبيرهم إلى أن نشأت الفتنة واختل أمر بني أمية بالأندلس وبلغت قرطبة هذه من القوة وكثرة العمارة وازدحام الناس مبلغا لم تبلغه بلدة.
حكى ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة قال: كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟.
وقيل إنه كان فيها ثلاثة آلاف مقلس وكان لا يتقلس عندهم في ذلك الزمان إلا من صلح للفتيا.
وسمعت ببلاد الأندلس من غير واحد من مشايخها أن الماشي كان يستضيء بسروج قرطبة ثلاث فراسخ لا ينقطع عنه الضوء.
وبها الجامع الأعظم الذي بناه أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد المتلقب بالناصر لدين الله وزاد فيه بعده ابنه الحكم المستنصر بالله فزيادة الحكم معروفة إلى اليوم.
وحكى أبو مروان بن حيان - رحمه الله - في أخبار قرطبة أن الحكم لما زاد زيادته المشهورة في الجامع اجتنب الناس الصلاة فيها أياما فبلغ ذلك الحكم فسأل عن علته فقيل له أنهم يقولون ما ندري هذه الدراهم التي أنفقها في هذا البينان من أين اكتسبها فاستحضر الشهود والقاضي أبا الحكم المنذر بن سعيد البلوطي المتقدم الذكر في قضاته واستقبل القبلة وحلف باليمين الشرعية التي جرت العادة بها أنه ما أنفق فيه درهما إلا من خمس المغنم! وحينئذ صلى الناس فيه لما علموا بيمينه ومن الخمس أيضا كان أبوه بناه وزاد فيه أبو عامر محمد محمد أبي عامر زيادة أخرى من هذه النسبة فهو مسجد لم ينفق فيه درهم إلا من خمس المغنم وهو معظم القدر عند أهل الأندلس مبارك لا يصلي فيه أحد ويدعو بشيء من أمر الدنيا والآخرة إلا استجيب له قد عرف ذلك من أمره واشتهر.
وحكى غير واحد أن الأدفنش - لعنه الله - لما دخلها في شهور سنة دخل النصارى في هذا المسجد بخيلهم فأقاموا به يومين لم تبل دوابهم ولم ترث حتى خرجوا منه وهذه الحكاية مما تواتر عندهم واستفاض بقرطبة.
وقد جمع أهل الأندلس كتبا في فضائل قرطبة وأخبارها ومن كان بها أو نزلها من الصالحين والفضلاء والعلماء.
ذكر أشبيلية
ومن مدينة قرطبة إلى مدينة أشبيلية ثلاث مراحل وأشبيلية هذه هي حاضرة الأندلس في وقتنا هذا وهي التي تسمى عندهم في قديم الزمان حمص سميت بذلك لنزول أجناد حمص إياها حين افتتح المسلمون الأندلس.
وقد زاد أمر هذه المدينة على صفة كل واصف وأتى فوق نعت كل ناعت وهي على شاطئ نهر عظيم ينصب من جبل شقورة وتنصب فيه أنهار كثيرة فلا يصل إلى أشبيلية إلا وهو بحر خضم تصعد فيه السفن الكبار من البحر الأعظم ترسي على باب المدينة بينها وبين البحر الأعظم سبعون ميلا وذلك مرحلتان.
وهذه المدينة كانت قاعدة ملك بني عباد حسبما تقدم ثم صيرها المصامدة منزلا لهم أيام كونهم بالأندلس منها ينفذ أمرهم وفيها يستقر ملكهم وبنوا بها قصورا عظيمة وأجروا فيها المياه وغرسوا البساتين فزاد ذلك في حسن هذه المدينة أعني أشبيلية.
ومن أشبيلية إلى مدينة شلب التي على ساحل البحر الأعظم خمس مراحل وبين ذلك بليدات صغار كمدينة لبلة وحصن مرتلة ومدينة طبيرة ومدينة العليا والمدينة المعروفة بشنتمرية هذه البلاد كلها فيما بين شلب وأشبيلية من مغرب الأندلس.
وبين قرطبة بين البحر الرومي خمس مراحل وقرطبة أيضا على ساحل هذا النهر الذي ينصب إلى أشبيلية يعظم جدا حتى تصعد فيه السفن كما تقدم وينحدر من أراد في القوارب من قرطبة إلى أشبيلية ويصعدون من أشبيلية إلى قرطبة كهيئة النيل.
وبين مدينة أشبيلية ومدينة شريش مرحلتان.
وبين شريش وبين البحر ثلاث مراحل.

(1/109)


فهذه جملة أخبار بلاد المغرب وجزيرة الأندلس ومسافات الأبعاد التي بين كل بلد وبلد على التقريب منها ما سافرت فيه بنفسي ومنها ما نقلته مستفيضا عن السفار المترددين.
فصل:
أنهار الأندلس الكبار المشهورة
وقد رأيت أن أذكر ههنا جملة انهار الأندلس الكبار المشهورة بها: فأول ذلك مما يلي المشرق نهر طرطوشة وهو نهر عظيم ينصب من جبال هناك إلى مدينة طرطوشة ثم يصب في البحر الرومي وبين طرطوشة وبين البحر الرومي اثنا عشر ميلا.
ثم نهر مرسية وهو يصب أيضا في البحر الرومي منبعه من جبل شقورة وهو قسيم نهر أشبيلية منبعهما واحد ثم يفترقان فينصب هذا إلى أشبيلية وهذا إلى مرسية.
ثم نهر أشبيلية الأعظم - وقد تقدم ذكر منبعه - ثم تنصب فيه قبل وصوله إلى أشبيلية أنهار كثيرة فيعظم حتى يصير بحرا كما ذكرنا ثم يصب في البحر الأعظم المسمى أقيانس.
ثم نهر عظيم ببلاد الروم يسمى تاجو وهو الذي عليه مدينة طليطلة وشنترين وبين هاتين المدينتين قريب من عشر مراحل وعلى هذا النهر أيضا مدينة الأشبونة وبينها وبين شنترين ثلاث مراحل ثم ينصب هذا النهر إلى البحر الأعظم.
فهذه جملة أنهار الأندلس المشهورة بها.
وقد نجز بحمد الله جميع هذا الإملاء حسبما رسمه مولانا وجريت في ذلك كله على عادتي في التلخيص وتركت أسماء القرى والضياع والأنهار الصغار وغير ذلك مما لا تدعو إليه الحاجة ولا يخل بالتصنيف تركه فإن وافق غرض مولانا ولاق بنفسه وأتى وفق مراده فهي البغية الكبرى والأمنية العظمى التي لم أزل أكدح لها وأسعى فيها وأسابق إليها وإن يك غير ذلك فما أنا بأول من اجتهد فحرم الإصابة ولم يقع على المراد ولا في المقصود!.
وبالله أعتصم وإياه أسترشد وعليه أعتمد وهو حسبي ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من هذا الإملاء يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة من سنة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل

(1/110)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية