صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الكامل في التاريخ
المؤلف : ابن الأثير
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قيل: كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة، فلما صالحهم واستقاموا له أتته الدهاقين من تلك النواحي، أتاه دهقان فرات سريا وصلوبا ابن نسطونا ونسطونا، فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمزجرد على ألفي ألف، وقيل: ألف ألف سوى ما كان لآل كسرى، وبعث خالد عماله ومسالحه، وبعث ضرار بن الأزور وضرار بن الخطاب والقعقاع بن عمرو والمثنى بن حارث وعتيبة بن النهاس فنزلوا على السيب، وهم كانوا أمراء الثغور مع خالد، وأمرهم بالغارة، فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطىء دجلة، وكتب خالد إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية فإن أجابوا وإلا حاربهم، فكان العجم مختلفين بموت أردشير إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه بهرسير ومعه غيره كأنه مقدمة لهم، وجبى خالد الخراج في خمسين ليلة وأعطاه المسلمين، ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر لاختلافهم بموت أردشير إلا أنهم مجمعون على حرب خالد وخالد مقيم بالحيرة يصعد ويصوب سنة قبل خروجه إلى الشام، والفرس يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع عن بهرسير، وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى أنوشروان، وقتل أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه من كان بين أنوشروان وبين بهرام جور، فبقوا لم يقدروا على من يملكونه ممن يجتمعون عليه. فلما وصلهم كتب خالد تكلم نساء آل كسرى فولي الفرخزاد بن النبذوان إلى أن يجتمع آل كسرى على من يملكونه إن وجدوه.
ووصل جرير بن عبد الله البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة، وكان سبب وصوله إليه أنه كان مع خالد بن سعيد بن العاص بالشام فاستأذنه في المصير إلى أبي بكر ليكلمه في قومه ليجمعهم له، وكانوا أوزاعا متفرقين في العرب، فأذن له، فقدم على أبي بكر فذكر له ذلك وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعده به وشهد له شهود، فغضب أبو بكر وقال: ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمي ممن بإزائهم من فارس والروم ثم أنت تكلفني ما لا يغني! وأمره بالمسير إلى خالد بن الوليد، فسار حتى قدم عليه بعد فتح الحيرة ولم يشهد شيئا مما قبلها بالعراق ولا شيئا مما كان خالد فيه من قتل أهل الردة.
عتيبة بالتاء المثناة من فوقها، وبالياء المثناة من تحتها، وبالباء الموحدة.
ذكر فتح الأنبار
ثم سار خالد على تعبيته التي خرج فيها من الحيرة إلى الأنبار، وإنما سمي الأنبار لأن أهراء الطعام كانت بها أنابير، وعلى مقدمته الأقرع بن حابس. فلما بلغها أطاف بها وأنشب القتال، وكان قليل الصبر عنه، وتقدم إلى رماته وأوصاهم أن يقصدوا عيونهم فرموا رشقا واحدا ثم تابعوا فأصابوا ألف عين، فسميت تلك الوقعة ذات العيون. وكان على من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط، فلما رأى ذلك أرسل يطلب الصلح على أمر لم يرضه خالد، فرد رسله ونحر من إبل العسكر كل ضعيف وألقاه في خندقهم، ثم عبره، فاجتمع المسلمون والكفار في الخندق، فأرسل شيرزاد إلى خالد وبذل له ما أراد، فصالحه على أن يلحقه بمأمنه في جريدة ليس معهم من متاع شيء، وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى.
ذكر فتح عين التمر
ولما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر وسار إلى عين التمر وبها مهران بن بهرام جوبين، في جمع عظيم من العجم، وعقة ابن أبي عقة في جمع عظيم من العرب منا النمر وتغلب وإياد وغيرهم، فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا. قال: صدقت فأنتم أعلم بقتال العرب، وإنكم لمثلنا في قتال العجم. فخدعه واتقى به وقال: إن احتجتم إلينا أعناكم. فلامه أصحابه من الفرس على هذا القول، فقال لهم: إنه قد جاءكم من قتل ملوككم أمر عظيم وفل حدكم فاتقيته بهم، فإن كانت لكم على خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء. فاعرفوا له، وسار عقة إلى خالد فالتقوا، فحمل خالد بنفسه على عقة وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسيرا وانهزم عسكره من غير قتال فأسر أكثرهم.

(1/386)


فلما بلغ الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن، فلما انتهى المنهزمون إليه تحصنوا به، فنازلهم خالد، فطلبوا منه الأمان، فأبى، فنزلوا على حكمه، فأخذهم أسرى وقتل عقة ثم قتلهم أجمعين وسبى كل من في الحصن وغنم ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل، فأخذهم فقسمهم في أهل البلاء، منهم: سيرين أبو محمد، ونصير أبو موسى، وحمران مولى عثمان. وأرسل إلى أبي بكر بالخبر والخمس.
وفي عين التمر قتل عمير بن رئاب السهمي، وكان من مهاجرة الحبشة، ومات بها بشير بن سعد الأنصاري والد النعمان فدفن بها إلى جانب عمير.
ذكر خبر دومة الجندل
ولما فرغ خالد من عين التمر أتاه كتاب عياض بن غنم يستمده على من بإزائه من المشركين، فسار خالد إليه، فكان بإزائه بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وكانت دومة على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك والجودي ابن ربيعة، فأما أكيدر فلم ير قتال خالد وأشار بصلحه خوفا، فلم يقبلوا منه، فخرج عنهم، وسمع خالد بمسيره فأرسل إلى طريقه عاصم بن عمرو معارضا له فأخذه أسيرا فقتله وأخذ ما كان معه وسار حتى نزل على أهل دومة الجندل فجعلها بينه وبين عياض. فلما اطمأن خالد خرج إليه الجودي في جمع ممن عنده من العرب لقتاله وأخرج طائفة أخرى إلى عياض، فقاتلهم عياض فهزمهم، فهزم خالد من يليه، وأخذ الجودي أسيرا وانهزموا إلى الحصن، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم فبقوا حوله، فأخذهم خالد فقتلهم حتى سد باب الحصن، وقتل الجودي وقتل الأسرى إلا أسرى كلب، فإن بني تميم قالوا لخالد: قد أمناهم، وكانوا حلفاءهم، فتركهم. ثم أخذ الحصن قهرا فقتل المقاتلة وسبى الذرية والسرح فباعهم، واشترى خالد ابنة الجودي، وكانت موصوفة.
وأقام خالد بدومة الجندل، فطمع الأعاجم، وكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة، فخرج زرمهر وروزبه يريدان الأنبار واتعدا حصيدا والخنافس، فسمع القعقاع بن عمرو، وهو خليفة خالد على الحيرة، فأرسل أعبد بن فدكي وأمره بالحصيد وأرسل عروة بن الجعد البارقي إلى الخنافس، فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، ورجع خالد إلى الحيرة، فبلغه ذلك، وكان عازما على مصادمة أهل المدائن، فمنعه من ذلك كراهية مخالفة أبي بكر، فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكي إلى روزبه وزرمهر فسبقاه إلى عين القمر، ووصل إلى خالد كتاب امرىء القيس الكلبي أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ، ونزل ربيعة بن بجير بالثني وبالبشر غضبا لعقة يريدان زرمهر وروزبه، فخرج خالج وسار إلى القعقاع وأبي ليلى فاجتمع بهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حصيد، وبعث أبا ليلى إلى الخنافس.
ذكر وقعة حصيد والخنافس
فسار القعقاع نحو حصيد، وقد اجتمع بها روزبه وزرمهر، فالتقوا بحصيد، فقتل من العجم مقتلة عظيمة، فقتل القعقاع زرمهر، وقتل عصمة ابن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف الضبي روزبه، وكان عصمة من البررة، وهم كل فخذ هاجرت بأسرها، والخيرة كل قوم هاجروا من بطن، وغنم المسلمون ما في حصيد وانهزمت الأعاجم إلى الخنافس، وسار أبو ليلى بمن معه إلى الخنافس وبها المهبوذان على العسكر، فلما أحس المهبوذان بهم هرب إلى المصيخ إلى الهذيل بن عمران.
ذكر وقعة مصيخ بني البرشاء
ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إلى القعقاع وأبي ليلى وأعبد وعروة وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيخ، وخرج خالد من العين قاصدا إليهم. فلما كان تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا بالمصيخ فأغاروا على الهذيل ومن معه وهم نائمون من ثلاثة أوج فقتلوهم، وأفلت الهذيل في ناس قليل وكثر فيهم القتل، وكان مع الهذيل عبد العزى بن أبي رهم أخو أوس مناة ولبيد بن جرير، وكانا قد أسلما ومعهما كتاب أبي بكر بإسلامهما، فقتلا في المعركة، فبلغ ذلك أبا بكر وقول عبد العزى:
أقول إذ طرق الصباح بغارة ... سبحانك اللهم رب محمد
سبحان ربي لا إله غيره ... رب البلاد ورب من يتورد

(1/387)


فواداهما وأوصى بأولادهما، فكان عمر يعتد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد، فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من نازل أهل الشرك. وقد كان حرقوص بن النعمان بن النمر قد نصحهم فلم يقبلوا منه، فجلس مع زوجته وأولاده يشربون، فقال لهم: اشربوا شراب مودع، هذا خالد بالعين وجنوده بالحصيد؛ ثم قال:
ألا سقياني قبل خيل أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري
فضرب رأسه، فإذا هو في جفنة فيها الخمر، وقتلوا أولاده وأخذوا بناته.
وقيل: إن قتل حرقوص وهذه الوقعة ووقعة الثني كان في مسير خالد ابن الوليد من العراق إلى الشام، وسيذكر إن شاء الله تعالى.
ذكر وقعة الثني والزميل
وكان ربيعة بن بجير التغلبي بالثني والبشر، وهو الزميل، وهما شرقي الرصافة، قد خرج غضبا لعقة وواعد روزبه وزرمهر والهذيل، ولما أصاب خالد أهل المصيخ واعد القعقاع وأبا ليلى ليلة، وأمرهما بالمسير ليغيروا عليهم، فسار خالد من المصيخ، فاجتمع هو وأصحابه بالثني فبيتهم من ثلاثة أوجه كما فعل بأهل المصيخ وجردوا فيهم السيوف، فلم يفلت منهم مخبر، وغنم وسبى وبعث بالخبر والخمس مع النعمان بن عوف إلى أبي بكر، فاشترى علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، بنت ربيعة بن بجير التغلبي، فاتخذها فولدت له عمر ورقية.
ولما انهزم الهذيل بالمصيخ لحق بعتاب بن فلان، وهو بالبشر، في عسكر ضخم، فبينهم خالد بغارة شعواء من ثلاثة أوجه قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها وقسم الغنائم، وبعث الخمس إلى أبي بكر، وسار خالد من البشر إلى الرضاب، وبها هلال بن عقة، فتفرق عنه أصحابه، وسار هلال عنها فلم يلق خالد بها كيدا.
ذكر وقعة الفراض
ثم سار خالد من الرضاب إلى الفراض، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة، وأفطر بها رمضان لاتصال الغزوات، وحميت الروم واستعانوا بمنم يليهم من مسالح الفرس فأعانوهم، واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر وساروا إلى خالد. فلما بلغوا الفرات قالوا له: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. قال خالد: اعبروا. قالوا له: تنح عن طريقنا حتى نعبر. قال: لا أفعل، ولكن اعبروا أسفل منا وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة فعبروا أسفل من خالد، وعظم في أعينهم، وقالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم من يثبت ممن يولي. ففعلوا، فاقتتلوا قتالا عظيما وانهزمت الروم ومن معهم، وأمر خالد المسلمين أن لا يرفعوا عنهم، فقتل في المعركة وفي الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض عشرا، ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وجعل شجر بن الأعز على الساقة، وأظهر خالد أنه في الساقة.
ذكر حجة خالد
ثم خرج خالد حاجا من الفراض سرا ومعه عدة أصحابه يعسف البلاد، فأتى مكة وحج ورجع، فما توافى جنده بالخبر حتى وافاهم مع صاحب الساقة فقدما معا وخالد وأصحابه محلقون، ولم يعلم بحجة إلا من أعلمه به، ولم يعلم أبو بكر بذلك إلا بعد رجوعه، فعتب عليه، وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشام من العراق ممدا جموع المسلمين باليرموك، وكان أهل العراق أيام علي إذا بلغهم عن معاوية شيء يقولون: نحن أصحاب ذات السلاسل، ويسمون ما بينها وبين الفراض ولا يذكرون ما بعد الفراض احتقارا للذي كان بعدها.
وأغار خالد بن الوليد على سوق بغداد ووجه المثنى فأغار على سوق فيها جمع لقضاعة وبكر، وأغار أيضا على مسكن وقطريل وتل عقرقوف وبادوريا؛ قال الشاعر:
وللمثنيى بالعال معركة ... شاهدها من قبيله بشر
كتيبة أفزعت بوقعتها ... كسرى وكاد الإيوان ينفطر
وشجع المسلمين إذ حذروا ... وفي صروف التجارب العبر
سهل نهج السبيل فافترقوا ... آثاره والأمور تقتفر
يعني بالعال الأنبار ومسكن وقطربل وبادوريا.

(1/388)


وفيها تزوج عمر عاتكة بنت زيد. وفيها مات أبو العاص بن الربيع في ذي الحجة وأوصى إلى الزبير، وتزوج علي، رضي الله عنه، ابنته أمامة، وأمها زينب نبت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفيها اشترى عمر أسلم مولاه في قول. وحج بالناس هذه السنة أبو بكر، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف. وفيها مات أبو مرثد الغنوي، وهو بدري، وكان ابنه مرثد بن أبي مرثد قد قتل بالرجيع، وهو بدري أيضا.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة
ذكر فتوح الشام
قيل: في سنة ثلاث عشرة وجه أبو بكر الجنود إلى الشام بعد عوده من الحج، فبعث خالد بن سعيد بن العاص، وقيل: إنما سيره لما سير خالد بن الوليد إلى العراق، وكان أول لواء عقده إلى الشام لواء خالد، ثم عزله قبل أن يسير.
وكان سبب عزله أنه تربص ببيعة أبي بكر شهرين ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان فقال: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغلبتم عليها؟ فقال علي: أمغالبة ترى أم خلافة.
فأما أبو بكر فلم يحدقها عليه وأما عمر فاضطغنها عليه، فلما ولاه أبو بكر لم يزل به عمر به حتى عزله من الإمارة وجعله ردءا للمسلمين بتيماء وأمره أن لا يفارقها إلا بأمره وأن يدعو من حوله من العرب غلا من ارتد وأن لا يقاتل إلا من قاتله. فاجتمع إليه جموع كثيرة، وبلغ خبره الروم فضربوا البعث على العرب الضاحية بالشام من بهراء وسليح وغسان وكلب ولخم وجذام، فكتب خالد بن سعيد إلى بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولا تقتحمن. فسار إليهم، فلما دنا منهم تفرقوا، فنزل منزلهم وكتب إلى أبي بكر بذلك، فأمره بالإقدام بحيث لا يؤتى من خلفه. فسار حتى جازه قليلا ونزل، فسار إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان، فقاتله فهزمه وقتل من جنده، فكتب خالد إلى أبي بكر يستمده، وكان قد قدم على أبي بكر أوائل مستنفري اليمن وفيهم ذو الكلاع، وقدم عكرمة بن أبي جهل فيمن معه من تهام وعمان والبحرين والسرو، فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من استبدل، فكلهم استبدل، فسمي جيش البدال، وقدموا على خالد بن سعيد.
وعندها اهتم أبو كبر بالشام وعناه أمره، وكان أبو بكر قد رد عمرو ابن العاص إلى عمله الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولاه إياه من صدقات سعد هذيم وعذرة وغيرهم قبل ذهابه إلى عمان ووعده أن يعيده إلى عمله بعد عوده من عمان، فأنجز له أبو بكر عدة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
فلما عزم على قصد الشام كتب له: إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرة ووعدك به أخرى إنجازا لمواعيد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.
فكتب إليه عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به. فأمره وأمر الوليد ابن عقبة، وكان على بعض صدقات قضاعة، أن يجمعا العرب، ففعلا، وأرسل أبو بكر إلى عمرو بعض من اجتمع إليه وأمره بطريق سماها له إلى فلسطين، وأمر الوليد بالأردن وأمده ببعضهم، وأمر يزيد بن أبي سفيان على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه، فيهم سهيل بن عمرو في أمثاله من أهل مكة، وشيعه ماشيا، وأوصاه وغيره من الأمراء، فكان مما قال ليزيد:

(1/389)


(إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم توليا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد فإياك وعبية الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعا، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له).
وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر. ثم إن أبا بكر استعمل أبا عبيدة بن الجراح على من اجتمع وأمره بحمص، وسار أبو عبيدة على باب من البلقاء فقاتله أهله ثم صالحوه، فكان أول صلح في الشام.
واجتمع للروم جمع بالعربة من أرض فلسطين، فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان أبا أمامة الباهلي فهزمهم، فكان أول قتال بالشام بعد سرية أسامة بن زيد. ثم أتوا الدائن فهزمهم أبو أمامة أيضا، ثم مرج الصفر استشهد فيها ابن الخالد بن سعيد، وقيل: استشهد فيها خالد أيضا، وقيل: بل سلم وانهزم على ما نذكره، وذلك أنه لما سمع توجيه الأمراء بالجنود بادر لقتال الروم فاستطرد له باهان فاتبعه خالد ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد فنزل مرج الصفر، فاجتمعت عليه مسالح باهان وأخذوا الطرق، وخرج باهان فرأى ابن خالد بن سعيد فقتله ومن معه، فسمع خالد فانهزم، فوصل في هزيمته إلى ذي المروة قريب المدينة، فأمره أبو بكر بالمقام بها، وبقي عكرمة في الناس ردءا للمسلمين يمنع من يطلبهم.
وكان قد قدم شرحبيل بن حسنة من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر وافدا، فأمره أبو بكر بالشام وندب معه الناس واستعمله على عمل الوليد ابن عقبة. فأتى شرحبيل على خالد بن سعيد ففصل عنه ببعض أصحابه، واجتمع إلى أبي بكر ناس فأرسلهم مع معاوية بن أبي سفيان وأمره باللحاق بأخيه يزيد، فلما مر بخالد فصل عنه بباقي أصحابه. فأذن أبو بكر لخالد بدخول المدينة. فلما وصل الأمراء إلى الشام نزل أبو عبيدة الجابية، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن، وقيل بصرى، ونزل عمرو بن العاص العربة. فبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، وكان بالقدس، فقال: أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم. فتفرقوا عنه وعصوه، فجمعهم وسار بهم إلى حمص، فنزلها وأعد الجنود والعساكر، وأرا إشغال كل طائفة من المسلمين بطائفة من عسكره لكثرة جنده لتضعف كل فرقة من المسلمين عمن بإزائه، فأرسل تذارق أخاه لأبيه وأمه في تسعين ألفا إلى عمرو، وأرسل جرجة بن توذر إلى يزيد بن أبي سفيان، وبعث القيقار بن نسطوس في ستين ألفا إلى أبي عبيدة ابن الجراح، وبعث الدراقص نحو شرحبيل، فهابهم المسلمون وكاتبوا عمرا ما الرأي، فأجابهم: إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة، فإن تفرقنا لا يقوم كل فرقة له بمن استقبلها لكثرة عدونا.

(1/390)


وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم مثل جواب عمرو وقال: إن مثلكم لا يؤتى من قلة وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، فاجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل واحد منكم بأصحابه. فاجتمع المسلمون باليرموك والروم أيضا وعليهم التذارق وعلى المقدمة جرجة وعلى المجنبة باهان، ولم يكن وصل بعد إليهم، والدراقص على الأخرى وعلى الحرب القيقار، فنزل الروم وصار الوادي خندقا لهم، وإنما أرادوا أن يتأنس الروم بالمسلمين لترجع إليهم قلوبهم، ونزل المسلمون على طريقهم ليس للروم طريق إلا عليهم، فقال عمرو: أبشروا! حصرت الروم وقل ما جاء محصور بخير. وأقاموا صفرا عليهم وشهري ربيع لا يقدرون منهم على شيء من الوادي والخندق ولا يخرج الروم خرجة إلا أديل عليهم المسلمون.
ذكر مسير خالد بن الوليد
من العراق إلى الشام
لما رأى المسلمون مطاولة الروم استمدوا أبا بكر، فكتب إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إليهم وبالحث وأن يأخذ نصف الناس ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني، ولا يأخذن من فيه نجدة إلا ويترك عند المثنى مثله، وإذا فتح الله عليهم رجع خالد وأصحابه إلى العراق.
فاستأثر خالد بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، على المثنى وترك للمثنى عدادهم من أهل القناعة من ليس له صحبة، ثم قسم الجند نصفين، فقال المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر، وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم. فلما رأى خالد ذلك أرضاه ومضى لوجهه وشيعه المثنى إلى قراقر ثم رجع إلى الحيرة في المحرم. وقيل: سار من العراق في ثمانمائة، وقيل: في ستمائة، وقيل: في خمسمائة، وقيل: في تسعة آلاف، وقيل: في ستة آلاف، وقيل: إنما أمره أبو بكر أن يأخذ أهل القوة والنجدة، فأتى حدوداء فقاتله أهلها فظفر بهم، وأتى المصيخ وبه جمع من تغلب فقاتلهم وظفر بهم وسبى وغنم.
وكان من السبي الصهباء بنت حبيب بن بجير، وهي أم عمر بن علي ابن أبي طالب، وقيل في أمرها ما تقدم.
وقيل: سار خالد فلما وصل إلى قراقر، وهو ماء لكلب، أغار على أهلها وأراد أن يسير منهم فوزا إلى سوى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال، فالتمس دليلا، فدل على رافع بن عميرة الطائي، فقال له في ذلك، فقال له رافع: إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال، فوالله إن الراكب المفرد يخافه على نفسه. فقال: إنه لابد لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم لئلا يحبسني عن غياث المسلمين. فأمر صاحب كل جماعة أن يأخذ الماء للشعبة لخمس وأن يعطش من الإبل الشرف ما يكتفي به ثم يسقوها عللا بعد نهل، والعلل الشربة الثانية، والنهل الأولى، ثم يصروا آذان الإبل ويشدوا مشافرها لئلا تجتر. ثم ركبوا من قراقر، فلما ساروا يوما وليلة شقوا لعدة من الخيل بطون عشرة من الإبل فمزجوا ماء في كروشها بما كان من الألبان وسقوا الخيل، ففعلوا ذلك أربعة أيام. فلما دنا من العلمين قال للناس: انظروا هل ترون شجرة عوسج كقعدة الرجل؟ فقالوا: ما نراها. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتم والله وهلكت معكم! وكان أرمد. فقال لهم: انظروا ويحكم! فنظروا فرأوها قد قطعت وبقي منها بقية. فلما رأوها كبروا، فقال رافع: احفروا في أصلها. فحفروا واستخرجوا عينا فشربوا حتى روي الناس. فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال شاعر من المسلمين:
لله عينا رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى
خمسا إذا ما ساره الجيش بكى ... ما سارها قبلك إنسي يرى
فلما انتهى خالد إلى سوى أغار على أهلها وهم بهراء وهم يشربون الخمر في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنيهم يقول:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب ولا ندري
ألا عللاني بالزجاج وكرروا ... علي كميت اللون صافية تجري
ألا عللاني من سلافة قهوة ... تسلي هموم النفس من جيد الخمر
أظن خيول المسلمين وخالدا ... ستطرقكم قبل الصباح مع النسر
فهل لكم في السير قبل قتالكم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر

(1/391)


فقتل المسلمون مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة وأخذوا أموالهم وقتل حرقوص بن النعمان البهراني. ثم أتى أرك فصالحوه، ثم أتى تدمر فتحصن أهله ثم صالحوه، ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم، وأتى حوارين فقاتل أهلها فهزمهم وقتل وسبى، وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة، وسار فوصل إلى ثنية العقاب عند دمشق ناشرا رايته، وهي راية سوداء، وكانت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، تسمى العقاب، وقيل: كانت رايته تسمى العقاب فسميت الثنية بها، وقيل: سميت بعقاب من الطير سقطت عليها، والأول أصح.
ثم سار فأتى مرج راهط فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى، وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة فقتلوا الرجال وسبوا النساء وساقوا العيال إلى خالد. ثم سار حتى وصل إلى بصرى فقاتل من بها فظفر بهم وصالحهم، فكانت بصرى أول مدينة فتحت بالشام على يد خالدوأهل العراق. وبعث بالأخماس إلى أبي بكر. ثم سار فطلع على المسلمين في ربيع الآخر، وطلع باهان على الروم ومعه الشمامسة والقسيسون والرهبان يحرضون الروم على القتال، وخرج باهان كالمعتذر، فولي خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، ورجع باهان والروم إلى خندقهم وقد نال منهم المسلمون.
عميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم.
ذكر وقعة اليرموك فلما تكامل جمع المسلمين باليرموك، وكانوا سبعة وعشرين ألفا، قدم خالد في تسعة آلاف فصاروا ستة وثلاثين ألفا سوى عكرمة فإنه كان ردءا لهم، وقيل: بل كانوا سبعة وعشرين ألفا وثلاثة آلاف من فلال خالد ابن سعيد، وعشرة آلاف مع خالد بن الوليد، فصاروا أربعين ألفا سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل، وقيل في عددهم غير ذلك، والله أعلم. وكان فيهم ألف صحابي، منهم نحو مائة ممن شهد بدرا. وكان الروم في مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل، منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألف مسلسل للموت وأربعون ألفا مربطون بالعمائم لئلا يفروا وثمانون ألف راجل، وقيل: كانوا مائة ألف، وكان قتال المسلمين لهم على تساند، كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد، حتى قدم خالد بن الوليد من العراق، وكان القسيسون والرهبان يحرضون الروم شهرا، ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال في جمادى الآخرة.
فلما أحس المسلمون بخروجهم أرادوا الخروج متساندين، فسار فيهم خالد بن الوليد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية وأنتم متساندون فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأي من وإليكم ومحبته. قالوا: هات فما الرأي؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لقد جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله! فقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان لأحد من الأمراء ولا يزيده عليه إن دانوا له. إن تأمير بعضكم لا ينتقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا، وإن هذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد حتى تتأمروا كلكم، ودعوني أتأمر اليوم. فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وأن الأمر لا يطول.
فخرجت الروم في تعبية لم ير الراؤون مثلها قط، وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، وقال: إن عدوكم كثير وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان، وكان على كردوس القعقاع بن عمرو، وجعل على كل كردوس رجلا من الشجعان، وكان القاضي أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب، وعلى الطلائع قباث بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله ابن مسعود.

(1/392)


قال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أكثر المسلمين وأقل الروم، وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، والله لوددت أن الأشقر، يعني فرسه، براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان قد حفي في مسيره.
فأمر خالد عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو فأنشبا القتال.
والتحم الناس وتطارد الفرسان وتقاتلوا، فإنهم على ذلك قدم البريد من المدينة واسمه محمية بن زنيم، فسألوه الخبر، فأخبرهم بسلامة وأمداد؛ وإنما جاء بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة، فبلغوه خالدا، فأخبره خبر أبي بكر سرا.
وخرج جرجة إلى بين الصفين وطلب خالدا، فخرج إليه، فآمن كل واحد منهما صاحبه، فقال جرجة: يا خالد اصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني، فإن الكريم لا يخادع المسترسل، هل أنزل الله نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ قال: لا. قال: ففيم سميت سيف الله؟ فقال له: إن الله بعث فينا نبيه، صلى الله عليه وسلم، فكنت فيمن كذبه وقاتله، ثم إن الله هداني فتابعته، فقال: (أنت سيف الله سله على المشركين)! ودعا لي بالنصر. قال: فأخبرني إلى ما تدعوني. قال خالد: إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب. قال: فما منزلة من الذي يجيبكم ويدخل فيكم؟ قال: منزلتنا واحدة. قال: فهل له مثلكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل لأننا اتبعنا نبينا وهو حي يخبرنا بالغيب ونرى منه العجائب والآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم، وأنتم لم تروا مثلنا ولم تسمعوا مثلنا، فمن دخل بنية وصدق كان أفضل منا. فقلب جرجة ترسه ومال مع خالد وأسلم وعلمه الإسلام واغتسل وصلى ركعتين ثم خرج مع خالد فقاتل الروم.
وحملت الروم حملة أزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة وعمه الحارث بن هشام، فقال عكرمة: قاتلت النبي، صلى الله عليه وسلم، في كل موطن ثم أفر اليوم! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، فمنهم من برأ ومنهم من قتل. وقاتل خالد وجرجة قتالا شديدا، فقتل جرجة عند آخر النهار وصلى الناس الأولى والعصر إيماء وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، فانهزم الفرسان وتركوا الرجالة.
ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها، فتفرقت وقتل الرجالة واقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، ثمانون ألفا من المقترنين وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة، وتجلل الفيقار وجماعة من أشراف الروم برانسهم وجلسوا فقتلوا متزملين. ودخل خالد الخندق ونزل في رواق تذارق. فلما أصبحوا أتى خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحا فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فجعل رأسه على ساقه ومسح وجوههما وقطر في حلوقهما الماء وقال: زعم ابن حنتمة، يعني عمر، أنا لا نستشهد! وقاتل النساء ذلك اليوم وأبلين.
قال عبد الله بن الزبير: كنت مع أبي باليرموك وأنا صبي لا أقاتل، فلما اقتتل الناس نظرت إلى ناس على تل لا يقاتلون، فركبت وذهبت إليهم وإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح فرأوني حدثا فلم يتقوني، قال: فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبتهم الروم يقولون: إيه بني الأصفر! فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون: قال: ويح بني الأصفر! فلما هزم الله الروم أخبرت أبي فضحك فقال: قاتلهم الله! أبوا إلا ضغنا، لنحن خير لهم من الروم! وفي اليرموك أصيبت عين أبي سفيان بن حرب.
ولما انهزمت الروم كان هرقل بحمص، فنادى بالرحيل عنها قريبا وجعلها بينه وبين المسلمين وأمر عليها أميرا كما أمر على دمشق. وكان من أصيب من المسلمين ثلاثة آلاف، منهم عكرمة وابنه عمرو وسلمة بن هشام وعمرو ابن سعيد وأبان بن سعيد وجندب بن عمرو والطفيل بن عمرو وطليب بن عمير وهشام بن العاص وعياش بن أبي ربيعة، في قول بعضهم.
عياش بالياء المثناة والشين المعجمة.

(1/393)


وفيها قتل سعيد بن الحرب بن قيس بن عدي السهمي، وهو من مهاجرة الحبشة. وفيها قتل نعيم بن عبد الله النحام العدوي عدي قريش، وكان إسلامه قبل عمر. وفيها قتل النضير بن الحارث بن علقمة، وهو قديم الإسلام والهجرة، وهو أخو النضر الذي قتل ببدر كافرا. وقتل فيها أبو الروم بن عمير بن هاشم العبدري أخو مصعب بن عمير، وهو من مهاجرة الحبشة، شهد أحدا. وقيل قتلوا يوم أجنادين، والله أعلم.
ذكر حال المثنى بن حارثة بالعراق وأما المثنى بن حارثة الشيباني فإنه لما ودع خالد بن الوليد، وسار خالد إلى الشام فيمن معه بالجند، أقام بالحيرة ووضع المسلحة وأذكى العيون، واستقام أمر فارس بعد مسير خالد من الحيرة بقليل، وذلك سنة ثلاث عشرة، على شهربراز ابن أردشير بن شهريار سابور، فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف، فخرج المثنى من الحيرة نحوه وعلى مجنبتيه المعنى ومسعود أخواه، فأقام ببابل وأقبل هرمز نحوه، وكتب كسرى شهربراز إلى المثنى كتابا: (إني قد بعثت إليكم جندا من وحش أهل فارس، إنما هم رعاء الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم). فكتب إليه المثنى: (إنما أنت أحد رجلين: إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين فضيحة عند الله وفي الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما أضررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدهم إلى رعاة الدجاج والخنازير).
فجزع الفرس من كتابه فالتقى المثنى وهرمز ببابل فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان فيلهم يفرق المسلمين، فانتدب له المثنى ومعه ناس فقتلوه وانهزم الفرس وتبعهم المسلمون إلى المدائن يقتلونهم. ومات شهربراز لما انهزم هرمز جاذويه واختلف أهل فارس وبقي ما دون دجلة بيد المثنى.
ثم اجتمعت الفرس على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر وخلعت وملك سابور بن شهربراز. فلما ملك قام بأمره الفرخزاد بن البنذوان، فسأله أن يزوجه آزرميدخت بنت كسرى، فأجابه. فغضب آزرميدخت فأرسلت إلى سياوخش الرازي فشكت إليه، فقال لها: لا تعاوديه وأرسلي إليه فليأتك، فأرسلت إليه واستعد سياوخش، فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاد حتى دخل، فثار به سياوخش فقتله، وقصدت آزرميدخت ومعها سياوخش سابور فحصروه ثم قتلوه، وملكت آزرميدخت ثم تشاغلوا بذلك.
وأبطأ خبر أبي بكر على المثنى فاستخلف على المسلمين بشير بن الخصاصية ووضع مكانه في المسالح سعيد بن مرة العجلي وسار إلى المدينة إلى أبي بكر ليخبره خبر المشركين ويستأذنه في الاستعانة بمن حسنت توبته من المرتدين، فإنهم أنشط إلى القتال من غيرهم، فقدم المدينة وابو بكر مريض قد أشفى، فأخبره الخبر، فاستدعى عمر وقال له: إني لأرجو أن أموت يومي هذا، فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة عن أمر دينكم ووصية ربكم، فقد رأيتني متوفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما صنعت وما أصيب الخلق بمثله، وإذا فتح الله على أهل الشام فاردد أهل العراق إلى أهل العراق فإنهم أهله وولاة أمره وأهل الجرأة عليهم.
ومات أبو بكر ليلا فدفنه عمر وندب الناس مع المثنى، وقال عمر: قد علم أبو بكر أنه يسوءني أن أؤمر خالدا فلهذا أمرني أن أرد أصحاب خالد، وترك ذكره معهم.
وإلى آزرميدخت انتهى شأن أبي بكر، فهذا حديث العراق إلى آخر أيام أبي بكر، رضي الله عنه.
ذكر وقعة أجنادين

(1/394)


وقد ذكرها أبو جعفر عقيب وقعة اليرموك وروى خبرها عن ابن إسحاق من اجتماع الأمراء ومسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام نحو ما تقدم، وقال: فسار خالد من مرج راهط إلى بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، فاجتمعوا عليها فرابطوها فصالحهم أهلها على الجزية، فكانت أول مدينة فتحت بالشام في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص وهو مقيم بالعرباتمن غور فلسطين، واجتمعت الروم بأجنادين وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه، وقيل كان الروم القبقلار؛ وأجنادين بين الرملة وبين جبرين من أرض فلسطين، وسار عمرو بن العاص حين سمع بالمسلمين فلقيهم ونزلوا بأجنادين وعسكروا عليهم، فبعث القبقلار عربيا إلى المسلمين يأتيه بخبرهم، فدخل فيهم وأقام يوما وليلة ثم عاد إليه، فقال: ما وراءك؟ فقال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوه، ولو زنى رجم لإقامة الحق فيهم. فقال: إن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها.
والتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، فظهر المسلمون وهزم المشركون وقتل القبقلار وتذارق واستشهد رجال من المسلمين، منهم: سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبار بن الأسود، ونعيم بن عبد الله النحام، وهشام بن العاص بن وائل، وقيل: بل قتل باليرموك وجماعة غيرهم.
قال: ثم جمع هرقل للمسلمين فالتقوا باليرموك، وجاءهم خبر وفاة أبي بكر وهم مصافون، وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب؛ هذه سياقة الخبر.
وكان فيمن قتل ضرار بن الخطاب الفهري وله صحبة، وعمرو ابن سعيد بن العاص وهو من مهاجرة الحبشة، وقتل باليرموك، وممن قتل الفضل بن العباس، وقيل: قتل بمرج الصفر، وقيل: مات في طاعون عمواس. وفيها قتل طليب بن عمير بن وهب القرشي وقتل باليرموك، شهد بدرا، وهو من المهاجرين الأولين. وفيها قتل عبد الله بن أبي جهم القرشي العدوي، وكان إسلامه يوم الفتح. وفيها قتل عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بعد أن قتل جمعا من الروم في المعركة، وكان عمره يوم مات النبي، صلى الله عليه وسلم، نحو ثلاثين سنة. وفيها قتل عبد الله بن الطفيل الدوسي، وهو الملقب بذي النور، وكان من فضلاء الصحابة قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة.
أجنادين بعد الجيم نون، ودال مهملة مفتوحة، ومنهم من يكسرها، ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة، وآخره نون.
وقد قيل: إن وقعة أجنادين كانت سنة خمس عشرة، وسيرد ذكرها إن شاء الله.
ذكر وفاة أبي بكر
كانت وفاة أبي بكر، رضي الله عنه، لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة ليلة الثلاثاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو الصحيح، وقيل غير ذلك، وكان قد سمه اليهود في أرز، وقيل في حريرة، وهي الحسو، فأكل هو والحارث بن كلدة، فكف الحارث وقال لأبي بكر: أكلنا طعاما مسموما سم سنة، فماتا بعد سنة. وقيل: إنه اغتسل وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة فأمر عمر أن يصلي بالناس. ولما مرض قال له الناس: ألا ندعو الطبيب؟ قال: قد أتاني وقال لي أنا فاعل ما أريد؛ فعلموا مراده وسكتوا عننه، ثم مات.
وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وقيل: كانت سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، وكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين.
وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس وابنه عبد الرحمن وأن يكفن في ثوبيه ويشترى معهم ثوب ثالث، وقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إنما هو للمهلة والصديد.
ودفن ليلا وصلى عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكبر عليه أربعا، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر وعثمان وطلحة، وجعل رأسه عند كتفي النبي، صلى الله عليه وسلم، وألصقوا لحده بلحد النبي، صلى الله عليه وسلم، وجعل قبره مثل قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، مسطحا. وأقامت عائشة عليه النوح فنهاهن عن البكاء عمر فأبين، فقال لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة، فأخرج إليه أم فروة ابنة أبي قحافة فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوح حين سمعن ذلك.
وكان آخر ما تكلم به: توفني مسلما وألحقني بالصالحين.

(1/395)


وكان أبيض خفيف العارضين أحنى لا يستمسك إزاره، معروق الوجه نحيفا، أقنى غائر العينين يخضب بالحناء والكتم، وكان أبوه حيا بمكة لما توفي.
وهو أبو بكر عبد الله، وقيل: عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، يجتمع مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في مرة بن كعب، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. وقيل: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له: (أنت عتيق من النار)، فلزمه، وقيل: إنما قيل له عتيق لرقة حسنه وجماله. وأسلمت أمه قديما بعد إسلام أبي بكر، وتزوج في الجاهلية قتيلة بنت عبد العزى بن عامر بن لؤي فولدت له عبد الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان، واسمها دعد بنت عامر بن عميرة الكنانية، فولدت له عبد الرحمن وعائشة، وتزوج في الإسلام أسماء بنت عميس، وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب، فولدت له محمد بن أبي بكر، وتزوج أيضا في الإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصارية، فولدت له بعد وفاته أم كثلوم.
أسماء قضاته وعماله وكتابه
لما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء. فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان. وكان علي بن أبي طالب يكتب له وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان، وكان يكتب له من حضر. وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد، ومات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وقيل: مات بعده. وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري، وعلى خولان يعلى بن منية، وعلى زبيد ورمع أبو موسى، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي. وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران، وعبد الله بن ثور إلى جرش، وعياض بن غنم إلى دومة الجندل. وكان بالشام أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد وعمرو، وكل رجل منهم على جند وعليهم خالد ابن الوليد. وكان نقش خاتمه: نعم القادر الله. وعاش أبوه بعده ستة أشهر وأياما، ومات وله سبع وتسعون سنة.
ذكر بعض أخباره ومناقبه
كان أبو بكر أول الناس إسلاما في قول بعضهم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة غير أبي بكر). والذي ورد له عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من المناقب كثير، كشهادته له بالجنة، وعتقه من النار، وغير ذلك من الإخبار بخلافته تعريضا كقوله، صلى الله عليه وسلم، للمرأة: (إن لم تجديني فأتي أبا بكر)، وكقوله: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، إلى غير ذلك.
وشهد بدرا وأحدا والخندق وغير ذلك من المشاهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأعتقد سبعة نفر كلهم يعذب في الله تعالى، منهم بلال وعامربن فهيرة وزنيرة والنهدية وابنها وجارية بني مؤمل وأم عبيس وأسلم. وله أربعون ألفا أنفقها في الله مع ما كسب في التجارة.
ولما ولي الخلافة وارتدت العرب خرج شاهرا سيفه إلى ذي القصة، فجاءه علي وأخذ بزمام راحلته وقال له: أين يا خليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم! أقول لك ما قال لك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد: شم سيفك لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام؛ فرجع وأمضى الجيش.
وكانت له بيت مال بالسنح، وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة، فقيل له: ألا نجعل عليه من يحرسه؟ قال: لا. فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين فلا يبقى فيه شيء، فلما انتقل إلى المدينة جعل بيت المال معه في داره.
وفي خلافته انفتح معدن بني سليم، وكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام وبين الحر والعبد والذكر والأنثى، فقيل له: لتقدم أهل السبق على قدر منازلهم، فقال: إنما أسلموا لله ووجب أجرهم عليه يوفيهم ذلك في الآخرة، وإنما هذه الدنيا بلاغ. وكان يشتري الأكسية ويفرقها في الأرامل في الشتاء.
ولما توفي أبو بكر جمع عمر الأمناء وفتح بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا غير دينار سقط من غرارة، فترحموا عليه.

(1/396)


قال أبو صالح الغفاري: كان عمر يتعهد امرأة عمياء في المدينة بالليل فيقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها ففعل ما أرادت، فرصده عمر فإذا هو أبو بكر كان يأتيها ويقضي أشغالها سرا وهو خليفة، فقال له: أنت هو لعمري! قال أبو بكر بن حفص بن عمر: لما حضرت أبا بكر الوفاة حضرته عائشة وهو يعالج الموت فتمثلت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذلك ولكن (جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) ق:!رضي الله عنه، إني قد كنت نحلتك حائط كذا وفي نفسي منه شيء فرديه على الميراث، فردته، فقال: إنما هما أخواك وأختك. قالت: من الثانية؟ إنما هي أسماء. قال: ذات بطن بنت خارجة، يعني زوجته، وكانت حاملا فولدت أم كلثوم بعد موته. وقال لها: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم ولبسنا من خشن ثيابهم وليس عندنا من فيء المسليمن قليل ولا كثير إلا هذا العبد وهذا البعير وهذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بالجميع إلى عمر. فلما مات بعثته إلى عمر، فلما رآه بكى حتى سالت دموعه إلى الأرض وجعل يقول: رحم الله أبا بكر! لقد أتعب من بعده، ويكرر ذلك، وأمر برفعه. فقال عبد الرحمن ابن عوف: سبحان الله! تسلب عيال أبي بكر عبدا وناضحا وسحق قطيفة ثمنها خمسة دراهم، فلو أمرت بردها إليهم. فقال: لا والذي بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، بالحق لا يكون هذا في ولايتي ولا خرج أبو بكر منه وأتقلده أنا. وأمر أبو بكر أن يرد جميع ما أخذ من بيت المال لنفقته بعد وفاته.
وقيل: إن زوجته اشتهت حلوا فقال: ليس لنا ما نشتري به. فقالت: أنا أستفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به. قال: افعلي. ففعلت ذلك، فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير، فلما عرفته ذلك ليشتري به حلوا أخذه فرده إلى بيت المال وقال: هذا يفضل عن قوتنا، وأسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم وغرمه لبيت المال من ملك كان له.
هذا والله هو التقوى الذي لا مزيد عليه وبحق قدمه الناس، رضي الله عنه وأرضاه.
وكان منزل أبي بكر بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة، فأقام هنالك ستة أشهر بعد ما بويع له، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب فرسه، فيصلي بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح، وكان إذا غاب صلى بالناس عمر. وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له، وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغير بي ما دخلت فيه. فكان يحلب لهم. ثم تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته وقال: ما تصلح أمور الناس مع التجارة، وما يصلح إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، فترك التجارة، وأنفق من مال المسلمين ما يصلحه وعياله يوما بيوم ويحج ويعتمر، فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم، وقيل: فرضوا له ما يكفيه، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين.
وكان أول وال فرض له رعيته نفقته، وأول خليفة ولي وأبوه حي، وأول من سمى مصحف القرآن مصحفا، وأول من سمي خليفة.
زنيرة بكسر الزاي، والنون المشددة. وعبيس بضم العين المهملة، وبالباء الموحدة المفتوحة، ثم بالياء المثناة من تحت، وبالسين المهملة. ومنية بالنون الساكنة، والياء تحتها نقطتان.
ذكر استخلافه عمر بن الخطاب
لما نزل بأبي بكر، رضي الله عنه، الموت دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر. فقال: إنه أفضل من رأيك إلا أنه فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضاء عنه، وإذا لنت له أراين الشدة عليه. ودعا عثمان بن عفان وقال له: أخبرني عن عمر. فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله. فقال أبو بكر لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له أن لا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا وكنت فيمن مضى من سلفكم.

(1/397)


ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال: استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، وكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك! فقال أبو بكر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفني! إذا لقيت ربي فسألني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك.
ثم إن أبا بكر أحضر عثمان بن عفان خاليا ليكتب عهد عمر، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا. ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي. فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: اراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله.
فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولى له ومعه عمر، فكان عمر يقول للناس: أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يألكم نصحا. فسكن الناس، فلما قرىء عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا، وكان أبو بكر أشرف على الناس وقال: أترضون بمن استخلفت عليكم؟ فإني ما استخلفت عليكم ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر فاسمعوا له وأطيعوا، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي. فقالوا: سمعنا وأطعنا. ثم أحضر أبو بكر عمر فقال له: إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأوصاه بتقوى الله ثم قال: يا عمر إن لله حقا بالليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غدا إلا حق أن يكون ثقيلا. ألم تر يا عمر أنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان أن يوضع فيه غدا إلا باطل أن يكون خفيفا. ألم تر يا عمر أنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه. أو لم تر يا عمر أنما ذكر أهل النار بأسوإ أعمالهم فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون منهم، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه يجاوز لهم ما كان من سيء فإذا ذكرتهم قلت أين عملي من أعمالهم؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من الموت، ولست بمعجزه.
وتوفي أبو بكر فلما دفن صعد عمر بن الخطاب فخطب الناس ثم قال: (إنما مثل العرب مثل جمل آنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق)! وكان أول كتاب كتبه إلى أبي عبيدة بن الجراح بتولية جند خالد وبعزل خالد لأنه كان عليه ساخطا في خلافة أبي بكر كلها لوقعته بابن نويرة وما كان يعمل في حربه، وأول ما تكلم به عزل خالد وقال: لا يلي لي عملا أبدا، وكتب إلى أبي عبيدة: إن أكذب خالد نفسه فهو الأمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه، وانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله. فذكر ذلك لخالد، فاستشار أخته فاطمة، وكانت عند الحارث بن هشام، فقالت له: والله لا يحبك عمر أبدا وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك. فقبل رأسها وقال: صدقت؛ فأبى أن يكذب نفسه، فأمر أبو عبيدة فنزع عمامة خالد وقاسمه ماله، ثم قدم خالد على عمر بالمدينة، وقيل: بل هو أقام بالشام مع المسلمين، وهو أصح.
ذكر فتح دمشق
قيل: ولما هزم أهل اليرموك استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير ابن كعب الحميري، وسار حتى نزل بالصفر، فأتاه الخبر أن المنهزمين اجتمعوا بفحل، وأتاه الخبر أيضا بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فكتب إلى عمر في ذلك، فأجابه عمر يأمره بأن يبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت ملكهم، وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون بإزائهم، وإذا فتح دمشق سار إلى فحل، فإذا فتحت عليهم سار هو وخالد إلى حمص وترك شرحبيل ابن حسنة وعمرا بالأردن وفلسطين.
فأرسل أبو عبيدة إلى فحل طائفة من المسلمين فنزلوا قريبا منها، وبثق الروم الماء حول فحل فوحلت الأرض، فنزل عليها المسلمون، فكان أول محصور بالشام أهل فحل ثم أهل دمشق.

(1/398)


وبعث أبو عبيدة جندا فنزلوا بين حمص ودمشق، وأرسل جندا آخر فكانوا بين دمشق وفلسطين، وسار أبو عبيدة وخالد فقدموا على دمشق وعليها نسطاس، فنزل أبو عبيدة على ناحية وخالد على ناحية وعمرو على ناحية، وكان هرقل قريب حمص، فحصرهم المسلمون سبعين ليلة حصارا شديدا وقاتلوهم بالزحف والمجانيق وهم معتصمون بالمدينة يرجعون الغياث، وجاءت خيول هرقل مغيثة دمشق فمنعتها خيول المسلمين التي عند حمص، فخذل أهل دمشق وطمع فيهم المسلمون.
وولد للبطريق الذي على أهلها مولود فصنع طعاما فأكل القوم وشربوا وتركوا مواقفهم، ولا يعلم بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا ينيم ولا يخفى عليه من أمورهم شيء عيونه ذكية، وهو معني بما يليه، وكان قد اتخذ حبالا كهيئة السلاليم وأوهاقا، فلما أمسى ذلك اليوم نهد هو ومن معه من جنده الذين قدم عليهم وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وأمثاله وقالوا: إذا سمعتم تكبيرا على السور فارقوا إلينا واقصدوا الباب. فلما وصل هو وأصحابه إلى السور ألقوا الحبال فعلق بالشرف منها حبلان، فصعد فيهما القعقاع ومذعور وأثبتا الحبال بالشرف، وكان ذلك المكان أحصن موضع بدمشق وأكثره ماء وأشده مدخلا، فصعد المسلمون ثم انحدر خالد وأصحابه وترك بذلك المكان من يحميه وأمرهم بالتكبير، فكبروا، فأتاهم المسلمون إلى الباب وإلى الحبال، وانتهى خالد إلى من يليه فقتلهم وقصد الباب فقتل البوابين، وثار أهل المدينة لا يدرون ما الحال، وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم، وفتح خالد الباب وقتل كل من عنده من الروم.
فلما رأى الروم ذلك قصدوا أبا عبيدة وبذلوا له الصلح، فقبل منهم وفتحوا له الباب وقالوا له: ادخل وامنعنا من أهل ذلك الجانب، ودخل أهل كل باب بصلح مما يليهم. ودخل خالد عنوة، فالتقى خالد والقواد في وسطها، هذا قتلا ونهبا وهذا صفحا وتسكينا، فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح، وكان صلحهم على المقاسمة، وقسموا معهم للجنود التي عند فحل وعند حمص وغيرهم ممن هو ردء للمسلمين.
وأرسل أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، فوصل كتاب عمر إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال جند العراق نحو العراق إلى سعد بن أبي وقاص، فأرسلهم وأمر عليهم هاشم بن عتبة المرقال، وكانوا قد قتل منهم، فأرسل أبو عبيدة عوض من قتل، وكان ممن ارسل الأشتر وغيره، وسار أبو عبيدة إلى فحل.
ذكر غزوة فحل
فلما فتحت دمشق سار أبو عبيدة إلى فحل واستخلف على دمشق يزيد ابن أبي سفيان، وبعث خالدا على المقدمة، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة، وكان على المجنبتين أبو عبيدة وعمرو بن العاص، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجال عياض بن غنم، وكان أهل فحل قد قصدوا بيسان، فهم بها، فنزل شرحبيل بالناس فحلا، وبينهم وبين الروم تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر، وكانت العرب تسمي تلك الغزاة ذات الردغة وبيسان وفحل. وأقام الناس ينتظرون كتاب عمر، فاغترهم الروم فخرجوا وعليهم سقلار بن مخراق، فأتوهم والمسلمون حذرون، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية. فلما هجموا على المسلمين لم يناظروهم فاقتتلوا أشد قتال كان لهم ليلتهم ويومهم إلى الليل، وأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزم الروم وهم حيارى وقد أصيب رئيسهم سقلار والذي يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون بهم وركبوهم، ولم تعرف الروم مأخذهم، فانتهت بهم الهزيمة إلى الوحل فركبوه، ولحقهم المسلمون فأخذوهم ولا يمنعون يدلامس فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة بفحل والقتل بالرداغ، فأصيب الروم وهم ثمانون ألفا لم يفلت منهم إلا الشريد، وقد كان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق والوهل، فكانت عونا لهم على عدوهم وغنموا أموالهم فاقتسموها. وانصرف أبو عبيدة بخالد ومن معه إلى حمص.
وممن قتل في هذه الحرب السائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي، له صحبة.
فحل بكسر الفاء، وسكون الحاء المهملة، وآخره لام.
ذكر فتح بلاد ساحل دمشق

(1/399)


لما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق وسار إلى فحل سار يزيد إلى مدينة صيدا وعرقة وجبيل وبيروت، وهي سواحل دمشق، على مقدمته أخوه معاوية، ففتحها فتحا يسيرا وجلا كثير من أهلها؛ وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد. ثم إن الروم غلبوا على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان، فقصدهم معاوية ففتحها ثم رمها وشحنها بالمقاتلة وأعطاهم القطائع.
ولما ولي عثمان الخلافة وجمع لمعاوية الشام وجه معاوية سفيان بن مجيب الأزدي إلى طرابسل، وهي ثلاث مدن مجتمعة، ثم بنى في مرج على أميال منها حصنا سمي حصن سفيان وقطع المادة عن أهلها من البر والبحر وحاصرهم. فلما اشتد عليهم الحصار اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة وكتبوا إلى ملك الروم يسألونه أن يمدهم أو يبعث إليهم بمراكب يهربون فيها إلى بلاد الروم، فوجه إليهم بمراكب كثيرة ركبوا فيها ليلا وهربوا. فلما أصبح سفيان، وكان يبيت هو والمسلمون في حصنه ثم يغدو على العدو، وجد الحصن خاليا فدخله وكتب بالفتح إلى معاوية، فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الذي فيه المينا اليوم، ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه، ثم نقض أهله أيام عبد الملك ففتحه ابنه الوليد في زمانه.
ذكر فتح بيسان وطبرية
لما قصد أبو عبيدة حمص من قحل أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان فقاتلوا أهلها، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق فقبل ذلك منهم. وكان أبو عبيدة قد بعث بالأعور إلى طربية يحاصرها، فصالحه أهلها على صلح دمشق أيضا وأن يشاطروا المسلمين المنازل، فنزلها القواد وخيولها وكتبوا بالفتح إلى عمر.
قال أبو جعفر: وقد اختلفوا في أي هذه الغزوات كان قبل الأخرى، فقيل ما ذكرنا، وقيل: إن المسلمين لما فرغوا من أجنادين اجتمع المنهزمون بفحل فقصدها المسلمون فظفروا بها.
ثم لحق المنهزمون من فحل بدمشق فقصدها المسلمون فحاصروها وفتحوها، وقدم كتاب عمر بن الخطاب بعزل خالد وولاية أبي عبيدة وهم محاصرون دمشق، فلم يعرفه أبو عبيدة ذلك حتى فرغوا من صلح دمشق وكتب الكتاب باسم خالد وأظهر أبو عبيدة بعد ذلك عزله، وكانت فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وفتح دمشق في رجب سنة أربع عشرة، وقيل: إن وقعة اليرموك كانت سنة خمس عشرة، ولم تكن للروم بعدها وقعة، وإنما اختلفوا لقرب بعض ذلك من بعض.
ذكر خبر المثنى بن حارثة
وأبي عبيد بن مسعود
قد ذكرنا قدوم المثنى بن حارثة الشيباني من العراق على أبي بكر، ووصية أبي بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش مع؛ فلما أصبح عمر من الليلة التي مات فيها أبو بكر كان أول ما عمل أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشبياني إلى أهل فارس، ثم بايع الناس، ثم ندب الناس وهو يبايعهم ثلاثا ولا ينتدب أحد إلى فارس، وكانوا أثقل الوجوه على المسلمين وأكرهها إليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم وقهرهم الأمم، فلما كان اليوم الرابع ندب الناس إلى العراق، فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد المختار، وسعد بن عبيد الأنصاري، وسليط بن قيس، وهو ممن شهد بدرا، وتتابع الناس.

(1/400)


وتكلم المثنى بن حارثة فقال: أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد فتحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقي السواد ونلنا منهم واجترأنا عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعدها. فاجتمع الناس، فقيل لعمر: أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين أو الأنصار. قال: لا والله لا أفعل، إنما رفعهم الله تعالى بسبقهم ومسارعتهم إلى العدو، فإذا فعل فعلهم قوم وتثاقلوا كان الذين ينفرون خفافا وثقالا ويسبقون إلى الرفع أولى بالرئاسة منهم، والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا! ثم دعا أبا عبيد، وسعدا وسليطا، وقال لهما: لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتما بها إلى ما لكما من السابقة، فأمر ابا عبيد على الجيش وقال له: اسمع من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأشركهم في الأمر ولا تجتهد مسرعا حتى تتبين، ولم يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته إلى الحرب، وفي التسرع إلى الحرب ضياع إلا عن بيان، فإنه لا يصلحها إلا المكيث. وأوصاه بجنده. فكان بعث أبي عبيد أول جيش سيره عمر، ثم بعده سير يعلى بن منية إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران بوصية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأن لا يجتمع بجزيرة العرب دينان.
ذكر خبر النمارق
فسار أبو عبيدة الثقفي وسعد بن عبيد وسليط بن قيس الأنصاريان والمثنى بن حارثة الشيباني أحد بني هند من المدينة، وأمر عمر المثنى بالتقدم إلى أن يقدم عليه أصحابه، وأمرهم باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة. ففعلوا ذلك، وسار المثنى فقدم الحيرة، وكانت الفرس تشاغلت عن المسلمين بموت شهربراز حتى اصطلحوا على سابور بن شهريار بن أردشير، فثارت به آزرميدخت فقتلته وقتلت الفرخزاد وملكت بوران، وكانت عدلا بين الناس حتى يصطلحوا، فأرسلت إلى رستم بن الفرخزاد بالخبر وتحثه على السير، وكان على فرج خراسان، فأقبل لا يلقى جيشا لآزرميدخت إلا هزمه حتى دخل المدائن، فاقتتلوا، وهزم سياوخش وحصره وآزرميدخت بالمدائن. ثم افتتحها رستم وقتل سياوخش وفقأ عين آزرميدخت، ونصب بوران على أن تملكه عشر سنين ثم يكون الملك في آل كسرى إن وجدوا من غلمانهم أحدا وإلا ففي نسائهم، ودعت مرازبة فارس وأمرتهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وتوجته، فدانت له فارس قبل قدوم أبي عبيد. وكان منجما حسن المعرفة به وبالحوادث، فقال له بعضهم: ما حملك على هذا الأمر وأنت ترى ما ترى؟ قال: حب الشرف والطمع.
ثم قدم المثنى إلى الحيرة في عشر، وقدم أبو عبيد بعده بشهر. فكتب رستم إلى الدهاقين أن يثوروا بالمسلمين، وبعث في كل رستاق رجلا يثور بأهله، فبعث جابان إلى فرات بادقلي، وبعث نرسي إلى كسكر ووعدهم يوما، وبعث جندا لمصادمة المثنى. وبلغ المثنى الخبر فحذر فضم إليه مسالحه، وعجل جابان ونزل النمارق، وثاروا وتوالوا على الخروج، وخرج أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنى من الحيرة فنزل خفان لئلا يؤتى من خلفه بشيء يكرهه، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيد. فلما قدم لبث أياما يستريح هو وأصحابه، واجتمع إلى جابان بشر كثير، فنزل النمارق، وسار إليه أبو عبيد فجعل المثنى على الخيل، وكان على مجنبتي جابان جشنس ماه ومردانشاه، فاقتتلوا بالنمارق قتالا شديدا، فهزم الله أهل فارس وأسر جابان، أسره مطر بن فضة التيمي، وأسر مردانشاه، وأسره أكتل بن شماخ العكلي فقتله.
وأما جابان فإنه خدع مطرا وقال له: هل لك أن تؤمنني وأعطيك غلامين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا؟ ففعل، فخلى عنه، فأخذه المسلمون وأتوا به أبا عبيد وأخبروه أنه جابان وأشاروا عليه بقتله. فقال: إني أخاف الله أن أقتله وقد آمنه رجل مسلم والمسلمون كالجسد الواحد، ما لزم بعضهم فقد لزم كلهم، وتركوه. وأرسل في طلب المنهزمين حتى أدخلوهم عسكر نرسي وقتلوا منهم.
أكتل بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح التاء المثناة باثنتين من فوقها، وفي آخره لام.
ذكر وقعة السقاطية بكسكر

(1/401)


ولحق المنهزمون نحو كسكر وبها نرسي، وهو ابن خالة الملك، وكان له النرسيان، وهو نوع من التمر يحميه، لا يأكله إلا ملك الفرس أو من أكرموه بشيء منه، ولا يغرسه غيرهم، واجتمع إلى النرسي الفالة، وهو في عسكره، فسار أبو عبيد إليهم من النمارق فنزل على نرسي بكسكر، وكان المثنى في تعبيته التي قاتل فيها بالنمارق، وكان على مجنبتي نرسي بندويه وتيرويه ابنا بسطام خال الملك، ومعه أهل باروسما والزوابي. ولما بلغ الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان بعثا الجالينوس إلى نرسي فلحقه قبل الحرب، فعاجلهم أبو عبيد، فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت فارس وهرب نرسي وغلب المسلمون على عسكره وأرضه وجمعوا الغنائم، فرأى أبو عبيد من الأطعمة شيئا كثيرا فنفله من حوله من العرب، وأخذوا النرسيان فأطعموه الفلاحين وبعثوا بخمسه إلى عمر وكتبوا إليه: (إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة تحميها وأحببنا أن تروها لتشكروا إنعام الله وإفضاله).
وأقام أبو عبيد وبعث المثنى إلى باروسما، وبعث والقا إلى الزوابي، وعاصما إلى نهر جوبر، فهزموا من كان تجمع وأخربوا وسبوا أهل زندورد وغيرها، وبذل لهم فروخ وفراونداد عن أهل باروسما والزوابي وكسكر الجزاء معجلا، فأجابوا إلى ذلك وصاروا صلحا، وجاء فروخ وفراوندد إلى أبي عبيد بأنواع الطعام والأخبصة وغيرها، فقال: هل أكرمتم الجند بمثلها؟ فقالوا: لم يتيسر ونحن فاعلون، وكانوا يتربصون قدوم الجالينوس. فقال أبو عبيد: لا حاجة لنا فيه، بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم استأثر عليهم بشيء، ولا والله لا آكل ما أتيتم به ولا مما أفاء الله إلا مثل ما يأكل أوساطهم. فلما هزم الجالينوس أتوه بالأطعمة أيضا، فقال: ما آكل هذا دون المسلمين. فقالوا له: ليس من أصحابك أحد إلا وقد أتي بمثل هذا؛ فأكل حينئذ.
ذكر وقعة الجالينوس
ولما بعث رستم الجالينوس أمره أن يبدأ بنرسي ثم يقاتل أبا عبيد، فبادره أبو عبيد إلى نرسي فهزمه، وجاء الجالينوس فنزل بباقسياثا من باروسما، فسار إليه أبو عبيد، وهو على تعبيته، فالتقوا بها، فهزمهم المسلمون وهرب الجالينوس وغلب أبو عبيد على تلك البلاد، ثم ارتحل حتى قدم الحيرة، وكان عمر قد قال له: إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، تقدم على قوم تجرأوا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون، واحرز لسانك ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر ما يضبطه متحصن ولا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة.
ذكر وقعة قس الناطف ويقال لها الجسر ويقال المروحة
وقتل أبي عبيد بن مسعود ولما رجع الجالينوس إلى رستم منهزما ومن معه من جنده قال رستم: أي العجم أشد على العرب؟ قال: بهمن جاذويه المعروف بذي الحاجب، وإنما قيل له ذو الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبرا. فوجهه ومعه فيلة ورد الجالينوس معه وقال لبهمن: إن انهزم الجالينوس ثانية فاضرب عنقه. فأقبل بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان راية كسرى، وكانت من جلود النمر، عرض ثمانية أذرع، وطول اثني عشر ذراعا، فنزل بقس الناطف. وأقبل أبو عبيد فنزل بالمروحة، فرأت دومة، امرأته أم المختار ابنه، أن رجلا نزل من الساء بإناء فيه شراب، فشرب أبو عبيد ومعه نفر، فأخبرت بها أبا عبيد فقال: لهذه إن شاء الله الشهادة! وعهد إلى الناس فقال: إن قتلت فعلى الناس فلان، فإن قتل فعليهم فلان، حتى أمر الذين شربوا من الإناء، ثم قال: فإن قتل فعلى الناس المثنى.

(1/402)


وبعث إليه بهمن جاذويه: إما أن تعبر إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبر إليكم. فنهاه الناس عن العبور، ونها سليط أيضا، فلج وترك الرأي وقال: لا يكونوا أجرأ على الموت منا. فعبر إليهم على جسر عقده ابن صلوبا للفريقين، وضاقت الأرض بأهلها واقتتلوا، فلما نظرت الخيول إلى الفيلة والخيل عليها التجافيف رأت شيئا منكرا لم تكن رأت مثله، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم عليهم خيولهم، وإذا حملت الفرس على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت خيولهم وكراديسهم ورموهم بالنشاب. واشتد الأمر بالمسلمين، فترجل أبو عبيد والناس ثم مشوا إليهم ثم صافحوهم بالسيوف، فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة واقطعوا بطانها واقلبوا عنها أهلها، ووثب هو على الفيل الأبيض فقطع بطانه ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه. وأهوى الفيل لأبي عبيد فضربه أبو عبيد بالسيف وخبطه الفيل بيده فوقع فوطئه الفيل وقام عليه. فلما بصر به الناس تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، ثم أخذ اللواء الذي كان أمره بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد، فأخذه المسلمون فأحرزوه، ثم قتل الفيل الأمير الذي بعد أبي عبيد وتتابع سبعة أنفس من ثقيف كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت، ثم أخذ اللواء المثنى فهرب عنه الناس.
فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس بادرهم إلى الجسر فقطعه وقال: يا أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا! وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر، فتواثب بعضهم إلى الفرات فغرق من لم يصبر وأسرعوا فيمن صبر، وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس وقال: إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا نفوسكم فعبروا الجسر.
وقاتل عروة بن زيد الخيل قتالا شديدا وأبو محجن الثقفي، وقاتل أبو زبيد الطائي حمية للعربية، وكان نصرانيا قدم الحيرة لبعض أمره، ونادى المثنى: من عبر نجا. فجاءه العلوج فعقدوا الجس وعبر الناس.
وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس، وعبر المثنى وحمى جانبه، فلما عبر ارفض عنه أهل المدينة وبقي المثنى في قلة، وكان قد جرح وأثبت فيه حلق من درعه.
وأخبر عمر عمن سار في البلاد من الهزيمة استحياء، فاشتد عليه وقال: اللهم إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله أبا عبيد! لو كان انحاز إلي لكنت له فئة.
وهلك من المسلمين أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وهرب الفان وبقي ثلاثة آلاف، وقتل من الفرس ستة آلاف. وأراد بهمن جاذويه العبور خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس وأنهم قد ثاروا برستم ونقضوا الذي بينهم وبينه وصاروا فريقين: الفهلوج على رستم، وأهل فارس على الفيرزان، فرجع إلى المدائن.
وكانت هذه الوقعة في شعبان.
وكان فيمن قتل بالجسر عقبة وعبد الله ابنا قبطي بن قيس، وكانا شهدا أحدا، وقتل معهما أخوهما عباد ولم يشهد معهما أحدا، وقتل أيضا قيس ابن السكن بن قيس أبو زيد الأنصاري، وهو بدري لا عقب له، وقتل يزيد بن قيس بن الحطيم الأنصاري، شهد أحدا، وفيها قتل أبو أمية الفزاري، له صحبة، والحكم بن مسعود أخو أبي عبيد، وابنه جبر بن الحكم ابن مسعود.
ذكر خبر أليس الصغرى
لما عاد ذو الحاجب لم يشعر جابان ومردانشاه بما جاءه من الخبر، فخرجا حتى أخذا بالطريق، وبلغ المثنى فعلهما فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو وخرج في جريدة خيل يريدهما، فظنا أنه هارب فاعترضاه، فأخذهما أسيرين، وخرج أهل أليس على أصحابهما فأتوه بهم أسرى، وعقد لهم بها ذمة وقتلهما وقتل الأسرى. وهرب أبو محجن من أليس ولم يرجع مع المثنى بن حارثة.
ذكر وقعة البويب

(1/403)


لما بلغ عمر خبر وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى، وكان فيمن ندب بجيلة، وأمرهم إلى جرير بن عبد الله لأنه كان قد جمعهم من القبائل وكانوا متفرقين فيها، فسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يجمعهم فوعده ذلك، فلما ولي أبو بكر تقاضاه بما وعده النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم يفعل، فلما ولي عمر طلب منه ذلك دعاه بالبينة فأقامها فكتب إلى عماله: إنه من كان ينسب إلى بجيلة في الجاهلية وثبت عليه في الإسلام فأخرجوه إلى جرير، ففعلوا ذلك، فلما اجتمعوا أمرهم عمر بالعراق، وأبوا إلا الشام، فعزم عمر على العراق وينفلهم ربع الخمس، فأجابوا، وسيرهم إلى المثنى بن حارثة، وبعث عصمة بن عبد الله الضبي فيمن تبعه إلى المثنى، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى، وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب فتوافوا إليه في جمع عظيم. وكان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر نصارى وقالوا: نقاتل مع قومنا.
وبلغ الخبر رستم والفيرزان فبعثا مهران الهمذاني إلى الحيرة، فسمع المثنى ذلك وهو بين القادسية وخفان فاستبطن فرات بادقلى وكتب إلى جرير وعصمة وكل من أتاه ممدا له يعلمهم الخبر ويأمرهم بقصد البويب فهو الموعد، فانتهوا إلى المثنى وهو بالبويب ومهران بإزائه من وراء الفرات، فاجتمع المسلمون بالبويب مما يلي الكوفة اليوم، وأرسل مهران إلى المثنى يقول: إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك. فقال المثنى: اعبروا. فعبر مهران فنزل على شاطىء الفرات، وعبى المثنى أصحابه، وكان في رمضان، فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم، فأفطروا. وكان على مجنبتي المثنى بشير بن الخصاصية وبسر بن أبي رهم، وعلى مجردته المعنى أخوه، وعلى الرجل مسعود أخوه، وعلى الردء مذعور، وكان على مجنبتي مهران بن الازاذبه مرزبان الحيرة ومردانشاه. وأقبل الفرس في ثلاثة صفوف مع كل صف فيل ورجلهم أمام فيلهم ولهم زجل، فقال المثنى للمسلمين: إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت.
ودنوا من المسلمين وطاف المثنى في صفوفه يعهد إليهم وهو على فرسه الشموس، وإنما سمي بذلك للينه، وكان لا يركبه إلا إذا قاتل، فوقف على الرايات يحرضهم ويهزهم، ولكلههم يقول: إني لعامتكم. فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم من نفسه في القول والفعل، وخلط الناس في المحبوب والمكروه فلم يقدر أحد أن يعيب له قولا ولا فعلا وقال: إني مكبر ثلاثا فتهيأوا ثم احملوا في الرابعة. فلما كبر أول تكبيرة أعجلتهم فارس وخالطوهم وركدت خيلهم وحربهم مليا، فرأى المثنى خللا في بني عجل فجعل يمد لحيته لما يرى منهم وأرسل إليهم يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم. فقالوا: نعم؛ واعتدلوا. فضحك فرحا.
فلما طال القتال واشتد قال المثنى لأنس بن هلال النمري: إنك امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا، فإذا حملت على مهران فاحمل معي، فأجابه، فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتل لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم لا المسلمون ولا المشركون، وارتث مسعود أخو المثنى يومئذ وجماعة من أعيان المسلمين، فلما أصيب مسعود تضعضع من معه، فقال: يا معشر بكر ارفعوا رايتكم رفعكم الله ولا يهولنكم مصرعي! وكان المثنى قال لهم: إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف الزموا مصافكم وأغنوا غناء من يليكم.
وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين، وقتل غلام نصراني من تغلب مهران واستوى على فرسه ثم انتمى، أنا الغلام التغلبي، أنا قتلت المرزبان فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله، وكان التغلبي قد جلب خيلا هو وجماعة من تغلب، فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب، قال: وأفنى المثنى قلب المشركين والمجنبات بعضها يقاتل بعضا. فلما رأوا قد أزال القلب وأفنى أهله وثب مجنبات المسلمين على مجنبات المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول لهم: عاداتكم في أمثالهم، انصروا الله ينصركم، حتى هزموا الفرس، وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم، فافترقوا مصعدين ومنحدرين، وأخذتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم وجعلوهم جثا.

(1/404)


فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهرا طويلا، وكانوا يحرزون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار، أحصي مائة رجل قتل كل رجل منهم عشرة. وكان عروة بن زيد الخيل من أصحاب التسعة، وغالب الكناني وعرفجة الأزدي من أصحاب التسعة. وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل. وندم المثنى على أخذه بالجسر وقال: عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر حتى أحرجتهم، فلا تعودوا أيها الناس إلى مثلها فإنها كانت زلة فلا ينبغي إحراج من لا يقوى على امتناع.
ومات أناس من الجرحى، منهم: مسعود أخو المثنى، وخالد بن هلال، فصلى عليهم المثنى وقال: والله إنه ليهون وجدي أن صبروا وهدوا البويب ولم ينكلوا.
وكان قد أصاب المسلمون غنما ودقيقا وبقرا فبعثوا به إلى عيال من قدم من المدينة وهم بالقوادس. وأرسل المثنى الخيل في طلب العجم فبلغوا السيب وغنموا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئا كثيرا، فقسمه فيهم ونفل أهل البلاد وأعطى بجيلة ربع الخمس، وأرسل الذين تبعوا المنهزمين إلى المثنى يعرفونه سلامتهم وأنه لا مانع دون القوم ويستأذنوه في الإقدام، فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهله منهم واستباحوا القرى ثم مخروا السواد فيما بينهم وبين دجلة لا يخافون كيدا ولا يلقون مانعا، ورجعت مسالح العجم إليهم، وسرهم أن يرتكوا ما وراء دجلة.
بسر بن أبر رهم بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة.
ذكر خبر الخنافس وسوق بغداد
ثم خلف المثنى بالحيرة بشير بن الخصاصية، وسار يمخر السواد، وأرسل إلى ميسن ودستميسان وأذكى المسالح ونزل أليس، قرية من قرى الأنبار، وهذه الغزوة تدعى غزوة الأنبار الآخرة وغزوة أليس الآخرة.
وجاء إلى المثنى رجلان أحدهما أنباري فدله على سوق الخنافس، والثاني حيري دله على بغداذ قال المثنى: أيتهما قبل صاحبتها. فقال: بينهما مسيرة أيام. قال: أيهما أعجل؟ قالا: سوق الخنافس يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد وربيعة وقضاعة يخفرونهم. فركب المثنى وأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رومانس بن وبرة، وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها وسلب الخفراء. ثم رجع فأتى الأنبار فتحصن أهلها منه، فلما عرفوه نزلوا إليه وأتوا بالأعلاف والزاد، وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداذ وأظهر لدهقان الأنبار أنه يريد المدائن، وسار منها إلى بغداذ ليلا وعبر إليهم وصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم وأخذ ما شاء. وقال المثنى: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من كل شيء. ثم عاد راجعا حتى نزل بنهر السالحين بالأنبار، فسمع أصحابه يقولون: ما أسرع القوم في طلبنا، فخطبهم وقال: احمدوا الله وسلوه العافية وتناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، انظروا في الأمور وقدروها ثم تكلموا. إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد، ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم. إن للغارات روعات تضعف القلوب يوما إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم وأنتم على العراب حتى نتتهوا إلى عسكركم، ولو أدركوكم لقاتلتهم التماس الأجر ورجاء النصر، فثقوا بالله وأحسنوا به الظن، فقد نصركم في مواطن كثيرة.
ثم سار بهم إلى الأنبار، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد ويشنون الغارات ما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات، وجسوا مثقبا إلى عين التمر وفي أرض الفلاليج، والمثنى بالأنبار.

(1/405)


ولما رجع المثنى من بغداذ إلى الأنبار بعث المضارب العجلي في جمع إلى الكباث وعليه فارس العناب التغلبي، ثم لحقهم المثنى فسار معهم، فوجدوا الكباث قد سار من كان به عنه ومعهم فارس العناب، فسار المسلمون خلفه فلحقوه وقد رحل من الكباث، فقتلوا في أخريات أصحابه وأكثروا القتل. فلما رجعوا إلى الأنبار سرح فرات بن حيان التغلبي وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين ثم اتبعهما المثنى واستخلف على الناس عمرو بن أبي سلمى الهجيمي. فلما دنوا من صفين فر من بها وعبروا الفرات إلى الجزيرة، وفني الزاد الذي مع المثنى وأصحابه، فأكلوا رواحلهم إلا ما لابد منه حتى جلودها، ثم أدركوا عيرا من أهل دبا وحوران فقتلوا من بها وأخذوا ثلاثة نفر من تغلب كانوا خفراء وأخذوا العير، فقال لهم: دلوني. فقال أحدهم: آمنوني على أهلي ومالي وأدلكم على حي من تغلب غدوت من عندهم اليوم. فآمنه المثنى وسار معهم يومه، فهجم العشي على القوم والنعم صادرة عن الماء وأصحابه جلوس بأفنية البيوت، فقتل المقاتلة وسبى الذرية واستاق الأموال، وكان التغلبيون بين ذي الرويحلة، فاشترى من كان مع الثنى من ربيعة السبايا بنصيبه من الفيء وأعتقوهم؛ وكانت ربيعة لا تسابي إذ العرب يتسابون في جاهليتهم.
وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجع شاطىء دجلة، فخرج المثنى وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف ومطر الشيبانيان، وعلى مقدمته حذيفة بن محصن الغلفاني، فساروا في طلبهم فأدركوهم بتكريت، فأصابوا ما شاؤوا من النعم، وعاد إلى الأنبار. ومضى عتيبة وفرات ومن معهما حتى أغاروا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا طائفة منهم في الماء، فجعلوا ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمران الناس ويناديانهم: تغريق بتحريق! يذكرانهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من الغياض. ثم رجعوا إلى المثنى وقد غرقوهم، وقد بلغ الخبر عمر فبعث إلى عتيبة وفرات فاستدعاهما فسألهما عن قولهما، فأخبراه أنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذحل إنما هو مثل فاستحلفهما فحلفا أنهما ما أرادا بذلك إلا المثل واعزاز الإسلام فصدقهما وردهما إلى المثنى.
عتيبة بن النهاس، بالتاء المثناة من فوقها، والياء المثناة من تحتها، والباء الموحدة.
ذكر الخبر عن الذي هيج أمر القادسية وملك يزدجرد
لما رأى أهل فارس ما يفعل المسلمون بالسواد قالوا لرستم والفيرزان، وهما على أهل فارس: لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس وأطمعتما فيهم عدوهم، ولم يبلغ من أمركما أن نقركما على هذا الرأي أن تعرضاها للهلكة؛ ما بعد بغداذ وساباط وتكريت إلا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت بنا شامت ثم نهلك وقد اشتفينا منكما. فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى: اكتبي لنا نساء كسرى وسرارية ونساء آل كسرى وسراريهم، ففعلت، فأحضروهن جميعهن وأخذوهن بالعذاب يستدلونهن على ذكر من أبناء كسرى، فلم يوجد عند واحدة منهن أحد، وقال بعضهن: لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى وأمه من أهل بادوريا. فأرسلوا إليها وطلبوه منها، وكانت قد أنزلته أيام شيري حين جمعهن فقتل الذكور، وأرسلته إلى أخواله، فلما سألوها عنه دلتهم عليه، فجاؤوا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة واجتمعوا عليه، فاطمأنت فارس واستوثقوا وتبارى المرازبة في طاعة ومعونته فسمى الجنود لكل مسلحة وثغر، فسمى جند الحيرة والأبلة والأنبار وغير ذلك.

(1/406)


وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بما ينتظرون من أهل السواد، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد من كان له عهد ومن لم يكن له عهد، فخرج المثنى حتى نزل بذي قار ونزل الناس بالطف في عسكر واحد. ولما وصل كتاب المثنى إلى عمر قال: والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب! فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وذا شرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم. وكتب عمر إلى المثنى ومن معه يأمرهم بالخروج من بين العجم والتفرق في المياه التي تلي العجم على حدود أرضكم وأرضهم وأن لا يدعوا في ربيعة ومضر وحلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا أحضروه إما طوعا أو كرها. ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضى، وهو حيال البصرة، وبسلمان، وبعضهم ينظر إلى بعض ويغيث بعضهم بعضا، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة.
وأرسل عمر في ذي الحجة من السنة مخرجه إلى الحج إلى عماله على العرب أن لا يدعوا من له نجدة أو فرس أو سلاح أو رأي إلا وجهوه إليه، فأما من كان على النصف ما بين المدينة والعراق فجاء إليه بالمدينة لما عاد من الحج، وأما من كان أقرب إلى العراق فانضم إلى المثنى بن حارثة، وجاءت أمداد العرب إلى عمر.
وحج في هذه السنة عمر بن الخطاب بالناس وحج سنيه كلها.
وكان عامل عمر على مكة هذه السنة عتاب بن أسيد فيما قال بعضهم، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى ابن حارثة، وكان على القضاء فيما ذكر علي بن أبي طالب.
وفي هذه السنة مات أبو كبشة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقيل بعد ذلك. وفي خلافة أبي بكر مات سهل بن عمرو أخو سهيل، وهو من مسلمة الفتح. وفي خلافته مات الصعب بن جثامة الليثي. وفي أول خلافته مات ابنه عبد الله بن أبي بكر، وكان قد جرح في حصار الطائف ثم انتقض عليه جرحه فمات. وفي هذه السنة توفي الأرقم بن أبي الأرقم يوم مات أبو بكر، وهو الذي كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مستخفيا بداره بمكة أول ما أرسل.
ثم دخلت سنة أربع عشرة
ذكر ابتداء أمر القادسية
لما اجتمع الناس إلى عمر خرج من المدينة حتى نزل على ماء يدعى صرارا، فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم، وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، فإن لم يقدر هذان على علم شيء مما يريد ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب، فسأله عثمان عن سبب حركته، فأحضر الناس فأعلمهم الخبر واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: سر وسر بنا معك. فدخل معهم في رأيهم وقال: اغدوا واستعدوا فإني سائر إلا أن يجيء رأي هو أمثل من هذا. ثم جمع وجوه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأرسل إلى علي، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه، إلى طلحة، وكان على المقدمة، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن، وكانا على المجنبتين، فحضرا، ثم استشارهم فاجتمعوا على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح وإلا أعاد رجلا وبعث آخر ففي ذلك غيظ العدو.
فجمع عمر الناس وقال لهم: إني كنت عزمت على المسير حتى صرفني ذوو الرأي منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا فأشيروا علي برجل.

(1/407)


وكان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر بانتخاب ذوي الرأي والنجدة والسلاح فجاءه كتاب سعد، وعمر يستشير الناس فيمن يبعثه، يقول: قد انتخبت لك ألف فارس كلهم له نجدة ورأي وصاحب حيطة يحوط حريم قومه، إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم. فلما وصل كتابه قالوا لعمر: قد وجدته. قال: من هو؟ قالوا؟ الأسد عاديا سعد بن مالك، فانتهى إلى قولهم وأحضره وأمره على حرب العراق ووصاه وقال: لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلزمه فالزمه. ووصاه بالصبر وسرحه فيمن اجتمع إليه من نفر المسلمين، وهم أربعة آلاف، فيهم حميضة بن النعمان بن حميضة على بارق، وعمرو بن معدي كرب، وأبو سبرة بن ذؤيب على مذحج، ويزيد بن الحارث الصدائي على صداء، وحبيب ومسلية وبشر بن عبد الله الهلالي في قيس عيلان.
وخرج إليهم عمر فمر بفتية من السكون مع حصين بن نمير ومعاوية ابن حديج دلم سباط فأعرض عنهم، فقيل له: ما لك وهؤلاء؟ فقال: ما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. ثم أمضاهم فكان بعد يذكرهم بالكراهة، فكان منهم سودان بن حمران قتل عثمان، وابن ملجم قتل عليا، ومعاوية حديج جرد السيف في المسلمين يظهر الأخذ بثأر عثمان، وحصين بن نمير كان أشد الناس في قتال علي.
ثم إن عمر أخذ بوصيتهم وبعظتهم ثم سيرهم، وأمد عمر سعدا بعد خروجه بألفي يماني وألفي نجدي، وكان المثنى بن حارثة في ثمانية آلاف، وسار سعد والمثنى ينتظر قدومه، فمات المثنى قبل قدوم سعد من جراحة انتقضت عليه، واستخلف على الناس بشير بن الخصاصية وسعد يومئذ بزرود وقد اجتمع معه ثمانية آلاف، وأمر عمر بني أسد أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة، فنزلوا في ثلاثة آلاف، وسار سعد إلى شراف فنزلها ولحقه بها الأشعث بن قيس في ألف وسبعمائة من أهل اليمن، فكان جميع من شهد القادسية بضعة وثلاثين ألفا، وجميع من قسم عليه فيئها نحو من ثلاثين ألفا.
ولم يكن أحد أجرأ على أهل فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفرس، ولم يدع عمر ذا رأي ولا شرف ولا خطيبا ولا شاعرا ولا وجيها من وجوه الناس إلا سيره إلى سعد. وجمع سعد من كان بالعراق من المسلمين من عسكر المثنى، فاجتمعوا بشراف، فعبأهم وأمر الأمراء وعرف على كل عشرة عريفا، وجعل على الرايات رجالا من أهل السابقة، وولى الحروب رجالا على ساقتها ومقدمتها ورجلها وطلائعها ومجنباتها، ولم يفصل إلا بكتاب عمر، فجعل على المقدمة زهرة بن عبد الله ابن قتادة بن الحوية، فانتهى إلى العذيب، وكان من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعل على الميمنة عبد الله بن المعتم، وكان من الصحابة أيضا، واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط الكندي، وجعل خليفته خالد بن عرفطة حليف بني عبد شمس، وجعل عاصم بن عمرو التميمي على الساقة، وسواد بن مالك التميمي على الطلائع، وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة، وعلى الرجالة حمال بن مالك الأسدي، وعلى الركبان عبد الله ابن ذي السهمين الحنفي، وجعل عمر على القضاء بينهم عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، وعلى قسمة الفيء أيضا، وجعل رائدهم وداعيتهم سلمان الفارسي، والكاتب زياد بن أبيه.

(1/408)


وقدم المعنى بن حارثة الشيباني وسلمى بنت خصفة زوج المثنى بشراف، وكان المعنى بعد موت أخيه قد سار إلى قابوس بن قابوس بن المنذر بالقادسية، وكان قد بعثه إليها الفرس يستنفر العرب، فسار إليه المعنى فقفله فأنامه ومن معه، ورجع إلى ذي قار وسار إلى سعد يعلمه برأي المثنى له وللمسلمين يأمرهم أن يقاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب ولا يقاتلوهم بعقر دارهم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة ثم يكونوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يرد الله الكرة عليهم. فترحم سعد ومن معه على المثنى، وجعل المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا، ثم تزج سعد سلمى زوج المثنى. وكان معه تسعة وتسعون بدريا وثلاثمائة وبضعة عشر ممن كانت له صحبة فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلاثمائة ممن شهد الفتح، وسبعمائة من أبناء الصحابة.
وقدم على سعد وهو بشراف كتاب عمر بمثل رأي المثنى، وكتب عمر أيضا إلى أبي عبيدة ليصرف أهل العراق ومن اختار أن يلحق بهم إلى العراق. وكان للفرس رابطة بقصر ابن مقاتل عليها النعمان بن قبيصة الطائي، وهو ابن عم قبيصة بن إياس صاحب الحيرة، فلما سمع بمجيء سعد سال عنه وعنده عبد الله بن سنان بن خزيم الأسدي، فقيل: رجل من قريش. فقال: والله لأحادنه القتال فإن قريشا عبيد من غلب، والله لا يخرجون من بلادهم إلا بخفين! فغضب عبد الله بن سنان من قوله وأمهله حتى دخل قبته فقتله ولحق بسعد وأسلم.
وسار سعد من شراف فنزل العذيب، ثم سار حتى نزل القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس أسفل منها بميل. وكتب عمر إلى سعد: (إني ألقي في روعي أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموهم، فمتى لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو بإشارة أو بلسان كان لا يدري الأعجمي ما كلمه به كان عندهم أمانا فأجروا له ذلك مجرى الأمان والوفاء، فإن الخطأ بالوفاء بقية، وإن الخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم. واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شيئا على المسلمين وسببا لتوهينهم). فلما نزل زهرة في المقدمة وأمسى بعث سرية في ثلاثين معروفين بالنجدة وأمرهم بالغارة على الحيرة، فلما جازوا السيلحين سمعوا جلبة فمكثوا حتى حاذوهم، وإذا أخت آزادمرد بن آزاذبه مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين، وهو من أشارف العجم، فحمل بكير ابن عبد الله الليثي أمير السرية على شيرزاد بن آزاذبه فدق صلبه وطارت الخيل على وجوهها وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين أمرأ من الدهاقين ومائة من التوابع ومعهم ما لا يدري قيمته، فاستاق ذلك ورجع فصبح سعدا بعذيب الهجانات، فقسم ذلك على المسلمين وترك الحريم بالعذيب ومعها خيل تحوطها، وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثي.
ونزل سعد القادسية وأقام بها شهرا لم يأته من الفرس أحد. فأرسل سعد عاصم ابن عمرو إلى ميسان، فطلب غنما أو بقرا فلم يقدر عليها وتحصن منه من هناك، فأصاب عاصم رجلا بجانب أجمة، فسأله عن البقر والغنم، فقال: ما أعلم. فصاح ثور من الأجمة: كذب عدو الله، ها نحن! فدخل فاستاق البقر فأتى بها العسكر قسمه سعد على الناس فأخصبوا أياما. فبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى جماعة فسألهم، فشدوا أنهم سمعوا ذلك وشاهدوه، فقال: كذبتم. قالوا: ذلك إن كنت شهدتها وغبنا عنها. قال: صدقتم، فما كنا الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آية تبشر وإنه يستدل بها على رضى الله وفتح عدونا. فقال: ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء. قالوا: ما ندري ما أجنب قلوبهم، فأما ما رأينا فما رأينا قط أزهد في دنيا منهم ولا أشد بغضا لها، ليس فيهم جبان ولا عار ولا غدار. وذلك يوم الأباقر.
وبث سعد الغارات والنهب بين كسكر والأنبار، فحووا من الأطعمة ما استكفوا به زمانا؛ وكان بين نزول خالد بن الوليد العراق وبين نزول سعد القادسية والفراغ منها سنتان وشيء، وكان مقام سعد بالقادسية شهرين وشيئا حتى ظفر.

(1/409)


فاستغاث أهل السواد إلى يزدجرد وأعلموه أن العرب قد نزلوا القادسية ولا يبقى على فعلهم شيء وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات ونهبوا الدواب والأطعمة، وإن أبطأ الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك الذي لهم الضياع بالطف وهيجوه على إرسال الجنود. فأرسل يزدجرد إلى رستم، فدخل عليه فقال: (إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه وإنما يعد للأمور على قدرها، فأنت رجل فارس اليوم وقد ترى ما حل بالفرس مما لم يأتهم مثله)، فأظهر له الإجابة ثم قال له: دعني فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضربهم بي، ولعل الدولة أن تثبت بي إذا لم أحضر الحرب فيكون الله قد كفى ونكون قد أصبنا المكيدة، والرأي في الحرب أنفع من بعض الظفر، والأناة خير من العجلة، وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا. فأبى عليه، وأعاد رستم كلامه وقال: قد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها، ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك الله في نفسك وملكك دعني أقم بعسكري وأسرح الجالينوس، فإن تكن لنا فذلك وإلا بعثنا غيره حتى إذا لم نجد بدا صبرنا لهم وقد وهناهم ونحن حامون، فإني لا أزال مرجوا في أهل فارس ما لم أهزم. فأبى إلا أن يسير، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط وأرسل إلى الملك ليعفيه فأبى.
وجاءت الأخبار إلى سعد بذلك، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: (لا يكربنك ما يأتيك عنهم واستعن بالله وتوكل عليه وابعث إليه رجالا من أهل المناظرة والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم).
فأرسل سعد نفرا، منهم: النعمان بن مقرن، وبسر بن أبي رهم، وحملة بن حوية، وحنظلة بن الربيع، وفرات بن حيان، وعدي بن سهيل، وعطارد بن حاجب، والمغيرة بن زرارة بن النباش الأسدي، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معدي كرب، والمغيرة بن شعبة، والمعنى بن حارثة إلى يزدجرد دعاة، فخرجوا من العسكر فقدموا على يزدجرد وطووا رستم واستأذنوا على يزدجرد فحبسوا، وأحضر وزراءه ورستم معهم واستشارهم فيما يصنع ويقول لهم.
واجتمع الناس ينظرون إليهم وتحتهم خيول كلها صهال، وعليهم البرود وبأيديهم السياط، فأذن لهم وأحضر الترجمان وقال له: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فقال النعمان بن مقرن لأصحابه: إن شئتم تكلمت عنكم، ومن شاء آثرته. فقالوا: بل تكلم. فقال: : (إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة غلا وقاربه منها فرقة وتباعد عنه بها فرقة، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، فبدأ بهم، فدخلوا معه على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم).
فتكلم يزدجرد فقال: (إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوننا أمركم لا تغزوكم فارس، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس، فإن كان غرر لحقكم فلا يغرنكم منا، وإن كان لجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.
فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة فقال. أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف ويعظم حقهم الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به قالوه، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، فجاوبني لأكون الذي أبلغك وهم يشهدون على ذلك لي؛ فأما ما ذكرت من سوء الحال فهي على ما وصفت وأشد؛ ثم ذكر من سوء عيش العرب وإرسال الله النبي، صلى الله عليه وسلم، إليهم نحو قول النعمان وقتال من خالفهم أو الجزية، ثم قال له: اختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك.

(1/410)


فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم! لا شيء لكم عندي. ثم استدعى بوقر من تراب فقال: احملوه على أشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن. ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب وقال: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء، فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب وقال لسعد: (أبشر فوالله لقد أعطانا الله أقاليد ملكهم).
واشتد ذلك على جلساء الملك. وقال الملك لرستم، وقد حضر عنده من ساباط: ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جوابا منهم، ولقد صدقني القوم، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه، على أني وجدت أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه. فقال رستم: (أيها الملك إنه أعقلهم، وتطير إلى ذلك وأبصرها دون أصحابه). وخرج رستم من عند الملك غضبان كئيبا وبعث في أثر الوفد وقال لثقته: (إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا، وإن أعجزه سلبكم الله أرضكم). فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم من غير شك؛ وكان منجما كاهنا.
وأغار سواد بن مالك التميمي بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على النجاف والفراض، فاستقا ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور وأوقرها سمكا، وصبح العسكر، فقسمه سعد بين الناس، وهذا يوم الحيتان، وكانت السرايا تسري لطلب اللحوم، فإن الطعام كان كثيرا عندهم، فكانوا يسمون الأيام بها: يوم الأباقر ويوم الحيتان. وبعث سعد سرية أخرى فأغاروا فأصابوا إبلا لبني تغلب والنمر واستاقوها ومن فيها، فنحر سعد الإبل وقسمها في الناس فأخصبوا. وأغار عمرو بن الحارث على النهرين فاستاق مواشي كثيرة وعاد.
وسار رستم من ساباط وجمع آلة الحرب وبعث على مقدمته الجالينوس في أربعين ألفا، وخرج هو في ستين ألفا، وفي ساقته عشرون ألفا، وجعل في ميمنته الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازي وعلى ساقته البيرزان، وقال رستم للملك يشجعه بذلك: (إن فتح الله علينا القوم فتوجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم إلى أن يقبلوا المسالمة).
وكان خروج رستم من المدائن في ستين ألف متبوع، ومسيره عن ساباط في مائة ألف وعشرين ألف متبوع، وقيل غير ذلك.
ولما فصل رستم عن ساباط كتب إلى أخيه البنذوان: أما بعد فرموا حصونكم وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب قد وردوا بلادكم وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا، فإن السمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم قد حسنت، والزهرة قد حسنت، واعتدل الميزان، وذهب بهرام ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا ويستولون على ما يلينا، وإن أشد ما رأيت أن الملك قال: لتسيرن إليهم أو لأسيرن بنفسي.
ولقي جابان رستم على قنطرة ساباط، وكانا منجمين، فشكا إليه وقال له: ألا ترى ما أرى؟ فقال له رستم: (أما أنا فأقاد بخشاش وزمام ولا أجد بدا من الانقياد). ثم سار فنزل بكوثى، فأتي برجل من العرب، فقال له: ما جاء بكم وماذا تطلبون؟ فقال: جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن تسلموا. قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك! قال: من قتل منا دخل الجنة، ومن بقي منا أنجزه الله ما وعده، فنحن على يقين.
فقال رستم: قد وضعنا إذن في أيديكم! فقال: أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك من ترى حولك، فإنك لست تجاول الإنس إنما تجاول القضاء والقدر. فضرب عنقه ثم سار فنزل البرس، فغضب أصحابه الناس أبناءهم وأموالهم ووقعوا على النساء وشربوا الخمور، فضج أهلها إلى رستم وشكوا إليه ما يلقون فقام إليهم فقال: يا معشر فارس والله لقد صدق العربي، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله إن العرب مع هؤلاء وهم لهم حرب أحسن سيرة منكم، إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء والإحسان، فإذا تغيرتم فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن من أن ينزع الله سلطانه منكم. وأتي ببعض من يشكى منه فضرب عنقه.
ثم سار حتى نزل الحيرة ودعا أهلها وتهددهم وهم بهم، فقال له ابن بقيلة: لا تجمع علينا: أن تعجز عن نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا.

(1/411)


ولما نزل رستم بالنجف رأى كأن ملكا نزل من السماء ومعه النبي، صلى الله عليه وسلم، وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فدفعه النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى عمر، فأصبح رستم حزينا.
وأرسل سعد السرايا ورستم بالنجف والجالينوس بين النجف والسيلحين، فطافت في السواد، فبعث سوادا وحميضة في مائة مائة، فأغاروا على النهرين، وبلغ رستم الخبر فأرسل إليهم خيلا، وسمع سعد أن خيله قد وغلت فأرسل عاصم بن عمرو وجابرا الأسدي في آثارهم، فلقيهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلصوا ما بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا ورجع المسلمون بالغنائم. وأرسل سعد عمرو بن معدي كرب وطليحة الأسدي طليعة، فسارا في عشرة، فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملأوها، فرجع عمرو ومن معه، وأبى طليحة إلا التقدم، فقالوا له: أنت رجل في نفسك غدر ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن، فارجع معنا. فأبى، فرجعوا إلى سعد فأخبروه بقرب القوم.
مضى طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه ويتوسم، فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه، ثم هتك على آخر بيته وحل فرسه، ثم فعل بآخر كذلك، ثم خرج يعدو به فرسه، ونذر به الناس فركبوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارس من الجند فقتله طليحة ثم آخر فقتله ثم لحق به ثالث فرأى مصرع صاحبيه، وهما ابنا عمه، فازداد حنقا، فلحق طليحة فكر عليه طليحة وأسره ولحقه الناس، فرأوا فارسي الجند قد قتلا وأسر الثالث وقد شارف طليحة عسكره، فأحجموا عنه، ودخل طليحة على سعد ومعه الفارسي وأخبره الخبر، فسأل الترجمان الفارسي، فطلب الأمان، فآمنه سعد، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي، باشرت الحروب منذ أنا غلام إلى الآن وسمعت بالأبطال ولم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع فرسخين إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فرسان الجند وهتك عليهم البيوت، فلما أدركناه قتل الأول وهو يعد بألف فارس، ثم الثاني وهو نظيره فقتله، ثم أدركته أنا ولا أظن أنني خلفت من بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين فرأيت الموت واستؤسرت. ثم أخبره عن الفرس واسلم ولزم طليحة، وكان من أهل البلاء بالقادسية، وسماه سعد مسلما.
ثم سار رستم وقدم الجالينوس وذا الحاجب، فنزل الجالينوس بحيال زهرة من دون القنطرة، ونزل ذو الحاجب بطيزناباذ، ونزل رستم بالخرارة، ثم سار رستم فنزل بالقادسية؛ وكان بين مسيره من المدائن ووصوله القادسية أربعة أشهر لا يقدم رجاء أن يضجروا بمكانهم فينصرفوا، وخاف أن يلقي ما لقي من قبله، وطاولهم لولا ما جعل الملك يستعجله وينهضه ويقدمه، حتى أقحمه.
وكان عمر قد كتب إلى سعد يأمره بالصبر والمطاولة أيضا، فأعد للمطاولة. فلما وصل رستم القادسية وقف على العتيق بحيال عسكر سعد ونزل الناس، فما زالوا يتلاحقون حتى أعتموا من كثرتهم والمسلمون ممسكون عنهم. وكان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا، منها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة تألفه، فجعل في القلب ثمانية عشر فيلا، وفي المجنبتين خمسة عشر فيلا. فلما أصبح رستم من تلك الليلة ركب وساير العتيق نحو خفان حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل المسلمين ووقف على موضع يشرف منه عليهم ووقف على القنطرة، وأرسل إلى زهرة فوافقه، فأراده على أن يصالحه ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه من غير أن يصرح له بذلك بل يقول له: (كنتم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونحفظكم، ويخبره عن صنيعهم مع العرب).
فقال له زهرة: (ليس أمرنا أمر أولئك، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا فدعانا إلى ربه فأجبناه، فقال لرسوله: إني سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم به منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز).

(1/412)


فقال له رستم: ما هو؟ قال: (أما عموده الذي لا يصلح إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله). قال: وأي شيء أيضا؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، والناس بنو آدم وحواء إخوة لأب وأم. قال: ما أحسن هذا! ثم قال رستم: أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي كيف يكون أمركم، أترجعون؟ قال: إي والله. قال: صدقتني، أما إن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم. فقال زهرة: (نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون بل نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصى الله فينا).
فانصرف عنه ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فأنفوا فقال: أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أخرعنا وأجبتا. فأرسل إلى سعد: أن ابعث إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا. فدعا سعد جماعة ليرسلهم إليهم. فقال له ربيع بن عامر: إن الأعاجم لهم أراء وأداب ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم فلا تزدهم على رجل فمالئوه جميعا على ذلك.
فأرسله وحده، فسار إليهم، فحبسوه على القنطرة. وأعلم رستم بمجيئه فأظهر زينته وجلس على سرير من ذهب وبسط البسط والنمارق والوسائد المنسوجة بالذهب، وأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقة ورمحه مشدود بعصب وقد، فلما انتهى إلى البسط قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها ونزل وربطها بوسادتين شقهما وأدخل الحبل فيهما، فلم ينهوه وأروه التهاون وعرف ما أرادوا، وعليه درع، وأخذ عباءة بعيره فتدرعها وشدها على وسطه. فقالوا: ضع سلاحك. فقال: لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد وإلا رجعت. فأخبروا رستم، فقال: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه ويقارب خطوه، فلم يدع لهم نمرقا ولابساطا إلا أفسده وهتكه. فلما دنا من رستم جلس على الأرض وركز رمحه على البسط، فقيل له: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم. فقال له ترجمان رستم، واسمه عبود من أهل الحيرة: ما جاء بكم؟ قال: الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. فقال رستم: قد سمعنا قولكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ قال: نعم، وإن مما سن لنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن لا نمكن الأعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: إما الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدأك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، أنا كفيل بذلك عن أصحابي. قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا ولكن المسلمين كالجسد الوحد بعضهم من بعض يجيز أدناهم على أعلاهم.
فخلا رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم كلاما قط أعز وأوضح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس وتصون الأحساب، ليسوا مثلكم.
فلما كان من الغد أرسل رستم إلى سعد: أن ابعث إلينا ذلك الرجل. فبعث إليهم حذيفة بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي ولم ينزل عن فرسه ووقف على رستم راكبا. قال له: انزل. قال: لا أفعل. فقال له: ما جاء بك ولم يجىء الأول؟ قال له: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، وهذه نوبتي. فقال: ما جاء بكم؟ فأجابه مثل الأول. فقال رستم: أو الموادعة إلى يوم ما؟ قال: نعم، ثلاثا من أمس. فرده وأقبل على أصحابه وقال: ويحكم أما ترون ما أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا وحقر ما نعظم وأقام فرسه على زبرجنا، وجاء هذا اليوم فوقف علينا وهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا.

(1/413)


فلما كان الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلا. فبعث المغيرة بن شعبة، فأقبل إليهم وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب وبسطهم على غلوة لا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشى عليها، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره، فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه، وقال: قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، فإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد، وإني لم آتكم ولكم دعوتموني اليوم، علمت أنكم مغلبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول. فقالت السفلة: صدق والله العربي. وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة! ثم تكلم رستم فحمد قومه وعظم أمرهم وقال: لم نزل متمكنين في البلاد ظاهرين على الأعداء أشرافا في الأمم، فليس لأحد مثل عزنا وسلطاننا، ننصر عليهم ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين والشهر للذنوب، فإذا انتقم الله منا ورضي علينا رد لنا الكرة على عدونا، ولم يكن في الأمم أمة أصغر عندنا أمرا منكم، كنتم أهل قشف ومعيشة لا نراكم شيئا، وكنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا الجهد في بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا، فإني لست أشتهي أن أقتلكم.
فتكلم المغيرة فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئا فإنما هو يصنعه، وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد فنحن نعرفه، فالله صنعه بكم ووضعه فيكم وهو له دونكم، وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق والاختلاف فنحن نعرفه ولسنا ننكره، والله ابتلانا به والدنيا دول، ولم يزل أهل الشدائد يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل الرخاء يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم، ولو شكرتم ما آتاتتكم الله لكان شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما باتلينا به أهل كفر لكان عظيم ما بتلينا به مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا؛ إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا. ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر الإسلام والجزية والقتال، وقال له: وإن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم، فقالوا: لا صبر لنا عنه.
فقال رستم: إذا تموتون دونها. فقال المغيرة: يدخل منقتل منا الجنة ومن قتل منكم النار، ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم.
فاستشاط رستم غضبا ثم حلف بالشمس أن لا يرتفع الصبح غدا حتى نقتلكم أجمعين. وانصرف المغيرة وخلص رستم بأهل فارس وقال: أين هؤلاء منكم! هؤلاء والله الرجال، صادقين كانوا أم كاذبين، والله لئن كان بلغ من عقلهم وصونهم لسرهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ لما ارادوا منهم، ولئن كانوا صادقين فيما يقوم لهؤلاء شيء! فلجوا وتجلدوا. وقال: والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم، وإن هذا منكم رثاء. فازدادوا لجاجة.
فأرسل رستم رسولا خلف المغيرة وقال له: إذا قطع القنطرة فأعلمه أن عينه تفقأ غدا، فأعلمه الرسول ذلك، فقال المغيرة: بشرتني بخير وأجر، ولولا أن أجاهد بعد هذا اليوم أشباهكم من المشركين لتمنيت أن الأخرى ذهبت. فرجع إلى رستم فأخبره. فقال: أطيعوني يا أهل فارس، إني لأرى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها عن أنفسكم.
ثم أرسل إليه سعد بقية ذوي الرأي فساروا وكانوا ثلاثة إلى رستم، فقالوا له: إن أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك وداركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم كان زيادة لكم دوننا وكنا عونا لكم على أحد إن أرادكم أو قوي عليكم، فاتق الله ولا يكونن هلاك قومك على يدك، وليس بينك وبين أن تغبط بهذا الأمر إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك.

(1/414)


فقال لهم: إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام وسأضرب لكم مثلكم تبصروا: إنكم كنتم أهل جهد وقشف لا تنتصفون ولا تمتنعون فلم نسىء جواركم وكنا نميركم ونحسن إليكم، فلما طعمتم طعامنا وشربتم شرابنا وصفتم لقومكم ذلك ودعوتموهم ثم أتيتمونا، وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال: وما ثعلب! فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعوا إليه سد صاحب الكرم النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن؛ فقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والجهد، فارجعوا عنا عامكم هذا ونحن نميركم، فإني لا أشتهي أن أقتلكم، ومثلكم أيضا كالذباب يرى العسل فيقول: من يوصلني إليه وله درهمان؟ فإذا دخله غرق ونشب، فيقول: من يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقال أيضا: إن رجلا وضع سلة وجعل طعاما فيها فأتى الجرذان فخرقن السلة فدخلن فيها، فأراد سدها فقيل له: لا تفعل إذن يخرقنه، لكن انقب بحياله ثم اجعل فيها قصبة مجوفة فإذا دخلها الجرذان وخرجن منها فاقتل كل ما خرج منها؛ وقد سددت عليكم فإياكم أن تقتحموا القصبة فلا يخرج منها أحد إلا قتل، فما دعاكم إلى ما صنعتم ولا أرى عددا ولا عدة! قال: فتكلم القوم وذكروا سوء حالهم وما من الله به عليهم من إرسال رسوله واختلافهم أولا ثم اجتماعهم على الإسلام، وما أمرهم به من الجهاد، وقالوا: وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك ولكن سنضرب مثلكم إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب فأطال إمهالهم فلم يستحيوا، فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس وإن أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء فيسومونهم الخسف أبدا؛ والله لو لم يكن ما نقول حقا ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا على الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم ورأينا من زبرجكم ولقارعناكم حتى نغلبكم عليه! فقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا إلينا.
ورجعوا من عنده عشيا، وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم، شأنكم والعبور، فأرادوا القنطرة فقال: لا ولا كرامة! أما شيء غلبناكم عليه فلن نرده عليكم. فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقا، واستتم بعدما ارتفع النهار.
ورأى رستم من الليل كأن ملكا نزل من السماء فأخذ قسي أصحابه فختم عليها ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموما واستدعى خاصته فقصها عليهم وقال: إن الله ليعظنا لو اتعظنا. ولما ركب رستم ليعبر كان عليه درعان ومغفر، وأخذ سلاحه ووثب فإذا هو على فرسه لم يضع رجله في الركاب، وقال: غدا ندقهم دقا! فقال له رجل: إن شاء الله. فقال: وإن لم يشأ! ثم قال: إما ضغا الثعلب حين مات الأسد - يعني كسرى - وإني أخشى أن تكون هذه سنة القرود! فإنما قال هذه الأشياء توهينا للمسلمين عند الفرس، وإلا فالمشهور عنه الخوف من المسلمين، وقد أظهر ذلك إلى من يثق به.
ذكر يوم أرماث
لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا عليها صناديق ورجال وفي المجنبتين ثمانية وسبعة، وأقام لجالينوس بينه وبين ميمنته، والفيرزان بينه وبين ميسرته وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم رجالا على كل دعوة رجلا، أولهم على باب إيوانه وآخرهم مع رستم، فكلما فعل رستم شيئا قال الذي معه للذي يليه: كان كذا وكذا، ثم يقول الثاني ذلك للذي يليه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت. وأخذ المسلمون مصافهم. وكان بسعد دماميل وعرق النسا فلا يستطيع الجلوس، وإنما هو مكب على وجهه في صدره وسادة على سطح القصر يشرف على الناس والصف في أصل حائطه، لو أعراه الصف فواق ناقة لأخذ برمته، فما كرثه هول تلك الأيام شجاعة، وذكر ذلك الناس، وعابه بعضهم بذلك فقال:
نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم

(1/415)


فبلغت أبياته سعدا فقال: اللهم إن كان هذا كاذبا وقال الذي قاله رياء وسمعة فاقطع عني لسانه! إنه لواقف في الصف يومئذ أتاه سهم غرب فأصاب لسانه فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله تعالى. فقال جرير بن عبد الله نحو ذلك أيضا، وكذلك غيره، ونزل سعد إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح في فخذيه وأليتيه، فعذره الناس وعلموا حاله، ولما عجز عن الركوب استخلف خالد عرفطة على الناس، فاختلف عليه فأخذ نفرا ممن شغب عليه فحبسهم في القصر، منهم: أبو محجن الثقفي، وقيدهم، وقيل: بل كان حبس أبي محجن بسبب الخمر، وأعلم الناس أنه قد استخلف خالدا وإنما يأمرهم خالد، فسمعوا وأطاعوا، وخطب الناس يومئذ، وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس، وكذلك فعل أمير كل قوم، وأرسل سعد نفرا من ذوي الرأي والنجدة، منهم: المغيرة وحذيفة وعاصم وطليحة وقيس الأسدي وغالب وعمرو ابن معدي كرب وأمثالهم، ومن الشعراء: الشماخ والحطيئة وأوس بن مغراء وعبدة بن الطبيب وغيرهم، وأمرهم بتحريض الناس على القتال، ففعلوا.
وكان صف المشركين على شفير العتيق، وكان صف المسلمين مع حائط قديس والخندق، فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق، ومع الفرس ثلاثون ألف مسلسل وثلاثون فيلا تقاتل، وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال، وخرج إليهم من الفرس أمثالهم، فاعتوروا الطعن والضرب، وقال غالب بن عبد الله الأسدي:
قد علمت واردة المشائح ... ذات اللبان والبيان الواضح
أني سمام البطل المسالح ... وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز، وكام من ملوك الباب والأبواب، وكان متوجا، فأسره غالب، فجاء به سعدا ورجع وخرج عاصم وهو يقول:
قد علمت بيضاء صفراء اللبب ... مثل اللجين إذ تغشاه الذهب
أني امرؤ لا من يعيبه السبب ... مثلي على مثلك يغريه العتب
فطارد فارسيا فانهزم، فاتبعه عاصم حتى خالط صفهم، فحموه، فأخذ عاصم رجلا على بغل وعاد به، وإذا هو خباز الملك معه من طعام الملك وخبيص، فأتى به سعدا فنفه أهل موقفه. وخرج فارسي فطلب البراز، فبرز إليه عمرو بن معدي كرب، فأخذه وجلد به الأرض، فذبحه وأخذ سواريه ومنطقته. وحملت الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب، فنفرت الخيل، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلا، فنفرت خيل بجيلة، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها، وأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة وعمن معها من الناس. فخرج طليحة بن خويلد وحمال بن مالك قفي كتائبهما فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها. وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة، وقام الأشعث بن قيس في كندة حين استصرخهم سعد فقال: يا معشر كندة لله در بني أسد أي فري يفرون واي هذ يهذون عن موقفهم، أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنتظرون من يكفيكم، أشهد ما أحسنتم أسوة قومكم من العرب. فنهد ونهدوا معه، فأزالوا الذين بأزائهم. فلما رأى الفرس ما يلقى الناس والفيلة من أسد رموهم بحدهم وحملوا عليهم وفيهم ذو الحاجب والجالينوس، والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم، وكبر سعد الرابعة وزحف إليهم المسلمون ورحا الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة فكانت الخيول تحيد عنها.

(1/416)


فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو التميمي: يا معشر بني تميم، أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟ قالوا: بلى والله! ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة فقال: يا معشر الرماة، ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل. وقال: يا معشر أهل الثقافة، استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها، وخرج يحميهم ورحا الحرب تدور على أسد وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذناب توابيتها فقطعوا وضنها وارتفع عواؤهم فما بقي لهم فيل إلا أوى وقتل أصحابها ونفس عن أسد وردوا فارسا عنهم إلى مواقفهم واقتتلوا حتى غربت الشمس ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء، وأصيب من أسد تلك العشية خمسمائة، وكانوا ردءا للناس، وكان عاصم حامية للناس، وهذا اليوم الأول، وهو يوم أرماث؛ فقال عمرو بن شأس الأسدي:
جلبنا الخيل من أكناف نيق ... إلى كسرى فوافقها رعالا
تركن لهم على الأقسام شجوا ... وبالحقوبين أياما طوالا
قتلنا رستما وبنيه قسرا ... تثير الخيل فوقهم الهيالا
الأبيات. وكان سعد قد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة الشيباني بعده بشراف، فلما جال الناس يوم أرماث، وكان سعد لا يطيق الجلوس، جعل سعد يتململ جزعا فوق القصر، فلما رأت سلمى ما يصنع الفرس قالت: وامثنياه! ولا مثنى للخيل اليوم! قالت ذلك عند رجل ضجر مما يرى في أصحابه ونفسه، فلطم وجهها وقال: أين المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحا! يعني أسدا وعاصما. فقالت: أغيرة وجبنا؟ فقال: والله لا يعذرني اليوم أحد إن لم تعذريني وأنت ترين ما بي! فتعلقها الناس لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه، وكان غير جبان ولا ملوم.
ذكر يوم أغواث
ولما أصبح القوم وكل سعد بالقتلى والجرحى من ينقلهم إلى العذيب، فسلم الجرحى إلى النساء ليقمن عليهم، وأما القتلى فدفنوا هنالك على مشرق، وهو واد بين العذيب وعين الشمس. فلما نقل سعد القتلى والجرحى طلعت نواصي الخيل من الشام، وكان فتح دمشق قبل القادسية بشهر، فلما قدم كتاب عمر على أبي عبيدة بن الجراح بإرسال أهل العراق سيرهم وعليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو التميمي، فتعجل القعقاع فقدم على الناس صبيحة هذا اليوم، وهو يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارا، وهم ألف، كلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا عشرة، فقدم أصحابه في عشرة، فأتى الناس فسلم عليهم وبشرهم بالجنود وحرضهم على القتال وقال: اصنعوا كما أصنع، وطلب البراز فقالوا فيه بقول أبي بكر: (لا يهزم جيش فيهم مثل هذا). فخرج إليه ذو الحاجب، فعرفه القعقاع فنادى: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر! وتضاربا، فقتله القعقاع وجعلت خيله ترد إلى الليل وتنشط الناس، وكأن لم يكن بالأمس مصيبة، وفرحوا بقتل ذي الحاجب، وانكسرت الأعاجم بذلك.
وطلب القعقاع البراز فخرج إليه الفيرزان والبنذوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أحد بيني تيم اللات فتبارزوا، فقتل القعقاع الفيرزان وقتل الحارث البنذوان، ونادى القعقاع: يا معشر المسلمين، باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس بها! فاقتتلوا حتى المساء، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئا مما يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل، كانت وابيتها تكسرت بالأمس، فاستأنفوا عملها فلم يفرغوا منها حتى كان الغد.
وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون، وحمل بنو عم للقعقاع عشرة عشرة على إبل قد ألبسوها وهي مجللة مبرقعة، وأطاف بهم خيولهم تحميهم، وأمرهم القعقاع أن يحملوها على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة، ففعلوا بهم هذا اليوم، وهو يوم أغواث، كما فعلت فارس يوم أرماث، فجعلت خيل الفرس تفر منها وركبتها خيول المسلمين. فلما رأى الناس ذلك استنوا بهم، فلقي الفرس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث.

(1/417)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية