صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : العواصم من القواصم
المؤلف : القاضي أبو بكر العربي
الطبعة : الأولى
الناشر : وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
تاريخ النشر : 1419هـ
عدد الصفحات : 288
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

من مطبوعات وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
العواصم من القواصم
في تحقيق مواقف الصحابة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
تأليف
القاضي أبي بكر بن العربي
(468 - 543هـ)
أشرفت وكالة شئون المطبوعات والنشر بالوزارة على إصداره
عام 1419هـ
ح وزارة الشئون الإسلامية، 1418هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
ابن العربي، محمد عبد الله
العواصم من القواصم - الرياض
296 ص ؛ 13.5 × 19.5سم
ردمك 0- 148 - 29 - 9960
1 - التاريخ الإسلامي
2 - الصحابة والتابعون
3 - الخلفاء الراشدون
العنوان
ديوي 953،02
0414 / 18
رقم الإيداع : 0414 / 18
ردمك : 0-148 - 29 - 9960
رسالة التقدير
وقع هذا الكتاب من أولياء الله وأنصار دينه وأحباب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار موقع التقدير والرضا، كما وقع من مبغضي الصحابة وشانئيهم موقع السخط والغيظ .
ومن رسائل التقدير والتشجيع التي تلقيناها رسالة كريمة يراها القارئ في الصفحة التالية، وهي صادرة عن ركن من أركان بيت العلم والهدى في الأرض المباركة، أدام الله النفع به .
المملكة العربية السعودية
رئاسة هيئات الأمر بالمعروف بالحجاز
مكة المكرمة

(1/1)


في 23 / 6 / 1374
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب الفضيلة الأخ الكريم الشيخ محب الدين الخطيب سلمه الله ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد :
فقد وصل إلى أيدينا كتاب [العواصم من القواصم] للإمام أبي بكر بن العربي ، بتصحيح وتعليق فضيلتكم . وقد اطلعنا على هذا الكتاب العظيم فوجدناه من خير الكتب وأعظمها نفعا، إذ انبرى مؤلفه رحمه الله يدافع عن حملة الإسلام ومن قامت على كواهلهم دولته، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوفى على الغاية في تبيين محاسن أولئك الأبرار رضي الله عنهم وأرضاهم، وإنه لسهم صائب أصاب من باطل أعدائهم -أخزاهم الله- مقتلا . فرحم الله المؤلف وأجزل له الثواب، وجزاكم الله أحسن الجزاء على تعليقاتكم القيمة التي دلت على سعة علمكم، وصدق نصحكم للإسلام والمسلمين .
ونحن يسرنا بهذه المناسبة أن نقدم لكم عظيم شكرنا وتقديرنا لعملكم المجيد هذا بإخراجكم هذا الكتاب صيحة تنصر الحق وتخذل الباطل . والباري يحفظكم .
أخوكم في الله
رئيس هيئات الأمر بالمعروف بالحجاز
عبد الملك بن إبراهيم

(1/2)


تصدير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنعم على الإنسانية برسالة الإسلام، وصلى الله وسلم على الإنسان الأعلى، والمعلم الأكمل، محمد بن عبد الله صفوته من خلقه . وأعلى مقام الذين قاموا بتحقيق رسالته، ممن تشرفوا بصحبته، وأحسنوا الخلافة على أمته، ومن واصلوا عملهم بعدهم، ملتزمين سنتهم، ومتحرين أهدافهم، إلى يوم الدين .
وبعد فإن هذا العالم الإسلامي الذي نعتز بالانتساب إليه، ونعيش لإسعاده والسعادة به، قد افتتح أكثره في الدولة الإسلامية الأولى بعد الخلفاء الراشدين، ودخل معظم شعوبه في هداية الإسلام على أيدي الخلفاء الأمويين وولاتهم وقواد جيوشهم، إتماما لما بدأ به صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتاه الأولان - أبو بكر وعمر - سلام الله عليهما، ورضي عنهما وأرضاهما وأحسن جزاءهما عنا وعن الإسلام نفسه وجميع أهله .

(1/3)


وإن حادثة انتشار الإسلام، ودخول الأمم فيه، أصبحت في ذمة التاريخ . والأجيال التي أتت بعد ذلك إلى يومنا هذا منهم من يفتخر بذلك، ويمتلئ قلبه سرورا به، ويدعو بالخير لمن كانوا سبب هذا الخير العظيم . ومنهم من ابتأس به، وامتلأ فؤاده حقدا على الذين عملوا فيه، وجعل من دأبه أن يصمهم بكل نقيصة . وقد نعذر الذين لم يذوقوا حلاوة الإسلام وحالت البيئة بينهم وبين الأنس بعظمته، وشريف أغراضه، وسيرة الذين قاموا به، إذا نظروا إلى تاريخ الإسلام نظرة خاطئة، واتخذوا له في أذهانهم صورة غير صورته التي كانت له في الواقع . ولكني أعترف- ولا فائدة من الإنكار- بأن في المنسوبين إلى الإسلام من يبغض حتى الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقلب جميع حسناته سيئات . وإن أحد الذين شاهدوا بأعينهم عدل عمر ، وزهده في متع الدنيا، وإنصافه لجميع الناس، لم يستطع أن يمنع الحقد الذي في فؤاده على الإسلام من أن يدفعه إلى طعنه بالسكين دون أن يسيء إليه . وفي قوم طاعن عمر بالسكين من يؤلفون المؤلفات إلى يومنا هذا في تشويه حسنات هذا المثل الأعلى للعدل والإنسانية والخير . وفي عصر عثمان من ضاقت صدورهم بطيبة ذلك الخليفة الذي خلق

(1/4)


قلبه من رحمة الله، فاخترعوا له ذنوبا وما زالوا يكررونها على قلوبهم حتى صدقوها، وتفننوا في إذاعتها، ثم استحلوا سفك دمه الحرام، في الشهر الحرام، بجوار قبر أبي زوجتيه محمد عليه الصلاة والسلام . وما برحت الإنسانية تشاهد المعجزات من رجالات الإسلام في نشره وإدخال الأمم فيه وتوسيع النطاق في الآفاق لكلمة " الله أكبر . . . حي على الفلاح " حتى نودي بها على جبال السند، وفي ربوع الهند وعلى سواحل المحيط غربا، وفي أودية أوربا وجبالها، بما لم يملك أن يصفه حتى أعداء الإسلام إلا بأنه معجزة . كل هذا في زمن هذه الدولة الأموية، التي لو صدر عن المجوس وعبدة الأوثان عشر ما صدر عنها من الخير، وجزء من مائة جزء مما أثر عن رجالها من إنصاف ومروءة وكرم وشجاعة وإيثار وفصاحة ونبل، لرفعوا لأولئك المجوس والوثنيين ألوية الثناء والتقدير، لكنه في الخافقين، والتاريخ الصادق لا يريد من أحد أن يرفع لأحد لواء الثناء والتقدير، لكنه يريد من كل من يتحدث عن رجاله أن يذكر لهم حسناته على قدرها، وأن يتقي الله في ذكر سيئاتهم فلا يبالغ فيها، ولا ينخدع بما افتراه المغرضون من أكاذيبها .

(1/5)


ونحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من ادعى العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كاذب . فالإنسان إنسان يصدر عنه ما يصدر عن الإنسان، فيكون منه الحق والخير، ويكون منه الباطل والشر . وقد يكون الحق والخير في إنسان بنطاق واسع فيعد من أهل الحق والخير ولا يمنع هذا من أن تكون له هفوات . وقد يكون الباطل والشر في إنسان آخر بنطاق واسع، فيعد من أهل الباطل والشر، ولا يمنع هذا من أن تبدر منه بوادر صالحات في بعض الأوقات .
يجب على من يتحدث عن أهل الحق والخير إذا علم لهم هفوات، ألا ينسى ما غلب عليهم من الحق والخير فلا يكفر ذلك كله من أجل تلك الهفوات . ويجب على من يتحدث عن أهل الباطل والشر إذا علم لهم بوادر صالحات، ألا يوهم الناس أنهم من الصالحين من أجل تلك الشوارد الشاذة من أعمالهم الصالحات . إن أحداث المائة الأولى من عصور الإسلام كانت من معجزات التاريخ والعمل الذي عمله أهل المائة الأولى من ماضينا السعيد لم تعمل مثله أمة الرومان ولا أمة اليونان قبلها . ولا أمة من أمم الأرض بعدها .

(1/6)


وأما أبو بكر وعمر وسائر الخلفاء الأربعة الراشدين، وإخوانهم من العشرة المبشرين بالجنة، وطبقتهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خصوصا الذين لازموه وراقبوه وتمتعوا بجميل صحبته - من أنفق منهم من قبل الفتح وقاتل، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا - فإنهم جميعا كانوا شموسا طلعت في سماء الإنسانية مرة، ولا تطمع الإنسانية بأن تطلع في سمائها شموس من طرازهم مرة أخرى إلا إذا عزم المسلمون على أن يرجعوا إلى فطرة الإسلام، ويتأدبوا بأدبه من جديد، فيخلق الله منهم خلقا آخر يعيش للحق والخير، ويجاهد الباطل والشر، حتى تعرف الإنسانية طريقها الحقيقي إلى السعادة . وهذه الشموس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفاوت أقدارها، وتتباين في أنواع فضائلها، إلا أنها كلها كانت من الفضائل في مرتقى درجاتها، وإذ بدأ المشتغلون بتاريخ الإسلام من أفاضل المسلمين في تمييز الأصيل عن الدخيل من سيرة هؤلاء الأفاضل العظماء، فإنهم ستأخذهم الدهشة لما اخترعه إخوان أبي لؤلؤة ، وتلاميذ عبد الله بن سبأ ، والمجوس الذين عجزوا عن مقاومة الإسلام وجها لوجه في قتال شريف . فادعوا الإسلام كذبا، ودخلوا قلعته مع جنوده خلسة، وقاتلوهم بسلاح

(1/7)


(التقية) بعد أن حولوا مدلولها إلى النفاق، فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وألصقوا بسيرة رجاله ما لم يكن فيها ولا من سجية أهلها . وبهذا تحولت أعظم رسالات الله وأكملها إلى طريقة من الخمول والعطالة والجمود كان من حقها أن تقتل الإسلام والمسلمين قتلا، لولا قوة الحيوية الخارقة التي في الإسلام، وهي التي ترجى إذا رجعنا إليها، وجردناها من الطوارئ عليها، وخلصنا سيرة رجالها مما شيبت به، وسرنا في طريقهم مخلصين، أن نعود مسلمين من ذلك الطراز الأول كما كان في الواقع، لا كما أراد مبغضو الصحابة والتابعين لهم بإحسان أن يعرضوه على الناس .

(1/8)


ونحن بتقديمنا هذه الحقائق من قلم الإمام ابن العربي ، أو من النصوص الأصيلة التي علقنا عليها، إنما أردنا عكس ما يريد المتعرضون لهذه البحوث من ترديد خلافات عفا عليها الزمن . والصحابة كانوا أسمى أخلاقا وأصدق إخلاصا لله وترفعا عن خسائس الدنيا من أن يختلفوا للدنيا، لكن كان في عصرهم من الأيدي الخبيثة التي عملت على إيجاد الخلاف وتوسيعه مثل الأيدي الخبيثة التي جاءت فيما بعد فصورت الوقائع بغير صورتها . ولما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قدوتنا في ديننا وهم حملة الكتاب الإلهي والسنة المحمدية إلى الذين حملوا عنهم أماناتها حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرة حفظتها الأولين كل ما ألصق بهم من إفك ظلما وعدوانا، لتكون صورتهم التي تعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فتحسن القدوة بهم وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم . وقد اعتبر في التشريع الإسلامي أن الطعن فيهم طعن في الدين الذي هم رواته، وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها، وتشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة .

(1/9)


وأول نتائجه حرمان شباب الجيل، وكل جيل بعده، من القدوة الصالحة التي من الله بها على المسلمين ليتأسوا بها، ويواصلوا حمل أمانات الإسلام على آثارها، ولا يكون ذلك إلا إذا ألموا بحسناتهم، وعرفوا كريم سجاياهم، وأدركوا أن الذين شوهوا تلك الحسنات وصوروا تلك السجايا بغير صورتها، إنما أرادوا أن يسيئوا إلى الإسلام نفسه بالإساءة إلى أهله الأولين . وقد آن لنا أن ننتبه من هذه الغفلة فنعرف لسلفنا أقدارهم، لنسير في حاضرنا على هدى ونور من سيرتهم الصحيحة وسريرتهم النقية الطاهرة .

(1/10)


وهذا الكتاب الذي ألفه عالم من كبار أئمة المسلمين بيانا لما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال، وإدحاضا لما ألصق بهم وبأعوانهم من التابعين لهم بإحسان، يصلح على صغره لأن يكون صيحة من صيحات الحق توقظ الشباب المسلم إلى هذه الدسيسة التي دسها عليهم أعداء الصحابة ومبغضوهم ليتخذوها نموذجا لأمثالها من الدسائس فيتفرغ الموفقون إلى الخير منهم لدراسة حقيقة التاريخ الإسلامي واكتشاف الصفات النبيلة في رجاله فيعلموا أن الله عز وجل قد كافأهم عليها بالمعجزات التي تمت على أيديهم وأيدي أعوانهم في إحداث أعظم انقلاب عرفه تاريخ الإنسانية . ولو كان الصحابة والتابعون بالصورة التي صورهم بها أعداؤهم ومبغضوهم لكان من غير المعقول أن تتم على أيديهم تلك الفتوح، وأن تستجيب لدعوتهم الأمم بالدخول في دين الله أفواجا .

(1/11)


والقاضي أبو بكر بن العربي مؤلف (العواصم من القواصم ) إمام من أئمة المسلمين، ويعتبره فقهاء مذهب الإمام مالك أحد أئمتهم المقتدى بأحكامهم، وهو من شيوخ القاضي عياض مؤلف كتاب ( الشفا في التعريف بحقوق المصطفى )، ومن شيوخ ابن رشد العالم الفقيه والد أبي الوليد الفيلسوف، ومن تلاميذه عشرات من هذه الطبقة كما سترى من ترجمته الآتية بعد . وكتابه ( العواصم من القواصم ) من خيرة كتبه، ألفه سنة 536 وهو في دور النضوج الكامل، بعد أن امتلأت الأمصار بمؤلفاته وبتلاميذه الذين صاروا في عصرهم أئمة يهتدى بهم . وهذا الكتاب في جزأين متوسطي الحجم، ومبحث (الصحابة) الذي نقدمه لقرائنا هو أحد مباحث جزئه الثاني ( من ص98 إلى ص193 من طبعة المطبعة الجزائرية الإسلامية في مدينة قسنطينة بالجزائر سنة 1347 ) وكان قد وقف على تلك الطبعة شيخ علماء الجزائر الأستاذ عبد الحميد بن باديس رحمه الله . ومما يؤسف له أن الأصل الذي اعتمد عليه في تلك الطبعة كان مكتوبا بقلم ناسخ غير متمكن، فوقعت فيه تحريفات لفظية وإملائية حرصنا على ردها إلى أصلها، بل إن النسخة المخطوطة التي طبعت عليها طبعة الجزائر يظهر أن المجلد وضع بعض ورقاتها في غير

(1/12)


مواضعها، فأرجعناها إلى ما دل عليه السياق في القول، والترتيب في المسائل . وفيما عدا ذلك التزمنا الأمانة في عرض الكتاب إلى أقصى غاية . وعلقت على كل بحث منه بما يزيده وضوحا، مقتبسا ذلك من أوثق المراجع وأمهات الكتب الإسلامية المعتمدة، مبينا في كل نص مأخذه بكل أمانة ووضوح .
وأرجو الله أن يجزل ثواب الإمام ابن العربي على دفاعه هذا عن أصحاب رسول الله الذين حملوا معه صلى الله عليه وسلم أعظم رسالات الله، وكانوا أصدق أعوانه على تبليغها في حياته، وبعد أن اختاره الله إليه . بل كانوا سبب كياننا الإسلامي، ولهم ثواب انتمائنا إلى هذه الملة الحنيفية السمحة التي لا عيب لها غير تقصيرنا في التخلق بآدابها في أنفسنا، وتعميم سننها في بيوتنا ومجتمعنا وأسواقنا ومحاكمنا ودور حكمنا . وعسى أن يكون في قراء هذا الكتاب من يعاهد الله على أن يكون خيرا منا عملا، وأصح منا علما، وعلى الله قصد السبيل .
جزيرة الروضة (تجاه الفسطاط ) : 3 رمضان 1371
محب الدين الخطيب
( 1303 - 1389 )

(1/13)


القاضي أبو بكر بن العربي
مؤلف (العواصم من القواصم)
( 468 - 543 )
نشأته الأولى :
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري .
ولد في إشبيلية - لما كانت كبرى عواصم الأندلس - في يوم الخميس 22 من شهر شعبان سنة 468 في بيت من أعظم بيوتها بعد بيت مليكها المعتمد بن عباد . وكان أبوه عبد الله بن محمد بن العربي من وجوه علماء الدولة وكبار أعيانها، كما كان خاله أبو القاسم الحسن بن أبي حفص الهوزني في مكانة رفيعة من المجتمع الأندلسي . غير أن هذين البيتين كانا على طرفي نقيض في مشربهما السياسي : فوالد ابن العربي من أولياء الدولة، المتمتعين بالمكانة والوجاهة عند ولي أمرها، وخاله من أهل التوثب والطموح، وله مشاركة التآمر على المعتمد لقتله والده أبا حفص الهوزني ، فكان خال ابن العربي على اتصال بيوسف بن تاشفين صاحب المغرب يواصل تحريضه على ابن عباد " حتى أزال ملكه، ونثر سلكه، وسبب هلكه " كما يقول الشهاب المقري في (نفح الطيب) (1) .
_________
(1) ج 2، ص 13 طبعة سنة 1302 . وقد قبض ابن تاشفين على المعتمد وسجنه بمدينة (أغمات) فبقي فيها سجينا إلى أن مات في شوال سنة 488 . وكان هذا الانقلاب نكبة على بلاد دولته، ولا سيما أهل عاصمته، وأشد ما كان ذلك على حاشيته وذوي مودته.

(1/14)


في هذه البيئة الكريمة العزيزة بالعلم نشأ ابن العربي ، ومنها أطل على الدنيا في السنوات الأولى من حياته . وعن هذين الرجلين -أبيه وخاله- تلقى ثقافته الأولى وأساليب تربيته، يساعدهما على ذلك أستاذه الخاص أبو عبد الله السرقسطي . وقد أعانت هؤلاء الثلاثة على مهمتهم في تكوين صفات المروءة فيه مواهب ممتازة من الذكاء وسعة المدارك ودماثة الخلق تحلى منها هذا الناشئ الممتاز بكل ما يهيئ له نضوج رجولته المبكرة، حتى قال هو عن نفسه ( حذقت القرآن وأنا ابن تسع سنين، ثم ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب، فبلغت ستة عشر سنة وقد قرأت من الأحرف -أي من القراءات- نحو من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه . وتمرنت في الغريب والشعر واللغة ) .
رحلته عن إشبيلية :

(1/15)


ولما بلغ السابعة عشر قضى الله بسقوط دولة آل عباد في سنة 485، فخرج به أبوه من إشبيلية يوم الأحد مستهل ربيع الأول قاصدا شمال إفريقية فكان أول نزولهم في ثغر أنشئ من سنين قريبة على ساحل بلاد الجزائر، وهو ثغر (بجاية) الذي اكتشف مكانه محمد بن البعبع من رجال تميم بن المعز بن باديس ، واتفق على إنشائه وتمصيره في سنة 457 مع الناصر بن علناس ابن عم تميم المنافس له، وجعلا هذا المرفأ ملتقى الطرق على البحر الأبيض بين الأندلس والمغرب والجزائر وتونس، فنزل ابن العربي مع والده وأسرته في ثغر بجاية ولبثوا فيه مدة تتلمذ فيها ابن العربي على كبير علماء هذا البلد أبي عبد الله الكلاعي ، ثم ركبوا البحر مشرقين إلى ثغر (المهدية) ، وفيها أخذ فتانا عن عالمها أبي الحسن بن علي بن محمد بن ثابت الحداد الخولاني المقرئ، قال ابن العربي ( فكنت أحضر عليه كتابه المسمى بالإشارة وشرحها وغيرهما من تآليفه، وكان في ذلك بالمهدية في شهور سنة 485) وفي المهدية أيضا أخذ عن الإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري التميمي (453 - 536) .

(1/16)


تعرض سفينته للغرق :
ولما أبحروا من المهدية قاصدين السواحل المصرية تجددت لهم النكبة بهياج البحر عليهم، فوقعوا من ذلك في حادث استحسنت أن يقف القارئ على وصفه من قلم ابن العربي نفسه عندما ألف تفسيره (قانون التأويل) (1) قال : " وقد سبق في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله (2) ، ويغرقنا في هوله . فخرجنا من البحر، خروج الميت من القبر . وانتهينا بعد خطب طويل- إلى بيوت بني كعب بن سليم- ونحن من السغب، على عطب . ومن العري، في أقبح زي .
_________
(1) نقل ذلك عن (قانون التأويل) العلامة ابن غازي في كتاب (التكميل)، والرهوني في حاشيته على رسالة خليل، والشيخ مخلوف في طبقات المالكية (1 : 137)، والمقري في (نفح الطيب) 1 : 337 ، و(أزهار الرياض) 3 : 89 وغيرهم.
(2) الزول : العجب.

(1/17)


وقد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها (1) ، ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها . فاحتزمناها أزرا ، واشتملناها لفعا (2) تمجنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار . فعطف أميرهم علينا، فأوينا إليه فآوانا، وأطعمنا الله على يديه وسقانا وأكرم مثوانا، وكسانا بأمر (3) حقير ضعيف، وفن من العلم ظريف . وشرحه أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاة (4) ، فعل السامد اللاه . فدنوت منه في تلك الأطمار، وسمح لي بياذقته (5) إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار . ووقفت بإزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس بطالة، مع غلبة الصبوة والجهالة . فقلت للبياذقة : الأمير أعلم من صاحبه . فلمحوني شزرا، وعظمت في عيونهم بعد أن كنت نزرا . وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام . فاستدناني، فدنوت منه . وسألني : هل لي بما هم فيه بصر ؟ فقلت : "لي فيه بعض نظر، سيبدو لك ويظهر . حرك تلك القطعة" ففعل، وعارضه صاحبه، فأمرته أن يحرك أخرى، وما زالت الحركات بينهم تترى، حتى هزمهم الأمير، وانقطع التدبير . فقالوا : ما أنت بصغير . وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشدا :
_________
(1) جلدها.
(2) جمع لفاع : ما يتلفع به، أي يلتحف به.
(3) أي بسبب أمر.
(4) أي يلعب بالشطرنج.
(5) أتباعه وحراسه.

(1/18)


وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر، فهو الدهر يرجو ويتقي

فقال : لعن الله أبا الطيب، أويشك الرب ؟ ! فقلت له في الحال : ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير، إنما أراد بالرب هنا الصاحب . يقول : ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال، وبلوغ الغرض من الآمال، على ريب . فهو في وقته كله على رجاء لما يؤمله، وتقاة لما يقطع به، كما قال :
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب

(1/19)


وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض، في طرفي الإبرام والانتقاض، ما حرك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض . وأقبلوا يتعجبون مني، ويسألونني كم سني ؟ ويكشفونني عني . فبقرت لهم حديثي، وذكرت لهم نجيثي (1) . وأعلمت الأمير بأن أبي معي، فاستدعاه، وقمنا الثلاثة إلى مثواه (2) . فخلع علينا خلعه، وأسبل علينا أدمعه . وجاء كل خوان، بأفنان الألوان . فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل أقرب (3) مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذانا من العطب . وهذا الذي يرشدكم- إن غفلتم- إلى الطلب . وسرنا، حتى انتهينا إلى ديار مصر . وسترى عند كلامنا على مؤلفات ابن العربي أن منها كتابا كبيرا سماه "ترتيب الرحلة، للترغيب في الملة" ومما يؤسف له أن هذا الكتاب يعتبر الآن مفقودا، ولكن الذي اطلعنا عليه من نماذجه المنقولة عنه في تراجمه وغيرها من كتب العلماء يدل على أنه من الذخائر النفيسة التي تصف الكثير من أحوال المجتمع الإسلامي وعمران أوطانه في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وتنوه بدخائل أعلامه من العلماء والحكام بقدر ما اطلع عليه هذا العالم الرحالة الدقيق النظر الذكي الفطرة الحريص على الإلمام بجميع أبواب المعرفة، ولو وقع لنا كتاب
_________
(1) نجيثي : أي سري الذي كنت أخفيه.
(2) منزله الخاص.
(3) يقول ابن العربي هذا من باب التواضع، وإلا فإن علمه كان أكبر من سنه.

(1/20)


رحلته، لانتفعنا منه كثيرا في تدوين ترجمته، ولا سيما في السنوات التسع (485 - 493) التي قضاها في خارج الأندلس، بين حادثة سقوط دولة آل عباد والوقت الذي شاء الله له أن يعود فيه إلى وطنه .

(1/21)


مروره بالديار المصرية :
ومما لا شك فيه أن ابن العربي ووالده لم يطيلا اللبث في كرم مضيفهم أمير قبيلة بني كعب بن سليم، فتوجها قاصدين ديار مصر التي كان طريقهم عليها أيضا عند انتهاء الرحلة . وكان الحكم في مصر عند وصولهما إليها آخر سنة 485 للمستنصر أبي تميم معد حفيد الحاكم، وكان علماء أهل السنة قليلي الظهور، حتى إن ابن العربي كان يذهب إلى القرافة الصغرى- قريبا من قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعي - ليلقى فيها شيخه مسند مصر القاضي أبا الحسن علي بن الحسن بن الحسين بن محمد الخلعي الموصلي الأصل المصري المولد الشافعي (405 - 492) ولهذا العالم ترجمة في حرف العين من (وفيات الأعيان) وفي (طبقات الشافعية) لابن السبكي (3 : 296 ) وفي (شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي (3 : 398 ) . وممن لقيهم في مصر وأخذ عنهم أبو الحسن بن شرف، ومهدي الوراق، وأبو الحسن بن داود الفارسي .

(1/22)


وصوله إلى بيت المقدس :
وواصل ابن العربي رحلته مع أبيه إلى بيت المقدس، وكان فيها الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي الفهري (451-520) من كبار علماء المالكية الأندلسيين، وهو كابن العربي خرج من الأندلس إلى المشرق فذهب إلى العراق وجاء منها إلى دمشق وبيت المقدس، فلقيه فيها ابن العربي واستفاد منه كثيرا قبل مجيء الطرطوشي إلى الإسكندرية . ويقول ابن العربي فيما نقله عنه صاحب نفح الطيب (1 : 341) : تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري الطرطوشي حديث أبي ثعلبة (1) المرفوع : « إن من ورائكم أياما للعامل فيها أجر خمسين منكم » . فقالوا : " منهم " . فقال : " بل منكم (أي من الصحابة) لأنكم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون عليه أعوانا " .
_________
(1) هو أبو ثعلبة الخشني، والحديث في باب الأمر والنهي من كتاب الملاحم في سنن أبي داود (ك 36 ب 17) وفي كتاب الفتن من سنن ابن ماجه (ك 36 ب 21) وفي كتاب التفسير من جامع الترمذي (ك 44 ب 18 ) .

(1/23)


وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، واقتحموا الأمصار، وحموا البيضة، ومهدوا الملة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : « لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » ، فتراجعنا القول، وتحصل ما أوضحناه في شرح الصحيح (1) وخلاصته : أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها- من فروع الدين-يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلصها من شوائب البدع والرياء بعدهم . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإسلام، وهو أيضا انتهاؤه . . . حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف، وباع نفسه في الدعاء إليه، كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكنا منه معانا عليه بكثرة الدعاء إلى الله . . إلخ .
وفي بيت المقدس أيضا لقي ابن الكازروني وقال عنه : إنه كان يأوي إلى المسجد الأقصى، ثم تمتعنا به ثلاث سنوات، ولقد كان يقرأ في مهد عيسى فيسمع من الطور (2) فلا يقدر أحد أن يصنع شيئا دون قراءته إلا الإصغاء إليه .
_________
(1) أي في (كتاب النيرين، في الصحيحين) لابن العربي .
(2) نبهني صديقي الأستاذ الشيخ محمد صبري عابدين إلى أن مهد عيسى في داخل ساحة المسجد الأقصى بالقرب من السور المطل على مقبرة باب الرحمة، ويشرف عليه طور زيتا المعروف بالطور، وهو جبل يقع شرقي المسجد الأقصى وفيه قرية تعرف باسم الطور (انظر الأنس الجليل 1 : 150 و226 و241 و262) .

(1/24)


ونقل صاحب نفح الطيب (1-340) قوله : " شاهدت المائدة بطور زيتا مرارا وأكلت عليها ليلا ونهار وذكرت الله سبحانه فيها سرا وجهارا " (1) . . . . وكانت صخرة صلداء لا تؤثر فيها المعاول، وكان الناس يقولون : مسخت صخرة والذي عندي أنها صخرة في الأصل وقطعت من الأرض محلا للمائدة النازلة من السماء وكل ما حولها حجارة مثلها . وكان ما حولها محفوفا بقصور نحتت في ذلك الحجر الصلد، بيوت أبوابها ومجالسها منها مقطوعة فيها (2) . وقد كنت أخلو فيها كثيرا للدرس . . . . إلخ
_________
(1) كتب إلي فضيلة الأستاذ الشيخ محمد صبري عابدين يقول : وإلى هذا الزمان يوجد مكان في طور زيتا ملحق بمسجد الأسعدية بقرب الطور يقال له (مكان صعود المسيح عليه السلام) وهو بلاطة سوداء بركانية، وربما كانت هي المائدة المشار إليها في كلام القاضي ابن العربي . وقد رأيتها حين زيارتي لمسجد الأسعدية ، وفي المسجد كهف فيه قبور بعض العلماء والصالحين .
(2) قال الأستاذ الشيخ محمد صبري عابدين يصف الكهف الذي ذكره في التعليقة السابقة : أنه منقوش نقشا بديعا، وربما كان هذا الكهف بما احتوى عليه من فجوات ونقوش هو المكان الذي رآه ابن العربي بجانب مائدة عيسى، ولا أستبعد أن الكهف وما فيه من فجوات كان محلا لاعتكاف بعض الزاهدين، وربما كان هنالك أيضا بعض البيوت المنحوتة طمست بإقامة أبنية جديدة في مكانها .

(1/25)


مروره بدمشق :
وتقدم ابن العربي في رحلته إلى الديار الشامية، فأقام في دمشق وأخذ عن علمائها، ومنهم شيخ الشافعية الحافظ المتبتل أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (409-490) له ترجمة في حرف النون من تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر، وفي طبقات الشافعية (4-27) ، وشذرات الذهب (3-395-396) .
وعن الحافظ أبي محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني الأنصاري الدمشقي (444-524) المترجم بحرف الهاء من تاريخ دمشق، وشذرات الذهب (4-73) وعن أبي الفضل أحمد بن علي بن الفرات المتوفى سنة 494 وهو من علماء الشيعة . ولقي في الديار الشامية من علمائها أبا سعيد الرهاوي وأبا القاسم بن أبي الحسن القدسي، وأبا سعيد الزنجاني .

(1/26)


ومن عجائب ما ذكره عن عمران دمشق في زمنه وتقدمها في أسباب الرفاهة والصيانة والنعيم ما نقله عنه صاحب نفح الطيب (1-338) وهو أنه دعي لتناول الطعام في بيوت بعض الأكابر، فرأى نهرا جاريا إلى موضع جلوسهم ثم يعود إلى ناحية أخرى . قال " فلم أفهم معنى ذلك، حتى جاءت موائد الطعام في النهر المقبل إلينا ، فأخذها الخدم ووضعوها بين أيدينا . فلما فرغنا ألقى الخدم الأواني وما معها في النهر الراجع، فذهب بها الماء إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدم من تلك الناحية . فعلمت السر، وإن هذا لعجيب " .
وصوله إلى بغداد واشتغاله بطلب العلم :

(1/27)


ورحل مع أبيه من دمشق قاصدا دار الخلافة العباسية بغداد، وكان الخليفة في السنتين الأوليين من هذه الرحلة المقتدي بالله، وكان دينا خيرا قوي النفس عالي الهمة من نجباء بني العباس ، وظهرت في أيامه خيرات كثيرة وآثار حسنة . ومن محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطئ، وأمر بالمحافظة على حرم الناس وصيانتها، وكانت قواعد الخلافة باهرة وافرة الحرمة . ثم بويع بعده للمستظهر بالله أحمد وكان مهذبا مثقفا ضليعا في الأدب بليغ التوقيعات (1) ، إلا أن زمنه كثر فيه الاضطراب . وفي ذلك الجو أخذ ابن العربي في توسيع ثقافته وتلقي العلوم عن أهلها، حتى برع في علوم السنة وتراجم الرواة وأصول الدين وأصول الفقه وعلوم العربية والآداب . وممن تتلمذ لهم : أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي المعروف بابن الطيوري (411 - 500) المحدث الصحيح الأصول الواسع العلم . وأبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أيوب البزاز (410 - 492) . وأبو المعالي ثابت بن بندار البقال المقرئ (المتوفى 498) . والقاضي أبو البركات طلحة بن أحمد بن طلحة العاقولي الحنبلي (432 - 512) وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الشافعي (429 - 507) وكان يسمى
_________
(1) التوقيعات : ما يكتبه الحكام على العرائض من الأوامر الرسمية.

(1/28)


" الجنيد " لورعه ودينه، وإليه انتهت رياسة الشافعية في بغداد فأنشد في أحد دروسه :

خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء تفردي بالسؤدد

ثم وضع المنديل على عينيه وجعل يبكي .
وتحدث ابن العربي عن إمام الشافعية هذا فذكر من محاسنه أنه سمعه ينتصر لمذهب أبي حنيفة في مجلس النظر ويقول : "يقال في اللغة لا تقرب كذا (بفتح الراء) أي لا تتلبس بالفعل . وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن من الموضع" . قلت وهذا من دلائل صحة العلم وسعة الأفق، فإن العالم لا ينضج حتى يترفع عن العصبية المذهبية ويجنح إلى الحق والخير حيثما كانا، ومن كان الحق غرضه تحراه واحتج له وكان معه في كل حال . أما التعصب للطائفية والمذهب وبنيات الطريق، وتمحل الحجج الواهية لذلك، فمن دلائل صغر النفس وزغل العلم والأنس بالباطل .

(1/29)


ومن الذين أخذ عنهم ابن العربي في بغداد الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون بن مرجا الميورقي العبدري المتوفى سنة 524 وكان من فقهاء مذهب داود الظاهري، قال القاضي ابن العربي : وهو أنبل من لقيته . وأخذ عن أبي الحسين أحمد بن عبد القادر اليوسفي (411-492) ، وعن شيخ بغداد في الأدب أبي ذكريا يحيى بن علي التبريزي (421-502) ، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن حسين السراج الحنبلي (416-500) مؤلف كتاب مصارع العشاق . وعن أبي بكر محمد بن طرخان التركي الشافعي (446-513) تلميذ إمام الشافعية أبي إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه والمهذب. وأخذ عن مسند العراق نقيب النقباء أبي الفوارس طراد بن محمد بن علي العباس الزينبي (1) (398-491) وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة .
_________
(1) نسبة إلى جدته الكبرى زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس .

(1/30)


وكان يتردد على مجالس العلم العامة التي تعقد في دار وزير الخليفة عميد الدولة أبي منصور محمد بن فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير المتوفى سنة 493 وسماه (الوزير العادل ) . قال ابن العربي : كنت بمجلس الوزير، فقرأ القارئ : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } وكنت في الصف الثاني من الحلقة بظهر أبي الوفاء بن عقيل إمام الحنابلة بمدينة السلام (431-513) وكان (مع إمامته في مذهب الإمام أحمد ) معتزلي الأصول (1) ، فلما سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري : هذه الآية دليل على رؤية الله في الآخرة، فإن العرب لا تقول ( لقيت فلانا) إلا إذا رأته . فصرف أبو الوفاء وجهه مسرعا إلينا وقال ينتصر لمذهب الاعتزال في أن الله لا يرى في الآخرة " فقد قال الله تعالى : { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } وعندك أن المنافقين لا يرون الله تعالى في الآخرة " قال ابن العربي : وقد شرحنا وجه الآية في (كتاب المشكلين) .

_________
(1) تأثر بالاعتزال من شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الوليد الكرخي، وأبي القاسم بن التبان . ولكن شيوخه من أئمة الحنابلة استتابوه بعد ذلك وصرفوه عن كثير مما تأثر به . وأبو الوفاء بن عقيل من كبار أئمة الإسلام . ومن مؤلفاته كتاب الفنون زاد على أربعمائة مجلد .

(1/31)


ويقول ابن سعيد أحد مترجمي ابن العربي أن ابن العربي أخذ عن ابن الأنماطي في الإسكندرية . والمعرفون بابن الأنماطي من العلماء كثيرون في مصر والعراق من أيام المزني تلميذ الشافعي في القرن الثالث إلى أواخر القرن السابع، لكني لم أهتد إلى واحد منهم في الإسكندرية زمن ابن العربي . والعالم المعاصر له من بني الأنماطي هو مفيد بغداد أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي الحنبلي (462-538) من كبار شيوخ الحافظ أبي الفرج بن الجوزي فلعله هو الذي أخذ عنه ابن العربي في بغداد والتبس الأمر على مترجميه المغاربة فظنوه من بني الأنماطي المصريين (1) .
_________
(1) الأنماطي : بائع الأنماط ، وهي المفروشات المنزلية، وما يسمى الآن (الموبيليات) .

(1/32)


وفي بغداد لقي ابن العربي محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي (المتوفى سنة524) الذي ادعى بعد ذلك المهدوية والنسب العلوي وقام بالتوطئة لعبد المؤمن بن علي (490-558) وكان المؤسس الأول لدولة الموحدين . ويقول مترجمو ابن العربي : إنه صحب ابن تومرت بالمشرق، فأوصى عليه عبد المؤمن، (1) ولابد أن تكون هذه الوصاة بعد عودتهما إلى المغرب بزمن طويل، ولا شك عندنا أنه لم ينتفع بها، ولم يكن لها أثر في مجرى حياته . ولعل ذلك من نعم الله عليه، وفي آخر حياة ابن العربي أوذي بجيئته من الأندلس إلى مراكش دار سلطنة عبد المؤمن كما سترى في آخر هذا الفصل .
_________
(1) نفح الطيب 1 : 335 .

(1/33)


اتصاله بأبي حامد الغزالي :
وقد لقي ابن العربي حجة الإسلام أبا حامد محمد الغزالي (450-505) في بغداد . وفي صحاري الشام بعد ذلك، والذي يظهر لي أنه عند وصول ابن العربي إلى بغداد في بداية رحلته -وكان الغزالي يدرس في النظامية وفي مجالسه العامة -اكتفى ابن العربي بالسماع منه في غمار الناس : ثم حج الغزالي ورحل في سنة 488 إلى دمشق متزهدا وألف فيها كتابه الإحياء (1) ، وعاد إلى بغداد فنزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية، وحينئذ اتصل به ابن العربي ولازمه . وبعد أن حج ابن العربي -كما سنذكره في الفقرة التالية - وعاد من العراق إلى الشام في طريقه إلى وطنه لقي الغزالي في صحاري الشام وهو في طور آخر . وعندنا النصوص التالية عن ابن العربي فيما يتعلق بالغزالي :
_________
(1) نقل ابن العماد في شذرات الذهب (4 : 11) قول الأسنوي في طبقات الشافعية وهو يترجم الغزالي « وأقبل على العبادة والسياحة فخرج إلى الحجاز سنة 488 فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة دمشق، وصنف فيها كتبا يقال إن (الأحياء) منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه طوس » ونبهني الأستاذ الشيخ محمد صبري عابدين إلى أن في ترجمة الغزالي بكتاب الأنس الجليل (1 : 265) ما نصه : « وأخذ في التصانيف المشهورة ببيت المقدس، فيقال إنه صنف في القدس (إحياء علوم الدين) وأقام بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة قبل ذلك بالناصرية شرقي بيت المقدس، فسميت بالغزالية نسبة إليه » . وقد أصاب الجمال الأسنوي في تحديد سنة مجيء الغزالي إلى دمشق، ويوافقه في ذلك ابن العماد في الشذرات (3 : 383)، غير أن الأسنوي وهم في تقديره إقامة الغزالي بعشر سنين، والغالب أنه قام سنتين ثم حج وعاد إلى بغداد في المدة التي لازمه فيها ابن العربي في رباط أبي سعد . ثم بدا له أن يكسر مغزله ويعود إلى دمشق وبيت المقدس سائحا فيما بينهما وبين الإسكندرية إن صح تردده إليها، وبعد هذا الطور انقلب إلى طوس ودعي منها إلى نظامية نيسابور فلم يستقم له الحال فيها فرجع إلى طوس ومات فيها سنة 505 .

(1/34)


النص الأول : نقله المقري في نفح الطيب (2-338) وفي أزهار الرياض (3-91) عن (قانون التأويل) لابن العربي قال ( ورد علينا دانشمند-يعني الغزالي - فنزل برباط ابن سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا، مقبلا على الله تعالى . فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له : أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة . . . . . إلخ) .
والنص الثاني : في نفح الطيب (1-343) عن ابن العربي أنه قال (وكان يقرأ معنا برباط أبي سعد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب خنثى له لحية وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته حاله ) .

(1/35)


والنص الثالث : في شذرات الذهب (4-13) قال : وذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه زاد السالكين : أن القاضي أبا بكر بن العربي قال : رأيت الغزالي في البرية وبيده عكازة وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته في بغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، فدنوت منه فسلمت عليه وقلت له : يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيرا من هذا ؟ فنظر إلي شزرا وقال : لما طلع بدر السعادة، في فلك الإرادة (أو قال : في سماء الإرادة) وجنحت شمس الوصول . في مغارب الأصول :
تركت هوى ليلى وسعدى بمنزلي ... وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق : مهلا فهذه ... منازل من تهوى، رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا دقيقا، فلم أجد ...
ومن شيوخ ابن العربي في بغداد دانشمند آخر كانوا يسمونه (دانشمند الأكبر) وهو إسماعيل الطوسي، ويقولون للغزالي (دانشمند الأصغر) نقله المقري في أزهار الرياض (3-91) عن أبي عبد الله محمد بن غازي من المغرب . ومعنى دانشمند بالفارسية (العارف) .
ذهابه إلى الحج، وعودته إلى بغداد :

(1/36)


وذهب ابن العربي مع أبيه من بغداد إلى الحرمين الشريفين في موسم سنة 489 فحج بيت الله الحرام، وأخذ في مكة عن محدثها ومفتيها أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي (418-498) . ومما تحدث به ابن العربي عن مكة قوله (كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة 489، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته) .
وعاد ابن العربي إلى بغداد مع أبيه، فلبث فيها قريبا من سنتين قضاهما في صحبة الغزالي وهو في طوره الأوسط، بين حالة الظهور الأولى وحالة العزلة والسياحة في النهاية .

(1/37)


العودة بطريق دمشق وفلسطين والإسكندرية :

(1/38)


وفي سنة 492 كان والد ابن العربي قد أثرت فيه الشيخوخة، فخرجا من بغداد متوجهين إلى الشام وفلسطين، فجدد ابن العربي العهد - في دمشق وبيت المقدس وكثير من المدن الشامية - مع من كان عرفهم وأخذ عنهم من شيوخ هذه البلاد، وتعرف بآخرين غيرهم . ثم جاء إلى الإسكندرية، وكانت فيها منية أبيه في أوائل سنة 493 فدفن في الثغر الإسكندري . وكان الإمام أبو بكر الطرطوشي في تلك المدة قد نزل الإسكندرية واستوطنها وكثر فيها تلاميذه ومريدوه من أهل السنة حتى بلغوا المئات لما وجدوا فيه من العزم على إحياء طريق أهل السنة بعد أن اعتراها الوهن وأصيبت بالإهمال تحت حكم العبيديين، فأقلق نشاط الطرطوشي ولاة الأمور العبيديين في القاهرة، وكانت رئاستهم قد آلت من سنة 487 إلى المستعلي أحمد بن المستنصر أبي تميم معد، وأخذ نجمهم بالأفول في الشام باستيلاء الأتراك على بعض البلاد، والإفرنج على البعض الآخر . ولم يكن للمستعلي حل ولا ربط مع وزيره الأفضل، فاضطهد الأفضل أبا بكر الطرطوشي فيما بعد بسبب كثرة أتباعه مما لا محل لذكره هنا . فلما توفي والد ابن العربي بالإسكندرية رحل عنه عائدا إلى وطنه في سنة 493، ويقول الحافظ ابن عساكر : إن ابن

(1/39)


العربي ابتدأ بتأليف كتابه (عارضة الأحوذي ) عندما غرب من الإسكندرية فكان أول مؤلفاته على ما نعلم .

(1/40)


وصوله إلى إشبيلية :

(1/41)


ولما وصل ابن العربي إلى وطنه إشبيلية كان الحكم فيها لا يزال ليوسف بن تاشفين، واستمر على ذلك إلى أن مات سنة 500 . فاستقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في إشبيلية وما جاورها من عواصم الأندلس هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالا لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس من كل حدب وصوب، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع، وكان ممن أخذ عنه وتلقى عليه طائفة من كبار علماء الإسلام : منهم قاضي المغرب وحافظه القاضي عياض بن موسى اليحصبي مؤلف (الشفا) و (مشارق الأنوار) ، وابنه القاضي محمد بن عياض، والحافظ المؤرخ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، والإمام الزاهد العابد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الإشبيلي، وأبو جعفر بن الباذش، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسي، وأبو الحسن بن النعمة، وأبو بكر محمد بن خير الأموي الإشبيلي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش، والإمام عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي شارح السيرة، وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الصقر الأنصاري، وأبو الحسن علي بن عتيق القرطبي، وأبو القاسم أحمد بن

(1/42)


محمد بن خلف الحوفي، وأبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الخراط، وأبو بكر محمد بن محمد اللخمي البلنقي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الغاسل الغرناطي، وأبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي، وأبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد العبدري شارح صحيح مسلم، وأبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن عياد، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم العبدري، والقاضي أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي وأبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن قرقول شارح مشارق الأنوار، وعالم لا يحصى من نمط هؤلاء الأجلاء منهم من ذكر مترجمو ابن العربي أسماءهم ومنهم من لم يسموهم لكثرتهم أو لأنهم من تلاميذه المتأخرين في الزمن عندما بلغ هذا الأمام سن الشيخوخة . ولعل من هؤلاء راوي كتابه (العواصم من القواصم) صالح بن عبد الملك بن سعيد الذي ذكر في أول الكتاب أنه قرأه على ابن العربي . وقد قلنا إن أبا بكر بن العربي كان بعد عودته من المشرق إلى الأندلس جامعة يصدر عنها العلم إلى كل معاصر له ممن يستطيع لقاءه، فهو مربي الجيل الذي عاش معه في تلك الديار . قال مترجموه : بقي ابن العربي يفتي ويدرس أربعين سنة، وقبل أن يتولى

(1/43)


القضاء صدر له التقليد من السلطات الرسمية بأن يتولى منصب المشاور للقضاء، وهو منصب رفيع يصدر به ما يسمى الآن في الديار المصرية (مرسوما) وما يسمى في المغرب (ظهيرا) ومن نماذج مرسوم هذا المنصب ما تراه في هامش ص89 من كتاب (غابر الأندلس وحاضرها) للأستاذ محمد كرد علي وفي هامش (01، 162) من (شجرة النور الزكية) لمخلوف . وكان لا يباح للعالم في الأندلس أن يفتي إلا إذا استظهر (الموطأ) و (المدونة) أو عشرة آلاف حديث، ويتميز حينئذ بلبس القلنسوة ويقال له المقلس .

(1/44)


ولما كنت حلقة ابن العربي تخرج علماء الجيل، كانت مملكة على بن يوسف بن تاشفين تزداد اتساعا واستفحالا بما كان يستحلفه من بلاد ملوك الطوائف، وبما استرده أو فتحه من الأسبانيين . وكان الوالي على شرق الأندلس وجنوبها لعلي بن يوسف بن تاشفين أخوه تميم بن يوسف، وفي سنة 513 انتعش الأسبانيون وأخذوا في إزعاج البلاد الإسلامية فجاز علي بن يوسف بن تاشفين من المغرب إلى الأندلس وقاتلهم وانتصر عليهم وعاد سنة 515، فاستمرت الحال على ذلك إلى أن توفي تميم بن يوسف سنة 520، فولى علي بن يوسف بن تاشفين على الأندلس ابنه تاشفين بن علي، وفي هذا الدور كان ابن العربي قد بلغ القمة في مكانته العلمية بما ظهر من مؤلفاته العظيمة، وما انتشر في ربوع الأندلس والمغرب من تلاميذه ومريديه، فدعي في رجب سنة 528 لتولي القضاء في إشبيلية . وقد أجمعت كلمة الذين تحدثوا عنه- كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابن سعيد وجميع مؤرخي الأندلس-على أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء، قال القاضي عياض : فنفع الله به أهل إشبيلية لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهقة، مع الرفق بالمساكين، والتزم الأمر بالمعروف

(1/45)


والنهي عن المنكر . واستمر في هذه المدة على إلقاء دروسه مع القيام بأمر القضاء ومواصلة التأليف . إلا أن وقته أصبح ضيقا حتى اضطر تلميذه الإمام الزاهد العابد أبو عبد الله الإشبيلي إلى أن ينقطع عن درسه . فقيل له في ذلك، فقال : (كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان) .

(1/46)


إن المكانة التي وصل إليها ابن العربي في العلم وعزته وسيادته على القلوب-قبل ولايته القضاء-كانت مثار الحسد له والإحنة عليه من العلماء الرسميين الذين يتجرون بقشور العلم ليبنوا بها دنياهم، فلما ازدادت مكانته رفعة بالقضاء مضى فيه مجاهدا في سبيل العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها من سبيل الله، يجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود . فازداد غيظ حاسديه، واشتد ضغن صغار النفوس عليه، ولا سيما أهل الجور والظلم والغصب الذين كان شديد الأحكام عليهم والأخذ منهم للمظلومين، منضما إليهم أهل المجون والفسقة الذين تناولهم ابن العربي بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وما كان أكثر أهل المجون يومئذ في إشبيلية . يدلك على ذلك حوار عن إشبيلية وقرطبة دار في مجلس منصور بن عبد المؤمن بين أبي الوليد بن رشد وأبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر : ما أدري ما نقول، غير أنه إذا مات عالم في إشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية .

(1/47)


وشعر ابن العربي في مدة قضائه بأن سور إشبيلية لا يقاوم أحداث الدهر إذا ألمت بالبلد ملمة، فعزم على ترميمه، وسد بعض الثلم الواقعة فيه . واتفق وقوع ذلك في زمن انصرفت فيه الحكومة عن مثل هذا الأمر . أو أن المال اللازم لذلك لم يكن متوافرا لديها، فخرج ابن العربي عن كل ما تحت يده من ماله الخاص ورصده لتحقيق هذا الواجب الملي العام، ودعا الأمة إلى البذل فيه، وأقبلت في خلال ذلك الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، فكان ابن العربي أول من خطر على باله الاستفادة من جلود الأضاحي في المصالح العامة، فحض الناس على أن يتبرعوا بجلود أضاحيهم لبناء هذا السور، فكان في ذلك موفقا، إلا أن أعداءه ومبغضي طريقته أثاروا العامة عليه بأساليبهم الخبيثة حتى نابه بداره في أحد الأيام مثل الذي ناب أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما تألب البغاة عليه وهاجموه في داره . ولا شك أن هذه الحادثة وقعت له في آخر ولايته للقضاء، وقد أشار إليها في كتابنا هذا (العواصم من القواصم) الذي ألفه في سنة 536 فهي إذن وقعت بعد سنة 530 وقبل سنة 536 وقد قال في كتابنا هذا ص137-138 يصفها (ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(1/48)


حتى لم يك في الأرض منكر . واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا وألبوا وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار . وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور : أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وسلم (أي بالكف عن القتال في الفتنة) . الثاني الاقتداء بعثمان . والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي (1) .
فنكب ابن العربي في هذه الثورة ونهبت كتبه كلها . وانصرف أو صرف عن القضاء، وتحول مؤقتا إلى قرطبة . وكان له فيها تلاميذ ومريدون، فازداد بهذه الرحلة تلاميذه من أذكيائها ومريدوه .

وكان من حكمة الله في هذه النازلة أن تفرغ ابن العربي للعلم، وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة ، وقد آن لنا أن نشير إلى تراثه العلمي . فمن مؤلفاته :
_________
(1) أي لما أراد عمر بن الخطاب أن يقتل ابن سلول عند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق لقول ابن سلول « إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل » فمنع النبي صلى الله عليه وسلم عمر من قتله وقال « لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » .

(1/49)


1 -أنوار الفجر في تفسير القرآن : ألفه في عشرين سنة وبلغ ثمانين ألف ورقة (أي مائة ألف وستين ألف صفحة) ورآه يوسف الحزام المغربي في القرن الثامن في خزانة أمير المسلمين السلطان أبي عنان فارس بمدينة مراكش (وكان يخدم السلطان في حزم كتبه ورفعها) فعد أسفاره فبلغت ثمانين سفرا، وقال بعض مترجمي ابن العربي إنه في تسعين مجلدا، وكان الناس يتداولون هذا التفسير أثناء تأليفه، فكلما انتهى من تأليف مقدار منه تناسخه الناس وتناقلوه .
2 -قانون التأويل في تفسير القرآن : كتاب كبير، كان موجودا ومنتشرا إلى القرن الحادي عشر الهجري، ونقل عنه المقري في نفح الطيب، ونقلنا عنه شيئا منه في هذه الترجمة .
3 -أحكام القرآن : كتاب نفيس طبعه سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ في إحدى المطابع المصرية .
4 -الأحكام الصغرى، منه مخطوط بمكتبة عبد الحي الكتاني بالمغرب .
5 -الناسخ والمنسوخ في القرآن : توجد منه مخطوطة بخزانة القرويين .
6 -كتاب المشكلين : مشكل الكتاب ومشكل السنة .
7 -كتاب النيرين : في الصحيحين .

(1/50)


8 -القبس : في شرح موطأ مالك بن أنس . وهو من أواخر مؤلفاته . ذكر فيه تفسيره (أنوار الفجر) وفي مكتبة الكتاني بالمغرب مخطوطة من القبس وفي مكتبة الجلاوي بمراكش مخطوطة .
9 -ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك : في مكتبة طلعت (793 حديث) .
10 -عارضة الأحوذي، شرح جامع الترمذي : وهو من أول مؤلفاته، ويقول الحافظ ابن عساكر : إنه بدأ بتأليفه في منقلبه إلى المغرب عائدا من رحلته الكبرى . وقد اطلعنا على مخطوطة منه في مكتبة جمعية الهداية الإسلامية جاء بها من تونس صديقنا العلامة الجليل السيد محمد الخضر حسين . ثم طبع هذا الكتاب في مصر سنة 1350 مع جامع الترمذي في 14 جزءا .
11 -شرح حديث جابر في الشفاعة .
12 - حديث الإفك .
13 - العواصم من القواصم .
14 -شرح حديث أم زرع .
15 -الكلام على مشكل حديث السبحات والحجاب .
16 -السباعيات .
17 - المسلسلات .
18 -الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا .
19 -تفصيل التفضيل، بين التحميد والتهليل .
20 -التوسط في معرفة صحة الاعتقاد، والرد على من خالف السنة وذوي البدع والإلحاد في مجموع مخطوط بمكتبة عبد الحي الكتاني في المغرب (عقيدة ابن العربي ) .
21 -المحصول في علم الأصول .

(1/51)


22 -الإنصاف، في مسائل الخلاف : عشرون مجلدا .
23 - شرح غريب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني .
24 -كتاب ستر العورة .
25 -الخلافيات .
26 - مراقي الزلف .
27 - سراج المريدين (وهو ينقل عنه ويشير إليه في العواصم من القواصم) ومنه مخطوطة بمكتبة عبد الحي الكتاني وبأولها خط المؤلف .
28 - نواهي الدواهي .
29 - العقل الأكبر للقلب الأصغر .
30 - الكافي في أن لا دليل على النافي .
31 -سراج المهتدين .
32 - تبيين الصحيح، في تعيين الذبيح .
33 - ملجأة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين .
34 -أعيان الأعيان .
35 -تخليص التلخيص .
36 - ترتيب الرحلة للترغيب في الملة : منه مخطوطة ناقصة في مكتبة عبد الحي الكتاني بالمغرب .
وفى خلال اشتغال ابن العربي بالتدريس والتأليف في العشر الأواخر من سني حياته، كان يتردد على الأدباء، ويساجلهم الأدب والشعر بقريحة وقادة، وبيان جزل، ولا يتسع هذا المقام لوصف مقامه الأدبي، ونكتفي بإيراد المثل الآتي لهذه الناحية : دخل عليه الأديب ابن صارة الشنتريني وبين يدي القاضي أبي بكر نار علاها رماد فقال لابن صارة : قل في هذه . فقال :

شابت نواصي النار بعد سوادها ... وتسترت عنا بثوب رماد

(1/52)


ثم قال لابن العربي : أجز . فقال :

شابت كما شبنا وزال شبابنا ... فكأنما كنا على ميعاد

ونختم هذه الترجمة قبل ذكر وفاته، بفصل عقده وصاف أدب أدباء الأندلس الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان القيسي في كتابه (المطمح) فقال يصف الفقيه الأجل الحافظ أبا بكر بن العربي :

(1/53)


(علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس . وترك التقليد للقياس، وانتجع الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومد عليها من الظل الوارف . فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدرا في فلكها . وصدرا في مجلس ملكها . واصطفاه معتمد بني عباد، اصطفاء المأمون لابن أبي داود وولاه الولايات الشريفة وبوأه المراتب المنيفة . فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت (1) وألقتهم منها وتخلت . رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق . فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه . فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا فعاد إلى الرواية والسماع . وما استفاد من إجالة تلك الأطماع . وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح، وفي روض الشباب زهر ما صوح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقايسه . فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه ثم أدركه حمامه ووارته هناك رجامه . وبقي أبو بكر متفردا، وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيدا، ولم
_________
(1) كانت إشبيلية في زمن الفتح الإسلامي منزل الفاتحين من أبناء « حمص » إحدى المدن الشامية، فسموا إشبيلية باسم بلدهم، ولذلك يقول فيها ابن عبدون : هل تذكر العهد الذي لم أنسه ومودتي مخدومة بصفاء ومبيتنا في أرض حمص والحجى قد حل عقد صباه بالصهباء ودموع طل الليل يخلق أعينا ترنو إلينا من عيون الماء .

(1/54)


تجد عنه الرياسة محيدا، فكر إلى الأندلس فحلها والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ومن محاسن أنس أنبتها فيها وخلدها .

(1/55)


وفي السنوات الأخيرة من حياة ابن العربي مات علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب والأندلس، فقام بعده (سنة537) ابنه تاشفين الذي كان واليا لأبيه على الأندلس . وفي زمنه استفحلت دعوة الموحدين التي كان دعا إليها ابن تومرت مدعي المهدوية فتولاها بعده صنيعته عبد المؤمن بن علي، وتغلب عبد المؤمن على المعز تاشفين وشرده إلى وهران في غرب الجزائر، ثم قتله في وهران في رمضان سنة 539، وحاصر أخاه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين في مراكش سنة 540 مدة تسعة أشهر واستولى عليه وعليها في شوال سنة 541، فانقرضت دولة المرابطين أو الملثمين بعد أن حكمت 141 سنة . وهكذا شهد ابن العربي سقوط دولة آل عباد على يد يوسف بن تاشفين في أول شبابه . ثم شاهد سقوط دولة بني تاشفين على يد عبد المؤمن بن علي صاحب دولة الموحدين في أواخر شيخوخته . وعقب ذلك أخذت وفود مدائن الأندلس تفد على مراكش طالبة من عبد المؤمن الاستيلاء على بلادهم من بقايا المرابطين . وحضر في سنة 542 وفد (إشبيلية) برئاسة عظيمها وكبير علمائها الإمام أبي بكر بن العربي . ولسبب غامض لا نعرفه إلى الآن حبس عبد المؤمن هذا الوفد في مراكش نحو عام، ثم سرحوا، فأدركته منيته منصرفه

(1/56)


من مراكش في موضع يسمي (أغلان) على مسيرة يوم من فاس غربا منها، فاحتمل ميتا إلى فاس في اليوم الثاني من موته، وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، ودفن في يوم الأحد 7 ربيع الأول سنة 543 خارج المحروق أعلى مدينة فاس بتربة القائد مظفر . رحمه الله وأعلى مقامه في دار الخلود .

(1/57)


أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول
بتعديل الله ورسوله لهم
ولا ينتقص أحدا منهم إلا زنديق
عقد الإمام الحافظ المحدث أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (392-463) فصلا نفيسا في كتابه ( الكفاية) الذي طبعه صاحب السمو نظام حيدر أباد الدكن بالهند سنة 1357 (ص46-49) واعتمده شيخ الإسلام الإمام الحافظ قاضي قضاة مصر شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني (773-852) في مقدمة كتابه (الإصابة) الذي طبعه في مصر سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ سنة 1328 (ج1ص10-11) ونحن نقتطف منه ما يلي :
عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن .
فمن ذلك قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } .
وقوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } .
وقوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } .

(1/58)


وقوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } .
وقوله : { والسابقون السابقون }{ أولئك المقربون }{ في جنات النعيم } .
وقوله : { ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } .
وقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون }{ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .
ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم . فمن الأخبار المستفيضة عنه في هذا المعنى :

(1/59)


حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خير أمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، ويشهدون قبل أن يستشهدوا » ورواه أبو هريرة وعمران بن حصين أيضا .
وحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه » .
وحديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه . فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني ماضية فما قال أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة » .
وحديث سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إلي : يا محمد، إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء : بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى » .

(1/60)


وحديث الإمام الشافعي بسنده إلى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري . وإنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم ، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا عليهم ، عليهم حلت اللعنة » .
قال الحافظ الكبير أبو بكر بن الخطيب البغدادي : والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم . فلا يحتاج أحد منهم - مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق له . . . . على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين - القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين .

(1/61)


أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسي الهمذاني، حدثنا صالح بن أحمد الحافظ قال : سمعت أبا جعفر أحمد بن عبدل يقول : سمعت أحمد بن محمد بن سليمان التستري يقول: سمعت أبا زرعة يقول: ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) .
وأبو زرعة الذي أعلن زندقة من ينتقص أحدا من الصحابة، هو عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، من موالي بني مخزوم، كان أحد أعلام الأئمة . قال عنه الإمام أحمد : ما جاز الجسر أحفظ من أبي زرعة . وقال الإمام أبو حاتم : إن أبا زرعة ما خلف بعده مثله . توفي سنة 264 .

(1/62)


العواصم من القواصم
في تحقيق مواقف الصحابة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله
قال صالح بن عبد الملك بن سعيد :
قرأت على الإمام محمد أبي بكر بن العربي رضي الله عنه قال :
الحمد لله رب العالمين ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم . وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .
اللهم إنا نستمد بك المنحة ، كما نستدفع بك المحنة ، ونسألك العصمة ، كما نستوهب منك الرحمة .
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، ويسر لنا العمل كما علمتنا ، وأوزعنا شكر ما آتيتنا ، وانهج لنا سبيلا يهدي إليك وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك ، لك مقاليد السماوات والأرض وأنت على كل شيء قدير . (1) .
_________
(1) بهذا التحميد والدعاء السديد، افتتح الإمام ابن العربي الجزء الأول من كتابه (العواصم من القواصم) . فافتتحنا به هذا القسم من جزئه الثاني ( من ص 98 إلى ص 193 من مطبوعة الجزائر سنة 1347) وهو ما اخترنا إفراده بهذا السفر خاصا بتحقيق مواقف الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أشرنا إلى ذلك في تصدير الكتاب .

(1/63)


قاصمة الظهر
بعد أن استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم ـ وقد أكمل له ولنا دينه ، وأتم عليه وعلينا نعمته ، كما قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة : 3 ] وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان ، ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله خاصة ، وذلك العمل الصالح والدار الآخرة ، فهي دار الله الكاملة . قال أنس : " ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا " (1) .
واضطربت الحال ، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر ، فكان موت النبي صلى الله عليه وسلم ( قاصمة الظهر ) ومصيبة العمر :
_________
(1) في مطبوعة الجزائر « نفوسنا » والمروي في الحديث « قلوبنا» من وجوه متعددة أشار إليها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5 : 273 ـ 274 ) أحدها للإمام أحمد عن أنس : (لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء : قال : وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا) وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي : هذا حديث صحيح غريب . قال ابن كثير : وإسناده صحيح على شرط الصحيحين .

(1/64)


فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة (1) .
وأما عثمان فسكت .
وأما عمر فأهجر وقال : " ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما واعده الله كما واعد موسى (2) ، وليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدي أناس وأرجلهم " (3) .
_________
(1) لأن فاطمة وجدت على أبي بكر لما أصر على العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا نورث، ما تركناه صدقة) وسيأتي تفصيل ذلك في ص 48 ـ 50، فعاشت فاطمة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر معتزلة في بيتها ومعها علي كرم الله وجهه قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6 : 333) : فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها فرضيت . رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ثم قال . وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح . وقال البخاري (ك 64 ب 38 ج 5 ص 82 - 83) من حديث عروة عن عائشة : « فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته . . . إلخ » . وبيعة علي هذه هي الثانية بعد بيعته الأولى في سقيفة بني ساعدة . وأضاف الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5 : 249) أن عليا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف الصديق، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة . ويحتمل أن يكون مراد المؤلف باستخفاء علي ما كان منه ومن الزبير قبيل الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى ذلك في خطبته الكبرى التي خطبها في المدينة في عقب ذي الحجة بعد آخر حجة حجها عمر، وهذه الخطبة في مسند الإمام أحمد (1 : 55 الطبعة الأولى - ج 1 رقم 391 الطبعة الثانية) من حديث ابن عباس .
(2) إشارة إلى قول الله عز وجل في سورة البقرة : 51 وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ، وقوله سبحانه في سورة الأعراف : 142 وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة .
(3) في مسند أحمد (3 : 196 الطبعة الأولى) حديث أنس بن مالك عن يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : « ثم أرخى الستر، فقبض في يومه ذاك . فقام عمر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت ، ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة . وإني لأرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون (أو قال : يقولون) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات » . وفي كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك 62 ب 5) عن عائشة : ( . . . فقام عمر يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم) . ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5-242) ما رواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال : قام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال « مات » بالقتل والقطع، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غشية لو قد قام قتل وقطع . وفي (5 : 241) من البداية والنهاية من حديث عائشة وهي تذكر الساعة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما . . ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة : يا عمر، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عمر : كذبت، بل أنت رجل تحوسك (أي تخالطك ) فتنة ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفني الله المنافقين . ثم جاء أبو بكر . . . وخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفني الله المنافقين . ومعنى أهجر : خلط في كلامه وهذى ، وأكثر الكلام فيما لا ينبغي . وذلك من هول ما وقع في نفس عمر من هذا الحدث العظيم ، فهو لا يكاد يصدقه.

(1/65)


وتعلق بال العباس وعلي بأمر أنفسهما في مرض النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال العباس لعلي : " إني أرى الموت في وجوه بني عبد المطلب ، فتعال حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان هذا الأمر فينا علمناه (1) .
وتعلق بال العباس وعلي بميراثهما فيما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من فدك وبني النضير وخيبر (2) .
_________
(1) فأجابه علي كرم الله وجهه : ( إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم« رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه (ك 64 ب 83 ج 5 ص 140 - 141) . ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (5 : 227 و251) من حديث الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن ابن عباس . ورواه الإمام أحمد في مسنده (1 : 263 و325 الطبعة الأولى وج 4 رقم 2374 وج5 رقم 2999 الطبعة الثانية ) .
(2) سيأتي تفصيله في ص 48 عند الكلام على حديث (لا نورث ، ما تركناه صدقة) .

(1/66)


واضطرب أمر الأنصار يطلبون الأمر لأنفسهم ، أو الشركة فيه مع المهاجرين (1) .
وانقطعت قلوب الجيش الذي كان قد برز مع أسامة بن زيد بالجرف (2) .
_________
(1) فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبين ظهرانيهم سعد بن عبادة، وهم يرون أن الأمر لهم، لأن البلد بلدهم وهم أنصار الله وكتيبة الإسلام، أما قريش فإن دافة منهم دفت، فلا ينبغي أن تختزل الأمر من دون الأنصار . وقال خطيب منهم - وهو الحباب بن المنذر - (أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب . منا أمير ومنكم أمير) . (وجذيلها المحكك : هو أصل شجرتها الذي تتحكك به الإبل . وعذيقها المرجب : نخلتها التي دعمت ببناء أو خشب لكثرة حملها) . ومع ذلك فقد كان رجل من الأنصار - وهو بشير بن سعد الخزرجي والد النعمان بن بشير - يسابق عمر إلى مبايعة أبي بكر . وقبيل ذلك كان في السقيفة الرجلان الصالحان عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار ولم تعجبهما هذه النزعة من الأنصار فخرجا وهما يريان أن يقضي المهاجرون أمرهم غير ملتفتين إلى أحد، لكن حكمة أبي بكر ونور الإيمان الذي ملأ قلبه كانا أبعد مدى وأحكم تدبيرا لهذه الملة في أعظم نوازلها .
(2) كان هذا الجيش سبعمائة، والأمير عليهم إسامة بن زيد، وكان قد ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسير إلى تخوم البلقاء (شرق الأردن) حيث قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة . ولما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى أشار كثير من الصحابة - ومنهم عمر - ألا ينفذ الصديق هذا الجيش لما وقع من الاضطراب في الناس ولا سيما في القبائل . نقل ابن كثير في البداية والنهاية (6 : 304 - 305) حديث القاسم بن محمد بن أبي بكر وعمرة بنت سعيد الأنصارية عن عائشة قالت : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق، والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كأنهم معزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة . فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها .

(1/67)


عاصمة
فتدارك الله الإسلام والأنام ـ وانجابت [ الغمة ] انجياب الغمام ، ونفذ وعد الله باستئثار رسول الله (1) وإقامة دينه على التمام ، وإن كان قد أصاب ما أصاب من الرزية الإسلام ـ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه (2) .
_________
(1) استأثر الله فلانا، وبفلان، إذا مات .
(2) أي فتدارك الله الإسلام والأنام بأبي بكر .

(1/68)


وكان ـ إذ مات النبي صلى الله عليه وسلم ـ غائبا في ماله بالسنح (1) ، فجاء إلى منزل ابنته عائشة رضي الله عنها ـ وفيه مات النبي صلى الله عليه وسلم ـ فكشف عن وجهه ، وأكب عليه يقبله وقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، طبت حيا وميتا ـ والله لا يجمع الله عليك الموتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها ، ثم خرج إلى المسجد ـ والناس فيه ، وعمر يأتي بهجر من القول كما قدمنا ـ فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أما بعد أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ـ ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " . ثم قرأ : { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } (آل عمران : 144) فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (2) .
_________
(1) في البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (5 : 244) : كان الصديق قد صلى بالمسلمين صلاة الصبح ، وكان إذا ذاك قد أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إفاقة من غمرة ما كان فيه من الوجع، وكشف سترة الحجرة ونظر إلى المسلمين وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر، فأعجبه ذلك وتبسم صلى الله عليه وسلم حتى هم المسلمون أن يتركوا ما هم فيه من الصلاة لفرحهم به، وحتى أراد أبو بكر أن يتأخر ليصل الصف، فأشار إليهم صلى الله عليه وسلم أن يمكثوا كما هم، وأرخى الستارة، وكان آخر العهد به صلى الله عليه وسلم . فلما انصرف أبو بكر من الصلاة دخل عليه وقال لعائشة ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة - يعني إحدى زوجتيه وكانت ساكنة بالسنح شرقي المدينة - فركب على فرس وذهب إلى منزله، وتوفي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى . . . فذهب سالم بن عبيد وراء الصديق فأعلمه بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الصديق حين بلغه الخبر، وكان منه ما سيذكره المؤلف . والسنح منازل بني الحارس بن الخزرج في عوالي المدينة، بينها وبين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ميل واحد .
(2) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك 62 ب 5 - ج 4 ص 194) من حديث عائشة . وفي سنن الدارقطني (3 : 406) والبداية والنهاية للحافظ ابن كثير (5 : 242) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد أعلام المسلمين، عن عائشة أم المؤمنين التي وقعت هذه الحوادث في بيتها وفي المسجد النبوي الذي يطل بيتها عليه . وجميع دواوين السنة سجلت هذا الموقف العظيم للصديق الأكبر بأصح الأحاديث . وألفاظها قريب بعضها من بعض .

(1/69)


واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتشاورون ، ولا يدرون ما يفعلون ، [ وبلغ ذلك المهاجرين ] فقالوا : نرسل إليهم يأتوننا ، فقال أبو بكر : بل نمشي إليهم ، فسار إليهم المهاجرون ، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ، فتراجعوا الكلام ، فقال بعض الأنصار : منا أمير ومنكم أمير (1) . فقال أبو بكر كلاما كثيرا مصيبا ، يكثر ويصيب ، منه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الأئمة من قريش » (2) وقال : « أوصيكم بالأنصار خيرا : أن تقبلوا من محسنهم ، وتتجاوزوا عن مسيئهم » (3) : إن الله سمانا ( الصادقين ) (4) وسماكم ( المفلحين ) (5) وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال : { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ( التوبة : 119) إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية ، فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه ، وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه (6) .
وقال أبو بكر لأسامة : انفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك ! ؟ فقال : لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة ، ما رددت جيش أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم . (7) .
_________
(1) الذي قال ذلك من خطباء الأنصار الحباب بن المنذر، وقد تقدم في هامش 3 ص 40.
(2) الحديث في مسند الطيالسي برقم 926 عن أبي برزة، وبرقم 2133 منه عن أنس . وفي كتاب الأحكام من صحيح البخاري ك 93 ب 2 - ج8 ص104 - 105) عن معاوية أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبة الله على وجهه ما أقاموا الدين » وعن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان » وفي مسند الإمام أحمد (3 : 129 الطبعة الأولى) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب البيت ونحن فيه فقال « الأئمة من قريش . إن لهم عليكم حقا . . . إلخ » ورواه الإمام أحمد أيضا في المسند (3 : 183 الطبعة الأولى) عن أنس قال : كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادة الباب فقال « الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك . . . إلخ » ورواه الإمام أحمد كذلك (4 : 421 الطبعة الأولى) عن أبي برزة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال « الأئمة من قريش : إذا استرحموا رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حكموا عدلوا . فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » .
(3) في كتاب مناقب الأنصار من صحيح البخاري (ك 63 ب 11) من حديث هشام بن زيد بن أنس قال : سمعت أنس بن مالك يقول : مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار يبكون (والظاهر أن ذلك كان في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات به) فقال : ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك . قال : فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد . قال فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأسنى عليه ثم قال : « أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقى الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم » . وبعده في صحيح البخاري حديث لعكرمة عن ابن عباس، وحديث لقتادة عن أنس بمعنى ذلك . وقريب من ذلك في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، وفي سنن الترمذي عن ابن عباس .
(4) في سورة الحشر : 8 - 9 للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .
(5) في سورة الحشر : 8 - 9 للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .
(6) نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5 : 247) من حديث الأمام أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (ابن أخت أمير المؤمنين عثمان) خطبة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومنها قوله : لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا سلكت وادي الأنصار » ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد : « قريش ولاة هذا الأمر : فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم » ، فقال له سعد : « صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء » .
(7) نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6 : 305) عن الحافظ أبي بكر البيهقي حديث محمد بن يوسف الفريابي الحافظ (قال البخاري : كان أفضل أهل زمانه)، عن عياد بن كثير الرملي أحد شيوخه (قال ابن المديني : كان ثقة لا بأس به) عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (أحد التابعين، توفي بالإسكندرية) عن أبي هريرة قال : « والله الذي لا إله إلا هو، لولا أبو بكر استخلف ما عبد الله » ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة . فقيل له : مه يا أبا هريرة . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه إسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب حول المدينة . فاجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا بكر، رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟ ! فقال : « والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله » . فوجه إسامة ، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا : لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام .

(1/70)


وقال له عمر وغيره : إذا منعك العرب الزكاة فاصبر عليهم . فقال : " والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة " (1) .
قيل : ومع من تقاتلهم ؟ قال : " وحدي ، حتى تنفرد سالفتي " (2) .
_________
(1) لما مضى جيش إسامة في طريقه إلى شرق الأردن جعلت وفود القبائل تقدم المدينة، يقرون بالصلاة ويمتنعون عن أداء الزكاة . قال ابن كثير (6 : 311) : ومنهم من احتج بقوله تعالى (التوبة : 103) : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم . قالوا : فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا . وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك وأباه . وقد روى الجماعة في كتبهم - سوى ابن ماجه - عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر : علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها » فقال أبو بكر : والله لو منعوني عناقا (وفي رواية : عقالا) كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعها . إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . قال عمر : فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق . وهذا الحديث في مسند أحمد (1 : 11، 19، 35- 36 الطبعة الأولى - ج 1 رقم 67 و117 و239 الطبعة الثانية) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة . وفي البداية والنهاية (6 : 312) قال القاسم بن محمد (ابن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة) : اجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة الأسدي، وبعثوا وفودا إلى المدينة فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم إلا العباس، فحملوهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال « لو منعوني عقالا لجاهدتهم » .
(2) السالفة : صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، ولا تنفرد إحداهما عما يليها إلا بالموت .

(1/71)


وقدم الأمراء على الأجناد والعمال في البلاد مختارا لهم ، مرتئيا فيهم ، فكان ذلك من أسد عمله ، وأفضل ما قدمه للإسلام (1) .
_________
(1) وفي طليعة هؤلاء القواد : أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعمرو بن العاص السهمي، وخالد بن الوليد المخزومي وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، ويزيد بن أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، والمهاجر بن أبي أمية شقيق أم المؤمنين أم سلمة، وشرحبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي سفيان، وسهيل بن عمرو العامري خطيب قريش، والقعقاع بن عمرو التميمي، وعرفجة بن هرثمة البارقي، والعلاء بن الحضرمي حليف بني أمية، والمثنى بن حارثة الشيباني، وحذيفة بن محصن الغطفاني . وفي طليعة ولاته : عتاب بن أسيد الأموي، وعثمان بن العاص الثقفي، وزياد بن لبيد الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، ويعلى بن منية، وجرير بن عبد الله البجلي، وعياض بن غنم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الله بن ثور أحد بني غوث، وسويد بن مقرن المزني .

(1/72)


وقال لفاطمة وعلي والعباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا نورث ما تركناه صدقة » . فذكر الصحابة ذلك (1) .
_________
(1) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (62 ب 12 - ج 4 ص 209 ـ 210) حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا نورث، ما تركنا فهو صدقة . إنما يأكل آل محمد من هذا المال - يعني مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل » وإني والله لا أغير شيئا من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتشهد علي ثم قال : إنا عرفنا يا أبا بكر فضيلتك (وذكر قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم) فتكلم أبو بكر فقال : والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي . وأوسع منه في كتاب المغازي بباب غزوة خيبر من صحيح البخاري (ك 64 ب 28 - ج 5 ص 82) . وفي كتاب الوصايا من صحيح البخاري (ك 55 ب 32 - ج 3 ص 197) وكتاب فرض الخمس (ك 57 ب 3 ـ ج 4 ص 45) حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة » . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناهج السنة (2 : 158) : قول النبي صلى الله عليه وسلم « لا نورث، ما تركنا صدقة » رواه عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة، والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد . وقال قبل ذلك (2 : 167) : إن الله تعالى صان الأنبياء أن يورثوا دنيا، لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم . ثم إن من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه ومنهن عائشة بنت أبي بكر وقد حرمت نصيبها بهذا الحديث النبوي، ولو جرى أبو بكر مع ميله الفطري لأحب أن ترث ابنته . وفي كتاب فرض الخمس من صحيح البخاري (ك 57 ب 1ـ ج 4 ص 42) حديث ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرت أن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا نورث، ما تركنا صدقة » . . . فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال : « لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به . فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ » . وفي الباب نفسه من صحيح البخاري (ج 4 ص 42 - 44) من حديث الإمام مالك بن أنس عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري أنه قال : بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب، فقال : أجب أمير المؤمنين فانطلقت معه . فبين أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ؟ قال : نعم . فأذن لهم . . . ثم جلس يرفأ يسيرا ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم . فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا - وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النضير - فقال الرهط، عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر . قال عمر : تيدكم . أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا نورث، ما تركنا صدقة » يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ؟ قال الرهط : قد قال ذلك . فأقبل عمر على علي وعباس فقال : أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك . (وبعد أن ذكر أنه صلى الله عليه وسلم كان ينفق على أهله سنتهم من هذا المال ثم يجعل ما بقي مال الله، واستشهد على ذلك فشهدوا، قال) : ثم توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها، فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق . ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عمل فيها أبو بكر والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق . ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يريد عليا - يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا نورث، ما تركنا صدقة » . فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما عمل فيه أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها . فقلتما : ادفعها إلينا : فبذلك دفعتها إليكما فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم . ثم أقبل على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم . قال : أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكماها . وأورد البخاري حديث مالك بن أوس هذا في كتاب المغازي من صحيحه (ك 64 ب 14 - ج 5 ص 23 - 24) من حديث شعيب عن الزهري عن مالك بن أوس وفي كتاب النفقات من صحيحه (ك 69 ب 3 ـ ج 6 ص 190 ـ 192) ، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه (ك 96 ب 5 ج 8 ص 146 ـ 147) . وانظر كتاب الفرائض من صحيح البخاري (ك 85 ب 3 - ج 8 ص3 ـ 5) . ومسند الإمام أحمد (1 : 13 الطبعة الأولى - ورقم 77 و78 الطبعة الثانية) . وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مناهج السنة (3 : 230) إلى أن أبا بكر وعمر أعطيا من مال الله أضعاف هذا الميراث للذين كانوا سيرثونه قال : وإنما أخذ منهم قرية ليست كبيرة، لم يأخذ منهم مدينة ولا قرية عظيمة . ثم قال (3 - 231) وقد تولى علي بعد ذلك، وصارت فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطي لأولاد فاطمة ولا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ولا ولد العباس شيئا من ميراثه . . . إلخ .

(1/73)


وقال سمعته صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يدفن نبي إلا حيث يموت » (1) . وهو في ذلك كله رابط الجأش ، ثابت العلم والقدم في الدين .
ثم استخلف عمر ، فظهرت بركة الإسلام ، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين (2) .
_________
(1) في كتاب الجنائز من موطأ مالك (ك16 ج27 ـ ص231) أن مالكا بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء . وصلى الناس أفذاذا لا يؤمهم أحد . فقال ناس : يدفن عند المنبر . وقال آخرون : يدفن بالبقيع . فجاء أبو بكر الصديق فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه » قال الحافظ ابن عبد البر : صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك وفي كتاب الجنائز من جامع الترمذي (ك8 ب33) حديث عائشة : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته : ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه . ادفنوه في موضع فراشه . وفي كتاب الجنائز من سنن ابن ماجه (ك 6 ب 65 ) عن ابن عباس : لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له فقال قائلون : يدفن في مسجده وقال قائلون : يدفن مع أصحابه فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض . ورواه ابن إسحاق (في السيرة لابن هاشم 3 : 103 بولاق) من حديث عكرمة عن ابن عباس . وانظر البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (5 : 266 ـ 268).
(2) وهو وعد الله عز وجل في سورة النور : 55 وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ولقد كان المجتمع الإسلامي ـ بتوجيه هذين الخليفتين ـ أسعد مجتمع إنساني عرفه التاريخ، لأن الناس ـ من ولاة ورعية، كانوا يتعاملون بالإيثار، وكان الواحد منهم يكتفي بما يفي بحاجته، ويبذل من ذات نفسه أقصى ما يستطيع أن يستخرج منها من جهد لإقامة الحق في الأرض وتعميم الخير بين الناس . ويلقى الرجل الخير منهم رجلا لا تزال تنزع به نزعات الشر، فلا يزال به حتى يخدر عناصر الشر المتوثبة في نفسه، ويوقظ ما كمن فيها من عناصر الخير إلى أن يكون من أهل الخير المنتسبين إلى الإسلام، ولا تزال حتى يومنا هذا طوائف امتلأت قلوبهم بالضغن حتى على أبي بكر وعمر، فضلا عمن استعان بهم أبو بكر وعمر من أهل الفضل والإحسان، فصنعوا لهم من الأخبار الكاذبة شخصيات أخرى غير شخصياتهم التي كانوا عليها في نفس الأمر، ليقنعوا أنفسهم بأنهم إنما أبغضوا أناسا يستحقون منهم هذه البغضاء . ولهذا امتلأ التاريخ الإسلامي بالأكاذيب، ولن تتجدد للمسلمين نهضة إلا إذا عرفوا سلفهم على حقيقته واتخذوا منه قدوة لهم ولن يعرفوا سلفهم على حقيقته إلا بتطهير التاريخ الإسلامي مما لصق به .

(1/74)


ثم جعلها عمر شورى ، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الأمر حتى ينظر ويتحرى فيمن يقدم (1) فقدم عثمان ، فكان عند الظن به : ما خالف له عهدا ، ولا نكث عقدا ، ولا اقتحم مكروها ولا خالف سنة (2) .
_________
(1) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك62 ب8 ـ ج4 ص204 ـ 207) حديث عمرو بن ميمون أحد تلاميذ معاذ وابن مسعود ومن شيوخ الشعبي وسعيد بن جبير وطبقتهما، وقد اشتمل هذا الحديث على خبر مقتل أمير المؤمنين عمر، وكيف جعل عمر الخلافة شورى بين الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وكيف أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه منها . ثم انتهى إلى تقديم عثمان . وهذا الحديث من أصح ما ثبت في هذا الموضوع وأجوده . . واقرأ بعد ذلك ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية عن موقف عمر في جعله الأمر شورى في كتاب منهاج السنة (3 : 168 ـ 172) ، وفيه إرشاد دقيق إلى ما كان عليه بنو هاشم وبنو أمية من الاتفاق والمحبة والتعاون في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، وأن عثمان وعليا كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما . ونقل ابن تيمية (في 3 : 233ـ 234) قول الإمام أحمد : لم يتفق الناس على بيعة كما اتفقوا على بيعة عثمان : ولاه المسلمون بعد تشاورهم ثلاثة أيام، وهم مؤتلفون متفقون متحابون متوادون معتصمون بحبل الله جميعا . وقد أظهرهم الله، وأظهر بهم ما بعث به نبيه من الهدى ودين الحق، ونصرهم على الكفار ففتح بهم بلاد الشام والعراق وبعض خراسان . . . إلخ .
(2) وكيف لا يكون عثمان عند الظن به وقد شهد له بطهارة السيرة وحسن الخاتمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي . قال الحافظ ابن حجر في ترجمة عثمان من (الإصابة) : جاء من أوجه متواترة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر عثمان بالجنة، وعده من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة . والحديث الذي يتواتر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرتاب فيه ولا يجنح إلى غير مدلوله إلا الذي يرضى لنفسه بأن يقتحم أبواب الجحيم . وروى الترمذي من طريق الحارث بن عبد الرحمن، عن طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لكل نبي رفيق، ورفيقي بالجنة عثمان » . وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمته عثمان من كتاب (الاستيعاب) ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « سألت ربي عز وجل أن لا يدخل النار أحدا صاهر إلي أو صاهرت إليه » . وشهادة أخرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الإنسان الأفضل يتمنى مثلها أبو بكر وعمر وعلي . فقد روى الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه (ك 44 ب 26 ـ ج 7 ص 116 ـ 117) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عثمان : « ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة ؟ » وفي صحيح البخاري (ك 62 ب 7 - ج 4 ص 203) عن نافع، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال : كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر، ثم عثمان . ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم . وقيل للمهلب بن أبي صفرة : لم قيل لعثمان ذا النورين ؟ قال : لأنه لم يعلم أن أحدا أرسل سترا على ابنتي نبي غيره . وروى خيثمة في فضائل الصحابة عن النزال بن سبرة العامري (أحد الذين أخذوا عن أبي بكر وعثمان وعلي، وهو من شيوخ الشعبي والضحاك وطبقتهما) قال : قلنا لعلي حدثنا عن عثمان، فقال : «ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين» . وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة : «بايعنا خيرنا ولم نأل» . ووصفه علي بن أبي طالب بعد انقضاء أجله فقال : « كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين » . وروى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أباه قال : « لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوا عليه » . وعبد الله بن عمر كان شاهد عيان لخلافة عثمان من أولها إلى آخرها ، وكان أشد الناس في التزام السنة المحمدية، ومع ذلك فإنه يشهد لعثمان بأن كل ما عتبوا به عليه كان يحتمل أن يكون من عمر ـ وهو أبوه ـ ولو كان ذلك من عمر لما عتب أحد به عليه . وقال مبارك بن فضالة مولى زيد بن الخطاب سمعت عثمان يخطب وهو يقول « يا أيها الناس ما تنقمون علي، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيرا » . وقال الحسن البصري : شهدت منادى عثمان ينادي : يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون ويأخذونها وافية . يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم فيغدون ويأخذونها وافية . حتى ـ والله ـ سمعته أذناي يقول : اغدوا على كسوتكم . فيأخذون الحلل . واغدوا على السمن والعسل . قال الحسن : أرزاق دارة، وخير كثير، وذات بين حسن . ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا إلا يوده وينصره ويألفه . فلو صبر الأنصار على الأثرة لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق ولكنهم لم يصبروا وسلوا السيف مع من سل، فصار عن الكفار مغمدا، وعلى المسلمين مسلولا (روى ذلك عنه الحافظ ابن عبد البر) وقال ابن سيرين ـ صنو الحسن البصري وزميله وهو أيضا كان معاصرا لعثمان ـ : « كثر المال في زمان عثمان حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم » . وسئل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن علي وعثمان . فقال للسائل : (قبحك الله! تسألني عن رجلين ـ كلاهما خير مني ـ تريد أن أغض من أحدهما وأرفع من الآخر ؟ !) .

(1/75)


وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن عمر شهيد ، وبأن عثمان شهيد ، وبأن له الجنة على بلوى تصيبه (1) .
وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ، دخل به في باب " أول من . . . (2) " وهو علم كبير جمعه الناس .
ولما صحت إمامته قتل مظلوما (3) ، وليقضي الله أمرا كان مفعولا .
ما نصب حربا (4) ، ولا جيش عسكرا (5) ولا سعى إلى فتنة (6) ، ولا دعا إلى بيعة (7) ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله (8) ولا كان يرجوها لنفسه ، ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ذلك في غير عثمان ، فكيف بعثمان رضي الله عنه ! .
_________
(1) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك 62 ب 7 ـ ج 4 ص 202) حديث أبي موسى الأشعري قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا (أي بستانا) وأمرني بحفظ باب الحائط ، فجاء رجل يستأذن، فقال صلى الله عليه وسلم : « ائذن له وبشره بالجنة » فإذا أبو بكر . ثم جاء آخر يستأذن، فقال : « ائذن له وبشره بالجنة » فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال : « ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه » فإذا عثمان بن عفان . (وانظر صحيح البخاري ك 62 ب 5 و6 ـ ج 4 ص 195 ـ 197 و201 ـ 202) ومثله في كتاب فضل الصحابة من صحيح مسلم (ك 44 ح 28 و29 ـ ج 7 ص 117 ـ 119) من حديث أبي موسى الأشعري أيضا . وروى ابن ماجه في الباب 11 رقم 111 من مقدمة السنن (ج 1 ص 41 بتحقيق الأستاذ فؤاد عبد الباقي) عن محمد بن سيرين من أئمة التابعين، عن كعب بن عجرة البلوي حليف الأنصار وأحد الذين شهدوا عمرة الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت فيه آية الفدية 195 من سورة البقرة، قال كعب بن عجرة : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقربها، فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هذا يومئذ على الهدى » فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : هذا ؟ قال : هذا . ومن مسند أحمد (1 : 58 الطبعة الأولى ـ رقم 407 الطبعة الثانية) عن أبي سهلة مولى عثمان ـ وهو تابعي ثقة ـ أن عثمان قال يوم الدار حين حصر : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا، فأنا صابر عليه » والحديث عند الترمذي (4 : 324) من طريق وكيع . وقال حديث حسن صحيح . وعند ابن ماجه (1 : 41، 42 رقم 112، 113) حديثان أحدهما لأبي سهلة مولى عثمان والآخر لعائشة . وأوردهما الحاكم في المستدرك على الصحيحين (1 : 99) عن عائشة .
(2) للجلال السيوطي وغيره من العلماء قبله وبعده كتب ألفوها في تسمية الأشخاص الذين سبقوا غيرهم إلى شيء من الأعمال المحمودة وغيرها، فيقولون (مثلا) : كان عثمان أول من هاجر في سبيل الله الهجرة الأولى إلى الحبشة .
(3) روى الإمام أحمد في مسنده (2 : 115 الطبعة الأولى ـ ج 8 رقم 5953 الطبعة الثانية) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة، فمر رجل، فقال صلى الله عليه وسلم : « يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما » قال (عبد الله بن عمر) : فنظرت ، فإذا هو عثمان بن عفان . قال الشيخ أحمد شاكر : والحديث رواه الترمذي (4 : 323) ونقل شارحه عن الحافظ ابن حجر أنه قال إسناده صحيح . وروى الحاكم في المستدرك (3 : 102) نحوه من حديث مرة بن كعب وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي .
(4) أي لقتال أهل القبلة . أما حروبه لإعلاء كلمة الله ونشر دعوة الحق فكانت من أنشط ما عرفه التاريخ الإسلامي .
(5) أي للدفاع عن نفسه، وكبح جماح البغاة عليه .
(6) بل كان أشد خلق الله كرها لها وحرصا على تضييق دائرتها، حقنا لدماء المسلمين، ولو أدى ذلك به إلى أن يكون هو ضحية لغيره .
(7) وإنما أتته منقادة على غير تشوف منه إليها . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (3 : 164) : إن الصحابة اجتمعوا على عثمان رضي الله عنه لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره . ثم قال في الصفحة التالية : ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ـ أي الذين عينهم عمر ـ لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم، ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة .
(8) أضراب أمير المؤمنين عثمان وأشكاله هم إخوانه الذين أشركهم أمير المؤمنين عمر في الشورى، أما الذين استطاع عبد الله بن سبأ وتلاميذه أن يوقعوهم في حبائل الفتنة فبينهم وبين مستوى أهل الشورى أبعد مما بين الحضيض والقمة, بل أبعد مما بين الشر والخير . وإن الشر الذي أقحموه على تاريخ الإسلام بحماقاتهم وقصر أنظارهم لو لم يكن من نتائجه إلا وقوف حركة الجهاد الإسلامي فيما وراء حدود الإسلام سنين طويلة لكفى به إثما وجناية . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (2 : 186) : إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان . لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن . وكان علي رضي الله عنه يقول « اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل » .

(1/76)


وقد سموا من قام عليه ، فوجدناهم أهل أغراض سوء حيل بينهم وبينها (1) فوعظوا وزجروا (2) ، وأقاموا عند عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد (3) ، وتوعدهم حتى تابوا (4) ، فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا (5) . وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد ، فأرسلهم : فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة ، وألبوا الجماعة ، وجاءوا إليه (6) بجملتهم ، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم ، وذكرهم ، وورعهم عن دمه (7) ، وخرج طلحة يبكي ويورع الناس ، وأرسل علي ولديه (8) ، وقال الناس لهم (9) : إنكم أرسلتم إلينا " أقبلوا إلى من غير سنة الله (10) " ، فلما جئنا قعد هذا في بيته - يعنون عليا - وخرجت أنت (11) ، تفيض عينيك . والله لا برحنا حتى نريق دمه . وهذا قهر عظيم ، وافتئات على الصحابة ، وكذب في وجوههم وبهت لهم ، ولو أراد عثمان لكان مستنصرا بالصحابة ، ولنصروه في لحظة (12) ، وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين (13) . فوعظهم ، فاستشاطوا . فأراد الصحابة ألهم (14) ، فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل أحد بسببه أبدا ، فاستسلم ، وأسلموه برضاه .
وهي مسألة من الفقه كبيرة : هل يجوز للرجل أن يستسلم ، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه ؟
_________
(1) الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب : فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، فأكبروا الهنات، وارتكبوا في إنكارها الموبقات . وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش, ولم تكن لهم في الإسلام سابقة . فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم وفتوحهم, فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد . وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم, فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة والغل لأجلها . وفيهم الحمقى الذين استغل السبئيون ضعف قلوبهم فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة . وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه, فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه . وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام, فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان, ولو أنهم قد نالهم من عمر أشد منه لرضوا به طائعين . وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة, فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانه . وبالإجمال, فإن الرحمة التي جبل عليها عثمان وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثير فيه, وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم . ولعلي إذا اتسع لي الوقت أتفرغ لدراسة نفسيات هؤلاء الخوارج على عثمان, وتنظيم المعلومات الصحيحة التي بقيت لنا عنهم, ليكون من ذلك درس عبرة لطلاب التاريخ الإسلامي .
(2) وقد وعظهم وزجرهم أهل العافية والحكمة والرضا من أعيان أمصارهم وعلمائها في الكوفة والبصرة والفسطاط, ثم وعظهم وزجرهم معاوية في مجالس له معهم عندما سيرهم عثمان إلى الشام كما سيجيء عند كلام المؤلف على سطوهم على المدينة - بحجة الحج - فحولوا حجهم الكاذب إلى البغي على خليفتهم وسفك دمه الحرام في الشهر الحرام بجوار قبر المصطفى عليه الصلاة والسلام.
(3) وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد واليا لمعاوية على حمص وما يليها من شمال الشام إلى أطراف جزيرة ابن عمر, وسيأتي الحديث عن أحوالهم عندما قبض عليهم هذا الشبل المخزومي بمثل مخالب أبيه .
(4) بل تظاهروا بأنهم تابوا , « وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ».
(5) خيرهم عبد الرحمن بن خالد في أن يذهبوا إلى عثمان, فذهب كبيرهم الأشتر النخعي, وله قصة نذكرها في موضعها من هذا الكتاب .
(6) أي إلى أمير المؤمنين عثمان .
(7) ورعهم عن الشيء : كفهم ومنعهم بالحجة والحق المنير .
(8) ليكونا في حراسة أمير المؤمنين عثمان, ويدافعا عنه .
(9) أي قال البغاة يخاطبون عليا وطلحة والزبير .
(10) زعم البغاة أنهم تلقوا من علي وطلحة والزبير كتبا يدعونهم بها للثورة على عثمان بدعوى أنه غير سنة الله . وسيأتي إنكار علي وطلحة والزبير أنهم كتبوا بذلك, والظاهر أن الفريقين صادقان ، أن منظمي الفتنة من السبئيين زوروا الرسائل التي ذكرها البغاة الثائرون .
(11) الخطاب لطلحة بن عبيد الله .
(12) ولقد راودوه في ذلك مرارا ، وعرض عليه معاوية أن ينقل دار الخلافة إلى الشام, أو يمده بجند من الشام لا يعرف له التاريخ إلا التقدم والظفر .
(13) أي أن البغاة ظهروا بمظهر المتظلم وهو يدعي أمورا يشكوها ، فكان عثمان يرى لهم حقا عليه أن يبين لهم وللناس حجته فيما ادعوا ، ووجهة نظره في الأمور التي زعموا أنهم جاءوا يتظلمون منها .
(14) أله : طعنه بالألة ، وهي الحربة العريضة النصل .

(1/77)


وإذا استسلم وحرم على أحد أن يدافع عنه بالقتل ، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه ؟ اختلف العلماء فيها .
فلم يأت عثمان منكرا لا في أول الأمر ، ولا في آخره ، ولا جاء الصحابة بمنكر . وكل ما سمعت من خبر باطل إياك أن تلتفت إليه (1) .
_________
(1) ومعيار الأخبار في تاريخ كل أمة الوثوق من مصادرها ، والنظر في ملاءمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة إليهم . وأخبار التاريخ الإسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم . وهؤلاء رووها لمن بعدهم وقد اندس في هؤلاء الرواة أناس من أصحاب الأغراض زوروا أخبارا على لسان آخرين وروجوها في الكتب ، إما تقربا لبعض أهل الدنيا ، أو تعصبا لنزعة يحسبونها من الدين . ومن مزايا التاريخ الإسلامي - تبعا لما جرى عليه علماء الحديث - أنه قد تخصص فريق من العلماء في نقض الرواية والرواة ، وتمييز الصادقين منهم عن الكذبة ، حتى صار ذلك علما محترما له قواعد ، وألفت فيه الكتب ، ونظمت للرواة معاجم حافلة بالتراجم ، فيها التنبيه على مبلغ كل راو من الصدق والتثبت والأمانة في النقل ، وإذا كان لبعضهم نزعات حزبية أو مذهبية قد يجنح معها على الهوى ذكروا ذلك في ترجمته ليكون دارس أخبارهم ملما بنواحي القوة والضعف من هذه الأخبار . والذين يتهجمون على الكتابة في تاريخ الإسلام وتصنيف الكتب فيه قبل أن يستكملوا العدة لذلك - ولا سيما في نقد الرواة ومعرفة ما حققه العلماء في عدالتهم أو تجريحهم - يقعون في أخطاء كان في إمكانهم أن لا يقعوا فيها لو أنهم استكملوا وسائل العلم بهذه النواحي .

(1/78)


قاصمة
قالوا متعدين ، متعلقين برواية كذابين : جاء عثمان في ولايته بمظالم ومناكير ، منها :
1 - ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه .
2 - ولابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه .
3 - وابتدع في جمع القرآن وتأليفه ، وفي حرق المصاحف .
4 - وحمى الحمى .
5 - وأجلى أبا ذر إلى الربذة .
6 - وأخرج من الشام أبا الدرداء .
7 - ورد الحكم بعد أن نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
8 - وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر .
9 - 12 - وولى معاوية ، [ وعبد الله بن عامر بن كريز ] (1) ، ومروان . وولى الوليد بن عقبة وهو فاسق ليس من أهل الولاية .
13 - وأعطى مروان خمس أفريقية .
14 - وكان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا (2) .
15 - وعلا على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد انحط عنها أبو بكر وعمر .
16 - ولم يحضر بدرا ، وانهزم يوم أحد ، وغاب عن بيعة الرضوان .
17 - ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان ( الذي أعطى السكين إلى أبي لؤلؤة ، وحرضه على عمر حتى قتله ) .
18 - وكتب مع عبده على جمله كتابا إلى ابن أبي سرح في قتل من ذكر فيه .
_________
(1) سقط اسم ابن كريز من الأصل سهوا من الناسخ أو من الطابع في مطبوعة الجزائر ، مع أنه ذكر في الدفاع الآتي بعد . ومطبوعة الجزائر طبعت على أصل سقيم بخط ناسخ غير متمكن . وقد وقع تقديم وتأخير في ترتيب التهم وأجوبتها ، ويلوح لنا أن مجلد الأصل المخطوط الذي طبعت عليهم مطبوعة الجزائر وضع بعض الورق في غير مواضعه عند التجليد ، فأعدنا ترتيب التهم وأجوبتها على نسق ، ولم نزد عن الأصل كلمة ولم ننقص منه كلمة ، وبذلك تلافينا الاضطراب الذي كان باديا للقارئ في المطبوعة الجزائرية .
(2) الدرة : عصا صغيرة يحملها السلطان يزع بها .

(1/79)


عاصمة
هذا كله باطل سندا ومتنا ، أما قولهم " جاء عثمان بمظالم ومناكير " فباطل (1) . 1 - 2 - وأما ضربه لابن مسعود ومنعه عطاءه فزور (2) ، وضربه لعمار إفك مثله ، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدا (3) .
وقد اعتذر عن ذلك العلماء بوجوه لا ينبغي أن يشتغل بها لأنها مبنية على باطل (4) ، ولا يبنى حق على باطل ، ولا نذهب الزمان في مماشاة الجهال ، فإن ذلك لا آخر له .
_________
(1) كما ترى من الأدلة التي سيوردها المؤلف في نقض هذه التهم واحدة بعد واحدة حتى يأتي على آخرها .
(2) تقدم في هامش ص 54 قول عبد الله بن مسعود لما بويع عثمان : ( بايعنا خيرنا ولم نأل ) ويروى ( ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل ) وعند ولاية عثمان كان ابن مسعود واليا لعمر على أموال الكوفة ، وسعد بن أبي وقاص واليا على صلاتها وحربها ، فاختلف سعد وابن مسعود على قرض استقرضه سعد - كما سيأتي - فعزل عثمان سعدا وأبقى ابن مسعود . وإلى هنا لا يوجد بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو . فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عرضة عرض بها كتاب الله - عز وجل - على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ، كان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به ، وكان يود أيضا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى . فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين : أما في اختيار عثمان زيد بن ثابت لكتابة المصحف الموحد فلأن أبا بكر وعمر اختاراه قبل ذلك لهذا العمل في خلافة أبي بكر ، بل إن أبا بكر وعمر اختارا زيد بن ثابت في البداية لأنه هو الذي حفظ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول صلوات الله عليه قبيل وفاته ، فكان عثمان على حق في هذا ، وهو يعلم - كما يعلم سائر الصحابة - مكانة ابن مسعود وعلمه وصدق إيمانه . ثم إن عثمان كان على حق أيضا في غسل المصاحف الأخرى كلها ومنها مصحف ابن مسعود ، لأن توحيد كتابة المصحف على أكمل ما كان في استطاعة البشر هو من أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة ، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود ( انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية 3 : 191 - 192 ) . وعلى كل حال فإن عثمان لم يضرب ابن مسعود ولم يمنعه عطاءه ، وبقي يعرف له قدره كما بقي ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة .
(3) روى الطبري ( 5 : 99 ) عن سعيد بن المسيب أنه كان بين عمار وعباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف حمل عثمان على أن يؤدبهما عليه بالضرب . قلت : وهذا مما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال قبل عثمان وبعده ، وكم فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار ومن هم خير من عمار بما له من حق الولاية على المسلمين . ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات ، وصاروا يرسلون الكتب من كل مصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالا ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال ، تناسى عثمان ما كان من عمار ، وأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها . فأبطأ عمار في مصر ، والتف به السبئيون ليستميلوه إليهم ، فتدارك عثمان وعامله على مصر هذا الأمر ، وجيء بعمار إلى المدينة مكرما . وعاتبه لما قدم عليه فقال له - على ما رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 7 : 429 ) - : « يا أبا اليقظان قذفت ابن أبي لهب أن قذفك . . . وغضبت علي أن أخذت لك بحقك وله بحقه . اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة ، اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي . اخرج عني يا عمار » فخرج ، فكان إذا لقي العوام نضح عن نفسه وانتفى من ذلك ، وإذا لقي من يأمنه بذلك أظهر الندم ، فلامه الناس وهجروه وكرهوه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 3 : 192 - 193 ) : وعثمان أفضل من كل من تكلم فيه ، هو أفضل من ابن مسعود ، وعمار ، وأبي ذر ، ومن غيرهم من وجوه كثيرة كما ثبت ذلك بالدلائل ، فليس جعل كلام المفضول قادحا في الفاضل بأولى من العكس . وكذلك ما نقل من تكلم عمار في عثمان ، وقول الحسن فيه ( أي في عمار ) . نقل أن عمارا قال : لقد كفر عثمان كفرة صلعاء . فأنكر الحسن بن علي ذلك عليه ، وكذلك علي وقال له : يا عمار ، أتكفر برب آمن به عثمان ؟ قال ابن تيمية : وقد تبين من ذلك أن الرجل المؤمن الذي هو ولي لله قد يعتقد كفر الرجل المؤمن الذي هو ولي لله ، ويكون مخطئا في هذا الاعتقاد ولا يقدح هذا في إيمان واحد منهما وولايته . كما ثبت في الصحيح أن أسيد بن حضير قال لسعد بن عبادة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم : إنك منافق تجادل عن المنافقين . وكما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق . فقال صلى الله عليه وسلم : « إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » . فعمر أفضل من عمار ، وعثمان أفضل من حاطب بن أبي بلتعة بدرجات كثيرة ، وحجة عمر فيما قال لحاطب أظهر من حجة عمار ، ومع هذا فكلاهما من أهل الجنة ، فكيف لا يكون عثمان وعمار من أهل الجنة وإن قال أحدهما للآخر ما قال ؟ مع أن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمار قال ذلك . . . ثم قال شيخ الإسلام : وفي الجملة ، فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارا فهذا لا يقدح في أحد منهم . فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة ، وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين . وإن ولي الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية ، فكيف بالتعزير . وقد ضرب عمر بن الخطاب أبي بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه وقال : « هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع » فإن كان عثمان أدب هؤلاء . فإما أن يكون عثمان مصيبا في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك ، ويكون ذلك الذي عزروا عليه تابوا منه وكفر عنهم بالتعزير وغيره من المصائب أو بحسناتهم العظيمة أو بغير ذلك . وإما أن يقال كانوا مظلومين مطلقا . فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة ، فإنه أفضل منهم ، وأحق بالمغفرة والرحمة . . . . إلخ .
(4) أي على ادعاء الكاذبين أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمير المؤمنين عثمان ضرب عمارا حتى فتق أمعاءه ، وضرب ابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه ! .

(1/80)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية