صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المعجب في تلخيص أخبار المغرب
المؤلف : المراكشي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

لترجمانه قل له أنا آتيك بها على أن ألعب معك عليها فإن غلبتني فهي لك وإن غلبتك فلي حكمي فقال: له الأدفنش هلمها لننظر إليها فأمر ابن عمار من جاء بها فلما وضعت بين يدي العلج صلب وقال: ما ظننت أن إتقان الشطرنج يبلغ إلى هذا الحد! ثم قال: لابن عمار كيف قلت؟ فأعاد عليه الكلام الأول فقال: له الأدفنش لا ألعب معك على حكم مجهول لا أدري ما هو ولعله شيء لا يمكنني! فقال: ابن عمار لا ألعب إلا على هذا الوجه! وأمر بالسفرة فطويت وكشف ابن عمار سر ما أراده لرجال وثق بهم من وجوه دولة الأدفنش وجعل لهم أموالا عظيمة على أن يؤازروه على أمره ففعلوا فتعلقت نفس العلج بالسفرة وشاور خاصته فيما رسمه ابن عمار فهونوا عليه وقالوا له إن غلبته كانت عندك سفرة ليس عند ملك مثلها وإن غلبك فما عساه أن يحتكم؟ وقبحوا عنده إظهار الملك العجز عن شيء يطلب منه وقالوا له إن طلب ابن عمار مالا يمكن فنحن لك برده عن ذلك ولم يزالوا به حتى أجاب وأرسل إلى ابن عمار فجاء ومعه السفرة فقال: له قد قبلت ما رسمته فقال: له ابن عمار فاجعل بيني وبينك شهودا أسماهم له فأمر الأدفنش بهم فحضروا وافتتحا يلعبان وكان ابن عمار - كما ذكرنا - طبقة بالأندلس لا يقوم له أحد فيها فغلب الأدفنش غلبة ظاهرة لجميع الحاضرين لم يكن للعلج فيها مطعن فلما حقت الغلبة قال: له ابن عمار هل صح أن لي حكمي قال: نعم فما هو؟ قال: أن ترجع من ههنا إلى بلادك! فاسود وجه العلج وقام وقعد وقال: لخواصه قد كنت أخاف من هذا حتى هونتموه علي في أمثال لهذا القول وهم بالنكث والتمادي لوجهه فقبحوا ذلك عليه وقالوا له كيف يجمل بك الغدر وأنت ملك ملوك النصارى في وقتك! فلم يزالوا به حتى سكن وقال: لا أرجع حتى آخذ أتاوة عامين خلاف هذه السنة! فقال: ابن عمار هذا كله لك! وجاءه بما أراد فرجع وكف الله بأسه ودفعه بحوله وحسن دفاعه عن المسلمين ورجع ابن عمار إلى أشبيلية وقد امتلأت نفس المعتمد سرورا به.
ثم أن المعتمد حدث له أمل في التغلب على مرسية وأعمالها وهي التي تعرف بتدمير وكانت بيد أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر كان هو المتغلب عليها والمدبر لأمرها فجهز المعتمد جيوشا عظيمة وتكفل له ابن عمار بأخذها وإخراج ابن طاهر عنها فولاه ما تولى من ذلك وخرج ابن عمار حتى نزل على مرسية فأخذها وأخرج ابن طاهر عنها فلحق ابن طاهر حين خرج من مرسية ببني عبد العزيز ببلنسية فكان بها إلى أن مات - رحمه الله - .
ولما تغلب ابن عمار على مرسية دار ملك بني طاهر كما ذكرنا حدثته نفسه وسول له سوء رأيه أن يستبد بأمره وأن يضبط تلك البلاد لنفسه فلم يزل يصرف الحيلة في ذلك إلى أن تم له بعضه ودانت له مرسية وأعمالها وطمع في ملك بلنسية إلى أن قام عليه رجل من أهل مرسية يقال له ابن رشيق كان أبوه من عرفاء الجند بها وكان ابن عمار قد خرج لبعض أمره فدعا ابن رشيق هذا إلى نفسه وقامت معه العامة وبعض الجند فسمع ابن عمار بذلك فجاء يركض حتى أتى المدينة وقد غلقت أبوابها دونه فحاصرها بمن معه أياما فامتنعت عليه ولم يقدر على دخولها فبقي حائرا لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه وقد كان بلغ المعتمد قيامه عليه وخلع يده من طاعته فلم ير إلا الهروب ملجأ فهرب حتى لحق ببني هود بسرقسطة فأقام عندهم حتى ثقل عليهم وخافوا غائلته وبغضه في عيونهم ما فعل مع صاحبه وولي نعمته فأخرجوه عن بلادهم.
ولم تزل البلاد تتقاذفه وملوكها تشنأه إلى أن وقع في حصن من حصون الأندلس في غاية المنعة يدعى شقورة كان المتغلب عليه رجل يقال له ابن مبارك فأكرم وفادته وأحسن نزله ثم بدا له بعد أيام فقبض عليه وقيده وجعله في سجنه فلما رأى ابن عمار ذلك منه قال: له لا عليك أن تكتب إلى ملوك الأندلس بكوني عندك وتعرضني عليهم فما منهم إلا من يرغب في فمن كان أشدهم رغبة جعل لك مالا ووجهت بي إليه ففعل ابن مبارك ذلك فما عرضه على أحد من ملوك الأندلس إلا رغب فيه وكتب فيمن كتب إلى المعتمد: وفي ذلك يقول ابن عمار:
أصبحت في السوق ينادى على ... رأسي بأنواع من المال
والله ما جار على ماله ... من ضمني بالثمن الغالي!
وفي هذا السجن يقول: ابن عمار وقد استدعى نورة يستنظف بها فتعذرت عليه فاستدعى موسى فأتي بها فقال في ذلك:

(1/33)


بؤسى شقورة عندي ... أربى على كل بوسى
فقدت هارون فيها ... فظلت أطلب موسى
وبعث المعتمد على الله من رجاله من تسلم ابن عمار من يد ابن مبارك بعد أن بعث إليه بمال وخيل وأمر المعتمد الذين تسلموا ابن عمار أن يزيدوا في الاحتياط عليه وتقييده فخرجوا به حتى وافوا قرطبة - ووافق ذلك كون المعتمد بها - فدخلها ابن عمار أشنع دخول وأسوأه على بغل بين عدلي تبن وقيوده ظاهرة للناس وقد كان المعتمد أمر بإخراج الناس خاصة وعامة حتى ينظروا إليه على تلك الحال وقد كان قبل هذا إذا دخل قرطبة اهتزت له وخرج إلى وجوه أهلها وأعيانهم ورؤساؤهم فالسعيد منهم من يصل إلى تقبيل يده أو يرد عليه ابن عمار السلام وغيرهم لا يصل إلا إلى تقبيل ركابه وطرف ثوبه ومنهم من ينظر إليه على بعد لا يستطيع الوصول إليه فسبحان محيل الأحوال ومديل الدول!.
فدخل ابن عمار قرطبة - كما ذكرنا - بعد العزة القعساء والملك الشامخ والرئاسة الفارعة ذليلا خائفا فقيرا لا يملك إلا ثوبه الذي عليه فسبحان من سلبه ما وهبه ومنعه ما كان به أمتعه وأخبر بعض الموكلين به ما اتفق لهم معه من فرط ذكائه وسرعة فطنته قال: لما قربنا من قرطبة بحيث يرانا الناس خرج فارس من البلد يركض يقصدنا فلما رآه ابن عمار - وكان معتما - أزال العمامة عن رأسه فجاء الفارس حتى وصل إلينا فنظر إلى ابن عمار ودخل معنا في الصف فمشى فسألناه فيم جاء؟ فقال: الذي جئت فيه صنعه هذا الرجل قبل أن أصل إليه فعلمنا أنه أرسل ليزيل عمامته.
فأدخل على المعتمد على الله على الحالة التي ذكرت يرسف في قيوده فجعل المعتمد يعدد عليه أياديه ونعمه وابن عمار في ذلك كله مطرق لا ينبس إلى أن انقضى كلام المعتمد فكان من جواب ابن عمار أن قال: ما أنكر شيئا مما يذكره مولانا - أبقاه الله - ولو أنكرته لشهدت علي به الجمادات فضلا عمن ينطق ولكني عثرت فأقل وزللت فاصفح! فقال: المعتمد هيهات إنها عثرة لا تقال! وأمر به فاحدر في النهر إلى أشبيلية فدخل به أشبيلية على الحال التي دخل عليها قرطبة وجعل في غرفة على باب قصر المعتمد - المعروف بالقصر المبارك - وهو باق إلى وقتنا هذا - فطال سجنه هناك.
كتبت عنه في هذا السجن قصائد لو توسل بها إلى الدهر لنزع عن جوره أو إلى الفلك لكف عن دوره فكانت رقى لم تنجع ودعوات لم تسمع وتمائم لم تنفع فمنها قوله:
سجاياك إن عافيت أندى وأسجح ... وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله تجنح
حنانيك في أخذي برأيك لا تطع ... عداي ولو أثنوا عليك وأفصحوا
فإن رجائي أن عندك غير ما ... يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح
ولم لا وقد أسلفت ودا وخدمة ... يكران في ليل الخطايا فيصبح
وهبني وقد أعقبت أعمال مفسد ... أما تفسد الأعمال ثمت تصلح
أقلني بما بيني وبينك من رضى ... له نحو روح الله باب مفتح
وعف على آثار جرم سلكتها ... بهبة رحمى منك تمحو وتمصح
ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهم ... فكل إناء بالذي فيه يرشح
سيأتيك في أمري حديث وقد أتى ... بزور بني عبد العزيز موشح
وما ذاك إلا ما علمت فإنني ... إذا ثبت لا أنفك آسو وأجرح
كأني بهم لا در لله درهم ... أشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا
وقالوا: سيجزيه فلان بفعله ... فقلت: وقد يعفو فلان ويصفح
ألا إن بطشا للمؤيد يرتمي ... ولكن حلما للمؤيد يرجح
ماذا عسى الواشون أن يتزيدوا ... سوى أن ذنبي واضح متصحح
نعم لي ذنب غير أن لحلمه ... صفاة يزل الذنب عنها فيسفح
عليه سلام كيف دار به الهوى ... إلي فيدنو أو علي فينزح
ويهنيه إن مت السلو فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرح
وبين ضلوعي من هواه تميمه ... ستنفع لو أن الحمام يجلح

(1/34)


ولما بلغت المعتمد هذه المقصيدة وأنشدت بين يديه كان بحضرته رجل من البغداديين فجعل يزري على هذا البيت وبين ضلوعي ويقول: ما أراد بهذا المعنى؟ فكان من جواب المعتمد - رحمه الله - أن قال: أما لئن سلبه الله المروءة والوفاء لما أعدمه الفطنة والذكاء إنما نظر إلى بيت الهذلي من طرف خفي وهو:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع!
ولم يزل ابن عمار هذا بسجن المعتمد إلى أن قتله صبرا في شهور سنة 479.
وتلخيص خبر قتله أنه لما طال سجنه كتب إليه بالقصيدة التي تقدم إنشادها فأدركت المعتمد بعض الرقة فوجه إليه ليلا وهو في بعض مجالس أنسه فأتي به يرسف في قيوده فجعل المعتمد يعدد مننه عليه وأياديه قبله فلم يكن لابن عمار جواب ولا عذر غير أنه أخذ في البكاء وجعل يترقق للمعتمد ويمسح عطفيه ويستجلب من الألفاظ كل ما يقدر إنه يزرع له الرأفة في قلب المعتمد فتم له بعض ما أراد من ذلك وعطفت المعتمد عليه سابقته وقديم حرمته فقال: له قولا يتضمن العفو عنه تعريضا لا صريحا وأمر برده إلى محبسه فكتب ابن عمار من فوره بما دار له مع المعتمد إلى ابنه الراضي بالله فوافاه الكتاب وبحضرته قوم كانت بينهم وبين ابن عمار إحن قديمة فلما قرأ الراضي الكتاب قال: لهم ما أرى ابن عمار إلا سيتخلص فقالوا له ومن أين علم مولانا ذلك؟ فقال: هذا كتاب ابن عمار يخبرني فيه أن مولانا المعتمد قد وعده بالخلاص فأظهر القوم الفرح وهم يبطنون غيره فلما قاموا من مجلس الراضي نشروا حديث ابن عمار أقبح نشر وزادوا فيه زيادات قبيحة صنت هذا الكتاب عن ذكرها فبلغ المعتمد ذلك فأرسل إلى ابن عمار وقال: له هل أخبرت أحدا بما كان بيني وبينك البارحة؟ فأنكر ابن عمار كل الإنكار فقال: المعتمد للرسول قل له الورقتان اللتان استدعيتهما كتبت في إحداهما القصيدة فما فعلت بالأخرى فادعى أنه بيض فيها القصيدة فقال: المعتمد هلم المسودة فلم يجد جوابا فخرج المعتمد حنقا وبيده الطبرزين حتى صعد الغرفة التي فيها ابن عمار فلما رآه علم أنه قاتله فجعل ابن عمار يزحف - وقيوده تثقله - حتى انكب على قدمي المعتمد يقبلهما والمعتمد لا يثنيه شيء فعلاه بالطبرزين الذي في يده ولم يزل يضربه به حتى برد.
ورجع المعتمد فأمر بغسله وتكفينه وصلى عليه ودفنه بالقصر المبارك فهذا ما انتهى إلينا من خبر ابن عمار ملخصا حسبما بقي على خاطري.
رجع الحديث عن بني عباد
ولم يزل المعتمد هذا في جميع مدة ولايته و الأيام تساعده والدهر على ما يريده يؤازره ويعاضده إلى أن انتظم له في ملكه من بلاد الأندلس ما لم ينتظم لملك قبله - أعني من المتغلبين - ودخلت في طاعته مدن من مدائنها أعيت الملوك وأعجزتهم وامتدت مملكته إلى أن بلغت مدينة مرسية وهي التي تعرف بتدمير بينها وبين أشبيلية نحو من اثنتي عشرة مرحلة وفي خلال ذلك مدن متسعة وقرى ضخمة.
وكان تغلبه على قرطبة وإخراجه ابن عكاشة منها يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة 471 ثم رجع إلى أشبيلية واستخلف عليها ولده عبادا ولقبه بالمأمون وهو أكبر ولده ولد له في حياة أبيه المعتضد وسماه عبادا فكان المعتضد يضمه إليه ويقول يا عباد يا ليت شعري من المقتول بقرطبة أنا أو أنت؟ فكان المقتول بها عباد هذا في حياة أبيه المعتمد وفي السنة التي زال عنهم الملك فيها.
أول أمر المرابطين بالأندلس
ولما كانت سنة 479 جاز المعتمد على الله البحر قاصدا مدينة مراكش إلى يوسف بن تاشفين مستنصرا به على الروم فلقيه يوسف المذكور أحسن لقاء وأنزله أكرم نزل وسأله عن حاجته فذكر أنه يريد غزو الروم وأنه يريد إمداد أمير المسلمين إياه بخيل ورجل ليستعين بهم في حربه فأسرع أمير المسلمين المذكور إجابته إلى ما دعاه إليه وقال: له أنا أول منتدب لنصرة هذا الدين ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا أنا بنفسي!.
فرجع المعتمد إلى الأندلس مسرورا بإسعاف أمير المسلمين إياه في طلبته ولم يدر أن تدميره في تدبيره وسل سيفا يحسبه له ولم يدر أنه عليه فكان كما قال أبو فراس:
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
كما جرت الحنفاء حتف حذيفة ... وكان يراها عدة للشدائد

(1/35)


فأخذ أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في أهبة العبور إلى جزيرة الأندلس وذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة فاستنفر من قدر على استنفاره من القواد وأعيان الجند ووجوه قبائل البربر فاجتمع له نحو من سبعة آلاف فارس في عدد كثير من الرجل فعبر البحر بعسكر ضخم - وكان عبوره من مدينة سبتة - فنزل المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وتلقاه المعتمد في وجوه أهل دولته وأظهر من بره وإكرامه فوق ما كان يظنه أمير المسلمين وقدم إليه من الهدايا والتحف والذخائر الملوكية ما لم يظنه يوسف عند ملك فكان هذا أول ما أوقع في نفس يوسف التشوف إلى مملكة جزيرة الأندلس.
ثم إنه فصل عن الخضراء بجيوشه قاصدا شرقي الأندلس وسأله المعتمد دخول أشبيلية دار ملكه ليستريح فيها أياما حتى تزول عنه وعثاء السفر ثم يقصد قصده فأبى عليه وقال: إنما جئت ناويا جهاد العدو فحيثما كان العدو توجهت وجهه.
وكان الأدفنش - لعنه الله - محاصرا لحصن من حصون المسلمين يعرف بحصن الليط فلما بلغه عبور البربر أقلع عن الحصن راجعا إلى بلاده مستنفرا عساكره ليلقى بهم البربر.
وتوجه يوسف المذكور إلى شرقي الأندلس يقصد ذلك الحصن المحاصر والإصلاح بين المعتمد على الله وبين رجل كان تغلب على مرسية يقال له ابن رشيق - قد تقدم ذكره في أخبار ابن عمار - فأصلح بينهما يوسف أمير المسلمين على أن يخرج له ابن رشيق عن مرسية ويعوضه المعتمد عن ذلك مالا جعله له ويوليه في جهة أشبيلية ولاية فأجابه ابن رشيق إلى ذلك وتسلم المعتمد مرسية وأعمالها.
ولقي يوسف أمير المسلمين ملوك الأندلس الذين كان عليهم طريقه كصاحب غرناطة والمعتصم بن صمادح صاحب المرية وابن عبد العزيز أبو بكر صاحب بلنسية.
وقعة الزلاقة
ثم إن يوسف المذكور استعرض جنده على حصن الرقة فرأى منهم ما يسره فقال: للمعتمد على الله هلم ما جئنا له من الجهاد وقصد العدو وجعل يظهر التأفف من الإقامة بجزيرة الأندلس ويتشوق إلى مراكش ويصغر قدر الأندلس ويقول في أكثر أوقاته كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيما قبل أن نراها فلما رأيناها وقعت دون الوصف! وهو في ذلك كله يسر حسوا في ارتغاء! فخرج المعتمد بين يديه قاصدا مدينة طليطلة واجتمع للمعتمد أيضا جيش ضخم من أقطار الأندلس.
وانتدب الناس للجهاد من سائر الجهات وأمد ملوك الجزيرة يوسف والمعتمد بما قدروا عليه من خيل ورجال وسلاح فتكامل عدد المسلمين من المتطوعة والمرتزقة زهاء عشرين ألفا والتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم.
وكان الأدفنش - لعنه الله - قد استنفر الصغير والكبير ولم يدع في أقاصي مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه وجاء يجر الشوك والشجر وإنما كان مقصوده الأعظم قطع تشوف البرابرة عن جزيرة الأندلس والتهيب عليهم فأما ملوك الأندلس فلم يكن منهم أحد إلا يؤدي إليه الإتاوة وهم كانوا أحقر في عينه وأقل من أن يحتفل لهم!.
ولما ترائ الجمعان من المسلمين والنصارى رأى يوسف وأصحابه أمرا عظيما هالهم من كثرة عدد وجودة سلاح وخيل وظهور قوة فقال: للمعتمد ما كنت أظن هذا الخنزير - لعنه الله - يبلغ هذا الحد!.
وجمع يوسف أصحابه وندب لهم من يعظهم ويذكرهم فظهر منهم من صدق النية والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سر به يوسف والمسلمون.
وكان ترائيهم يوم الخميس وهو الثاني عشر من شهر رمضان فاختلفت الرسل بينهم في تقرير يوم الزحف ليستعد الفريقان فكان من قول الأدفنش - لعنه الله - : الجمعة لكم والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر منهم فلا غنى بنا عنهم والأحد لنا فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من الزحف وقصد - لعنه الله - مخادعة المسلمين واغتيالهم فلم يتم له ما قصد.

(1/36)


فلما كان يوم الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ولا أمارة عندهم للقتال وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر فخرج هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم فركب هو وأصحابه شاكي السلاح وقال: لأمير المسلمين صل في أصحابك فهذا يوم ما تطيب نفسي فيه وها أنا من ورائكم وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين فأخذ يوسف وأصحابه في الصلاة فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى وحمل الأدفنش - لعنه الله - في أصحابه يظن أنه قد انتهز الفرصة وإذا المعتمد وأصحابه من وراء الناس فأغنى ذلك اليوم غناء لم يشهد لأحد من قبله وأخذ المرابطون سلاحهم فاستووا على متون الخيل واختلط الفريقان فأظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن البلاء والثبات ما لم يكن يحسبه المعتمد وهزم الله العدو واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل وجه ونجا الأدفنش - لعنه الله - في تسعة من أصحابه فكان هذا أحد الفتوح المشهورة بالأندلس أعز الله فيها دينه وأعلى كلمته وقطع طمع الأدفنش - لعنه الله - عن الجزيرة بعد أن كان يقدر أنها في ملكه وأن رؤوسها خدم له وذلك كله بحسن نية أمير المسلمين.
وتسمى هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاقة وكان لقاء المسلمين عدوهم كما ذكرنا في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان الكائن في سنة 480 ورجع يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد منصورين مفتوحا لهم وبهم فسر بهم أهل الأندلس وأظهروا التيمن بأمير المسلمين والتبرك به وكثر الدعاء له في المساجد وعلى المنابر وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس ما زاده طمعا فيها وذلك أن الأندلس كانت قبله بصدد التلاف من استيلاء النصارى عليها وأخذهم الإتاوة من ملوكها قاطبة فلما قهر الله العدو وهزمه على يد أمير المسلمين أظهر الناس إعظامه ونشأ له الود في الصدور.
ثم إنه أحب أن يجول في الأندلس على طريق التفرج والتنزه وهو يريد غير ذلك فجال فيها ونال من ذلك ما أحب وفي خلال ذلك كله يظهر إعظام المعتمد وإجلاله ويقول مصرحا إنما نحن في ضيافة هذا الرجل وتحت أمره وواقفون عند ما يحده.
بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد
وكان ممن اختص بأمير المسلمين من ملوك الجزيرة وحظي عنده واشتد تقريب أمير المسلمين له أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المعتصم صاحب المرية وكان المعتصم هذا قديم الحسد للمعتمد كثير النفاسة عليه لم يكن في ملوك الجزيرة من يناوئه غيره وربما كانت بينهما في بعض الأوقات مراسلات قبيحة وكان المعتصم يعيبه في مجالسه وينال منه ويمنع المعتمد من فعل مثل ذلك مروءته ونزاهة نفسه وطهارة سريرته وشدة ملوكيته.
وقد كان المعتمد قبل عبور أمير المسلمين بيسير توجه إلى شرقي الأندلس يتطوف على مملكته ويطالع أحوال عماله ورعيته فلما دانى أول بلاد المعتصم خرج إليه في وجوه أصحابه وتلقاه لقاء نبيلا وعزم عليه ليدخلن بلاده فأبى المعتمد ذلك ثم اتفقا بعد طول مراودة على أن يجتمعا في أول حدود بلاد المعتصم وآخر حدود بلاد المعتمد فكان ذلك واصطلحا في الظاهر واحتفل المعتصم في إكرامه وأظهر من الآلات السلطانية والذخائر الملوكية المعدة لمجالس الأنس ما ظنه مكمدا للمعتمد مثيرا لغمه وقد أعاذ الله المعتمد من ذلك وصان خلقه الكريم عنه وعصمه بفضله منه ثم افترقا بعد أن أقام المعتمد عنده في ضيافته ثلاثة أسابيع ورجع المعتمد إلى بلاده وبأثر ذلك عبر إلى مراكش ولم يزل ما بينه وبين المعتصم معمورا إلى أن عبر أمير المسلمين - كما ذكرنا - فلقيه المعتصم بهدايا فاخرة وتحف جليلة وتلطف في خدمته حتى قربه أمير المسلمين أشد تقريب وكان يقول: لأصحابه هذان رجلا هذه الجزيرة! يعني المعتصم والمعتمد وكان أكبر أسباب تقريب أمير المسلمين إياه ثناء المعتمد عليه عند أمير المسلمين ووصفه إياه عنده بكل فضل ولم يكن المعصتم بعيدا من أكثر ما وصفه به.

(1/37)


ولما اشتد تمكن المعتصم من أمير المسلمين بدا له أن يسعى في تغيير قلبه على المعتمد وإفساد ما بينهما - حسن له ذلك سوء رأيه ودنس سريرته وضعف بصره بعواقب الأمور وليقضي الله أمرا كان مفعولا وليبلغ القدر ميقاته وإذا أراد الله تمام أمر هيأ له أسبابا - فشرع المعتصم فيما أراده من ذلك ولم يدر أنه ساقط في البئر التي حفر وقتيل بالسلاح الذي شهر فكان من جملة ما ألقى إلى أمير المسلمين أن جعل يقرر عنده عجب المعتمد بنفسه وفرط كبره وأنه لا يرى أحدا كفؤا له وزعم أنه قال: له في بعض الأيام - وقد قال: له المعتصم طالت إقامة هذا الرجل بالجزيرة يعني أمير المسلمين - لو عوجت له إصبعي ما أقام بها ليلة واحدة هو ولا أصحابه وكأنك تخاف غائلته وأي شيء هذا المسكين وأصحابه إنما هم قوم كانوا في بلادهم في جهد من العيش وغلاء من السعر جئنا بهم إلى هذه البلاد نطعمهم حسبة وائتجارا فإذا شبعوا أخرجناهم عنها إلى بلادهم إلى أمثال هذا القول من تحقير أمرهم وأعانه على ذلك قوم من وجوه الأندلس إلى أن بلغوا ما أرادوه من تغير قلب يوسف أمير المسلمين على المعتمد.
وقد كان أمير المسلمين ضرب لنفسه ولأصحابه أجلا وحد له ولهم مدة يقيمونها في الجزيرة لا يزيدون عليها وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب المعتمد وتسكينا لخاطره فلما انقضت تلك المدة أو قاربت عبر أمير المسلمين إلى العدوة وقد وغر صدره وتغيرت نفسه.
وما النفس إلا نطفة في قرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا غديرها
هذا مع ما ذكرنا من طمعه في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها وظهرت للمعتمد قبل عبوره أشياء عرف بها أنه غير عليه!.
نكبة بني عباد
ورجع أمير المسلمين إلى مراكش وفي نفسه من أمر الجزيرة المقيم المقعد فبلغني أنه قال: لبعض ثقاته من وجوه أصحابه كنت أظن أني قد ملكت شيئا فلما رأيت تلك البلاد صغرت في عيني مملكتي فكيف الحيلة في تحصيلها؟ فاتفق رأيه ورأي أصحابه على أن يراسلوا المعتمد يستأذنونه في رجال من صلحاء أصحابهم رغبوا في الرباط بالأندلس ومجاهدة العدو والكون ببعض الحصون المصاقبة للروم إلى أن يموتوا ففعلوا وكتبوا إلى المعتمد بذلك فأذن لهم بعد أن وافقه على ذلك ابن الأفطس المتوكل صاحب الثغور وإنما أراد يوسف وأصحابه بذلك أن يكون قوم من شيعتهم مبثوثين بالجزيرة في بلادها فإذا كان أمر من قيام بدعوتهم أو إظهار لمملكتهم وجدوا في كل بلد لهم أعوانا.
وقد كانت قلوب أهل الأندلس - كما ذكرنا - قد أشربت حب يوسف وأصحابه فجهز يوسف من خيار أصحابه رجالا انتخبهم وأمر عليهم رجلا من قرابته يسمى بلجين وأسر إليه ما أراده فجاز بلجين المذكور وقصد المعتمد من ملوك الجزيرة فقال: له أين تأمرني بالكون؟ فوجه معه المعتمد من أصحابه من ينزله ببعض الحصون التي اختارها لهم فنزل حيث أنزلوه هو وأصحابه وأقاموا هناك إلى أن ثارت الفتنة على المعتمد وكان مبدؤها في شوال من سنة 483 بأخذ جزيرة طريف المقابلة لطنجة من العدوة دون مقدمة ظاهرة توجب ذلك فتشعبت جموعه وأهواؤها ملتئمة وانتثرت بلاده وقلوب أهلها على محبته منتظمة.
ولما أخذ المرابطون جزيرة طريف ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين انتشر ذلك في الأندلس وزحف القوم الذين قدمنا ذكرهم - الكائنون في الحصون - إلى قرطبة فحاصروها وفيها عباد بن المعتمد الملقب بالمأمون وقد تقدم ذكره وهو من أكبر ولده فدخلوا البلد وقتل عباد هذا بعد أن أبلى عذرا وأظهر في الدفاع عن نفسه جلدا وصبرا وذلك في مستهل صفر الكائن في سنة 484 فزادت الإحنة والمحنة واستمرت في غلوائها الفتنة.

(1/38)


وأجمعت على الثورة بحضرة أشبيلية طائفة فأعلم المعتمد بما اعتقدته الطائفة المذكورة وكشف له عن مرادها وأثبت عنده سوء اعتقادها وأغري بتمزيق أديمها وسفك دمها وحض على هتك حريمها وكشف حرمها فأبى له ذلك مجده الأثيل ورأيه الأصيل ومذهبه الجميل وما حباه الله به من حسن اليقين وصحة العقل والدين إلى أن أمكنتهم الغرة يوم الثلاثاء منتصف رجب من السنة المذكورة فقاموا بجيش غير مستنصر واستنسروا بغاثا غير مستنسر فبرز هو من قصره سيفه بيده وغلالته ترف على جسده لا درقة له ولا درع عليه فلقي على باب من أبواب المدينة يسمى باب الفرج فارسا من الداخلين مشهور النجدة شاكي السلاح فرماه الفارس برمح قصير أنابيب القناة طويل شفرة السنان فالتوى الرمح بغلالته وخرج تحت إبطه وعصمه الله منه ودفعه بفضله عنه وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريعا وانهزمت تلك الجموع ونزل المتسنمون للأسوار عنها وظن أهل أشبيلية أن الخناق قد تنفس.
فلما كان عصر ذلك اليوم عاودهم القوم فظهر على البلد من واديه ويئس من سكنى ناديه وبلغ فيه الأمل حاسده وشانيه وشبت النار في شوانيه فانقطع عندها الأمل والقول وذهبت القوة من أيدي أهلها والحول وكان الذي ظهر عليها من جهة البر رجل من أصحاب يوسف أمير المسلمين يعرف بحدير بن واسنو ومن الوادي رجل يعرف بالقائد أبي حمامة مولى بني سجوت والتوت الحال أياما يسيرة إلى أن ورد الأمير سير بن أبي بكر بن تاشفين وهو ابن أخي أمير المسلمين بعساكر متظاهرة وحشود من الرعية وافرة والناس في خلال هذه الأيام قد خامرهم الجزع وخالط قلوبهم الهلع يقطعون السبل سياحة ويعبرون النهر سباحة ويتولجون مجاري الأقذار ويترامون من شرفات الأسرار حرصا على الحياة والموفون بالعهد المقيمون على صريح الود ثابتون إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة وهذا يوم الكائنة العظمى والطامة الكبرى فيه حم الأمر الواقع واتسع الخرق على الراقع ودخل البلد من واديه وأصيب حاضره وباديه بعد أن جد الفريقان في القتال واجتهدت الفئتان في النزال وظهر من دفاع المعتمد - رحمه الله - وبأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لا مزيد عليه ولا تناه لخلق إليه وفي ذلك يقول المعتمد بعد ما نزل بالعدوة أسيرا حسيرا:
لما تماسكت الدموع ... وتنهنه القلب الصديع
قالوا الخضوع سياسة ... فليبد منك لهم خضوع
وألذ من طعم الخضو ... ع على فمي السم النقيع
إن تستلب عني الدنا ... ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه ... لم تسلم القلب الضلوع
لم أستلب شرف الطبا ... ع أيسلب الشرف الرفيع؟
قد رمت يوم نزالهم ... ألا تحصنني الدروع
وبرزت ليس سوى القمي ... ص عن الحشا شيء دفوع
وبذلت نفسي كي تسي ... ل إذا يسيل بها النجيع
أجلي تأخر لم يكن ... بهواي ذلي والخشوع
ما سرت قط إلى القتا ... ل وكان من أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهمو ... والأصل تتبعه الفروع!
فشنت الغارة في البلد ولم يترك البربر لأحد من أهلها سبدا ولا لبدا وانتهبت قصور المعتمد نهبا قبيحا وأخذ هو قبضا باليد وجبر على مخاطبة ابنيه المعتد بالله والراضي بالله وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة لو شاءا أن يمتنعا بهما لم يصل أحد إليهما أحد الحصنين يسمى رندة والآخر مارتلة فكتب إليهما - رحمه الله - وكتبت السيدة الكبرى أمهما مستعطفين مسترحمين معلمين أن دم الكل منهم مسترهن بثبوتهما فأنفا من الذل وأبيا وضع أيديهما في يد أحد من الناس بعد أبيهما ثم عطفتهما عواطف الرحمة ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة بحق الله عز وجل فتمسك كل منهما بدينه ونبذ دنياه ونزلا عن الحصنين بعد عهود مبرمة ومواثيق محكمة.

(1/39)


فأما المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على كل ما كان يملكه وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قتل غيلة وأخفي جسده ورحل بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع أحواله ولم يصحب من ذلك كله بلغة زاد فركب السفين وحل بالعدوة محل الدفين فكان نزوله من العدوة بطنجة فأقام بها أياما ولقيه بها الحصري الشاعر فجرى معه على سوء عادته من قبح الكدية وإفراط الإلحاف فرفع إليه أشعارا قديمة قد كان مدحه بها وأضاف إلى ذلك قصيدة استجدها عند وصوله إليه ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم مما زود به - فيما بلغني - أكثر من ستة وثلاثين مثقالا فطبع عليها وكتب معها بقطعة شعر يعتذر من قلتها - سقطت من حفظي - ووجه بها إليه فلم يجاوبه عن القطعة على سهولة الشعر على خاطره وخفته عليه كان هذا الرجل - أعني الحصري الأعمى - أسرع الناس في الشعر خاطرا إلا أنه كان قليل الجيد منه فحركه المعتمد على الله على الجواب بقطعة أولها:
قل لمن قد جمع الع ... لم وما أحصى صوابه
كان في الصرة شعر ... فتنظرنا جوابه
قد أثبناك فهلا ... جلب الشعر ثوابه؟
ولما اتصل بزعانفة الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد - رحمه الله - مع الحصري تعرضوا له بكل طريق وقصدوه من كل فج عميق فقال: في ذلك رحمه الله:
شعراء طنجة كلهم والمغرب ... ذهبوا من الإغراب أبعد مذهب
سألوا العسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق فأعجب واعجب
لولا الحياء وعزة لخمية ... طي الحشا ساواهم في المطلب
قد كان إن سئل الندى يجزل وإن ... نادى الصريخ ببابه اركب يركب
وله في هذا المعنى رحمه الله:
قبح الدهر فماذا صنعا ... كلما أعطى نفيسا نزعا
قد هوى ظلما بمن عادته ... أن ينادي كل من يهوى لعا!
من إذا الغيث همى منهمرا ... أخجلته كفه فانقطعا
من غمام الجود من راحته ... عصفت ريح به فانتشعا
من إذا قيل الخنا صم وإن ... نطق العافون همسا سمعا
قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوة ... جبر الله العفاة الضيعا!
وأقام المعتمد بطنجة - رحمه الله - أياما على الحال التي تقدم ذكرها ثم انتقل إلى مدينة مكناسة فأقام بها أشهرا إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى مدينة أغمات فأقاموا بها إلى أن توفي المعتمد رحمه الله ودفن بها فقبره معروف هناك وكانت وفاته في شهور سنة 87 وقيل سنة 488 فالله أعلم وسنه يوم توفي إحدى وخمسون سنة.
فمن أحسن ما مر بي مما رثي به المعتمد على الله مقطوعة من شعر ابن اللبانة أولها:
لكل شيء من الأشياء ميقات ... وللمنى من مناياهن غايات
والدهر في صبغة الحرباء منغمس ... ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشطرنج في يده ... وربما قمرت بالبيدق الشاة
فانفض يديك من الدنيا وساكنها ... فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضي قد كتمت ... سريرة العالم العلوي أغمات
طوت مظلتها لا بل مذلتها ... من لم تزل فوقه للعز رايات
من كان بين الندى والبأس أنصله ... هندية وعطاياه هنيدات
أنكرت إلا التواء للقيود به ... وكيف تنكر في الروضات حيات
وقلت: هن ذؤابات فلم عكست ... من رأسه نحو رجليه الذؤابات؟
رأوه ليثا فخافوا منه عادية ... عذرتهم فلعدوى الليث عادات
وله قصيدة يرثيهم بها وهي كثيرة الجيد أولها:
تبكي السماء بدمع رائح غادي ... على البهاليل من أبناء عباد
على الجبال التي هدت قواعدها ... وكانت الأرض منهم ذات أوتاد
والرابيات عليها اليانعات ذوت ... أنوارها فغدت في خفض أوهاد

(1/40)


عريسة دخلتها النائبات على ... أساود لهم فيها وآساد
وكعبة كانت الآمال تعمرها ... فاليوم لا عاكف فيها ولا باد
تلك الرماح رماح الخط ثقفها ... خطب الزمان ثقافا غير معتاد
والبيض بيض الظبا فلت مضاربها ... أيدي الردى وثلتها دون إغماد
لما دنا الوقت لم تخلف له عدة ... وكل شيء لميقات وميعاد
كم من دراري سعد قد هوت ووهت ... هناك من درر للمجد أفراد
نور ونور فهذا بعد نعمته ... ذوى وذاك خبا من بعد إيقاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ ... في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمل واديهم ليسكنه ... خف القطين وجف الزرع بالوادي
ضلت سبيل الندى بابن السبيل فسر ... لغير قصد فما بهديك من هادي
وفيها يقول:
نسيت إلا غداة النهر كونهم ... في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق أزباد
حط القناع فلم تستر مخدرة ... ومزقت أوجه تمزيق أبراد
تفرقوا جيرة من بعد ما نشؤوا ... أهلا بأهل وأولادا بأولاد
حان الوداع فضجت كل صارخة ... وصارخ من مفداة ومن فادي
سارت سفائنهم والنوح يتبعها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد
من لي بكم يا بني ماء السماء إذا ... ماء السماء أبى سقيا حشا الصادي
وهي طويلة جدا هذا ما اخترت له منها.
أبو بكر الداني
وابن اللبانة هذا هو أبو بكر محمد بن عيسى من أهل مدينة دانية وهي على ساحل البحر الرومي كان يملكها مجاهد العامري وابنه علي الموفق - على ما تقدم - .
ولابن اللبانة هذا أخ اسمه عبد العزيز وكانا شاعرين إلا أن عبد العزيز منهما لم يرض الشعر صناعة ولا اتخذه مكسبا وإنما كان من جملة التجار وأما أبو بكر فرضيه بضاعة وتخيره مكسبا وأكثر منه وقصد به الملوك فأخذ جوائزهم ونال أسنى الرتب عندهم وشعره نبيل المأخذ وهو فيه حسن المهيع جمع بين سهولة الألفاظ ورشاقتها وجودة المعاني ولطافتها وكان منقطعا إلى المعتمد معدودا في جملة شعرائه لم يفد عليه إلا آخر مدته فلهذا قل شعره الذي يمدحه به.
وكان - رحمه الله - مع سهولة الشعر عليه وإكثاره منه قليل المعرفة بعلله لم يجد الخوض في علومه وإنما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته يدل على ذلك قوله في قصيدة له سيرد ما أختاره منها في موضعه:
من كان ينفق من سواد كتابه ... فأنا الذي من نور قلبي أنفق
ولما خلع المعتمد على الله وأخرج من أشبيلية لم يزل أبو بكر هذا يتقلب في البلاد إلى أن لحق بجزيرة ميرقة وبها مبشر العامري المتلقب بالناصر فحظي عنده وعلت حاله معه وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء فمنها قصيدة ركب فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا متأخر وذلك أنه جعلها من أولها إلى آخرها صدر البيت غزل وعجزه مدح وهذا لم أسمع به لأحد وأول القصيدة:
وضحت وقد فضحت ضياء النير ... فكأنما التحفت ببشر مبشر
وتبسمت عن جوهر فحسبته ... ما قلدته محامدي من جوهر
وتكلمت فكأن طيب حديثها ... متعت منه بطيب مسك أذفر
هزت بنغمة لفظها نفسي كما ... هزت بذكراه أعالي المنبر
أذنبت واستغفرتها فجرت على ... عاداته في المذنب المستغفر
جادت علي بوصلها فكأنه ... جدوى يديه على المقل المقتر
ولثمت فاها فاعتقدت بأنني ... من كفه سوغت لثم الخنصر
سمحت بتعنيقي فقلت صنيعة ... سمحت علاه بها فلم تتعذر
نهد كقسوة قلبه في معرك ... وحشا كلين طباعه في محضر

(1/41)


ومعاطف تحت الذوائب خلتها ... تحت الخوافق ماله من سمهري
حسنت أمامي في خمار مثلما ... حسن الكمي أمامه في مغفر
وتوشحت فكأنه في جوشن ... قد قام عنبره مقام العثير
غمزت ببعض قسيه من حاجب ... ورنت ببعض سهامه من محجر
أومت بمصقول اللحاظ فخلته ... يومي بمصقول الصفيحة مشهر
وضعت حشاياها فويق أرائك ... وضع السروج على الجياد الضمر
من رامة أو رومة لا علم لي ... أتت عن النعمان أم عن قيصر؟!
بنت الملوك فقل لكسرى فارس ... تعزى وإلا قل لتبع حمير
عاديت فيها غر قومي فاغتدوا ... لا أرضهم أرضي ولا هم معشري
وكذلك الدنيا عهدنا أهلها ... يتعافرون على الثريد الأعفر
طافت علي بجمرة من خمرة ... فرأيت مريخا براحة مشتري
فكأن أنملها سيوف مبشر ... وقد اكتست علق النجيع الأحمر
ملك أزرة برده ضمت على ... بأس الوصي وعزمة الإسكندر
هذا ما اخترت له منها: ومن نسيبه المليح الخفيف الروح قوله يتغزل ويمدح مبشرا هذا:
هلا ثناك علي قلب مشفق ... فترى فراشا في فراش يحرق
قد صرت كالرمق الذي لا يرتجى ... ورجعت كالنفس الذي لا يلحق
وغرقت في دمعي وغمني ... طرفي فهل سبب به أتعلق؟
هل خدعة بتحية مخفية ... في جنب موعدك الذي لا يصدق
أنت المنية والمنى فيك استوى ... ظل الغمامة والهجير المحرق
لك قد ذابلة الوشيج ولونها ... لكن سنانك أكحل لا أزرق
ويقال إنك أيكة حتى إذا ... غنيت قيل هو الحمام الأورق
يا من رشقت إلى السلو فردني ... سبقت جفونك كل سهم يرشق
لو في يدي سحر وعندي أخذة ... لجعلت قلبك بعض حين يعشق
لتذوق ما قد ذقت من ألم الجوى ... وترق لي مما تراه وتشفق
جسدي من الأعداء فيك لأنه ... لا يستبين لطرف طيف يرمق
لم يدر طيفك موضعي من مضجعي ... فعذرته في أنه لا يطرق
جفت عليك منابتي ومنابعي ... فالدمع ينشغ والصبابة تورق
وكأن أعلام الأمير مبشر ... نشرت على قلبي فأصبح يخفق
وفيها يقول يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان:
بشرى بيوم المهرجان فإنه ... يوم عليه من احتفائك رونق
طارت بنات الماء فيه وريشها ... ريش الغراب وغير ذلك شوذق
وعلى الخليج كتيبة جرارة ... مثل الخليج كلاهما يتدفق
وبنو الحروب على الجواري التي ... تجري كما تجري الجياد السبق
ملأ الكماة ظهورها وبطونها ... فأتت كما يأتي السحاب المغدق
خاضت غدير الماء سابحة به ... فكأنما هي في سراب أينق
عجبا لها ما خلت قبل عيانها ... أن يحمل الأسد الضواري زورق
هزت مجاديفا إليك كأنها ... أهداب عين للرقيب تحدق
وكأنها أقلام كاتب دولة ... في عرض قرطاس تخط وتمشق
وله فيها إحسان كثير وله من قصيدة يتغزل:
فؤادي معنى بالحسان معنت ... وكل موقي في التصابي موقت
ولي نفس يخفى ويخفت رقة ... ولكن جسمي منه أخفى وأخفت
وبي ميت الأعضاء حي دلاله ... غرامي به حي وصبري ميت
جعلت فؤادي جفن صارم جفنه ... فيا حر ما يصلى به حين يصلت
أذل له في هجره وهو ينتمي ... وأسكن بالشكوى له وهو يسكت
وما أنبت حبل منه إذ كان في يدي ... لريحان ريعان الشبيبة منبت
ومن جيد ما له من قصيدة يمدح بها مبشرا ناصر الدولة أولها:

(1/42)


راق الربيع ورق طبع هوائه ... فانظر نضارة أرضه وسمائه
واجعل قرين الورد فيه سلافة ... يحكي مشعشعها مصعد مائه
لولا ذبول الورد قلت بأنه ... خد الحبيب عليه صبغ حيائه
هيهات أين الورد من خد الذي ... لا يستحيل عليك عهد وفائه
الورد ليس صفاته كصفاته ... والطير ليس غناؤها كغنائه
يتنفس الإصباح والريحان من ... حركات معطفه وحسن روائه
ويجول في الأرواح روح ما سرت ... رياه من تلقائه بلقائه
صرف الهوى جسمي شبيه خياله ... من فرط خفته وفرط خفائه
ومن أحسن ما على خاطري له بيتان يصف بها خالا وهما:
بدا على خده خال يزينه ... فزادني شغفا فيه إلى شغف
كأن حبة قلبي عند رؤيته ... طارت فقال لها في الخد منه قفي!
ولابن اللبانة هذا إحسان كثير منعني من استقصائه خوف الإطالة و أيضا فلأن هذا الكتاب ليس موضوعا لهذا الباب وإنما يأتي منه فيه ما تدعو إليه ضرورة سياق الحديث.
رجع الحديث إلى أخبار المعتمد
ثم رجع بنا القول إلى أخبار المعتمد على الله.
وبلغني أن رجلا رأى في منامه قبل الكائنة العظمى على بني عباد بأشهر يسيرة وهو بمدينة قرطبة كأن رجلا أتى حتى صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه ينشدهم رافعا صوته:
رب ركب قد أناخوا عيسهم ... في ذرى مجدهم حين بسق
سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق!
فما كان إلا أشهر يسيرة حتى وقع بهم وأبكاهم الدهر كما قال: وبلغ من حال المعتمد على الله بأغمات أن آثر حظياته وأكرم بناته ألجئت إلى أن تستدعي غزلا من الناس تسد بأجرته بعض حالها وتصلح به ما ظهر من اختلالها فأدخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عريف شرطة أبيها كان بين يديه يزع الناس يوم بروزه لم يكن يراه إلا ذلك اليوم واتفق أن السيدة الكبرى أم بنيه اعتلت وكان الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر بمراكش قد استدعاه أمير المسلمين لعلاجه فكتب إليه المعتمد راغبا في علاج السيدة ومطالعة أحوالها بنفسه فكتب إليه الوزير مؤديا حقه ومجيبا له عن رسالته ومسعفا له في طلبته واتفق أن دعا له في أثناء الرسالة بطول البقاء فقال المعتمد في ذلك:
دعا لي بالبقاء وكيف يهوى ... أسير أن يطول به البقاء
أليس الموت أروح من حياة ... يطول على الشقي بها الشقاء
فمن يك من هواه لقاء حب ... فإن هواي من حتفي اللقاء
أأرغب أن أعيش أرى بناتي ... عواري قد أضر بها الحفاء
خوادم بنت من قد كان أعلى ... مراتبه إذا أبدو النداء
وطرد الناس بين يدي ممري ... وكفهمو إذا غص الفناء
وركض عن يمين أو شمال ... لنظم الجيش إن رفع اللواء
يعنيه أمام أو وراء ... إذا اختل الأمام أو الوراء
ولكن الدعاء إذا دعاه ... ضمير خالص نفع الدعاء
جزيت أبا العلاء جزاء بر ... نوى برا وصاحبك العلاء
سيسلي النفس عما فات علمي ... بأن الكل يدركه الفناء
وورد عليه أغمات أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر ملتزما عهد الوفاء قاضيا ما يجب عليه من شكر النعمى فسر المعتمد بوروده فلما أزمع ابن اللبانة على السفر استنفد المعتمد وسعه ووجه إليه بعشرين مثقالا وثوبين وكتب إليه معها:
إليك النزر من كف الأسير ... فإن تقبل تكن عين الشكور
تقبل ما يذوب له حياء ... وإن عذرته حالات الفقير
ولا تعجب لخطب غض منه ... أليس الخسف ملتزم البدور؟
ورج لجبره عقبى نداه ... فكم جبرت يداه من كسير
وكم أعانت علاه من حضيض ... وكم حطت ظباه من أمير
وكم من منبر حنت إليه ... أعالي مرتقاه ومن سرير
زمان تزاحفت عن جانبيه ... جياد الخيل بالموت المبير

(1/43)


فقد نظرت إليه عيون نحس ... مضت منه بمعدوم النظير
نحوس كن في عقبى سعود ... كذاك تدور أقدار القدير
وكم أحظى رضاه من حظي ... وكم شهرت علاه من شهير
زمان تنافست في الحظ منه ... ملوك قد تجور على الدهور!
بحيث يطير بالأبطال ذعر ... ويلفى ثم أرجح من ثبير
فامتنع ابن اللبانة من قبول ذلك عليه وصرفه بحملته إليه وكتب مجيبا له عن شعره:
سقطت من الوفاء على خيبر ... فذرني والذي لك في ضميري
تركت هواك وهو شقيق ديني ... لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا ... لئن أصبحت أجحف بالأسير
أسير ولا أصير إلى اغتنام ... معاذ الله من سوء المصير
إذا ما الشكر كان وإن تناهى ... على نعمى فما فضل الشكور؟
جذيمة أنت والأيام خانت ... وما أنا من يقصر عن قصير
أنا أدري بفضلك منك إني ... لبست الظل منه في الحرور
غني النفس أنت وإن ألحت ... على كفيك حالات الفقير
تصرف في الندى حيل المعالي ... فتسمح من قليل بالكثير
أحدث منك عن نبع غريب ... تفتح عن جنى زهر نضير
وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سرورا ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء ... بها وأنيف ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوع ... فليس الخسف ملتزم البدور
فراجعه المعتمد بهذه الأبيات:
رد بري بغيا علي وبرا ... وجفا فاستحق لوما وشكرا
حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري ... فاستحق الجفاء إذ حاط نزرا
فإذا ما طويت في البعض حمدا ... عاد لومي في البعض سرا وجهرا
يا أبا بكر الغريب وفاء ... لا عد مناك في المغارب ذخرا
أي نفع يجدي احتياط شفيق ... مت ضرا فكيف أرهب ضرا؟
فأجابه ابن اللبانة رحمه الله.
أيها الماجد السميدع عذرا ... صر في البر إنما كان برا
حاش لله أن أجيح كريما ... يتشكى فقرا وكم سد فقرا
لا أزيد الجفاء فيه شقوقا ... غدر الدهر بي لئن رمت غدرا
ليت لي قوة أو آوي لركن ... فترى للوفاء مني سرا
أنت علمتني السيادة حتى ... ناهضت همتي الكواكب قدرا
ربحت صفقة أزيل برودا ... عن أديمي بها وألبس فخرا
وكفاني كلامك الرطب نيلا ... كيف ألفى درا وأطلب تبرا!
لم تمت إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا
ومما قاله المعتمد من الشعر عند موته وأمر أن يكتب على قبره:
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي ... حقا ظفرت بأشلاء ابن عباد؟!
بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت ... بالخصب إن أجدبوا بالري للصادي
بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا ... بالموت أحمر بالضرغامة العادي
بالدهر في نقم بالبحر في نعم ... بالبدر في ظلم بالصدر في النادي
نعم هو الحق حاباني به قدر ... من السماء فوافاني لميعادي
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه ... أن الجبال تهادى فوق أعواد
كفاك فارفق بما استودعت من كرم ... رواك كل قطوب البرق رعاد
يبكي أخاه الذي غيبت وابله ... تحت الصفيح بدمع رائح غادي
حتى يجودك دمع الطل منهمرا ... من أعين الزهر لم تبخل بإسعاد

(1/44)


ولا تزل صلوات الله دائمة ... على دفينك لا تحصى بتعداد
وكان للمعتمد على الله هذا ولد يلقب بفخر الدولة رشحه للملك من بعده وجعله ولي عهده ولقبه بالمؤيد بنصر الله فعاقته الفتنة عن مراده وحالت الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده فما برح بفخر الدولة هذا تغير الأيام بعد الفتنة إلى أن أسلم نفسه في السوق وتعلم من الصنائع صنعة الصواغ فمر به محمد بن اللبانة المتقدم الذكر - شاعر أبيه - فقال في ذلك:
أذكى القلوب أسى أبكى العيون دما ... خطب وجدناك فيه يشبه العدما
أفراد عقد المنى منا قد انتثرت ... وعقد عروتنا الوثقى قد انفصما
شكاتنا فيك يا فخر الهدى عظمت ... والرزء يعظم فيمن قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقة ... ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما!
وعاد كونك في دكان قارعة ... من بعد ما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصواع أنملة ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغا كانت العليا تصاغ له ... حليا وكان عليه الحلي منتظما
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى ... هول رأيناك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرف ... ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا ... وقم بها ربوة إن لم تقم علما
واصبر فربتما أحمدت عاقبة ... من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك مع المزن لانسجما
بكى حديثك حتى الدر حين غدا ... يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما
وروضة الحسن من أزهارها عريت ... حزنا عليك لأن أشبهتها شيما
بعد النعيم ذوى الريحان حين رأى ... ريحانك الغض يذوي بعد ما نعما
لم يرحم الدهر فضلا أنت حامله ... من ليس يرحم ذاك الفضل لا رحما
شقيقك الصبح إن أضحى بشارقة ... وأنت في ظلمة فالصبح قد ظلما
فصل رجع الحديث عن
دولة المرابطين بالأندلس
وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار المعتمد على الله مع ما تعلق بها وإن كانت مخرجة عن الغرض لندل بها على ما قدمنا من ذكر فضله وغزارة أدبه وإيثاره لذلك و أيضا فليتصل نسق الأخبار عن المملكة - أعني مملكة الأندلس إلى المرابطين أصحاب يوسف بن تاشفين - ولوجه ثالث وهو أن ما آلت إليه حال المعتمد هذا من الخمول بعد النباهة والضعة بعد الرفاهة والقبض بعد البسط من جملة العبر التي أرتناها الأيام والمواعظ التي تصغر الدنيا في عيون أولي الأفهام.

(1/45)


ثم إن يوسف بن تاشفين استوسق له أمر الأندلس بعد القبض على المعتمد إذ كان هو كبش كتيبتها وعين أعيانها وواسطة نظمها فلم يزل أصحاب يوسف بن تاشفين يطوون تلك الممالك مملكة مملكة إلى أن دانت لهم الجزيرة بأجمعها فأظهروا في أول إمرتهم من النكاية في العدو والدفاع عن المسلمين وحماية الثغور ما صدق بهم الظنون وأثلج الصدور وأقر العيون فزاد حب أهل الأندلس لهم واشتد خوف ملوك الروم منهم ويوسف بن تاشفين في ذلك كله يمدهم في كل ساعة بالجيوش بعد الجيوش والخيل إثر الخيل ويقول في كل مجلس من مجالسه إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم لما رأينا استيلاءهم على أكثرها وغفلة ملوكهم وإهمالهم للغزو وتواكلهم وتخاذلهم وإيثارهم الراحة وإنما همة أحدهم كأس يشربها وقينة تسمعه ولهو يقطع به أيامه ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم في طول هذه الفتنة إلى المسلمين ولأملأنها عليهم يعني الروم خيلا ورجالا لا عهد لهم بالدعة ولا علم عندهم برخاء العيش إنما هم أحدهم فرس يروضه ويستفرهه أو سلاح يستجيده أو صريخ يلبي دعوته في أمثال لهذا القول فبلغ ذلك ملوك النصارى فيزداد فرقهم ويقوى - مما بأيدي المسلمين بل مما بأيديهم - بأسهم.
وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها ولم يختلف عليه شيء منها عد من يومئذ في جملة الملوك واستحق اسم السلطنة وتسمى هو وأصحابه بالمرابطين وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك لأن جزيرة الأندلس هي حاضرة المغرب الأقصى وأم قراه ومعدن الفضائل منه فعامة الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها ومعدودون منها فهي مطلع شموس العلوم وأقمارها ومركز الفضائل وقطب مدارها أعدل الأقاليم هواء وأصفاها جوا وأعذبها ماء وأعطرها نبتا وأنداها ظلالا وأطيبها بكرا مستعذبة وآصالا.
أرض يطير فؤادي من قرارته ... شوقا لها ولمن فيها من الناس
قوم جنيت جنى ورد بذكرهم ... فهل بلقياهم أجني جنى آس؟
فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم.
أعيان الكتاب في دولة المرابطين
واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار فممن كتب لأمير المسلمين يوسف كاتب المعتمد على الله أبو بكر المعروف بابن القصيرة أحد رجال الفصاحة والحائز قصب السبق في البلاغة كان على طريقة قدماء الكتاب من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفوا من غير استدعاء رأيت له عن المعتمد رسائل تدل على ما وصفته به ليس على خاطري منها شيء.
وزارة ابن عبدون
ثم كتب له أو لابنه بعد أبي بكر هذا الوزير الأجل أبو محمد عبد المجيد بن عبدون قد تقدم من نعته ما أغنانا عن تكراره ههنا وكان يكتب قبل من كتب له منهما للأمير سير بن أبي بكر بن تاشفين وهو الذي دخل على المعتمد على الله أشبيلية فلم يزل يكتب له إلى أن اتصل بأمير المسلمين باستدعاء منه له.
من رسائله عنه إلى أمير المسلمين رسالة يخبر فيها بفتح مدينة شنترين - أعادها الله - وكان سير هذا هو الذي تولى فتحها فكتب عنه أبو محمد كتابا: أدام الله أمر أمير المسلمين وناصر الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين خافقة بنصرة الدين أعلامه نافذة في السبعة الأقاليم أقلامه من داخل مدينة شنترين وقد فتحها الله تعالى بحسن سيرتك ويمن نقيبتك على المسلمين.
والحمد لله رب العالمين حمدا يستغرق الألفاظ الشارحة معناه ويسبق الألحاظ الطامحة أدناه لا يرد وجهه نكوص ولا يحد كنهه تخصيص ولا يحزره بقبض ولا ببسط مثال ولا تخمين ولا تحصره بخط ولا بعقد شمال ولا يمين ولا يسعه أمد يحويه ولا يقطعه أبد يستوفيه ولا يجمعه عدد يحصيه إذا سبقت هواديه لحقت تواليه.

(1/46)


وعلى محمد عبده وأمين وحيه الصادع بأمره ونهيه نظام الأمة وإمام الأئمة سر آدم من بنيه وفخر العالم ومن فيه صلاة تامة نقضيها وتحية عامة نؤديها ترفض ارفضاض الزهر من كمامه وتنفض انفضاض المسك من ختامه فلقد صدع بتوحيده وجمع على وعده ووعيده وأوضح الحق وجلاه ونصح الخلق وهداه إلا من حقت عليه كلمة العذاب وسبقت له الشقوة في أم الكتاب.
وأظهر العزيز - عزت أسماؤه وجلت كبرياؤه - دينه على جميع الأديان على رغم من الصلبان ووقم من الأوثان وأنجز لنا - تعالى - وعده ونصرنا معه - صلى الله عليه وسلم - وبعده وجمع في هذه الجزيرة شمل الإسلام بعد انصرامه وانبتاته وقطع غيل الإشراك بعد انتصابه وثباته وأنزل الذين كفروا من أهل الكتاب بأيدينا من صياصيهم نأخذ بأقدامهم ونواصيهم.
وكانت قلعة شنترين - أدام الله أمر أمير المسلمين - من أحصن المعاقل للمشركين وأثبت المعاقل على المسلمين فلم نزل بسعيك الذي اقتفيناه وهديك الذي اكتفيناه نخضد شوكتها وننحت أثلتها ونتناولها عللا بعد نهل ونطاولها عجلا في مهل نخرف الحين بعد الحين سراة رجالها ونتطرف المرة بعد المرة حماة أبطالها ونخوض غمار كفاحهم وبحار صفاحهم إلى بسط أشباحهم وقبض أرواحهم ونهدي للقنا وصدورها رؤوسهم وإلى لظى وسعيرها نفوسهم وننقلهم من الشفار اليمانية إلى النار الحامية ونرفع بالجد والتشمير حجاب كيدهم الغامض ونضعضع باستخارة القديم القدير هضاب أيدهم الهائض ولما رأينا هذه القلعة الشريفة المناسب في القلاع المنيفة المناصب على البقاع قد استشرى داؤها وأعيا دواؤها استخرنا الله تعالى على صمدها وضرعنا إليه في تسهيل قصدها وسألناه ألا يكلنا إلى نفوسنا وإن كانت في صيانة ديانته مبذولة وعلى المكروه والمحبوب في ذاته محمولة فقصدنا إليها وهجمنا هجوم الردى عليها في وقت انسدت فيه أبواب السبل وأعيت أهلها بحول الله وجوه الحيل والدهر قد كشر عن أنيابه العصل وقام من الوحول والسيول على أثبت رجل فنزلنا بساحة القوم فساء صباحهم ذلك اليوم فلم نزل نصاولهم مصاولة المحتسب المؤتجر ونطاولهم مطاولة المرتقب لأمر الله المنتظر ونشن الغارات على جميع الجهات فترد جيوشنا عليهم خفافا وتصدر إلينا ثقالا فتملأ صدور الأعداء أوجالا وأيدي الأولياء أموالا وأمرنا بإقامة سوق سبيهم وأموالهم على مرأى ومسمع من نسائهم ورجالهم فازدادت ريحهم بذلك ركودا ونارهم خمودا.
ولما ضمهم لضيق ولاجه الحصار وغشيهم بتفريق أمواجه البوار وأحاط بهم البلاء واستشاط عليهم بغضب الجبار القضاء ولم يكن لليل بأسائهم سحر يتأمل ولا لورد ضرائهم صدر يؤمل اختاروا الدنية على المنية ورضوا بالاستسلام للعبودية وإسلام الأهل والذرية والسلامة من مدارج الكفن وموالج الجنن ولو بجريعة الذقن وكان القتل كما قدمنا قد أتى على صيد أعيانهم وصناديد فرسانهم فلم تبق إلا شرذمة قليلة وعصبة ذليلة لا تضر حياتهم موحدا ولا تسر نجاتهم ملحدا نقلناهم من يمين المنون إلى شمال الهون ومن أليم الحصار إلى لئيم الإسار وكانوا سألونا الإبقاء عليهم فأجبناهم بعد أن قدموا من الخضوع صدقة بين يدي نجواهم ووهبنا أولاهم لأخراهم وجعلنا العفو عنهم تطريقا لسواهم ممن يتقيل صنيعهم إذا نحن غدا بإذن الله حاصرناهم.
وهذه القلعة التي انتهينا إلى قرارها واستولينا على أقطارها أرحب المدن أمدا للعيون وأخصبها بلدا في السنين لا يريمها الخصب ولا يتخطاها ولا يرومها الجدب ولا يتعاطاها فروعها فوق الثريا شامخة وعروقها تحت الثرى راسخة تباهي بأزهارها نجوم السما وتناجي بأسرارها أذن الجوزا مواقع القطار في سواها مغبرة مربدة وهي زاهرة ترف أنداؤها ومطالع الأنوار في حشاها مقشعرة مسودة وهي ناضرة تشف أضواؤها وكانت في الزمن الغابر أعيت على عظيم القياصر فنازلها بأكثر من القطر عددا وحاولها بأوفر من البحر مددا فأبت على طاعته كل الإباء واستعصت على استطاعته أشد الاستعصاء ومردت مرود مارد على الزباء فأمكننا الله تعالى من ذروتها وأنزل ركابها لنا عن صهوتها.
ومن رسائله الإخوانيات رسالة كتب بها إلى أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال يخطب مودته ويستدعي من إخائه جدته:

(1/47)


أنا مع عمادي الأعظم - أدام الله علوه كعزيب - طواه الجهد وآواه من تهامة وهد وماله بريحها العقيم ولا بحرها المقعد المقيم عهد فرفضت به من سرابها المغرق وشرابها المحرق في حمام فأشرف من ذلك الجحيم وضرمه لولا تنفيس الرحيم عنه بكرمه فوأل إلى ربوة من رباها وسأل جبال فاران عن مهب صباها ليلتقط من أنفاسها بوساطة نجد بردا يهديه إلى حر الوجد فحيته ببليل من نسيمها العليل فأحيته بعد التعليل.
وأنا ما قصدت فيما خطبت به إليك لآخذ عليك بفضل الابتداء وإنما سلكت سبيل الاقتداء واتبعت دليل الاهتداء وأردت أن أستنير بأضوائك وأستثير من سمائك نجوما تهديني في غسق الظلام أو رجوما تعديني على مسترق سمع الكلام فإن سمح عمادي بالجواب ورجعه غالبت - بما حصل منه لدي ووصل إلي - الحمام في سجعه والأنصار في حسانها والإعصار في نيسانها وطيئا في وليدها وحبيبها وسعدا في خالدها وشبيبها وخرقت - بما أعار من مراح وأثار من ارتياح - جيب مخارق طربا ولم أدع لأبي العتاهية في المغرب وخفيفه المطرب أربا وطويت كشحا عن أغاريد عبيد وأضربت صفحا عن أناشيد لبيد وطالبت بلغاء العصر بالمثل المضروب في جمل مصر وقلت هذه القارة فراموها وأنصفوا وهذه الغاية فروموها أو نصفوا وإن كانت تؤمه البواهر ما انحلت في درجي ونجومه الزواهر ما حلت في برجي وإن كفي من جني ثماره لصفر وإن طرفي من سنا أقمارها لقفر وإني بضنه علي بدرة من بحره أو نفثة من سحره لبين ظنين لم أحصل من تحقيقهما على أثر ولا عين أحدهما قلت: إنه أخزى اسمي على خلده فلم يجدني في أنداده ولا بلده فقال: وما أنا وفلان وهل هو إلا من الغرب وإن كان بزعمه في الصميم من العرب وهل الغرب في الأقطار إلا كاللحق بين الأسطار والآخر ربما يقول: ما لا تقبله العقول إني لأنظر من فلان بأحد من نظر الزرقاء إلى أجل من خطر العنقاء وينشد قول أبي العلاء بن سليمان شاعر معرة النعمان:
أرى العنقاء تكبر أن تصادا
وأنا أقسم بالربيع الممطر وائتلاف أوانه والبقيع المزهر واختلاف ألوانه والشباب ودولته والمضراب وصولته والمثاني إذا نسقت والقناني وما وسقت وإن أقسمت من بعضها بيمين لا أتلقى رايتها بشمال ولا يمين - أن اسمي في البلغاء والفهما كاسم العنقاء في الأسما: اسم ما وقع على مسمى ولفظ ما دل على معنى فأين أقع مما تريد وكتابي بين يدي حمدي أو عتابي بريد؟ ينفض تهائم ظنوني أو ينقض تمائم جنوني وله الرأي العالي في الجواب على خطأ كنت من ظني أو صواب إن شاء الله عز وجل.
ومن سلامي على عمادي الأعظم وإمامي أحفله وأحفده وأجزله وأوفده والسلام الأتم عليه ورحمة الله وبركاته.
فراجعه الوزير أبو عبد الله برسالة لم يكتب مثلها في بابها أبدع فيها غاية الإبداع وإن كان فيها بعض تكلف تسمى هذه الرسالة الحولية منعني من إيرادها في هذا المرسوم ما فيها من الطول.
ولأبي محمد عبد المجيد المذكور إحسان قد اشتهر عندنا بتلك الأقطار شهرة الأمثال وسار ذكره فيها سير الجنوب والشمال.
واتصلت حال أمير المسلمين يوسف - كما ذكرنا - في إيثار الغزو وقمع ملوك الروم والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس إلى أن توفي في شهور سنة 493.
ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين
وقام بأمره من بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين وتلقب بلقب أبيه أمير المسلمين وسمي أصحابه المرابطين فجرى على سنن أبيه في إيثار الجهاد وإخافة العدو وحماية البلاد وكان حسن السيرة جيد الطوية نزيه النفس بعيدا عن الظلم كان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين وكان لا يقطع أمرا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء فكان إذا ولى أحدا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس.

(1/48)


ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم طول مدته فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا وانصرفت وجوه الناس إليهم فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم وفي ذلك يقول: أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بأبن البني من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس.
أهل الرياء لبستمو ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتمو الدنيا بمذهب مالك ... وقبضتمو الأموال بابن القاسم
وركبتمو شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم
وإنما عرض أبو جعفر هذا في هذه الأبيات بالقاضي أبي عبد الله محمد بن حمدين قاضي قرطبة وهو كان المقصود بهذه الأبيات ثم هجاه بعد هذا صريحا بأبيات أولها:
أدجال هذا أوان الخروج ... ويا شمس لوحي من المغرب
يريد ابن حمدين أن يعتفي ... وجدواه أنأى من الكوكب
إذا سئل العرف حك أسته ... ليثبت دعواه في تغلب
في أمثال لهذه الأبيات وكان القاضي أبو عبد الله بن حمدين ينتسب إلى تغلب بن وائل.
ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع - أعني فروع مذهب مالك - فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه وأنه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد في أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي - رحمه الله - المغرب أمر أمير المسلمين بإحراقها وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء منها واشتد الأمر في ذلك.
أعيان الكتاب في عهد أبي الحسن
ولم يزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس وصرف عنايته إلى ذلك حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك كأبي القاسم بن الجد المعروف بالأحدب - أحد رجال البلاغة - وأبي بكر محمد ابن محمد المعروف بابن القبطرنة وأبي عبد الله بن أبي الخصال وأخيه أبي مروان وأبي محمد عبد المجيد بن عبدون المذكور آنفا في جماعة يكثر ذكرهم.
وكان من أنبههم عنده وأكبرهم مكانة لديه أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال وحق له ذلك إذ هو آخر الكتاب وأحد من انتهى إليه علم الآداب وله مع ذلك في علم القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب واليد الطولى.
فمما أختار له - رحمه الله - فصول من رسالة كتب بها مراجعا لبعض إخوانه عن رسالة وردت عليه منه يستدعي فيها منه شيئا من كلامه وهذا الرجل صاحب الرسالة هو أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب الذخيرة.
وصل من السيد المسترق والمالك المستحق - وصل الله إنعامه لديه كما قصر الفضل عليه - كتابه البليغ - واستدراجه المريغ فلولا أن يصلد زند اقتداحه ويرقد طرف افتتاحه وتنقبض يد انبساطه وتغبن صفقة اغتباطه للزمت معه مركز قدري وصنت سريرة صدري لكنه بنفثات سحره يسمع الصم ويستنزل العصم ويقتاد الصعب فيصحب ويستدر الصخور فتحلب.

(1/49)


ولما فجأني ابتداؤه وقرع سمعي نداؤه فرغت إلى الفكر وخفق القلب بين الأمن والحذر فطاردت من الفقر أوابد قفر وشوارد عفر تغبر في وجه سائقها ولا يتوجه اللحاق لوجيهها ولاحقها فعلمت أنها الإهابة والمهابة والإصابة والاسترابة حتى أيأستني الخواطر وأخلفتني المواطر إلا زبرجا يعقب جوادا وبهرجا لا يحتمل انتقادا وأنى لمثلي والقريحة مرجاة والبضاعة مزجاة ببراعة الخطاب وبزاعة الكتاب؟ ولولا دروس معالم البيان واستيلاء العفاء على هذا الشان لما فاز لمثلي فيه قدح ولا تحصل لي في سوقه ربح لكنه جو خال ومضمار جهال وهي حكمة الله في الخلق وقسمته للرزق وأنا - أعزك الله - أربأ بقدر الذخيرة عن هذه النتف الأخيرة وأرى أنها قد بلغت مداها واستوفت حلاها وأنا أخشى القدح في اختيارك والإخلال بمختارك وعلى ذلك فوالله ما من عادتي أن اثبت ما أكتب في رسم ينقل ولا في وضع المراتب عندنا مخاطب يتحفز له ويحتفل وإنما هو عفو فكر ويسير ذكر.
وعذرا - أعزك الله - فإني خططت ما خططته والنوم مغازل والقر منازل والريح تلعب بالسراج وتصول عليه صولة الحجاج فطورا تسدده سنانا وتارة تحركه لسانا وآونة تطويه حبابة وأخرى تنشره ذؤابة وتقيمه إبرة لهب وتعطفه برة ذهب أو حمة عقرب وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات وتسلطه على سليطه وتزيله عن خليطه وتخلعه نجما وتمده رجما وتسل روحه من ذباله وتعيده إلى حاله وربما نصبته أذن جواد ومسخته حدق جراد ومشقته حروفا برق بكف ودق ولثمت بسناه قنديله وألقت على أعطافه منديله فلا حظ منه للعين ولا هداية في الطرس لليدين والليل زنجي الأديم تبري النجوم قد جللنا ساجه وأغرقتنا أمواجه فلا مجال للحظ ولا تعارف إلا بلفظ لو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت أو خضبت به الشيبة لما نصلت والكلب قد صافح خيشومه ذنبه وأنكر البيت وطنبه والتوى التواء الحباب واستدار استدارة الحباب وجلده الجليد وصعد أنفاسه الصعيد فحماه مباح ولا هرير ولا نباح والنار كالرحيق أو كالصديق كلاهما عنقاء مغرب أو نجم مغرب استوى الفصل ولك في الإغضاء الفضل والسلام.
ولأبي عبد الله هذا ديوان رسائل يدون بأيدي أدباء أهل الأندلس قد جعلوه مثالا يحتذونه ونصبوه إماما يقتفونه منعني من إيراد ما أختار له من ذلك خوف الخروج إلى التطويل الممل والإكثار المخل.
فلم يزل أبو عبد الله هذا وأخوه كاتبين لأمير المسلمين إلى أن أخر أمير المسلمين أبا مروان عن الكتابة لموجدة كانت منه عليه سببها أنه أمره وأخاه أبا عبد الله أن يكتبا عنه إلى جند بلنسية حين تخاذلوا وتواكلوا حتى هزمهم ابن رذمير - لعنه الله - هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة عظيمة فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن يحفظوها أحسن فيها ما شاء منعني من إيرادها ما فيها من الطول وكتب أبو مروان رسالة في ذلك الغرض افحش فيها على المرابطين وأغلظ لهم في القول أكثر من الحاجة فمن فصولها قوله: أي بني اللئيمة وأعيار الهزيمة إلام يزيفكم الناقد ويردكم الفارس الواحد فليت لكم بارتباط الخيول ضأنا لها حالب قاعد لقد آن أن نوسعكم عقابا وألا تلوثوا على وجه نقابا وأن نعيدكم إلى صحرائكم ونطهر الجزيرة من رحضائكم.
في أمثال لهذا القول فأحنق ذلك أمير المسلمين وأخره عن كتابته وقال: لأبي عبد الله أخيه كنا في شك من بغض أبي مروان المرابطين والآن قد صح عندنا فلما رأى ذلك أبو عبد الله استعفاه فأعفاه ورجع إلى قرطبة بعد ما مات أخوه أبو مروان بمراكش وأقام هو بقرطبة إلى أن استشهد في داره - رحمه الله - أول الفتنة الكائنة على المرابطين.
اختلال أحوال المرابطين
واختلت حال أمير المسلمين - رحمه الله - بعد الخمسمائة اختلالا شديدا فظهرت في بلاده مناكر كثيرة وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد ودعواهم الاستبداد وانتهوا في ذلك إلى التصريح فصار كل منهم يصرح بأنه خير من علي أمير المسلمين وأحق بالأمر منه!.

(1/50)


واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ومسوفة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغافله ويقوى ضعفه وقنع باسم إمرة المسلمين وبما يرفع إليه من الخراج وعكف على العبادة والتبتل فكان يقوم الليل ويصوم النهار مشتهرا عنه ذلك وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس وكادت تعود إلى حالها الأول لا سيما منذ قامت دعوة ابن تومرت بالسوس.
محمد بن تومرت وبداية أمر الموحدين
ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمى بالمهدي وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس
ولما كانت سنة 515 قام بسوس محمد بن عبد الله بن تومرت في صورة آمر بالمعروف ناه عن المنكر.
ومحمد هذا رجل من أهل سوس مولده بها بضيعة منها تعرف بإيجلي أن وارغن - وهو من قبيلة تسمى هرغة - من قوم يعرفون بأيسرغينن وهم الشرفاء بلسان المصامدة ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وجدت بخطه وكان قد رحل إلى المشرق في شهور سنة 501 في طلب العلم وانتهى إلى بغداد ولقي أبا بكر الشاشي فأخذ عليه شيئا من أصول الفقه وأصول الدين وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار ونظرائه من المحدثين وقيل إنه لقي أبا حامد الغزالي بالشام أيام تزهده فالله أعلم.
وحكي أنه ذكر للغزالي ما فعل أمير المسلمين بكتبه التي وصلت إلى المغرب من إحراقها وإفسادها وابن تومرت حاضر ذلك المجلس فقال: الغزالي حين بلغه ذلك ليذهبن عن قليل مكه وليقتلن ولده وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا وكان ابن تومرت يحدث نفسه بالقيام عليهم فقوى طمعه.
وكر راجعا إلى الأسكندرية فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضت إلى أن نفاه متولي الإسكندرية عن البلاد فركب البحر فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن ألقاه أهل السفينة في البحر فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر وعظم في صدورهم ولم يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية فأظهر بها تدريس العلم والوعظ واجتمع عليه الناس ومالت إليه القلوب فأمره صاحب بجاية بالخروج عنها حين خاف عاديته فخرج منها متوجها إلى المغرب فنزل بضيعة يقال لها ملالة على فرسخ من بجاية وبها لقيه عبد المؤمن بن علي وهو إذ ذاك متوجه إلى المشرق في طلب العلم فلما رآه محمد بن تومرت عرفه بالعلامات التي كانت عنده وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خط الرمل مع أنه وقع بالمشرق على ملاحم من عمل المنجمين وجفور من بعض خزائن خلفاء بني العباس أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن وما كان يحدث به نفسه.
وبلغني من طرق صحاح أنه لما نزل ملالة - الضيعة التي تقدم ذكرها - سمع وهو يقول: ملالة! ملالة! يكررها على لسانه يتأمل أحرفها وذلك لما كان يراه أن أمره يقوم من موضع في اسمه ميم ولا مان فكان - كما ذكرنا - إذا كررها يقول: ليست هي!.
وأقام بهذه الضيعة أشهرا وبها مسجد يعرف به وهو باق إلى اليوم لا أدري أبني على عهده أو بعده.
فاستدعى عبد المؤمن وخلا به وسأله عن اسمه واسم أبيه ونسبه فتسمى له وانتسب وسأله عن مقصده فأخبره أنه راحل في طلب العلم إلى المشرق فقال: له ابن تومرت أو خير من ذلك قال: وما هو قال: شرف الدنيا والآخرة تصحبني وتعينني على ما أنا بصدده من إماتة المنكر وإحياء العلم وإخماد البدع فأجابه عبد المؤمن إلى ما أراده.
وأقام ابن تومرت بملالة أشهرا ثم رحل عنها وصحبه من أهلها رجل اسمه عبد الواحد يعرفه المصامدة بعبد الواحد الشرقي وهو أول من صحبه بعد عبد المؤمن وخرج متوجها إلى المغرب.
وقيل إنه إنما لقي عبد المؤمن بموضع يعرف بفنزارة من بلاد متيجة - وعبد المؤمن يعلم صبيان القرية المذكورة - فسأله ابن تومرت صحبته والقراءة عليه وإعانته بعد أن عرفه بالعلامات كما قد تقدم.

(1/51)


وبهذه القرية له حكاية طريفة وذلك أنه رأى وهو بها في المنام كأنه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفة واحدة قال: ثم زاد أكلي على أكله وأحسست من نفسي شرها إلى الطعام ولم يزل ذلك بي إلى أن اختطفت الصحفة من بين يديه وانفردت بها فلما انتبه قص الرؤيا على رجل كان يقرأ عليه - اسمه عبد المنعم بن عشير يكنى أبا محمد كان يقرأ عليه - فلما أتى على آخرها قال: يا بني يا عبد المؤمن هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك إنما هي لرجل ثائر يثور على أمير المسلمين فيشاركه في بعض بلاده ثم يغلبه بعد ذلك عليها كلها وينفرد بمملكتها!.
واتفق له فيها أيضا من العجائب التي تثبت في باب الكلم الموافقة للقدر أن رجلا من وجوه أصحاب الملك العزيز بن المنصور الصنهاجي صاحب بجاية والقلعة وجد عليه الملك العزيز فاشتد خوفه فهرب منه إلى هذه الضيعة التي كان فيها عبد المؤمن فكان معه بها يعلم الصبيان وانتهت حال ذلك الرجل إلى غاية الإقلال ثم اتفق أن صاحبه رضي عنه فبلغه ذلك فسار إلى بجاية فدخل عليه فسأله أين كنت في هذه الأيام؟ فأخبره بقصته وكيف كان الصبيان يحيونه بالكسر! فضحك وقال: الضيعة لك وما والاها! وأمر له بمال ومركب وثياب فخرج الرجل إلى الضيعة في خيل ورجال معه وخرج إليه أهلها يتلقونه فأتى الصبيان عبد المؤمن وهو قاعد بفناء المسجد فقالوا له أتعرف من هذا الذي اهتزت له هذه الأرض؟ قال: لا! قالوا هو فلان صاحبك الذي كان يعلمنا معك! فقال: إن كانت حالة فلان انتهت إلى هذا فلا بد أن أكون أنا غدا أمير المؤمنين فكان الأمر كما قال ووافقت كلمته القدر.
وخرج ابن تومرت - كما ذكرنا - متوجها إلى المغرب حتى أتى مدينة تلمسان فأقام بمسجد بظاهرها يعرف بالعباد جاريا على عادته وكان قد وضع له في النفوس هيبة وفي الصدور عظمة فلا يراه أحد إلا هابه وعظم أمره وكان شديد الصمت كثير الانقباض إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلم بكلمة.
أخبرني بعض أشياخ تلمسان عن رجل من الصالحين كان معتكفا معه بمسجد العباد أنه خرج عليهم ذات ليلة بعد ما صلى العتمة فنظر إليهم وقال: أين فلان؟ - لرجل كان يصحبهم - فأخبروه أنه مسجون فقام من وقته ودعا برجل منهم يمشي بين يديه حتى أتى باب المدينة فدق على البواب دقا عنيفا واستفتح فأجابه البواب إلى الفتح بسرعة من غير تلكؤ ولا إبطاء ولو استفتح أمير البلد لتعذر ذلك عليه ودخل حتى أتى السجن فابتدر إليه السجانون والحرس يتمسحون به ونادى: يا فلان! باسم صاحبهم فأجابه: فقال: اخرج! فخرج والسجانون ينظرون إليه كأنما أفرغ عليهم الماء الحار وخرج بصاحبه حتى أتى المسجد وكانت هذه عادته في كل ما يريد لا يتعذر عليه مراد ولا يمتنع عليه مطلوب قد سخرت له الرعية وذللت له الجبابرة.
ولم يزل مقيما بتلمسان - وكل من بها يعظمه من أمير ومأمور - إلى أن فصل عنها بعد أن استمال وجوه أهلها وملك قلوبها فخرج قاصدا مدينة فاس فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريق الاشعرية وكان أهل المغرب - على ما ذكرنا - ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه شديدا أمرهم في ذلك فجمع والي المدينة الفقهاء وأحضره معهم فجرت له مناظرة كان له الشفوف فيها والظهور لأنه وجد جوا خاليا وألقى قوما صياما عن جميع العلوم النظرية خلا علم الفروع فلما سمع الفقهاء كلامه أشاروا على والي البلد بإخراجه لئلا يفسد عقول العوام فأمره والي البلد بالخروج: فخرج متوجها إلى مراكش.
ابن تومرت في حضرة ابن تاشفين
وكتب بخبره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فلما دخلها أحضر بين يديه وجمع له الفقهاء للمناظرة فلم يكن فيهم من يعرف ما يقول: حاشا رجل من أهل الأندلس اسمه مالك بن وهيب كان قد شارك في جميع العلوم إلا أنه كان لا يظهر إلا ما ينفق في ذلك الزمان وكانت لديه فنون من العلم رأيت له كتابا سماه قراظة الذهب في ذكر لئام العرب ضمنه لئام العرب في الجاهلية والإسلام وضم إلى ذلك ما يتعلق به من الآداب فجاء الكتاب لا نظير له في فنه رأيته في خزانة بني عبد المؤمن.

(1/52)


ولمالك بن وهيب هذا تحقق بكثير من أجزاء الفلسفة رأيت بخطه كتاب الثمرة لبطليموس في الأحكام وكتاب المجسطي في علم الهيئة وعليه حواش بتقييده أيام قراءته إياه على رجل من أهل قرطبة اسمه حمد الذهبي.
ولما سمع مالك هذا كلام محمد بن تومرت استشعر حدة نفسه وذكاء خاطره واتساع عبارته فأشار على أمير المسلمين بقتله وقال: هذا رجل مفسد لا تؤمن غائلته ولا يسمى كلامه أحد إلا مال إليه وإن وقع هذا في بلاد المصامدة ثار علينا منه شر كثير! فتوقف أمير المسلمين في قتله وأبى ذلك على دينه - وكان رجلا صالحا مجاب الدعوة - يعد في قوام الليل وصوام النهار إلا أنه كان ضعيفا مستضعفا ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة وفواحش شنيعة من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور وكان كل شرير من لص أو قاطع طريق ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له ووزرا على ما تقدم.
فلما يئس مالك مما أراده من قتل ابن تومرت أشار عليه بسجنه حتى يموت فقال: أمير المسلمين علام نأخذ رجلا من المسلمين نسجنه ولم يتعين لنا عليه حق؟ وهل السجن إلا أخو القتل؟ ولكن نأمره أن يخرج عنا من البلد وليتوجه حيث شاء!.
فخرج هو وأصحابه متوجها إلى سوس فنزل بموضع منها يعرف بتينمل.
بدء دعوة الموحدين
من هذا الموضع قامت دعوته وبه قبره ولما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة فشرع في تدريس العلم والدعاء إلى الخير من غير أن يظهر إمرة ولا طلبة ملك وألف لهم عقيدة بلسانهم وكان أفصح أهل زمانه في ذلك اللسان فلما فهموا معاني تلك العقيدة زاد تعظيمهم له وأشربت قلوبهم محبته وأجسامهم طاعته فلما استوثق منهم دعاهم إلى القيام معه أولا على صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غير ونهاهم عن سفك الدماء ولم يأذن لهم فيها وأقاموا على ذلك مدة وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة واستمالة رؤساء القبائل وجعل يذكر المهدي ويشوق إليه وجمع الأحاديث التي جاءت فيه من المصنفات فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته ادعى ذلك لنفسه وقال: أنا محمد بن عبد الله ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدي المعصوم وروى في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدي وبسط يده فبايعوه على ذلك وقال: أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله.
ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه أعز ما يطلب وعقائد في أصول الدين وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل إلا في إثبات الصفات فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها وكان يبطن شيئا من التشيع غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيء.
طبقات الموحدين
وصنف أصحابه طبقات فجعل منهم العشرة وهم المهاجرون الأولون الذين أسرعوا إلى إجابته - وهم المسمون بالجماعة - وجعل منهم الخمسين - وهم الطبقة الثانية - وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى وكان يسميهم المؤمنين ويقول لهم ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم وأنتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: " لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله " وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم ويقتل الدجال ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن مريم ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة هذا مع جزئيات كان يخبرهم بها وقع أكثرها وكان يقول: لو شئت أن أعد خلفاءكم خليفة خليفة.
فزادت فتنة القوم به وأظهروا له شدة الطاعة.
وقد نظم هذا الذي وصفناه من قول ابن تومرت في تخليد هذا الأمر رجل من أهل الجزائر - مدينة من أعمال بجاية - وفد على أمير المؤمنين أبي يعقوب وهو بتينمل فقام على قبر ابن تومرت بمحضر من الموحدين وأنشد قصيدة أولها:
سلام على قبر الإمام الممجد ... سلالة خير العالمين محمد
ومشبهه في خلقه ثم في اسمه ... وفي اسم أبيه والقضاء المسدد
ومحيي علوم الدين بعد مماتها ... ومظهر أسرار الكتاب المسدد
أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا ... بقسط وعدل في الأنام مخلد
ويفتتح الأمصار شرقا ومغربا ... ويملك عربا من مغير ومنجد

(1/53)


فمن وصفه أقنى وأجلى وأنه ... علاماته خمس تبين لمهتدي
زمان وإسم والمكان ونسبة ... وفعل له في عصمة وتأيد
ويلبث سبعا أو فتسعا يعيشها ... كذا جاء في نص من النقل مسند
فقد عاش تسعا مثل قول نبينا ... فذلكم المهدي بالله يهتدي
وتتبعه للنصر طائفة الهدى ... فأكرم بهم إخوان ذي الصدق أحمد
هي الثلة المذكور في الذكر أمرها ... وطائفة المهدي بالحق تهتدي
ويقدمها المنصور والناصر الذي ... له النصر حزب إذ يروح ويغتدي
هو المنتقي من قيس عيلان مفخرا ... ومن مرة أهل الجلال الموطد
خليفة مهدي الإله وسيفه ... ومن قد غدا بالعلم والحلم مرتدي
بهم يقمع الله الجبابرة الأولى ... يصدون عن حكم من الحق مرشد
ويقطع أيام الجبابرة التي ... أبادت من الإسلام كل مشيد
فيغزون أعراب الجزيرة عنوة ... ويعرون منها فارسا وكأن قد
ويفتتحون الروم فتح غنيمة ... ويقتسمون المال بالترس عن يد
ويغدون الدجال يغزونه ضحا ... يذيقونه حد الحسام المهند
ويقتله في باب لد وتنجلي ... شكوك أمالت قلب من لم يوحد
وينزل عيسى فيهم وأميرهم ... إمام فيدعوهم لمحراب مسجد
يصلي بهم ذاك الأمير صلاتهم ... بتقديم عيسى المصطفى عن تعمد
فيمسح بالكفين منه وجوههم ... ويخبرهم حقا بعز مجدد
وما إن يزال الأمر فيه وفيهم ... إلى آخر الدهر الطويل المسرمد
فأبلغ أمير المؤمنين تحية ... على النأي مني والوداد المؤكد
عليه سلام الله ماذر شارق ... وما صدر الوراد عن ورد مورد
وقد قيل: إن منشئ هذه القصيدة لم يحضر ذلك المشهد ولم ينشدها بنفسه منعته عن ذلك الكبرة وبعد الشقة وإنما أرسل بها فأنشدت على قبر الإمام وكان عمله إياها وعبد المؤمن حي فالله أعلم وهي طويلة هذا ما اخترت له منها ولم أوردها في هذا الموضع لأنها من مختار الشعر ولكن لموافقتها الفصل الذي قبلها.
ولم تزل طاعة المصامدة لابن تومرت تكثر وفتنتهم به تشتد وتعظيمهم له يتأكد إلى أن بلغوا في ذلك الحد إلى حد لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه لبادر إلى ذلك من غير إبطاء وأعانهم على ذلك وهونه عليهم ما في طباعهم من خفة سفك الدماء عليهم وهذا أمر جبلت عليه فطرهم واقتضاه ميل إقليمهم.
حكى أبو عبيد البكري الأندلسي ثم القرطبي في كتابه الموسوم ب المسالك والممالك عن رجال قال: أهديت إلى الإسكندر فرس ببعض بلاد الغرب لم تلد الخيل أسبق منها لم يكن فيها عيب إلا أنها لم يسمع لها صهيل قط فلما حل الإسكندر في تطوافه بجبال درن - وهي بلاد المصامدة - وشربت تلك الفرس من مياهها صهلت صهلة اصطكت منها الجبال فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره بذلك فكتب إليه أنها بلاد شر وقسوة فعجل الخروج منها!.
فهذه حال بلاد القوم وأما خفه سفك الدماء عليهم فقد شهدت أنا منه أيام كوني بسوس ما قضيت منه العجب.
الحرب بين المرابطين والموحدين
ولما كانت سنة 517 جهز جيشا عظيما من المصامدة جلهم من أهل تينمل مع من انضاف إليهم من أهل سوس وقال: لهم اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين فادعوهم إلى أماتة المنكر وإحياء المعروف وإزالة البدع والإقرار بالإمام المهدي المعصوم فإن أجابوكم فهم إخوانكم لكم مالهم وعليهم ما عليكم وإن لم يفعلوا فقاتلوهم فقد أباحت لكم السنة قتالهم.
وأمر على الجيش عبد المؤمن بن علي وقال: أنتم المؤمنون وهذا أميركم فاستحق عبد المؤمن من يومئذ اسم إمرة المؤمنين.

(1/54)


وخرجوا قاصدين مدينة مراكش فلقيهم المرابطون قريبا منها بموضع يدعى البحيرة بجيش ضخم من سراة لمتونة أميرهم الزبير بن علي بن يوسف ابن تاشفين فلما تراءى الجمعان أرسل إليهم المصامدة يدعونهم إلى ما أمرهم به ابن تومرت فردوا عليهم أسوأ رد وكتب عبد المؤمن إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بما عهد إليه محمد بن تومرت فرد عليه أمير المسلمين يحذره عاقبة مفارقة الجماعة ويذكره الله في سفك الدماء وإثاره الفتنة فلم يردع ذلك عبد المؤمن بل زاده طمعا في المرابطين وحقق عنده ضعفهم فالتقت الفئتان فانهزم المصامدة وقتل منهم خلق كثير ونجا عبد المؤمن في نفر من أصحابه فلما جاء الخبر لابن تومرت قال: أليس قد نجا عبد المؤمن قالوا نعم قال: لم يفقد أحد.
ولما رجع القوم إلى ابن تومرت جعل يهون عليهم أمر الهزيمة ويقرر عندهم أن قتلاءهم شهداء لأنهم ذابون عن دين الله مظهرون للسنة فزادهم ذلك بصيرة في أمرهم وحرصا على لقاء عدوهم ومن حينئذ جعل المصامدة يشنون الغارات على نواحي مراكش ويقطعون عنها مواد المعايش وموصول المرافق ويقتلون ويسبون ولا يبقون على أحد ممن قدروا عليه وكثر الداخلون في طاعتهم والمنحاشون إليهم وابن تومرت في ذلك كله يكثر التزهد والتقلل ويظهر التشبه بالصالحين والتشدد في إقامة الحدود جاريا في ذلك على السنة الأولى.
أخبرني من رآه - ممن أثق إليه - يضرب الناس على الخمر بالأكمام والنعال وعسب النخل متشبها في ذلك بالصحابة.
ولقد أخبرني بعض من شهده وقد أتى برجل سكران فأمر بحدة فقال: رجل من وجوه أصحابه يسمى يوسف بن سليمان لو شددنا عليه حتى يخبرنا من أين شربها لنحسم هذه العلة من أصلها! فأعرض عنه ثم أعاد عليه الحديث فأعرض عنه فلما كان في الثالثة قال: له أرأيت لو قال: لنا شربتها في دار يوسف بن سليمان ما نحن صانعون؟ فاستحيا الرجل وسكت ثم كشف على الأمر فإذا عبيد ذلك الرجل سقوه فكان هذا من جملة ما زادهم به فتنة وتعظيما إلى أشياء كان يخبر بها فتقع كما يخبر.
ولم يزل كذلك وأحواله صالحة وأصحابه ظاهرون وأحوال المرابطين المذكورين تختل وانتقاض دولتهم يتزيد إلى أن توفي ابن تومرت المذكور في شهور سنة 524 بعد أن أسس الأمور وأحكم التدبير ورسم لهم ما هم فاعلوه.
ذكر ولاية عبد المؤمن
ثم قام بالأمر من بعده عبد المؤمن بن علي وبايعه المصامدة واتفقت على تقديمه الجماعة وكان الذين سعوا في تقديمه وهيئوا ذلك له ثلاثة وهم من أهل الجماعة عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج وعمر ابن ومزال الذي كان اسمه قبل هذا فصكة فسماه ابن تومرت عمر يعرفونه بعمر إينتي وعبد الله بن سليمان من أهل تينمل من قبيلة يقال لها مسكالة ووافقهم على ذلك سائر أهل الجماعة وأهل خمسين وباقي الموحدين.
وصية ابن تومرت
وذلك أن ابن تومرت قبل موته بأيام يسيرة استدعى هؤلاء المسمين بالجماعة وأهل خمسين وهم - كما ذكرنا - من قبائل مفترقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة فلما حضروا بين يديه قام وكان متكئا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أنشأ يترضى عن الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم والعزيمة في أمرهم وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم وذكر من حد عمر رضي الله عنه ابنه في الخمر وتصميمه على الحق في أشباه لهذه الفصول ثم قال: فانقرضت هذه العصابة - نضر الله وجوهها وشكر لها سعيها وجزاها خيرا عن أمة نبيها - وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران والعالم متجاهلا مداهنا فلم ينتفع العلماء بعلمهم بل قصدوا به الملوك واجتلبوا به الدنيا وأمالوا وجوه الناس إليهم في أشباه لهذا القول إلى هاجرا:

(1/55)


ثم إن الله - سبحانه وله الحمد - من عليكم أيتها الطائفة بتأييده وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده وقيض لكم من ألفاكم ضلالا لا تهتدون وعميا لا تبصرون لا تعرفون معروفا ولا تنكرون منكرا قد فشت فيكم البدع واستهوتكم الأباطيل وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لساني عن النصق بها وأربأ بلفظي عن ذكرها فهداكم الله به بعد الضلالة وبصركم بعد العمى وجمعكم بعد الفرقة وأعزكم بعد الذلة ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين وسيورثكم أرضهم وديارهم ذلك بما كسبته أيديهم وأضمرته قلوبهم وما ربك بظلام للعبيد فجددوا لله - سبحانه خالص نياتكم وأروه من الشكر قولا وفعلا ما يزكي به سعيكم ويتقبل أعمالكم وينشر أمركم واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء وكونوا يدا واحدة على عدوكم فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم وكثر أتباعكم وأظهر الله الحق على أيديكم وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار واحتقرتكم العامة فخطفتكم الخاصة وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها وقد اخترنا لكم رجلا منكم وجعلناه أميرا عليكم هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه واختبرنا سريرته وعلانيته فرأيناه في ذلك كله ثبتا في دينه متبصرا في أمره وإني لأرجو ألا يخلف الظن فيه وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعا مطيعا لربه فإن بدل أو نكص على عقبه أو ارتاب في أمره ففي الموحدين أعزهم الله بركة وخير كثير والأمر أمر الله يقلده من شاء من عباده.
فبايع القوم عبد المؤمن ودعا لهم ابن تومرت ومسح وجوههم وصدورهم واحدا واحدا فهذا سبب إمرة عبد المؤمن - رحمه الله - ثم توفي ابن تومرت بعد عهده بيسير واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن.
فصل:
في حياة عبد المؤمن
وأعماله وعماله
وعبد المؤمن هذا هو عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي أمه حرة كومية أيضا من قوم يقال لها بنو مجبر مولده بضيعة من أعمال تلمسان تعرف بتاجرا وقيل إنه كان يقول: إذا ذكر كومية لست منهم وإنما نحن لقيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ولكومية علينا حق الولادة بينهم والمنشأ فيهم وهم الأخوال وهكذا أدركت من أدركت من أولاده وأولاد أولاده ينتسبون لقيس عيلان بن مضر وبهذا استجاز الخطباء أن يقولوا إذا ذكروه بعد ابن تومرت قسيمه رضي الله عنه في النسب الكريم.
كان مولده في آخر سنة 487 في أيام يوسف بن تاشفين وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة سنة ومدة ولايته من حين استوسق له الأمر بموت علي بن يوسف أمير المسلمين في سنة 37 على التحقيق إحدى وعشرين سنة إلى أن توفي في التاريخ المذكور.
وكان أبيض ذا جسم عمم تعلوه حمرة شديد سواد الشعر معتدل القامة وضيء الوجه جهوري الصوت فصيح الألفاظ جزل المنطق وكان محببا إلى النفوس لا يراه أحد إلا أحبه بديهة وبلغني أن ابن تومرت كان ينشد كلما رآه:
تكاملت فيك أخلاق خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط
فالسن ضاحكة والكف مانحة ... والصدر منشرح والوجه منبسط
أولاده
وكان له من الولد ستة عشر ذكرا وهم محمد وهو أكبر ولده وولي عهده وهو الذي خلع وعلي وعمر ويوسف وعثمان وسليمان ويحيى وإسماعيل والحسن والحسين وعبد الله وعبد الرحمن وعيسى وموسى وإبراهيم ويعقوب.
وزراؤه

(1/56)


وزر له في أول الأمر أبو حفص عمر أزناج إلى ان استقر الأمر واستقل عبد المؤمن فأجلى أبا حفص هذا عن الوزارة وربأ بقدره عنها إذ كان عندهم فوق ذلك واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية فجمع بين الوزارة والكتابة فهو معدود في الكتاب والوزراء فلم يزل عبد المؤمن بجمعهما له إلى أن افتتحوا بجاية فاستكتب عبد المؤمن من أهلها رجلا من نبهاء الكتاب يقال له أبو القاسم القالمي وسيأتي ذكره في كتابه واستمرت وزارة أبي جعفر إلى أن قتله عبد المؤمن في شهور سنة 553 واستصفى أمواله ثم وزر له عبد السلام الكومي وكان يدعى المقرب لشدة تقريب عبد المؤمن إياه فاستمرت وزارة عبد السلام هذا إلى أن أرسل إليه عبد المؤمن من قتله خنقا في شهور سنة 557 ثم وزر له ابنه عمر إلى أن توفي عبد المؤمن.
كتابه
أبو جعفر أحمد بن عطية المذكور في الوزراء كان قبل اتصاله بعبد المؤرن وفي الدولة اللمتونية يكتب لعلي بن يوسف في آخر أيامه وكتب عن تاشفين بن علي بن يوسف فلما انقرض أمرهم هرب وغير هيئته وتشبه بالجند وكان محسنا للرمي وكان في الجند الذين خرجوا إلى سوس لقتال ثائر قام هناك كان الأمير على هذا الجند أبو حفص عمر إينتي المتقدم الذكر في أهل الجماعة فلما انهزم أصحاب ذلك الثائر وقتل هو وانفضت تلك الجموع طلب أبو حفص من يكتب عنه صورة هذه الكائنة إلى الموحدين الذين بمراكش فدل على أبي جعفر هذا ونبه على مكانه فاستدعاه وكتب عنه إلى الموحدين رسالة في شرح الحال أجاد في أكثرها ما شاء منعني من رسمها في هذا الموضع ما فيها من الطول فلما بلغت الرسالة عبد المؤمن استحسنها واستدعى أبا جعفر هذا واستكتبه وزاده إلى الكتابة الوزارة لما رآه من شجاعة قلبه وحصافة عقله فلم يزل وزيره كما ذكرنا إلى أن قتله في التاريخ الذي ذكر وكان سبب قتله - فيما بلغني - أنه كانت عنده بنت أبي بكر بن يوسف بن تاشفين التي تعرف ببنت الصحراوية وأخوها يحيى فارس المرابطين المشهور عندهم يعرف أيضا بيحيى بن الصحراوية فحظي يحيى هذا عند الموحدين وقودوه على من وحد من لمتونة ولم يزل وجيها عندهم مكرما لديهم - وكان خليقا بذلك - إلى أن نقلت عنه إلى عبد المؤمن أشياء كان يفعلها وأقوال كان يقولها أحنقته عليه فتحدث عبد المؤمن ببعض ذلك في مجلسه وربما هم بالقبض على يحيى هذا فرأى الوزير أبو جعفر أن يجمع بين المصلحتين من نصح أميره وتحذير صهره فقال: لأمرأته أخت يحيى المذكور قولي لأخيك يتحفظ وإذا دعوناه غدا فليعتل ويظهر المرض وإن قدر على الهروب واللحاق بجزيرة ميرقة فليفعل فأخبرته أخته بذلك فتمارض وأظهر أن ألما به فزاره وجوه أصحابه وسألوه عن علته فأسر إلى بعضهم - ممن كان يثق به - ما بلغه عن الوزير تخرج ذلك الرجل الذي أسر إليه فنقل ذلك كله بجملته إلى رجل من ولد عبد المؤمن فكان هذا هو السبب الأكبرفي قتل أبي جعفر المذكور وأمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بتقييد يحيى المذكور وسجنه فكان في سجنه إلى أن مات!.
ثم كتب له بعد أبي جعفر هذا أبو القاسم عبد الرحمن القالمي من أهل مدينة بجاية من ضيعة من أعمالها تعرف بقالم وكتب له معه أبو محمد عياش ابن عبد الملك بن عياش من أهل مدينة قرطبة.
قضاته
أبو محمد عبد الله بن جبل من أهل مدينة وهران من أعمال تلمسان ثم عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالمالقي لم يزل قاضيا له إلى أن توفي عبد المؤمن وصدرا من خلافة أبي يعقوب.
رجع الحديث إلى أخبار عبد المؤمن
وكان عبد المؤمن مؤثرا لأهل العلم محبا لهم محسنا إليهم يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته ويجري عليهم الأرزاق الواسعة ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم وقسم الطلبة طائفتين طلبة الموحدين وطلبة الحضر هذا بعد أن تسمى المصامدة بالموحدين لتسمية ابن تومرت لهم بذلك لأجل خوضهم في علم الاعتقاد الذي لم يكن أحد من أهل ذلك الزمان في تلك الجهة يخوض في شيء منه.
وكان عبد المؤمن في نفسه سري الهمة نزيه النفس شديد الملوكية كأنه كان ورثها كابرا عن كابر لا يرضى إلا بمعالي الأمور.

(1/57)


أخبرني الفقيه المتفنن أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر الوزير عن أبيه عن جده الوزير أبي جعفر قال: دخلت على عبد المؤمن وهو في بستان له قد أينعت ثماره وتفتحت أزهاره وتجاوبت على أغصانها أطياره وتكامل من كل جهة حسنه وهو قاعد في قبة مشرفة على البستان فسلمت وجلست وجعلت أنظر يمنة وشأمة متعجبا مما أرى من حسن ذلك البستان فقال: لي يا أبا جعفر أراك كثير النظر إلى هذا البستان! قلت: يطيل الله بقاء أمير المؤمنين والله إن هذا لمنظر حسن! فقال: يا أبا جعفر المنظر الحسن هذا؟ قلت: نعم فسكت عني فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أمر بعرض العسكر آخذي أسلحتهم وجلس في مكان مطل وجعلت العسكر تمر عليه قبيلة بعد قبيلة وكتيبة إثر كتيبة لا تمر كتيبة إلا والتي بعدها أحسن منها جودة سلاح وفراهة خيل وظهور قوة فلما رأى ذلك التفت إلي وقال: يا أبا جعفر هذا هو المنظر الحسن لا ثمارك وأشجارك.
ولم يزل عبد المؤمن - بعد وفاة ابن تومرت - يطوي الممالك مملكة مملكة ويدوخ البلاد إلى أن ذلت له البلاد وأطاعته العباد.
نهاية المرابطين وآخر من ولي الأمر منهم
وكان آخر ما استولى عليه من البلاد التي يملكها المرابطون مدينة مراكش دار ملك أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين وهذا بعد وفاة أمير المسلمين المذكور حتف أنفه في شهور سنة 537 وكان قد عهد في حياته إلى ابنه تاشفين فعاقته الفتنة عن تمام أمره ولم يتفق له ما أمله من استقلال ابنه تاشفين المذكور بشيء من الأمور.
وخرج تاشفين بعد وفاة أبيه قاصدا تلمسان فلم يتفق له من أهلها ما يريد فقصد مدينة وهران وهي على ثلاث مراحل من تلمسان فحاصره الموحدون بها فلما اشتد عليه الحصار خرج راكبا فرسا شهباء عليه سلاحه فاقتحم البحر حتى هلك ويقال إنهم أخرجوه من البحر وصلبوه ثم أحرقوه فالله أعلم بصحة ذلك.
فكانت ولاية تاشفين هذا من يوم وفاة أبيه إلى أن قتل كما ذكرنا بمدينة وهران ثلاثة أعوام إلا شهرين وكان قتله سنة 540 وكان طول هذه الولاية لا يستقر به قرار ولا تستقيم له حال تنبو به البلاد وتتنكر له الرعية فلم تزل هذه حاله إلى أن كان من أمره ما ذكر.
وبعد دخول عبد المؤمن - رحمه الله - مراكش طلب قبر أمير المسلمين وبحث عنه عبد المؤمن أشد البحث فأخفاه الله وستره بعد وفاته كما ستره في أيام حياته وتلك عادة الله الحسنى مع الصالحين المصلحين.
وانقطعت الدعوة بالمغرب لبني العباس بموت أمير المسلمين وابنه فلم يذكروا على منبر من منابرها إلى الآن خلا أعوام يسيرة بأفريقية كان قد ملكها يحيى بن غانية الثائر من جزيرة ميرقة على ما سيأتي بيانه.
وكانت مدة المرابطين - من حين نزولهم رحبة مراكش إلى أن انقرض ملكهم جملة واحدة بموت أمير المسلمين وابنه - نحوا من ست وسبعين سنة.
تغلب عبد المؤمن على بجاية وقلعة بني حماد
ولما دان لعبد المؤمن جميع أقطار المغرب الأقصى مما كان يملكه المرابطون على ما قدمنا وأطاعه أهلها جمع جموعا عظيمة وخرج من مراكش يقصد مملكة يحيى بن العزيز بن المنصور بن المنتصر الصنهاجي - وكان يملك بجاية وأعمالها - إلى موضع يعرف بسيوسيرات وهذا الموضع هو الحد فيما بينه وبين لمتمونة فقصده عبد المؤمن كما ذكرنا في شهور سنة 540 فحاصر عبد المؤمن بجاية وضيق عليها أشد التضييق فلما رأى يحيى بن العزيز أن لا طاقة له بدفاع القوم ولا يدان بمنعهم هرب في البحر حتى أتى مدينة بونة وهي أول حد بلاد إفريقية ثم خرج منها حتى أتى قسطنطينة المغرب فأرسل إليه عبد المؤمن - رحمه الله - بالجيوش فاستنزل وأتى به عبد المؤمن هذا بعد أن عاهد عبد المؤمن أن يؤمن يحيى في نفسه وأهله.
ودخل عبد المؤمن بجاية وملكها وملك قلعة بني حماد وهي معقل صنهاجة الأعظم وحرزهم الأمنع فيها نشأ ملكهم ومنها انبعث أمرهم.

(1/58)


وكان يحيى هذا وأبوه العزيز وجداه المنصور والمنتصر وجدهم الأكبر حماد من شيعة بني عبيد وأتباعهم والقائمين بدعوتهم ومن بلادهم أعني صنهاجة قامت دعوة بني عبيد وهم الذين أظهروها ونشروها ونصروها فلم يزل ملك بني حماد هؤلاء مستمرا ودولتهم قائمة وأمرهم نافذا لا ينازعهم أحد شيئا مما في أيديهم إلى أن أخرجهم من ذلك كله وملكه بأسره وضمه إلى مملكته أبو محمد عبد المؤمن بن علي في التاريخ الذي تقدم!.
ولما ملك عبد المؤمن بجاية والقلعة وأعمالها رتب من الموحدين من يقوم بحماية تلك البلاد والدفاع عنها واستعمل عليها ابنه عبد الله وكر راجعا إلى مراكش ومعه وفي جنده يحيى بن العزيز ملك صنهاجة وأعيان دولته فحين وصلوا إلى مراكش أمر لهم بالمنازل المتسعة والمراكب النبيلة والكسي الفاخرة والأموال الوافرة وخص يحيى من ذلك بأجزله وأسناه وأحفله ونال يحيى هذا عنده رتبة عالية وجاها ضخما وأظهر عبد المؤمن عناية به لا مزيد عليها.
بلغني من طرق عدة أن يحيى بن العزيز كان في مجلس عبد المؤمن يوما فذكروا تعذر الصرف فقال: يحيى أما أنا فعلي من هذا كلفة شديدة وعبيدي في كل يوم يشكون إلي ما يلقون من ذلك ويذكرون أن أكثر حوائجهم تتعذر لقلة الصرف وذلك أن عادتهم في بلاد المغرب أنهم يضربون أنصاف الدراهم وأرباعها وأثمانها والخراريب فيستريح الناس في هذا وتجري هذه الصروف في أيديهم فتتسع بياعاتهم فلما قام يحيى بن العزيز من ذلك المجلس أتبعه عبد المؤمن ثلاثة أكياس صروف كلها وقال: لرسوله قل له لا يتعذر عليك مطلوب ما دمت بحضرتنا إن شاء الله عز وجل!.
وأقام عبد المؤمن - رحمه الله - بمراكش مرتبا للأمور المختصة بالمملكة من بناء دور واتخاذ قصور وإعداد سلاح واستنزال مستعص وتأمين سبل وإحسان إلى رعية وما هذا سبيله.
فصل:
أحوال الأندلس بعد سقوط دولة المرابطين
فأما أحوال جزيرة الأندلس فإنه لما كان آخر دولة أمير المسلمين أبي الحسن علي بن يوسف اختلت أحوالها اختلالا مفرطا أوجب ذلك تخاذل المرابطين وتواكلهم وميلهم إلى الدعة وإيثارهم الراحة وطاعتهم النساء فهانوا على أهل الجزيرة وقلوا في أعينهم واجترأ عليهم العدو واستولى النصارى على كثير من الثغور المجاورة لبلادهم وكان أيضا من أسباب ما ذكرناه من اختلالها قيام ابن تومرت بسوس واشتغال علي بن يوسف به عن مراعاة أحوال الجزيرة.
ولما رأى أعيان بلاد تلك الجزيرة ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين اخرجوا من كان عندهم من الولاة واستبد كل منهم بضبط بلده وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى بعد انقطاع دولة بني أمية فأما بلاد أفراغة فاستولى عليها ملك ارغن - لعنه الله - وملك مع ذلك سرقسطة أعادها الله للمسلمين وكثيرا من أعمال تلك الجهات.
واتفق أمر أهل بلنسية ومرسية وجميع شرق الأندلس على تقديم رجل من أعيان الجند اسمه عبد الرحمن بن عياض وكان عبد الرحمن هذا من صلحاء أمة محمد وخيارهم بلغني عن غير واحد من أصحابه أنه كان مجاب الدعوة ومن عجائب أمره أنه كان أرق الناس قلبا وأسرعهم دمعة فإذا ركب وأخذ سلاحه لا يقوم له أحد ولا يستطيع لقاءه بطل كان النصارى يعدونه وحده بمائة فارس إذا رأوا رايته قالوا هذا ابن عياض! هذه مائة فارس! فحمى الله تلك الجهات ودفع عنها العدو ببركة هذا الرجل الصالح وانتشر له من الهيبة في صدور النصارى ما ردهم عن البلاد وأقام ابن عياض هذا بشرقي الأندلس يحفظ تلك البلاد ويذود عنها إلى أن توفي - رحمه الله - ونضر وجهه وشكر له سعيه لا أتحقق تاريخ وفاته.
وقام بأمر تلك الجهات بعده رجل اسمه محمد بن سعد المعروف عندهم بابن مردنيش كان محمد هذا خادما لابن عياض يحمل له السلاح ويتصرف بين يديه في حوائجه فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه الجند وأعيان البلاد فقالوا له إلى من تسند أمورنا وبمن تشير علينا؟ وكان له ولد فأشاروا به عليه فقال: إنه لا يصلح لأني سمعت أنه يشرب الخمر ويغفل عن الصلاة فإن كان ولا بد فقدموا عليكم هذا - وأشار إلى محمد بن سعد - فإنه ظاهر النجدة كثير الغناء ولعل الله أن ينفع به المسلمين!.
فاستمرت ولاية ابن سعد على البلاد إلى أن مات في شهور سنة 568.

(1/59)


وأما أهل المرية فأخرجوا من كان عندهم أيضا من المرابطين واختلفوا فيمن يقدمونه على أنفسهم فندبوا إليها القائد أبا عبد الله بن ميمون ولم يكن منهم إنما هو من أهل مدينة دانية فأبى عليهم وقال: إنما أنا رجل منكم ووظيفتي البحر وبه عرفت فكل عدو جاءكم من جهة البحر فأنا لكم به فقدموا على أنفسكم من شئتم غيري فقدموا على أنفسهم رجلا منهم اسمه عبد الله بن محمد يعرف بابن الرميمي فلم يزل عليها إلى أن دخلها عليه النصارى من البر والبحر فقتلوا أهلها وسبوا نساءهم وبنيهم وانتهبوا أموالهم في خير يطول ذكره.
وملك جيان وأعمالها إلى حصن شقورة وما والى تلك الثغور رجل اسمه عبد الله لا أعرف اسم أبيه هو معروف عندهم بابن همشك وربما ملك عبد الله هذا قرطبة أياما يسيرة.
وأقامت على طاعة المرابطين أغرناطة وأشبيلية.
فهذه جملة أحوال الأندلس في آخر دعوة المرابطين وفي ضمن هذه الجملة جزئيات من أخبار الحصون والقلاع والمدن الصغار أضربت عن ذكرها خوفا من الإطالة لأنها نكرة والتعريف بها مخرج إلى الطول.
وقام بمغرب الأندلس دعاة فتن ورءوس ضلالات فاستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة من جملتهم رجل اسمه أحمد بن قسي كان في أول أمره يدعي الولاية وكان صاحب حيل ورب شعبذة وكان مع هذا يتعاطى صنعة البيان وينتحل طريق البلاغة ثم ادعى الهداية بلغني ذلك عنه من طرق صحاح ثم لم يستقم له شيء مما أراد واختلف عليه أصحابه وكان قيامه بحصن مارتلة - وقد تقدم اسم هذا الحصن في أخبار الدولة العبادية - فأسلمه - كما ذكرنا - أصحابه واختلفوا عليه ودسوا إليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أخذه الموحدون قبضا باليد فعبروا به إلى العدوة فأتوا به عبد المؤمن - رحمه الله - فقال: له بلغني أنك ادعيت الهداية فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجران كاذب وصادق فأنا كنت الفجر الكاذب فضحك عبد المؤمن وعفا عنه ولم يزل بحضرته إلى أن قتله بعض أصحابه الذين كانوا معه بالأندلس ولابن قسي هذا أخبار قبيحة مضمونها الجراءة على الله سبحانه والتهاون بأمر الولاية منعني من ذكرها صرف العناية إلى ما هو أهم منها.
عبور الموحدين إلى الأندلس
ولما انتشرت دعوة المصامدة كما ذكرنا بالمغرب الأقصى تشوف إليهم أعيان مغرب الأندلس فجعلوا يفدون في كل يوم عليهم ويتنافسون في الهجرة إليهم فدخل في ملكهم كثير من جزيرة الأندلس كالجزيرة الخضراء ورندة ثم أشبيلية وقرطبة وأغرناطة وكان الذي فتح هذه البلاد الشيخ أبو حفص عمر إينتى المتقدم الذكر في أهل الجماعة واجتمع على طاعتهم أهل مغرب الأندلس.
فلما رأى عبد المؤمن ذلك جمع جموعا عظيمة وخرج يقصد جزيرة الأندلس فسار حتى نزل مدينة سبتة فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق وسماه هو جبل الفتح فأقام به أشهرا وابتني به قصورا عظيمة وبنى هناك مدينة هي باقية إلى اليوم ووفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة كأهل مالقة وأغرناطة ورندة وقرطبة وأشبيلية وما والى هذه البلاد وانضم إليها وكان له بهذا الجبل يوم عظيم اجتمع له وفي مجلسه فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله واستدعى الشعراء في هذا اليوم ابتداء ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم.
محمد بن حبوس الفاسي الشاعر
وكان على بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون فدخلوا فكان أول من أنشد أبو عبد الله محمد بن حبوس من أهل مدينة فاس وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعا وأحلى مهيعا فأنشد في ذلك اليوم قصيدة أجاد فيها ما أراد أولها:
بلغ الزمان بهديكم ما أملا ... وتعلمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه أن كان شيئا قابلا ... وجد الهداية صورة فتشكلا
لم يبق على خاطري منها أكثر من هذين البيتين.
ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة وكان حظيا عنده نال في أيامه ثروة وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب وكان في دولة لمتونة مقدما في الشعراء حتى نقلت إليهم عنه حماقات فهرب إلى الأندلس ولم يزل بها مستخفيا ينتقل من بلد إلى بلد حتى انتقلت الدولة المرابطية.

(1/60)


قرأ علي ابنه عبد الله من خط أبيه هذه الحكاية فقال: دخلت مدينة شلب من بلاد الأندلس ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئا فسألت عمن يقصد إليه فيها فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بابن الملح فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سحاءة ودواة فأعطانيهما فكتبت أبياتا أمتدحه بها وقصدت داره فإذا هو في الدهليز فسلمت عليه فرحب بي ورد علي أحست رد وتلقاني أحسن لقاء وقال: أحسبك غريبا! قلت: نعم فقال: لي من أي طبقات الناس أنت؟ فأخبرته أني من أهل الأدب من الشعراء ثم أنشدته الأبيات التي قلت: فوقعت منه أحسن موقع فأدخلني إلى منزله وقدم إلي الطعام وجعل يحدثني فما رأيت أحسن محاضرة منه فلما آن الانصراف خرج ثم عاد ومعه عبدان يحملان صندوقا حتى وضعه بين يدي ففتحه فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية فدفعها إلي وقال: هذه لك! ثم دفع إلي صرة فيها أربعون مثقالا وقال: هذه من عندي فتعجبت من كلامه وأشكل علي جدا وسألته من أين كانت هذه لي؟ فقال: لي سأحدثك إني أوقفت أرضا من جملة مالي للشعراء غلتها في كل سنة مائة دينار ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت البلاد فاجتمع هذا المال حتى سيق إليك وأما هذه فمن حر مالي يعني الأربعين دينار فدخلت عليه جائعا فقيرا وخرجت عنه شبعان غنيا.
الأصم المراوني الشاعر ابن الطليق
وأنشده في ذلك اليوم رجل من ولد الشريف الطليق المرواني كان شريفا من جهة أمه:
ما للعدا جنة أوقى من الهرب
فقال عبد المؤمن رافعا صوته إلى أين إلى أين؟ فقال الشاعر:
أين المفر وخيل الله في الطلب؟!
وأين يذهب من في رأس شاهقة ... وقد رمته سماء الله بالشهب؟!
حدث عن الروم في أقطار أندلس ... والبحر قد ملأ العبرين بالعرب
فلما أتم القصيدة قال: عبد المؤمن بمثل هذا تمدح الخلفاء فسمى نفسه خليفة كما ترى.
وجد هذا الشاعر هو الشريف الطليق طليق النعامة وإنما سمي بذلك لأنه كان محبوسا في مطبق أبي عامر محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور القائم بدعوة هشام المؤيد أقام في ذلك المحبس سنين فكتب يوما قصة يذكر فيها ما آلت إليه حاله من ضيق الحبس وضنك العيش فرفعت إلى ابن أبي عامر فأخذها في جملة رقاع ودخل إلى داره فجاءت نعامة كانت هناك فجعل يلقي إليها الرقاع فتبتلع شيئا ونلقي شيئا فألقى إليها رفعة هذا الشريف في جملة الرقاع وهو لم يقرأها فأخذتها ثم دارت وألقتها في حجره فرمى بها إليها ثانية فدارت القصر كله ثم جاءت وألقتها في حجره فرمى بها إليها ثالثة وفعلت ذلك مرارا فتعجب من ذلك وقرأ الرقعة وأمر بإطلاقه فسمي بذلك طليق النعامة!.
وأنشد في ذلك اليوم رجل من أهل أشبيلية يعرف بابن سيد ويلقب باللص:
غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل ... وانظر إلى الجبل الراسي على جبل
أنى أستقر به أنى استقل به ... أنى رأى شخصه العالي فلم يزل
فقال له عبد المؤمن لقد ثقلتنا يا رجل! فأمر به فاجلس وهذه القصيدة من خيار ما مدح به لولا أنه كدر صفوها بهذه الفاتحة.
الرصافي الرفاء الشاعر
وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرصافي كان مستوطنا مدينة مالقة:
لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور
من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها ... ليلا لسار ولم تشبب لمقرور
فيضية القدح من نور النبوة أو ... نور الهداية تجلو ظلمة الزور
ما زال يقضمها التقوى بموقدها ... صوام هاجرة قوام ديجور
حتجى أضاءت من الإيمان من قبس ... قد كان تحت رماد الكفر مكفور
نور طوى الله زند الكون منه على ... سقط إلى زمن المهدي مذخور
وآية كأيات الشمس بين يدي ... غزو على الملك القيسي منذور
يا دار دار أمير المؤمنين بسفح الط ... ود طود الهدى بوركت في الدور
ذات العمادين من عز ومملكة ... على الأساسين من قدس وتطهير

(1/61)


ما كان بانيك بآلواني الكرامة عن ... قصر على مجمع البحرين مقصور
مواطئ من نبي طالما وصلت ... فيها الخطا بين تسبيح وتكبير
حيث استقلت به نعلاه بوركتا ... فطيبت كل موطوء ومعبور
وحيث قامت قناة الدين ترفل في ... لواء نصر على البرين منشور
في كف منشمر البردين ذي ورع ... على التقى وصفاء النفس مفطور
يلقاك في حال غيب من سريرته ... بعالم القدس مشهود ومحضور
تسنم الفلك من سخط المرار وقد ... تؤدين يا خير أفلاك العلا سيري
فسرن يحملن أمر الله من ملك ... بالله مستنصر في الله منصور
يومي له بسجود كل محركة ... منها ويوليه حمدا كل تصرير
لما تسابقن في بحر الزقاق به ... تركن شطيه في شك وتحيير
أهز من موجه أثناء مسرور؟ ... أم خاض من لجه أحشاء مذعور؟
كأنه سالك منه على وشل ... في الأرض من مهج الأسياف مقطور
من السيوف التي ذابت لسطوته ... وقد رمى نار هيجاها بتسعير
ذو المنشآت الجواري في أجرتها ... شكل الغدائر في سدل وتضفير
أعدى المياه وأنفاس الرياح لها ... ما في سجاياه من لين وتعطير
من كل عذراء حبلى في ترائبها ... ردعان من عنبر ورد وكافور
نجالها بين أيد من مجاذفها ... يغرقن في مثل ماء الورد من جور
وربما خاضت التيار طائرة ... بمثل أجنحة الفتخ الكواسير
كأنما عبرت تختال عائمة ... في زاخر من يدي يمناه معصور
حتى رمت جبل الفتحين من كثب ... بساطع من سناه غير مبهور
لله: ما جبل الفتحين من جبل ... معظم القدر في الأجيال مذكور
من شامخ الأنف في سحنائه طلس ... له من الغيم جيب غير مزرور
معبرا بذراه عن ذرى ملك ... مستمطر الكف والأكناف ممطور
تمسي النجوم على إكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير
وربما مسحته من ذوائبها ... بكل فضل على فوديه مجرور
وأدرد من ثناياه بما أخذت ... منه مقاحم أعواد الدهارير
محنك حلب الأيام أشطرها ... وساقها سوق حادي العير للعير
مقيد الخطو جوال الخواطر في ... عجيب أمريه من ماض ومنظور
قد واصل الصمت والإطراق مفتكرا ... بادي السكينة مغبر الأسارير
كأنه مكمد مما تعبده ... خوف الوعيدين من دك وتسيير
أخلق به وجبال الأرض راجفة ... أن يطمئن غدا من كل محذور
كفاه فضلا أن انتابت مواطئه ... نعلا مليك كريم السعي مشكور
مستنشيا بهما ريح الشفاعة من ... ثرى إمام بأقصى الغرب مقبور
ما انفك آمل أمر منه بين يدي ... يوم القيامة محتوم ومقدور
حتى تصدى من الدنيا على رمق ... يستنجز الوعد قبل النفخ في الصور
مستقبل الجانب الغربي مرتقبا ... كأنه باهت في جو اسمير
لبارق من حسام سله قدر ... بالغرب من أفق البيض المشاهير
إذا تألق قيسيا أهاب به ... إلى شفى من مضاع الدين موتور
ملك أتى عظما فوق الزمان فما ... يمر فيه بشيء غير محقور
ما عن في الدين والدنيا له أرب ... إلا تأتي له من غير تعذير
ولا رمى من أمانيه إلى غرض ... إلا هدى سهمه نجح المقادير

(1/62)


حتى كأن له في كل آونة ... سلطان رق على الدنيا وتسخير
مميز الجيش ملتفا مواكبه ... من كل مثلول عرش الملك مقهور
من الأولى خضعوا قسرا له وعنوا ... لأمره بين منهي ومأمور
من بعد ما عاندوا أمر فما تركوا ... إذ أمكن العفو ميسورا لمعسور
بقية الحرب فاتوها وما بهم ... في الضرب والطعن سيماء لتقصير
لا ينكر القوم مما في أكفهم ... بيض مفاليل أو سمر مكاسير
إذا صدعت بأمر الله مجتهدا ... ضربت وحدك أعناق الجماهير
لا يذهبن لتقليل أخو سبب ... من الأمور ولا يركن لتكثير
فالبحر قد عاد من ضرب العصا يبسا ... والأرض قد غرقت من فور تنور
وإنما هو سيف الله قلده ... أقوى الهداة يدا في دفع محذور
فإن يكن بيد المهدي قائمة ... فموضع الحد منه حد مشهور
والشمس إن ذكرت موسى فما نسيت ... فتاه يوشع قماع الجبابير
وكان الرصافي يوم أنشد هذه القصيدة لم تكمل له عشرون سنة وهو من مجيدي شعراء عصره لا سيما في المقاطيع كالخمسة الأبيات فما دونها وقد رويت شعره عن جماعة ممن لقيه وقد رأيت أن أورد منه هاهنا نبذة يسيرة تدل على ما وصفناه به فمن ذلك قوله يصف نهر أشبيلية الأعظم وهو نهر لا نظير له في الدنيا:
ومهدل الشطين تحسب أنه ... متسايل من درة لصفائه
فاءت عليه مع الهجيرة سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه
فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدارع استلقى بظل لوائه
وله وقد اجتمع مع إخوان له في بعض العشايا في بستان رجل يقال له موسى بن رزق:
ما مثل موضعك ابن رزق موضع ... روض يرق وجدول يتدفع
فكأنما هو من محاجر عادة ... فالحسن ينبت في ثراه وينبع
وعشية بنا أمد السرور تألفا ... والليل نحو فراقنا يتطلع
فابلل بها رمق الغبوق فقد أتى ... من دون قرص الشمس ما يتوقع
سقطت فلم يملك نديمك ردها ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع
وله يصف عشية أيضا في موضع هذا الرجل المتقدم ذكره:
محل ابن رزق جر فيه ذيوله ... من المزن ساق يحسن الجر والسقيا
ذكرت عشيا فيك لا ذم عهده ... وإن نحن لم نهتع ببهجته لقيا
ولم يتعلق بي منك عند افتراقنا ... سوى عبق من مسك قينتك الدميا
وكنت أراني في الكرى وكأنني ... أناول كالدينار من ذهب الدنيا
فلما انطوى ذاك الأصيل وحسنه ... على ساعة من أنسنا صحت الرؤيا
وله يصف دولابا:
وذي حنين يكاد شوقا ... يختلس الأنفس اختلاسا
لما غدا للرياض جارا ... قال له المحل لا مساسا
يبتسم الروض حين يبكي ... بأدمع ما رأين باسا
من كل جفن يسل سيفا ... صار له غمده رئاسا
وله وقد رأى صبيا يتباكى ويجعل من ريقه على عينيه يحكى بذلك الدموع:
عذيري من جذلان يبدي كآبة ... وأضلعه مما يحاوله صفر
أميلد مياس إذا قاده الصبا ... إلى ملح الإدلال أيده السحر
يبل مآقي زهرتيه بريقه ... ويحكي البكا عمدا كما ابتسم الزهر
ويوهم أن الدمع بل جفونه ... وهل عصرت يوما من النرجس الخمر؟
وقال يصف نائما قد تحبب العرق على خده:
ومهفهف كالغصن إلا أنه ... سلب التثني النوم عن أثنائه
أضحى ينام وقد تحبب خده ... عرقا فقلت: الورد رش بمائه
وللرصافي هذا افتنان في الآداب وكان رحمه الله عفيف الطعمة نزيه النفس لا يحب أن يشتهر بالشعر مع إجادته في كثير منه.
وصل الحديث عن عبد المؤمن بن علي:

(1/63)


وأقام عبد المؤمن بجبل الفتح مرتبا للأمور ممهدا للمملكة وأعيان البلاد يفدون عليه في كل يوم إلى أن تم له ما أراد من إصلاح ما استولى عليه من جزيرة الأندلس.
فولي مدينة أشبيلية وأعمالها ابنه يوسف وهو الذي ولي الأمور بعده على ما سيأتي بيانه وترك معه بها من أشياخ الموحدين وذوي الرأي والتحصيل منهم من يرجع إليه في أموره ويعول عليه فيما ينويه.
وولي قرطبة وأعمالها أبا حفص عمر إينتي.
وولي غرناطة وأعمالها ابنه عثمان بن عبد المؤمن يكنى أبا سعيد وكان من نبهاء أولاده ونجبائهم وذوي الصرامة منهم وكان محبا في الآداب مؤثرا لأهلها يهتز للشعر ويثيب عليه اجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة ما علمتها اجتمعت لملك منهم بعده.
ثم كر عبد المؤمن راجعا إلى مراكش بعد ما ملأ ما ملكه من أقطار جزيرة الأندلس خيلا ورجالا من المصامدة والعرب وغيرهم من أصناف الجند.
منازل العرب الهلالية في المغرب والأندلس: وقد كان حين أراد العبور إلى جزيرة الأندلس استنفر أهل المغرب عامة فكان فيمن استنفره العرب الذين كانوا ببلاد يحيى بن العزيز وهم قبائل من هلال بن عامر خرجوا إلى البلاد حين خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب فعاثوا في القيروان عيثا شديدا أوجب خرابها إلى اليوم ودوخوا مملكة بني زيري بن مناد وهذا بعد موت المعز بن باديس فانتقل تميم إلى المهدية وسار هؤلاء العرب حتى نزلوا على المنصور بن المنتصر!.
فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد من تمرها وبرها وغير ذلك فأقاموا على ذلك باقي أيامه وايام ابنه الملقب بالعزيز وأيام يحيى إلى أن ملك البلاد أبو محمد عبد المؤمن - رحمه الله - فأزال ذلك من أيديهم وصيرهم جمدا له وأقطع رؤساءهم بعض تلك البلاد.
فكتب إليهم رسالة يستنفرهم إلى الغزو بجزيرة الأندلس وأمر أن تكتب في آخرها أبيات قالها - رحمه الله - في ذلك المعنى وهي:
أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل ... وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل
وقوموا لنصر الدين قومة ثائر ... وشدوا على الأعداء شدة صائل
فما العز إلا ظهر أجرد سابح ... يفوت الصبا في شده المتواصل
وأبيض مأثور كأن فرنده ... على الماء منسوج وليس بسائل
بني العم من عليا هلال بن عامر ... وما جمعت من باسل وابن باسل
تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية ... عواقبها منصورة بالأوائل
هي الغزوة الغراء والموعد الذي ... تنجز من بعد المدى المتطاول
بها تفتح الدنيا بها تبلغ المنى ... بها ينصف التحقيق من كل باطل
أهبنا بكم للخير والله حسبناوحسبكمو والله أعدل عادل
فما همنا إلا صلاح جميعكم ... وتسريحكم في ظل أخضر هاطل
وتسويغكم نعمى ترف ظلالها ... عليكم بخير عاجل غير آجل
فلا تتوانوا فالبدار غنيمة ... وللمدلج الساري صفاء المناهل
فاستجاب له منهم جمع ضخم فلما أراد الانفصال عن الجزيرة رتبهم فيها فجعل بعضهم في نواحي قرطبة وبعضهم في نواحي أشبيلية مما يلي مدينة شريش وأعمالها فهم بها باقون إلى وقتنا هذا - وهو سنة 621 - وقد انتشر من نسلهم بتلك المواضع خلق كثير وزاد فيهم أبو يعقوب وأبو يوسف حتى كثروا هنالك فبالجزيرة اليوم من العرب من زغبة ورياح وجشم بن بكر وغيرهم نحو من خمسة آلاف فارس سوى الرجالة.

(1/64)


وكان عبور عبد المؤمن - رحمه الله - إلى الجزيرة ونزوله بجبل الفتح في سنة 538 ثم كر - كما ذكرنا - راجعا إلى مراكش فأخبرني غير واحد ممن أرضى نقله أنه لما نزل مدينة سلا - وهي مدينة على البحر الأعظم المحيط ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر المذكور - عبر النهر وضربت له خيمة على الشاطئ وجعلت العساكر تعبر قبيلة بعد قبيلة فلما نظر إلى كثرة العدد وانتشار العالم خر ساجدا ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته والتفت إلى من عنده وقال: أعرف ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد فراموا عبور هذا النهر فأتوا صاحب القارب وبذلوا له الرغيف على أن يعبروا ثلاثتهم فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة فقال: لهم أحدهم - وكان شابا جلدا - خذ ثيابي معكما وأعبر أنا سباحة! فأخذا ثيابه معهما وصعدا في القارب فجعل الشاب يسبح فكلما أعيا دنا من القارب ووضع يديه عليه ليستريح فضربه صاحبه بالمجداف الذي معه حتى يؤلمه فما بلغ البر إلا بعد جهد شديد!.
فما شك السامعون للحكاية أنه العابر سباحة وأن الاثنين المذكورين هما: ابن تومرت وعبد الواحد الشرقي.
ثم سار حتى أتى مراكش فنزلها وأخذ في البناء والغراسة وترتيب القصور غر مخل بشيء مما تحتاج إليه المملكة من السياسة وتدبير الأمور وبسط العدل والتحبب إلى الرعية وإخافة من تجب إخافته.
وأخبرني السيد حقيقة والماجد خلقا وخليقة أبو زكريا يحيى ابن الإمام أمير المؤمنين أبي يعقوب ابن الإمام أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي أنه رأى على ظهر كتاب الحماسة بخط الخليفة عبد المؤمن هذين البيتين وقال لي - رحمه الله - لا أدري هما له أو لغيره:
وحكم السيف لا تعبأ بعاقبة ... وخلها سيرة تبقى على الحقب
فما تنال بغير السيف منزلة ... ولا ترد صدور الخيل بالكتب
وقد كان عبد المؤمن حين فصل عن بجاية وولي عليها ابنه عبد الله - حسبما تقدم - عهد إليه أن يشن الغارات على نواحي إفريقية وأن يضيق على تونس ويمنع عنها المرافق التي تصل إليها على طريقه ففعل ذلك.
غزو الموحدين لإفريقية
ثم إن عبد الله تجهز في جيش عظيم من المصامدة والعرب وغيرهم وسار حتى نزل على مدينة تونس - وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان وكرسي مملكتها ومقر تدبيرها وإياها يستوطن والي إفريقية لم يزل هذا معروفا من أمرها إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 - فحاصرها عبد الله المذكور وأخذ في قطع أشجارها وتغوير مياهها وكان الذي يملكها في ذلك الوقت لوجار بن لوجار المعروف بابن الدوقة الرومي صاحب صقلية - لعنه الله - وكان عامله عليها رجل من المسلمين اسمه عبد الله يعرف بابن خراسان لم يزل عاملا عليها حتى أخرجه الموحدون في التاريخ الذي سيذكر فلما طال على ابن خراسان الحصار أجمع رأيه ورأي أهل البلد من الجند على الخروج لقتال المصامدة ففعلوا ذلك وخرجوا بخيل ضخمة فالتقوا هم واصحاب عبد الله فانهزم أصحاب عبد الله وقتل منهم خلق كثير ورجع عبد الله ببقية أصحابه إلى بجاية فكتب إلى أبيه يخبره بذلك.
فتح المهدية
واسترجاعها من يد الصقليين

(1/65)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية