صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكامل في التاريخ
المؤلف : ابن الأثير
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ولما قتل ابن أبي الحوساء اجتمع الخوارج فولوا أمرهم حوثرة بن وداع ابن مسعود الأسدي، فقام فيهم وعاب فروة بن نوفل لشكه في تقال علي ودعا الخوارج وسار من براز الروز، وكان بها، حتى قدم النخيلة في مائة وخمسين، وانضم إليه فل ابن أبي الحوساء، وهم قليل، فدعا معاوية أبا حوشرة فقال له: اخرج إلى ابنك فلعله يرق إذا رآك. فخرج إليه وكلمه وناشده وقال: ألا أجيئك بابنك فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه؟ فقال: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أتقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني. فرجع أبوه فأخبر معاوية بقوله، فسير معاوية إليهم عبد الله بن عوف الأحمر في ألفين، وخرج أبو حوثرة فيمن خرج فدعا ابنه إلى البراز، فقال: يا أبه لك في غيري سعة. وقاتلهم ابن عوف وصبروا، وبارز حوثرة عبد الله بن عوف فطعنه ابن عوف فقتله وقتل أصحابه إلا خمسين رجلا دخلوا الكوفة، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين. ورأى ابن عوف بوجه حوثرة أثر السجود، وكان صاحب عبادة، فندم على قتله، وقال:
قتلت أخا بني أسد سفاها ... لعمر أبي فما لقيت رشدي
قتلت مصليا محياء ليل ... طويل الحزن ذا بر وقصد
قتلت أخا تقى لأنال دنيا ... وذاك لشقوتي وعثار جدي
فهب لي توبة يا رب واغفر ... لما قارفت من طإ وعمد
ذكر خروج فروة بن نوفل ومقتله
ثم إن فروة بن نوفل الأشجعي خرج على المغيرة بن شعبة بعد مسير معاوية، فوجه إليه المغيرة خيلا عليها شبث بن ربعي، ويقال: معقل بن قيس، فلقيه بشهرزور فقتله، وقيل قتل ببعض السواد.
ذكر شبيب بن بجرة
كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليا، فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرب إليه فقال: أنا وابن ملجم قتلنا عليا، فوثب معاوية من مجلسه مذعورا حتى دخل منزله وبعث إلى أشجع وقال: لئن رأيت شبيبا أو بلغني أنه ببابي لأهلكنكم، أخرجوه عن بلدكم، وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق أحدا إلا قتله، فلما ولي المغيرة الكوفة خرج عليه بالقف قريب الكوفة، فبعث إليه المغيرة خيلا عليها خالد بن عرفطة، وقيل: معقل ابن قيس، فاقتتلوا فقتل شبيب وأصحابه.
ذكر معين الخارجي
وبلغ المغيرة أن معين بن عبد الله يريد الخروج، وهو رجل من محارب، وكان اسمه معنا فصغر، فأرسل إليه، وعنده جماعة، فأخذ وحبس، وبعث المغيرة إلى معاوية يخبره أمره، فكتب إليه: إن شهد أني خليفة فخل سبيله. فأحضره المغيرة وقال له: أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين؟ فقال: أشهد أن الله، عز وجل، حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فأمر به فقتل، قتله قبيصة الهلالي، فلما كان أيام بشر بن مروان جلس رجل من الخوارج على باب قبيصة حتى خرج فقتله، ولم يعرف قاتله حتى خرج قاتله مع شبيب بن يزيد، فلما قدم الكوفة قال: يا أعداء الله أنا قاتل قبيصة!.
ذكر خروج أبي مريم
ثم خرج أبو مريم مولى بني الحارث بن كعب ومعه امرأتان: قطام وكحيلة، وكان أول من أخرج معه النساء، فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أدية، فقال: قد قاتل النساء مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومع المسلمين بالشام، وسأردهما، فردهما، فوجه إليه المغيرة جابرا البجلي، فقاتله فقتل أبو مريم وأصحابه ببادوريا.
ذكر خروج أبي ليلى
وكان أبو ليلى رجلا أسود طويلا، فأخذ بعضادتي باب المسجد بالكوفة وفيه عدة من الأشراف وحكم بصوت عال، فلم يعرض له أحد، فخرج وتبعه ثلاثون رجلا من الموالي، فبعث فيه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة اثنتين وأربعين.
ذكر استعمال المغيرة بن شعبة على الكوفة
وفيها استعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة ابن شعبة فقال له: استعملت عبد الله على الكوفة وأباه على مصر فتكون أميرا بين نابي الأسد. فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة. وبلغ عمرا ما قال المغيرة، فدخل على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الخراج فيغتال المال ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتقيك. فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة.

(2/110)


ولما ولي المغيرة الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري، وكان يكثر سب علي منبر الري، وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة، فأقره عليها، وغزا الديلم ومعه عبد الله بن الحجاج التغلبي، وقتل ديلميا وأخذ سلبه، فأخذه منه كثير، فناشده الله في رده عليه فلم يفعل، فاختفى له وضربه على وجهه بالسيف أو بعصا هشم وجهه، فقال:
من مبلغ أفناء خندف أنني ... أدركت طائلتي من ابن شهاب
أدركته ليلا بعقوة داره ... فضربته قدما على الأنياب
هلا خشيت وأنت عاد ظالم ... بقصور أبهر أسرتي وعقابي
ذكر ولاية بسر على البصرة
في هذه السنة ولي بسر بن أبي أرطأة البصرة.
وكان السبب في ذلك أن الحسن لما صالح معاوية أول سنة إحدى وأربعين وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وغلب عليها، فبعث إليه معاوية بسر ابن أبي أرطأة وأمره بقتل بني زياد بن أبيه، وكان زياد على فارس قد أرسله إليها علي بن أبي طالب، فلما قدم بسر البصرة خطب على منبرها وشتم عليا ثم قال: نشدت الله رجلا يعلم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني. فقال أبو بكرة: اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا. قال: فأمر به فخنق. فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه فمنعه. وأقطعه أبو بكرة مائة جريب، وقيل لأبي بكرة: ما حملك على ذلك؟ فقال: يناشدنا بالله ثم لا نصدقه؟ وأرسل معاوية إلى زياد: إن في يدك مالا من مال الله فأد ما عندك منه. فكتب إليه زياد: إنه لم يبق عندي شيء، ولقد صرفت ما كان عندي في وجهه، واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله عليه. فكتب إليه معاوية: أن أقبل ننظر فيما وليت فإن استقام بيننا أمر وإلا رجعت إلى مأمنك. فامتنع، فأخذ بسر أولاد زياد الأكابر، منهم: عبد الرحمن وعبيد الله وعباد، وكتب إلى زياد: لتقدمن على أمير المؤمنين أو لأقتلن بنيك. فكتب إليه زياد: لست بارحا من مكاني حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، وإن قتلت ولدي فالمصير إلى الله ومن ورائنا الحساب، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) الشعراء: 227. فأراد بسر قتلهم فأتاه أبو بكرة فقال: قد أخذت ولد أخي بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا، فليس لك عليهم ولا على أبيهم سبيل. وأجله أياما حتى يأتيه بكتاب معاوية، فركب أبو بكرة إلى معاوية، وهو بالكوفة، فلما أتاه قال له: يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال! قال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل بني أخي زياد. فكتب له بتخليتهم. فأخذ كتابه إلى بسر بالكف عن أولاد زياد، وعاد فوصل البصرة يوم الميعاد، وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس ينتظر بهم الغروب ليقتلهم، واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرو أبا بكرة إذ رفع لهم على نجيب أو برذون يكده، فوقف عليه ونزل عنه وألاح بثوبه وكبر وكبر الناس معه، فأقبل يسعى على رجليه فأدرك بسرا قبل أن يقتلهم، فدفع إليه كتاب معاوية، فأطلقهم.
وقد كان معاوية كتب إلى زياد حين قتل علي يتهدده، فقام خطيبا فقال: العجب من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ورئيس الأحزاب يتهددني، وبيني وبينه ابنا عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعني ابن عباس والحسن بن علي، في سبعين ألفا واضعي سيوفهم على عواتقهم! أما والله لئن خلص إلي ليجدني أحمز ضرابا بالسيف. فلما صالح الحسن معاوية وقدم معاوية الكوفة تحصن زياد في القلعة التي يقال لها قلعة زياد.
قول من قال في هذا: إن زيادا عنى ابن عباس، وهم لأن ابن عباس فارق عليا في حياته.
وقيل: إن معاوية أرسل هذا إلى زياد في حياة علي، فقال زياد هذه المقالة وعنى بها عليا. وكتب زياد إلى علي يخبره بما كتب إليه معاوية، فأجابه بما هو مشهور، وقد ذكرناه في استلحاق معاوية زيادا.
كل ما في هذا الخبر بسر فهو بضم الباء الموحدة والسين المهملة الساكنة.
ذكر ولاية ابن عامر البصرة لمعاوية

(2/111)


ثم أراد معاوية أن يولي عتبة بن أبي سفيان البصرة، فكلمه ابن عامر وقال له: إن لي بالبصرة ودائع وأموالا، فإن لم تولني عليها ذهبت. فولاه البصرة. فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين، وجعل إليه خراسان وسجستان، فجعل على شرطته حبيب بن شهاب، وعلى القضاء عميرة بن يثربي أخا عمرو، وقد تقدم في وقعة الجمل أن عميرة قتل فيها، وقيل عمرو هو المقتول، والله سبحانه أعلم بالصواب.
ذكر ولاية قيس بن الهيثم خراسان
وفي السنة استعمل ابن عامر قيس بن الهيثم السلمي عل خراسان، وكان أهل بادغيس وهراة وبوشنج قد نكثوا، فسار إلى بلخ فأخرب نوبهارها، كان الذي تولى ذلك عطاء بن السائب مولى بني ليث، وهو الخشك، وإنما سمي عطاء الخشك لأنه أول من دخل مدينة هراة من المسلمين من باب خشك، واتخذ قناطر على ثلاثة أنهار من بلخ على فرسخ فقيل قناطر عطاء.
ثم إن أهل بلخ سألوا الصلح ومراجعة الطاعة فصالحهم قيس. وقيل: إنما صالحهم الربيع بن زياد سنة إحدى وخمسين، وسيرد ذكره. ثم قدم قيس على ابن عامر فضربه وحبسه واستعمل عبد الله بن خازم، فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون الأمان والصلح، فصالحهم وحمل إلى ابن عامر مالا. عبد الله بن خازم بالخاء المعجمة.
ذكر خروج سهم بن غالب
وفي هذه السنة خرج سهم بن غالب الهجيمي على ابن عامر في سبعين رجلا، منهم الخطيم الباهلي، وهو يزيد بن مالك، وإنما قيل له الخطيم لضربة ضربها على وجهه، فنزلوا بين الجسرين والبصرة، فمر بهم عبادة بن فرص الليثي من الغزو ومعه ابنه وابن أخيه، فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مني، فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني. قالوا: أنت كافر، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه. فخرج إليهم ابن عامر بنفسه وقاتلهم فقتل منهم عدة وانحاز بقيتهم إلى أجمة وفيهم سهم والخطيم، فعرض عليهم ابن عامر الأمان فقبلوه، فآمنهم، فرجعوا، فكتب إليه معاوية يأمر بقتلهم، فكتب إليه ابن عامر: إني قد جعلت لهم ذمتك.
فلما أتى زياد البصرة سنة خمس وأربعين هرب سهم والخطيم فخرجا إلى الأهواز، فاجتمع إلى سهم جماعة فأقبل بهم إلى البصرة، فأخذ قوما، فقالوا: نحن يهود، فخلاهم، وقتل سعدا مولى قدامة بن مظعون، فلما وصل إلى البصرة تفرق عنه أصحابه، فاختفى سهم، وقيل: إنهم تفرقوا عند استخفائه، فطلب الأمان وظن أنه يسوغ له عند زياد ما ساغ له عند ابن عامر، فلم يؤمنه زياد، وبحث عنه، فدل عليه، فأخذه وقتله وصلبه في داره.
وقيل: لم يزل مستخفيا إلى أن مات زياد فأخذه عبيد الله بن زياد فصلبه سنة أربع وخمسين، وقيل: قبل ذلك؛ فقال رجل من الخوارج:
فإن تكن الأحزاب باؤوا بصلبه ... فلا يبعدن الله سهم بن غالب
وأما الخطيم فإنه سأله زياد عن قتله عبادة فأنكره فسيره إلى البحرين ثم أعاده بعد ذلك.
ذكر عدة حوادث
قيل: وفي هذه السنة ولد علي بن عبد الله بن عباس، وقيل: ولد سنة أربعين قبل أن يقتل علي، والأول أصح، وباسم علي سماه، وقال: سميته باسم أحب الناس إلي.
وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل: عنبسة بن أبي سفيان.
وفي هذه السنة استعمل عمرو بن العاص عقبة بن نافع بن عبد قيس، وهو ابن خالة عمرو، على إفريقية، فانتهى إلى لواتة ومزاتة، فأطاعوا ثم كفروا، فغزاهم من سنته، فقتل وسبى، ثم افتتح في سنة اثنتين وأربعين غدامس، فقتل وسبى، وفتح في سنة ثلاث وأربعين كورا من كور السودان، وافتتح ودان، وهي من برقة، وافتتح عامة بلاد بربر، وهو الذي اختط القيروان سنة خمسين، وسيذكر إن شاء الله تعالى.
وفيها مات لبيد بين ربيعة الشاعر: وقيل: مات يوم دخل معاوية الكوفة وعمره مائة سنة وسبع وخمسون سنة، وقيل: مات في خلافة عثمان، وله صحبة، وترك الشعر مذ أسلم.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين
في هذه السنة غزا المسلمون اللان وغزوا الروم أيضا فهزموهم هزيمة منكرة وقتلوا جماعة من بطارقتهم.
وفيها ولد الحجاج بن يوسف في قول.
وفيها ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة، وولى خالد بن العاص بن هشام مكة، فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل.

(2/112)


وكان على الكوفة المغيرة بن شعبة وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة عبد الله بن عامر وعلى قضائها عمرو بن يثربي وعلى خراسان قيس بن الهيثم استعمله ابن عامر، وقيل: استعمله معاوية لما استقامت له الأمور، فلما ولي ابن عامر البصرة أقره عليها.
ذكر الخبر عن تحرك الخوارج
وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل في النهر ومن كان ارتث من جراحته في النهر فبرأوا وعفا علي عنهم، وكان سبب خروجهم أن حيان بن ظبيان السلمي كان خارجيا وكان قد ارتث يوم النهر، فلما برأ لحق بالري في رجال معه، فأقاموا بها حتى بلغهم مقتل علي، فدعا أصحابه، وكانوا بضعة عشر، أحدهم سالم بن ربيعة العبسي، فأعلمهم بقتل علي، فقال سالم: لا شلت يمين علت قذاله بالسيف! وحمدوا الله على قتله، رضي الله عنه ولا رضي عنهم - ثم إن سالما رجع عن رأي الخوارج بعد ذلك وصلح - ودعاهم حيان إلى الخروج ومقاتلة أهل القبلة، فأقبلوا إلى الكوفة فأقاموا بها حتى قدمها معاوية، واستعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، فأحب العافية وأحسن السيرة، وكان يؤتى فيقال له: إن فلانا يرى رأي الشيعة وفلانا يرى رأي الخوارج، فيقول: قضى الله أن لا يزالوا مختلفين وسيحكم الله بين عباده. فأمنه الناس.
وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهر، فاجتمعوا على ثلاثة نفر: على المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب، وعلى معاذ بن جوين الطائي وهو ابن عم زيد بن حصين الذي قتل يوم النهر، وعلى حيان بن ظبيان السلمي، واجتمعوا في أربعمائة فتشاوروا فيمن يولون عليهم، فكلهم دفع الإمارة عن نفسه، ثم اتفقوا فولوا المستورد وبايعوه، وذلك في جمادى الآخرة، واتعدوا للخروج واستعدوا، وكان خروجهم غرة شعبان سنة ثلاث وأربعين.
علفة بضم العين المهملة، وتشديد اللام المكسورة، وفتح الفاء.
ذكر قدوم زياد على معاوية
وفي هذه السنة قدم زياد على معاوية من فارس.
وكان سبب ذلك أن زيادا كان قد استودع ماله عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكان عبد الرحمن يلي ماله بالبصرة، وبلغ معاوية ذلك فبعث المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد، فأخذ عبد الرحمن فقال له: إن كان أبوك قد أساء إلي لقد أحسن عمك، يعني زيادا. وكتب إلى معاوية: إني لم أجد في يد عبد الرحمن مالا يحل لي أخذه. فكتب إليه معاوية: أن عذب عبد الرحمن، فأراد أن يعذر، وبلغ ذلك معاوية فقال لعبد الرحمن: احفظ بما في يديك. وألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء، فغشي عليه، ففعل ذلك ثلاث مرات ثم خلاه وكتب إلى معاوية: إني عذبته فلم أصب عنده شيئا. وحفظ لزياد يده عنده. ثم دخل المغيرة على معاوية، فقال معاوية حين رآه:
إنما موضع سر المرء إن ... باح بالسر أخوه المنتصح
فإذا بحت بسر فإلى ... ناصح يستره أو لا تبح
فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني تستودع ناصحا مشفقا، وما ذلك؟ قال له معاوية: ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي. فقال المغيرة: ما زياد هناك؟ فقال معاوية: داهية العرب معه أموال فارس يدبر الحيل، ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعاد علي الحرب جذعة، فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ قال: نعم، فأته وتلطف له.
فأتاه المغيرة وقال له: إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك ولم يكن أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن وقد بايع، فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية عنك. قال: أشر علي وارم الغرض الأقصى، فإن المستشار مؤتمن. فقال له المغيرة: أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه ويقضي الله. وكتب إليه معاوية بأمانه بعد عود المغيرة عنه. فخرج زياد من فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن راشد الضبي وحارثة بن بدر الغداني.

(2/113)


وسرح عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس وقال: لعلك تلقى زيادا في طريقك فتأخذه. فسار بن خازم، فلقي زيادا بأرجان، فأخذ بعنانه وقال: انزل يا زياد. فقال: له المنجاب: تنح يا ابن السوداء وإلا علقت يدك بالعنان. وكانت بينهم منازعة. فقال له زياد: قد أتاني كتاب معاوية وأمانه. فتركه ابن خازم، وقدم زياد على معاوية، وسأله عن أموال فارس، فأخبره بما حمل منها إلى علي وبما أنفق منها في الوجوه التي تحتاج إلى النفقة وما بقي عنده وأنه مودع للمسلمين، فصدقه معاوية فيما أنفق وفيما بقي عنده وقبضه منه.
وقيل: إن زيادا لما قال لمعاوية قد بقيت بقية من المال وقد أودعتها، مكث معاوية يردده، فكتب زياد كتبا إلى قوم أودعهم المال وقال لهم: قد علمتم ما لي عندكم من الأمانة فتدبروا كتاب الله: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال) الأحزاب: 72 الآية؛ فاحتفظوا بما قبلكم. وسمى في الكتب المال الذي أقر به لمعاوية، وأمر رسوله أن يتعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية. ففعل رسوله، وانتشر ذلك، فقال معاوية لزياد حين وقف على الكتب: أخاف أن تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت. فصالحه على شيء وحمله إليه، ومبلغه: ألف ألف درهم. واستأذنه في نزول الكوفة، فأذن له، فكان المغيرة يكرمه ويعظمه. فكتب معاوية إلى المغيرة ليلزم زيادا وحجر بن عدي وسليمان بن صرد وشبث بن ربعي وابن الكوا بن الحمق بالصلاة في الجماعة، فكانوا يحضرون معه الصلاة. وإنما ألزمهم بذلك لأنهم كانوا من شيعة علي.
ذكر عدة حوادث
وحج هذه السنة بالناس عنبسة بن أبي سفيان.
وفيها مات حبيب بن مسلمة الفهري بأرمينية، وكان أميرا لمعاوية عليها، وكان قد شهد معه حروبه كلها. وفيها مات عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، له صحبة. وفيها مات ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، وهو الذي صارع النبي، صلى الله عليه وسلم، وصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وله صحبة. وفيها مات هانىء بن نيار بن عمرو الأنصاري، وهو خال البراء بن عازب، وقيل: سنة خمس وأربعين، وكان بدريا عقبيا.
نيار بكسر النون، وفتح الياء تحتها نقطتاه، وآخره راء.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين
في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطأة الروم وشتا بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية فيما زعم الواقدي، وأنكر ذلك قوم من أهل الأخبار وقالوا: لم يشت بسر بأرض الروم قط.
وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وكان عمل عليها لعمر أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهرا.
وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر فوليها نحوا من سنتين.
وفيها مات محمد بن مسلمة بالمدينة في صفر، وصلى عليه مروان بن الحكم، وعمره سبع وسبعون سنة.
ذكر مقتل المستورد الخارجي
وفيها قتل المستورد بن علفة التيمي تيم الرباب، وقد ذكر سنة اثنتين وأربعين: تحرك الخوارج وبيعتهم له ومخاطبته بأمير المؤمنين.
فلما كان هذه السنة أخبر المغيرة بن شعبة بأنهم اجتمعوا في منزل حيان ابن ظبيان السلمي واتعدوا للخروج غرة شعبان، فأرسل المغيرة صاحب شرطته، وهو قبيصة بن الدمون، فأحاط بدار حيان هو ومن معه، وإذا عنده معاذ بن جوين ونحو عشرين رجلا، وثارت امرأته، وهي أم ولد كانت له كارهة، فأخذت سيوفهم فألقتها تحت الفراش، وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء، وذكروا أنهم اجتمعوا لقراءة القرآن، ولم يزالوا في السجن نحو سنة، وسمع إخوانهم فحذروا، وخرج صاحبهم المستورد فنزل الحيرة، واختلف الخوارج إليه، فرآهم حجار بن أبجر، فسألوه أن يكتم عليهم ليلتهم تلك، فقال لهم: سأكتم عليكم الدهر، فخافوه أن يذكر حالهم للمغيرة، فتحولوا إلى دار سليم بن محدوج العبدي، وكان صهرا للمستورد، ولم يذكر حجار من أخبارهم شيئا.

(2/114)


وبلغ المغيرة خبرهم وأنهم عازمون على الخروج تلك الأيام، فقام في الناس فحمد الله ثم قال: لقد علمتم أني لم أزل أحب لجماعتهم العافية وأكف عنكم الأذى، وخشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم، وقد خشيت أن لا نجد بدا من أن يؤخذ الحليم التقي بذنب الجاهل السفيه، فكفوا عنها سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم، وقد بلغنا أن رجالا يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والنفاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب إلا أهلكتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم!.
فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير اعلمنا بهؤلاء القوم، فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا غيرنا أمرت أهل الطاعة فأتاك كل قبيلة بسفهائهم. فقال: ما سمي لي أحد باسمه. فقال معقل: أنا أكفيك قومي فليكفك كل رئيس قومه. فأحضر المغيرة الرؤساء وقال لهم: ليكفني كل رجل منكم قومه وإلا فوالله لا تحولن عما تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون.
فرجعوا إلى قومهم فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على كل من يريد أن يهيج الفتنة، وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس، وكان قد علم بمنزل حيان في دار سليم، ولكنه كره أن يؤخذ من عشيرته على فراقه لأهل الشام وبغضه لرأيهم، وكره مساءة أهل بيت من قومه، فقام فيهم فقال: أيها الناس، إن الله، وله الحمد، لما قسم الفضل خصكم بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله، ثم أقمتم حتى قبض الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيمانا به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين، ولم يزل الله يزيدكم بذلك خيرا حتى اختلفت الأمة بينها فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبي، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل بيت نبينا الذين ابتدأنا الله، عز وجل، من قبلهم بالكرامة تسديدا من الله، عز وجل، لكم وتوفيقا، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هديكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر؛ وسكت عن ذكر أهل الشام لأن السلطان لهم؛ فلا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر، فإياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم شيئا، فإنه لا ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي، وأنا باحث عن ذلك، فإن يك حقا تقربت إلى الله بدمائهم، فإن دماءهم حلال! وقال: يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى مثلكم. ثم جلس وكل قوم قال: لعنهم الله وبرىء منهم، لا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم، غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئا ورجع كئيبا يكره أن يخرج أصحابه من داره فيلوموه، ويكره أن يؤخذوا في داره فيهلكوا ويهلك معهم.
وجاء أصحاب المستورد إليه فأعلموه بما قام به المغيرة في الناس وبما قام به رؤوسهم فيهم. فسأل ابن محدوج عما قام به صعصعة في عبد القيس فأخبره، وقال: كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم. فقال له: قد أكرمت المثوى وأحسنت، ونحن مرتحلون عنك.
وبلغ الخبر الذين في محبس المغيرة من الخوارج فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك:
ألا أيها الشارون قد حان لامرىء ... شرى نفسه لله أن يترحلا
أقمتم بدار الخاطئين جهالة ... وكل امرىء منكم يصاد ليقتلا
فشدوا على القوم العداة فإنما ... أقامتكم للذبح رأيا مضللا
ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي ... إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا
فيا ليتني فيكم على ظهر سابح ... شديد القصيرى دارعا غير أعزلا
ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم ... فيسقيني كأس المنية أولا
يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجرد في المحلين منصلا
ولما يفرق جمعهم كل ماجد ... إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا

(2/115)


مشيحا بنصل السيف في حمس الوغى ... يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا
وعز علي أن تصابوا وتنقصوا ... وأصبح ذا بث أسيرا مكبلا
ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم ... أثرت إذا بين الفريقين قسطلا
فيا رب جمع قد فللت وغارة ... شهدت وقرن قد تركت مجدلا
وأرسل المستورد إلى أصحابه فقال لهم: اخرجوا من هذه القبيلة، واتعدوا سوراء. فخرجوا إليها متقطعين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل وساروا إلى الصراة، فسمع المغيرة بن شعبة خبرهم فدعا رؤساء الناس فاستشارهم فيمن يرسله إليهم، فقال له عدي بن حاتم: كلنا لهم عدو ولرأيهم مبغض وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم. وقال له معقل بن قيس: إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك إلا رأيته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا، ولا أرى أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم مني، فابعثني إليهم، فأنا أكفيكهم بإذن الله تعالى. فقال: اخرج على اسم الله! فجهز معه ثلاثة آلاف. وقال المغيرة لصاحب شرطته: الصق بمعقل شيعة علي فإنه كان من رؤساء أصحابه، فإذا اجتمعوا استأنس بعضهم ببعض وهم أشد استحلالا لدماء هذه المارقة وأجرأ عليهم من غيرهم، فقد قاتلوهم قبل هذه المرة. وقال له صعصعة بن صوحان نحوا من قول معقل. فقال له المغيرة: اجلس فإنما أنت خطيب. فأحفظه ذلك.
وإنما قال له ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان ويكثر ذكر علي ويفضله، وكان المغيرة دعاه وقال له: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان، وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئا من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع شيئا كثيرا مما أمرنا به ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بدا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا، فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرا، وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا. فكان يقول له: نعم، ثم يبلغه عنه أنه فعل ذلك، فحقد عليه المغيرة فأجابه بهذا الجواب، فقال له صعصعة: وما أنا إلا خطيب فقط! قال: أجل. فقال: والله إني للخطيب الصليب الرئيس، أما والله لو شهدتني يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشؤون القنا فشؤون تفرى وهامة تختلى لعلمت أني الليث النهد. فقال: حسبك لعمري لقد أوتيت لسانا فصيحا.
وخرج معقل ومعه ثلاثة آلاف فارس نقاوة الشيعة وسار إلى سوراء ولحقه أصحابه.
وأما الخوارج فإنهم ساروا إلى بهر سير وأرادوا العبور إلى المدينة العتيقة التي فيها منازل كسرى، فمنعهم سماك بن عبيد الأزدي العبسي، وكان عاملا عليها، فكتب إليه المستورد يدعوه إلى البراءة من عثمان وعلي وأن يتولاه وأصحابه. فقال سماك: بئس الشيخ أنا إذا! وأعاد الجواب على المستورد يدعوه إلى الجماعة وأن يأخذ له الأمان، فلم يجب وأقام بالمدائن ثلاثة أيام، ثم بلغه مسير معقل إليهم فجمعهم المستورد وقال لهم: إن المغيرة قد بعث إليكم معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين، فأشيروا علي برأيكم. فقال بعضهم: خرجنا نريد الله والجهاد وقد جاؤونا فأين نذهب بل نقيم حتى يحكم الله بيننا. وقال بعضهم: بل نتنحى ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء. فقال لهم: لا أرى أن نقيم حتى يأتونا وهم مستريحون، بل أرى أن نسير بين أيديهم فيخرجوا في طلبنا فينقطعوا ويتبددوا فنلقاهم على تلك الحال.
فساروا فعبروا بجرجرايا ومضوا إلى أرض جوخى ثم بلغوا المذار فأقاموا بها.
وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم فسأل كيف صنع المغيرة فأخبر بفعله، فاستدعى شريك بن الأعور الحارثي، وكان من شيعة علي، فقال له: اخرج إلى هذه المارقة. ففعل. وانتخب معه ثلاثة آلاف فارس من الشيعة، وكان أكثرهم من ربيعة، وسار بهم إلى المذار.

(2/116)


وأما معقل بن قيس فسار إلى المدائن حتى بلغها، فبلغه رحيلهم فشق ذلك على الناس، فقال لهم معقل: إنهم ساروا لتتبعوهم وتتبددوا وتنقطعوا فتلحقوهم وقد تعبتم، وإنه لا يصيبكم شيء من ذلك إلا وقد أصابهم مثل ذلك. وسار في آثارهم وقدم بين يديه أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس، فتبعهم أبو الرواغ حتى لحقهم بالمذار، فاستشار أصحابه في قتالهم قبل قدوم معقل، فقال بعضهم: لا تفعل، وقال بعضهم: بل نقاتلهم. فقال لهم: إن معقلا أمرني أن لا أقاتلهم. فقالوا له: ينبغي أن تكون قريبا منه حتى يأتي معقل، وكان ذلك عند المساء. فباتوا يتحارسون حتى أصبحوا، فلما ارتفع النهار خرجت الخوارج إليهم، وكانوا أيضا ثلاثمائة، وحملوا عليهم، فانهزم أصحاب أبي الرواغ ساعة ثم صاح بهم أبو الرواغ: الكرة الكرة! وحمل ومعه أصحابه، فلما دنوا من الخوارج عادوا منهزمين، إلا أنهم لم يقتل منهم أحد، فصاح بهم أبو الرواغ أيضا: ثكلتككم أمهاتكم! ارجعوا بنا نكن قريبا منهم لا نفارقهم حتى يقدم علينا أميرنا، وما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش منهزمين من عدونا! فقال له بعض أصحابه: إن الله لا يستحي من الحق، قد والله هزمونا. فقال له: لا أكثر الله فينا مثلك، إنا ما لم نفارق العركة فلم نهزم، ومتى عطفنا عليهم وكنا قريبا منهم فنحن على حال حسنة، فقفوا قريبا منهم فإن أتوكم وعجزتم عنهم فتأخروا قليلا، فإذا حملوا عليكم وعجزتم عن قتالهم فانحازوا على حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريبا منهم، فإن الجيش يأتيكم عن ساعة.
فجعلت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا عنهم، فإذا عاد الخوراج رجع أبو الرواغ في آثارهم، فلم يزالوا كذلك إلى وقت الظهر، فنزل الطائفتان يصلون ثم أقاموا إلى العصر، وكان أهل القرى والسيارة قد أخبروا معقلا بالتقاء الخوارج وأصحابه، وأن الخوارج تطرد أصحابه بين أيديهم، فإذا رجعوا عاد أصحابه خلفهم. فقال معقل: إن كان ظني في أبي الرواغ صادقا لا يأتيكم منهزما أبدا. ثم أسرع السير في سبعمائة من أهل القوة واستخلف محرز بن شهاب التميمي على ضعفة الناس، فلما أشرفوا على أبي الرواغ قال لأصحابه: هذه غبرة فتقدموا بنا إلى عدونا حتى لا يرانا أصحابنا، إنا تنحينا عنهم وهبناهم. فتقدم حتى وقف مقابل الخوارج ولحقهم معقل، فلما دنا منهم غربت الشمس فصلى بأصحابه وصلى أبو الرواغ بأصحابه وصلى الخوارج أيضا، وقال أبو الرواغ لمعقل: إن لهم شدات منكرات فلا تلها بنفسك ولكن قف وراء الناس تكون ردءا لهم. فقال: نعم ما رأيت.
فبينا هو يخاطبه حملت الخوارج عليهم فانهزم عامة أصحاب معقل وثبت هو، فنزل إلى الأرض ومعه أبو الرواغ في نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد استقبلوه بالرماح والسيوف، فانهزمت خيل معقل ساعة، ثم ناداهم مسكين بن عامر، وكان شجاعا: أين الفرار وقد نزل أميركم، ألا تستحيون؟ ثم رجع ورجعت معه خيل عظيمة ومعقل بن قيس يقاتل الخوارج بمن معه، فلم يزل يقاتلهم حتى ردهم إلى البيوت، ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن معه، فجعلهم معقل ميمنة وميسرة وقال لهم: لا تبرحوا حتى تصبحوا ونثور إليهم.
ووقف الناس بعضهم مقابل بعض، فبينما هم متواقفون أتى الخوارج عين لهم فأخبرهم أن شريك بن الأعور قد أقبل إليهم من البصرة في ثلاثة آلاف. فقال المستورد لأصحابه: لا أرى أن نقيم لهؤلاء جميعا، ولكني أرى أن نرجع إلى الوجه الذي جئنا منه، فإن أهل البصرة لا يتبعوننا إلى أرض الكوفة فيهون علينا قتال أهل الكوفة. ثم أمرهم بالنزول يريحوا دوابهم ساعة، ففعلوا، ثم دخلوا القرية وأخذوا منها من دلهم على الطريق الذي أقبلوا منه وعادوا راجعين.

(2/117)


وأما معقل فإنه بعث من يأتيه بخبرهم حين لم ير سوادهم، فعاد إليه بالخبر أنهم قد ساروا، فخاف أن تكون مكيدة وخاف البيات فاحتاط هو وأصحابه وتحارسوا إلى الصباح، فلما أصبحوا أتاهم من أخبرهم بمسيرهم، وجاء شريك ابن الأعور فيمن معه فلقي معقلا فتساءلا ساعة وأخبره معقل بخبرهم، فدعا شريك أصحابه إلى المسير مع معقل، فلم يجيبوه، فاعتذر إلى معقل بخلاف أصحابه، وكان صديقا له يجمعهما رأي الشيعة، ودعا معقل أبا الرواغ وأمره باتباعهم، فقال له: زدني مثل الذين كانوا معي ليكون أقوى لي إن أرادوا مناجزتي. فبعث معه ستمائة فارس، فساروا سراعا حتى أدركوا الخوارج بجرجرايا وقد نزلوا فنزل بهم أبو الرواغ مع طلوع الشمس، فلما رأوهم قالوا: إن قتال هؤلاء أيسر من قتال من يأتي بعدهم، فحملوا على أبي الرواغ وأصحابه حملة صادقة، فانهزم أصحابه وثبت في مائة فارس، فقاتلهم طويلا وهو يقول:
إن الفتى كل الفتى من لم يهل ... إذا الجبان حاد عن وقع الأسل
قد علمت أني إذا البأس نزل ... أروع يوم الهيج مقدام بطل
ثم عطف أصحابه من كل جانب فصدقوهم القتال حتى أعادوهم إلى مكانهم، فلما رأى المستورد ذلك علم أنهم إن أتاهم معقل ومن معه هلكوا، فمضى هو وأصحابه فعبروا دجلة ووقفوا في أرض بهرسير وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل بهم بساباط، فلما نزل بهم قال المستورد لأصحابه: إن هؤلاء هم حماة أصحاب معقل وفرسانه، ولو علمت أني أسبقهم إليه بساعة لسرت إليه فواقعته. ثم أمر من يسأل عن معقل، فسألوا بعض من على الطريق فأخبروهم أنه نزل ديلمايا وبينهم ثلاثة فراسخ، فلما أخبر المستورد ذلك ركب وركب أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى جسر ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو الرواغ من جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبى أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى جسر ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو الرواغ من جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبى أصحابه واعتزل إلى صحراء بين المدائن وساباط ليكون القتال بها ووقف ينتظرهم، فلما قطع المستورد الجسر سار إلى ديلمايا نحو معقل ليوقع به، فانتهى إليه وأصحابه متفرقون عنه وهو يريد الرحيل وقد تقدم بعض أصحابه، فلما رآهم معقل نصب رايته ونادى: يا عباد الله الأرض الأرض! فنزل معه نحو مائتي رجل، فحملت الخوارج عليهم فاستقبلوهم بالرماح جثاة على الركب فلم يقدروا عليهم فتركوهم وعدلوا إلى خيولهم فحالوا بينهم وبينها وقطعوا أعنتها، فذهبت في كل جانب، ثم مالوا على المتفرقين من أصحاب معقل ففرقوا بينهم، ثم رجعوا إلى معقل وأصحابه وهم على الركب فحملوا عليهم، فلم يتجلجلوا، فحملوا أخرى فلم يقدروا عليهم، فقال المستورد لأصحابه: لينزل نصفكم ويبقى نصفكم على الخيل. ففعلوا واشتد الحال على أصحاب معقل وأشرفوا على الهلاك.
فبيما هم كذلك إذ أقبل أبو الرواغ عليهم فيمن معه. وكان سبب عوده إليهم أنه أقام بمكانه ينتظرهم، فلما أبطأوا عليه أرسل من يأتيه بخبرهم، فرأوا الجسر مقطوعا ففرحوا ظنا منهم أن الخوارج فعلوا ذلك هيبة لهم، فرجعوا إلى أبي الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم وأن الجسر قد قطعوه هيبة لهم. فقال لهم أبو الرواغ: لعمري ما فعلوا هذا إلا مكيدة، وما أراهم إلا وقد سبقوكم إلى معقل حيث رأوا فرسان أصحابه معي، وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به عن لحاقهم، فالنجاء النجاء في الطلب.
ثم أمر أهل القرية فعقدوا الجسر وعبر عليه واتبع الخوارج، فلقيه أوائل الناس منهزمين، فصاح بهم: إلي إلي! فرجعوا إليه وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلا يقاتلهم وما يظنونه إلا قتيلا. فجد في السير ورد معه كل من لقيه من المنهزمين، فانتهى إلى العسكر فرأى راية معقل منصوبة والناس يقتتلون، فحمل أبو الرواغ ومن معه على الخوارج فأزالوهم غير بعيد، ووصل أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو متقدم يحرض أصحابه، فشدوا على الخوارج شدة منكرة، ونزل المستورد ومن معه من الخوارج ونزل أصحاب معقل أيضا ثم اقتتلوا طويلا من النهار بالسيوف أشد قتال.

(2/118)


ثم إن المستورد نادى معقلا ليبرز إليه، فبرز إليه، فمنعه أصحابه، فلم يقبل منهم، وكان معه سيفه ومع المستورد رمحه، فقال أصحاب معقل: خذ رمحك. فأبى وأقبل على المستورد، فطعنه المستورد برمحه فخرج السنان من ظهره، وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد فضربه بالسيف فخالط دماغه فوقع المستورد ميتا ومات معقل أيضا.
وكان معقل قد قال: إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب التميمي. فلما قتل أخذ الراية عمرو ثم حمل في الناس على الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم غير خمسة أو ستة.
وقال ابن الكلبي: كان المستورد من تميم ثم من بني تميم ثم من بني رباح، واحتج بقول جرير:
ومنا فتى الفتيان والجود معقل ... ومنا الذي لاقى بدجلة معقلا
يعني هذه الوقعة.
ذكر عود عبد الرحمن إلى ولاية سجستان
في هذه السنة استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، فأتاها وعلى شرطته عباد بن الحصين الحبطي ومعه من الأشراف عمرو بن عبيد الله بن معمر وغيره، فكان يغزو البلد قد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل فحصرها أشهرا ونصب عليها مجانيق فثلمت سورها ثلمة عظيمة، فبات عليها عباد بن الحصين ليلة يطاعن المشركين حتى أصبح فلم يقدروا على سدها وخرجوا من الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة، ثم سار إلى بست ففتحها عنوة، وسار إلى زران فهرب أهلها وغلب عليها، ثم سار إلى خشك فصالحه أهلها، ثم أتى الرخج فقاتلوه فظفر بهم وفتحها، ثم سار إلى زابلستان، وهي غزنة وأعمالها، فقاتله أهلها، وقد كانوا نكثوا، ففتحها، وعاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها.
ذكر غزوة السند
استعمل عبد الله بن عامر على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال ولاه معاوية من قبله، فغزا القيقان فأصاب مغنما، ووفد على معاوية وأهدى له خيلا قيقانية، ورجع فغزا القيقان فاستنجدوا بالترك فقتلوه، وفيه يقول الشاعر:
وابن سوار على عدانه ... موقد النار وقتال الشغب
وكان كريما لم يوقد أحد في عسكره نارا، فرأى ذات ليلة نارا فقال: ما هذه؟ قالوا: امرأة نفساء يعمل لها الخبيص؛ فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام.
ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان
قيل: وفي هذه اسنة عزل عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم القيسي ثم السلمي عن خراسان واستعمل عبد الله بن خازم.
وسبب ذلك أن قيسا أبطأ بالخراج والهدية، فقال عبد الله بن خازم لعبد الله بن عامر: ولني خراسان أكفكها. فكتب له عهده، فبلغ ذلك قيسا فخاف ابن خازم وشغبه فترك خراسان وأقبل: فازداد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر، فضربه وحبسه وبعث رجلا من يشكر على خراسان، وقيل: بعث أسلم بن زرعة الكلابي ثم ابن خازم.
وقيل في عزله غير ذلك، وهو أن ابن خازم قال لابن عامر: إنك استعملت على خراسان قيسا وهو ضعيف، وإني أخاف إن لقي حربا أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان وتفضح أخوالك، يعني قيس عيلان. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهدا إن هو انصراف عن عدو قمت مقامه. فكتب له.
وجاش جماعة من طخارستان فشاوره قيس فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه، فلما سار مرحلة أو اثنتين أخرج ابن خازم عهده وقام بأمر الناس ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر الكوفة والبصرة والشام فغضب القيسية وقالوا: خدع قيسا وابن عامر! وشكوا إلى معاوية، فاستقدمه، فاعتذر مما قيل فيه، فقال معاوية: قم غدا فاعتذر في الناس. فرجع إلى أصحابه وقال: إني أمرت بالخطبة ولست بصاحب كلام فاجلسوا حول المنبر فإذا قلت فصدقوني. فقام من الغد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بدا أو أحمق يهمر من رأسه، ولست بواحد منهما، وقد علم من عرفني أني بصير بالفرص وثاب إليها، وقاف عند المهالك، أنفذ بالسرية وأقسم بالسوية، أنشد الله من عرف ذلك مني فليصدقني. فقال أصحابه: صدقت. فقال: يا أمير المؤمنين إنك فيمن نشدت فقل بما تعلم. فقال: صدقت.
ذكر عدة حوادث
وحج هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة، وكان على مكة خالد ابن العاص بن هشام؛ وعلى الكوفة المغيرة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر.

(2/119)


فيها مات عبد الله بن سلام، وله صحبة مشهورة، وهو من علماء أهل الكتاب، وشهد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالجنة.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين
في هذه السنة دخل المسلمون مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم وشتوا بها، وغزا بسر بن أبي أرطأة في البحر.
ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن عامر عن البصرة.
وسببه أن ابن عامر كان حليما كريما لينا، لا يأخذ على أيدي السفهاء، وفسدت البصرة في أيامه فشكا ذلك إلى زياد، فقال له: جرد السيف. فقال له: إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي. ثم إن ابن عامر وفد وفدا من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة، وفيهم ابن الكوا، واسمه عبد الله بن أبي أوفى اليشكري، فسألهم معاوية عن أهل العراق وعن أهل البصرة خاصة، فقال ابن الكوا: يا أمير المؤمنين، إن أهل البصرة قد أكلهم سفاؤهم، وضعف عنهم سلطانهم، وعجز ابن عامر وضعفه. فقال له معاوية: تتكلم عن أهل البصرة وهم حضور؟ فلما عاد أهل البصرة ابلغوا ابن عامر، فغضب وقال: أي أهل العراق أشد عداوة لابن الكوا؟ فقيل: عبد الله بن أبي شيخ اليشكري، فولاه خراسان، فبلغ ذلك ابن الكوا، فقال: إن ابن دجاجة، يعني ابن عامر، قليل العلم في، ظن أن ولاية عبد الله خراسان تسوءني! لوددت أنه لم يبق يشكري إلا عاداني وأنه ولاه.
وقيل: إن الذي ولاه ابن عامر خراسان طفيل بن عوف اليشكري.
فلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن عامر فأرسل إليه يستزيره، فجاء إليه، فرده على عمله، فلما ودعه قال: إني سائلك ثلاثا فقل هن لك. فقال: هن لك، وأنا ابن أم حكيم. قال: ترد علي عملي ولا تغضب. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم؟ فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثا فقل هن لك. فقال: هن لك، وأنا ابن هند. قال: ترد علي مالي بعرفة. قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملا ولا تتبع لي أثرا. قال: قد فعلت. قال: وتنكحني ابنتك هندا. قال: قد فعلت.
ويقال: إن معاوية قال له: اختر إما أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار وأردك، وإما أن أعزلك وأسوغك ما أصبت. فاختار العزل وأن لا يسوغه ما أصاب، فعزله وولى البصرة الحارث بن عبد الله الأزدي.
ذكر استلحاق معاوية زيادا
وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن سمية، فزعموا أن رجلا من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية، فقال لزياد: إن لابن عامر عندي يدا فإن أذنت لي أتيته. قال: على أن تحدثني بما يجري بينك وبينه. قال: نعم. فأذن له فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سمية يقبح آثاري ويعرض بعمالي! لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون بالله أن أبا سفيان لم ير سمية.
فلما رجع سأله زياد فلم يخبره، فألح عليه حتى أخبره، فأخبر زياد بذلك معاوية. فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب. ففعل ذلك به. فأتى ابن عامر يزيد فشكا ذلك إليه، فركب معه حتى أدخله، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس، فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاوية وهو يتمثل:
لنا سباق ولكم سباق ... قد علمت ذلكم الرفاق
ثم قعد فقال: يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت؟ أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية وأن الإسلام لم يزدني إلا عزا، وأني لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقا له فوضعته موضعه. فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب زياد. قال: إذا نرجع إلى ما تحب. فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه.
فلما قدم زياد الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. قالوا: ما تشاء؟ قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: أما بشهادة الزور فلا. فأتى البصرة فشهد له رجال.
هذا جميع ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد، ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك، إنما ذكر حكاية جرت بعد استلحاقه، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيته، فإنه من الأمور المشهورة الكبيرة في الإسلام لا ينبغي إهمالها.

(2/120)


وكان ابتداء حاله أن سمية أم زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر، فمرض الدهقان، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي، فعالجه فبرأ، فوهبه سمية، فولدت عند الحارث أبا بكرة، واسمه نفيع، فلم يقر به، ثم ولدت نافعا، فلم يقر به أيضا، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، حين حصر الطائف قال الحارث لنافع: أنت ولدي. وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه عبيد، وهو رومي، فولدت له زيادا.
وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي، وأسلم أبو مريم بعد ذلك وصحب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان لأبي مريم: قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغيا، فقال له: هل لك في سمية؟ فقال: هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها. فأتاه بها، فوقع عليها، فعلقت بزياد، ثم وضعته في السنة الأولى من الهجرة، فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري لما ولي البصرة، ثم إن عمر بن الخطاب استكفى زيادا أمرا فقام فيه مقاما مرضيا، فلما عاد إليه حضر، وعند عمر المهاجرون والأنصار، فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها. فقال عمرو ابن العاص: لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه!فقال أبو سفيان، وهو حاضر: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه. فقال علي: يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا.
فلما ولي علي الخلافة استعمل زيادا على فارس، فضبطها وحمى قلاعها، واتصل الخبر بمعاوية، فساءه ذلك وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابنا عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المهاجرين والأنصار؟ أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمز مخشيا ضرابا بالسيف.
وبلغ ذلك عليا فكتب إليه: إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب له ميراثا ولا تحل له نسبا، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاحذر ثم احذر، والسلام.
فلما قتل علي، وكان من أمر زياد ومصالحته معاوية ما ذكرناه، واضع زياد مصقلة بن هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إن زيادا قد أكل فارس برا وبحرا وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقا، فإذا قال لك: وما يقال؟ فقل: يقال إنه ابن أبي سفيان. ففعل مصقلة ذلك، ورأى معاوية أن يستميل زيادا، واستصفى مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك، وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي، فقال له معاوية: بم يشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيا فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال: إيتني بها على قذرها ووضرها، فأتيته بها، فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها لتقطران منيا. فقال له زياد: مهلا أبا مريم! إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما.
فاستلحقه معاوية، وكان استلحاقه أول ما ردت أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر.
وكتب زياد إلى عائشة: من زياد بن أبي سفيان، وهو يريد أن تكتب له: إلى زياد بن أبي سفيان، فيحتج بذلك، فكتبت: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد. وعظم ذلك على المسلمين عامة وعلى بني أمية خاصة، وجرى أقاصيص يطول بذكرها الكتاب فأضربنا عنها.
ومن اعتذر لمعاوية قال: إنما استلحق معاوية زيادا لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعا، لا حاجة إلى ذكر جميعها، وكان منها أن الجماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح، إلا أنه أقر كل ولد كان ينسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه ولم يفرق بين شيء منها، فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والإسلام؛ وهذا مردود لاتفاق المسلمين على إنكاره ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة.

(2/121)


قيل: أراد زياد أن يحج بعد أن استلحقه معاوية، فسمع أخوه أبو بكرة، وكان مهاجرا له من حين خالفه في الشهادة بالزنا على المغيرة بن شعبة، فلما سمع بحجه جاء إلى بيته وأخذ ابنا له وقال له: يا بني قل لأبيك إنني سمعت أنك تريد الحج ولابد من قدومك إلى المدينة ولاشك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن أذنت لك فأعظم به خزيا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن منعتك فأعظم به فضيحة في الدنيا وتكذيبا لأعدائك. فترك زياد الحج وقال: جزاك الله خيرا فقد أبلغت في النصح.
ذكر غزو المهلب السند
وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتى بنة والأهور، وهما بين الملتان وكابل، فلقيه العدو وقاتله، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثماية عشر فارسا من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعا، فقال المهلب: ما جعل هؤلاء الأعاجم أولى بالتشمير منا! فحذف الخيل، وكان أول من حذفها من المسلمين، وفي يوم بنة يقول الأزدي:
ألم تر أن الأد ليلة بيتوا ... ببنة كانوا خير جيش المهلب؟
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس في هذه السنة معاوية. وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة بالمدينة، وهو أول من عملها بها، وكان معاوية قد عملها بالشام لما ضربه الخارجي. وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي، صلى الله عليه وسلم. وفيها قتل رفاعة العدوي من عدي رباب، وهو بصري له صحبة.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين
فيها ولى معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي البصرة في أولها حين عزل ابن عامر، وهو من أهل الشام، فاستعمل الحارث على شرطته عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، فبقي الحارث أميرا على البصرة أربعة أشهر، ثم عزله وولاها زيادا.
ذكر ولاية زياد بن أبيه البصرة
قدم زياد الكوفة فأقام ينتظر إمارته عليها، فقيل ذلك للمغيرة بن شعبة، فسار إلى معاوية فاستقاله الإمارة وطلب منه أن يعطيه منازل بقرقيسيا ليكون بين قيس، فخافه معاوية وقال له: لترجعن إلى عملك. فأبى، فازداد معاوية تهمة له، فرده على عمله، فعاد إلى الكوفة ليلا وأرسل إلى زياد فأخرجه منها.
وقيل: إن المغيرة لم يسر إلى الشام وإنما معاوية أرسل إلى زياد، وهو بالكوفة، فأمره بالمسير إلى البصرة، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين والفسق ظاهر فاش، فخطبهم خطبته البتراء، لم يحمد الله فيها، وقيل: بل حمد الله فقال:

(2/122)


الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله مزيدا من نعمه، اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا على نعمك علينا! أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، فينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير، كأن لم تسمعوا نبي الله، ولم تقرأوا كتاب الله، ولم تعلموا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمد الذي لا يزول، أتكونوا كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه؛ هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل، ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟ قربتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتعطفون على المختلس، كل امرىء منكم يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة، ولا يخشى معادا! ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا! إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير جبرية وعنف، وإني لأقسم بالله لأخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم، إن كذبة المنبر تبقى مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له، إياي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه.
وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي، وإياي لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس.
أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم، واعلموا أني مهما قصرت عنه فإني لا أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى تصلحوا يصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم لكان شرا لكم، أسأل الله أن يعين كلا على كل، فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وإن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي.
فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود! فقال الأحنف: قد قلت فأحسنت أيها الأمير، والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلي. فقال زياد: صدقت. فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية، وهو من الخوارج، وقال: أنبأ الله بغير ماقلت، قال الله تعالى: (وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان ما سعى) النجم: 37 - 39، فأوعدنا الله خيرا مما أوعدتني يا زياد. فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلا حتى نخوض إليها الدماء.

(2/123)


واستعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، وأجل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر، فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي فيأمر رجلا أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنسانا يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى إنسانا إلا قتله، فأخذ ذات ليلة أعرابيا فأتى به زيادا فقال: هل سمعت النداء؟ فقال: لا والله! قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير. فقال: أظنك والله صادقا ولكن في قتلك صلاح الأمة. ثم أمر به فضربت عنقه.
وكان زياد أول من شدد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وجرد سيفه، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس خوفا شديدا حتى أمن بعضهم بعضا، وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، ولا يغلق أحد بابه.
وأدر العطاء، وبنى مدينة الرزق، وجعل الشرط أربعة آلاف، وقيل له: إن السبيل مخوفة. فقال: لا أعاني شيئا وراء المصر حتى أصلح المصر، فإن غلبني فغيره أشد غلبة منه. فلما ضبط المصر وأصلحه تكلف ما وراء ذلك فأحكمه.
ذكر عمال زياد
استعان زياد بعدة من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، منهم: عمران بن حصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة بن جندب. فأما عمران فاستعفى من القضاء فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه عاصما، ثم زرارة بن أوفى، وكانت أخته عند زياد.
وقيل إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة خمسمائة لا يفارقون المسجد.
وجعل خراسان أرباعا، واستعمل على مرو أمير بن أحمر، وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس ابن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطاحي، ثم عتب عليه فعزله.
وسبب تغيره عليه أن نافعا بعث بخوان باذرهر إلى زياد قوائمه منه، فأخذ نافع منها قائمة وعمل مكانها قائمة من ذهب وبعث الخوان مع غلام له اسمه زيد، وكان يلي أمور نافع كلها، فسعى زيد بنافع إلى زياد وقال: إنه خانك وأخذ قائمة الخوان. فعزله زياد وحبسه وكتب عليه كتابا بمائة ألف، وقيل: بثمانمائة ألف، فشفع فيه رجال من وجوه الأزد فأطلقه.
واستعمل الحكم بن عمرو الغفاري، وكانت له صحبة، وكان زياد قال لحاجبه: ادع لي الحكم، يريد الحكم بن أبي العاص الثقفي، ليوليه خراسان، فخرج حاجبه فرأى الحكم بن عمرو الغفاري فاستدعاه، فحين رآه زياد قال له: ما أردتك ولكن الله أرادك! فولاه خراسان وجعل معه رجالا على جباية الخراج، منهم: أسلم بن زرعة الكلابي وغيره. وغزا الحكم طخارستان، فغنم غنائم كثيرة، ثم مات؛ واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم، فعزله زياد وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي في خمسين ألفا من البصرة والكوفة.
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم، وكان على المدينة.
وفيها مات زيد بن ثابت الأنصاري، وقيل: سنة خمس وخمسين، وعاصم ابن عدي الأنصاري البلوي، وكان بدريا، وقيل: لم يشهدها بل رده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة وضرب له بسهمه، وكان عمره مائة وعشرين سنة. وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري بالمدينة، وشهد العقبة وبدرا، وكان عمره سبعين سنة. وفيها توفي ثابت بن الضحاك بن خليفة الكلابي، وهو من أصحاب الشجرة، وهو أخو أبي جبيرة بن الضحاك.
ثم دخلت سنة ست وأربعين
في هذه السنة كان مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل: بل كان مالك بن هبيرة السكوني.
وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد من بلاد الروم إلى حمص ومات.
ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد

(2/124)


وكان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه، فخافه معاوية وخشي على نفسه منه وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له.
وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد المدينة فجلس يوما إلى عروة بن الزبير، فقال له عروة ما فعل ابن أثال؟ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية، فحبسه أياما ثم غرمه ديته، ورجع خالد إلى المدينة فأتى عروة، فقال عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير، فسكت عروة.
ذكر خروج سهم والخطيم
وفيها خرج الخطيم، وهو يزيد بن مالك الباهلي، وسهم بن غالب الهجيمي، فحكما؛ فأما سهم فإنه خرج إلى الأهواز فحكم بها، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه.
وأما الخطيم فإن زيادا سيره إلى البحرين ثم أقدمه وقال لمسلم بن عمرو الباهلي، والد قتيبة بن مسلم: اضمنه، فأبى وقال: إن بات خارجا عن بيته أعلمتك، ثم أتاه مسلم فقال له: لم يبت الخطيم الليلة في بيته، فأمر به فقتل وألقي في باهلة، وقد تقدم ذلك أتم من هذا، وإنما ذكرناه ها هنا لأنه قتل هذه السنة.
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وكان العمال من تقدم ذكرهم.
وفيها توفي صالح بن كيسان مولى بني غفار، وقيل: مولى بني عامر، وقيل: الخزاعي.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين
في هذه السنة كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية.
ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر
وولاية ابن حديج
وفيها عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر ووليها معاوية بن حديج وكان عثمانيا، فمر به عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له: يا معاوية قد أخذت جزاءك من معاوية، قد قتلت أخي محمد بن أبي بكر لتلي مصر فقد وليتها. فقال: ما قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان. فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان لما شاركت معاوية فيما صنع حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل فوثبت أول الناس فبايعته.
حديج بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، وبالجيم.
ذكر غزوة الغور
في هذه السنة سار الحكم بن عمرو إلى جبال الغور فغزا من بها، وكانوا ارتدوا، فأخذهم بالسيف عنوة وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا، ولما رجع الحكم من هذه الغزوة مات بمرو في قول بعضهم، وكان الحكم قد قطع النهر في ولايته ولم يفتح. وكان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم اغترف بترسه فشرب وناوله الحكم فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان أول المسلمين فعل ذلك ثم رجع.
ذكر مكيدة للمهلب
وكان المهلب مع الحكم بن عمرو بخراسان، وغزا معه بعض جبال الترك فغنموا، وأخذ الترك عليهم الشعاب والطرق، فعيي الحكم بالأمر، فولى المهلب الحرب، فلم يزل يحتال حتى أسر عظيما من عظماء الترك، فقال له: إما أن تخرجنا من هذا الضيق أو لأقتلنك. فقال له: أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق وسير الأثقال نحوه فإنهم سيجتمعون فيه ويخلون ما سواه من الطرق فبادرهم إلى طريق آخر فما يدركونكم حتى تخرجوا منه، ففعل ذلك، فسلم الناس بما معهم من الغنائم.
وحج بالناس هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل: عنبسة بن أبي سفيان؛ وكان الولاة من تقدم ذكرهم.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين
فيها كان مشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية. وصائفة عبد الله بن قيس الفزاري. وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر. وغزوة عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر والبحر وبأهل المدينة.
وفيها استعمل زياد غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبة. وحج بالناس مروان وهو يتوقع العزل لموجدة كانت مع معاوية عليه، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له، وكان ولاة الأمصار من تقدم ذكرهم.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين

(2/125)


فيها كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم. وفيها كانت غزوة فضالة ابن عبيد حزة وشتا بها، وفتحت على يده، وأصاب فيها شيئا كثيرا. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر فشتا بأهل الشام. وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع البحر فشتا بأهل مصر.
ذكر غزوة القسطنطينية
في هذه السنة، وقيل: سنة خمسين، سير معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم للغزاة وجعل عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتل، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالفرقدونة من حمى ومن موم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا ... بدير مروان عندي أم كلثوم
وأم كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد الله بن عامر.
فبلغ معاوية شعره فأقسم عليه ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، وكان في الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم وعبد العزيز ابن زرارة الكلابي، فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل المسلمون والروم في بعض الأيام واشتدت الحرب بينهم، فلم يزل عبد العزيز يتعرض للشهادة فلم يقتل، فأنشأ يقول:
قد عشت في الدهر أطوارا على طرق ... شتى فصادفت منها اللين والبشعا
كلا بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تجشمت من لأوائها جزعا
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا
ثم حمل على من يليه فقتل فيهم وانغمس بينهم، فشجره الروم برماحهم حتى قتلوه، رحمه الله. فبلغ خبر قتله معاوية فقال لأبيه: والله هلك فتى العرب! فقال: ابني أو ابنك؟ قال: ابنك، فآجرك الله. فقال:
فإن يكن الموت أودى به ... وأصبح مخ الكلابي زيرا
فكل فتى شارب كأسه ... فإما صغيرا وإما كبيرا
ثم رجع يزيد والجيش إلى الشام وقد توفي أبو أيوب الأنصاري عند القسطنطينية فدفن بالقرب من سورها، فأهلها يستسقون به، وكان قد شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشهد صفين مع علي وغيرها من حروبه.
ذكر عزل مروان عن المدينة وولاية سعيد
وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في ربيع الأول وأمر سعيد ابن العاص عليها في ربيع الآخر، وقيل: في ربيع الأول، وكانت ولاية مروان كلها بالمدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين؛ وكان على قضاء المدينة عبد الله بن الحارث بن نوفل، فعزله سعيد حين ولي واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
ذكر وفاة الحسن بن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه
في هذه السنة توفي الحسن بن علي، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث ابن قيس الكندي، ووصى أن يدفن عند النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا أن تخاف فتنة فينقل إلى مقابر المسلمين، فاستأذن الحسين عائشة فأذنت له، فلما توفي أرادوا دفنه عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم يعرض إليهم سعيد بن العاص، وهو الأمير، فقام مروان بن الحكم وجمع بني أمية وشيعتهم ومنع عن ذلك، فأراد الحسين الامتناع فقيل له: إن أخاك قال: إذا خفتم الفتنة ففي مقابر المسلمين، وهذه فتنة. فسكت، وصلى عليه سعيد بن العاص، فقال له الحسين: لولا أنه سنة لما تركتك تصلي عليه.
ثم دخلت سنة خمسين
فيها كانت غزوة بسر بن أبي أرطأة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم، وغزوة فضالة بن عبيد الأنصاري في البحر.
ذكر وفاة المغيرة بن شعبة
وولاية زياد الكوفة
في هذه السنة في شعبان كانت وفاة المغيرة بن شعبة في قول بعضهم، وهو الصحيح، وكان الطاعون قد وقع بالكوفة، فهرب المغيرة منه، فلما ارتفع الطاعون عاد إلى الكوفة فطعن فمات.
وكان طوالا أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وتوفي وهو ابن سبعين سنة، وقيل: كان موته سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة تسع وأربعين.

(2/126)


فلما مات المغيرة استعمل معاوية زيادا على الكوفة والبصرة، وهو أول من جمعتا له. فلما وليها سار إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وكان زياد يقيم بالوفة ستة أشهر وبالبصرة ستة أشهر، فلما وصل الكوفة خطبهم فحصب وهو على المنبر، فجلس حتى أمسكوا ثم دعا قوما من خاصته فأمرهم فأخذوا أبواب المسجد ثم قال: ليأخذ كل رجل منكم جليسه ولا يقولن لا أدري من جليسي، ثم أمر بكرسي فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعة أربعة يحلفون: ما منا من حصبك، فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه، حتى صار إلى ثلاثين، وقيل: إلى ثمانين، فقطع أيديهم على المكان.
وكان أول قتيل قتله زياد بالكوفة أوفى بن حصن، وكان بلغه عنه شيء، فطلبه فهرب، فعرض الناس زياد، فمر به فقال: من هذا؟ قال: أوفى بن حسن. فقال زياد: أتتك بحائن رجلاه. وقال له: ما رأيك في عثمان؟ قال: ختن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ابنتيه. قال: فما تقول في معاوية؟ قال: جواد حليم. قال: فما تقول في؟ قال: بلغني أنك قلت بالبصرة والله لآخذن البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر. قال: قد قلت ذاك. قال: خبطتها عشواء! فقال زياد: ليس النفاخ بشر الزمرة! فقتله.
ولما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن أبي معيط: إن عمرو ابن الحمق يجمع إليه شيعة أبي تراب. فأرسل إليه زياد: ما هذه الجماعات عندك؟ من أردت كلامه ففي المسجد. وقيل: الذي سعى بعمرو ويزيد بن رويم. فقال له زياد: قد أشطت بدمه، ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ما هجته حتى يخرج علي. فاتخذ زياد المقصورة حين حصب.
فلما استخلف زياد سمرة على البصرة أكثر القتل فيها، فقال ابن سيرين: قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف. فقال له زياد: أتخاف أن تكون قتلت بريئا؟ فقال: لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت. وقال أبو السوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين كلهم قد جمع القرآن. وركب سمرة يوما فلقي أوائل خيله رجلا فقتلوه، فمر به سمرة وهو يتشحط في دمه فقال: ما هذا؟ فقيل: أصابه أوائل خيلك. فقال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا.
ذكر خروج قريب
وفيها خرج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة، وهما ابنا خالة، وزياد بالكوفة وسمرة على البصرة، فأتيا بني ضبيعة، وهم سبعون رجلا، وقتلوا منهم شيخا، وخرج على قريب وزحاف شباب من بني علي وبني راسب فرموهم بالنبل، وقتل عبد الله بن أوس الطاحي قريبا وجاء برأسه.
واشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم، وأمر سمرة بذلك فقتل منهم بشرا كثيرا. وخطب زياد على المنبر فقال: يا أهل البصرة والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن بكم! والله لئن أفلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطائكم درهما! فثار الناس بهم فقتلوهم.
ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة
وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يحمل من المدينة إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة وهم قتلة عثمان، وطلب العصا، وهو عند سعد القرظ، فحرك المنبر فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك، فتركه. وقيل: أتاه جابر وأبو هريرة وقالا له: يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من موضع وضعه، ولا تنقل عصاه إلى الشام، فانقل المسجد. فتركه وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع.
فلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكرك الله أن تفعل! إن معاوية حركه فكسفت الشمس، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من حلف على منبري آثما فليتبوأ مقعده من النار)، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق عندهم بالمدينة! فتركه عبد الملك.
فلما كان الوليد ابنه وحج هم بذلك، فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر ابن عبد العزيز فقال: كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له. فكلمه عمر فتركه.
ولما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد، فقال سليمان: ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا ولا عن الوليد، ما لنا ولهذا! أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله إلى ما قبلنا! هذا ما لا يصلح!.

(2/127)


وفيها عزل معاوية بن حديج السكوني عن مصر ووليها مسلمة بن مخلد مع إفريقية، وكان معاوية بن أبي سفيان بعث قبل أن يولي مسلمة إفريقية ومصر عقبة بن نافع إلى إفريقية، وكان اختط قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيات وغيرها، فدعا الله عليها فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربا حتى إن كانت السباع لتحمل أولادها هاربة بها، وبنى الجامع. فلما عزل معاوية بن أبي سفيان بن حديج السكوني عن مصر عزل عقبة عن إفريقية وجمعها لمسلمة بن مخلد، فهو أول من جمع له المغرب مع مصر، فولى مسلمة إفريقية مولى له يقال له أبو المهاجر، فلم يزل عليها حتى هلك معاوية بن أبي سفيان.
ذكر ولاية عقبة بن نافع إفريقية
وبناء مدينة القيروان
قد ذكر أبو جعفر الطبري أن في هذه السنة ولي مسلمة بن مخلد إفريقية، وأن عقبة ولي قبله إفريقية وبنى القيروان، والذي ذكره أهل التاريخ من المغاربة: أن ولاية عقبة بن نافع إفريقية كانت هذه السنة وبنى القيروان، ثم بقي إلى سنة خمس وخمسين ووليها مسلمة بن مخلد، وهم أخبر ببلادهم، وأنا أذكر ما أثبتوه في كتبهم: قالوا: إن معاوية بن أبي سفيان عزل معاوية بن حديج عن إفريقية حسب واستعمل عليها عقبة بن نافع الفهري، وكان مقيما ببرقة وزويلة مذ فتحها أيام عمرو بن العاص، وله في تلك البلاد جهاد وفتوح. فلما استعمله معاوية سير إليه عشرة آلاف فارس، فدخل إفريقية وانضاف إليه من أسلم من البربر، فكثر جمعه، ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من أسلم، ثم رأى أن يتخذ مدينة يكون بها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد، فقصد موضع القيروان، وكان أجمة مشتبكة بها من أنواع الحيوان، من السباع والحيات وغير ذلك، فدعا الله، وكان مستجاب الدعوة، ثم نادى: أيتها الحيات والسباع إنا أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ارحلوا عنا فإنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. فنظر الناس ذلك اليوم إلى الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فرآه قبيل كثير من البربر فأسلموا، وقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة، فبنيت، وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع، وتم أمرها سنة خمس وخمسين وسكنها الناس، وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا، فتغير وتنهب، ودخل كثير من البربر في الإسلام، واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها.
ذكر ولاية مسلمة بن مخلد إفريقية
ثم إن معاوية بن أبي سفيان استعمل على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري، فاستعمل مسلمة على إفريقية مولى له يقال له أبو المهاجر، فقدم إفريقية وأساء عزل عقبة واستخف به، وسار عقبة إلى الشام وعاتب معاوية على ما فعله به أبو المهاجر، فاعتذر إليه ووعده بإعادته إلى عمله، وتمادى الأمر فتوفي معاوية وولي بعده ابنه يزيد، فاستعمل عقبة بن نافع على البلاد سنة اثنتين وستين، فسار إليها.
وقد ذكر الواقدي أن عقبة بن نافع ولي إفريقية سنة ست وأربعين واختط القيروان، ولم يزل عقبة على إفريقية إلى سنة اثنتين وستين، فعزله يزيد بن معاوية واستعمل أبا المهاجر مولى الأنصار، فحبس عقبة وضيق عليه، فلما بلغ يزيد ابن معاوية ما فعل بعقبة كتب إليه يأمره بإطلاقه وإرساله إليه، ففعل ذلك، ووصل عقبة إلى يزيد فأعاده إلى إفريقية واليا عليها، فقبض على أبي المهاجر وأوثقه، وساق من خبر كسيلة مث ما نذكره إن شاء الله تعالى سنة اثنتين وستين.
ذكر هرب الفرزدق من زياد
وفيها طلب زياد الفرزدق، استعدته عليه بنو نهشل وفقيم.
وسبب ذلك، قال الفرزدق: هاجيت الأشهب بن زميله والبعيث فسقطا، فاستعدى علي بنو نهشل وبنو فقيم زياد بن أبيه، واستعدى علي أيضا يزيد ابن مسعود بن خالد بن مالك، قال: فلم يعرفني زياد حتى قيل له الغلام الأعرابي الذي أنهب ماله وثيابه، فعرفني.

(2/128)


قال الفرزدق: وكان أبي غالب قد أرسلني في جلب له أبيعه وأمتار له، فبعت الجلب بالبصرة وجعلت ثمنه في ثوبي، فعرض لي رجل فقال: لشد ما تستوثق منها، أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صر عليها. فقلت: ومن هو؟ قال: غالب بن صعصعة وهو أبو الفرزدق. فدعوت أهل المربد ونثرتها. فقال لي قائل: ألق رداءك. ففعلت. فقال آخر: ألق ثوبك. ففعلت. وقال آخر: ألق عمامتك. ففعلت. فقال آخر: ألق إزارك. فقلت: لا ألقيه وأمشي مجردا، إني لست بمجنون. وبلغ الخبر زيادا فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فأرسل خيلا إلى المربد ليأتوه بي، فأتاني رجل من بني الهجيم على فرس له وقال: النجاء النجاء! وأردفني خلفه، ونجوت، فأخذ زياد عمين لي: ذهيلا والزحاف ابني صعصعة، وكانا في الديوان، فحبسهما أياما ثم كلم فيهما فأطلقهما، وأتيت أبي فأخبرته خبري، فحقدها عليه زياد.
ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة السعديان والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد أبو منازل المجاشعي إلى معاوية بن أبي سفيان، فأعطى كل رجل منهم جائزة مائة ألف، وأعطى الحتان سبعين ألفا. فلما كانوا في الطريق ذكر كل منهم جائزته.
فرجع الحتات إلى معاوية فقال: ما ردك؟ قال: فضحتني في بني تميم! أما حسبي صحيح؟ أولست ذا سن؟ ألست مطاعا في عشيرتي؟ قال: بلى. قال: فما بالك خسست بي دون القوم وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك؟ وكان حضر الجمل مع عائشة، وكان الأحنف وجارية يريدان عليا، وإن كان الأحنف والجون اعتزلا القتال مع علي لكنهما كانا يريدانه. قال: إني اشتريت من القوم دينهم، ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان، وكان عثمانيا. فقال: وأنا فاشتر مني ديني. فأمر له بإتمام جائزته، ثم مات الحتات فحبسها معاوية، فقال الفرزدق في ذلك؛ شعر:
أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثا فيحتاز التراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث صخر جامد لك ذائبه
فلو كان هذا الأمر في جاهلية ... علمت من المرء القليل حلائبه
ولو كان في دين سوى ذا شنئتم ... لنا حقنا أو غص بالماء شاربه
وأنشد محمد بن علي
ألست أعز الناس قوما وأسرة ... وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه
وما ولدت بعد النبي وآله ... كمثلي حصان في الرجال يقاربه
وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه ... ومن دونه البدر المضيء كواكبه
أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصى ... وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه
وكم من أب لي يا معاوي لم يزل ... أغر يباري الريح ما ازور جانبه
نمته فروع المالكين ولم يكن ... أبوك الذي من عبد شمس يقاربه
تراه كنصل السيف يهتز للندى ... كريما يلاقي المجد ما طر شاربه
طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن ... قصي وعبد الشمس ممن يخاطبه
يريد بالمالكين مالك بن حنظلة ومالك بن زيد مناة بن تميم، وهما جداه. لأن الفرزدق ابن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
فلما بلغ معاوية شعره رد على أهله ثلاثين ألفا، فأغضبت أيضا زيادا عليه، فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضبا فطلبه فهرب وأتى عيسى ابن خصيلة السلمي ليلا وقال له: إن هذا الرجل قد طلبني وقد لفظني الناس وقد أتيتك لتغيثني عندك. فقال: مرحبا بك. فكان عنده ثلاث ليال. ثم قال له: قد بدا لي أن آتي الشام، فسيره. وبلغ زيادا مسيره فأرسل في أثره، فلم يدرك، وأتى الروحاء فنزل في بكر بن وائل فأمن ومدحهم بقصائد.
ثم كان زياد إذا نزل البصرة نزل الفرزدق الكوفة، وإذا نزل الكوفة نزل الفرزدق البصرة، فبلغ ذلك زيادا فكتب إلى عامله على الكوفة، وهو عبد الرحمن بن عبيد، يأمره بطلب الفرزدق، ففارق الكوفة نحو الحجاز، فاستجار بسعيد بن العاص فأجاره فمدحه الفرزدق، ولم يزل بالمدينة مرة وبمكة مرة حتى هلك زياد.

(2/129)


وقد قيل: إن الفرزدق إنما قال هذا الشعر لأن الحتات لما أسمل آخى النبي، صلى الله عليه وسلم، بينه وبين معاوية، فلما مات الحتات بالشام ورثه معاوية بتلك الأخوة فقال الفرزدق هذا الشعر. وهذا القول ليس بشيء لأن معاوية لم يكن يجهل أن هذه الأخوة لا يرث بها أحد.
الحتات بضم الحاء وبتائين مثناتين من فوقهما بينهما ألف.
ذكر وفاة الحكم بن عمرو الغفاري
في هذه السنة توفي الحكم بن عمرو الغفاري بمرو بعد انصرافه من غزوة جبل الأشل في قول، وقد تقدم ذكر وفاته في قول آخر، وكان زياد قد كتب إليه: إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء فلا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضة. فكتب إليه الحكم: بلغني ما أمر به أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله قبل كتابه، وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل له فرجا ومخرجا، ثم قال للناس: اغدوا على أعطياتكم ومالكم، فقسمه بينهم، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك. فتوفي بمرو. وله صحبة.
ذكر عدة حوادث
حج بالناس هذه السنة معاوية، وقيل: بل حج ابنه يزيد، وكان العمال على البلاد من تقدم ذكرهم.
وفيها توفي سعد بن أبي وقاص بالعقيق فحمل على الرقاب إلى المدينة فدفن بها، وقيل: توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين، وعمره أربع وسبعون، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وهو أحد العشرة، وكان قصيرا دحداحا. وفيها توفيت صفية بنت حيي زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، وقيل: توفيت أيام عمر. وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي. وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، توفي بالبصرة. وأبو موسى الأشعري، وقيل: توفي سنة اثنتين وخمسين. وفيها توفي زيد بن خالد الجهني، وقيل: توفي سنة ثمان وستين، وقيل: ثمان وسبعين. وفيها توفي مدلاج بن عمر السلمي، وكان قد شهد المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلهم لهم صحبة.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين
وفيها كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أبي أرطأة الصائفة.
ذكر مقتل حجر بن عدي
وعمرو بن الحمق وأصحابهما
في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه.
وسبب ذلك أن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، فلما أمره عليها دعاه وقال له: أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا أيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم. فقال له المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني، وستبلوا فتحمد أو تذم. فقال: بل نحمد إن شاء الله.
فأقام المغيرة عاملا على الكوفة وهو أحسن شيء سيرة، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له، فإذا سمع ذلك حجر بن عدي قال: بل إياكم ذم الله ولعن! ثم قام وقال: أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أولى بالذم. فيقول له المغيرة: يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك، ثم يكف عنه ويصفح.
فلما كان آخر إمارته قال في علي وعثمان ما كان يقوله، فقام حجر فصاح صيحة بالمغيرة سمعها كل من بالمسجد وقال له: مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين. فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا فإن ما أنت عليه لا يجدي علينا نفعا! وأكثروا من هذا القول وأمثاله. فنزل المغيرة باستأذن عليه قومه ودخلوا وقالوا: علام نترك هذا الرجل يجترىء عليك في سلطانك ويقول لك هذه المقالة فيوهن سلطانك ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية؟ فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته، سيأتي من بعدي أمير يحسبه مثلي فيصنع به ما ترونه يصنع بي فيأخذه ويقتله! إني قد قرب أجلي ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى ويعز في الدنيا معاوية ويشقى في الآخرة المغيرة.

(2/130)


ثم توفي المغيرة وولي زياد، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه. فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة. ورجع زياد إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث، فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه وأنهم حصبوا عمرو بن حريث، فشخص زياد إلى الكوفة حتى دخلها فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وحجر جالس، ثم قال: أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وأمنوني فاجترؤوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان.
وأرسل إلى حجر يدعوه وهو بالمسجد، فلما أتاه رسول زياد يدعوه قال أصحابه: لا تأته ولا كرامة. فرجع الرسول فأخبر زيادا، فأمر صاحب شرطته، وهو شداد بن الهيثم الهلالي، أن يبعث إليه جماعة ففعل، فسبهم أصحاب حجر، فرجعوا وأخبروا زيادا، فجمع أهل الكوفة وقال: تشجون بيد وتأسون بأخرى! أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق! هذا والله من دحسكم! والله ليظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم! فقالوا: معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك. قال: فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله. ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه. وقال زياد صاحب شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به.
فأتاه صاحب الشرطة يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابته، فحمل عليهم، فقال أبو العمرطة الكندي لحجر: إنه ليس معك من معه سيف غيري وما يغني عنك سيفي، قم فالحق بأهلك يمنعك قومك. وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر، وغشيهم أصحاب زياد، وضرب رجل من الحمراء رأس عمرو بن الحمق بعموده فوقع، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى خرج، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، وضرب بعض الشرطة يد عائذ بن حملة التميمي وكسر نابه وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة، وأتى حجر بغلته، فقال له أبو العمرطة: اركب فقد قتلتنا ونفسك. وحمله حتى أركبه، وركب أبو العمرطة فرسه، ولحقه يزيد بن طريف المسلي فضرب أبا العمرطة على فخذه بالعمود، وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب به رأسه فسقط، ثم برأ؛ وله يقول عبد الله بن همام السلولي:
ألؤم ابن لؤم ما عدا بك حاسرا ... إلى بطل ذي جرأة وشكيم
معاود ضرب الدارعين بسيفه ... على الهام عند الروع غير لئيم
إلى فارس الغارين يوم تلاقيا ... بصفين قرم خير نجل قروم
حسبت ابن برصاء الحتار قتاله ... قتالك زيدا يوم دار حكيم
وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في اختلاف بين الناس.
ومضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير، ولم يأته من كندة كثير أحد. فأرسل زياد. وهو على المنبر، مذحج وهمدان إلى جبانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحجر، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حجر فيأتوه به، ففعلوا، فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا، فأثنى عليهم زياد.
فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم: لا طاقة لكم بمن قد اجتمع عليكم وماأحب أن تهلكوا. فخرجوا، فأدركهم مذحج وهمدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون، فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل، فبكت بناته، فقال حجر: بئس ما أدخلت على بناتك إذا! قال: والله لا تؤخذ من داري أسيرا ولا قتيلا وأنا حي. فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأحسن لقاءه. فبينما هو عنده إذ قيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع. وسبب ذلك أن أمة سوداء لقيتهم فقالت: من تطلبون؟ فقالوا: حجر بن عدي. فقالت: هو في النخع.
فخرج حجر من عنده فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجد.

(2/131)


فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث وقال له: والله لتأتيني به أو لأقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا. فاستمهله، فأمهله ثلاثا وأحضر قيس بن يزيد أسيرا، فقال له زياد: لابأس عليك، قد عرفت رأيك في عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وأنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكن ائتني بأخيك عمير. فاستأمن له منه على ماله ودمه، فآمنه، فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا، وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه، ففعلوا به ذلك مرارا، فقال قيس بن يزيد لزياد: ألم تؤمنه؟ قال: بلى قد آمنته على دمه ولست أهريق له دما. ثم ضمنه وخلى سبيله.
ومكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية. فجمع محمد جماعة، منهم: جرير بن عبد الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية، فأجابهم، فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد، فلما رآه قال: مرحبا بك أبا عبد الرحمن، حرب أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس، على أهلها تجني براقش، فقال حجر: ما خلعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني على بيعتي فقال: هيهات يا حجر! تشج بيد وتأسو بأخرى. فأمر إلى السجن. فلما ولى قال زياد: والله لأحرصن على قطع خيط رقبته! وطلب أصحابه، فخرج عمرو بن الحمق حتى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شداد فاختفيا بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، فسار إليهما، فخرجا إليه فأما عمرو فكان قد استسقى بطنه ولم يكن عنده امتناع، وأما رفاعة فكان شابا قويا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو، فقال له عمرو: ما ينفعني قتالك عني؟ انج بنفسك! فحمل عليهم، فأفرجوا له، فنجا، وأخذ عمرو أسيرا، فسألوه: من أنت؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر عليكم؛ ولم يخبرهم. فبعثوه إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي الذي يعرف بابن أم الحكم، وهو ابن أخت معاوية، فعرفه فكتب فيه إلى معاوية. فكتب إليه: إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه فاطعنه كما طعن عثمان. فأخرج وطعن. فمات في الأولى منهن أو الثانية.
وجد زياد في طلب أصحاب حجر فهربوا، وأخذ من قدر عليه منهم. فأتي بقبيصة بن ضبيعة العبسي بأمان فحبسه، وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرأ منا يقال له صيفي بن فسيل من رؤوس أصحاب حجر. فبعث زياد فأتي به، فقال: يا عدو الله ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرب أبا تراب. فقال: ما أعرفك به! أتعرف علي بن أبي طالب؟ قال: نعم. قال: فذاك أبو تراب. قال: كلا. ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا! قال: فإن كذب الأمير أكذب أنا وأشهد على باطل كما شهد؟ فقال له زياد: وهذا أيضا، علي بالعصا، فأتي بها، فقال: ما تقول في علي؟ قال: أحسن قول. قال: اضربوه، حتى لصق بالأرض، ثم قال: أقلعوا عنه، ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسي ما قلت إلا ما سمعت مني. قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك! قال: لا أفعل. فأوثقوه حديدا وحبسوه.
قيل: وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه. ثم دخل الكوفة فجلس في بيته، فقال حوشب للحجاج: إن هنا امرأ صاحب فتن لم تكن فتنة بالعراق إلا وثب فيها، وهو ترابي يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث حتى هلك، وقد جاء فجلس في بيته. فبعث إليه الحجاج فقتله، فقال بنو أبيه لآل حوشب: سعيتم بصاحبنا! فقالوا: وأنتم أيضا سعيتم بصاحبنا، يعني صيفيا الشيباني.

(2/132)


وأرسل زياد إلى عبد الله بن خليفة الطائي، فتوارى، فبعث إليه الشرط فأخذوه، فخرجت أخته النوار فحرضت طيئا، فثاروا بالشرط وخلصوه، فرجعوا إلى زياد فأخبروه، فأخذ عدي بن حاتم وهو في المسجد فقال: ايتني بعبد الله! قال: وما حاله؟ فأخبره، فقال: لا علم لي بهذا! قال: لتأتيني به. قال: لا آتيك به أبدا، آتيك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه! فأمر به إلى السجن، فلم يبق بالكوفة يمني ولا ربعي إلا كلم زيادا وقالوا: تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقال: فإني أخرجه على شرط أن يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي سلطان. فأجابوه إلى ذلك، وأرسل عدي إلى عبد الله يعرفه ما كان وأمره أن يلحق بجبلي طيء، فخرج إليهما، وكان يكتب إلى عدي ليشفع فيه ليعود إلى الكوفة، وعدي يمنيه؛ فمما كتب إليه يعاتبه ويرثي حجرا وأصحابه قوله:
تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا ... وذكر الصبا برح على من تذكرا
وولى الشباب فافتقدت غصونه ... فيا لك من وجد به حين أدبرا
فدع عنك تذكار الشباب وفقده ... وأسبابه إذ بان عنك فأجمرا
وبك على الخلان لما تخرموا ... ولم يجدوا على منهل الموت مصدرا
دعتهم مناياهم ومن حان يومه ... من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا
أولئك كانوا شيعة لي وموئلا ... إذا اليوم ألفي ذا احتدام مذكرا
وما كنت أهوى بعدهم متعللا ... بشيء من الدنيا ولا أن أعمرا
أقول ولا والله أنسى ادكارهم ... سجيس الليالي أو أموت فأقبرا
على أهل عذراء السلام مضاعفا ... من الله وليسق الغمام الكنهوار
ولاقى بها حجر من الله رحمة ... فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا
ولا زال تهطال ملث وديمة ... على قبر حجر أو ينادى فيحشرا
فيا حجر من للخيل تدمى نحورها ... وللملك المغري إذا ما تغشمرا
ومن صداع بالحق بعدك ناطق ... بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا
فنعم أخو الإسلام كنت وإنني ... لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا
وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه ... وترعف معروفا وتنكر منكرا
فيا أخوينا من هميم عصمتما ... ويسرتما للصالحات فأبشرا
ويا أخوي الخندفيين أبشرا ... بما معنا حييتما أن تتبرا
ويا إخوتا من حضرموت وغالب ... وشيبان لقيتم جنانا مبشرا
سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم ... حجاجا لدى الموت الجليل وأصبرا
سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال ... حمام ببطن الواديين وقرقرا
فقلت ولم أظلم: أغوث بن طيء ... متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا
هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم ... وقد دث حتى مال ثم تجورا
تفرجتم عني فغودرت مسلما ... كأني غريب من إياد وأعصرا
فمن لكم مثلي لدى كل غارة ... ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا
ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت ... وأوضع فيها المستميت وشمرا
فها أنا ذا آوي بأجبال طيء ... طريدا فلو شاء الإله لغيرا
نفاني عدوي ظالما عن مهاجري ... رضيت بما شاء الإله وقدرا
وأسلمني قومي بغير جناية ... كأن لم يكونوا لي قبيلا ومعشرا
فإن ألف في دار بأجبال طيء ... وكان معانا من عصير ومحضرا
فما كنت أخشى أن أرى متغربا ... لحى الله من لاحى عليه وكشرا
لحى الله قيل الحضرميين وائلا ... ولاقى القناني بالسنان المؤمرا
ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا ... علينا وقالوا قول زور ومنكرا

(2/133)


فلا يدعني قوم لغوث بن طيء ... لئن دهرهم أشقى بهم وتغيرا
فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر ... عليهم عجاجا بالكويفة أكدرا
فبلع خليلي إن رحلت مشرقا ... جديلة والحيين معنا وبحترا
ونبهان والأفناء من جذم طيء ... ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا
ألم تذكروا يوم العذيب أليتي ... أمامكم أن لا أرى الدهر مدبرا
وكري على مهران والجمع حابس ... وقتلي الهمام المستميت المسورا
ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم ... ويوم نهاوند الفتوح وتسترا
وتنسونني يوم الشريعة والقنا ... بصفين في أكتافهم قد تكسرا
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... برفضي وخذلاني جزاء موفرا
أتنسى بلائي سادرا يا ابن حاتم ... عشية ما أغنت عديك حزمرا
فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم الألد العذورا
تولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثا بالأباءة مخدرا
وقد تقدم ما فعله عبد الله مع عدي في وقعة صفين، فلهذا لم نذكره ها هنا.
نصرتك إذ خان القريب وأبعط ال ... بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا
فكان جزائي أن أجرد بينكم ... سحيبا وأن أولى الهوان وأوسرا
وكم عدة لي منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا
فأصبحت أرعى النيب طورا وتارة ... أهرهر إن راعي الشويهات هرهرا
كأني لم أركب جوادا لغارة ... ولم أترك القرن الكمي مقطرا
ولم أعترض بالسيف منكم مغيرة ... إذ النكس مشى القهقرى ثم جرجرا
ولم أستحث الركض في إثر عصبة ... ميممة عليا سجاس وأبهرا
ولم أذعر الأبلام مني بغارة ... كورد القطا ثم انحدرت مظفرا
ولم أر في خيل تطاعن مثلها ... بقزوين أو شرودين أو أغر كيدرا
فذلك دهر زال عني حميده ... وأصبح لي معروفه قد تنكرا
فلا يبعدن قومي وإن كنت عاتبا ... وكنت المضاع فيهم والمكفرا
ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا
فمات عبد الله بالجبلين قبل موت زياد، ثم أتي زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر بن عدي، فقال: ما اسمك؟ قال: كريم بن عفيف. قال: ما أحسن اسمك واسم أبيك وأسوأ عملك ورأيك! فقال له: أما والله إن عهدك برأيي منذ قريب.
قال: وجمع زياد من أصحاب عدي اثني عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ، وهم: عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد ابن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر، وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه وأمره. ونظر زياد في شهادة الشهود وقال: إني لأحب أن يكونوا أكثر من أربعة، فدعا الناس ليشهدوا عليه، فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله، والمنذر ابن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم، وكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانىء، فأما شريح بن هانىء فكان يقول: ما شهدت وقد لمته.

(2/134)


ثم دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فخرجوا عشية، فلما بلغوا الغريين لحقهم شريح بن هانىء وأعطى وائلا كتابا وقال: أبلغه أمير المؤمنين، فأخذه، وساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق، وكانوا: حجر ابن عدي الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيين، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبد الله بن حوية السعدي التميمي، فهؤلاء اثنا عشر رجلان وأتبعهم زياد برجلين، وهما: عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر، وسعد بن نمران الهمداني، فتموا أربعة عشر رجلا.
فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب، فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه، ودفع إليه وائل كتاب شريح بن هانىء، فإذا فيه: بلغني أن زيادا كتب شهادتي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه. فقال معاوية: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج عذراء. فوصل إليهم الرجلان اللذان ألحقهما زياد بحجر وأصحابه، فلما وصلا سار عامر بن الأسود العجلي إلى معاوية ليعلمه بهما، فقام إليه حجر بن عدي في قيوده فقال له: أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه وصالحنا، وأنا لم نقتل أحدا من أهل القبلة فيحل له دماؤنا.
فدخل عامر على معاوية فأخبره بالرجلين، فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهبه ابني عمه، وهما: عاصم وورقاء وكان جرير بن عبد الله البجلي قد كتب فيهما يزكيهما ويشهد لهما بالبراءة مما شهد عليهما، فأطلقهما معاوية، وشفع حمرة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له، وشفع حبيب بن مسلمة في ابن حوية فتركه له، وقام مالك بن هبيرة السكوني فقال: دع لي ابن عمي حجرا. فقال له: هو رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصره فنحتاج أن نشخصك إليه بالعراق. فقال: والله ما أنصفتني يا معاوية! قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا كعبك ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني! ثم انصرف فجلس في بيته.
فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحصين بن عبد الله الكلابي، وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم، فأتوهم عند المساء. فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال: يقتل نصفنا ويترك نصفنا، فتركوا ستة وقتلوا ثمانية، وقالوا لهم قبل القتل: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم. فقالوا: لسنا فاعلي ذلك. فأمر فحفرت القبور وأحضرت الأكفان وقام حجر وأصحابه يصلون عامة الليل. فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر بن عدي: اتركوني أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت ولا صلي، فتركوه، فصلى ثم انصرف منها وقال: والله ما صليت صلاة قط أخف منها، ولولا أن تظنوا في جزعا من الموت لاستكثرت منها. ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا! فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتوني بها فإني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها! ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف فارتعد، فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك وندعك. فقال: وما لي لا أجزع وأرى قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا مشهورا! وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتلوه وقتلوا ستة.

(2/135)


فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فاستأذنوا معاوية فيهما، فأذن بإحضارهما. فلما دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله يا معاوية! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤول عما أردت بسفك دمائنا! فقال له: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك. قال: أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به؟ فسكت، وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة ابن خثعم فاستوهبه، فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة، فاختار الموصل، فكان يقول: لو مات معاوية قدمت الكوفة، فمات قبل معاوية بشهر. ثم قال لعبد الرحمن بن حسان: يا أخا ربيعة ما تقول في علي؟ قال: دعني ولا تسألني فهو خير لك. قال: والله لا أدعك. قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله تعالى كثيرا من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وأغلق أبواب الحق. قال: قتلت نفسك! قال: بل إياك قتلت؛ ولا ربيعة بالوادي، يعني ليشفعوا فيه، فرده معاوية إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فدفنه حيا.
فكان الذين قتلوا: حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي التميمي، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي الذي دفنه زياد حيا، فهؤلاء السبعة قتلوا ودفنوا وصلي عليهم.
قيل: ولما بلغ الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال: صلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم. قال: حجوهم ورب الكعبة! وأما مالك بن هبيرة السكوني فحين لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ليخلص حجرا وأصحابه، فلقيته قتلتهم، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلص حجرا، فقال لهم: ما وراءكم؟ قالوا: قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين. فسكت وسار إلى عذراء، فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم، فأرسل الخيل في إثر قتلتهم فلم يدركوهم، ودخلوا على معاوية فأخبروه، فقال لهم: إنما هي حرارة يجدها في نفسه وكأنها طفئت، وعاد مالك إلى بيته ولم يأت معاوية، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم وقال: ما منعني أن أشفعك إلا خوفا أن يعيدوا لنا حربا فيكون في ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر. فأخذها وطابت نفسه.
ولما بلغ خبر حجر عائشة أرسلت عبد الرحمن بن الحارث إلى معاوية فيه وفي أصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: حين غاب عني مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت.
وقالت عائشة: لولا أنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا.
وقال الحسن البصري: أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة. انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر! ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر! قيل: وكان الناس يقولون: أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي، وقتل حجر، ودعوة زياد؛ وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حجرا، وكانت تتشيع:
ترفع أيها القمر المنير ... تبصر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير
تجبرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد له محولا ... كأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديا ... وشيخا في دمشق له زئير
فإن تهلك فكل زعيم قوم ... من الدنيا إلى هلك يصير

(2/136)


وقد قيل في قتله غير ما تقدم: وهو أن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بين عدي: الصلاة. فمضى في خطبته. فقال له: الصلاة. فمضى في خطبته. فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى وقام إلى الصلاة وقام الناس معه. فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس وكتب إلى معاوية وكثر عليه، فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه. فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعا وطاعة. فشد في الحديد وحمل إلى معاوية. فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: أأمير المؤمنين أنا؟ والله لا أقيلك ولا أستقيلك! أخرجوه فاضربوا عنقه! فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين. فقالوا: صل، فصلى ركعتين خفف فيهما. ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتهما، وقال لمن حضره من قومه: لا تطلقوا عني حديدا ولا تغسلوا عني دما، فإني لاق معاوية غدا على الجادة؛ وضربت عنقه. قال: فلقيت عائشة معاوية فقالت له: أين كان حلمك عن حجر؟ فقال: لم يحضرني رشيد. قال ابن سيرين: بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول: يومي منك يا حجر طويل! عباد بضم العين، وفتح الباء الموحدة وتخفيفها.
ذكر استعمال الربيع على خراسان
وفي هذه السنة وجه زياد الربيع بن زياد الحارثي أميرا على خراسان، وكان الحكم بن عمرو الغفاري قد استخلف عند موته أنس بن أبي أناس، فعزله زياد وولى خليد بن عبد الله الحنفي، ثم عزله وولى الربيع بن زياد أول سنة إحدى وخمسين وسير معه خمسين ألفا بعيالاتهم من أهل الكوفة والبصرة، منهم: بريدة بن الحصيب، وأبو برزة، ولهما صحبة، فسكنوا خراسان، فلما قدمها غزا بلخ ففتحها صلحا، وكانت قد أغلقت بعدما صالحهم الأحنف بن قيس في قول بعضهم. وفتح قهستان عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك، وبقي منهم نيزك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة مات جرير بن عبد الله البجلي، وقيل: سنة أربع وخمسن، وكان إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وفيها مات سعيد بن زيد، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: ثمان وخمسين، ودفن بالمدينة، وهو أحد العشرة. وأبو بكرة نفيع بن الحارث، له صحبة، وهو أخو زياد لأمه. وفيها ماتت ميموتة بنت الحارث زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، بسرف، وفيها دخل بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقيل: ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين.
وحج بالناس هذه السنة يزيد بن معاوية. وكان العمال بهذه السنة من تقدم ذكرهم.
بريدة بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة. والحصيب بضم الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة، وآخره باء موحدة.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين
فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأسدي الروم وشتى بأرضهم، وتوفي بها في قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل: إن الذي شتى هذه السنة بأرض الروم بسر بن أبي أرطأة ومعه سفيان بن عوف، وغزا الصائفة هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفي.
ذكر خروج زياد بن خراش العجلي
وفي هذه السنة خرج زياد بن خراش العجلي في ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن من السواد، فسير إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أو غيره، فقتلوهم وقد صاروا إلى ماه.
ذكر خروج معاذ الطائي
وخرج على زياد أيضا رجل من طيء يقال له معاذ، فأتى نهر عبد الرحمن ابن أم الحكم في ثلاثين رجلا هذه السنة، فبعث إليه زياد من قتله وأصحابه، وقيل: بل حل لواءه واستأمن. ويقال لهم أصحاب نهر عبد الرحمن.
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس سعيد بن العاص. وكان العمال من تقدم ذكرهم.
وفيها مات عمران بن الحصين الخزاعي بالبصرة. وأبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد، شهد العقبة وبدرا، وقد تقدم أنه توفي سنة تسع وأربعين عند القسطنطينية. وكعب بن عجرة، وله خمس وسبعون سنة.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين
فيها كان مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم.

(2/137)


وفيها فتحت رودس، جزيرة في البحر، فتحها جنادة بن أمية الأزدي ونزلها المسلمون وهم على حذر من الروم، وكانوا أشد شيء على الروم يعترضونهم في البحر فيأخذون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، وكان العدو قد خافهم. فلما توفي معاوية أقفلهم ابنه يزيد.
وقيل: فتحت سنة ستين.
ذكر وفاة زياد
وفي هذه السنة توفي زياد بن أبيه بالكوفة في شهر رمضان.
وكان سبب موته أنه كتب إلى معاوية: إني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة فاشغلها بالحجاز. فكتب له عهده على الحجاز، فبلغ أهل الحجاز فأتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فذكروا ذلك، فقال: أدعو الله عليه ثم استقبل القبلة. ودعا ودعوا معه، وكان من دعائه أن قال: اللهم اكفنا شر زياد. فخرجت طاعونة على إصبع يمينة فمات منها. فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضي فقال له: قد حدث ما ترى وقد أمرت بقطعها فأشر علي. فقال له شريح: إني أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم وقد قطعت يدك كراهية لقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير فتعيش أجذم وتعير ولدك. فقال: لا أبيت والطاعون في لحاف واحد. فخرج شريح من عنده، فسأله الناس، فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلا أشرت بقطعها؟ فقال: المستشار مؤتمن.
وأراد زياد قطعها، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه، وقيل: بل تركه لما أشار عليه شريح بتركه، ولما حضرته الوفاة قال له ابنه: قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها. فقال له: يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من لباسه، أو سلب سريع! فمات فدفن بالثوبة إلى جانب الكوفة.
فلما بلغ موته ابن عمر قال: اذهب ابن سمية، لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك.
وكان مولده سنة إحدى من الهجرة؛ قال مسكين الدرامي يرثيه:
رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين ودعنا زياد
فقال الفرزدق يجيبه، ولم يكن هجا زيادا حتى مات:
أمسكين أبكى الله عينيك إنما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا
بكيت أمرأ من أهل ميسان كافرا ... ككسرى على عدانه أو كقيصرا
أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا
وكان زياد فيه حمرة، وفي عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص ربما رقعه.
ذكر وفاة الربيع
وفيها مات الربيع بن زياد الحارثي عامل خراسان من قبل زياد.
وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي حتى إنه قال: لا تزال العرب تقتل صبرا بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا، ولكنها أقرت فذلت. ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: أيها الناس إني قد مللت الحياة وإني داع بدعوة فأمنوا! ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا! وأمن الناس، ثم خرج فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه، ثم مات ابنه بعده بشهرين واستخلف خليد ابن يربوع الحنفي، فأقره زياد. ولما مات زياد كان على البصرة ثمانية عشر شهرا، وقيل: ستة أشهر، ثم عزله معاوية، فقال سمرة: لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبدا. وجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل المسجد فصلى، فأمر سمرة بقتله فقتل، فمر به أبو بكرة فقال: يقول الله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) الأعلى: 14 - 15، قال: وما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة.
الثوية بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، والياء تحتها نقطتان: موضع فيه مقبرة.
ذكر عدة حوادث
حج بالناس هذه السنة سعيد بن العاص، وكان عامل المدينة، وخرجت هذه السنة وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة، وعلى خراسان خليد بن يربوع الحنفي.
أسيد بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة، وسكون الياء المعجمة باثنتين من تحتها.
وفيها مات عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بطريق مكة في نومة نامها، وقيل: توفي بعد ذلك. وفيها توفي فيروز الديلمي، وكانت له صحبة، وكان معاوية قد استعمله على صنعاء. وفيها مات عمرو بن حزم الأنصاري. وفيها مات فضالة بن عبيد الأنصاري بدمشق، وكان قاضيها لمعاوية، وقيل: مات آخر أيام معاوية، وقيل غير ذلك، شهد أحدا وما بعدها.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين

(2/138)


ذكر غزوة الروم وفتح جزيرة أرواد
فيها كان مشتى محمد بن مالك بأرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي.
وفيها فتح المسلمون ومقدمهم جنادة بن أبي أمية جزيرة أرواد قريب القسطنطينية، فأقاموا بها سبع سنين، وكان معهم مجاهد بن جبر، فلما مات معاوية وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود فعادوا.
ذكر عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان
وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان.
وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافية ويقبض منه فدك، وكان وهبها له، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك، فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد ووضع الكتابين عنده، فعزله معاوية وولى مروان وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره، فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت. فقال: ما كنت لأفعل. قال: بلى والله. قال: كلا. وقال لغلامه: ايتني بكتاب معاوية؛ فجاءه بالكتابين، فلما رآهما مروان قال: كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني؟ فقال سعيد: ما كنت لأمن عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا. فقال مروان: أنت والله خير مني. وعاد ولم يهدم دار سعيد، وكتب سعيد إلى معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا! إنه يضغن بعضنا على بعض، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين، وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم، واجتماع كلمتنا، لكان حقا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك.
فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده. وقدم سعيد على معاوية فسأله عن مروان فأثنى عليه خيرا، فقال له معاوية: ما باعد بينه وبينك؟ قال: خافني على شرفه وخفته على شرفي. قال: فماذا له عندك؟ قال: أسره شاهدا وغائبا.
ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على خراسان
وفي هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب واستعمل على البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان ستة أشهر.
وفيها استعمل معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان.
وكان سبب ولايته أنه قدم عليه بعد موت أبيه، من استعمل أبوك على الكوفة والبصرة؟ فأخبره، فقال: لو استعملك أبوك لاستعملتك. فقال عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها لي أحد بعدك: لو استعملك أبوك وعمك لاستعملتك. فولاه خراسان وقال له: اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيئا، فإن في تقواه عوضا، ووفر عرضك من أن تدنسه، وإذا أعطيت عهدا فف به، ولا تبيعن كثيرا بقليل، ولا يخرجن منك أمر حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، وإذا لقيت عدوك فغلبوك على ظهر الأرض فلا يغلبوك على بطنها، ولا تطمعن أحدا في غير حقه، ولا تؤيسن أحدا من حق هو له. ثم ودعه، وكان عمر عبيد الله خمسا وعشرين سنة، وسار إلى خراسان، فقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان أول من قطع جبال بخارى في جيش، ففتح رامني ونسف وبيكند، وهي من بخارى، فمن ثم أصاب البخارية وغنم منهم غنائم كثيرة، ولما لقي الترك وهزمهم كان مع ملكهم زوجته فعجلوها عن لبس خفيها فلبست أحدهما وبقي الآخر، فأخذه المسلمون، فقوم بمائتي ألف درهم، وكان قتاله الترك من زحوف خراسان التي تذكر، فظهر منه بأس شديد، وأقام بخراسان سنتين.
ذكر عدة حوادث
وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم وهو أمير المدينة.
وكان على الكوفة عبد الله بن خالد، وقيل: الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان.

(2/139)


وفي هذه السنة توفي أبو قتادة الأنصاري وعمره سبعون سنة، وقيل: مات سنة أربعين، وصلى عليه علي وكبر عليه سبعا، وشهد مع علي حروبه كلها، وهو بدري. وفيها توفي حويطب بن عبد العزى وله مائة وعشرون سنة. وفيها توفي ثوبان مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأسامة بن زيد، وقيل: توفي أسامة سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين. وفيها توفي سعيد بن يربوع بن عنكثة، وكان عمره مائة وأربعا وعشرين سنة، وله صحبة. ومخرمة بن نوفل، وهو من مسلمة الفتح، وعمره مائة سنة وخمس عشرة سنة، وعبد الله بن أنيس الجهني. وفيها قتل يزيد بن شجرة الرهاوي في غزوة غزاها، وقيل: سنة ثمان وخمسين.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين
في هذه السنة كان مشتى سفيان بن عوف الأزدي في قول، وقيل: بل الذي شتى هذه السنة عمرو بن محرز، وقيل: بل عبد الله بن قيس الفزاري، وقيل: بل مالك بن عبد الله.
ذكر ولاية ابن زياد البصرة
في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها عبيد الله بن زياد.
وكان سبب ذلك: أن عبد الله خطب على منبر البصرة فحصبه رجل من بني ضبة فقطع يده، فأتاه بنو ضبة وقالوا: إن صاحبنا جنى ما جنى وقد عاقبته ولا نأمن أن يبلغ خبرنا أمير المؤمنين فيعاقب عقوبة تعم، فاكتب لنا كتابا إلى أمير المؤمنين يخرج به أحدنا إليه يخبره أنك قطعت على شبهة وأمر لم يتضح. فكتب لهم، فلما كان رأس السنة توجه عبد الله إلى معاوية ووافاه الضبيون بالكتاب وادعوا أنه قطع صاحبهم ظلما. فلما رأى معاوية الكتاب قال: أما القود من عمالي فلا سبيل إليه ولكن أدي صاحبكم من بيت المال. وعزل عبد الله عن البصرة واستعمل ابن زياد عليها، فولى ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي، فلم يغزو ولم يغز ولم يفتح بها شيئا.
ذكر عدة حوادث
وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس، وقيل ما تقدم. وفيها مات الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهو الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يختفي في داره بمكة، وكان عمره ثمانين سنة وزيادة، وقيل: مات يوم مات أبو بكرة. وفيها توفي أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، وهو بدري، وشهد صفين مع علي، وقيل: توفي قبل. وحج بالناس هذه السنة مروان بن الحكم.
ثم دخلت سنة ست وخمسين
فيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبد الرحمن ابن مسعود. وقيل: غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة، وفي البر عياض بن الحارث، واعتمر معاوية فيها في رجب، وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.
ذكر البيعة ليزيد بولاية العهد
وفي هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية بولاية عهد أبيه.
وكان ابتداء ذلك وأوله من المغيرة بن شعبة، فإن معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة ويستعمل عوضه سعيد بن العاص، فبلغه ذلك فقال: الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية. فسار إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدا. ومضى حتى دخل على يزيد وقال له: إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وآله وكبراء قريش وذوو أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة. قال: أوترى ذلك يتم؟ قال: نعم.
فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، فأحضر المغيرة وقال له ما يقول يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة. قال: ومن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى. فودعه ورجع إلى أصحابه. فقالوا: مه؟ قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمه محمد وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا؛ وتمثل:
بمثلي شاهدي النجوى وغالي ... بي الأعداء والخصم الغضابا

(2/140)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية