صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكامل في التاريخ
المؤلف : ابن الأثير
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل على رايتهم، وهم في الميسرة: زيد وعبد الله بن رقبة وأبو عبيدة بن راشد بن سلمى وهو يقول: اللهم أنت هديتنا من الضلالة واستنقذتنا من الجهالة وابتليتنا بالفتنة فكنا في شبهة وعلى ريبة، وقتل. واشتد الأمر حتى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم وميسرة أهل البصرة بقلبهم ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة، فلما رأى الشجعان من مضر الكوفة والبصرة الصبر تنادوا: طرفوا إذا فرغ الصبر، فجعلوا يقصدون الأطراف الأيدي والأرجل، فما رؤي وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا بعدها ولا أكثر ذراعا مقطوعة ولا رجلا مقطوعة، واصيبت يد عبد الرحمن ابن عتاب قبل قتله. فنظرت عائشة من يسارها فقالت: من القوم عن يساري؟ قال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد. فقالت: يا آل غسان حافظوا اليوم على جلادكم الذي كنا نسمع به، وتمثلت:
وجالد من غسان أهل حفاظها ... وكعب وأوس جالدت وشبيب
فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك. وقالت لمن عن يمينها: من القوم عن يميني؟ قال: بكر بن وائل. قالت: لكم يقول القائل:
وجاؤوا إلينا في الحديد كأنهم ... من العزة القعساء بكر بن وائل
إنما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك. وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية. قالت: بخ بخ سيوف أبطحية قرشية! فجالدوا جلادا يتفادى منه. ثم أطافت بها بنو ضبة فقالت: ويها جمرة الجمرات! فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة وكثروا حولها، فقالت: من أنتم؟ قالوا: بنو عدي خالطنا إخوتنا، فأقاموا رأس الجمل وضربوا ضربا شديدا ليس بالتعذير ولا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين جميعأ راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يصرع الجمل، وصار مجنبتا علي إلى القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضا. وأخذ عميرة بن يثربي برأس الجمل وكان قاضي البصرة قبل كعب بن سور، فشهد الجمل هو وأخوه عبد الله، فقال علي: من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملي المرادي، فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربي، ثم حمل علباء بن الهيثم فاعترضه ابن يثربي فقتله وقتل سيحان بن صوحان وارتث صعصعة، وقال ابن يثربي:
أنا لمن ينكرني ابن يثربي ... قاتل علباء وهند الجملي
وابن لصوحان على دين علي
وقال ابن يثربي أيضا:
أضربهم ولا أرى أبا حسن ... كفى بهذا حزنا من الحزن
إنما نمر الأمر إمرار الرسن
فناداه عمار: لقد عذت بحريز وما إليك من سبيل، فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلي. فترك الزمام في يد رجل من بني عدي، حتى إذا كان بين الصفين تقدم عمار، وهو ابن تسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، عليه فرو وقد شد وسطه بحبل ليف، وهو أضعف من بارزه، واسترجع الناس وقالوا: هذا لاحق بأصحابه، وضربه ابن يثربي فاتقاه عمار بدرقته فنشب سيفه فيها فعالجه فلم يخرج، وأسف عمار لرجليه فضربه فقطهما فوقع على استه وأخذ أسيرا فأتي به إلى علي، فقال: استبقني. فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم! وأمر به فقتل. وقيل: إن المقتول عمرو بن يثربي وإن عميرة بقي حتى ولي قضاء البصرة مع معاوية، ولما قتل ابن يثربي تولى ذلك العدوي الزمام فتركه بيد رجل من بني عدي وبرز، فخرج إليه ربيعة العقيلي يرتجز ويقول:
يا أمتا أعق أم نعلم ... والأم تغذو ولدا وترحم
ألا ترين كم شجاع يكلم ... وتختلى منه يد ومعصم
كذب فهي من أبر أم نعلم. ثم اقتتلا فأثخن كل واحد منهما صاحبه، فماتا جميعا، وقام مقام العدوي الحرث الضبي، فما رؤي أشد منه، وجعل يقول:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... نبارز القرن إذا القرن نزل
ننعى ابن عفان بأطراف الأسل ... الموت أحلى عندنا من العسل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
وقيل: إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبي، وكان عمرو يحرض أصحابه يوم الجمل، وقد أخذ الخطام، ويقول:
نحن بنو ضبة لا نفر ... حتى نرى جماجما تخر
يخر منها العلق المحمر
ويقول:

(2/47)


يا أمتا يا عيس لن تراعي ... كل بنيك بطل شجاع
ويقول:
يا أمتا يا زوجة النبي ... يا زوجة المبارك المهدي
ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل على الخطام أربعون رجلا. قالت عائشة: ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبة. قال: وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش كلهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل، وكان ممن أخذ بزمام الجمل محمد بن طلحة، وقال: يا أمتاه مريني بأمرك. قالت: آمرك أن تكون خير بني آدم إن تركت، فجعل لا يحمل عليه أحد إلا حمل عليه، وقال: حاميم لا ينصرون، واجتمع عليه نفر كلهم ادعى قتله، المكعبر الأسدي، والمكعبر الضبي، ومعاوية بن شداد العبسي، وعفار السعدي النصري، فأنفذه بعضهم بالرمح، ففي ذلك يقول:
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليا ومن لا يتبع الحق يندم
وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسيف، فأقبل إليه الحرث بن زهير الأزدي وهو يقول:
يا أمنا يا خير أم نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم
وتختلى هامته والمعصم
فاختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلا قتل، وكان لا يأخذه والراية إلا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب: أنا فلان بن فلان، فوالله إن كان ليقاتلون عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت، وما رامه أحد من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد، وحمل عدي بن حاتم الطائي عليهم ففقئت عينه، وجاء عبد الله بن الزبير ولم يتكلم فقالت: من أنت؟ فقال: ابنك ابن أختك. قالت: واثكل أسماء! وانتهى إليه الأشتر، فاقتتلا، فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا، وضربه عبد الله ضربة خفيفة، واعتنق كل رجل منهما صاحبه وسقطا إلى الأرض يعتركان، فقال ابن الزبير:
اقتلوني ومالكا ... واقتلوا مالكا معي
فلو يعلمون من مالك لقتلوه، إنما كان يعرف بالأشتر، فحمل أصحاب علي وعائشة فخلصوهما. قال الأشتر: لقيت عبد الرحمن بن عتاب فلقيت أشد الناس وأخرقه ما لبثت أن قتلته، ولقيت الأسود بن عوف فلقيت أشد الناس وأشجعه فما كدت أنجو منه فتمنيت أني لم أكن لقيته، ولحقني جندب بن زهير الغامدي فضربته فقتلته، قال: ورأيت عبد الله بن حكيم بن حزام وعنده راية قريش وهو يقاتل عدي بن حاتم وهما يتصاولان تصاول الفحلين فتعاورناه فقتلناه. قال: وأخذ الخطام الأسود بن أبي البختر فقتل، وهو قرشي أيضا، وأخذه عمرو بن الأشرف فقتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلا من أهل بيته، وهو أزدي، وجرح مروان بن الحكم، وجرح عبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة من طعنة ورمية، قال: وما رأيت مثل يوم الجمل ما ينهزم منا أحد وما نحن إلا كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل حتى ضاع الخطام، ونادى علي: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط فما سمعت صوتا قط أشد من عجيج الجمل. وكانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل وأخذها الصقعب، وأخوه عبد الله بن سليم فقتل، وأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح وهي بيده. وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل، وقتل معه زيد وسيحان ابنا صوحان، وأخذها عدة نفر فقتلوا، منهم عبد الله بن رقية، ثم أخذها منقذ بن النعمان فدفعها إلى ابنه مرة بن منقذ فانقضت الحرب وهي في يده، وكانت راية بكر بن وائل في بني ذهل مع الحرث بن حسان الذهلي، فأقدم وقال: يا معشر بكر لم يكن أحد له من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مثل منزلة صاحبكم فانصروه، فتقدم وقاتلهم فقتل ابنه وخمسة من بني أهله، وقتل الحرث، فقيل فيه:
أنعى الرئيس الحرث بن حسان ... لآل ذهل ولآل شيبان
وقال رجل من بني ذهل:
تنعى لنا خير امرىء من عدنان ... عند الطعان ونزال الأقران
وقال أخوه بشر بن حسان:
أنا ابن حسان بن خوط وأبي ... رسول بكر كلها إلى النبي

(2/48)


وقتل رجال من بني محدوج، وقتل من بني ذهل خمسة وثلاثون رجلا، وقال رجل لأخيه وهو يقاتل: يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا على الحق! قال: فإنا على الحق، إن الناس أخذوا يمينا وشمالا، وإنا تمسكنا بأهل بيت نبينا؛ فقاتلا حتى قتلا. وجرح يومئذ عمير بن الأهلب الضبي، فمر به رجل من أصحاب علي وهو في الجرحى يفحص برجليه ويقول:
لقد أوردتنا حومة الموت أمنا ... فلم ننصرف إلا ونحن رواء
لقد كان في نصر ابن ضبة أمه ... وشيعتها مندوحة وغناء
أطعنا قريشا ضلة من حلومنا ... ونصرتنا أهل الحجاز عناء
أطعنا بني تيم بن مرة شقوة ... وهل تيم إلا أعبد وإماء
فقال له الرجل: قل لا إله إلا الله. قال: ادن مني فلقني فبي صمم. فدنا منه الرجل، فوثب عليه فعض أذنه فقطعها.
وقيل في عقر الجمل: إن القعقاع لقي الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل فقال: هل لك في العود؟ فلم يجبه. فقال: يا أشتر بعضنا أعلم بقتال بعض منك، وحمل القعقاع والزمام مع زفر بن الحرث، وكان آخر من أخذ الخطام، فلم يبق شيخ من بني عامر إلا أصيب قدام الجمل، وزفر بن الحرث يرتجز ويقول:
يا أمنا مثلك لا يراع ... كل بنيك بطل شجاع
ليس بوهواه ولا براع
وقال القعقاع:
إذا وردنا آجنا جهرناه ... ولا يطاق ورد ما منعناه
وزحف إلى زفر بن الحرث الكلائي، وتسرعت عامر إلى حربه فأصيبوا، فقال القعقاع لبجير بن دلجة، وهو من أصحاب علي: يا بجير بن دلجة صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن تصابوا وتصاب أم المؤمنين. فقال بجير: يا آل ضبة! يا عمرو بن دلجة! ادع بي إليك، فدعاه، فقال: أنا آمن حتى أرجع عنكم؟ قال: نعم. فاجتث ساق البعير فرمى نفسه على شقه وجرجر البعير، فقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو وزفر على قط بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه، وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام، ثم أطافا به، وفر من وراء ذلك من الناس. فلما انهزموا أمر علي مناديا فنادى: ألا لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور. وأمر علي نفرا أن يحملوا الهودج من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة، وقال: انظر هل وصل إليها شيء من جراحة؟ فأدخل راسه في هودجها، فقالت: من أنت؟ فقال: أبغض أهلك إليك. قالت: ابن الخثعمية؟ قال: نعم. قالت: يا بأبي، الحمد لله الذي عافاك! وقيل: لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج فنحياه، فأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك البر. قالت: عقق! قال: يا أخية هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت وذاك؟ قال: فمن إذا الضلال؟ قالت: بل الهداة. وقال لها عمار: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أماه؟ قالت: لست لك بأم. قال: بلى وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم، هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه! فأبرزوا هودجها فوضعوه ليس قربها أحد، وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. وجاء أعين بن ضبيعة ابن أعين المجاشعي حتى اطلع في الهودج، فقالت:إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلا حميراء! فقالت له: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك. فقتل بالبصرة، وسلب، وقطعت يده ورمي عريانا في خربة من خربات الأزد. ثم أتى وجوه الناس عائشة وفيهم القعقاع بن عمرو فسلم عليها فقالت: إني رأيت بالأمس رجلين اجتلدا وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: أعق أم نعلم، وكذب، إنك لأبر أم نعلم ولكن لم تطاعي. قالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
وخرج من عندها فأتى عليا، فقال له علي: والله لوددت أني مت من قبل اليوم بعشرين سنة، وكان علي يقول ذلك اليوم بعد الفراغ من القتال:
إليك أشكو عجري وبجري ... ومعشرا أغشوا علي بصري
قتلت منهم مضرا بمضري ... شفيت نفسي وقتلت معشري

(2/49)


فلما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة فأنزلها في دار عبد الله ابن خلف الخزاعي على صفية بنت الحرث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان ابن عبد الدر، وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف، وتسلل الجرحى من بين القتلى ليلا فدخلوا البصرة، فأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا وأذن للناس في دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، وطاف علي في القتلى، فلما أتى على كعب بن سور قال: أزعمتم أنه خرج معهم السفهاء وهذا الحبر قد ترون! وأتى على عبد الرحمن بن عتاب فقال: هذا يعسوب القوم، يعني أنهم كانوا يطيفون به، واجتمعوا على الرضا به لصلاتهم، ومر على طلحة بن عبيد الله وهو صريع فقال: لهفي عليك يا أبا محمد! إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت أكره أن أرى قريشا صرعى، أنت والله كما قال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هوا استغنى ويبعده الفقر
وجعل كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم. وصلى علي على القتلى من أهل البصرة والكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شيء وبعث به إلى مسجد البصرة وقال: من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان. وكان جميع القتلى عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة، وقيل غير ذلك، وقتل من ضبة ألف رجل، وقتل من بني عدي حول الجمل سبعون رجلا كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ. ولما فرغ علي من الوقعة أتاه الأحنف بن قيس في بني سعد، وكانوا قد اعتزلوا القتال، فقال له علي: تربصت؟ فقال: ما كنت أراني إلا وقد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد وأنت إلي غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحساني واستصف مودتي لغد ولا تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحا.
ثم دخل علي البصرة يوم الإثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى والمستأمنة، وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضا فبايعه، فقال له علي: و ما عمل المتربص المتقاعد بي أيضا؟ يعني أباه أبا بكرة! فقال: والله إنه لمريض وإنه على مسرتك لحريص. فقال علي: امش أمامي! فمشى معه إلى أبيه، فلما دخل عليه علي قال له تقاعدت بي وتربصت؟ ووضع يده على صدره وقال: هذا وجع بين؛ واعتذر إليه، فقبل عذره، واراده على البصرة، فامتنع وقال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس وسأشير عليه. فافترقا على ابن عباس، وولى زيادا على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع، وكان زياد معتزلا. ثم راح إلى عائشة، وهي في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة، فوجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وكان عبد الله قتل مع عائشة وعثمان قتل مع علي، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي، فلما رأته قالت له: يا علي! يا قاتل الأحبة! يا مفرق الجمع! أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله منه! فلم يرد عليها شيئا. ودخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها، ثم قال: جبهتنا صفية، أما إني لم أرها منذ كانت جارية.
فلما خرج علي أعادت عليه القول، فكف بغلته وقال: لقد هممت أن أفتح هذا الباب، وأشار إلى باب في الدار، وأقتل من فيه، وكان فيه ناس من الجرحى، فأخبر علي بمكانهم فتغافل عنهم فسكت، وكان مذهبه أن لا يقتل مدبرا ولا يذفف على جريح ولا يكشف سترا ولا يأخذ مالا.
ولما خرج علي من عند عائشة قال له رجل من أزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة! فغضب وقال: مه! لا تهتكن سترا ولا تدخلن دارا لا تهيجن امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإن النساء ضعيفات، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات، فكيف إذا هن مسلمات؟ ومضى علي فلحقه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين قام رجلان على الباب فتناولا من هو أمض شتيمة لك من صفية. قال: ويحك لعلها عائشة! قال: نعم. قال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقنا. وقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت. فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة، وهما: عجلان وسعد ابنا عبد الله، فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما.

(2/50)


وسألت عائشة يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها والناس عندها، فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله. فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلان في الجنة، وفلان في الجنة، وقال علي: إني لأرجو أن لا يكون أحد نقى قلبه لله من هؤلاء إلا أدخله الله الجنة.
ثم جهز علي عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وبعث معها كل من نجا مم خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها وحضر الناس فخرجت وودعتهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت غرة رجب وشيعها أميالا وسرح بنيه معها يوما، فكان وجهها إلى مكة، فأقامت إلى الحج ثم رجعت إلى المدينة، وقال لها عمار حين ودعها: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك! قالت: والله إنك ما علمت لقوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى على لسانك لي.
وأما المنهزمون فقد ذكرنا حالهم، وكان منهم: عتبة بن أبي سفيان، فخرج هو وعبد الرحمن ويحيى ابنا الحكم فساروا في البلاد، فلقيهم عصمة ابن أبير التيمي فقال لهم: هل لكم في الجوار؟ فقالوا: نعم. فأجارهم وأنزلهم حتى برأت جراحهم وسيرهم نحو الشام في أربعمائة راكب، فلما وصلوا إلى دومة الجندل قالوا: قد وفيت ذمتك وقضيت ما عليك. فرجع. وأما ابن عامر فإنه خرج أيضا فلقيه رجل مه بني حرقوص يدعى مري، فأجاره وسيره إلى الشام. وأما مروان بن الحكم فاستجار بمالك بن مسمع، فأجاره ووفى له، وحفظ له بنو مروان ذلك في خلافتهم وانتفع بهم وشرفوه بذلك. وقيل: إن مروان نزل مع عائشة بدار عبد الله بن خلف وصحبها إلى الحجاز، فلما سارت إلى مكة سار إلى المدينة. وأما عبد الله بن الزبير فإنه نزل بدار رجل من الأزد يدعى وزيرا، فقال له: ائت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني ولا يعلم محمد بن أبي بكر. فأتى عائشة فأخبرها، فقالت: علي بمحمد. فقال لها: إنه قد نهاني أن يعلم محمد. فلم تسمع قوله وأرسلت إلى محمد وقالت: اذهب مع هذا الرجل حتى تأتيني بابن أختك. فانطلق معه، وخرج عبد الله ومحمد حتى انتهيا إلى دار عائشة في دار عبد الله بن خلف.
ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فرأى فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، فقال لهم: إن أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم. فخاض في ذلك السبئية، وطعنوا على علي من وراء وراء، وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم، فقالوا: ما له يحل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم؟ فقال لهم علي: القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا ومن لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر.
وقال القعقاع: ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفين، لقد رأيتنا ندافعهم بأسنتنا ونتكىء على أزجتنا وهم مثل ذلك، حتى لو أن الرجال مشت عليها لاستقلت بهم. وقال عبد الله بن سنان الكاهلي: لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى فنيت، وتطاعنا بالرماح حتى تكسرت وتشبكت في صدورنا وصدورهم حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت. ثم قال علي: السيوف يا بني المهاجرين! فما شبهت أصواتها إلا بضرب القصارين.
وعلم أهل المدينة بالوقعة يوم الحرب قبل أن تغرب الشمس من نسر مر بماء حول المدينة ومعه شيء معلق فسقط منه فإذا كف فيه خاتم نقشه: عبد الرحمن بن عتاب. وعلم من بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة بما ينقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام.
وأراد علي المقام بالبصرة لإصلاح حالها فأعجلته السبئية عن المقام، فإنهم ارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه.
وقد قيل في سبب القتال يوم الجمل غير ما تقدم مع الاتفاق على مسير أصحاب عائشة ونزولهم البصرة والوقعة الأولى مع عثمان بن حنيف وحكيم.

(2/51)


وأما مسير علي وعزل أبي موسى فقيل فيه: إن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر إلى أبي موسى وجرى له ما تقدم سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى علي بالربذة فأعلمه الحال، فأعاده علي إلى أبي موسى يقول له: أرسل الناس فإني لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق. فامتنع أبو موسى، فكتب هاشم إلى علي: إني قدمت على رجل غال مشاقق ظاهر الشنآن، وأرسل الكتاب مع المحل ابن خليفة الطائي، فبعث علي الحسن ابنه وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعث قرظة بن كعب الأنصاري أميرا، وكتب معه إلى أبي موسى: إني قد بعثت الحسن وعمارا يستنفران الناس، وبعثت قرظة ابن كعب واليا على الكوفة، فاعتزل عملنا مذموما مدحورا، وإن لم تفعل فإني قد أمرته أن ينابذك، فإن نابذته فظفر بك يقطعك إربا إربا. فلما قدم الكتاب على أبي موسى اعتزل، واستنفر الحسن الناس، فنفروا نحو ما تقدم، وسار علي نحو البصرة، فقال جون بن قتادة: كنت مع الزبير فجاء فارس يسير فقال: السلام عليك أيها الأمير، فرد عليه، فقال: إن هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا فلم أر أرث سلاحا ولا أقل عددا ولا أرعب قلوبا منهم. ثم انصرف عنه، وجاء فارس آخر فقال له: إن القوم قد بلغوا مكان كذا وكذا فسمعوا بما جمع الله لكم من العدد والعدة فخافوا فولوا مدبرين. فقال الزبير: إيها عنك! فوالله لو لم يجد علي بن أبي طالب إلا العرفج لدب إلينا فيه فانصرف.
وجاء فارس، وقد كادت الخيل تخرج من الرهج، فقال: هؤلاء القوم قد أتوك فلقيت عمارا فقلت له وقال لي. فقال الزبير: إنه ليس فيهم! فقال الرجل: بلى والله إنه لفيهم. فقال الزبير: والله ما جعله الله فيهم. فقال الرجل: بلى والله. فلما كرر عليه أرسل الزبير رجلين ينظران، فانطلقا ثم رجعا فقالا: صدق الرجل. فقال الزبير: يا جدع أنفاه! يا قطع ظهراه! ثم أخذته رعدة فجعل السلاح ينتفض. قال جون: فقلت ثكلتني أمي! هذا الذي كنت أريد أن أموت معه أو أعيش، ما أخذه هذا الأمر إلا لشيء سمعه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وانصرف جون فاعتزل، وجاء علي، فلما تواقف الناس دعا الزبير وطلحة فتوافقوا، وذكر من أمر الزبير وعوده وتكفيره عن يمينه مثل ما تقدم، فلما أبوا إلا القتال قال علي: أيكم يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى فإن قطعت أخذه بأسنانه وهو مقتول؟ فقال شاب: أنا. فطاف به على أصحابه فلم يجبه إلا ذلك الشاب، ثلاث مرات، فسلمه إليه، فدعاهم، فقطعت يده اليمنى، فأخذه باليسرى، فقطعت، فأخذه بصدره والدماء تسيل على قبائه، فقتل، فقال علي: الآن حل قتالهم. فقالت أم الفتى:
لا هم إن مسلما دعاهم ... يتلو كتاب الله لايخشاهم
وأمهم قائمة تراهم ... تأمرهم بالقتل لا تنهاهم
قد خضبت من علق لحاهم
وحملت ميمنة علي على ميسرتهم، فاقتتلوا، فلاذ الناس بعائشة، وكان أكثرهم من ضبة والأزد، وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر ثم انهزموا، ونادى رجل من الأزد: كروا، فضربه محمد بن علي فقطع يده، فقال: يامعشر الأزد فروا، واستحر القتل في الأزد فنادوا: نحن على دين علي. فقال رجل من بني ليث:
سائل بنا حين لقينا الأزدا ... والخيل تعدو أشقرا ووردا
لما قطعنا كبدهم والزندا ... سحقا لهم في رأيهم وبعدا
وحمل عمار بن ياسر على الزبير فجعل يحوزه بالرمح، فقال: أتريد أن تقتلني يا أبا اليقظان؟ فقال: لا يا أبا عبد الله، انصرف، وجرح عبد الله بن الزبير فألقى نفسه في الجرحى ثم برأ. وعقر الجمل، واحتمل محمد ابن أبي بكر عائشة فأنزلها وضرب عليها قبة، فوقف علي عليها وقال لها: استنفرت الناس وقد فروا وألبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضا، في كلام كثير. فقالت عائشة: ملكت فأسجع، نعم ما ابتليت قومك اليوم! فسرحها وأرسل معها جماعة من رجال ونساء وجهزها بما تحتاج.
لم أذكر في وقعة الجمل إلا ما ذكره أبو جعفر إذا كان أوثق من نقل التاريخ، فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضى أهوائهم.

(2/52)


وممن قتل يوم الجمل عبد الرحمن بن عبيد الله أخو طلحة، له صحبة، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس بن عامر بن لؤي، له صحبة. وفيها قتل المحرز ابن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس، له صحبة، واستعمله عمر على مكة ثم عزله، وفيها قتل معرض بن علاط السلمي أخو الحجاج بن علاط، وقتل مع علي، وفيها قتل مجاشع ومجالد ابنا مسعود السلميان مع عائشة، لهما صحبة، فأما مجاشع فلا شك أنه قتل في الجمل، وقتل عبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي القرشي مع عائشة، وكان إسلامه يوم الفتح، وفيها قتل هند ابن أبي هالة الأسيدي، أمه خديجة بنت خويلد زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، مع علي، وقيل: مات بالبصرة: والأول أصح.
الأسيدي بضم الهمزة، منسوب إلى أسيد بتشديد الياء، وهم بطن من تميم.
وقتل هلال بن وكيع بن بشر التميمي مع عائشة، له صحبة، وفيها قتل معاذ بن عفراء أخو معوذ، وهما ابنا الحرث بن رفاعة الأنصاريان، وشهدا بدرا، وقتل مع علي، وقيل: عاش وقتل في وقعة الحرة.
التيهان بفتح التاء فوقها نقطتان، وتشديد الياء تحتها نقطتان، وآخره نون. وشبث بفتح الشين المعجمة، والباء الموحدة، وآخره ثاء مثلثة. وسيحان بفتح السين المهملة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وفتح الحاء المهملة، وآخره نون. ونجبة بفتح النون والجيم، والباء الموحدة. وعميرة بفتح العين، وكسر الميم. وأبير بضم الهمزة، وفتح الباء الموحدة. والخريت بكسر الخاء المعجمة، والراء المشددة، وسكون الياء المثناة من تحتها نقطتان، وفي آخره تاء فوقها نقطتان.
ذكر قصد الخوارج سجستان
في هذه السنة بعد الفراغ من وقعة الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطي وعمران بن الفضيل البرجمي في صعاليك من العرب حتى نزلوا زالق من سجستان، وقد نكث أهلها، فأصابوا منها مالا ثم أتوا زرنج وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ودخلوها، فقال الراجز:
بشر سجستان بجوع وحرب ... بابن الفضيل وصعاليك العرب
لا فضة تغنيهم ولا ذهب
فبعث علي عبد الرحمن بن جرو الطائي، فقتله حسكة، فكتب علي إلى عبد الله بن العباس يأمره أن يولي سجستان رجلا ويسيرة إليها في أربعة آلاف، فوجه ربعي بن كاس العنبري ومعه الحصين بن أبي الحر العنبري، فلما ورد سجستان قاتلهم حسكة وقتلوه، وضبط ربع البلاد، وكان فيروز حصين ينسب إلى الحصين بن أبي الحر هذا، وهو من سجستان.
ذكر قتل محمد بن أبي حذيفة
في هذه السنة قتل محمد بن أبي حذيفة، وكان أبوه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قد قتل يوم اليمامة، وترك ابنه محمدا هذا، فكفله عثمان ابن عفان وأحسن تربيته، وكان فيما قيل: أصاب شرابا فحده عثمان، ثم تنسك محمد وأقبل على العبادة وطلب من عثمان أن يوليه عملا، فقال: لو كنت أهلا لذلك لوليتك. فقال له: إني قد رغبت في غزو البحر فأذن لي في إتيان مصر، فأذن له وجهزه، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظموه، وغزا مع عبد الله بن سعد غزوة الصواري.
وكان محمد يعيبه ويعيب عثمان بتوليته ويقول: استعمل رجلا أباح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دمه. فكتب عبد الله إلى عثمان: إن محمدا قد أفسد علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر. فكتب إليه: أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه ولعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش. فكتب إليه: إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير. فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة، فوضعها محمد في المسجد ثم قال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه! فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان، وبايعوه على رياستهم، فكتب إليه عثمان يذكره بره به وتربيته إياه وقيامه بشأنه، ويقول: إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إلى شكرك. فلم يرده ذلك عن ذمه وتأليب الناس عليه وحثهم على المسير إلى حصره ومساعدة من يريد ذلك.

(2/53)


فلما سار المصريون إلى عثمان، أقام هو بمصر، وخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاستولى عليها وضبطها فلم يزل بها مقيما حتى قتل عثمان وبويع علي، واتفق معاوية وعمرو بن العاص على خلاف علي، فسار إلى مصر قبل قدوم قيس بن سعد إليها أميرا، فأراد دخولها فلم يقدر على ذلك، فخدع محمدا حتى خرج منها إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها، فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتل.
وهذا القول ليس بشيء لأن عليا استعمل قيسا على مصر أول ما بويع له، ولو أن ابن أبي حذيفة قتله معاوية وعمرو قبل وصول قيس إلى مصر لاستوليا عليها لأنه لم يكن بها أمير يمنعهما عنها، ولا خلاف أن استيلاء معاوية وعمرو عليها كان بعد صفين، والله أعلم.
وقيل غير ذلك، وهو أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلى عثمان، فلما حصروه أخرج محمد عبد الله بن سعد عن مصر، وهو عامل عثمان، واستولى عليها، فنزل عبد الله على تخوم مصر وانتظر أمر عثمان، فطلع عليه راكب فسأله، فأخبره بقتل عثمان، فاسترجع، وسأله عما صنع الناس بعده، فأخبره ببيعة علي، فاسترجع، فقا له: كأن إمرة علي تعدل عندك قتل عثمان! قال: نعم. قال: أظنك عبد الله بن سعد. فقال: نعم. فقال له: إن كانت لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء، فإن رأى أمير المؤمنين علي فيك وفي أصحابك إن ظفر بكم أن يقتلكم أو ينفيكم، وهذا بعدي أمير يقدم عليك. فقال: من هو؟ قال: قيس بن سعد بن عبادة. قال عبد الله بن سعد: أبعد الله محمد بن أبي حذيفة، فإنه بغى على ابن عمه وسعى عليه، وقد كفله ورباه وأحسن إليه، فأساء جواره وجهز إليه الرجال حتى قتل ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان ولم يمتعه بسلطان بلاده شهرا ولم يره لذلك أهلا. وخرج عبد الله هاربا حتى قدم على معاوية.
وهذا القول يدل على أن قيسا ولي مصر ومحمد بن أبي حذيفة حي، وهو الصحيح.
وقيل: إن عمرا سار إلى مصر بعد صفين، فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه، فالتقيا واجتمعا، فقال له عمرو: إنه قد كان ما ترى وقد بايعت هذا الرجل، يعني معاوية، وما أنا براض بكثير من أمره، وإني لأعلم أن صاحبك عليا أفضل من معاوية نفسا وقديم وألى بهذا الأمر، فواعدني موعدا ألتقي معك فيه في غير جيش، تأتي في مائة وآتي في مثلها، وليس معنا إلا السيوف في القرب. فتعاهدا وتعاقدا على ذلك واتعدا العريش، ورجع عمرو إلى معاوية، فأخبره الخبر، فلما جاء الأجل سار كل واحد منهما إلى صاحبه في مائة، وجعل عمرو له جيشا خلفه لينطوي خبره، فلما التقيا بالعريش قدم جيش عمرو على أثره، فعلم محمد أنه قد غدر به، فدخل قصرا بالعريش فتحصن به، فحصره عمرو ورماه بالمنجنيق حتى أخذ أسيرا، وبعث به عمرو إلى معاوية فسجنه، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة عمه محمد بن أبي حذيفة أمها فاطمة بنت عتبة، فكانت تصنع له طعاما ترسله إليه، فأرسلت إليه يوما في الطعام مبارد، فبرد بها قيود وهرب فاختفى في غار فأخذ وقتل، والله أعلم.
وقيل: إنه بقي محبوسا إلى أن قتل حجر بن عدي، ثم إنه هرب، فطلبه مالك بن هبيرة السكوني فظفر به فقتله غضبا لحجر، وكان مالك قد شفع إلى معاوية في حجر فلم يشفعه. وقيل: إن محمد بن أبي حذيفة لما قتل محمد بن أبي بكر خرج في جمع كثير إلى عمرو فآمنه عمرو ثم غدر به وحمله إلى معاوية بفلسطين فحبسه، ثم إنه هرب، فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه وأمر بطلبه، فسار في أثره عبيد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فأدركه بحوران في غار، وجاءت حمر تدخل الغار، فلما رأت محمدا نفرت منه، وكان هناك ناس يحصدون، فقالوا: والله إن لنفرة هذه الحمر لشأنا. فذهبوا إلى الغار فرأوه، فخرجوا من عنده، فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم، فقالوا: هو في الغار، فأخرجه وكره أن يأتي به معاوية فيخلي سبيله، فضرب عنقه، وكان ابن خال معاوية.
ذكر ولاية قيس بن سعد مصر

(2/54)


وفي هذه السنة في صفر بعث علي قيس بن سعد أميرا على مصر، وكان صاحب راية الأنصار مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي والبأس، فقال له: سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى رحلك واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، وأحسن إلى المحسن واشتد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة، فإن الرفق يمن. فقال له قيس: أما قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدا، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن كنت احتجت إليهم كانوا منك قريبا، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة. فخرج قيس حتى دخل مصر في سبعة من أصحابه على الوجه الذي تقدم ذكره، فصعد المنبر فجلس عليه وامر بكتاب أمير المؤمنين فقرى على أهل مص بإمارته ويأمرهم بمبايعته ومساعدته وإعانته على الحق، ثم قام قيس خطيبا وقال: الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين، أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا، صلى الله عليه وسلم، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.
فقام الناس الناس فبايعوا واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا قرية منها يقال لها خرنبا فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان، عليهم رجل من بني كنانة ثم من بني مدلج اسمه يزيد بن الحرث، فبعث إلى قيس يدعو إلى الطلب بدم عثمان. وكان مسلمة بن مخلد قد أظهر الطلب أيضا بدم عثمان، فأرسل إليه قيس: ويحك أعلي تثب! فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلتك! فبعث إليه مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر.
وبعث قيس، وكان حازما، إلى أهل خرنبا: إني لا أكرهكم على البيعة وإني كاف عنكم؛ فهادنهم جبى الخراج ليس أحد ينازعه، وخرج أمير المؤمنين إلى الجمل ورجع وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية لقربه من الشام ومخافة أن يقبل علي في أهل العراق وقيس في أهل مصر فيقع بينهما معاوية، فكتب معاوية إلى قيس: سلام عليك، أما بعد فإنكم نقمتم على عثمان ضربة بسوط أو شتيمة رجل أو تسيير آخر واستعمال فتى، وقد علمتم أن دمه لا يحل لكم، فقد ركبتم عظيما وجئتم أمرا إدا، فثب إلى الله يا قيس، فإنك من المجلبين على عثمان، فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى به الناس وحملهم حتى قتلوه، وإنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطالب بدم عثمان فافعل وتابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني ما شئت فإني أعطيك واكتب إلي برأيك.
فلما جاءه الكتاب أحب أن يدافعه ولا يبدي له أمره ولا يتعجل إلى حربه، فكتب إليه: أما بعد فقد فهمت ما ذكرته من قتلة عثمان فذلك شيء لم أقاربه، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى به حتى قتلوه، وهذا مما لم أطلع عليه، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان، فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي، وأما ما عرضته من متابعتك فهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شيء تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى.
فلما قرأ معاوية كتابه رآه مقاربا مباعدا، فكتب إليه: أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ولا متباعدا فأعدك حربا، وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وبيده أعنة الخيل، والسلام.
فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا يفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه، فكتب إليه: أما بعد فالعجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك إياي، أتسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمارة وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا وأقربهم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسيلة وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا وأبعدهم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأما قولك إني مالىء عليك مصر خيلا ورجالا، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهم إليك إنك لذو جد، والسلام.

(2/55)


فلما رأى معاوية كتابه أيس منه وثقل عليه مكانه ولم تنجع حيله فيه، فكاده من قبل علي، فقال لأهل الشام: لا تسبوا قيس بن سعد ولا تدعوا إلى غزوه فإنه لنا شيعة قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خرنبا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويحسن إليهم! وافتعل كتابا عن قيس إليه بالطلب بدم عثمان والدخول معه في ذلك وقرأه على أهل الشام.
فبلغ ذلك عليا، أبلغه ذلك محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، وأعلمته عيونه بالشام، فأعظمه وأكبره، فدعا ابنيه وعبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك. فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يربيك، اعزل قيسا عن مصر. فقال علي: إني والله ما أصدق بهذا عنه. فقال عبد الله: اعزله فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك. فإنهك كذلك إذ جاءهم كتاب من قيس يخبر أمير المؤمنين بحال المعتزلين وكفه عن قتالهم. فقال ابن جعفر: ما أخوفني أن يكون ذلك ممالأة منه، فمره بقتالهم. فكتب إليه يأمره بقتالهم فلما قرأ الكتاب كتب جوابه: أما بعد فقد عجبت لأمرك تأمرني بقتال قوم كافين عنك مفرغيك لعدوك! ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أمير المؤمنين واكفف عنهم فإن الرأي تركهم، والسلام. فلما قرأ علي الكتاب قال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر على مصر واعزل قيسا، فقد بلغني أن قيسا يقول: إن سلطانا لا يستقيم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء.
وكان ابن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه؛ فبعث علي محمد بن أبي بكر إلى مصر، وقيل: بعث الأشتر النخعي، فمات بالطريق، فبعث محمدان فقدم محمد على قيس بمصر، فقال له قيس: ما بال أمير المؤمنين؟ ما غيره؟ دخل أحد بيني وبينه؟ قال: لا، وهذا السلطان سلطانك. قال: لا والله لا أقيم. وخرج منها مقبلا إلى المدينة وهو غضبان لعزله، فجاءه حسان بن ثابت، وكان عثمانيان يشمت به، فقال له: قتلت عثمان ونزعك علي، فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر! والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك! اخرج عني! ثم أخاف مروان بن الحكم قيسا بالمدينة، فخرج منها هو وسهل بن حنيف إلى علي فشهدا معه صفين. فكتب معاوية إلى مروان يتغيظ عليه ويقول له: لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل لكان أيسر عندي من قيس بن سعد في رأيه ومكانه.
فلما قدم قيس على علي وأخبره الخبر، علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، وجاءهم خبر قتل محمد بن أبي بكر، فعظم محل قيس عنده وأطاعه في الأمر كله.
ولما قدم محمد مصر قرأ كتاب علي على أهل مصر ثم قام فخطب فقال: الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق وبصرنا وإياكم كثيرا مما كان عمي عنه الجاهلون. ألا إن أمير المؤمنين ولاني أمركم وعهد إلي ما سمعتم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله فاحمدوا الله على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي له، وإن رأيتم عاملا لي عمل بغير الحق فارفعوه إلي وعاتبوني فيه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته.
ثم نزل ولبث شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كانوا قد وادعهم قيس، فقال لهم: إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا عن بلادنا. فأجابوه: إنا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمرنا فلا تعجل لحربنا. فأبى عليهم، فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم، فكانت وقعة صفين وهم هائبون لمحمد.
فلما رجع علي عن معاوية وصار الأمر إلى التحكيم طمعوا في محمد وأظهروا له المبارزة، فبعث محمد الحرث بن جمهان الجعفي إلى أهل خرنبا وفيها يزيد بن الحرث مع بني كنانة ومن معه، فقاتلهم فقاتلوه وقتلوه. فبعث محم إليهم أيضا ابن مضاهم الكلبي فقتلوه.
وقد قيل: إنه جرى بين محمد ومعاوية مكاتبات كرهت ذكرها فإنها مما لا يحتمل سماعها العامة.
وفيها قدم أبراز مرزبان مرو إلى علي بعد الجمل مقرا بالصلح، فكتب له كتابا إلى دهاقين مرو والأساورة ومن بمرو، ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور، فبعث علي خليد بن قرة، وقيل: ابن طريف اليربوعي، إلى خراسان.
ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية
ومتابعته له

(2/56)


قيل: كان عمرو بن العاص قد سار عن المدينة، قبل أن يقتل عثمان، نحو فلسطين.
وسبب ذلك أنه لما أحيط بعثمان قال: يا أهل المدينة لا يقيم أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله بذل، من لم يستطع نصره فليهرب. فسار، وقيل غير ذلك، وقد تقدم، وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، فسكن فلسطين، فمر به راكب من المدينة، فقال له عمرو: ما اسمك؟ قال: حصيرة. قال عمرو: حصر الرجل! فما الخبر؟ قال: تركت عثمان محصورا. ثم مر به راكب آخر بعد أيام فقال له عمرو: ما اسمك؟ قال: قتال. قال: قتل الرجل! فما الخبر؟ قال: قتل عثمان، ولم يكن شيء إلى أن سرت. ثم مر به راكب من المدينة، فقال له عمرو: ما اسمك؟ قال: حرب. قال عمرو: يكون حرب، وقال له: ما الخبر؟ فقال: بايع الناس عليا. فقال سلم بن زنباع: يا معشر العرب كان بينكم وبين العرب باب فكسر فاتخذوا بابا غيره. فقال عمرو: ذلك الذي نريده. ثم ارتحل عمرو راجلا معه ابناه يبكي كما تبكي المرأة وهو يقول: واعثماناه! أنعى الحياء والدين! حتى قدم دمشق، وكان قد علم الذي يكون فعمل عليه، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان قد بعثه إلى عمان، فسمع من حبر هناك شيئا عرف مصداقه، فسأله عن وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن يكون بعده، فأخبره بأبي بكر وأن مدته قصيرة، ثم يلي بعده رجل من قومه مثله تطول مدته ويقتل غيلة ثم يلي بعده رجل من قومه تطول مدته ويقتل عن ملإ، قال: ذلك أشد، ثم يلي بعده رجل من قومه ينتشرالناس عليه ويكون على رأسه حرب شديدة، ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس عليه، ثم يلي بعده أمير الأرض المقدسة فيطول ملكه وتجتمع عليه أهل تلك الفرقة ثم يموت.
وقيل: إن عمرا لما بلغه قتل عثمان قال: أنا أبو عبد الله أنا قتلته وأنا بوادي السباع، إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فهو أكره من يليه إلي. فبلغه بيعة علي فاشتد عليه وأقام ينتظر ما يصنع الناس، فأتاه مسير عائشة وطلحة والزبير، فأقام ينتظر ما يصنعون، فأتاه الخبر بوقعة الجمل فأرتج عليه أمره، فسمع أن معاوية بالشام لا يبايع عليا وأنه يعظم شأن عثمان، وكان معاوية أحب إليه من علي، فدعا ابنيه عبد الله ومحمدا فاستشارهما وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده، وهو يدل بسابقته، وهو غير مشركي في شيء من أمره. فقال له ابنه عبد الله: توفي النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون، فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال له ابنه محمد: أنت ناب من أنياب العرب ولا ارى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت. فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في آخرتي وأسلم لي في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي. ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان، وقال عمرو: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم، ومعاوية لا يلتفت إليه، فقال لعمرو وابناه: ألا ترى معاوية لا يلتفت إليك؟ فانصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال له: والله لعجب لك! إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية وعطف عليه.
ذكر ابتداء وقعة صفين
لما عاد علي من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة وأرسل إلى جرير ابن عبد الله البجلي، وكان عاملا على همذان استعمله عثمان، وإلى الأشعث ابن قيس، وكان على أذربيجان استعمله عثمان أيضا، يأمرهما بأخذ البيعة والحضور عنده، فلما حضرا عنده أراد علي أن يرسل رسولا إلى معاوية، قال جرير: أرسلني إليه فإنه لي ود. فقال الأشتر: لا تفعل فإن هواه مع معاوية. فقال علي: دعه حتى ننظر ما الذي يرجع إلينا به. فبعثه وكتب معه كتابا إلى معاوية يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ونكث طلحة والزبير وحربه إياهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته.

(2/57)


فسار جرير إلى معاوية، فلما قدم عليه ماطله واستنظره واستشار عمرا، فاشار عليه أن يجمع أهل الشام ويلزم عليا دم عثمان ويقاتله بهم، ففعل معاوية ذلك، وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيخ مخضوبا بالدم بأصابع زوجته نائلة إصبعان منها وشيء من الكف وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام، وضع معاوية القميص على المنبر وجمع الأجناد إليه فبكوا على القميص مدة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، واقسم رجال من أهل الشام أن لا يمسهم الماء إلا للغسل من الجنابة، وأن لا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن قام دونهم قتلوه. فلما عاد جرير إلى أمير المؤمنين علي وأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام معه على قتاله وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن عليا قتله وآوى قتلته وأنهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه، قال الأشتر لعلي: قد كنت نهيتك أن ترسل جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه، ولو كنت أرسلتني لكان خيرا من هذا الذي أقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه، ولا بابا يخاف منه إلا أغلقه. فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان. فقال الأشتر: والله لو أتيتهم لم يعيني جوابهم ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر، ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك حتى يستقيم هذا الأمر. فخرج جرير إلى قرقيسيا وكتب إلى معاوية، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم إليه.
وقيل: كان الذي حمل معاوية على رد جرير البجلي غير مقضي الحاجة شرحبيب بن السمط الكندي.
وكان سبب ذلك أن شرحبيلا كان قد سيره عمر بن الخطاب إلى العراق إلى سعد بن أبي وقاص وكان معه، فقدمه سعد وقربه، فحسده الأشعث بن قيس الكندي لمنافسة بينهما، فوفد جرير البجلي على عمر، فقال له الأشعث: إن قدرت أن تنال من شرحبيل عند عمر فافعل. فلما قدم على عمر سأله عمر عن الناس، فأحسن الثناء على سعد، قال: وقد قال شعرا:
ألا ليتني والمرء سعد بن مالك ... وزبرا وابن السمط في لجة البحر
فيغرق أصحابي وأخرج سالما ... على ظهر قرقور أنادي أبا بكر
فكتب عمر إلى سعد يأمره بأن يرسل زبرا وشرحبيلا إليه، فأرسلهما، فأمسك زبرا بالمدينة وسير شرحبيلا إلى الشام، فشرف وتقدم، وكان أبوه السمط من غزة الشام. فلما قدم جرير بكتاب علي إلى معاوية في البيعة انتظر معاوية قدوم شرحبيل، فلما قدم عليه أخبره معاوية بما قدم فيه جرير، فقال: كان أمير المؤمنين عثمان خليفتنا، فإن قويت على الطلب بدمه وإلا فاعتزلنا. فانصرف جرير، فقال النجاشي:
شرحبيل ما للدين فارقت أمرنا ... ولكن لبغض المالكي جرير
وقولك ما قد قلت عن أمر أشعث ... فأصبحت كالحادي بغير بعير
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك، فنسب إلى جده مالك.
وخرج علي فعسكر بالنخيلة، وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة، منهم: مرة الهمذاني ومسروق، أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين، فأما مسروق فإنه كان يستغفر الله من تخلفه عن علي بصفين، وقدم عليه عبد الله بن عباس فيمن معه من أهل البصرة، وبلغ ذلك معاوية، فاستشار عمرا، فقال: أما إذا سار علي فسر إليه بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. فتجهز معاوية وتجهز الناس وحضهم عمرو وضعف عليا وأصحابه وقال: إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم ووهنوا شوكتهم وفلوا حدهم، وأهل البصرة مخالفون لعلي بمن قتل منهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار علي في شرذمة قليلة وقد قتل خليفتكم، والله الله في حقكم أن تضيعوه وفي دمكم أن تطلوه! وكتب معاوية أهل الشام وعقد لواء لعمرو ولواء لابنيه عبد الله ومحمد ولواء لغلامه وردان، وعقد علي لواء لغلامه قنبر، فقال عمرو:
هل يغنين وردان عني قنبرا ... وتغني السكون عني حميرا
إذا الكماة لبسوا السنورا
فبلغ ذلك عليا فقال:
لأصبحن العاصي ابن العاصي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي
مجنبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص
فلما سمع معاوية ذلك قال: ما أرى عليا إلا وقد وفى لك. وسار معاوية وتأنى في مسيره، فلما رأى ذلك الوليد بن عقبة بعث إليه يقول:

(2/58)


ألا ابلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالسدم المعنى ... تهدر في دمشق فما تريم
وإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم الأديم
يمينك الإمارة كل ركب ... لأنقاض العراق بها رسيم
وليس أخو التراث بمن توانى ... ولكن طالب الترة الغشوم
ولو كنت القتيل وكان حيا ... لجرد لا ألف ولا غشوم
ولا نكل عن الأوتار حتى ... يبيء بها ولا برم جثوم
وقومك بالمدينة قد أبيروا ... فهم صرعى كأنهم الهشيم
فكتب إليه معاوية:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
وبعث علي زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثماني آلاف، وبعث مع شريح ابن هانىء أربعة آلاف، وسار علي من النخيلة وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة، وولى على المدائن سعد بن مسعود، عم المختار بن أبي عبيد الثقفي. ولما سار علي كان معه نابغة بني جعدة، فحدا به يوما فقال:
قد علم المصران والعراق ... أن عليا فحلها العتاق
أبيض جحجاح له رواق ... إن الأولى جاروك لا أفاقوا
لكم سباق ولهم سباق ... قد علمت ذلكم الرفاق
ووجه علي من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه على الرقة، فلما وصل إلى الرقة قال لأهلها ليعملوا له جسرا يعبر عليه إلى الشام، فأبوا، وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر وقال: أقسم بالله لئن لم تعملوا جسرا يعبر عليه أمير المؤمنين لأجردن فيكم السيف ولأقتلن الرجال ولآخذن الأموال! فلقي بعضهم بعضا وقالوا: إنه الأشتر وإنه قمن أن يفي لكم بما حلف عليه أو يأتي بأكثر منه. فنصبوا له جسرا وعبر عليه علي وأصحابه وازدحموا عليه، فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين الأزدي فنزل فأخذها ثم ركب، وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج الأزدي فنزل فأخذها، ثم قال لصاحبه:
فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا ... كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل
فقال ابن أبي الحصين: ما شيء أحب إلي مما ذكرت! فقتلا جميعا بصفين.
ولما بلغ علي الفرات دعا زياد بن النضر الحارثي وشريح بن هانىء فسرحهما أمامه في اثني عشر ألفا نحو معاوية على حالهما التي خرجا عليها من الكوفة. وكان سبب عودهما إليه أنهما حيث سيرهما علي من الكوفة أخذا على شاطىء الفرات مما يلي البر. فلما بلغا عانات بلغهما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام، فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر! وما لنا خير في أن نلقى جنود الشام بقلة من معنا. فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهلها. فرجعوا فعبروا من هيت، فلحقوا عليا دون قرقيسيا، فلما لحقوا عليا قال: مقدمتي تأتيني من ورائي. فأخبره شريح وزياد بما كان، فقال: سددتما. فلما عبر الفرات سيرهما أمامه، فلما انتهيا إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام، فأرسلا إلى علي فأعلماه، فأرسل علي إلى الأشتر وأمره بالسرعة وقال له: إذا قدمت فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدأوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع منهم ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة، واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى أقدم عليك، فإني حثيث المسير في إثرك إن شاء الله تعالى. وكتب علي إلى شريح وزياد بذلك وأمرهما بطاعة الأشتر.

(2/59)


فسار الأشتر حتى قدم عليهم واتبع ما أمره وكف عن القتال، ولم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي، فثبتوا له واضطربوا ساعة، ثم انصرف أهل الشام وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة المرقال، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم وصبر بعضهم لبعض ثم انصرفوا، وحمل عليهم الأشتر وقال: أروني أبا الأعور؛ وتراجعوا، ووقف أبو الأعور وراء المكان الذي كان فيه أول مرة، وجاء الأشتر فصف أصحابه بمكان أبي الأعور بالأمس، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى البراز. فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك. فقال الأشتر: لو أمرتك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم، والله لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت! فدعا له وقال: إنما تدعوه لمبارزتي. فخرج إليهم فقال: آمنوني فإني رسول، فآمنوه، فانتهى إلى أبي الأعور وقال له: إن الأشتر يدعوك إلى أن تبارزه، فسكت طويلا ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمال عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه وعلى أن سار إليه في داره حتى قتله فأصبح متبعا بدمه لا حاجة لي في مبارزته. قال له الرسول: قد قلت فاسمع مني أجبك. قال: لا حاجة لي في جوابك، اذهب عني! فصاح به أصحابه، فانصرف عنه ورجع إلى الأشتر فأخبره، فقال: لنفسه نظر. فوقفوا حتى حجز الليل بينهم، وعاد الشاميون من الليل وأصبح علي غدوة عند الأشتر، وتقدم الأشتر ومن معه فانتهى إلى معاوية فواقفه ولحق بهم علي فتواقفوا طويلا.
ثم إن عليا طلب لعسكره موضعا ينزل فيه، وكان معاوية قد سبق فنزلا منزلا اختاره بسيطا واسعا أفيح وأخذ شريعة الفرات، وليس في ذلك الصقع شريعة غيرها، وجعلها في حيزه، وبعث عليها أبا الأعور السلمي يحميها ويمنعها، فطلب أصحاب علي شريعة غيرها فلم يجدوا، فأتوا عليا فأخبروه بفعلهم وبعطش الناس، فدعا صعصعة بن صوحان فأرسله إلى معاوية يقول له: إنا سرنا مسيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فقدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس عن الماء والناس غير منتهين، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء وليكفوا لننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له، فإن أردت أن نترك ما جئنا له ونقتتل على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.
فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة وعبد الله بن سعد: امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان، اقتلهم عطشا قتلهم الله! فقال عمرو بن العاص: خل بين القوم وبين الماء وإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ولكن بغير الماء، فانظر فيما بينك وبين الله. فأعاد الوليد وعبد الله بن سعد مقالتهما وقالا: امنعهم الماء إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمة، امنعهم الماء منعهم الله إياه يوم القيامة! قال صعصعة: إنما يمنعه الله الفجرة وشربة الخمر، لعنك الله ولعن هذا الفاسق! يعني الوليد بن عقبة. فشتموه وتهددوه.
وقد قيل: إن الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين.
فرجع صعصعة فأخبره بما كان وأن معاوية قال: سيأتيكم رأيي، فسرب الخيل إلى أبي الأعور ليمنعهم الماء، فلما سمع علي ذلك قال: قاتلوهم على الماء. فقال الأشعث بن قيس الكندي: أنا أسير إليهم. فسار إليهم، فلما دنوا منهم ثاروا في وجوههم فرموهم بالنبل فتراموا ساعة ثم تطاعنوا بالرماح ثم صاروا إلى السيوف فاقتتلوا ساعة، وأرسل معاوية يزيد بن أسد البجلي القسري، جد خالد بن عبد الله القسري، في الخيل إلى أبي الأعور، فأقبلوا، فأرسل علي شبث بن ربعي الرياحي، فازداد القتال، فأرسل معاوية عمرو بن العاص في جند كثير، فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد، وأرسل علي الأشتر في جمع عظيم وجعل يمد الأشعث وشبثا، فاشتد القتال، فقال عبد الله بن عوف الأزدي الأحمري:
خلوا لنا ماء الفرات الجاري ... أو اثبتوا لجحفل جرار
لكل قرم مستميت شاري ... مطاعن برمحه كرار
ضراب هامات العدى مغوار ... لم يخش غير الواحد القهار

(2/60)


وقاتلوهم حتى خلوا بينهم وبين الماء وصار في أيدي أصحاب علي، فقالوا: والله لا نسقيه أهل الشام! فأرسل علي إلى أصحابه: أن خذوا من الماء حاجتكم وخلوا عنهم، فإن الله نصركم ببغيهم وظلمهم. ومكث علي يومين لا يرسل إليهم أحدا ولا يأتيه أحد، ثم إن عليا دعا أبا عمرو بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، فقال لهم: ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة. فقال له شبث: يا أمير المؤمنين ألا تطمعه في سلطان توليه إياه أو منزلة تكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ قال: انطلقوا إليه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه. وهذا في أول ذي الحجة. فأتوه فدخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها بينها.
فقطع عليه معاوية الكلام وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرو: إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة بالرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا يقول؟ قال: يأمرك بتقوى الله وأن تجيب انب عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك! قال معاوية: ونترك دم ابن عفان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا.
قال: فذهب سعيد بن قيس يتكلم، فبادره شبث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفى علينا ما تطلب، إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك: قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب دمه، فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمر وطالبه يحول الله دونه، وربما أوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته، ووالله ما لك في واحدة منهما خير! والله إن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا! ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار! فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله.
قال: فحمد معاوية الله ثم قال: أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة حلمك أن قطعت على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم اعترضت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت! انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف. وغضب، وخرج القوم. فقال له شبث بن ربعي: أتهول بالسيف؟ أقسم بالله لنعجلنها إليك.
فأتوا عليا فأخبروه بذلك، فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة من أصحابه ويخرج إليه آخر من أصحاب معاوية ومعه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ثم ينصرفان، وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام لما خافوا أن يكون فيه من الاستئصال والهلاك، فكان علي يخرج مرة الأشتر ومرة حجر بن عدي الكندي ومرة شبث بن ربعي ومرة خالد بن المعمر ومرة زياد بن النضر الحارثي ومرة زياد بن خصفة التيمي ومرة سعيد بن قيس الهمداني ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد الأنصاري، وكان الأشتر أكثرهم خروجا. وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبا الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة الفهري وابن ذي الكلاع الحميري وعبيد الله ابن عمر بن الخطاب وشرحبيب بن السمط الكندي وحمرة بن مالك الهمداني، فاقتتلوا أيام ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين.
ذكر عدة حوادث

(2/61)


في هذه السنة مات حذيفة بن اليمان بعد قتل عثمان بيسير ولم يدرك الجمل، وقتل ابناه صفوان وسعيد مع علي بصفين بوصية أبيهما، وقيل: مات سنة خمس وثلاثين، والأول أصح. وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم، وكان عمره مائتين وخمسين سنة، هذا أقل ما قيل فيه، وقيل: ثلثمائة وخمسون سنة، وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح، عليه السلام. وعبد الله ابن سعد بن أبي سرح مات بعسقلان حيث خرج معاوية إلى صفين وكره الخروج معه. ومات فيها عبد الرحمن بن عديس البلوي أمير القادمين من مصر لقتل عثمان، وكان ممن بايع النبي، صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة، وقيل: بل قتل بالشام. وفيها مات قدامة بن مظعون الجمحي، وهو من مهاجرة الحبشة، وشهد بدرا. وفيها توفي عمرو بن أبي عمرو بن ضبة الفهري أبو شداد، شهد بدرا. وفيها استعمل علي على الري يزيد بن حجية التيمي تيم اللات، فكسر من خراجها ثلاثين ألفا، فكتب إليه يستدعيه، فحضر، فسأله عن المال قال: أين ما غللته من المال؟ قال: ما أخذت شيئا! فخفقه بالدرة خفقات وحبسه ووكل به سعدا مولاه، فهرب منه يزيد إلى الشام، فسوغه معاوية المال، فكان ينال من علي، وبقي بالشام إلى أن اجتمع الأمر لمعاوية فسار معه إلى العراق فولاه الري، فقيل: إنه شهد مع علي الجمل وصفين والنهروان، ثم ولاه الري، وهو الصحيح، فكان ما تقدم ذكره.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين
ذكر تتمة أمر صفين
في هذه السنة في المحرم منها جرت موادعة بين علي ومعاوية، توادعا على ترك الحرب بينهما حتى ينقضي المحرم طمعا في الصلح، واختلفت بينهما الرسل، فبعث علي عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد ابن خصفة.
فتكلم عدي بن حاتم فحمد الله وقال: أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ونحقن به الدماء ونصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثرا، وقد استجمع له الناس ولم يبق أحد غيرك وغير من معك، فاحذر يا معاوية لا يصبك وأصحابك مثل يوم الجمل! فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا! هيهات يا عدي! كلا والله إني لابن حرب لا يقعقع له بالشنان، وإنك والله من المجلبين على عثمان، وإنك من قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به! فقال له شبث وزياد بن خصفة جوابا واحدا: أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينفع من القول والفعل وأجبنا فيما يعم نفعه. وقال يزيد ابن قيس: إنا لم نأت إلا لنبلغك ما أرسلنا به إليك ونؤدي عنك ما سمعنا منك، ولن ندع أن نصح لك وأن نذكر ما يكون به الحجة عليك ويرجع إلى الألفة والجماعة، إن صاحبنا من قد عرف المسلمون فضله ولا يخفى عليك، فاتق الله يا معاوية ولا تخالفه، فإنا والله ما رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها معه.
فحمد الله معاوية ثم قال: أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها لأن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد عليه ذلك فليدفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال شبث بن ربعي: أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا؟ فقال: وما يمنعني من ذلك؟ لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان. فقال شبث: والذي لا إله غيره لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك! فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق! وتفرق القوم عن معاوية، وبعث معاوية إلى زياد بن خصفة فخلا به وقال له: يا أخا ربيعة، إن عليا قطع أرحامنا وقتل إمامنا وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر عليه بعشيرتك ثم لك عهد الله وميثاقه أني أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت. فقال زياد: أما بعد فإني على بينة من ربي وما أنعم الله علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين! وقام. فقال معاوية لعمرو بن العاص: ليس نكلم رجلا منهم فيجيب إلى خير، ما قلوبهم إلا كقلب واحد.

(2/62)


وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن ابن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه، فحمد الله حبيب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره، فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، يولونه من أجمعوا عليه. فقال له علي: ما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر؟ اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له. فقال: والله لتريني بحيث ! فقال له علي: وما أنت؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علينا، اذهب فصوب وصعد ما بدا لك! وقال شرحبيل: ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي، فهل عندك جواب غير هذا؟ فقال علي: ليس عندي جواب غيره.
ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن الله تعالى بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، بالحق فأنقذ به من الضلالة والهلكة وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه فاستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعدلا، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمور ونحن آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فغفرنا ذلك لهما، وولى الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لي: بايع، فأبيت، فقالوا: بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يتفرق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من الأحزاب، لم يزل حربا لله ورسوله هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، ولا عجب إلا من اختلافكم معه وانقيادكم له وتتركون آل بيت نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم! ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإماتة الباطل وإحياء الحق ومعالم الدين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين. فقالا: تشهد أن عثمان قتل مظلوما؟ فقال لهما: لا أقول إنه قتل مظلوما ولا ظالما. قالا: فمن لم يزعم أنه قتل مظلوما فنحن منه برآء. وانصرفا، فقال علي، كرم الله وجهه: (إنك لا تسمع الموتى) إلى قوله: (فهم مسلمون) النمل: 80 - 81، ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في الجد في ضلالهم أجد منكم في الجد في حقكم وطاعة ربكم.
فتنازع عامر بن قيس الحذمري ثم الطائي وعدي بن حاتم الطائي في الراية بصفين، وكانت حذمر أكثر من بني عدي رهط حاتم، فقال عبد الله بن خليفة البولاني عند علي: يا بني حذمر أعلى عدي تتوثبون وهل فيكم وفي آبائكم مثل عدي وأبيه؟ أليس بحامي القرية ومانع الماء يوم روية؟ أليس ابن ذي المرباع، وابن جواد العرب، وابن المنهب ماله ومانع جاره، ومن لم يغدر ولم يفجر ولم يبخل ولم يمنن ولم يجبن؟ هاتوا في آبائكم مثل أبيه، أوفيكم مثله، أليس أفضلكم في الإسلام ووافدكم إلى النبي، صلى الله عليه وسلم؟ أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء ويوم نهاوند ويوم تستر؟ فقال علي: حسبك يا ابن خليفة. وقال علي: لتحضر جماعة طيء. فأتوه، فقال: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالوا: عدي. فقال ابن خليفة: سلهم يا أمير المؤمنين أليسوا راضين برياسة عدي؟ ففعل، فقالوا: بلى. فقال علي: فعدي أحقكم بالراية، وأخذها. فلما كان ايام حجر بن عدي طلب زياد عبد الله بن خليفة ليبعثه مع حجر، فسار إلى الجبلين ووعده عدي أن يرده وأن يسأل فيه، فطال عليه ذلك، فقال شعرا، منه:
أتنسى بلائي سادرا يا ابن حاتم ... عشية ما أغنت عديك حذمرا
فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم اللد العذورا
فولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثا بالأباءة مخدرا
نصرتك إذ خام القريب وأبعد ال ... بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا
فكان جزائي أن أجرر بينكم ... سحيبا وأن أولى الهوان وأوسرا
وكم عدة لي منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا
وسترد قصته بتمامها، إن شاء الله تعالى.

(2/63)


فلما انسلخ المحرم أمر علي مناديا تعبئة الناس للقتال فنادى: يا أهل الشام! يقول لكم أمير المؤمنين: قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، فلم تنتهوا عن طغيانكم ولم تجيبوا إلى الحق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين! فاجتمع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، خرج معاوية وعمرو يكتبان الكتائب ويعبيان الناس، وكذلك فعل أمير المؤمنين، وقال للناس: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فأنتم بحمد الله على حجة، وترككم قتالهم حجة أخرى، فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا شيئا من أموالهم، ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس. وكان يقول بهذا المعنى لأصحابه في كل موطن، وحرض أصحابه فقال: عباد الله اتقوا الله وغضوا الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمزاولة والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة، (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) الأنفال: 45، (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال: 46، اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر! وأصبح علي فجعل على خيل الكوفة الأشتر، وعلى جند البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة الكوفة عمار بن ياسر، وعل رجالة البصرة قيس بن سعد، وهاشم بن عتبة المرقال معه الراية، وجعل مسعر بن فدكي على قراء الكوفة وأهل البصرة. وبعث معاوية على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة المري، وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم، وكانوا خمسة صفوف، وخرجوا أول يوم من صفر فاقتتلوا، وكان على الذين خرجوا من أهل الكوفة الأشتر، وعلى من خرج من أهل الشام حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا يومهم قتالا شديدا معظم النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم مع بعض. ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال، وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي، فاقتتلوا يومهم ذلك ثم انصرفوا، وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتلوا أشد قتال، وقال عمار: يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين؟ فلما رأى الله يعز دينه ويظهر رسوله أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو فيما نرى راهب غير راغب! ثم قبض النبي، صلى الله عليه وسلم، فوالله إن زال بعده معروفا بعداوة المسلم واتباع المجرم، فاثبتوا له وقاتلوه.
وقال عمار لزياد بن النضر وهو على الخيل: احمل على أهل الشام. فحمل وقاتله الناس وصبروا له، وحمل عمار فأزال عمرو بن العاص عن موضعه، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاه لأمه، واسمه عمرو بن معاوية من بني المنتفق، فلما التقيا تعارفا فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه وتراجع الناس. وخرج من الغد محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمعين عظيمين فاقتتلوا أشد القتال، وأرسل عبيد الله إلى ابن الحنفية يدعوه إلى المبارزة، فخرج إليه، فحرك علي دابته ورد ابنه وبرز علي إلى عبيد الله، فرجع عبيد الله، وقال محمد لأبيه: لو تركتني لرجوت قتله. وقال: يا أمير المؤمنين وكيف تبرز إلى هذا الفاسق؟ والله إني لأرغب بك عن أبيه! فقال علي: يا بني لا تقل في أبيه إلا خيرا. وتراجع الناس. وخرج عبد الله بن عباس في اليوم الخامس، وخرج إليه الوليد بن عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فسب الوليد بني عبد المطلب، فطلبه ابن عباس ليبارزه فأبى، وقاتل ابن عباس قتالا شديدا. وخرج في اليوم السادس قيس بن سعد الأنصاري، وخرج إليه ابن ذي الكلاع الحميري، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرفوا. ثم عاد يوم الثلاثاء وخرج الأشتر، وخرج إليه حبيب، فاقتتلوا قتالا شديدا وانصرفوا عند الظهر.

(2/64)


ثم إن عليا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيبا فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون، ولو شاء الله ما اختلف اثنان من خلقه ولا اختلفت الأمة في شيء ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار فنحن بمرأى من ربنا ومسمع فلو شاء عجل النقمة وجعل الآخرة دار القرار (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) النجم: 31، ألا وإنكم لاقو القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين. فقام القوم يصلحون سلاحهم، فمر بهم كبع بن جعيل فقال:
أصبحت الأمة في أمر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولا صادقا غير كذب ... إن غدا تهلك أعلام العرب
وعبى علي الناس ليلته حتى الصباح وزحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فسأل علي عن القبائل من أهل الشام فعرف مواقفهم، فقال للأزد: اكفونا الأزد، وقال لخثعم: اكفونا خثعم، وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد، مثل بجيلة لم يكن بالشام منها إلا القليل صرفهم إلى لخم.
فتناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكل غير غالب، فلما كان يوم الخميس صلى علي بغلس وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم وزحفوا معه، وكان على ميمنة علي عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، والقراء مع ثلاثة نفر: عمار، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلي في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وأكثر من معه من أهل المدينة الأنصار ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة، وزحف إليهم. ورفع معاوية قبة عظيمة فألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبته خيل دمشق. وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة وهو في ميسرة معاوية، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر، وحرض عبد الله بن بديل أصحابه فقال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الحق أهله، وعاند من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب الذين قد زين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجسا إلى رجسهم، فقاتلوا الطغام الجفاة ولا تخشوهم، (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) التوبة: 13 - 14.
وحرض علي أصحابه فقال في كلام له: فسووا صفوفكم كالبينان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في الأطراف فإنه أصون للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل عليكم النصر.
وقام يزيد بن قيس الأرحبي يحرض الناس فقال: إن المسلم من سلم في دينه ورأيه؛ وإن هؤلاء القوم والله لا يقاتلونا على إقامة دين ضيعناه وإحياء حق أمتناه، إن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبارين فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم، لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا، ألزموكم بمثل سعيد والوليد وابن عامر السفيه الضال، يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه وجده في جلسه ثم يقول: هذا لي ولا إثم علي، كأنما أعطى تراثه على أبيه وأمه، وإنما هو مال الله أفاءه علينا بأرماحنا وسيوفنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم! والله ما ازدادوا إلى يومهم إلا شرا!

(2/65)


وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهى إلى قبة معاوية وأقبل الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم إلا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء قد أسند بعضهم إلى بعض وانجفل الناس، وأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة فاحتملتهم حتى أوقفتهم في الميمنة، وكان فيما بين الميمنة إلى موقف علي في القلب أهل اليمن. فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي، فانصرف علي يمشي نحو الميسرة، فانكشفت عنه مضر من الميسرة وثبتت ربيعة، وكان الحسن والحسين ومحمد بنو علي معه حين قصد الميسرة والنبل يمر بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه فيرده، فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي فاختلفا بينهما ضربتان فقتله أحمر، فأخذ علي بجيب درع أحمر فجذبه وحمله على عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه، ودنا منه أهل الشام، فما زاده قربهم إلا إسراعا، فقال له ابنه الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء القوم الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك؟ فقال: يا بني إن لأبيك يوما لا يعدوه ولا يبطىء به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي، إن أباك والله لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه. فلما وصل إلى ربيعة نادى بصوت عال كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قالوا: رايات ربيعة. قال: بل رايات عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم. وقال للحضين بن المنذر: يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا؟ قال: بلى والله وعشرة أذرع، فأدناها حتى قال: حسبك مكانك. ولما انتهى علي إلى ربيعة تنادوا بينهم: يا ربيعة إن أصيب فيكم أمير المؤمنين وفيكم رجل حي افتضحتم في العرب! فقاتلوا قتالا شديدا ما قاتلوا مثله، فلذلك قال علي:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما
ويقدمها في الموت حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا ... بأسيافنا حتى تولى وأحجما
جزى الله قوما صابروا في لقائهم ... لدى الموت قوما ما أعف وأكرما
وأطيب أخبارا وأكرم شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني، إنهم أهل نجدة ... وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما

(2/66)


ومر به الأشتر وهو يقصد الميسرة، والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال له علي: يا مالك! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم؟ فمضى الأشتر فاستقبلا الناس منهزمين فقال لهم ما قال علي، ثم قال: أيها الناس أنا الأشتر، إلي! فأقبل إليه بعضهم وذهب البعض، فنادى: أيها الناس ما أقبح ما قاتلتم مذ اليوم! أخلصوا لي مذحجا، فأقبلت مذحج إليه، فقال لهم: ما أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان الذي لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم، وما تفعلون هذا اليوم، فإنه مأثور بعده، فانصحوا واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفسي بيده ما من هؤلاء - وأشار إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح بعوضة من دين، اجلوا سواد وجهي يرجع فيه دمه، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه. قالوا: تجدنا حيث أحببت. فقصد نحو عظمهم مما يلي الميمنة يزحف إليهم ويردهم، واستقبله شباب من همدان، وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ، وكانوا صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل وقتل منهم أحد عشر رئيسا، كان أولهم ذؤيب بن شريح، ثم شرحبيل ثم مرثد ثم هبيرة ثم يريم ثم سمير أولاد شريح فقتلوا، ثم أخذ الراية عميرة ثم الحرث ابنا بشير فقتلا جميعا، ثم أخذ الراية سفيان وعبد الله وبكر بنو زيد فقتلوا جميعا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب، فانصرف هو وقومه وهم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نرجع فلا ننصرف أو نقتل أو نظفر! فسمعهم الأشتر يقولون هذا فقال لهم: أنا أحالفكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك. فوقفوا معه، وفي هذا قال كعب بن جعيل:
وهمدان زرق تبتغي من تحالف
وزحف الأشتر نحو الميمنة وثاب إليه الناس وتراجعوا من أهل البصرة وغيرهم، فلم يقصد كتيبة إلا كشفها ولا جمعا إلا حازه ورده، فإنه كذلك إذ مر به زياد بن النضر الحارثي يحمل إلى العسكر وقد صرع، وسببه أنه قد كان استلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدم زياد إليهم ورفع رايته لأهل الميمنة، فصبروا وقاتل حتى صرع. ثم مروا بيزيد بن قيس الأرحبي محمولا نحو العسكر، وكان قد رفع رايته لأهل الميمنة لما صرع زياد وقاتل حتى صرع، فقال الأشتر حين رآه: هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم، ألا يستحي الرجل أن ينصرف ولا يقتل أو يشفى به على القتل؟ وقاتلهم الأشتر قتالا شديدا، ولزمه الحرث بن جمهان الجعفي يقاتل معه، فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلثمائة قد لصقوا بالأرض كأنهم جثا، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه. فقالوا: الحمد لله! قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم. وقال عبد الله بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا. فقال الأشتر: لاتفعل واثبت مع الناس فإنه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك. فأبى ومضى كما هو نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال وبيده سيفان، وخرج عبد الله أمام أصحابه يقتل كل من دنا منه حتى قتل جماعة، ودنا من معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به وبطائفة من أصحابه فقاتل حتى قتل وقتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة منهم مجرحين. فبعث الأشتر الحرث بن جمهان الجعفي، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من انهزم من أصحاب عبد الله حتى نفسوا عنهم وانتهوا إلى الأشتر، وكان معاوية قد رأى ابن بديل وهو يضرب قدما، فقال: أترونه كبش القوم؟ فلما قتل أرسل إليه لينظروا من هو، فلم يعرفه أهل الشام، فجاء إليه، فلما رآه عرفه فقال: هذا عبد الله بن بديل، والله لو استطاعت نساء خزاعة لقاتلتنا فضلا عن رجالها! وتمثل بقول حاتم:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت يوما به الحرب شمرا

(2/67)


وزحف الأشتر بعك والأشعرين وقال لمذحج: اكفونا عكان ووقف في همدان وقال لكندة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى المساء، وقاتلهم الأشتر في همدان وطوائف من الناس، فأزال أهل الشام عن مواضعهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل عليهم حملة أخرى فصرع أربعة صفوف من المعقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا معاوية بفرسه فركب وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة الأنصاري، وكان جاهليا:
ابت لي عفتي وأبى بلائي ... وإقدامي على البطل المشيح
وإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وقولي كلما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي
قال: فمنعني هذا القول من الفرار، ونظر إلي عمرو وقال: اليوم صبر وغدا فخر. فقلت: صدقت. وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشام، فقتله الشامي وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بني ثعلبة، وقتل أبو زينب بن عوف. وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه، وتقدم عقبة بن حديد النميري وهو يقول: ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيما، وشجرها خضيدا، وجديدها سملا، وحلوها مر المذاق، إني قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها، وإني أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم، وإني متعرض لها من ساعتي هذه وقد طمعت أن لا أحرمها فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله؟ - في كلام طويل - وقال: يا إخوتي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها. فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك وقالوا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقاتلوا حتى قتلوا. وتقدم شمر بن ذي الجوشن فبارز، فضرب أدهم بن محرز الباهلي بالسيف وجهه وضربه شمر فلم يضره، فعاد شمر إلى رحله فشرب ماء، وكان ظمآن، ثم أخذ الرمح ثم حمل على أدهم فصرعه وقال: هذه بتلك.
وكانت راية بجيلة مع أبي شداد قيس بن هبيرة الأحمسي وهو قيس بن مكشوح، ومكشوح لقب، فقال لقومه: والله لأنتهين بكم إلى صاحب الترس المذهب، وكان صاحبه عبد الرحمن بن خالد، فقاتل الناس قتالا شديدا وشد بسيفه نحو صاحب الترس، فعرض له مولى رومي لمعاوية فضرب قدم أبي شداد فقطعها، وضربه أبو شداد فقتله، وأشرعت إليه الرماح فقتل، وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس. وقتل حازم بن أبي حازم أخو قيس بن أبي حازم يومئذ، وقتل أبوه أيضا، له صحبة، ونعيم بن صهيب بن العيلة البجليون مع علي.
فلما رأى علي ميمنة أصحابه قد عادت إلى مواضعها ومواقفها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جولتكم عن صفوفكم يحوزكم الجفاة الطغام وأعراب الشام وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق. فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم، لوجب عليكم ما يجب على المولي يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين، ولكن هون وجدي وشفى أحاح نفسي أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطرودة الهيم، فالآن فاصبروا فقد نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق نفسه، في كلام طويل.
وكان بشر بن عصمة المري قد لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصفين نظر بشر إلى مالك بن العقدية الجشمي وهو يفتك بأهل الشام، فاغتاظ لذلك فحمل على مالك وتجاولا ساعة ثم طعنه بشر بن عصمة فصرعه ولم يقتله وانصرف عنه، وقد ندم على طعنته إياه، وكان جبارا، فقال:
وإني لأرجو من مليكي تجاوزا ... ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس
دلفت له تحت الغبار بطعنة ... على ساعة فيها الطعان تخالس
فبلغت مقالته ابن العقدية فقال:
ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني ... شغلت وألهاني الذين أمارس
وصادفت مني غرة وأصبتها ... كذلك والأبطال ماض وحابس

(2/68)


وحمل عبد الله بن الطفيل البكائي على أهل الشام، فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم يقال له قيس بن مرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق فوضع الرمح بين كتفي عبد الله، واعترضه ابن عم لعبد الله اسمه يزيد بن معاوية فوضع الرمح بين كتفي التميمي، فقال له: والله لئن طعنته لأطعننك! فقال له: عليك عهد الله وميثاقه إن رفعت الرمح عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني! قال: نعم. فرفع التميمي سنانه ورفع يزيد سنانه، فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب يزيد على ابن الطفيل، فقال له:
ألم ترني حاميت عنك مناصحا ... بصفين إذ خلاك كل حميم
ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى ... على سابح ذي ميعة وهزيم
وخرج رجل من آل عك من أهل الشام يسأل المبارزة، فبرز إليه قيس ابن فهدان الكندي فحمل عليه وتجاولا ساعة ثم طعنه عبد الرحمن فقتله، وقال:
لقد علمت عك بصفين أننا ... إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا
ونحمل رايات الطعان بحقها ... فنوردها بيضا ونصدرها حمرا
وخرج قيس بن يزيد، وهو ممن فر إلى معاوية، فخرج إليه أبو العمرطة ابن يزيد فتعارفا فتوافقا ثم انصرفا وأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه. وقاتلت طيء يومئذ قتالا شديدا فعبيت لهم جموع، فأتاهم حمرة بن مالك الهمداني فقال: من القوم؟ فقال له عبد الله بن خليفة، وكان شيعيا شاعرا خطيبا: نحن طيء السهل وطيء الرمل وطيء الجبل الممنوع ذي النخل، نحن طيء الرماح وطيء البطاح فرسان الصباح. فقال حمرة بن مالك: إنك لحسن الثناء على قومك. واقتتل الناس قتالا شديدا، فناداهم: يا معشر طيء، فدى لكم طارفي وتالدي! قاتلوا على الدين والأحساب. وحمل بشر بن العسوس فقاتل، ففقئت عينه يومئذ، فقال في ذلك:
ألا ليت عيني هذه مثل هذه ... ولم أمش في الأحياء إلا بقائد
ويا ليت رجلي ثم طنت بنصفها ... ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي
ويا ليتني لم أبق بعد مطرف ... وسعد وبعد المستنير بن خالد
فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم ... إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد
وقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا، فأصيب منهم حيان وبكر ابنا هوذة، وشعيب بن نعيم، وربيعة بن مالك بن وهبيل، وأبي أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقطعت رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحب أن رجلي أصح مما كانت، وإنها لمما أرجو بها الثواب وحسن الجزاء من ربي. قال: ورأيت أخي في المنام فقلت له: ماذا قدمتم عليه؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم عند الله تعالى فاحتججنا فحججناهم،فما سررت بشيء سروري بتلك الرؤيا، وكان يقال لأبي ابي الصلاة لكثرة صلاته. وخرجت حمير في جمعها ومن انضم إليها من أهل الشام، ومقدمهم ذو الكلاع، ومعه عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وهم ميمنة أهل الشام، فقصدوا ربيعة من أهل العراق، وكانت ربيعة ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عباس على الميسرة، فحملوا على ربيعة حملة شديدة، فتضعضعت راية ربيعة، وكانت الراية مع أبي ساسان حضين بن المنذر، فانصرف أهل الشام عنهم، ثم كر عبيد الله بن عمر وقال: يا أهل الشام إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان وأنصار علي. فشدوا على الناس شدة عظيمة، فثبتت ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ وقاتلوا قتالا حسنا، وانهزم خالد بن المعمر مع من انهزم، وكان على ربيعة، فلما رأى أصحاب الرايات قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فرجعوا، وكان خالد قد سعي به إلى علي أنه كاتب معاوية، فأحضره علي ومعه ربيعة فسأله علي عما قيل، وقال له: إن كنت فعلت ذلك فالحق بأي بلد شئت لا يكون لمعاوية عليكم حكم. فأنكر ذلك.

(2/69)


وقالت ربيعة: يا أمير المؤمنين لو نعلم أنه فعل ذلك لقتلناه، فاستوثق منه علي بالعهود، فلما فر اتهمه بعض الناس واعتذر هو بأني لما رأيت رجالا منا قد انهزموا استقبلتهم لأردهم إليكم فأقبلت بمن أطاعني إليكم. ولما رجع إلى مقامه حرض ربيعة فاشتد قتالهم مع حمير وعبيد الله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى فقتل سمير بن الريان العجلي، وكان شديد البأس، وأتى زياد ابن عمر بن خصفة عبد القيس فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير وقال: يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم، فأتت عبد القيس بني بكر فقاتلوا معهم فقتل ذو الكلاع الحميري وعبيد الله بن عمر، قتله محرز بن الصحصح من تيم الله بن ثعلبة من أهل البصرة، وأخذ سيفه ذو الوشاح، وكان لعمر، فلما ملك معاوية العراق أخذه منه، وقيل: بل قتله هانىء بن خطاب الأرحبي، وقيل: قتله مالك بن عمرو التنعي الحضرمي.
وخرج عمار بن ياسر على الناس فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته. اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلته. وإني لا أعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملا هو أرضى لك منه لفعلته. والله إني لأرى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل. ثم قال: من يبتغي رضوان الله ربه ولا يرجع إلى مال ولا ولد؟ فأتاه عصابة، فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها، ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا اتباعهم وإن قالوا: إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، فبلغوا ما ترون، فلولا هذه ما تبعهم من الناس رجلان. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم. ثم مضى ومعه تلك العصابة، فكان لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وهو المرقال، وكان صاحب راية علي، وكان أعور، فقال: يا هاشم أعورا وجبنا؟ لا خير في أعور لا يغشى البأس، اركب يا هاشم؛ فركب ومضى معه وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
لابد أن يفل أو يفلا ... يتلهم بذي الكعوب تلا
وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف والموت تحت أطراف الأسل، وقد فتحت السماء وتزينت الحور العين. اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له: يا عمرو بعت دينك بمصر، تبا لك! فقال له: لا ولكن أطلب بدم عثمان. قال: أنا أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك، لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هي بأبر وأتقى. ثم قاتل عمار فلم يرجع وقتل.
وقال حبة بن جوين العرني: قلت لحذيفة بن اليمان: حدثنا فإنا نخاف الفتن. فقال: عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياح من لبن)، وهو الممزوج بالماء من اللبن. قال حبة: فشهدته يوم قتل وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي في الدنيا، فأتي بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال: اليوم ألقى الأحبة. محمدا وحزبه، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل. ثم قتل، قتله أبو الغازية، واحتز رأسه ابن حوي السكسكي؛ وقيل قتله غيره.

(2/70)


وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمار بن ياسر: (تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن)، فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحك يا عمرو؟ فيقول عمرو: إنه سيرجع إلينا، فقتل ذو الكلاع قبل عمار مع معاوية، وأصيب عمار بعده مع علي، فقال عمرو لمعاوية: ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا، بقتل عمار أو بقتل ذي الكلاع، والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام إلى علي. فأتى جماعة إلى معاوية كلهم يقول: أنا قتلت عمارا. فيقول عمرو: فما سمعته يقول؟ فيخلطون، فأتاه ابن حوي فقال: أنا قتلته فسمعته يقول: اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه. فقال له عمرو: أنت صاحبه، ثم قال: رويدا والله ما ظفرت يداك ولقد أسخطت ربك.
قيل: إن أبا الغازية قتل عمارا عاش إلى زمن الحجاج ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال له: أنت قتلت ابن سمية؟ يعني عمارا. قال: نعم. فقال: من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية، ثم سأله أبو الغازية حاجته فلم يجبه إليها، فقال: نوطىء لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة! فقال الحجاج: أجل والله من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل جبل ورقان ومجلسه مثل المدينة والربذة إنه لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض كلهم لدخلوا كلهم النار.
وقال عبد الرحمن السلمي: لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا، وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا وتحدثنا إليهم، فإذا معاوية وعمرو وأبو الأعور وعبد الله بن عمرو يتسايرون، فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون، فقال عبد الله لأبيه: يا أبه قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما قال، قال: وما قال؟ قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فغشي عليه فأتاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: (ويحك يا ابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية). فقال عمرو لمعاوية: أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به. فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمارا من جاء به، فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم.
فلما قتل عمار قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفا وتقدمهم علي على بغلة فحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقول:
أقتلهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ العين العظيم الحاويه
ثم نادى معاوية فقال علي: علام يقتل الناس بيننا؟ هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور. فقال له عمرو: أنصفك. فقال له معاوية: ما أنصفت، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحد إلا قتله. فقال له عمرو: ما يحسن بك ترك مبارزته. فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي! وكان أصحاب علي قد وكلوا به رجلين يحافظانه لئلا يقاتل، وكان يحمل إذا غفلا فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل مرة فلم يرجع حتى انثنى سيفه فألقاه إليهم وقال: لولا أنه أنثنى ما رجعت إليكم. فقال الأعمش لأبي عبد الرحمن: هذا والله ضرب غير مرتاب. فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئا فأدوه ما كانوا بكاذبين.
وأسر معاوية جماعة من أصحاب علي، فقال له عمرو: اقتلهم. فقال عمرو ابن أوس الأودي: لا تقتلني فإنك خالي. قال: من أين أنا خالك ولم يكن بيننا وبين أود مصاهرة؟ قال: إن أخبرتك فهو أماني عندك؟ قال: نعم. قال: أليست أختك أم حبيبة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: فإني ابنها وأنت أخوها فأنت خالي. فقال معاوية: ما له لله أبوه! أما كان في هؤلاء من يفطن لها غيره؟ وخلى سبيله، وكان قد أسر علي أسارى كثيرة فخلى سبيلهم، فجاؤوا معاوية وإن عمرا ليقول له وقد أسر أيضا أسارى كثيرة: اقتلهم، فلما وصل أصحابهم قال معاوية: يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الأسارى لوقعنا في قبيح من الأمر؛ وخلى سبيل من عنده.

(2/71)


وأما هاشم بن عتبة فإنه دعا الناس عند المساء وقال: ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلي! فأقبل إليه ناس كثير، فحمل على أهل الشام مرارا ويصبرون له، وقاتل قتالا شديدا وقال لأصحابه: لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، فوالله ما هو إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق. ثم حرض أصحابه وحمل في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا حتى رأوا بعض ما يسرون به، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم شاب وهو يقول:
أنا ابن أرباب الملوك غسان ... والدائن اليوم بدين عثمان
نبأنا قراؤنا بما كان ... أن عليا قتل ابن عفان
ثم يحمل فلا يرجع حتى يضرب بسيفه ويشتم ويلعن. فقال له هاشم: يا هذا إن هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب، فاتق الله فإنه سائلك عن هذا الموقف وما أردت به. قال: فإني قاتلكم لأن صاحبك لا يصلي وأنتم لا تصلون، وإن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم ساعدتموه على قتله. فقال له هاشم: ما أنت وعثمان، قتله أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبناء أصحابه وقراء الناس، وهم أهل الدين والعلم، وما أهمل أمر هذا الدين طرفة عين. وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي، فإنه أول من صلى وافقه خلق الله في دين الله وأولى بالرسول، صلى الله عليه وسلم، وأما كل من ترى معي فكلهم قارىء لكتاب الله لا ينام الليل تهجدا، فلا يغوينك هؤلاء الأشقياء. فقال الفتى: فهل لي من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. فرجع الفتى، فقال له أهل الشام: خدعك العراقي. فقال: كلا ولكن نصح لي. وقاتل هاشم وأصحابه قتالا شديدا حتى رأوا الظفر، فأقبلت عليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ، فقاتلهم هاشم وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلا ... لابد أن يفل أو يفلا
قد عالج الحياة حتى ملا ... يتلهم بذي الكعوب تلا
فقتل يومئذ تسعة أو عشرة، وحمل عليه الحرث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط، فأرسل إليه علي أن قدم لواءك. فقال لرسوله: انظر إلى بطني، فإذا هو قد انشق. فقال الحجاج بن غزية الأنصاري:
فإن تفخروا بابن البديل وهاشم ... فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا
ونحن تركنا عند معترك القنا ... أخاك عبيد الله لحما ملحبا
ونحن أحطنا بالبعير وأهله ... ونحن سقيناكم سماما مقشبا
ومر علي بكتيبة من أهل الشام فرآهم لا يزولون، وهم غسان، فقال: إن هؤلاء لا يزولون إلا بطعن وضرب يفلق الهام ويطيح العظام تسقط منه المعاصم والأكف وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد، أين أهل النصر والصبر طلاب الأجر؟ فأتاه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمدا فقال له: تقدم نحو هذه الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك أمري. ففعل وأعد لهم علي مثلهم وسيرهم إلى ابنه محمد وأمره بقتالهم، فحملوا عليهم فأزالوهم عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا. ومر الأسود بن قيس المرادي بعبد الله بن كعب المرادي وهو صريع، فقال عبد الله: يا أسود! قال: لبيك! وعرفه وقال له: عز علي مصرعك. ثم نزل إليه وقال له: إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا، أوصني رحمك الله. فقال: أوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين حتى تظهر أو تلحق بالله، وأبلغه عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من اصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي، ثم لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علي فأخبره، فقال: رحمه الله، جاهد عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة. وقيل: إن الذي أشار على أمير المؤمنين علي بهذا عبد الرحمن بن الحنبل الجمحي.

(2/72)


قال: فاقتتل الناس تلك الليلة كلها إلى الصباح، وهي ليلة الهرير، فتطاعنوا حتى تقصفت الرماح، وتراموا حتى نفد النبل وأخذوا السيوف، وعلي يسير فيما بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة أن تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة وابن عباس في الميسرة وعلي في القلب والناس يقتتلون من كل جانب، وذلك يوم الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، ويقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح، ويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ذلك بهم قال: ازحفوا قيد هذه القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الإقدام. فلما رأى الأشتر ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم! ثم دعا بفرسه فركبه وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي وخرج يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسه ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله؟ فاجتمع إليه ناس كثير فيهم حيان بن هوذة النخعي وغيره. فرجع إلى المكان الذي كان فيه وقال لهم: شدوا شدة، فدى لكم خالي وعمي، ترضون بها الرب وتعزون بها الدين! ثم نزل وضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته: اقدم بها، وحمل على القوم وحملوا معه، فضرب أهل الشام حتى اتهى بهم إلى عسكرهم، ثم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، وقتل صاحب رايته. ولما رأى علي الظفر من ناحيته أمده بالرجال، فقال عمرو بن العاص لوردان مولاه: أتدري ما مثلي ومثلك ومثل الأشتر؟ قال: لا. قال: كالأشقر إن تقدم وإن تأخر عقر، لئن تأخرت لأضربن عنقك. قال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت، ضع يدك على عاتقي؛ ثم جعل يتقدم ويتقدم ويقول: لأوردنك حياض الموت، واشتد القتال.
فلما رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: نرفع المصاحف ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل، فتكون فرقة بينهم، وإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل.

(2/73)


فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا: هذا حكم كتاب الله، عز وجل، بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله. فقال لهم علي: عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وعمرا وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا ثم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ووهنا ومكيدة. فقالوا له: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فتأبى أن نقبله! فقال لهم علي: فإني إنما أقاتلهم ليدينوا الحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي، في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي أجب إلى كتاب الله، عز وجل، إذ دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان! قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي، فإن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم. قالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك. فبعث علي يزيد بن هانىء إلى الأشتر يستدعيه. فقال الأشتر: ليست هذه الساعة بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إنني قد رجوت أن يفتح الله لي! فرجع يزيد فأخبره، وارتفعت الأصوات وارتفع الرهج من ناحية الأشتر، فقالوا: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل! فقال لعي: هل رأيتموني ساررته؟ أليس كلمته على رؤوسكم وأنتم تسمعون؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك! فقال له: ويلك يا يزيد! قل له: أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت. فأبلغه ذلك، فقال الأشتر: ألرفع المصاحف؟ قال: نعم. قال: والله لقد ظننت أنها ستوقع اختلافا وفرقة! إنها مشورة ابن العاهر! ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى ما يلقون؟ ألا ترى ما صنع الله لنا؟ لن ينبغي أن أدع هؤلاء، وانصرف عنهم. فقال له يزيد: أتحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو يقتل؟ قال: لا والله، سبحان الله! فأعلمه بقولهم، فأقبل إليهم الأشتر وقال: يا أهل العراق! يا أهل الذل والوهن! أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وهم والله قد تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه؟ فأمهلوني فاقا فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا. قال: أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر. قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك. قال: فخبروني عنكم متى كنتم محقين؟ أحين تاقتلون وخياركم يقتلون؟ فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون أم أنتم الآن محقون؟ فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وهم خير منكم في النار. قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم لله وندع قتالهم لله! قال: خدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود! كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة! ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه فصاح به وبهم علي فكفوا. وقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما.

(2/74)


فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال: أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد. قال: ائته. فأتاه، فقال لمعاوية: لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون رجلا ترضون به ونبعث نحن رجلا نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه. قال له الأشعث: هذا الحق. فعاد إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رضينا وقبلنا. فقال أهل الشام: قد رضينا عمرا. وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: إنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري. فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن، لا أرى أن أولي أبا موسى. فقال الأشعث وزيد ابن حصين ومسعر بن فدكي: لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه. قال علي: فإنه ليس بثقة، قد فارقني وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك. قالوا: والله لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء. قال علي: فإني أجعل الأشتر. قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ فقال: قد أبيتم إلا أبا موسى؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم.
فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو بعرض، فأتاه مولى له فقال: إن الناس قد اصطلحوا. فقال: الحمد لله. قال: قد جعلوك حكما. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر عليا فقال: ألزني بعمرو بن العاص فوالله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. وجاء الأحنف بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الأرض وإني قد عجمت أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها، ولا يحل عقدة أعقدها لك إلا عقدت أخرى أحكم منها.
فأبى الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب. فقال الأحنف: إن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال.
وحضر عمرو بن العاص عند علي ليكتب القضية بحضوره، فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين. فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وأما أميرنا فلا. فقال الأحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإني أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا. فأبى ذلك علي مليا من النهار، ثم إن الأشعث ابن قيس قال: امح هذا الاسم، فمحي، فقال علي: الله أكبر! سنة بسنة. والله إني لكاتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية فكتبت: محمد رسول الله، وقالوا: لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمحوه، فقلت: لا أستطيع. فقال: أرنيه، فاريته، فمحاه بيده وقال: إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب. فقال عمرو: سبحان الله! أنشبه بالكفار ونحن مؤمنون! فقال علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا؟ فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا. فقال علي: إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، إننا ننزل عند حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله، وهما أبو موسى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص، عملا به، وما لم يجداه في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة لا يرادها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه، وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام.

(2/75)


وشهد من أصحاب علي الأشعث بن قيس وسعيد بن قيس الهمداني ووقاء بن سمي البجلي وعبد الله بن محل العجلي وحجر بن عدي الكندي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التميمي ومالك بن كعب الهمداني، ومن أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة وزمل بن عمرو العذري وحمرة ابن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد المخزومي وسبيع بن يزيد الأنصاري وعتبة بن أبي سفيان ويزيد بن الحر العبسي.
وقيل للأشتر ليكتب فيها، فقال: لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة، أولست على بينة من ربي من ضلال عدوي، أولستم قد رأيتم الظفر؟ فقال له الأشعث: والله ما رأيت ظفرا، هلم إلينا لا رغبة بك عنا. فقال: بلى والله، الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة، لقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت خير عندي منهم ولا أحرم دما. قال: فكأنما قصع الله على أنف الأشعث الحمم. وخرج الأشعث بالكتاب يقرؤه على الناس حتى مر على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله! ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة واندفعت الدابة، وصاح به أصحاب الأشعث، فرجع، وغضب للأشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى إليه الأحنف بن قيس ومسعر بن فدكي وناس من تميم فاعتذروا، فقبل وشكر.
وكتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، واتفقوا على أن يوافي أمير المؤمنينعلي موضع الحكمين بدومة الجندل أو بأذرح في شهر رمضان. وقيل لعلي: إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم. فقال علي: وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت وإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلا أن يعصى الله ويتعدى كتابه، فقاتلوا من ترك أمر الله، وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك فلست أخاف على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ما أرى إذا لخفت علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم، وقد نهيتكم فعصيتموني، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
والله لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منة وأورثت وهنا وذلة، ولما كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم ويقطعوا الحرب ويتربصوا بكم المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجيروا، وايم الله ما أظنكم بعدها توفقون الرشد ولا تصيبون باب الحزم.
ثم رجع الناس عن صفين، فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت، كان ذلك أول ما ظهرت وأنكرت تحكيم الرجال، ورجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه، أخذوا على طريق البر، وعادوا وهم أعداء متباغضون وقد فشا فيهم التحكيم يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله، ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا.

(2/76)


وساروا حتى جازوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة، فإذا بشيخ في ظل بيت عليه أثر المرض، فسلم عليه أمير المؤمنين، فرد ردا حسنا، فقال له علي: أرى وجهك متغيرا، أمن مرض؟ قال: نعم. قال: لعلك كرهته. قال: ما أحب أنه بغيري. فقال: أليس احتسابا للخير فيما أصابك؟ قال: بلى. قال: فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك، من أنت يا عبد الله؟ قال: صالح ابن سليم. قال: ممن أنت؟ قال: أما الأصل فمن سلامان طيء، وأما الدعوة ولاجوار ففي سليم بن منصور. فقال: سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك ومن اعتزيت إليه واسم ادعائك! هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر الحمى منعني عنها. فقال: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) التوبة: 91 الآية، خبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: فيهم المسرور، وهم أغشاء الناس، وفيهم المكبوت الآسف بما كان بينك وبينهم، وأولئك نصحاء الناس لك. قال: صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه ولكن لا يدع على العبد ذنبا إلا حطه، وإنما الأجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل، وإن الله، عز وجل، ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما من عباده الجنة. ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري فدنا منه وسلم عليه وسايره، فقال له: ما سمعت الناس يقولون إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه، فمتى يبني ما هدم ويجمع ما فرق؟ ولو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ذلك الحزم. قال علي: أنا هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرقت أم هم فرقوا؟ أما قولهم: لو كان مضى بمن أطاعه فقاتل حتى يظفر أو يهلك، فوالله ما خفي هذا عني، وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت، ولقد هممت بالإقدام على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدراني، يعني الحسن والحسين، ونظرت إلى هذين قد استقدماني، يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي، فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذه الأمة وكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا، وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينهم وليسوا معي في عسكر ولا دار.
ثم مضى وإذا على يمينه قبور سبعة أو ثمانية فقال علي: ما هذه؟ فقيل: يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك وأوصى بأن يدفن في الظهر، وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم، وكان أول من دفن بظاهر الكوفة ودفن الناس إلى جنبه، فقال علي: رحم الله خبابا فلقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلي في جسمه أحوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا، ووقف عليها وقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات! أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون! اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم! طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله، عز وجل! ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين فسمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل: البكاء على قتلى صفين. فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين فسمع مثل ذلك، ثم مر بالشباميين فسمع رجة شديدة فوقف فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، فقال له علي: أيغلبكم نساؤكم؟ ألا تنهونهن عن هذا الرنين؟ قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس دار إلا وفيها البكاء، فأما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكي ولكنا نفرح بالشهادة. قال علي: رحم الله قتلاكم وموتاكم! فأقبل يمشي معه وعلي راكب، فقال له عليك ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن. ثم مضى حتى مر بالناعطيين وكان جلهم عثمانية، فسمع بعضهم يقول: والله ما صنع علي شيئا، ذهب ثم انصرف في غير شيء، فلما رأوا أبلسوا، فقال علي لأصحابه: وجوه قوم ما رأوا الشام. ثم قال لأصحابه: قوم فارقناهم آنفا خير من هؤلاء. ثم قال:
أخوك الذي إن أجرضتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لبثك واجما
وليس أخوك بالذي إن تشعبت ... عليك الأمور ظل لحاك لائما

(2/77)


ثم مضى فلم يزل يذكر الله حتى دخل القصر. فلما دخل الكوفة لم يدخل الخوراج معه فأتوا حروراء فنزلوا بها. وقتل أويس القرني بصفين، وقيل: بل مات بدمشق، وقيل: بأرمينية، وقيل: بسجتسان. وفيها قتل جندب ابن زهير الأزدي، وهو من الصحابة، مع علي، وقتل بصفين أيضا حابس ابن سعد الطائي مع معاوية، وهو خال يزيد بن عدي بن حاتم، فقتل يزيد قاتله غدرا، فأراد عدي إسلامه إلى أولياء المقتول فهرب إلى معاوية. وممن شهد صفين مع علي خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ولم يقاتل، فلما قتل عمار ابن ياسر جرد سيفه وقاتل حتى قتل، وقال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (تقتل عمارا الفئة الباغية)، وقتل مع علي سهيل ابن عمرو بن أبي عمر الأنصاري، وهو بدري. وممن شهد وقتل فيها مع علي من المهاجرين خالد بن الوليد، وله صحبة.
شريح بن هانىء بضم الشين، وآخره حاء مهملة. الهمداني بفتح الهاء، وسكون الميم، وفتح الدال المهملة، نسبة إلى همدان: قبيلة كبيرة من اليمن. حمرة بن مالك بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، وآخره راء. حضين بن المنذر بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة. يريم بفتح الياء تحتها نقطتان، وكسر الراء، وسكون الياء الثانية، وآخره ميم. بديل بن ورقاء بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة. حازم بن أبي حازم بالحاء المهملة. حبة بن جوين بفتح الحاء المهملة، والباء المشددة الموحدة. والعرني بضم العين المهملة، وفتح الراء، وآخره نون.
ذكر استعمال جعدة بن هبيرة على خراسان
وفي هذه السنة بعث علي جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان بعد عوده من صفين، فانتهى إلى نيسابور، وقد كفروا وامتنعوا، فرجع إلى علي، فبعث خليد بن قرة اليربوعي، فحاصر أهلها حتى صالحوه وصالحه أهل مرو.
ذكر اعتزال الخوارج عليا ورجوعهم إليه
ولما رجع علي من صفين فارقة الخوارج وأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله، عز وجل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فلما سمع علي ذلك وأصحابه قامت الشيعة فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أوياء من واليت وأعداء من عاديت. فقالت الخوارج: استبقم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى. فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده فبايعناه قط والله ما بسط علي يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله وسنة نبيه، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا له: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى ومن خالفه ضال مضل.
وبعث علي عبد الله بن عباس إلى الخوارج وقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقمتم من الحكمين وقد قال تعالى: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) النساء: 35، فكيف بأمة محمد، صلى الله عليه وسلم؟ فقالت الخوارج: أما ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق القطع، فليس للعباد أن ينظروا في هذا، قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: (يحكم به ذوا عدل منكم) المائدة: 95. فقالوا: أو تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وجعلتم بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب مذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية.
وبعث علي زياد بن النضر فقال: أنظر بأي رؤوسهم هم أشد إطافة. فأخبره بأنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس.

(2/78)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية