صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكامل في التاريخ
المؤلف : ابن الأثير
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقد قيل: إن عمر بن الخطاب قدم الشام، فلما كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد فيهم أبو عبيدة ابن الجراح، فأخبروه بالوباء وشدته، وكان معه المهاجرون والأنصار، خرج غازيا، فجمع المهاجرين الأولين والأنصار فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجت لوجه الله فلا يصدك عنه هذا، ومنهم القائل: إنه بلاء وفناء فلا نرى أن تقدم عليه. فقال لهم: قوموا، ثم أحضر مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم فلم يختلفوا عليه وأشاروا بالعود، فنادى عمر في الناس: (إني مصبح على ظهر). فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال: (نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟) فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف فقال: إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه). فانصرف عمر بالناس إلى المدينة.
وهذه الرواية أصح، فإن البخاري ومسلما أخرجاها في صحيحيهما، ولأن أبا موسى كان هذه السنة بالبصرة ولم يكن بالشام، لكن هكذا ذكره وإنما أوردناه لننبه عليه.
عمواس بفتح العين المهملة والميم والواو، وبعد الألف سين مهملة. وسرع بفتح السين المهملة، وسكون الراء المهملة، وآخره غين معجمة.
ومعنى قوله: دعوة نبيكم، حين جاءه جبرائيل فقال: (فناء أمتك بالطعن أو الطاعون). فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (فبالطاعون).
ولما هلك يزيد بن أبي سفيان استعمل عمر أخاه معاوية بن أبي سفيان على دمشق وخراجها، واستعمل شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها. وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط، وطمع له العدو في المسلمين لطول مكثه، مكث شهورا، وأصاب الناس بالبصرة مثله، وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفا.
ذكر قدوم عمر إلى الشام بعد الطاعون
لما هلك الناس في الطاعون كتب أمراء الأجناد إلى عمر بما في أيديهم من المواريث، فجمع الناس واستشارهم وقال لهم: قد بدا لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا علي، وفي القوم كعب الأحبار، وفي تلك السنة أسلم، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، بأيها تريد أن تبدأ؟ قال: بالعراق. قال: فلا تفعل فإن الشر عشرة أجزاء، تسعة منها بالمشرق وجزء بالمغرب، والخير عشرة أجزاء، تسعة بالمغرب وجزء بالمشرق، وبها قرن الشيطان وكل داء عضال. فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن الكوفة للهجرة بعد الهجرة، وإنها لقبة الإسلام، ليأتينها يوم لا يبقى مسلم إلا وحن إليها لينتصرن بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط. فقال عمر: (إن مواريث أهل عمواس قد ضاعت، أبدأ بالشام فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأبدي إليهم أمري).
فسار عن المدينة واستخلف عليها علي بن أبي طالب واتخذ أيلة طريقا، فلما دنا منها ركب بعيره وعلى رحله فرو مقلوب وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه الناس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم، يعني نفسه، فساروا أمامهم، وانتهى هو إلى أيلة فنزلها، وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين إليها ونزلها، فرجعوا إليه. وأعطى عمر الأسقف بها قميصه، وقد تخرق ظهره، ليغسله ويرقعه، ففعل، وأخذه ولبسه، وخاط له الأسقف قميصا غيره فلم يأخذه. فلما قدم الشام قسم الأرزاق، وسمى الشواتي والصوائف، وسد فروج الشام ومسالحها، وأخذ يدورها، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كل كورة، واستعمل معاوية، وعزل شرحبيل بن حسنة وقام يعذره في الناس وقال: (إني لم أعزله عن سخطة ولكني أريد رجلا أقوى من رجل). واستعمل عمرو بن عتبة على الأهراء. وقسم مواريث أهل عمواس، فورث بعض الورثة من بعض، وأخرجها إلى الأحياء من ورثة كل منهم. وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة. ورجع عمر إلى المدينة في ذي القعدة.
ولما كان بالشام وحضرت الصلاة قال له الناس: لو أمرت بلالا فأذن، فأمره فأذن، فما بقي أحد أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، وبلال يؤذن إلا وبكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه ببكائهم ولذكرهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

(1/450)


قال الواقدي: إن الرهاء وحران والرقة فتحت هذه السنة على يد عياض ابن غنم، وإن عين الوردة، وهي رأس عين، فتحت فيها على يد عمير ابن سعد، وقد تقدم شرح فتحها.
في هذه السنة في ذي الحجة حول عمر المقام إلى موضعه اليوم، وكأن ملصقا بالبيت. وفيها استقضى عمر شريح بن الحارث الكندي على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن سور الأزدي. وكانت الولاة على الأمصار الولاة الذين كانوا عليها في السنة قبلها. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب.
ثم دخلت سنة تسع عشرة
قال بعضهم: إن فتح جلولاء والمدائن كان في هذه السنة على يد سعد، وكذلك فتح الجزيرة، وقد تقدم ذكر فتح الجميع والخلاف فيه. وقيل: فيها كان فتح قيسارية على يد معاوية، وقيل: سنة عشرين، وقد تقدم أيضا ذكر ذلك سنة ست عشرة.
وفي هذه السنة سالت حرة ليلى، وهي قريب المدينة، نارا، فأمر عمر بالصدقة، فتصدق الناس فانطفأت.
وحج بالناس هذه السنة عمر. وكان عماله فيها من تقدم ذكرهم. وفيها قتل صفوان بن المعطل السلمي، وقيل: بل مات سنة ستين آخر خلافة معاوية. وفيها مات أبي بن كعب، وقيل: بل مات سنة عشرين، وقيل: اثنتين وعشرين، وقيل: اثنتين وثلاثين، والله أعلم.
ثم دخلت سنة عشرين
ذكر فتح مصر
قيل: في هذه السنة فتحت مصر في قول بعضهم على يد عمرو بن العاص والإسكندرية أيضا، وقيل: فتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين، وقيل: فتحت مصر سنة ست عشرة في ربيع الأول، وبالجملة فينبغي أن يكون فتحها قبل عام الرمادة لأن عمرو بن العاص حمل الطعام في بحر القلزم من مصر إلى المدينة، والله أعلم، وقيل غير ذلك.
وأما فتحها فإنه لما فتح عمر بيت المقدس وأقام به أياما وأمضى عمرو ابن العاص إلى مصر وأتبعه الزبير بن العوام مددا له فأخذ المسلمون باب اليون وساروا إلى مصر فلقيهم هناك أبو مريم، جاثليق مصر، ومعه الأسقف بعثه المقوقس لمنع بلادهم، فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجلونا حتى نعذر إليكم وترون رأيكم بعد، وليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام، فكفوا، وخرجا إليه، فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية النبي، صلى الله عليه وسلم، بأهل مصر بسبب هاجر أم إسماعيل، عليه السلام، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، آمنا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: مثلي لا يخدع ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظرا. فقالا: زدنا، فزادهما يوما، فرجعا إلى المقوقس فهم. فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقال لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم. فلم يفجأ عمرا إلا البيات وهو على عدة، فلقوه فقتل أرطبون وكثير ممن معه وانهزم الباقون، وسار عمرو والزبير إلى عين الشمس وبها جمعهم، وبعث إلى فرما أبرهة بن الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية، فنزل عليها. قيل: وكان الإسكندر وفرما أخوين، ونزل عمرو بعين الشمس، فقال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قتال قوم هزموا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم! فلا تعرض لهم ولا تعرضنا لهم - وذلك في اليوم الرابع - فأبى وناهدوهم وقاتلوهم.
فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا جال المسلمون، فذمرهم عمرو، فقال له رجل من اليمن: إنا لم نخلق من حديد. فقال له عمرو: اسكت، إنما أنت كلب. قال: فأنت أمير الكلاب. فنادى عمرو بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين، فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين، فارتقى الزبير بن العوام سورها، فلما أحسوا فتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عنوة حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا صلحا بعد ما أشرفوا على الهلكة، فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى الصلح فصاروا ذمة، وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوبة مجرى أهل مصر، ومن اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه.

(1/451)


واجتمعت خيول المسلمين بمصر وبنوا الفسطاط ونزلوه، وجاء أبو مريم وأبو مريام إلى عمرو وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فطردهما، فقالا: كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة. فقال عمرو لهما: أتغيرون علينا وتكونون في ذمة؟ قالا: نعم. فقسم عمرو ابنالعاص السبي على الناس وتفرق في بلدان العرب. وبعث بالأخماس إلى عمر بن الخطاب ومعها وفد، فأخبروا عمر بن الخطاب بحالهم كله وبما قال أبو مريم، فرد عمر عليهم سبي من لم يقاتلهم في تلك الأيام الأربعة وترك سبي من قاتلهم فردوهم.
وحضرت القبط باب عمرو، وبلغ عمرا أنهم يقولون: ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم. فخاف أن يطمعهم ذلك فأمر بجزر فطبخت ودعا أمراء الأجناد فأعلموا أصحابهم فحضروا عنده وأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا وحسوا وهم في العباء بغير سلاح، فازداد طمعهم، وأمر المسلمين أن يحضروا الغد في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، ففعلوا، وأذن لأهل مصر فرأوا شيئا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوام بألوان مصر فأكلوا أكل أهل مصر، فارتاب القبط، وبعث أيضا إلى المسلمين: تسلحوا للعرض غدا، وغدا على العرض، وأذن لهم فعرضهم عليهم وقال لهم: علمت حالم حين رأيتم اقتصاد العرب فخشيت أن تهلكوا فأحببت أن أريكم حالهم في أرضهم كيف كانت، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فقد رأيتم ظفرهم بكم وذلك عيشهم وقد كلبوا على بلادكم بما نالوا في اليوم الثاني، فأردت أن تعلموا أن ما رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني وراجع إلى عيش اليوم الأول.
فتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم. وبلغ عمر ذلك فقال: (والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره).
ثم إن عمرا سار إلى الإسكندرية، وكان من بين الإسكندرية والفسطاط من الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا: نغزوه قبل أن يغزونا ويروم الإسكندرية. فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار حتى بلغ الإسكندرية، فوجد أهلها معدين لقتاله. فأرسل المقوقس إلى عمرو يسأله الهدنة إلى مدة، فلم يجبه إلى ذلك وقال: لقد لقينا ملككم الأكبر هرقل فكان منه ما بلغكم. فقال المقوقس لأصحابه: صدق فنحن أولى بالإذعان. فأغلظوا له في القول وامتنعوا، فقاتلهم المسلمون وحصروهم ثلاثة أشهر، وفتحها عمرو عنوة وغنم ما فيها وجعلهم ذمة.
وقيل: إن المقوقس صالح عمرا على اثني عشر ألف دينار على أن يخرج من الإسكندرية من أراد الخروج ويقيم من أراد القيام وعلى أن يفرض على كل حالم من القبط دينارين، وجعل فيها عمرو جندا.
ولما فتحت مصر غزوا النوبة فرجع المسلمون بالجراحات وذهاب الحدق لجودة رميهم، فسموهم رماة الحدق.
فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر أيام عثمان صالحهم على هدية عدة رؤوس في كل سنة يؤدونهم إلى المسلمين، ويهدي إليهم المسلمون كل سنة طعاما مسمى وكسوة، وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من ولاة الأمور.
وقيل: إن المسلمين لما انتهوا إلى بلهيب وقد بلغت سباياهم إلى اليمن أرسل صاحبهم إلى عمرو: إنني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم: فارس والروم، فإن أحببت الجزية على أن ترد ما سبيتم من أرضي فعلت. فكتب عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك، ورفعوا الحرب إلى أن يرد كتاب عمر. فورد الجواب من عمر: لعمري جزية قائمة أحب إلينا من غنيمة تقسم ثم كأنها لم تكن، وأما السبي فإن أعطاك ملكهم الجزية على أن تخيروا من في أيديكم منهم بين الإسلام ودين قومه فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ومن اختار دين قومه فضع عليه الجزية، وأما من تفرق في البلدان فإنا لا نقدر على ردهم. فعرض عمرو ذلك على صاحب الإسكندرية، فأجاب إليه، فجموا السبي واجتمعت النصارى وخيروهم واحدا واحدا، فمن اختار المسلمين كبروا، ومن اختار النصارى نخروا وصار عليه جزية حتى فرغوا.
وكان من السبي أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن، فاختار الإسلام وصار عريف زبيد. وكان ملوك بني أمية يقولون: إن مصر دخلت عنوة وأهلها عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا. ولم يكن كذلك.
ذكر عدة حوداث

(1/452)


وفي هذه السنة، أعني سنة عشرين، غزا أبو بحرية عبد الله بن قيس أرض الروم، وهو أول من دخلها فيما قيل، وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي فسبى وغنم. وقيل: فيها عزل عمر قدامة بن مظعون من البحرين وحده في شرب الخمر واستعمل أبا بكرة على البحرين واليمامة. وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وفيها عزل عمر سعد بن أبي وقاص عن الكوفة لشكايتهم إياه وقالوا: لا يحسن يصلي. وفيها قسم عمر خيبر بين المسلمين وأجلى اليهود عنها وقسم وادي القرى. وفيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة. وفيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة، وكانت تطرقت بلاد الإسلام فأصيب المسلمون، فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا أبدا، يعني للغزو، وقيل سنة إحدى وثلاثين.
مجزز بجيم وزايين الأولى مكسورة مشددة.
وفيها مات أسيد بن حضير في شعبان؛ أسيد تصغير أسد. وحضير بالحاء المهملة المضمومة، والضاد المفتوحة، والراء. وفيها مات هرقل وملك قسطنطين. وفيها ماتت زينب بنت جحش ونزل في قبرها أسامة بن زيد وابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش.
وحج بالناس عمر. وكان عماله على الأمصار من كان قبل هذه السنة إلا من ذكرت أنه عزله. وكان قضاته فيها القضاة في السنة قبلها.
وفيها مات عياض بن غنم، وهو الذي فتح الجزيرة، وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم. وفيها مات بلال بن رباح مؤذن النبي، صلى الله عليه وسلم، بدمشق، وقيل بحلب. وفيها مات أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وله ولأبيه ولجده صحبة، وقتل أبوه في غزوة الرجيع. وفيها مات سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، شهد فتح خيبر، وكان فاضلا، وكان على حمص حتى مات، وقيل: مات سنة تسع عشرة، وقيل: سنة إحدى وعشرين وعمره أربعون سنة. وفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وفيها ماتت صفية بنت عبد المطلب عمة النبي، صلى الله عليه وسلم. وفيها قتل المظهر بن رافع الأنصاري، قدم من الشام ومعه من علوج الشام، فلما كان بخيبر أمرهم قوم من اليهود فقتلوهم، فأجلاهم عمر.
المظهر بضم الميم، وفتح الظاء المعجمة، وتشديد الهاء، وآخره راء مهملة.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين
ذكر وقعة نهاوند
قيل: فيها كانت وقعة نهاوند، وقيل: كانت سنة ثماني عشرة، وقيل سنة تسع عشرة.
وكان الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين ما خلصوا جند العلاء من بلاد فارس وفتحوا الأهواز كاتبت الفرس ملكهم وهو بمرو فحركوه، وكاتب الملوك بين الباب والسند وخراسان وحلوان، فتحركوا وتكاتبوا واجتمعوا إلى نهاوند، ولما وصلها أوائلهم بلغ سعدا الخبر، فكت إلى عمر، وثار بسعد قوم سعوا به وألبوا عليه، ولم يشغلهم ما نزل بالناس؛ وكان ممن تحرك في أمره الجراح بن سنان الأسدي في نفر. فقال لهم عمر إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الأمر وقد استعد لكم من استعد: والله ما يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما لديكم. فبعث عمر محمد بن مسلمة والناس في الاستعداد للفرس، وكان محمد صاحب العمال يقتص آثار من شكا زمان عمر، فطاف بسعد على أهل الكوفة يسأل عنه، فما سأل عنه جماعة إلا أثنوا عليه خيرا سوى من مالأ الجراح الأسدي، فإنهم سكتوا ولم يقولوا سوءا ولا يسوغ لهم ويتعمدون ترك الثناء، حتى انتهى إلى بني عبس فسألهم، فقال أسامة بن قتادة: اللهم إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، ولا يغزو في السرية. فقال سعد: اللهم إن كان قالها رياء وكذبا وسمعة فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمي، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بالمرأة فيأتيها حتى يحبسها، فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك. ثم دعا سعد على أولئك النفر فقال: اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا ورياء فاجهد بلادهم. فجهدوا، وقطع الجراح بالسيوف يوم بادر الحسن بن علي، رضي الله عنه، ليغتاله بساباط، وشدخ قبيصة بالحجارة، وقتل أربد بالوجء ونعال السيوف.
وقال سعد: إني أول رجل أهراق دما من المشركين، ولقد جمع لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبويه وما جمعهما لأحد قبلي، ولقد رأيتني خمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أني لا أحسن أصلي وأن الصيد يلهيني.

(1/453)


وخرج محمد بسعد وبهم معه إلى المدينة فقدموا على عمر فأخبروه الخبر فقال: كيف تصلي يا سعد؟ قال: أطيل الأوليين وأحذف الأخريين. فقال: هكذا الظن بك يا أبا إسحاق ولولا الاحتياط لكان سبيلهم بينا. وقال: من خليفتك يا سعد على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان. فأقره. فكان سبب نهاوند وبعثها زمن سعد.
وأما الوقعة فهي زمن عبد الله، فنفرت الأعاجم بكتاب يزدجرد فاجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ألفا ومائة ألف مقاتل، وكان سعد كتب إلى عمر بالخبر ثم شافهه به لما قدم عليه وقال له: إن أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح وأن يبدؤوهم بالشدة ليكون أهيب لهم على عدوهم.
فجمع عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم.
فقال طلحة بن عبيد الله: يا أمير المؤمنين قد أحكمتك الأمور، وعجمتك البلابل، واحتنكتك التجارب، وأنت وشأنك ورأيك، لا ننبو في يديك ولا نكل عليك، إليه هذا الأمر، فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب وقدنا ننقد، فإنك ولي هذا الأمر، وقد بلوت وجربت واحتربت فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيارهم. ثم جلس.
فعاد عمر، فقام عثمان فقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فإنك إذا سرت قل عندك ما قد تكاثر من عدد القوم وكنت أعز عزا وأكثر. يا أمير المؤمنين، إنك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية، ولا تمتع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز. إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه. وجلس.
فعاد عمر فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والغيالات، أقرر هؤلاء في أمصارهم واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا ثلاث فرق: فرقة في حرمهم وذراريهم، وفرقة في أهل عهدهم حتى لا ينتقضوا، ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم؛ إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا: هذا أمير المؤمنين أمير العرب وأصلها، فكان ذلك أشد لكلبهم عليك. وأما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ولكن بالنصر.
فقال عمر: هذا هو الرأي، كنت أحب أن أتابع عليه، فأشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر.
وقيل: إن طلحة وعثمان وغيرهما اشاروا عليه بالمقام. والله أعلم.
فلما قال عمر: أشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر وليكن عراقيا، قالوا: أنت أعلم بجندك وقد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم. فقال: والله لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا. فقيل: من هو؟ فقال: هو النعمان بن مقرن المزني. فقالوا: هو لها.
وكان النعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد اقتحموا جنديسابور والسوس. فكتب إليه عمر يأمره بالمسير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه، فإذا اجتمعوا إليه سار بهم إلى الفيرزان ومن معه. وقيل بل كان النعمان بكسكر. فكتب إلى عمر يسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من المسلمين. فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند، فسار.
فكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان ليستنفر الناس مع النعمان كذا وكاذ ويجتمعوا عليه بماه. فندب الناس، فكان أسرعهم إلى ذلك الروادف ليبلوا في الدين وليدركوا حظا.

(1/454)


فخرج الناس منها وعليهم حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن حتى قدموا على النعمان، وتقدم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز ليشغلوا فارسا عن المسلمين وعليهم المقترب الأسود بن ربيعة وحرملة بن مريطة ووزر بن كليب، فأقاموا بتخوم أصبهان وفارس وقطعوا أمداد فارس عن أهل نهاوند، واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة بن اليمان وابن عمر وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة ابن شعبة وغيرهم، فأرسل النعمان طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب وعمرو ابن ثني، وهو ابن أبي سلمى، ليأتوه بخبرهم. وخرجوا وساروا يوما إلى الليل، فرجع إليه عمرو بن ثني، فقالوا: ما رجعك؟ فقال: لم أكن في أرض العجم، وقتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها. ومضى طليحة وعمرو ابن معد يكرب. فلما كان آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوما وليلة ولم نر شيئا وخفت أن يؤخذ علينا الطريق فرجعت. ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون فرسخا. فقال الناس: ارتد طليحة الثانية. فعلم كلام القوم ورجع. فلما رأوه كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. فقال: والله لو لم يكن دين إلا العربي ما كنت لأجزر العجم الطماطم هذه العرب العاربة. فأعلم النعمان أنه ليس بينهم وبين نهاوند شيء يكرهه ولا أحد.
فرحل النعمان وعبى أصحابه، وهم ثلاثون ألفا، فجعل على مقدمته نعيم ابن مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود. وقد توافت إليه أمداد المدينة فيهم المغيرة بن شعبة، فانتهوا إلى إسبيذهان والفرس وقوف على تعبيتهم، وأميرهم الفيرزان وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جاذويه الذي جعل مكان ذي الحاجب. وقد توافى إليهم الأمداد بنهاوند كل من غاب عن القادسية ليسوا بدونهم، فلما رآهم النعمان كبر وكبر معه الناس فتزلزلت الأعاجم وحطت العرب الأثقال وضرب فسطاط النعمان، فابتدر أشراف الكوفة فضربوه، منهم: حذيفة بن اليمان، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وبشير ابن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وجرير بن عبد الله البجلي، والأشعث ابن قيس، وسعيد بن قيس الهمداني، ووائل بن حجر وغيرهم. فلم ير بناء فسطاط بالعراق كهؤلاء.
وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجال وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء الله، والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان في ذلك فوافوه وهو يروي في الذي رووا فيه فأخبروه، فبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي فأحضرهم، فتكلم النعمان فقال: (قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟).
فتكلم عمرو بن ثني، وكان أكبر الناس، وكانوا يتكلمون على الأسنان، فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم فدعهم وقاتل من أتاك منهم. فردوا عليه رأيه.
وتكلم عمرو بن معد يكرب فقال: ناهدهم وكابرهم ولا تخفهم، فردوا جميعا عليه رأيه وقالوا: إنما يناطح بنا الجدران وهي أعوان علينا.
وقال طليحة: أرى أن نبعث خيلا لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب.

(1/455)


فأمر النعمان القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فأنشب القتال، فأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أن لا يفروا، وقد قرن بعضهم بعضا كل سبعة في قران وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا. فلما خرجوا نكص ثم نكص واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا: هي هي، فلم يبق أحد إلا من يقوم على الأبواب وركبوهم. ولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس عن حصنهم بعض الانقطاع والمسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم، ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي، واقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح.
وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه فما تنتظر بهم؟ ائذن للناس في قتالهم. فقال: رويدا رويدا. وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال، فلما كان قريبا من تلك الساعة ركب فرسه وسار في الناس ووقف على كل راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر، وقال لم: إني مكبر ثلاثا فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا، وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، حتى عد سبعة آخرهم المغيرة. ثم قال: اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك.
وقيل: بل قال: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيدا. فبكى الناس. ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثا والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال، وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها، وما كان يسمع إلا وقع الحديد، وصبر لهم المسلمون صبرا عظيما، وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دما يزلق الناس والدواب.
فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيدا، زلق به فرسه فصرع. وقيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله، فسجاه أخوه نعيم بثوب، وأخذ الراية قبل أن تقع وناولها حذيفة، فأخذها وتقدم إلى موضع النعمان وترك نعيما مكانه. وقال لهم المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم لئلا يهن الناس. فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعا، وجعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة.
وقيل: قتل في اللهب ثمانون ألفا وفي المعركة ثلاثون ألفا سوى من قتل في الطلب، ولم يفلت إلا الشريد، ونجا الفيرزان من بين الصرعى فهرب نحو همذان، فاتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع قدامه فأدركه بثنية همذان، وهي إذ ذاك مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلا، فحبسه الدواب على أجله. فلما لم يجد طريقا نزل عن دابته وصعد في الجبل، فتبعه القعقاع راجلا فأدركه فقتله المسلمون على الثنية وقالوا: إن لله جنودا من عسل. واستاقوا العسل وما معه من الأحمال. وسميت الثنية ثنية العسل.
ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم، ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرن، فقال لهم أخوه معقل: هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة.

(1/456)


ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا ما فيها من الأمتعة وغيرها وما حولها من الأسلاب والأثاث وجمعوا إلى صاحب الأقباض السائب ابن الأقرع. وانتظر من بنهاوند ما يأتيهم من إخوانهم الذين على همذان مع القعقاع ونعيم، فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار على أمان، فأبلغ حذيفة، فقال: أتؤمنني ومن شئت على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ قال: نعم. فأحضر جوهرا نفيسا في سفطين، فأرسلهما مع الأخماس إلى عمر. وكان حذيفة قد نفل منها وأرسل الباقي مع السائب ابن الأقرع الثقفي، وكان كاتبا حاسبا، أرسله عمر إليهم وقال له: إن فتح الله عليكم فاقسم على المسلمين فيئهم وخذ الخمس، وإن هلك هذا الجيش فاذهب فبطن الأرض خير من ظهرها.
قال السائب: فلما فتح الله على المسلمين وأحضر الفارسي السفطين اللذين أودعهما عنده النخير جان فإذا فيهما اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فلما فرغت من القسمة احتملتهما معي وقدمت على عمر، وكان قد قدر الوقعة فبات يتململ ويخرج ويتوقع الأخبار، فبينما رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه فرجع إلى المدينة ليلا، فمر به راكب فسأله: من أين أقبل؟ فقال: من نهاوند، وأخبره بالفتح وقتل النعمان، فلما أصبح الرجل تحدث بهذا بعد ثلاث من الوقعة، فبلغ الخبر عمر فسأله فأخبره، فقال ذلك بريد الجن.
ثم قدم البريد بعد ذلك فأخبره بما يسره ولم يخبره بقتل النعمان: قال السائب: فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار. قال: فأتيته فقال: ما وراءك؟ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين. فتح الله عليك وأعظم الفتح، واستشهد النعمان بن مقرن. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فوق كتده. قال: فلما رأيت ذلك وما لقي قلت: يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه. فقال: أولئك المستضعفون من المسلمين ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنع أولئك بمعرفة عمر! ثم أخبرته بالسفطين فقال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك. قال: ففعلت وخرجت سريعا إلى الكوفة.
وبات عمر، فلما أصبح بعث في أثري رسولا فما أدركني حتى دخلت الكوفة فأنخت بعيري وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم أقدر عليك إلا الآن. قال: فركبت معه فقدمت على عمر، فلما رآني قال: إلي وما لي وللسائب! قلت: ولماذا؟ قال: ويحك والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تستحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا فيقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فخذهما عني فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. قال: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف وسهم الراجل ألفين. وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند وكان المسلمون ثلاثين ألفا.
ولما قدم سبي نهاوند المدينة جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال له: أكل عمر كبدي! وكان من نهاوند فأسرته الروم وأسره المسلمون من الروم فنسب إلى حيث سبي.
وكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع. وملك المسلمون بلادهم.
ذكر فتح الدينور والصميرة وغيرهما
لما انصرف أبو موسى من نهاوند، وكان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة، فمر بالدينور فأقام عليها خمسة أيام وصالحه أهلها على الجزية ومضى فصالحه أهل سيروان على مثل صلحهم، وبعث السائب بن الأقرع الثقفي إلى الصميرة مدينة مهرجان قذق ففتحها صلحا، وقيل: إنه وجه السائب من الأهواز ففتح ولاية مهرجان قذق.
ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما

(1/457)


لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم وقبل منهم الجزية على أن يضمن منهم همذان وسدستبى وألا يؤتى المسلمون منهم، فأجابوه إلى ذلك وآمنوه ومن معه من الفرس، وأقبل كل من كان هرب، وبلغ الخبر الماهين بفتح همذان وملكها ونزول نعيم والقعقاع بها، فاقتدوا بخسروشنوم فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا وأجمعوا على القبول وأجمعوا على إتيان حذيفة؛ فخدعهم دينار وهو أحد أولئك الملوك، وكان أشرفهم قارن، وقال: لا تقلوهم في جمالكم، ففعلوا، وخالفهم فأتاهم في الديباج والحلي فأعطاهم حاجتهم، واحتمل المسلمون ما أرادوا وعاقدوه عليهم، ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول في أمره، فقيل ماه دينار لذلك. وكان النعمان بن مقرن قد عاقد بهراذان على مثل ذلك فنسب إلى بهراذان، وكان قد وكل النسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم فجاهدهم فافتتحها فنسبت إلى النسير وهو تصغير نسر.
قيل: دخل دينار الكوفة أيام معاوية فقال: يا أهل الكوفة إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس فبقيتم كذلك زمن عمر وعثمان، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع: بخل، وخب، وغدر، وضيق، ولم يكن فيكم واحدة منهن، وقد رمقتكم فرأيت ذلك في مولديكم فعلمت من أين أتيتم، فإذا الخب من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز.
ذكر دخول المسلمين بلاد الأعاجم
وفيها أمر عمر المسلمين بالانسياح في بلاد العجم وطلب الفرس أين كانوا، وقيل: كان ذلك سنة ثماني عشرة، وقد تقدم ذكره. وسبب ذلك ما كان من يزدجرد وبعثه الجنود مرة بعد أخرى، فوجه الأمراء من أهل البصرة وأهل الكوفة بعد فتح نهاوند، وكان بين عمل سعد وعمل عمار أميران، أحدهما عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وفي زمانه كانت وقعة نهاوند، والآخر زياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصي، وفي زمانه أمر بالانسياح وعزل عبد الله وبعث في وجه آخر، وولي زياد، وكان من المهاجرين، فعمل قليلا وألح في الاستعفاء فأعفاه عمر وولى عمار بن ياسر وكتب معه إلى أهل الكوفة: إني بعثت عمارا أميرا وجعلت معه ابن مسعود معلما. وكان ابن مسعود بحمص فسيره عمر إلى الكوفة، وأمد أهل البصرة بعبد الله بن عبد الله، وأمد أهل الكوفة بأبي موسى. وكان أهل همذان قد كفروا بعد الصلح، فبعث عمر لواء إلى نعيم بن مقرن وأمره بقصد همذان، فإذا فتحها سار إلى ما وراء ذلك إلى خراسان، وبعث عتبة بن فرقد وبكير بن عبد الله إلى أذربيجان، يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل، وبعث عبد الله بن عبد الله إلى أصبهان، وأمر عمر سراقة على البصرة.
ذكر فتح أصبهان
وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وكان شجاعا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار حليف لبني الحبلى، وأمده بأبي موسى، وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله، فساروا إلى نهاوند، ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة وما وراءها، وسار عبد الله فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند، نحو أصبهان، وعلى جندها الاستندار، وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه، شيخ كبير، في جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد الله بن ورقاء الرياحي فقتله، وانهزم أهل أصبهان. فسمي ذلك الرستاق رستاق الشيخ إلى اليوم، وصالحهم الاستندار على رستاق الشيخ، وهو أول رستاق أخذ من أصبهان.
ثم سار عبد الله إلى مدينة جي وهي مدينة أصبهان، فانتهى إليها والملك بأصبهان الفاذوسفان، فنزل بالناس على جي وحاصرها وقاتلها، ثم صالحه الفاذوسفان على أصبهان وأن على من أقام الجزية وأقام على ماله وأن يجزى من أخذت أرضه عنوة مجراهم ومن أبى وذهب كان لكم أرضه، وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز وقد صالح، فخرج القوم من جي ودخلوا في الذمة إلا ثلاثين رجلا من أهل أصبهان لحقوا بكرمان. ودخل عبد الله وأبو موسى جيا، وكتب بذلك إلى عمر. فقدم كتاب عمر إلى عبد الله: أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي فتكون معه على قتال من بكرمان، فسار واستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ولحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان.

(1/458)


قيل: وقد روي عن معقل بن يسار أن الأمير كان على الجند الذين فتحوا أصبهان النعمان بن مقرن، وأن عمر أرسله من المدينة إلى أصبهان وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه، فسار إلى أصبهان وبها ملكها ذو الحاجبين، فأرسل إليه المغيرة بن شعبة وعاد من عنده فقاتلهم وقتل النعمان ووقع ذو الحاجبين عن دابته فانشقت بطنه وانهزم أصحابه. قال معقل: فأتيت النعمان وهو صريع فجعلت عليه علما. فلما انهزم المشركون أتيته، ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب فقال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله! ومات.
هكذا في هذه الرواية، والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم وقاشان.
ذكر ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة
وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة، وابن مسعود على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. فشكا أهل الكوفة عمارا، فاستعفى عمار عمر بن الخطاب، فولى عمر جبير بن مطعم الكوفة، وقال له: لا تذكره لأحد. فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير، فأرسل امرأته إلى امرأة جبير بن مطعم لتعرض عليها طعام السفر، ففعلت، فقالت: نعم ما حييتني به. فلما علم المغيرة جاء إلى عمر فقال له: بارك الله لك فيمن وليت! وأخبره الخبر فعزله وولى المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها حتى مات عمر. وقيل: إن عمارا عزل سنة اثنتين وعشرين وولي بعده أبو موسى. وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادث
قيل: وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة صلحا، وما بين برقة وزويلة سلم للمسلمين. وقيل: سنة عشرين.
كان الأمراء في هذه السنة: عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة؛ ومعاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ومعرة مصرين، وعند ذلك صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة على قلقية وأنطاكية ومعرة مصرين.
وفيها ولد الحسن البصري وعامر الشعبي.
وحج بالناس عمر بن الخطاب، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت. وكان عامله على مكة والطائف واليمن واليمامة ومصر والبصرة من كان قبل ذلك، وكان على الكوفة عمار بن ياسر، وشريح على القضاء.
وفيها بعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى ساحل فارس فحاربوهم ومعهم الجارود العبدي، فقتل الجارود بعقبة تعرف بعقبة الجارود، وقيل: بل قتل بنهاوند مع النعمان.
وفيها مات حممة، وهو من الصحابة، بأصبهان بعد فتحها، والعلاء بن الحضرمي وهو على البحرين، فاستعمل عمر مكانه أبا هريرة. وفيها مات خالد ابن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب، وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين، وقيل: مات بالمدينة. والأول أصح.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين
في هذه السنة افتتحت أذربيجان، وقيل: سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان والري وجرجان، فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثم نذكر أذربيجان بعدها.
ذكر فتح همذان ثانيا
قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن عمرو، فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم، فلما قدم عهد نعيم من عند عمر ودع حذيفة وسار يريد همذان وعاد حذيفة إلى الكوفة، فخرج نعيم ابن مقرن على تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعا وحاصرها، فلما رأى أهلها ذلك سألوا الصلح ففعل وقبل منهم الجزية. وقد قيل: إن فتحها كان سنة أربع وعشرين بعد مقتل عمر بستة أشهر. فبينما نعيم بهمذان في اثني عشر ألفا من الجند كاتب الديلم وأهل الري وأذربيجان، إذ خرج موتا في الديلم حتى نزل بواج روذ، وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري، وأقبل أسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان، فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج روذ قتالا شديدا، وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون، فأرسلوا إلى عمر مبشرا، فأمر عمر نعيما بقصد الري وقتال من بها والمقام بها بعد فتحها.

(1/459)


وقيل: إن المغيرة بن شعبة، وهو عامل على الكوفة، أرسل جرير بن عبد الله إلى همذان، فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم، فقال: احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله. ثم فتحها على مثل صلح نهاوند وغلب على أرضها قسرا. وقيل: كان فتحها على يد المغيرة بنفسه، وكان جرير على مقدمته. وقيل: فتحها قرظة بن كعب الأنصاري.
ذكر فتح قزوين وزنجان
لما سير المغيرة جريرا إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها الله على يده غزا الديلم منها، وإنما كان مغزاهم قبل من دستبى. فسار البراء حتى أتى أبهر، وهو حصن، فقاتلوه ثم طلبوا الأمان فآمنهم وصالحهم، ثم غزا قزوين، فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبونن النصرة فوعدوهم، ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوف على الجبل لا يمدون يدا، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر؛ وقال بعض المسلمين:
قد علم الديلم إذ تحارب ... حين أتى في جيشه ابن عازب
بأن ظن المشركين كاذب ... فكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعر ومن سباسب
وغزا البراء الديلم حتى أدوا إليه الإتاوة، وغزا جيلان والببر والطيلسان، وفتح زنجان عنوة. ولما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا الديلم وأذربيجان وجيلان وموقان والببر والطيلسان ثم انصرف.
ذكر فتح الري
ثم انصرف نعيم من واج روذ حتى قدم الري وخرج الزينبي أبو الفرخان من الري فلقي نعيما طالبا الصلح ومسالما له ومخالفا لملك الري، وهو سياوخش ابن مهران بن بهرام جوبين، فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان فأمدوه خوفا من المسلمين، فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وكان الزينبي قال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة فباعث معي خيلا أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم خيلا من الليل عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالري نحوا مما في المدائن وصالحه الزينبي على الري، ومرزبة عليهم نعيم، فلم يزل شرف الري في أهل الزينبي، وأخرب نعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها العتيقة، وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثي. وكتب نعيم إلى عمر بالفتح وأنفذ الأخماس، وكان البشير المضارب العجلي، وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدي به منه على دنباوند، فأجابه إلى ذلك.
وقد قيل: إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب، وقيل: كان فتحها سنة إحدى وعشرين. وقيل غير ذلك. والله أعلم.
ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان
لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال أخيه سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس، فسار سويد نحو قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما وعسكر بها، وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز، فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم بذلك. ثم سار سويد إلى جرجان فعكسر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان، وهو زرنان صول، وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكافية حرب جرجان وأن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، وتلقاه زرنان صول قبل دخوله جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبى الخراج وسمى فروجها فسدها بترك دهستان، ورفع الجزية عمن قام بمنعها وأخذها من الباقين.
وقيل: كان فتحها سنة ثماني عشرة. وقيل: سنة ثلاثين زمن عثمان.
قيل: وأرسل الأصبهبذ صاحب طبرستان سويدا في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئا على غير نصر ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه وكتب له كتابا.
ذكر فتح طرابلس الغرب وبرقة

(1/460)


في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه. فلما فرغ من برقة سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها شهرا فلم يظفر بها، وكان قد نزل شرقيها، فخرج رجل من بني مدلج يتصد في سبعة نفر وسلكوا غرب المدينة، فلما رجعوا اشتد عليهم الحر فأخذوا على جانب البحر، ولم يكن السور متصلا بالبحر، وكانت سفن الروم في مرساها مقابل بيوتهم، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكا بين البحر والبلد فدخلوا منه وكبروا، فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم لأنهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا البلد، ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في المدينة وسمعوا الصياح، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد، فلم يفلت الروم إلا بما خف معهم في مراكبهم.
وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس، فلما امتنعوا عليه بطرابلس أمنوا واطمأنوا، فلما فتحت طرابلس جند عمرو عسكرا كثيفا وسيره إلى سبرة، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح لأنهم لم يكن بلغهم خبر طرابلس، فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرة وغنموا ما فيه وعادوا إلى عمرو. ثم سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة، وهم من البربر.
وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من الغرب أنهم كانوا بنواحي فلسطين من الشام وكان ملكهم جالوت، فلما قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب حتى إذا انتهوا إلى لوبية ومراقية، وهما كورتان من كور مصر الغربية، تفرقوا فسارت زناتة ومغيلة، وهما قبيلتان من البربر، إلى الغرب فسكنوا الجبال، وسكنت لواتة أرض برقة، وتعرف قديما بأنطابلس، وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان بها من الروم لذلك، وقام الأفارق، وهم خدم الروم، على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم. وسار عمرو بن العاص، كما ذكرنا، فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم.
ذكر فتح أذربيجان
قال: فلما افتتح نعيم الري بعث سماك بن خرشة الأنصاري - وليس بأبي دجانة - ممدا لبكير بن عبد الله بأذربيجان، أمره عمر بذلك، فسار سماك نحو بكير، وكان بكير حيث بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليهم اسفنديار بن فرخزاذ مهزوما من واج روذ، فكان أول قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الفرس وأخذ بكير اسفنديار أسيرا. فقال له اسفنديار: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح. قال: أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجىء إليهم لم يقوموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها، ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما. فأمسكه عنده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خرشة ممدا واسفنديار في إساره وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه.
وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم، فأذن له أن يتقدم نحو الباب، وأن يستخلف على ما افتتحه، فاستخلف عليه عتبة بن فرقد، فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد.
وكان بهرام بن فرخزاذ قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فانهزم بهرام، فلما بلغ خبره اسفنديار وهو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه وأجاب إلى ذلك أهل أذربيجان كلهم، وعادت أذربيجان سلما. وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر وبعثا بما خمسا. ولما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل أذربيجان كتابا بالصلح.
وفيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهدي له.
وكان عمر يأخذ عماله بموافاة الموسم كل سنة يمنعهم بذلك عن الظلم.
ذكر فتح الباب

(1/461)


في هذه السنة كان فتح الباب، وكان عمر رد أبا موسى إلى البصرة وبعث سراقة بن عمرو، وكان يدعى ذا النور، إلى الباب، وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، وكان أيضا يدعى ذا النور، وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفاري، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي، وكان بكير سبقه إلى الباب. وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي. فسار سراقة، فلما خرج من أذربيجان قدم بكير إلى الباب، وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة. ولما أطل عبد الرحمن بن ربيعة على الباب، والملك بها يومئذ شهريار، وهو من ولد شهريار الذي أفسد بني إسرائيل وأغزى الشام بهم، فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتيه، ففعل، فأتاه فقال: إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب ولا ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعينهم على ذي الحسب ولست من البقبج ولا الأرمن في شيء، وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي فأنا منكم ويدي مع أيديكم وجزيتي إليكم والنصر لكم والقيام بما تحبون فلا تسوموننا الجزية فتوهنونا بعدوكم.
قال: فسيره عبد الرحمن إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقبل منه سراقة ذلك، وقال: لابد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو. فأجابه إلى ذلك. وكتب سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمرو واستحسنه.
ذكر فتح موقان
لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحذيفة ابن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللان، وسلمان إلى الوجه الآخر. وكتب سراقة بالفتح إلى عمر وبإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات المذكورة، فأتى عمر أمر لم يظن أن يستتم له بغير مؤونة لأنه فرج عظيم وجند عظيم، فلما استوسقوا واستحلوا الإسلام وعدله مات سراقة، واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة. ولم يفتتح أحد من أولئك القواد إلا بكير فإنه فض أهل موقان ثم تراجعوا على الجزية عن كل حالم دينار.
وكان فتحها سنة إحدى وعشرين. ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج الباب وأمره بغزو الترك.
أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة وكسر السين. والنور في الموضعين بالراء.
ذكر غزو الترك
لما أمر عمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب. فقال له شهريار: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد غزو بلنجر والترك. قال: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. قال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، وبالله إن معنا أقواما لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: وما هم؟ قال: اقوام صحبوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخلوا في هذا الأمر بنية، ولا يزال هذا الأمر لهم دائما ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يلفتوا عن حالهم. فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر فقالوا: ما اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا منه وتحصنوا، فرجع بالغنيمة والظفر، وقد بلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، وعادوا ولم يقتل منهم أحد.
ثم غزاهم أيام عثمان بن عفان غزوات فظفر كما كان يظفر، حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد استصلاحا لهم فزادهم فسادا، فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا واشتد قتالهم ونادى مناد من الجو: صبرا عبد الرحمن وموعدكم الجنة! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها، ونادى مناد من الجو: صبرا آل سلمان! فقال سلمان: أو ترى جزعا؟ وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان، ولم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به إلى الآن.
ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة
في هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم.

(1/462)


وسبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له كرة أهل البصرة وعجز خراجهم عنهم، وسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان، وبلغ أهل الكوفة ذلك وقالوا لعمار بن ياسر، وكان على الكوفة أميرا سنة وبعض أخرى: اكتب إلى عمر أن رامهرمز وإيذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما ولم يلحقونا حتى افتتحناهما، فلم يفعل عمار، فقال له عطارد: أيها العبد الأجدع فعلام تدع فيئنا؟ فقال: لقد سببت أحب أذني إليذ فأبغضوه لذلك. واختصم أهل الكوفة وأهل البصرة، وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان أيام أمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة. فقال لهم أهل الكوفة: أتيتمونا مددا وقد افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم، والذمة ذمتنا والأرض أرضنا. فقال عمر: صدقوا. فقال أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة: فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيهم. فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة أخذها من شهد الأيام والقادسية.
ولما ولي معاوية، وكان هو الذي جند قنسرين من أتاه من أهل العراقين أيام علي، وإنما كان قنسرين رستاقا من رساتيق حمص، فأخذ لهم معاوية حين ولي بنصيبهم ومن فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب لأنه من فتوح أهل الكوفة. وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة، انتقل إليها كل من نزل بهجرته من أهل البلدين أيام علي، فأعطاهم معاوية من ذلك نصيبا.
وكفر أهل أرمينية أيام معاوية، وقد أمر حبيب بن مسلمة على الباب، وحبيب يومئذ بجرزان، وكات أهل تفليس وتلك الجبال من جرزان فاستجابوا له.
ذكر عزل عمار بن ياسر عن الكوفة
وولاية أبي موسى والمغيرة بن شعبة
وفيها عمل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة واستعمل أبا موسى. وسبب ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له: إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين، ونزا به أهل الكوفة. فدعاه عمر، فخرج معه وفد يريد أنهم معه، فكانوا أشد عليه ممن تخلف عنه، وقالوا: إنه غير كاف وعالم بالسياسة ولا يدري على ما استعملته. وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي، عم المختار، وجرير بن عبد الله، فسعيا به، فعزله عمر. وقال عمر لعمار: أساءك العزل؟ قال: ما سرني حين استعملت ولقد ساءني حين عزلت. فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني تأولت: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) القصص: 5.
ثم أقبل عمر على أهل الكوفة فقال: من تريدون؟ قالوا: أبا موسى. فأمره عليهم بعد عمار. فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف، فشكاه الوليد ابن عبد شمس وجماعة معه وقالوا: إن غلامه يتجر في جسرنا، فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة. وصرف عمر ابن سراقة إلى الجزيرة.
وخلا عمر في ناحية المسجد فنام، فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ، فقال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم. فقال: وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير؟ وأحيطت الكوفة حين اختطت على مائة ألف مقاتل. وأتاه أصحابه فقالوا: ما شأنك؟ فقال: إن أهل الكوفة قد عضلوني. واستشارهم فيمن يوليه. وقال: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوي مسدد؟ فقال المغيرة: أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك، وأما القوي المسدد فإن سداده لنفسه وقوته للمسلمين. فولى المغيرة الكوفة، فبقي عليها حتى مات عمر، وذلك نحو سنتين وزيادة. وقال له حين بعثه: يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار. ثم أراد عمر أن يبعث سعدا على عمل المغيرة فقتل عمر قبل ذلك فأوصى به.
ذكر فتح خراسان
وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان، في قول بعضهم. وقيل: سنة ثماني عشرة.
وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الري بعد هزيمة أهل جلولاء وانتهى إليها وعليها أبان جاذويه وثب عليه فأخذه. فقال يزدجرد: يا أبان تغدرني! قال: لا ولكن قد تركت ملكك فصار في يد غيرك فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء. وأخذ خاتم يزدجرد واكتتب الصكاك وسجل السلاجت بكل ما أعجبه ثم ختم عليها ورد الخاتم، ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شيء في كتابه.

(1/463)


وسار يزدجرد من الري إلى أصبهان، ثم منها إلى كرمان والنار معه، ثم قصد خراسان فأتى مرو فنزلها وبنى للنار بيتا واطمأن وأمن من أن يؤتى، ودان له من بقي من الأعاجم. وكاتب الهرمزان وأثار أهل فارس، فنكثوا، وأثار أهل الجبال والفيرزان، فنكثوا، فأذن عمر للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس، فسار الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطبسين فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي، ثم سار نحو مرو الشاهجان فأرسل إلى نيسابور مطرف ابن عبد الله بن الشخير وإلى سرخس الحرث بن حسان، فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد إلى مرو الروذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد، وهو بمر الروذ، إلى خاقان وغلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم. وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، وسار نحو مرو الروذ.
فلما سمع يزدجرد سار عنها إلى بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ. وقدم أهل الكوفة إلى يزدجرد واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فانهزم يزدجرد وعبر النهر ولحق الأحنف بأهل الكوفة، وقد فتح الله عليهم؛ فبلخ من فتوحهم.
وتتابع أهل خراسان من هرب وشذ على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها، واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر، وكتب الأحنف إلى عمر بالفتح فقال عمر: وددت أن بيننا وبينها بحرا من نار. فقال علي: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة، فكان ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين.
وكتب عمر إلى الأحنف أن يقتصر على ما دون النهر ولا يجوزه.
ولما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ، ونزل المشركون عليه بمرو أيضا.
وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزدجرد وخاقان النهر إليه خرج ليلا يتسمع هل يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفا وأحدهما يقول لصاحبه: لو أسندنا الأمير إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا وكان الجبل في ظهورنا فلا يأتونا من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله. فرجع، فلما أصبح جمع الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل، وكان معه من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة نحو منهم، وأقبلت الترك ومن معها فنزلت وجعلوا يغادرونهم القتال ويراوحونهم وفي الليل يتنحون عنهم.
فخرج الأحنف ليلة طليعة لأصحابه حتى إذا كان قريبا من عسكر خاقان وقف، فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه فضرب بطبله ثم وقف من العسكر موقفا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف، فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف، ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، فحمل عليه الأحنف فقتله، ثم انصرف الأحنف إلى عسكره.
وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلهم يضرب بطبله ثم يخرجون بعد خروج الثالث. فلما خرجوا تلك الليلة بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم خاقان وتطير فقال: قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير؛ فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحدا، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ، وقد كان يزدجرد ترك خاقان مقابل المسلمين بمرو الروذ وانصرف إلى مرو الشاهجان، فتحصن حارثة بن النعمان ومن معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان مقيم ببلخ. فقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم.

(1/464)


فلما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان قال له أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين. قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجعبنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم أوفياء وهم أهل دين، وإن عدوا يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو يلينا في بلاده ولا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم. فأبى عليهم. فقالوا: دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا لا تخرجها من بلادنا. فأبى، فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة، وأقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل مقيما زمن عمر كله إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان وكان يكاتبهم ويكاتبونه. وسيرد ذكر ذلك في موضعه.
ثم أقبل أهل فارس بعد رحيل يزدجرد على الأحنف فصالحوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين. وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم القادسية. وسار الأحنف إلى بلخ فنزلها بعد عبور خاقان النهر منها ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع. ثم رجع إلى مرو الروذ فنزلها وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر.
ولما عبر خاقان ويزدجرد النهر لقيا رسول يزدجرد الذي أرسله إلى ملك الصين فأخبرهما أن ملك الصين قال له: صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم. فقلت: سلني عما أحببت. فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال: وما يقولون لكم قبل القتال. قال قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.؟ قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم وأرشدهم. قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته. قال: هل يحلون ما حرم عليهم أو يحرمون ما حلل لهم؟ قلت: لا. قال: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم. ثم قال: أخبرني عن لباسهم؟ فأخبرته، وعن مطاياهم؟ فقلت: الخيل العراب، ووصفتها له. فقال: نعمت الحصون! ووصفت له الإبل وبروكها وقيامها بحملها. فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق. وكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك. فأقام يزدجرد بفرغانة ومعه آل كسرى بعهد من خاقان.
ولما وصل خبر الفتح إلى عمر بن الخطاب جمع الناس، وخطبهم وقرأ عليهم كتاب الفتح وحمد الله في خطبته على إنجاز وعده ثم قال: ألا وإن ملك المجوسية قد هلك فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم. ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم.
وقيل: إن فتح خراسان كان زمن عثمان، وسيرد هناك.
ذكر فتح شهرزور والصامغان
لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، فكانت العقارب تصيب الرجل من المسلمين فيموت. وصالح أهل الصامغان وداراباذ على الجزية والخراج على أن لا يقتلوا ولا يسبوا ولا يمنعوا طريقا يسلكونه، وقتل خلقا كثيرا من الأكراد. وكتب إلى عمر: إن فتحوحي قد بلغت أذربيجان. فولاه إياها وولى هرثمة بن عرفجة الموصل. ولم تزل شهرزور وأعمالها مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها آخر خلافة الرشيد.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة غزا معاوية بلاد الروم ودخلها في عشرة آلاف فارس من المسلمين.
وفيها ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب؛ وكان عماله على الأمصار فيها عمالة في السنة قبلها إلا الكوفة، فإن عامله كان عليها المغيرة بن شعبة، وإلا البصرة فإن عامله عليها صار أبا موسى الأشعري.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين
قال بعضهم: كانفتح إصطخر سنة ثلاث وعشرين. وقيل: كان فتحها بعد توج الآخرة.

(1/465)


ذكر الخبر عن فتح توج
لما خرج أهل البصرة الذين توجهوا إلى فارس أمراء عليها وكان معهم سارية ابن زنيم الكناني فساروا وأهل فارس مجتمعن بتوج فلم يقصدهم المسلمون بل توجه كل أمير إلى الجهة التي أمر بها. وبلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى بلدانهم كما افترق المسلمون، فكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم. فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشير خرة، فالتقى هو والفرس بتوج فاقتتلوا ما شاء الله، ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا كل قتلة وغنموا ما في عسكرهم وحصروا توج فافتتحوها وقتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا ما فيها، وهذه توج الآخرة، والأولى هي التي استقدمتها جنود العلاء بن الحضرمي أيام طاووس. ثم دعوا إلى الجزية فرجعوا وأقروا بها. وأرسل مجاشع بن مسعود السلمي بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب.
ذكر فتح إصطخر وجور وغيرهما
وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله، ثم فر منهم من فر، فدعاهم عثمان إلى الجزية والذمة، فأجابه الهربذ إليها، فتراجعوا، وكان عثمان قد جمع الغنائم لما هزمهم فبعث بخمسها إلى عمر وقسم الباقي في الناس.
وفتح عثمان كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها؛ وفتح هو وأبو موسى مدينة شيراز وأرجان، وفتحا سينيز على الجزية والخراج. وقصد عثمان أيضا جنابا ففتحها، ولقيه جمع الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها.
ثم إن شهرك خلع في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان. فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية وأتته الأمداد من البصرة وأميرهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد، فالتقوا بأرض فارس. فقال شهرك لابنه وهما في المعركة، وبينهما وبين قرية لهما تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ: يا بني أين يكون غداؤنا ههنا أم بريشهر؟ قال له: يا أبه، إن تركونا فلا يكون غداؤنا ههنا ولا بريشهر ولا نكونن إلا في المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فلما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون الحرب فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل شهرك وابنه وخلق عظيم. والذي قتل شهرك الحكم بن أبي العاص أخو عثمان. وقيل: قتله سوار بن همام العبدي حمل عليه فطعنه فقتله. وحمل ابن شهرك على سوار فقتله.
وقيل: إن إصطخر كانت سنة ثمان وعشرين، وكانت فارس الآخرة سنة تسع وعشرين.
وقيل: إن عثمان بن أبي العاص أرسل أخاه الحكم من البحرين في ألفين إلى فارس ففتح جزيرة بركاوان في طريقه ثم سار إلى توج، وكان كسرى أرسل شهرك فالتقوا مع شهرك، وكان الجارود وأبو صفرة على مجنبتي المسلمين، وأبو صفرة هذا هو والد المهلب، فحمل الفرس على المسلمين فهزموهم. فقال الجارود: أيها الأمير ذهب الجند. فقال: سترى أمرك. قال: فما لبثوا حتى رجعت خيل لهم ليس عليها فرسانها والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرؤوس بين يدي ومعي بعض ملوكهم يقال المكعبر فارق كسرى ولحق بي فرأى المكعبر رأسا ضخما فقال: أيها الأمير هذا رأس الازدهاق، يعني شهرك. وحوصر الفرس بمدينة سابور، فصالح عليها ملكها أرزنبان، فاستعان به الحكم على قتال أهل إصطخر. ومات عمر. وبعث عثمان بن عفان عبيد الله بن معمر مكانه، فبلغ عبيد الله أن أرزنبان يريد الغدر به، فقال له: أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما وتذبح لهم بقرة وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني فإني أحب أن أتمشش العظام، ففعل وجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر إلا بالفؤوس فيكسره بيده ويأخذ مخه، وكان من أشد الناس، فقام أرزنبان فأخذ برجله وقال: هذا مقام العائذ بك! فأعطاه عهدا. وأصاب عبيد الله منجنيق فأوصاهم وقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي ساعة فيها، ففعلوا، فقتلوا منهم بشرا كثيرا، ومات عبيد الله بن معمر. وقيل: إن قتله كان سنة تسع وعشرين.
ذكر فتح فسا ودارابجرد

(1/466)


وقصد سارية بن زنيم الدئلي فسا ودار ابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم إنهم استمدوا وتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير، وأتاهم الفرس من كل جانب، فرأى عمر فيما يرى النائم تلك الليلة معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان ابن زنيم والمسلمون بصحراء إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن استندوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد. فقام فقال: يا أيها الناس، إني رأيت هذين الجمعين، وأخبر بحالهما. وصاح عمر وهو يخطب: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل! ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضها أن يبلغهم. فسمع سارية ومن معه الصوت فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم، فهزمهم الله وأصاب المسلمون مغانمهم، وأصابوا في الغنائم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه منهم سارية وبعث به وبالفتح مع رجل إلى عمر. فقدم على عمر وهو يطعم الطعام، فأمره فجلس وأكل، فلما انصرف عمر اتبعه الرسول، فظن عمر أنه لم يشبع، فأمره فدخل بيته، فلما جلس أتي عمر بغدائه خبز وزيت وملح جريش فأكلا. فلما فرغا قال الرجل: أنا رسول سارية يا أمير المؤمنين. قال: مرحبا وأهلا. ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، وسأله عن المسلمين، فأخبره بقصة الدرج، فنظر إليه وصاح به: لا ولا كرامة حتى يقدم على ذلك الجند فيقسمه بينهم. فطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد أنضيت جملي واستقرضت في جائزتي فأعطني ما أتبلغ به. فما زال به حتى أبدله بعيرا من إبل الصدقة وجعل بعيره في إبل الصدقة ورجع الرسول مغضوبا عليه محروما. وسأل أهل المدينة الرسول هل سمعوا شيئا يوم الوقعة؟ قال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا.
ذكر فتح كرمان
ثم قصد سهيل بن عدي كرمان، ولحقه أيضا عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وحشد لهم أهل كرمان واستعانوا عليهم بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض الله تعالى المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق. وقتل النسير ابن عمرو العجلي مرزبانها، فدخل النسير من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة سير، فأصابوا ما أرادوا من بعير أو شاء، فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر بذلك، فأجابهم: إذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا.
وقيل: إن الذي فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر فقال: أقطعني الطبسين، فأراد أن يفعل، فقيل: إنهما رستاقان عظيمان، فامتنع عمر من ذلك.
ذكر فتح سجستان
وقصد عاصم بن عمرو سجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلهم أهلها، فالتقوا هم وأهل سجستان في أداني أرضهم، فهزمهم المسلمون، ثم اتبعوهم حتى حصروهم بزرنج ومخروا أرض سجستان ماه، ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين فأعطوا، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم أن فدافدها حمى، فكان المسلمون يتجنبونها خشية أن يصيبوا منها شيئا فيخفروا، وأقيم أهل سجستان على الخراج، وكانت سجستان أعظم من خراسان وأبعد فروجا، يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة، فلم يزل كذلك حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه من أخيه رتبيل إلى بلد فيها يدعى آمل، ودان لسلم بن زياد، وهو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم وأنزلهم البلاد وكتب إلى معاوية بذلك يري أنه فتح عليه. فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: إن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم غدر، فإذا اضطرب الحبل غدا فأهون ما يجيء منهم أنهم يغلبون على بلاد آمل بأسرها. وأقرهم على عهد سلم بن زياد. فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل واعتصم منه رتبيل بمكانه، ولم يرضه ذلك حين تشاغل عنه الناس حتى طمع في زرنج فغزاها وحصر من بها حتى أتتهم الأمداد من البصرة، وصار رتبيل والذين معه عصبة، وكانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات معاوية.

(1/467)


وقيل في فتح سجستان غير هذا، وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر فتح مكران
وقصد الحكم بن عمرو التغلبي مكران حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب ابن المخارق وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان، فانتهوا إلى دوين النهر، وأهل مكران على شاطئه، فاستمد ملكهم ملك السند، فأمده بجيش كثيف، فالتقوا مع المسلمين فانهزموا وقتل منهم في المعركة مقتلة عظيمة واتبعهم المسلمون يقتلونهم أياما حتى انتهوا إلى النهر، ورجع المسلمون إلى مكران فأقاموا بها. وكتب الحكم إلى عمر بالفتح وبعث إليه بالأخماس مع صحار العبدي. فلما قدم المدينة سأله عمر عن مكران، فقال: يا أمير المؤمنين، هي أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل؛ وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير فيها قليل، والقليل فيها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال: أسجاع أنت أم مخبر؟ لا والله لا يغزوها جيش لي أبدا. وكتب إلى سهيل والحكم بن عمرو: أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما. وأمرهما ببيع الفيلة التي غنمها المسلمون ببلاده الإسلام وقسم أثمانها على الغانمين، مكران بضم الميم وسكون الكاف.
ذكر خبر بيروذ من الأهواز
ولما فصلت الخيول إلى الكور، اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم. وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة حتى لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشي أن يهلك بعض جنوده أو يخلفوا في أعقابهم، فاجتمع الأكراد ببروذ، وأبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، ثم سار فنزل بهم ببيروذ، فالتقوا في رمضان بين نهر تيري ومناذر، فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقتل، وعزم أبو موسى على الناس فأفطروا، وتقدم المهاجر فقاتل قتالا شديدا حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة، واشتد جزع الربيع بن زياد على أخيه المهاجر وعظم عليه فقده، فرق له أبو موسى فاستخلفه عليهم في جند، وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان واجتمع بها بالمسلمين الذين يحاصرون جيا، فلما فتحت رجع أبو موسى إلى البصرة، وفتح الربيع بن زياد الحارثي بيروذ من نهر تيري وغنم ما معهم.
ووفد أبو موسى وفدا معهم الأخماس، فطلب ضبة بن محصن العنزي أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى، وكان أبو موسى قد اختار من سبي بيروذ ستين غلاما، فانطلق ضبة إلى عمر شاكيا، وكتب أبو موسى إلى عمر يخبره، فلما قدم ضبة على عمر سلم عليه. فقال: من أنت؟ فأخبره. فقال: لا مرحبا ولا أهلا! فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل. ثم سأله عمر عن حاله فقال: إن أبا موسى انتقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وله جارية تغدى جفنة وتعشى جفنة تدعى عقيلة، وله قفيزان وله خاتمان، وفوض إلى زياد بن أبي سفيان أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف.
فاستدعى عمر أبا موسى. فلما قدم عليه حجبه أياما ثم استدعاه فسأل عمر ضبة عما قال فقال: أخذ ستين غلاما لنفسه. فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم وقسمته بين المسلمين. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت. فقال: له قفيزان. فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم به وقفيز للمسلمين في أيديهم يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت. فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر. فعلم أن ضبة قد صدقه، قال: وولى زيادا. قال: رأيت له رأيا ونبلا فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بالف. قال: سددت فمه بمالي أن يشتمني. فرده عمر وأمره أن يرسل إليه زيادا وعقيلة، ففعل. فلما قدم عليه زياد سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسنن والقرآن، فرآه فقيها، فرده وأمر أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة.
وقال عمر: ألا إن ضبة غضب على أبي موسى وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب فإنه يهدي إلى النار.
بيروذ: بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وضم الراء، وسكون الواو، وآخره ذال معجمة.
ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد

(1/468)


كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميرا من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة وليس لهم من الفيء نصيب، وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم، وإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم، وإن تحصنوا منكم وسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله أو ذمة الله ورسوله فلا تجيبوهم، فإنكم لا تدرون أتصيبون حكم الله ورسوله وذمتهما أم لا؛ ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا، ولا تمثلوا.
قال: فساروا حتى لقوا عدوا من الأكراد المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فقسمه بينهم، ورأى سلمة جوهرا في سفط فاسترضى عنه المسلمين وبعث به إلى عمر. فقدم الرسول بالبشارة وبالسقط على عمر، فسأله عن أمور الناس وهو يخبره، حتى أخبره بالسفط، فغضب غضبا شديدا وأمر به فوجىء به في عنقه، ثم إنه قال: إن تفرق الناس قبل أن تقدم عليهم ويقسمه سلمة فيهم لأسوءنك. فسار حتى قدم على سلمة فباعه وقسمه في الناس. وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا.
وحج بالناس هذه السنة عمر بن الخطاب وحج معه أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي آخر حجة حجها، وفيها قتل عمر، رضي الله عنه.
ذكر الخبر عن مقتل عمر
رضي الله عنه
قال المسور بن مخرمة: خرج عمر بن الخطاب يطوف يوما في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة فإن علي خراجا كثيرا. قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان كل يوم. قال: وأيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد. قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، وقد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت! قال: نعم. قال: فاعمل لي رحى. قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب! ثم انصرف عنه. فقال عمر: لقد أوعدني العبد الآن.
ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاث ليال. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب التوراة. قال عمر: الله! إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا ولكني أجد حليتك وصفتك وأنك قد فني أجلك. قال: وعمر لا يحس وجعا! فلما كان الغد جاءه كعب فقال: بقي يومان. فلما كان الغد جاءه كعب فقال: مضى يومان وبقي يوم. فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه، وقتل جماعة غيره.
فلما وجد عمر حر السلاح سقط وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس، وعمر طريح، فاحتمل فأدخل بيته، ودعا عبد الرحمن فقال له: إني أريد أن أعهد إليك. قال: أتشير علي بذلك؟ قال: لا. قال: والله، لا أدخل فيه أبدا. قال: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض. ثم دعا عليا وعثمان والزبير وسعدا فقال: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم؛ أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا ألا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا ألا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا ألا تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس صهيب..
ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فقال: قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم.

(1/469)


وأوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذي تبوأوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم ويعفو عن مسيئهم، وأوصي الخليفة بالعرب، فإنهم مادة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة بذمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت؟ لقد تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة؛ يا عبد الله بن عمر، اخرج فانظر من قتلني.
قال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة! يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر. يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، فإنن تشاوروا فكن مع الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد الله، ائذن للناس. فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ويقول لهم: أهذا عن ملإ منكم؟ فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل كعب الأحبار مع الناس فلما رآه عمر قال:
توعدني كعب ثلاثا أعدها ... ولا شك أن القول ما قال لي كعب
وما بي حذار الموت، إني لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب
ودخل عليه علي يعوده فقعد عند رأسه، وجاء ابن عباس فأثنى عليه، فقال له عمر: أنت لي بهذا يا ابن عباس؟ فأومأ إليه علي أن قل نعم. فقال ابن عباس: نعم. فقال عمر: لا تغرني أنت وأصحابك. ثم قال: يا عبد الله، خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب لعل الله، جل ذكره، ينظر إلي فيرحمني، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع.
ودعي له طبيب من بني الحرث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج غير متغير، فسقاه لبنا فخرج كذلك أيضا، فقال له: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: قد فرغت.
ولما احتضر ورأسه في حجر ولده عبد الله قال:
ظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم
ولم يذكر الله تعالى ويديم الشهادة إلى ان توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. وقيل: طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الأحد هلال محرم سنة أربع وعشرين.
وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وبويع عثمان لثلاث مضين من المحرم. وقيل: كانت وفاته لأربع بقين من ذي الحجة وبويع عثمان لليلة بقيت من ذي الحجة استقبل بخلافته هلال محرم سنة أربع وعشرين. وكانت خلافة عمر على هذا القول عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام. وصلى عليه صهيب، وحمل إلى بيت عائشة، ودفن عند النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، ونزل في قبره عثمان وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وعبد الله بن عمر.
ذكر نسب عمر وصفته وعمره
فأما نسبه فهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهي ابنت عم أبي جهل، وقد زعم من لا معرفة له أنها أخت أبي جهل، وليس بشيء.
وسماه النبي، صلى الله عليه وسلم، الفاروق، وقيل: بل سماه أهل الكتاب.
وأما صفته فكان طويلا آدم أصلع أعسر يسرا، يعني يعمل بيديه، وكان لطوله كأنه راكب، وقيل: كان أبيض أبهق، يعني شديد البياض، تعلوه حمرة، طوالا أصلع أشيب، وكان يصفر لحيته ويرجل رأسه بالحناء. وكان مولده قبل الفجار بأربع سنين، وكان عمره خمسا وخمسين سنة، وقيل: ابن ستين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين سنة وأشهر، وهو الصحيح، وقيل: ابن إحدى وستين سنة.
رياح بكسر الراء وبالياء تحتها نقطتان.
ذكر أسماء ولده ونسائه

(1/470)


تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة. وتزوج مليكة بنت جرول الخزاعي في الجاهلية، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها أبو جهم بن حذيفة، وقتل عبيد الله بصفين مع معاوية، وقيل: كانت أمه أم زيد الأصغر أم كلثوم بنت جرول الخزاعي، وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر. وتزوج قريبة بنت أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها في الهدنة أيضا، فتزوجها بعده عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، فكانا سلفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأن قريبة أخت أم سلمة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم. وتزوج أم حكيم بنت الحرث بن هشام المخزومي في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلقها، وقيل لم يطلقها. وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي الأنصاري في الإسلام، فولدت له عاصما فطلقها، ثم تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصدقها أربعين ألفا، فولدت له رقية وزيدا. وتزوج لهية امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن الأوسط، وقيل الأصغر، وقيل: كانت أم ولد، وكانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له زينب، وهي أصغر ولد عمر. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر الصديق، فقتل عنها، فلما مات عمر تزوجها الزبير بن العوام، فقتل عنها أيضا، فخطبها علي، فقالت: لا أفعل، إني أضن بك عن القتل فإنك بقية الناس. فتركها.
وخطب أم كثلوم ابنة أبي بكر الصديق إلى عائشة، فقالت أم كثلوم: لا حاجة لي فيه، إنه خشن العيش شديد على النساء. فأرسلت عائشة إلى عمرو ابن العاص فقال: أنا أكفيك. فأتى عمر فقال: بلغني خبر أعيذك بالله منه. قال: ما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر. قال: نعم، أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني؟ قال: ولا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أمير المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك. وقال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها وأدلك على خير منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب تعلق منها بسبب من رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابسا ويخرج عابسا.
ذكر بعض سيرته رضي الله عنه
قال عمر: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده، فأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق! قال نافع العيشي: دخلت حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظل يكتب وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر، وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر عليه بردان أسودان اتزر بأحدهما ولف الآخر على رأسه يعد إبل الصدقة يكتب ألوانها وأسنانها. فقال علي لعثمان: في كتاب الله: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) القصص: ثم أشار علي بيده إلى عمر وقال: هذا القوي الأمين.
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ بتبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئا، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسيا منسيا. وقال الحسن: قال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني أما عمالهم فلا يرفعونها إلي، وأما هم فلا يصلون إلي، فأسير إلى الشام فأقيم شهرين، وبالجزيرة شهرين، وبمصر شهرين، وبالبحرين شهرين، وبالكوفة شهرين، وبالبصرة شهرين، والله لنعم الحول هذا! وقيل لعمر: إن ههنا رجلا من الأنبار له بصر بالديوان لو اتخذته كاتبا. فقال: لقد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين.
قيل: خطب عمر الناس فقال: والذي بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، بالحق لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه.

(1/471)


وقال أبو فراس: خطب عمر الناس فقال: أيها الناس، إني والله ما أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية فأدب بعض رعيته إن لتقصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه منه وقد رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقص من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحمدوهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم.
قال بكر بن عبد الله: جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في بيته ليلا، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: رفعة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم. فأتيا السوق فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان، فرفع لهما مصباح فقال عمر: ألم أنه عن المصابيح بعد النوم؟ فانطلقا فإذا قوم على شراب لهم. قال: انطلق فقد عرفته. فلما أصبح أرسل إليه قال يا فلان كنت وأصحابك البارحة على شراب! قال: وما أعلمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته. قال: أو لم ينهك الله عن التجسس؟ فتجاوز عنه.
وإنما نهى عمر عن المصابيح لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فتحرقه، وكانت السقوف من جريد، وقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عن ذلك قبله.
وقال أسلم: وخرج عمر إلى حرة واقم وأنا معه، حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر. فقال: انطلق بنا إليهم. فهرولنا حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون. فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء. وكره أن يقول: يا أصحاب النار. قالت: وعليك السلام. قال: أدنو؟ قالت: ادن بخير أو دع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع. قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما لي ما أسكتهم حتى يناموا فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر! قال: أي رحمك الله، ما يدري بكم عمر؟ قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا. فأقبل علي وقال: انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم فقال: احمله على ظهري. قال أسلم: فقلت: أنا أحمله عنك، مرتين أو ثلاث فقال آخر ذلك: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك! فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر، وكان ذا لحية عظيمة، فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج ثم أنزل القدر، فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم قال: أطعميهم وأنا أسطح لك، فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلى عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيرا، أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيرا فإنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك، إن شاء الله! ثم تنحى ناحية ثم استقبلا وربض لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا، فقام وهو يحمد الله، فقال: يا أسلم، الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم.
صرار بكسر الصاد المهملة ورائين.
قال سالم بن عبد الله بن عمر: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة. قال سلام بن مسكين: وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه.
قال: وهو أول من دعي بأمير المؤمنين وذلك أنه لما ولي قالوا له: يا خليفة خليفة رسول الله. فقال عمر: هذا أمر يطول، كلما جاء خليفة قالوا يا خليفة خليفة خليفة رسول الله، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين.
وهو أول من كتب التاريخ، وقد تقدم.

(1/472)


وهو أول من اتخذ بيت مال، وأول من عس الليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات، وكانوا قبل ذلك يصلون أربعا وخمسا وستا. قال الواقدي: وهو أول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان وكتب به إلى البلدان وأمرهم به، وهو أول من حمل الدرة وضرب بها، وأول من دون في الإسلام الدواوين وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم العطاء.
قال زاذان: قال عمر لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ قال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فبكى عمر.
وقال أبو هريرة: يرحم الله ابن حنتمة! لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده وإنه ليتعقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا، فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار فإذا نحو من عشرين بيتا من محارب، فقال لهم: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفونها، فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال يطبخ حتى أشبعهم، ثم أرسل أسلم إلى المدينة فجاءنا بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجنانة ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.
قال أبو خيثمة: رأت الشفاء بنت عبد الله فتيانا يقصدون في المشي ويتكلمون رويدا، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو والله ناسك حقا.
قال الحسن: خطب عمر الناس وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة منها أدم. قال أبو عثمان النهدي: رأيت عمر يرمي الجمرة وعليه إزار مرقع بقطعة جراب، وقال علي: رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة فيها من أدم.
وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد كما يعاد المريض، وقيل: إنه سمع قارئا يقرأ والطور، فلما انتهى إلى قوله تعالى: (إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع) الطور: 7، سقط ثم تحامل إلى منزله فمرض شهرا من ذلك. قال الشعبي: كان عمر يطوف في الأسواق ويقرأ القرآن ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم.
قال موسى بن عقبة: أتى رهط إلى عمر فقالوا له: كثر العيال واشتدت المؤونة فزدنا في عطائنا. قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر واتخذتم الخدم من مال الله، لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقا وغربا فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلت: وإن تعوج عزلوه؟ قال: لا، القتل أنكل لمن بعده، احذروا فتى ابن قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلا على الرضا ويضحك عند الغضب وهو يتناول من فوقه ومن تحته.
قال مجالد: ذكر رجل عند عمر فقيل: يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من الشر شيئا. قال: ذاك أوقع له فيه. قال صالح بن كيسان: قال المغيرة بن شعبة: لما دفن عمر أتيت عليا وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل وهو ملتحف بثوب لا يشك أن الأمر يصير إليه، فقال: يرحم الله ابن الخطاب، لقد صدقت ابنة أبي حنتمة، ذهب بخيرها ونجا من شرها، أما والله ما قالت ولكن قولت. وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو في عمر:
فجعني فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب منيب
رؤوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخي ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
وقالت أيضا:
عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الإمام النجيب
فجعتني المنون بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتلبيب
عصمة الناس والمعين على الده ... ر وغيث المنتاب والمحروب
قل لأهل الثراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب

(1/473)


قال ابن المسيب: وحج عمر فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العظيم العلي المعطي ما شاء من شاء، كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظا يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد، ثم تمثل:
لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به ... والإنس والجن فيما بينها يرد
أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل أوب إليها راكب يفد
حوضا هنالك مورودا بلا كذب ... لابد من ورده يوما كما وردوا
قال أسلم: إن هند بنت عتبة استقرضت عمر من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت، فبلغها أن أبا سفيان وابنه عمرا أتيا معاوية، فعدلت إليه، وكان أبو سفيان قد طلقها، فقال لها معاوية: ما أقدمك أي أمه؟ قالت: النظر إليك أي بني، إنه عمر، وإنما يعمل لله وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء وأهل ذلك هو ولا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبوك ويؤنبك عمر فلا يستقيلها أبدا. فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمائة دينار وكساهما وحملهما، فتسخطها عمرو، فقال أبو سفيان: لا تسخطها فإن هذا عطاء لم تغب عنه هند؛ ورجعوا جميعا، فقال أبو سفيان لهند: أربحت؟ قالت: الله أعلم. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين. وقال لأبي سفيان: بكم أجازك معاوية؟ قال: بمائة دينار.
قال ابن عباس: بينما عمر بن الخطاب وأصحابه يتذاكرون الشعر فقال بعضهم: فلان أشعر، وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، من أشعر الشعراء؟ قال: قلت: زهير بن أبي سلمى. فقال: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت. فقلت: امتدح قوما من غطفان فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لأولهم يوما إذا قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... ممردون بهاليل إذا جهدوا
محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا

(1/474)


فقال عمر: أحسن والله وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقرابتهم منه. فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا! فقال: يا ابن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد، صلى الله عليه وسلم؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدريني! فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت. قال: تكلم. قلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله، عز وجل، وصف قوما بالكراهة فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) محمد: (. فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني. فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كنت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنك حسدا وبغيا وظلما. فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك: حسدا، فإن آدم حسد ونحن ولده المحسدون. فقال عمر: هيهات هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا لا يزول. فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يا ابن عباس. فقلت: أفعل. فلما ذهبت لأقوم استحيا مني فقال: يا ابن عباس، مكانك! فوالله إني لراع لحقك محب لما سرك. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ. ثم قام فمضى.
ذكر قصة الشورى
قال عمر بن ميمون الأودي: إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت. فقال: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: (إنه أمين هذه الأمة). ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: (إن سالما شديد الحب لله تعالى). فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر. فقال: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا! ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته؟ لا أرب لنا في أموركم، فما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد، وأنظر فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه.
فخرجوا ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدا. فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي، فرهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، ومتوف عمر فما أردت أن أتحملها حيا وميتا، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنهم من أهل الجنة، وهم علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا واليا فأحسنوا موازرته وأعينوه.
فخرجوا فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم. قال: إني أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره. فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن والزبير فقال لهم: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عنكم راض، وإني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ولكني أخاف فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنا فتشاوروا فيها واختاروا رجلا منكم. ووضع رأسه وقد نزفه الدم.

(1/475)


فدخلوا فتناجوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إن أمير المؤمنين لم يمت بعد. فسمعه عمر فانتبه وقال: ألا أعرضوا عن هذا فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام وليصل بالناس صهيب ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم، ومن ولي بطلحة؟ فقال سعد ابن أبي وقاص: أنا لك به ولا يخالف إن شاء الله تعالى. فقال عمر: أرجو أن لا يخالف إن شاء الله، وما أظن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحرى به أن يحملهم على طريق الحق، وإن تولوا سعدا فأهله هو وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن ضعف ولا خيانة، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، فاسمعوا منه وأطيعوا.
وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم.
وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم.
وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام وأدخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله ابن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس.
فخرجوا فقال علي لقوم معه من بني هاشم: أن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا، وتلقاه عمه العباس فقال: عدلت عنا! فقال: وما علمك؟ قال: قرن بني عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني. فقال له العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا لما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تسأله فيمن هذا الأمر فأبيت، فأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به لنا غيرنا، وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير! فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون، ثم تمثل:
حلفت برب الراقصات عشية ... غدون خفافا فابتدرن المحصبا
ليختلين رهط ابن يعمر قارنا ... نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا
والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لن تراع أبا الحسن.

(1/476)


فلما مات عمر وأخرجت جنازته صلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في بيت المال وقيل: في حجرة عائشة بإذنها، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر وكثر فيهم الكلام، فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها، والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون! فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد. فقال: فأنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي. فقال القوم: قد رضينا. وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألو الأمة نصحا. فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلي ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، فقال لعي: تقول إني أحق من حضر بهذا الأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان فقال: تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن عمه، ولي سابقة وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن لو لم تحضر أي هؤلاء الرهط تراه أحق به؟ قال: علي.
ولقي علي سعدا فقال له: (اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) النساء: ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبرحم عمي حمزة منك ألا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا علي ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، حتى إذا كان الليلة التي صبيحتها تستكمل الأجل أتى منزل المسور بن مخرمة فأيقظه وقال له: لم أذق في هذه الليلة كبير غمض، انطلق فادع الزبير وسعدا. فدعاهما. فبدأ بالزبير فقال له: خل بني عبد مناف وهذا الأمر. قال: نصيبي لعلي. وقال لسعد: اجعل نصيبك لي. فقال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي؛ أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤوسنا. فقال له: قد خلعت نفسي على أن أختار، ولو لم أفعل لم أردها. إني رأيت روضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل ما رأيت أكرم منه فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها حتى قطعها لم يعرج، ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج منها، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه ومضى قصد الأولين، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة، ولا والله لا أكون الرابع ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه.
قال: وأرسل المسور فاستدعى عليا فناجاه طويلا وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم نهض، ثم أرسل إلى عثمان فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح.

(1/477)


قال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم فوقع قضاء ربك على عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله فقال: أيها الناس، إن الناس قد أجمعوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، فأشيروا علي. فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدقت إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فتبسم عمار ابن أبي سرح وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟ فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا؛ ودعا عليا وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعلمن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده. قال: أرجو أن أفعل فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي؛ ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم نعمل. فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد اللهم أني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، فبايعه.
فقال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) يوسف: ، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم في شأن! فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.
فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: إن كنت أردت الله فأثابك الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالعدل ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعوانا عليه! فقال عبد الرحمن: يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة. فقال رجل للمقداد: رحمك الله، من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب. فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر بينها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم تداولتموها بينكم.
وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فقيل له: بايعوا لعثمان. فقال: كل قريش راض به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان، فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك وإن أبيت رددتها. قال: أتردها؟ قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت لا أرغب عما أجمعوا عليه. وبايعه.
وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد قد أصبت أن بايعت عثمان. وقال لعثمان: ولو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا. فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور، لو بايعت غيره لبايعته ولقلت هذه المقالة. قال: وكان المسور يقول: ما رأيت أحدا بذ قوما فيما دخلوا فيه بمث ما بذهم عبد الرحمن.
قلت قوله: إن عبد الرحمن صهر عثمان، يعني أن عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أخت عثمان لأمه خلف عليها عقبة بعد عثمان.

(1/478)


وقد ذكر أبو جعفر رواية أخرى في الشورى عن المسور بن مخرمة وهي تمام حديث مقتل عمر، وقد تقدم، والذي ذكره ههنا قريب من الذي تقدم آنفا، غير أنه قال: لما دفن عمر جمعهم عبد الرحمن وخطبهم وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق، فتكلم عثمان فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا وبعثه رسولا وصدقه وعده ووهب له نصره على كل من بعد نسبا أو قرب رحما، صلى الله عليه وسلم، جعلنا الله له تابعين، وبأمره مهتدين! فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم عند تفرق الأهواء ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منا، ولا يدخل علينا غيرنا، إلا من سفه الحق ونكل عن القصد، وأحر بها يا ابن عوف أن تترك، وأجدر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك، فأنا أول مجيب لك وداع إليك وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تكلم الزبير بعده فقال: أما بعد فإن داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذل عند تفرق الأهواء ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت غلا غوى، ولن يترك ما دعوت إليه إلا شقي، ولولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حدت، تراح على أهلها وتحيا ولا تموت، لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة وإظهار السنة لئلا نموت موتة عمية، ولا نعمى عمى الجاهلية، فأنا مجيئك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حولا ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تكلم سعد فقال بعد حمد الله: وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، أنارت الطرق واستقامت السبل وظهر كل حق ومات كل باطل، إياكم أيها النفر وقول الزور وأمنية أهل الغرور، وقد سلبت الأماني قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله عدوا ولعنهم لعنا كبيرا. قال الله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) إلى قوله: (لبئس ما كانوا يفعلون) المائدة: ، إني نكبت قرني وأخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم والأمر إليك يا ابن عوف بجهد النفس وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرجوع، وأستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم.
ثم تكلم علي بن أبي طالب فقال: الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم، لا حول ولا قوة إلا بالله، اسمعوا كلامي وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجتمع تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة، ثم قال:
فإن تك جاسم هلكت فإني ... بما فعلت بنو عبد بن ضخم
مطيع في الهواجر كل غي ... بصير بالنوى من كل نجم
فقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الأمر؟ وذكر قريبا مما تقدم.
ثم جلس عثمان في جانب المسجد بعد بيعته، ودعا عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وكان قتل قاتل أبيه أبا لؤلؤة، وقتل جفينة رجلا نصرانيا من أهل الحيرة كان ظهيرا لسعد بن مالك، وقتل الهرمزان، فلما ضربه بالسيف قال: لا إله إلا الله! فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره وأخذ سيفه وأحضره عند عثمان، وكان عبيد الله يقول: والله لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي، يعرض بالمهاجرين والأنصار، وإنما قتل هؤلاء النفر لأن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة قتل عمر: رأيت عشية أمس الهرمزان وأبا لؤلؤة، وجفينة وهم يتناجون، فلما رأوني ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه، وهو الخنجر الذي ضرب به عمر، فقتلهم عبيد الله. فلما أحضره عثمان قال؛ أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق! فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث ولك على المسلمين سلطان. فقال عثمان: أنا وليه وقد جعلتها دية وأحتملها في مالي. وكان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري إذا رأى عبيد الله يقول:

(1/479)


ألا يا عبيد الله ما لك مهرب ... ولا ملجأ من إبن أروى ولا خفر
أصبت دما والله في غير حله ... حراما وقتل الهرمزان له خطر
على غير شيء غير أن قال قائل ... أتتهمون الهرمزان على عمر
فقال سفيه، والحوادث جمة ... نعم إتهمه قد أشار وقد أمر
وكان سلاح العبد في جوف بيته ... يقلبها والأمر بالأمر يعتبر
فشكا عبيد الله إلى عثمان زياد بن لبيد، فنهى عثمان زيادا، فقال في عثمان:
أبا عمرو عبيد الله رهن ... فلا تشكك بقتل الهرمزان
فإنك إن عفوت الجرم عنه ... وأسباب الخطا فرسا رهان
أتعفو إذ عفوت بغير حق ... فما لك بالذي تحكي يدان
فدعا عثمان زيادا فنهاه وشذبه.
وقيل في فداء عبيد الله غير ذلك، قال الغماذيان بن الهرمزان: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمن فيروز أبو لؤلؤة بالهرمزان ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ما تصنع به؟ قال: أسن به. فرآه رجل، فلما أصيب عمر قال: رأيت الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي عثمان أمكنني منه فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم، وسبوا عبيد الله، قلت لهم: أفلكم منعة؟ قالوا: لا، وسبوه، فتركته لله ولهم، فحملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الناس.
والأول أصح في إطلاق عبيد الله لأن عليا لما ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام، ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يتعرض له علي.
ذكر عدة حوادث
كان العمال فيها على مكة نافع بن عبد الحرث الخزاعي، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى الأشعري، وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية، وعلى البحرين وما والاها عثمان بن أبي العاص الثقفي.
وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمودية ومعه عبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وأبو ذر وشداد بن أوس.
وفيها فتح معاوية عسقلان على صلح، وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة كعب بن سور، وقيل: إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض.
وفي هذه السنة توفي قتادة بن النعمان الأنصاري، وهو الذي رد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عينه، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وهو بدري، وقيل: توفي سنة أربع وعشرين. وفي خلافة عمر توفي الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، وهو بدري، وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، وهو أسن من العباس، وعمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو، وهو بدري، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي، شهد أحدا، وعتبة بن معسود أخو عبد الله بن مسعود، وهو من مهاجرة الحبشة شهد أحدا، وعدي بن أبي الزغباء الجهني، وهو عين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر وشهد غيرها أيضا.
وفيها مات عويم بن ساعدة الأنصاري، وهو عقبي بدري، وقيل: إنه من بلي وله حلف في الأنصار. وفيها مات سهيل بن رافع الأنصاري، شهد بدرا، ومسعود بن أوس بن زيد الأنصاري، وقيل: بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع علي. وفيها توفي واقد بن عبد الله التميمي حليف الخطاب، وهو أول من قاتل في سبيل الله في الإسلام، وقتل عمرو بن الحضرمي، وكان إسلامه قبل دول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم. وفيها مات أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وأخوه عبد الله، وكان عبد الله بدريا، ولم يشهدها أبو جندل لأن أباه سجنه بمكة ومنعه من الهجرة إلى يوم الحديبية، وقد تقدم كيف خلص. وفيها مات أبو خالد الحرث بن قيس بن خالد، وكان أصابه جرح باليمامة فاندمل ثم انتقض عليه فمات منه، وهو عقبي بدري. وفيها مات أبو خراش الهذلي الشاعر، وخبر موته مشهور. وفيها توفي غيلان ابن سلمة الثقفي، وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة. وفيها في آخرها مات الصعب بن جثامة بن قيس الليثي.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين
ذكر بيعة عثمان بن عفان بالخلافة

(1/480)


في المحرم منها لثلاث مضين منه بويع عثمان بن عفان، وقيل غير ذلك على ما تقدم، وكان هذا العام يسمى عام الرعاف لكثرته فيه بالناس. واجتمع أهل الشورى عليه، وقد دخل وقت العصر، فأذن مؤذن صهيب واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس وزادهم مائة مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك، وقصد المنبر وهو أشدهم كآبة، فخطب الناس ووعظهم وأقبلوا يبايعونه.
ذكر عزل المغيرة عن الكوفة
وولاية سعد بن أبي وقاص
وفيها عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة واستعمل سعد بن أبي وقاص عليها بوصية عمر فإنه قال: أوصي الخليفة بعدي أن يستعمل سعدا فإني لم أعزله عن سوء ولا خيانة، فكان أول عامل بعثه عثمان، فعمل عليها سعد سنة وبعض أرى، وقيل: بل أقر عثمان عمال عمر جميعهم سنة لأن عمر أوصى بذلك، ثم عزل المغيرة بعد سنة واستعمل سعدا؛ فعلى هذا القول تكون إمارة سعد سنة وخمس وعشرين.
وحج بالنس في هذه السنة عثمان، وقيل: عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. وقد تقدم ذكر الفتوح التي ذكر بعض العلماء أنها كانت زمن عثمان وذكرت الخلاف هنالك. وفي هذه السنة مات عبد الرحمن بن كعب الأنصاري، وهو بدري، وهو أحد البكائين في غزوة تبوك، وسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وقيل: مات بعد ذلك، وهو الذي أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، في هجرته.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين
ذكر خلاف أهل الإسكندرية
في هذه السنة خالف أهل الإسكندرية ونقضوا صلحهم.
وكان سبب ذلك أن الروم عظم عليهم فتح المسلمين الإسكندرية وظنوا إنهم لا يمكنهم المقام ببلادهم بعد خروج الإسكندرية عن ملكهم، فكاتبوا من كان فيها من الروم ودعوهم إلى نقض الصلح، فأجابوهم إلى ذلك. فسار إليهم من القسطنطينية جيش كثير وعليهم منويل الخصي، فأرسوا بها، واتفق معهم من بها من الروم، ولم يوافقهم المقوقس بل ثبت على صلحه. فلما بلغ الخبر إلى عمرو بن العاص سارى إليهم وسار الروم إليه فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن أدخلوهم الإسكندرية وقتلوا منهم في البلد مقتلة عظيمة، منهم منويل الخصي. وكان الروم لما خرجوا من الإسكندرية قد أخذوا أموال أهل تلك القرى من وافقهم ومن خالفهم. فلما ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم فقالوا لعمرو بنالعاص: إن الروم أخذوا دوابنا وأموالنا ولم نخالف نحن عليكم وكنا على الطاعة. فرد عليهم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة. وهدم عمرو سور الإسكندرية وتركها بغير سور.
وفيها بلغ سعد بن أبي وقاص على أهل الري عزم على نقض الهدنة والغدر، فأرسل إليهم وأصلحهم وغزا الديلم ثم انصرف.
ذكر عزل سعد عن الكوفة
وولاية الوليد بن عقبة
في هذه السنة عزل عثمان بن عفان سعد بن أبي وقاص عن الكوفة في قول بعضهم، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس، وهو أخو عثمان لأمه، أمهما أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب.

(1/481)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية